← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7362

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين

أبو البركات الأنباري

Полный текст (705 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبتدأ؛ لأنه لا ينفكُّ عنه، ورتبتُه أن لا يقع إلا بعده، فالابتداء يعمل في الخبر عند وجود المبتدأ، لا به، كما أن النار تُسَخِّنِ الماء بواسطة القِدْر والحَطَبِ، فالتسخين إنما حصل عند وجودهما، لا بهما؛ لأن التسخين إنما حصل بالنار وحدها، فكذلك ههنا، الابتداء وحده هو العامل في الخبر عند وجود المبتدأ، إلا أنه عامل معه؛ لأنه اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل. وأما مَنْ ذهب إلى أن الابتداء يعمل في المبتدأ، والمبتدأ يعمل في الخبر، فقالوا: إنما قلنا إن الابتداء يعمل في المبتدأ، والمبتدأ يعمل في الخبر دون الابتداء؛ لأن الابتداء عامل معنوي، والعامل المعنوي ضعيف؛ فلا يعمل في شيئين كالعامل اللفظي. وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنه متى وجب كونه عاملًا في المبتدأ وجب أن يعمل في خبره؛ لأن خبر المبتدأ يتنزل منزلَةَ الوَصْفِ، ألا ترى أن الخبر هو المبتدأ في المعنى، كقوله: "زيد قائم، وعمرو ذاهب" أو منزل منزلته، كقوله "زيد الشمسُ حُسْنًا، وعمرو الأسدُ شدةً" أي يتنزل منزلته، وكقولهم "أبو يوسف أبو حنيفة" أي يتنزل منزلته في الفقه، قال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي تتنزّل منزلتهن في الحرمة والتحريم؛ فلما كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، أو منزّلًا منزلته تنزل منزلة الوصف؛ لأن الوصف في المعنى هو الموصوف. ألا ترى أنك إذا قلت "قام زيدٌ العاقلُ، وذهب عمروٌ الظريفُ" أن العاقل في المعنى هو زيد، والظريف في المعنى هو عمرو؟ ولهذا لما تنزل الخبر منزلة الوصف كان تابعًا للمبتدأ في الرفع؛ كما تتبع الصفة الموصوف، وكما أن العامل في الوصف هو العامل في الموصوف، سواء كان العامل قويًّا أو ضعيفًا، فكذلك ههنا. وأما قولهم "إن المبتدأ يعمل في الخبر" فسنذكر فساده في الجواب عن كلمات الكوفيين. أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنهما يترافعان؛ لأن كل واحد منهما لا بُدّ له من الآخر ولا ينفكّ عنه" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن ما ذكرتموه يؤدِّي إلى محال، وذلك لأن العامل سبيله أن يُقَدَّرَ قبل المعمول، وإذا قلنا إنهما يترافعان وجب أن يكون كل واحد منهما قَبْلَ الآخر، وذلك مُحَال، وما يؤدي إلى المحال محال. والوجه الثاني: أن العامل في الشيء ما دام موجودًا لا يدخل عليه عامل غيره؛ لأن عاملًا لا يدخل على عامل، فلما جاز أن يقال:"كان زيد أخاك، وإن

стр. 37

زيدًا أخوك، وظننت زيدًا أخاك" بطل أن يكون أحدهما عاملًا في الآخر. وأما ما استشهدوا به من الآيات فلا حجة لهم "فيه" من ثلاثة أوجه: أحدها: أنا لا نسلّم أن الفعل بعد أيّا ما وأينما مجزوم بأيّا ما وأينما، وإنما هو مجزوم بإِنْ، وأيّا ما وأينما نابا عن إنْ لفظًا، وإن لم يعملا شيئًا. والوجه الثاني: أنا نسلم أنها نَابَتْ عن إنْ لفظًا وعملًا، ولكن جاز أن يعمل كل واحد منهما في صاحبه لاختلاف عملهما، ولم يعملا من وجه واحد؛ فجاز أن يجتمعا ويعمل كل واحد منهما في صاحبه، بخلاف ما هنا. والوجه الثالث: إنما عمل كل واحد منهما في صاحبه لأنه عامل؛ فاستحق أن يعمل، وأما ههنا فلا خلاف أن المبتدأ والخبر نحو: "زيد أخوك" اسمان باقيان على أصلهما في الاسمية، والأصل في الأسماء أن لا عمل؛ فَبَانَ الفرقُ بينهما. وأما قولهم "إن الابتداء لا يخلو من أن يكون اسمًا أو فعلًا أو أداة إلى آخر ما قرروا "قلنا: قد بيّنا أن الابتداء عبارة [عن التَّعَرِّي] عن العوامل اللفظية. وقولهم "فإذا كان معنى الابتداء هو التعرّي عن العوامل اللفظية هو إذًا عبارة عن عدم العوامل، وعدم العوامل لا يكون عاملًا" قلنا: قد بيّنا وجه كونه عاملًا في دليلنا بما يغني عن الإعادة ههنا، على أن هذا يلزمكم في الفعل المضارع؛ فإنكم تقولون "يرتفع بتعرِّية من العوامل الناصبة والجازمة"، وإذا جاز لكم أن تجعلوا التعرّي عاملًا في الفعل المضارع جاز لنا أيضًا أن نجعل التعرّي عاملًا في الاسم المبتدأ. وحكي أنه اجتمع أبو عمر الجَرْمِي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفَرَّاء، فقال الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم "زيد منطلق" لم رفعوا زيدًا١؟ فقال له الجرمي: بالابتداء، قال له الفراء: ما معنى الابتداء؟ قال: تَعْرِيته من العوامل، قال له الفراء: فأظهره، قال له الجرمي: هذا معنى لا يُظْهَر قال له الفراء: فمثله إذًا، فقال الجرمي: لا يتمثل، فقال الفراء: ما رأيت كاليوم عاملًا، لا يُظْهَر ولا يتمثل! فقال له الجرمي: أخبرني عن قولهم: "زيد ضربته" لم رفعتم١ زيدًا؟ فقال: بالهاء العائدة على زيد، فقال الجرمي: الهاء اسم فكيف يرفع الاسم؟ فقال الفراء: نحن لا نبالي من هذا؛ فإنا نجعل كل واحد من الاسمين إذا قلت "زيد منطلق" رافعًا

