وهو وادع. لا وَذَرَ وَذَرًا فهو واذر؛ فأما قول أبي الأسود الدؤلي:
[٣٠٦]
ليت شعري عن خَلِيلِي ما الذي ... غَالَهُ في الحب حتى وَدَعَهْ؟
وقول سُوَيد بن أبي كاهل:
[٣٠٧]
فَسَعَى مَسْعَاتَهُ في قَوْمِهِ ... ثُمَّ لم يَبْلُغْ ولا عَجْزَا وَدَعْ
стр. 387
فهو محمول على أنه بمعنى وَدَّعَ بالتشديد فخفَّف، وهو على كل حال من الشاذ الذي لا يعتدُّ به في الاستعمال. وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة التي بعدها مخالفة لما قبلها؛ ليكونا خبرين مختلفين.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنا أجمعنا على أن بل يجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب فكذلك لكن لاشتراكهما في المعنى" قلنا: إنما شاركت لكن بل في النفي دون الإيجاب؛ لأن مشاركتها لها في النفي صواب وليس على سبيل النسيان والغلط؛ ألا ترى أنك إذا قلت في النفي "ما جاءني زيد لكن عمرو" لم توجب نسيانًا ولا غلطًا كما لو قلت "ما جاءني زيد بل عمرو" وإذا كان استعماله في النفي لا يوجب نسيانا ولا غلطا، فتكثير ما هو صواب لا يُنْكَر، بخلاف استعماله في الإيجاب؛ فإنه يوجب النسيان والغلط، والنسيان والغلط إنما يقع نادرًا قليلًا، فاقتصر فيه على حرف واحد وهو "بل".
ثم ليس من ضرورة تشارك لكن وبل في بعض الأحوال مشاركتهما في كل الأحوال، ألا ترى أن "بل" لا يحسُنُ دخول الواو عليها؟ ولا يقال "وبل" و"لكن" يحسن دخول الواو عليها فيقال "ولكن" قال الله تعالى: "وَلَكِنِ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا" [البقرة: ١٠٢] في قراءة من قرأ بالتخفيف، وكذلك قوله: "وَلَكِنِ البر" [البقرة: ١٧٧] والشواهد على ذلك من كتاب الله وكلام العرب مما لا يحصى كثرة، وذلك لا يوجد البتة في "بل" فدلَّ على ما قلناه، والله أعلم.
стр. 388
٦٩- مسألة: [هل يجوز صرف أفعل التفضيل في ضرورة الشعر ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "أفعل منك" لا يجوز صَرْفُه في ضرورة الشعر.
وذهب البصريون إلى أنه يجوز صرفه في ضرورة الشعر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "مِنْ" لما اتصلت به منعت من صرفه لقوة اتصالها به، ولهذا كان في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع على لفظ واحد، نحو "زيد أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، والزيدان أفضل من العمرين، والزيدون أفضل من العمرين" وما أشبه ذلك؛ فدل على قوة اتصالها به؛ فلهذا قلنا: لا يجوز صرفه.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن "من" تقوم مقام الإضافة ولا يجوز الجمع بين التنوين والإضافة؛ فكذلك لا يجوز الجمع بينه وبين ما يقوم مقام الإضافة، وإنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء، فاستغني بأحدهما عن الآخر.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز صرفه لأن الأصل في الأسماء كلها الصرف، وإنما يُمْنَع بعضها من الصرف لأسباب عارضة تدخلها على خلاف الأصل؛ فإذا اضطر الشاعر ردَّها إلى الأصل، ولم يعتبر تلك الأسباب العارضة التي دخلت عليها، قال أبو كبير الهذلي:
[٣٠٨]
ممن حملن به وهن عَوَاقِدٌ ... حُبُكَ النِّطَاق فَشَبَّ غير مُهَبَّل
стр. 389
فصرف "عواقد" وهي لا تنصرف؛ لأنه ردها إلى الأصل، وقال النابغة:
[٣٠٩]
فَلَتَأْتِيَنْكَ قَصَائِدٌ
стр. 390
فصرف "قصائد" وهي لا تنصرف؛ لأنه ردها إلى الأصل، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة في أشعارهم.