стр. 38

لصاحبه، فقال الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في "زيد منطلق" لأن كل اسم منهما مرفوع في نفسه فجاز أن يرفع الآخر، وأما الهاء في "ضربته" ففي محل النصب، فكيف ترفع الاسم؟ فقال الفراء: لا نرفعه بالهاء، وإنما رفعناه بالعائد على زيد، قال الجرمي: ما معنى العائد؟ قال الفراء: معنى لا يظهر، قال الجرمي: أظهره، قال الفراء؛ لا يمكن إظهاره، قال الجرمي: فمثله، قال: لا يتمثل، قال الجرمي: لقد وقعت فيما فَرَرْتَ منه. فحُكي أنه سئل الفراء بعد ذلك فقيل له: كيف وجدت الجرمي؟ فقال: وجدته آية، وسئل الجرمي، فقيل له: كيف وجدت الفراء؟ فقال: وجدته شيطانًا. وأما قولهم "إنا نجدهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكنات والحروف ولو كان ذلك موجبًا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة" قلنا: أما المنصوبات فإنها لا يتصور أن تكون مبتدأة؛ لأنها وإن كانت متقدمة في اللفظ إلا أنها متأخرة في التقدير؛ لأن كل منصوب لا يخلو إما أن يكون مفعولًا أو مشبهًا بالمفعول، والمفعول لا بدّ أن يتقدمه عامل لفظًا أو تقديرًا، فلا تصح له رتبة الابتداء، وإذا كانت هذه المنصوبات متقدمة في اللفظ متأخرة التقدير لم يصح أن تكون مبتدأة؛ لأنه لا اعتبار بالتقديم إذا كان في تقدير التأخير، وأما المسكنات إذا ابتدئ بها فلا يخلو إما أن تقع مُقَدَّمة في اللفظ دون التقدير أو تقع مقدمة في اللفظ والتقدير: فإن وقعت متقدمة في اللفظ دون التقدير كان حكمها حكم المنصوبات؛ لأنها في تقدير التأخير. وإن وقعت متقدمة في اللفظ والتقدير فلا تخلو: إما أن تستحق الإعراب في أول وضعها، أو لا تستحق الإعراب في أول وضعها: فإن كانت تستحق الإعراب في أول وضعها نحو "مَن، وكم" وما أشبه ذلك من الأسماء المبنية على السكون فإنا نحكم على موضعها بالرفع بالابتداء، وإنما لم يظهر في اللفظ لعلة عارضة منعت من ظهوره، وهي شَبَهُ الحرف١ أو تضمُّن معنى الحرف. وإن كانت لا تستحق الإعراب في أول وضعها -نحو الأفعال والحروف المبنية على السكون- فإنا لا نحكم على موضعها بالرفع بالابتداء؛ لأنها لا تستحق شيئًا من الإعراب في أول الوضع، فلم يكن الابتداء موجبًا لها الرفع؛ لأنه نوع منه. وهذا هو الجواب عن قولهم: "إنهم يبتدئون بالحروف، فلو كان ذلك موجبًا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة" وعدم عمله في محل لا يقبل العمل لا يدل على عدم عمله في محل يقبل العمل، ألا ترى أن السيف يقطع في محلٍّ ولا يقطع في

стр. 39

محلٍّ آخر؟! وعدم قطعه في محلّ لا يقبل القطع لا يدل على عدم قطعه في محل يقبل القطع؛ لأن عدم القطع في محلّ لا يقبل القطع إنما كان لنُبُوِّهِ في المحل، لا لأن السيف غير قاطع، فكذلك ههنا: عدم عمل الابتداء في محل لا يقبل العمل إنما كان لعدم استحقاق المعمول ذلك العمل، لا لأن الابتداء غير صالح أن يعمل ذلك العمل، والله أعلم.

стр. 40

٦- مسألة: [في رافع الاسم الواقع بعد الظرف والجار والمجرور] ١ ذهب الكوفيون إلى أن الظرف يرفع الاسم إذا تقدم عليه، ويسمُّون الظرف المحلّ، ومنهم من يسميه الصفة، وذلك نحو قولك "أمامك زيد، وفي الدار عمرو" وإليه ذهب أبو الحسن الأَخْفَش في أحَدِ قَوليه وأبُو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد من البصريين، وذهب البصريون إلى أن الظرف لا يرفع الاسم إذا تقدم عليه، وإنما يرتفع بالابتداء. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في قولك: "أمامك زيد، وفي الدار عمرو" حلّ أمَامَكَ زيد، وحلّ في الدار عمرو، فحذف الفعل واكتفى بالظرف منه، وهو غير مطلوب، فارتفع الاسم به كما يرتفع بالفعل. والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه أن سيبويه يساعدنا على أن الظرف يرفع إذا وقع خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالًا لذي حال، أو صلةً لموصول، أو معتمدًا على همزة الاستفهام أو حرف النفي، أو كان الواقع بعده "أنَّ" التي في تقدير المصدر؛ فالخبر كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: ٣٧] فجزاء مرفوع بالظرف، والصفة كقولك "مررت برجل صالح في الدار أبوه"، والحال كقولك "مررت بزيد في الدار أبوه" وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ "فهدى ونور" مرفوعان بالظرف لأنه حال من الإنجيل، ويدل عليه قوله تعالى ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٦] فعطف "مصدقا" على حال قبله، وما ذاك إلا الظرف، والصلة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] والمعتمد

стр. 41

على الهمزة كقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] ، وحرف النفي كقولك: "ما في الدار أحدٌ"، وأنَّ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٣٩] فأنَّ وما عملت فيه في موضع رفع بالظرف، وإذا عمل الظرف في هذه المواضع كلها فكذلك فيم وقع الخلاف فيه. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا أن الاسم بعده يرتفع بالابتداء لأنه قد تعرَّى من العوامل اللفظية، وهو معنى الابتداء، فلو قُدِّرَ ههنا عامل لم يكن إلا الظرف، وهو لا يصلح ههنا أن يكون عاملا لوجهين: أحدهما: أن الأصل في الظرف أن لا يعمل، وإنما يعمل لقيامه مقام الفعل، ولو كان ههنا عاملًا لقيامه مقام الفعل ما جاز أن تدخل على العوامل فتقول "إن أمامك زيدًا، وظننت خلفك عمرًا"، وما أشبه ذلك؛ لأن عاملًا لا يدخل على عامل؛ فلو كان الظرف رافعًا لزيد لما جاز ذلك، ولما كان العامل يتعداه إلى الاسم ويُبْطِلُ عمله، كما لا يجوز أن تقول "إنَّ يقوم عمرًا، وظننت ينطلق بكرًا" فلما تعدّاه العامل إلى الاسم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ولم يُرْو عن أحد من القراء أنه كان يذهب إلى خلاف النصب دلّ على ما قلناه. والثاني: أنه لو كان عاملا لوجب أن يُرْفَعَ به الاسم في قولك "بك زيد مأخوذ" وبالإجماع أنه لا يجوز ذلك. اعترضوا على هذين الوجهين من وجهين: أما الوجه الأول فاعترضوا عليه بأن قالوا: قولكم "إن العامل يتعدَّاه إلى الاسم بعده" ليس بصحيح؛ لأن المحلّ عندنا اجتمع فيه نَصْبَان: نصب المحل في نفسه، ونصب العامل، ففاض أحدهما إلى "زيد" فنصبه. وأما الوجه الثاني فاعترضوا عليه بأن قالوا: قولكم "إنه لو كان عاملا لوجب أن يرفع الاسم في قولك: بك زيد مأخوذ" ليس بصحيح، وذلك لأن "بك" مع الإضافة إلى الاسم لا يفيد، بخلاف قولنا "في الدار زيد" إذا أضيف إليه الاسم فإنه يفيد ويكون كلامًا. وما اعترضوا به على الوجهين باطل: أما اعتراضهم على الوجه الأول: قولهم "إنه اجتمع في المحل نصبان: نصب المحل في نفسه، ونصب العامل" قلنا: هذا باطل من وجهين: أحدهما: أن هذا يؤدي إلى أنه يجوز أن يكون الاسم منصوبًا من وجهين.