والذي يدل على هذا أن ما لا أصل له في الصرف ودخول التنوين لا يجوز للشاعر أن ينونه للضرورة، لأنه لا أصل له في ذلك فيرده إلى حالة قد كانت له، فإذا ثبت هذا فنقول: أفعل منك اسم، والأصل فيه الصرف، وإنما امتنع من الصرف لوزن الفعل والوصف، فصار بمنزلة "أحمر"، وكما وقع الإجماع على أن "أحمر" يجوز صرفه في ضرورة الشعر ردًّا إلى الأصل فكذلك أفعل منك، ثم إذا جار عندكم في ضرورة الشعر ترك صرف ما أصله الصرف -وهو عدول عن الأصل إلى غير أصل- فكيف لا يجوز صرف ما أصله الصرف وهو رجوع عن غير أصل إلى أصل؟ وهل منع ذلك إلا رفض القياس، وبناء على غير أساس؟
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن من لما اتصلت به منعت من صرفه" قلنا: هذا باطل؛ لأن اتصال من ليس له تأثير في منع الصرف، وإنما المؤثر في منع الصرف وزن الفعل والوصف. والذي يدل على ذلك أنهم قد قالوا: "زيد خير منك، وشر منك" فيصرفون مع اتصال "من" به، ولم يمنعوهما الصرف مع دخول "من" عليهما واتصالها بهما، ولو كان كما زعموا لوجب أن لا ينصرفا لاتصال "من" بهما، فلما انصرفا مع اتصال "من" بهما دلّ على أن اتصالها بهما لا أثر له في منع الصرف، وإنما المؤثر في منع الصرف وزن الفعل والوصف.
والذي يدل على صحة هذا أنه لما زال وزن الفعل من "خير منك، وشر منك" انصرف؛ لأن الأصل: أخير منك، وأشرر منك؛ إلا أنهم حذفوا الهمزة منهما لكثرة الاستعمال، وأدغموا إحدى الراءين في الأخرى من قولهم "شر منك" لئلا يجتمع حرفان متحركان من جنس واحد في كلمة واحدة؛ لأن ذلك مما يستثقل في كلامهم، فلما نقصا عن وزن الفعل بقي فيهما علة واحدة وهي الوصف، فَرُدَّا إلى الأصل وهو الصرف؛ لأن العلة الواحدة لا تقوى على منع الصرف الذي هو الأصل.
وأما قولهم "إنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لاتصال من به" قلنا: إنما لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنه لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لأنه تضمن معنى المصدر؛ لأنك إذا قلت "زيد أفضل منك" كان معناه فضل زيد يزيد على فضلك؛ فجعل موضع يزيد فضله أفضل، فتضمن معنى المصدر والفعل معا، والفعل والمصدر مذكران، ولا تدخلهما تثنية ولا جمع، فكذلك ما تضمنهما.
стр. 391
والوجه الثاني: أنه لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لأنه مضارع للبعض الذي يقع به التذكير والتأنيث والتثنية والجمع بلفظ واحد.
والوجه الثالث: إنما لم يثنَّ ولم يجمع لأن التثنية والجمع إنما تلحق الأسماء التي تنفرد بالمعاني، و"أفعل" اسم مركب يدل على فعل وغيره، فلم يجز تثنيته ولا جمعه، كما لم يجز تثنية الفعل ولا جمعه لما كان مركبا يدلُّ على معنى وزمان، وإنما فعلت العرب ذلك اختصارًا للكلام، واستغناء بقليل الكلام عن كثيره، ولم يجز تأنيثه لما ذكرنا من تضمنه معنى المصدر، والمصدر مذكر، ثم على أصلكم إنما وُحِّد "أفعل" لأنه جرى مجرى الفعل؛ ولهذا كانت إضافته غير حقيقية.
وأما قولهم "إن من تقوم مقام الإضافة، ولا يجوز الجمع بين التنوين والإضافة" قلنا: لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يدخله الجر في موضع الجر، كما إذا دخلته الإضافة، فلما أجمعنا على أنه لا ينصرف ويكون في موضع الجر مفتوحًا كسائر ما لا ينصرف دلَّ على فساد ما ذهبتم إلى.
وأما قولهم "إنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء" قلنا: لا نسلم أنه إنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء، وإنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لوجهين:
أحدهما: أن الإضافة تدل على التعريف، والتنوين يدل على التنكير فلو جوّزنا الجمع بينهما لأدى ذلك إلى أن يجمع بين علامة تعريف وعلامة تنكير في كلمة واحدة، وهما ضدّان، والضدّان لا يجتمعان.