стр. 42

وذلك لا يجوز، ألا ترى أنك لو قلت "أكرمت زيدًا وأعطيت عمرًا العاقلين" لم يجز أن تنصبه على الوصف؛ لأنك تجعله منصوبًا من وجهين، وذلك لا يجوز، فكذلك ههنا. والوجه الثاني: أن النصب الذي فاض من المحلّ إلى الاسم لا يخلو: إما أن يكون نصب المحل، أو نصب العامل؛ فإن قلتم نصب الظرف فقولوا إنه منصوب بالظرف، وهذا ما لا يقول به أحد؛ لأنه لا دليل عليه، وإن قلتم إنه نَصْبُ العامل فقد صح قولنا: إن العامل يتعدَّاه إلى ما بعده ويُبْطل عمله. وأما اعتراضهم على الوجه الثاني: قولهم "إن بِكَ مع الإضافة إلى الاسم لا يفيد، بخلاف قولك في الدار إذا أضيف إليه الاسم فإنه يفيد" فباطل أيضًا؛ وذلك لأنه لو كان عاملا لما وقع الفرقُ بينهما في هذا المعنى، ألا ترى أن قولك "ضَارَبَ زَيْدٌ" لا يفيد، و"سار زيد" يفيد، ومع هذا فكل منهما عامل كالآخر، فكذلك كان ينبغي أن يكون ههنا. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل في قولك أمامك زيد وفي الدار عمرو: حَلَّ أمامك زيد، وحلّ في الدار عمرو؛ فحذف الفعل، واكتفى بالظرف منه" قلنا: لا نسلم؛ أنَّ التقدير في الفعل التقديم، بل الفعل وما عمل فيه في تقدير التأخير؛ وتقديم الظرف لا يدل على تقديم الفعل؛ لأن الظرف معمول الفعل، والفعل هو الخبر، وتقديم معمول الخبر لا يدل على أن الأصل في الخبر التقديم، ولأن المبتدأ يخرج عن كونه مبتدأ بتقديمه، ألا ترى أنك تقول "عمرًا زَيْدٌ ضَارِبٌ" ولا يدل ذلك على أن الأصل في الخبر التقديم وإن كان يجوز تقديمه على المعمول، فكذلك ههنا. والذي يدل على أن الفعل ههنا في تقدير التأخير والاسم في تقدير التقديم مسألتان؛ إحداهما: أنك تقول "في داره زيد" ولو كان كما زعمتم لأدَّى ذلك إلى الإضمار قبل الذكر، وذلك لا يجوز، والثانية: أنَّا أجمعنا على أنه إذا قال "في داره زيد قائم" فإن زيدًا لا يرتفع بالظرف، وإنما يرتفع عندكم بقائم، وعندنا يرتفع بالابتداء، ولو كان مقدّمًا على زيد لوجب أن لا يلغى. وأما قولهم "إنَّ الفعل غير مطلوب" قلنا: لو كان الفعل غير مطلوب ولا مقدر لأدَّى ذلك إلى أن يبقى الظرف منصوبًا بغير ناصب، وذلك لا يجوز، وسنبيّن فساد ذلك في موضعه. وأما قولهم "إن سيبويه يساعدنا على أن الظرف يَرْفَعُ إذا وقع خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالًا لذي حال، أو صلة لموصول، أو معتمدًا على همزة

стр. 43

الاستفهام إلى غير ذلك" فإنما كان كذلك لأن هذه المواضع أولى بالفعل من غيره، فَرَجَحَ جانبهُ على الابتداء، كما قلنا في اسم الفاعل إذا جرى خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالًا لذي حال، أو صلة لموصول، أو معتمدًا على همزة الاستفهام أو حرف النفي، فالخبر كقولك "زيد قائم أبوه" والصفة كقولك "مررت برجل كريم أخوه" والحال كقولك: "جاءني زيد ضاحكًا وجْهُه" والصلة كقولك: "رأيت الذاهِبَ غُلَامُه" والمعتمد على الهمزة نحو: "أَذَاهِبٌ أَخَوَاكَ" وحرف النفي نحو: "ما قائم غلامُك" وإنما كان ذلك لأن هذه الأشياء أولى بالفعل من غيره؛ فلهذا غَلَبَ جانب تقديره، بخلاف ما وقع الخلاف فيه، والله أعلم.

стр. 44

٧- مسألة: [القول في تحمُّلِ الخبر الجامد ضميرَ المبتدأ] ١ ذهب الكوفيون إلى أن خبر المبتدأ إذا كان اسمًا محضًا٢ يتضمّن ضميرًا يرجع إلى المبتدأ، نحو "زيد أخوك، وعمرو غُلَامُكَ" وإليه ذهب علي بن عيسى الرُّمَّانِيّ من البصريين. وذهب البصريون إلى أنه لا يتضمّن ضميرًا. وأجمعوا على أنه إذا كان صفة أنه يتضمن الضميرَ، نحو "زيد قائمٌ، وعمرو حسنٌ" وما أشبه ذلك. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يتضمن ضميرًا -وإن كان اسمًا غير صفة لأنه في معنى ما هو صفة، ألا ترى أن قولك "زيد أخوك" في معنى زيد قريبك، و"عمرو غلامك" في معنى عمرو خادمك، وقريبك وخادمك يتضمن كل واحد منهما الضمير، فلما كان خبر المبتدأ ههنا في معنى ما يتحمل الضمير وجب أن يكون فيه ضمير يرجع إلى المبتدأ. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يتضمن ضميرًا، وذلك لأنه اسم محض غير صفة، وإذا كان عاريًا عن الوصفية فينبغي أن يكون خاليًا عن الضمير؛ لأن الأصل في تضمن الضمير أن يكون للفعل، وإنما يتضمن الضميرَ من

стр. 45

الأسماء ما كان مُشَابِهًا له ومتضمّنًا معناه كاسم الفاعل والصفة المشبهة به نحو "ضارب، وقاتل، وحَسَن، وكريم" وما أشبه ذلك، وما وقع الخلاف فيه ليس بينه وبين الفعل مشابهة بحال، ألا ترى أنك إذا قلت "زيدٌ أخُوكَ" كان أخوك دليلا على الشخص الذي دل عليه زيد، وليس فيه دلالة على الفعل، فكذلك إذا قلت "عمرو غلامك" كان غلامك دليلا على الشخص الذي دل عليه عمرو، وليس فيه دلالة على الفعل؛ فوجب أن لا يجوز الإضمار فيه، كما لا يجوز في زيد وعمرو. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم "إنما قلنا إنه يتضمن الضمير وإن كان اسمًا محضًا لأنه في معنى ما يتضمن الضمير لأن أخوك في معنى قريبك، وغلامك في معنى خادمك" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه إنما جاز أن يكون قريبك وخادمك متحملا للضمير لأنه يشابه الفعل لفظًا ويتضمنه معنًى، وهو الأصل في تحمل الضمائر، ولا شُبْهَةَ في مشابهة اسم الفاعل والصفة المشبهة به للفعل، ألا ترى أن "خَادِم" على وزن "يَخْدم" في حركته وسكونه وأن فيه حروف خدَمَ الذي هو الفعل، وكذلك "قريب" فيه حروف قَرُبَ الذي هو الفعل؛ فجاز أن يتضمن الضمير، فأما أخوك وغلامك فلا شبهة في أنه لا مشابهة بينه وبين الفعل بحالٍ، فينبغي أن لا يتحمل الضمير، وكونه في معنى ما يشبه الفعل لا يوجب شبهًا بالفعل، ألا ترى أن حروف "أخوك، وغلامك" عارية من حروف الفعل الذي هو قَرُبَ وخَدَمَ؛ فينبغي أن لا يتحمل الضمير، ألا ترى أن المصدر إنما عَمِلَ عَمَلَ الفعل نحو "ضَرْبِي زيدًا حسنٌ" لتضمنه حروفَه، فلو أقمت ضمير المصدر مقامه فقلت "ضَرْبِي زيدا حسن وهو عمرًا قبيح" لم يجز وإن كان ضمير المصدر في معناه١؛ لأن المصدر إنما عمل الفعل لتضمنه حروفه، وليس في ضمير المصدر لفظ الفعل؛ فلا يجوز أن يعمل عمله، فكذلك ههنا: إنما جاز أن يتحمل نحو "قريبك، وخادمك" الضمير لمشابهته للفعل وتضمنه لفظه، ولم يجز ذلك في نحو "أخوك" و"غلامك" لأنه لم يشابه الفعل ولم يتضمن لفظه، والله أعلم.