والوجه الثاني: أن الإضافة علامة الوصل، والتنوين علامة الفصل. فلو جوّزنا الجمع بينهما لأدّى ذلك إلى أن يجمع بين علامة وصل وعلامة فصل في كلمة واحدة، وهما ضدّان، والضدّان لا يجتمعان.
وما ذهبوا إليه من التعليل يبطل بحرف الجر مع لام التعريف؛ فإنهما يجوز اجتماعهما، نحو "مررت بالرجل" وإن كانا دليلين من دلائل الأسماء، إلى غير هذين الدليلين من دلائل الأسماء، والله أعلم.
стр. 392
٧٠- مسألة: [منع صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو علي الفارسي وأبو القاسم بن برهان من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز، وأجمعوا على أنه يجوز صرف ما لا ينصرف في ضرورة الشعر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر أنه قد جاء ذلك كثيرًا في أشعارهم، قال الأخطل:
[٣١٠]
طَلَبَ الأَزَارِقَ بِالكَتَائِبِ إذ هَوَتْ ... بِشَبِيبِ غَائِلَةِ الثُّغُورِ غَدُورُ
стр. 393
فترك صرف "شبيب" وهو منصرف، وقال حَسَّان:
[٣١١]
نصروا نبيهم وشدُّو أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يوم تَوَاكُلِ الأبطالِ
فترك صرف "حنين" وهو منصرف، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] ولم يُرْوَ عن أحد من القراء أنه لم يصرفه، وقال الفرزدق:
[٣١٢]
إذا قال غَاوٍ من تَنْوخَ قصيدةً ... بها جَرَبٌ عُدَّتْ على بِزَوْبَرَا
стр. 394
فترك صرف "زَوْبَرَ" وهو منصرف، ومعناه نُسِبَتْ إليّ بكمالها من قولهم: أخذ الشيء بزَوْبَرِهِ، إذا أخذه كله، وقيل: "بزَوْبَرَا" أي كذبًا وزورًا، وقال الآخر:
[٣١٣]
إلى ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي ... عمرو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أو تُزْحِفُ
стр. 395
فترك صرف "أناس" وهو منصرف، و"أم أناس" بنت ذهل من بني شيبيان، و"عمرو" يريد عمرو بن حجر الكندي، وقال الآخر:
[٣١٤]
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وأَنَّ يَوْمِي ... بأَوَّلَ أَوْ بَأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ
أَوِ التَّالي دُبَارَ؛ فإن أَفُتْهُ ... فَمُؤْنِسَ أو عَرُوبةً أو شِيَارِ
فترك صرف "دبار" وهو منصرف، و"دبار" يوم الأربعاء، وما ذكره في هذين البيتين أسماء الأيام في الجاهلية؛ فأول: يوم الأحد، وأهون: يوم الإثنين، وجبار: يوم الثلاثاء، ودبار: يوم الأربعاء، ومؤنس: يوم الخميس، وعروبة: يوم الجمعة، وشيار: يوم السبت، وقال الآخر:
[٣١٥]
فَأَوْفَضْنَ عنها وهي تَرْعُو حُشَاشَةً ... بِذِي نَفْسِهَا والسَّيْفُ عُرْيَانُ أَحْمَرُ
стр. 396
فترك صرف "عُرْيَان" وهو منصرف؛ لأن مؤنثه عُرْيَانَة لا عَرْيَا.