стр. 46

مسألة في إبراز الضمير إذا جرى الوصف على غير صاحبه ... ٨- مسألة: [القول في إبراز الضمير إذا جرى الوصف على غير صاحبه] ١ ذهب الكوفيون إلى أن الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على غير مَنْ هو له نحو قولك "هند زيد ضاربتُهُ هي" لا يجب إبرازه. وذهب البصريون إلى أنه يجب إبرازه، وأجمعوا على أن الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على مَنْ هو له لا يجب إبرازه. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجب إبرازه في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له أنه قد جاء عن العرب أنهم قد استعملوه بترك إبرازه فيه إذا جرى على غير من هو له، قال الشاعر: [٢٠] وإنَّ امْرَأً أسرَى إليك ودونه ... من الأرض مُومَاةٌ وبيداءُ سَمْلَقُ

стр. 47

لمحقوقة أَنْ تستجيبي دعاءَه ... وأن تعلمي أن المُعَانَ مُوَفَّقُ فترك إبراز الضمير، ولو أبرزه لقال "محقوقة أنت" وقال الآخر: [٢١] يرى أَرْبَاقَهُم مُتَقَلِّدِيهَا ... كما صَدِئَ الحديد على الكُمَاة فترك إبرازه، ولو أبرزه لقال "متقلديها هم" فلما أضمره ولم يبرزه دلّ على جوازه، ولأن الإضمار في اسم الفاعل إنما جاز إذا جرى على من هو له لشبه الفعل، وهو مشابه له إذا جرى على غير من هو له، كما إذا جرى على من هو له؛ فكما جاز الإضمار فيه إذا جرى على من هو له فكذلك يجوز إذا جرى على غير من هو له. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجب إبرازه فيه إذا جرى على غير من هو له أنا أجمعنا على أن اسم الفاعل فَرْعٌ على الفعل في تحمل الضمير؛ إذ كانت الأسماء لا أصل لها في تحمل الضمير وإنما يُضْمَرُ فيما شَابَهَ منها الفعل كاسم الفاعل نحو "ضارب، وقاتل" والصفة المشبهة به نحو "حسن، وشديد" وما أشبه ذلك؛ فإذا ثبت أن اسم الفاعل فرع على الفعل فلا شك أن المشبه بالشيء يكون أضعف منه في ذلك الشيء، فلو قلنا إنه يتحمل الضمير في كل حالة -إذا جرى على من هو له، وإذا جرى على غير من هو له- لأدّى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز؛ لأن الفروع أبدًا تنحطُّ عن درجة الأصول، فقلنا: إنه إذا جرى على غير من هو له يجب إبراز الضمير؛ ليقع الفرقُ بين الأصل والفرع. ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا يجب إبراز الضمير فيه إذا جرى على غير من هو له لأنا لو لم نبرزه لأدّى ذلك إلى الالتباس، ألا ترى أنك لو قلت "زيد أخوه ضارب" وجعلت الفعل لزيد ولم تبرز الضمير لأدّى ذلك إلى أن يسبق إلى فَهْمِ السامع أن الفعل للأخ دون زيد، ويلتبس عليه ذلك؟ ولو أبرزت الضمير لزال هذا الالتباس؛

стр. 48

فوجب إبرازه؛ لأنه به يحصل إفهامُ السامع ورفع الالتباس؛ ويخرج على هذا إذا جرى على من هو له؛ فإنه إنما لم يلزمه إبراز الضمير لأنه لا التباس فيه، ألا ترى أنك لو قلت "زيد ضارب غلامه" لم يسبق إلى فهم السامع إلا أن الفعل لزيد؛ إذ كان واقعًا بعده فلا شيء أولى به منه، فبان بما ذكرنا صحة ما صرنا إليه. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما البيت الأول وهو قوله: [٢٠] لمحقوقةٌ أن تستجيبي دعاءَه فلا حُجَّة لهم فيه؛ لأنه محمول عندنا على الاتّساع والحذف، والتقدير فيه: لمحقوقة بك أن تستجيبي دعاءه١، وإذا جاز أن يُحْمَل البيت على وجه سائغ في العربية فقد سقط الاحتجاج به. وأما البيت الثاني، وهو قول الآخر: [٢١] ترى أَرْبَاقَهُم مُتَقَلِّدِيهَا فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأن التقدير فيه ترى أصحاب أرباقهم، إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية، وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] ومنه قولهم: "الليلَةَ الهِلَالُ" أي: طلوعُ الهلالِ؛ لأن ظروف الزمان لا تكون إخبارًا عن الجُثَثِ. قال الشاعر: [٢٢] وشرُّ المنايا ميِّت وَسْطَ أهْلِهِ ... كَهُلْكِ الفَتَى قد أسلم الحَيَّ حَاضِرُهْ

стр. 49

أي منية ميت. وقال الآخر: [٢٣] وكيف تواصل من أصبحت ... خَلَالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ؟ أي: كخَلَالة أبي مرحب، وقال الآخر: [٢٤] أَكِلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَخْوُونَهُ ... يُلْقِحُهُ قوم وتُنْتِجُونَهُ؟

стр. 50

أي: إِحْرَاز نَعَم. وقال الآخر: [٢٥] كأن عَذِيرَهُم بجنوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ في بلد قَفِارِ أي: كأن عذيرهم عذير نعام. والعذير: الحال، والحال لا يُشَبَّه بالنعام وقال الآخر: [٢٦] قليلٌ عيبهُ، والعيب جمٌّ ... ولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورٌ

стр. 51

أي: ولكن الغنى غنى رب غفور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والشواهد على هذا النحو أكثر من أن تُحْصَى؛ فعلى هذا يكون قد أجرى قوله "متقلديها" -وهو اسم فاعل- على ذلك المحذوف، فلا يفتقر إلى إبراز الضمير. وأما قولهم "إن الإضمار في اسم الفاعل إنما كان لشبه الفعل وهو يشابه الفعل إذا جرى على غير مَنْ هو له" قلنا: فلكونه فرعًا على الفعل وجب فيه إبراز الضمير ههنا؛ لئلا يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع، ولما يؤدي إليه تركُ الإبراز من اللَّبس على ما بيّنا، والله أعلم.

стр. 52

٩- مسألة: [القول في تقديم الخبر على المبتدأ] ١ ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه، مفردًا كان أو جملة؛ "فالمفرد" نحو "قائم زيد، وذاهب عمرو" والجملة نحو "أبوه قائم زيد، وأخوه ذاهب عمرو". وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه المفرد والجملة. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه مفردًا كان أو جملة لأنه يؤدّي إلى أن تَقَدُّمِ ضميرَ الاسم على ظاهره، ألا ترى أنك إذا قلت: "قائم زيد" كان في قائم ضمير زيد؟ وكذلك إذا قلت "أبوه قائم زيد" كانت الهاء في أبوه ضمير زيد؛ فقد تقدم ضمير الاسم على ظاهره، ولا خلاف أن رتبة ضمير الاسم بعد ظاهره؛ فوجب أن لا يجوز تقديمُهُ عليه. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوّزنا ذلك لأنه قد جاء كثيرًا في كلام العرب وأشعارهم؛ فأما ما جاء من ذلك في كلامهم فقولهم في المثل "في بيته يُؤْتَى الحكم" وقولهم "في أكفانه لُفّ الميت" و "مَشنُوءٌ من يَشْنَؤُكَ" وحكى سيبويه "تميميٌّ أنا" فقد تقدم الضمير في هذه المواضع كلها على الظاهر؛ لأن التقدير فيها: الحَكَمُ يُؤْتَى في بيته، والميت لف في أكفانه، ومن يَشْنَؤكَ مَشْنُوء، وأنا تميميٌّ، وأما ما جاء من ذلك في أشعارهم فنحو ما قال الشاعر: [٢٧] بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ

стр. 53

ويروى "الأكارم" وتقديره: بنو أبنائنا بنونا. وقال الآخر: [٢٨] فتًى ما ابنُ الأغَرِّ إذا شَتَوْنَا ... وحبُّ الزَّاد في شَهْرَيْ قُمَاح وتقديره: ابنُ الأغر فتًى ما إذا شَتَوْنَا، وقال الشَّمَّاخ: [٢٩] كِلَا يومي طُوَالَةَ وَصْلُ أَرْوَى ... ظُنُونٌ، آن مُطَّرَحُ الظُّنُونِ

стр. 54

ووجه الدلالة من هذا البيت هو أن قوله "وَصْلُ أَرْوَى" مبتدأ، و"ظَنُون" خَبرُه، و "كِلَا يومي طوالة" ظرف يتعلق بـ "ظنون" الذي هو خبر المبتدأ، وقد تقدم معموله على المبتدأ؛ فلو لم يجز تقديم خبر المبتدأ عليه وإلا لما جاز تقديم معمول خبره عليه؛ لأن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل، ألا ترى أنك لو قلت "القتال زيدًا حين تأتي" فنصبت زيدا بتأتي لم يجز، لأنه لا يجوز أن تقدم تأتي على "حين" فتقول: القتال تأتي حين؛ فلو كان تقديم خبر المبتدأ ممتنعًا كما امتنع ههنا تقديم الفعل لامتنع تقديم معموله على المبتدأ؛ لأن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل؛ لأن المعمول تَبَعٌ للعامل، فلا يفوقه في التصرف، بل أجمل أحواله أن يقع موقعه؛ إذ لو قلنا إنه يقع حيث لا يقع العامل لقدَّمْنَا التابع على المتبوع؛ ومثال ذلك أن يجلس الغلام حيث لا يجلس السيد، فتجعل مرتبته فوق مرتبة السيد، وذلك عدول عن الحكمة، وخروج عن قضية المَعْدَلَة، وإذا ثبت بهذا جواز تقديم معمول خبر المبتدأ فَلأَن يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه أولى؛ لأن رتبة العامل قبل رتبة المعمول، وهذا لا إشكال فيه. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: وقولهم "لو جوَّزنا تقديمه لأدَّى ذلك إلى أن تُقَدِّمَ ضمير الاسم على ظاهره" قلنا: هذا فاسد، وذلك لأن الخبر وإن كان مقدمًا في اللفظ إلا أنه متأخر في التقدير، وإذا كان مقدما لفظًا متأخرًا تقديرًا، فلا اعتبار بهذا التقديم في منع الإضمار؛ ولهذا جاز بالإجماع "ضَرَبَ غُلَامَهُ زَيْدٌ" إذا جعلت زيدًا فاعلًا وغلامه مفعولًا؛ لأن غلامه، وإن كان متقدمًا عليه في اللفظ إلا أنه في تقدير التأخير؛ فلم يمنع ذلك من تقديم الضمير، قال الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] فالهاء عائدة إلى موسى وإن كان متأخرًا لفظًا؛ لأن موسى في تقدير التقديم، والضمير في تقدير التأخير، قال زهير: [٣٠] مَنْ يَلْقَ يومًا على عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ منه والنَّدَى خُلُقَا

стр. 55

وقال الأعشى: [٣١] أَصَابَ الملوك فأفناهم ... وأخرج من بيته ذا جَدَنْ ويروى "ذَا يَزَنْ". وكذلك أجمعنا على جواز تقديم خبر "كان" على اسمها، نحو "كان قائمًا زيد" وإن كان قد قُدِّم فيه ضمير الاسم على ظاهره، إلا أنه لما كان في تقدير التأخير لم يمنع ذلك من تقديم الضمير، ولهذا لو فقد هذا التقدير من التقديم والتأخير لما جاز تقديم الضمير، ألا ترى أنه لا يجوز "ضَرَبَ غُلَامُهُ زيدًا" إذا جعلت غلامه فاعلًا وزيدًا مفعولًا؛ لأن التقدير إنما يخالف اللفظ إذا عُدِلَ بالشيء عن الموضع الذي يستحقه؛ فأما إذا وقع في الموضع الذي يستحقه فمحال أن يقال إن النيّة به غير ذلك. وههنا قد وقع الفاعل في رتبته والمفعول في رتبته، فلم يمكن أن تجعل الضمير في تقدير التأخير، بخلاف ما إذا قلت: ضرب: "ضَرَبَ غَلَامَهُ زيدٌ" فجعلت غلامه مفعولًا وزيدًا فاعلًا، فأما قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] فإنه وإن كان بتقدير التأخير يصير إلى قولك وإذا ابتلى ربه إبراهيم، فيكون إضمارًا قبل الذكر كقولك: "ضرب غلامُهُ زيدًا" إلا أن بينهما فرقًا، وذلك لأن قولك "ضرب غلامه زيدًا" تقدم فيه ضمير الاسم على ظاهره لفظًا وتقديرًا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] تقدم فيه ضمير الاسم على ظاهره تقديرًا لا لفظًا، والضمير متى تقدم تقديرًا لا لفظًا أو تقدم لفظًا لا تقديرًا فإنه يجوز، بخلاف ما إذا تقدم عليه لفظًا وتقديرًا، والله أعلم.

стр. 56

١٠- مسألة: [القول في العامل في الاسم المرفوع بعد لَوْلَا] ١ ذهب الكوفيون إلى أن "لولا" ترفع الاسم بعدها، نحو "لولا زيدٌ لأكرمْتُكَ"، وذهب البصريون إلى أنه يرتفع بالابتداء. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها ترفع الاسم بعدها لأنها نائب عن الفعل الذي لو ظَهَرَ لرفع الاسم؛ لأن التقدير في قولك "لولا زيد لأكرمتك" لو لم يمنعني زيد من إكرامك لأكرمتك، إلا أنهم حذفوا الفعل تخفيفًا، وزادوا "لا" على"لو" فصار بمنزلة حرفٍ واحدٍ، وصار هذا بمنزلة قولهم "أما أنت منطلقا انطلقتُ معك" والتقدير فيه: إن كنت منطلقا انطلقت معك، قال الشاعر: [٣٢] أبا خُرَاشَةَ أمَّا أنت ذا نفر ... فإن قوميَ لم تأكُلْهُم الضّبُعُ والتقدير فيه: إن كنت ذا نفر، فحذف الفعل، وزاد "ما" على أنْ عوضًا عن

стр. 57

الفعل، كما كانت الألف في اليَمَاني١ عوضًا عن إحدى ياءي النسب، والذي يدل على أنها عوض عن الفعل أنه لا يجوز ذكر الفعل معها؛ لئلا يُجْمَع بين العوض والمعوض، ونحن وإن اختلفنا في أنَّ "أنْ" ههنا هل بمعنى إن الشرطية أو أنها في تقدير لأنْ فما اختلفنا في أن "ما" عوض عن الفعل، وكذلك أيضًا قولهم "إما لا فافعل هذا" تقديره: إن لم تفعل ما يلزمك فافعل هذا؛ لأن الأصل في هذا أن الرجل تلزمه أشياء، فيطالَبُ بها، فيمتنع منها، فيُقْنَعُ منه ببعضها، فيقال له "إِمَّا لا فافعل هذا" أي: إن لم تفعل ما يلزمك فافعل هذا، ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال وزيدت "ما" على "إنْ" عوضًا عنه فصار بمنزلة حرف واحد، والذي يدل على أنها صارت عوضًا عن الفعل أنه يجوز إمالَتُهَا فيقال "إما لا" بالإمالة كما أمالوا "بلى" و "يا" في النداء، فلو لم تكن كافية من الفعل وإلا لما جازت إمالتها؛ لأن الأصل في الحروف أن لا تدخلها الإمالة، فلما جاز إمالتها ههنا دلّ على أنها كافية من الفعل، كما كانت "بلى" و "يا" كذلك، وكذلك أيضًا قالوا "من سلم عليك فسلم عليه ومن لا فلا تَعْبَأْ به" وتقديره: ومن لا يسلم عليك فلا تعبأ به، وقال الشاعر: [٣٣] فطلِّقها فلست لها بندٍّ ... وإلَّا يَعْلُ مَفْرقَكَ الحسام أراد: وإلا تطلقها يَعْلُ، وكذلك قالوا "حينئذ الآن" تقديره: واسْمَع الآن، ومعناه أن ذاكرًا ذكر شيئًا فيما مضى يستدعي في الحال مثله فقال له المخاطب "حينئذ الآن" أي: كان الذي تذكره حينئذ، واسمع الآن، أو دَعِ الآن ذكره أو نحو ذلك من التقدير، وكذلك قالوا "ما أغفله عنك شيئًا" وتقديره: انظر شيئًا، كأن قائلا قال "ليس بغافل عني" فقال المجيب: ما أغفله عنك شيئًا، أي انظر شيئًا، فحذف. والحذف في كلامهم لدلالة الحال وكثرة الاستعمال أكثر من أن يُحْصَى؛

стр. 58

فدل على أن الفعل محذوف ههنا بعد "لولا" وأنه اكتفى بلولا، على ما بيّنا؛ فوجب أن يكون مرفوعا بها. والذي يدل على أن الاسم يرتفع بها دون الابتداء أن "أنَّ" إذا وقعت بعدها كانت مفتوحة نحو قولك "لولا أنَّ زيدا ذاهب لأكرمتك" ولو كانت في موضع الابتداء لوجب أن تكون مكسورة؛ فلما وجب الفتح دلّ على صحة ما ذهبنا إليه. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يرتفع بالابتداء دون "لولا" وذلك لأن الحرف إنما يعمل إذا كان مختصًّا، ولولا لا تختصُّ بالاسم دون الفعل، بل قد تدخل على الفعل كما تدخل على الاسم، قال الشاعر: [٣٤] قالت أمامة لما جئتُ زائِرَها: ... هلَّا رمَيْتَ بِبَعْضِ الأَسْهُم السُّودِ لا دَرَّ دَرُّكِ؛ إنِّي قد رميتُهُمُ ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرَى لمَحْدُودِ

стр. 59

فقال "لولا حُدِدْتُ" فأدخَلَهَا على الفعل؛ فدلّ على أنها تختصّ؛ فوجب أن لا تكون عاملة، وإذا لم تكن عاملة وجب أن يكون الاسم مرفوعا بالابتداء. والذي يدل على أنه ليس مرفوعا بلولا بتقدير لو لم يمنعني زيد لأكرمتك أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يُعْطَفَ عليها بوَلَا؛ لأن الجَحْدَ يعطف عليه بوَلَا، قال الله تعالي: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩-٢٢] ثم قال الشاعر: [٣٥] فما الدنيا بِبَاقَاةٍ لحيٍّ ... ولا حيٍّ على الدنيا بباقِ قوله: "بباقاة" أراد بباقية، فأبدل من الكسرة فتحة، فانقلبت الياء ألفًا، وهي لغة طيّئ، وقال الآخر: [٣٦] وما الدنيا بباقية بِحُزْنٍ ... أَجَلْ، لا، لا، ولا بِرَخَاء بَالِ فلما لم يجز أن يقال "لولا أخوك ولا أبوك" دلّ على فساد ما ذهبوا إليه. والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون. وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما ٣٩ قولهم "إن الحرف إنما يعمل إذا كان مختصًّا، ولولا حرف غير مختصّ" قلنا: نسلم أن الحرف لا يعمل إلا إذا

стр. 60

كان مختصًّا، ولكن لا نسلم أن لولا غير مختص، قولهم "إنه يدخل على الفعل كما يدخل على الاسم، كما قال الشاعر: [٣٤] لولا حددت ولا عُذْرَى لمحدود فأدخلها على الفعل "قلنا: لو التي في هذا البيت ليست مركبة مع "لا" كما هي مركبة مع لا في قولك "لولا زيد لأكرمتك" وإنما لو حرفٌ باقٍ على أصله من الدلالة على امتناع الشيء لامتناع غيره، و "لا" معها بمعنى لم؛ لأن لا مع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل، فكأنه قال: قد رميتهم لو لم أحدّ، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أي: لم يقتحم العقبة، وكقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] أي: لم يصدق ولم يصلّ، وكقول الشاعر: [٣٧] أن تغفر اللهم تغفر جَمًّا ... وأيُّ عبد لك لا ألَمَّا

стр. 61

وكقول الآخر: [٣٨] وأيُّ أمر سيِّئٍ لا فَعَلَهْ أي: لم يفعله، فكذلك ههنا قوله "لولا حددت" أي لو لم أحدّ؛ فدلّ على أن "لولا" هذه ليست لولا التي وقع فيها الخلاف، فدل على أنها مختصة بالأسماء دون الأفعال، فوجب أن تكون عاملة على ما بيّنا. وأما قولهم"لو كانت لولا هي العاملة لأن التقدير لو لم يمنعني زيد لكان فيها معنى الجَحْدِ، فكان ينبغي أن يعطف عليها بولا: لأن الجحد يعطف عليه بولا إلى آخر ما قرروه "قلنا: إنما لم يجز ذلك لأن "لولا" مركبة من لو ولا، فلما ركبتا خرجت لو من حدها ولا من الجحد؛ إذ ركبتا فصُيِّرتا حرفًا واحدًا؛ فإن الحروف إذا ركب بعضها مع بعض تغيَّر حكمها الأول، وحدث لها بالتركيب حكم آخر، كما قلنا في "لولا" بمعنى التحضيض، ولو ما وألَّا وما أشبهه، وكذلك ههنا؛ فلهذا لم يجز العطف عليها بولا، والله أعلم.

стр. 62

١١- مسألة: [القول في عامل النصب في المفعول] ١ ذهب الكوفيون إلى أن العامل في المفعول النصب الفعلُ والفاعلُ جميعًا، نحو "ضرب زيدٌ عمرًا". وذهب بعضهم إلى أن العامل هو الفاعل، ونصَّ هشام بن معاوية صاحب الكسائي على أنك إذا قلت "ظننت زيدًا قائمًا" تنصب زيدًا بالتاء وقائمًا بالظن. وذهب خلف الأحمر من الكوفيين إلى أن العامل في المفعول معنى المفعولية، والعامل في الفاعل معنى الفاعلية. وذهب البصريون إلى أن الفعل وحده عمل في الفاعل والمفعول جميعًا. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل في المفعول النصب الفعل والفاعل وذلك لأنه لا يكون مفعول إلا بعد فعل وفاعل، لفظًا أو تقديرًا، إلا أن الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد، والدليل على ذلك من سبعة أوجه: الأول: أن إعراب الفعل في الخمسة الأمثلة يقع بعده نحو "يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين، يا امرأة" ولولا أن الفاعل بمنزلة حرف من نفس الفعل وإلا لما جاز أن يقع إعرابُهُ بعده. والوجه الثاني: أنه يُسَكَّن لام الفعل إذا اتصل به ضمير الفاعل، نحو "ضربتَ، وذهبتَ" لئلا يجتمع في كلامهم أربعُ حركات متواليات في كلمة واحدة، ولولا أن ضمير الفاعل بمنزلة حرف من نفس الفعل وإلا لما سكنت لام الفعل لأجله. والوجه الثالث: أنه يلحق الفعل علامة التأنيث إذا كان الفاعل مؤنثًا، فلولا أنه يتنزل منزله بعضِهِ وإلا لما أُلْحِقَ علامة التأنيث؛ لأن الفعل لا يؤنَّث، وإنما يؤنث الاسم.

стр. 63

والوجه الرابع: أنهم قالوا "حَبَّذَا" فركبوا حَبَّ وهو فعل مع ذا وهو اسم؛ فصار منزلة شيء واحد، حُكِم على موضعه بالرفع على الابتداء. والوجه الخامس: أنهم قالوا في النسب إلى كُنْتُ "كُنْتِيُّ" فأثبتوا التاء١ ولو لم يتنزل ضميرُ الفاعل منزلة حرفٍ من نفس الفعل وإلا لما جاز إثباتها. والوجه السادس: أنهم قالوا "زيد ظننت منطلق" فألغوا ظننت، ولولا أن الجملة من الفعل والفاعل بمنزلة المفرد وإلا لما جاز إلغاؤها؛ لأن العمل إنما يكون للمفردات لا للجمل. والوجه السابع: أنهم قالوا للواحد "قِفَا" على التثنية؛ لأن المعنى قِفْ قِفْ، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] فَثَنَّى وإن كان الخطابُ لملك واحد وهو مالكٌ خازنُ النار؛ لأن المعنى: أَلْقِ أَلْقِ، والتثنية إنما تكون للأسماء لا للأفعال؛ فدلّ على أن الفاعل مع الفعل بمنزلة الشيء الواحد. وإذا كان الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد، وكان المفعول لا يقع إلا بعدهما؛ دلّ على أنه منصوب بهما، وصار هذا كما قلتم في الابتداء والمبتدأ إنهما يعملان في الخبر؛ لأنه لا يقع إلا بعدهما. والذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون الناصب للمفعول هو الفعل وحده أنه لو كان هو الناصب للمفعول لكان يجب أن يليه، ولا يجوز أن يُفْصَلَ بينه وبينه؛ فلما جاز الفصل بينهما دلّ على أنه ليس هو العامل فيه وحده، وإنما العامل فيه الفعل والفاعل. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الناصب للمفعول هو الفعل دون الفاعل وذلك لأنا أجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل، أما الفاعل فلا تأثير له في العمل؛ لأنه اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل، وهو باقٍ على أصله في الاسمية؛ فوجب أن لا يكون له تأثير في العمل، وإضافة ما لا تأثير له في العمل إلى ما له تأثير ينبغي أن يكون لا تأثير له. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الناصب للمفعول الفعل والفاعل لأنه لا يكون إلا بعدهما إلى آخر ما قرروا" قلنا: هذا لا يدل على أنهما العاملان فيه؛ لما بيّنا أن الفاعل اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل، وبهذا يبطل قول من ذهب منهم إلى أن الفاعل وحده هو العامل، والكلام عليه كالكلام على مَنْ ذهب من البصريين إلى أن الابتداء والمبتدأ يعملان في الخبر لهذا المعنى.

стр. 64

وقد بيّنا فساد ذلك مستقصى في مسألة المبتدأ والخبر؛ فلا نعيده ههنا. وأما قولهم: "لو كان الفعل هو العامل في المفعول لكان يجب أن يليه ولا يفصل بينه وبينه" قلنا: هذا يبطل بإنَّ؛ فإنا أجمعنا على أنه يجوز أن يقال "إن في الدار لزيدًا، وإن عندك لعمرًا" قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢] فنصب الاسم بإنَّ وإن لم تَلِهِ فكذلك ههنا؛ وإذا لم يلزم ذلك في الحرف -وهو أضعف من الفعل؛ لأنه فرع عليه في العمل- فلأن لا يلزم ذلك في الفعل وهو أقوى كان ذلك من طريق الأولى، على أنا نقول: إن الفعل قد وَلِيَ المفعول؛ لأن الفعل لما كان أقوى من حرف المعاني صار يعمل عملين؛ فهذا بذاته رافع للفاعل وناصب للمفعول؛ لزيادته على حروف المعاني؛ فتقديره تقدير ما عمل وليس بينه وبين معموله فاصل، وإذا لم يكن بينه وبين معموله فاصل بان أنه قد وليه العامل١، فدلّ على أن العامل هو الفعل وحده. وأما ما ذهب إليه الأحمر من إعمال معنى المفعولية والفاعلية فظاهر الفساد؛ لأنه لو كان الأمر كما زعم لوجب أن لا يرتفع ما لم يُسَمَّ فاعله نحو"ضُرِبَ زَيْدٌ" لعدم معنى الفاعلية، وأن يُنْصَبَ الاسم في نحو "مات زيدًا" لوجود معنى المفعولية، فلما ارتفع ما لم يسم فاعله مع وجود معنى المفعولية وارتفع الاسم في نحو "مات زيد" مع عدم معنى الفاعلية؛ دلّ على فساد ما ذهب إليه. والله أعلم.

стр. 65

١٢- مسألة: [القول في ناصب الاسم المشغول عنه] ١ ذهب الكوفيون إلى أن قولهم "زيدًا ضَرَبْتُهُ" منصوب بالفعل الواقع على الهاء، وذهب البصريون إلى أنه منصوب بفعل مقدر، والتقدير فيه: ضربت زيدًا ضربته. أما الكوفيون فاتجهوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه منصوب بالفعل الواقع على الهاء، وذلك لأن المَكْنِىَّ -الذي هو الهاء العائد- هو الأول في المعنى؛ فينبغي أن يكون منصوبًا به، كما قالوا "أكرمت أباك زيدًا، وضربت أخاك عَمْرًا". وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه منصوب بفعل مقدر وذلك لأن في الذي ظهر دلالة عليه، فجاز إضماره استغناء بالفعل الظاهر عنه، كما لو كان متأخرًا وقبله ما يدل عليه. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم "إنما قلنا إنه منصوب بالفعل الواقع على الهاء لأن المكنِي هو الأول في المعنى، فينبغي أن يكون منصوبًا به كقولهم: "أكرمت أباك زيدًا" على البدل، وجاز أن يكون بدلًا لأنه تأخر عن المبدل عنه؛ إذ لا يجوز أن يكون البدل إلا متأخرًا عن المبدل منه، وأما ههنا فقد تقدم زيد على الهاء؛ فلا يجوز أن يكون بدلًا منها؛ لأنه لا يجوز أن يتقدم البدل على المبدل منه، على أنا نقول: إن العامل في البدل عندنا غير العامل في المبدل منه، وإن العامل في المبدل منه على تقدير التكرير في البدل، والذي يدل على ذلك إظهاره في البدل كما أظهر في المبدل منه، قال الله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [لأعراف: ٧٥] فقوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ فأظهر العامل في البدل كما

стр. 66

أظهره في المبدل منه، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] فقوله: "لبيوتهم" بدل من قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ فأظهر العامل في البدل كما أظهره في المبدل منه، فدلّ على أنه في تقدير التكرير، وأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه، والله أعلم.

стр. 67

١٣- مسألة: [القول في أولى العاملين بالعمل في التنازع] ١ ذهب الكوفيون في إعمال الفعلين، نحو "أَكْرَمَنِي وأكرمتُ زيدًا، وأكرمتُ وأكرمنِي زيدٌ" إلى أن إعمال الفعل الأول أولى، وذهب البصريون إلى أن إعمال الفعل الثاني أولى. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن إعمال الفعل الأول أولى النقلُ، والقياسُ. أما النقل فقد جاء ذلك عنهم كثيرًا، قال امرؤ القيس: [٣٩] فَلَوْ أنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي، ولم أَطْلُبْ، قَلِيلٌ من المال

стр. 68

فَأَعْمَلَ الفعل الأول، ولو أعمل الثاني لنصب "قليلا" وذلك لم يَرْوِه أحد، وقال رجل من بني أسد: [٤٠] فَرَدَّ على الفُؤَادِ هَوًى عميدًا ... وَسُوئِل لو يُبِينُ لنا السُّؤَالَا

стр. 69

وقد نَغْنَى بها ونرى عُصُورًا ... بها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدَالَا فأَعْمَلَ الأول، ولذلك نَصَبَ "الخرد الخدالا" ولو أعمل الفعل الثاني لقال: "تقتادنا الخردُ الخدالُ" بالرفع، وقال الآخر: [٤١] ولما أَنْ تَحَمَّل آلُ لَيْلَى ... سمعت ببينهم نَعَبَ الغُرَابَا فأعمل الأول، ولذلك نصب الغراب، ولو أعلم الثاني لوجب أن يرفع. وأما القياس فهو أن الفعل الأول سابق الفعل الثاني، وهو صالح للعمل كالفعل الثاني، إلا أنه لما كان مبدوءًا به كان إعماله أولى؛ لقوة الابتداء والعناية به؛ ولهذا لا يجوز إلغاء "ظننت" إذا وقعت مبتدأة، نحو "ظننت زيدًا قائمًا" بخلاف ما إذا وقعت متوسطة أو متأخرة، نحو "زيد ظننت قائم، وزيد قائم ظننت" وكذلك لا يجوز إلغاء "كان" إذا وقعت مبتدأة نحو "كان زيد قائما" بخلاف ما إذا كانت متوسطة، نحو "زيد كان قائم" فدل على أن الابتداء له أثر في تقوية عمل الفعل. والذي يؤيد أن إعمال الفعل الأول أولى من الثاني أنك إذا أعملت الثاني أدَّي إلى الإضمار قبل الذِّكر، والإضمار قبل الذِّكر لا يجوز في كلامهم. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الاختيار إعمال الفعل الثاني النقلُ، والقياسُ. أما النقل فقد جاء كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]

стр. 70

فأعمل الفعل الثاني، وهو أفرغ، ولو أعمل الفعل الأول لقال: أفرغه عليه، وقال تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فأعمل الثاني وهو اقرءوا، ولو أعمل الأول لقال: اقرءوه، وجاء في الحديث "ونَخْلَعُ ونَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ" فأعمل الثاني، ولو أعمل الأول لأظهر الضمير بُدًّا، وقال الشاعر وهو الفرزدق: [٤٢] ولكنَّ نَصْفًا لو سَبَبْتُ وسَبَّنِي ... بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ مَنْافٍ وهَاشِم فأعمل الثاني، ولو أعمل الأول لقال "سببت وسبوني بني عبد شمس" بنصب "بني" وإظهار الضمير في سبني، وقال طُفَيْل الغَنَوِي: [٤٣] وكُمْتًا مُدَمَّاةً كأن مُتُونَهَا ... جَرَى فوقها واستشعرت لون مُذْهَبِ

стр. 71

وقال الآخر، وهو رجل من باهلة: [٤٤] ولقد أرى تَغْنَى به سَيْفَانَةٌ ... تُصْبِي الحليم ومثلها أصْبَاهُ

стр. 72

وقال الآخر: [٤٥] قَضَي كل ذي دين فَوَفَّى غَرِيمَهُ ... وعزَّة مَمْطُولٌ مُعَنَّى غَرِيمُهَا

стр. 73

فأعمل الثاني في هذا البيت في مكانين: أحدهما "وَفّى" ولو أعمل الأول لقال: وفَّاه، والثاني "مُعَنًّى" ولو أعمل الأول لوجب إظهار الضمير بعد معنى؛ فيقول "وعزة ممطول معنى هو غريمها" وتقديره: وعزة مطول غريمها معنى هو؛ لأنه قد جرى على عزة، وهو فعل الغريم؛ فقد جرى على غير مَنْ هو له، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له وجب إظهار الضمير فيه، فلما لم يظهر الضمير دلّ على أنه قد أعمل الثاني، إلا أنهم يقولون على هذا: يجوز أن يكون قد أعمل الأول ولم يظهر الضمير وذلك جائز عندنا، وقد بينا فساد ذلك في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له مستقصًى في موضعه. وأما القياس فهو أن الفعل الثاني أقرب إلى الاسم من الفعل الأول؛ وليس في إعماله دون الأول نَقْصُ معنًى، فكان إعماله أولى، ألا ترى أنهم قالوا: "خشنت بصدره وصدر زيد" فيختارون إعمال الباء في المعطوف، ولا يختارون إعمال الفعل فيه؛ لأنها أقرب إليه منه؛ وليس في إعمالها نقض معنى؛ فكان إعمالها أولى. والذي يدل على أن للقرب أثرًا أنه قد حملهم القربُ والجوارُ حتى قالوا: "جُحْرُ ضَبّ خَرِب" فأجروا خربٍ على ضبٍّ، وهو في الحقيقة صفة للجحر؛ لأن الضب لا يوصف بالخراب؛ فههنا أَوْلَى. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قول امرئ القيس: [٣٩] فلو أن ما أسعى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي، ولم أطلب، قليلٌ من المال

стр. 74

فنقول: إ نما أعمل الأول منهما مراعاة للمعنى؛ لأنه لو أعمل الثاني لكان الكلام متناقضًا، وذلك من وجهين؛ أحدهما: أنه لو أعمل الثاني لكان التقدير فيه: كفاني قليل ولم أطلب قليلًا من المال، وهذا متناقض؛ لأنه يخبر تارة بأن سعيه ليس لأدنى معيشة، وتارة يخبر بأنه يطلب القليل، وذلك متناقض؛ والثاني: أنه قال في البيت الذي بعده: ولَكِنَّمَا أسعى لمجد مُؤَثّلِ ... وقد يُدْرِكُ المجد المُؤَثّلَ أمثالي فلهذا أعمل الأول ولم يعمل الثاني. وأما قول الآخر: [٤٠] وقد نغنى بها ونرى عصورًا ... بها يُقْتَدْننا الخردَ الخِدالا فنول: إنما أعمل الأول مراعاة لحركة الرويّ؛ فإن القصيدة منصوبة، وإعمال الأول جائز، فاستعمل الجائز ليخلص من عيب القافية، ولا خلاف في الجواز، وإنما الخلاف في الأولى، وكذلك أيضًا قول الآخر: [٤١] "ولما أن تحمل آل ليلى" ... سمعت ببينهم نعب الغرابا يدل على الجواز، وهو مُعَارض بأمثاله. وأما قولهم "إن الفعل الأول سابق فوجب إعماله للعناية به" قلنا: هم وإن كانوا يُعْنَوْنَ بالابتداء إلا أنهم يعنون بالمقاربة والجِوَار أكثر، على ما بيّنا في دليلنا. وأما قولهم "لو أعملنا الثاني لأدَّى إلى الإضمار قبل الذكر" قلنا: إنما جوزنا ههنا الإضمار قبل الذكر لأن ما بعده يفسّره؛ لأنهم قد يتسغنون ببعض الألفاظ عن بعض إذا كان في الملفوظ دلالة على المحذوف لعلم المخاطب، قال الله تعالي: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا َالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] فلم يعمل الآخر فيما أعمل فيه الأول استغناء عنه بما ذكره قبلُ، ولعلم المخاطب أن الثاني قد دخل في حكم الأول، وقال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] فاستغنى بذكر خبر الأول عن ذكر خبر الثاني؛ لعلم المخاطب أن الثاني قد دخل في ذلك، قال ضابئ البُرْجُمِيُّ: [٤٦] فمن يَكُ أمسى بالمدينةِ رَحْلُةُ ... فإنِّي وقَيَّارٌ بها لغريبُ

стр. 75

فاستغنى بذكر خبر الآخر عن خبر الأول، وقال دِرْهَمُ بن زيد الأنصاريّ: [٤٧] نحن بما عندنا، وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأيُ مختلف
следующие страницы →