وقال الآخر:
[٣١٦]
قالت أميمة ما لِثَابِتَ شاخصًا ... عَارِي الأَشَاجِعِ نَاحِلًا كالمُنْصُلِ
فترك صرف "ثابت" وهو منصرف، وقال العباس بن مرداس السُّلمِي:
[٣١٧]
فَمَا كان حِصْنٌ ولا حَابِسٌ ... يفوقان مرداس في مَجْمَعِ
стр. 397
فترك صرف "مرادس" وهو منصرف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن الرواية:
[٣١٧]
يفُوقَان شَيْخِيَ في مَجْمَعِ
وشيخه أبُوهُ مرادس" لأنا نقول: بل الرواية الصحية المشهورة ما رويناه، على أنا لو قدرنا أنه قد روى رواية أخرى كما رويتموه فما العذر عن هذه الرواية الصحيحة مع شهرتها؟ وقال دَوْسَر بن دهبل القريعي:
[٣١٨]
وقَائِلَةٍ ما بَالُ دَوْسَرَ بَعْدَنَا ... صَحَا قَلْبُهُ عن آلِ ليلى وعن هِنْدِ
فلم يصرف "دوسر" وهو منصرف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الرواية:
[٣١٨]
ما للقُرَيْعِيِّ بَعْدَنَا
стр. 398
لأنَّا نقول؛ بل الرواية الصحيحة المشهورة ما رويناه، ولو قدرنا أن ما رويتموه صحيح فما عذركم عما رويناه مع صحته وشهرته؟ وقال الآخر:
[٣١٩]
وَمُصْعَبُ حِينَ جَدَّ الأَمْـ ... ـر أكثرُها وأطيبُها
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الرواية:
[٣١٩]
وأنتم حين جَدَّ الأمر ...
لأنَّا نقول: بل الراوية الصحيحة ما رويناه، ولو قدرنا ما رويتموه صحيحًا فما عذركم عما رويناه على ما بيّنّا؟ وقال الآخر:
[٣٢٠]
وممن ولدوا عامرُ ... ذو الطَّولِ وذو العَرْضِ
стр. 399
فترك صرف "عامر" وهو ينصرف، ولم يجعله قبيلة لأنه وصفه فقال "ذو الطول وذو العرض" ولو كانت قبيلة لوجب أن يقول: ذات الطول وذات العرض، ولا يجوز أن يقال "إنما لم يصرفه لأنه ذهب به إلى القبيلة كما قرأ سيد القراء أبو عمرو بن العلاء "وجئتك من سَبَأَ بنَبَأ يقين" فترك صرف سَبَأ، لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، وقال الشاعر:
[٣٢١]
من سَبَأَ الحَاضِرِينَ مأرِبَ إذ ... يبنون من دون سَيْلِهِ العَرِمَا
стр. 400
فلم يصرف "سبأ" لأنه جعله اسمًا لقبيلة حملًا على المعنى، وقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨]
فلم يصرف ﴿ثَمُودَ﴾ الثاني؛ لأنه جعل اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، ثم قال الشاعر:
[٣٢٢]
تَمُدُّ عليهم من يمين وأَشْمُلٍ ... بُحُورٌ له من عَهْدِ عَادَ وتُبّعَا
وقال الآخر:
[٣٢٣]
لو شَهْدَ عاد من زمان عَادِ ... لَابْتزَّهَا مَبَارِكَ الجِلَادِ
стр. 401
وقال الآخر:
[٣٢٤]
عَلِمَ القبائل من مَعَدَّ وغيرها ... أن الجَوَادَ محمدٌ بنُ عطارِدِ
وقال الآخر:
[٣٢٥]
ولسنا إذا عُدّ الحصى بِأقِلَّةٍٍ ... وإن مَعَدّ اليوم مُودٍ ذَلِيلُهَا
стр. 402
وقال الآخر:
[٣٢٦]
غَلَبَ المَسَامِيحَ الوَلِيدُ سَمَاحَةً ... وكَفَى قريش المُعْضِلَاتِ وسَادَهَا
فلم يصرف "قريش" لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، قال الشاعر:
[٣٢٧]
قامت تُبَكِّيهِ على قبره ... من لي من بعدك يا عَامِرُ
стр. 403
تَرَكَتْنِي في الدَّار ذَا غُرْبَةٍ ... قد ذلَّ من ليس له ناصرُ
وكان الأصل أن يقول "ذات غربة" فحمله على المعنى، فكأنها قالت: تركتني إنسانًا ذا غربة، والإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وقال الأعشى:
[٣٢٨]
لقوم فكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ ... شرابهمُ قبلَ إنفادِهَا
стр. 404
وكان الأصل أن يقول "قبل إنفاذه" لأن الشراب مذكر، إلا أنه أنثه حملًا على المعنى؛ لأن الشراب هو الخمر في المعنى، وقال الآخر:
[٣٢٩]
يا بئرُ يا بئرَ بني عَدِيِّ ... لأَنْزَحَنَّ قَعْرَكَ بالدُّلِيِّ
حتى تعودي أَقْطَعَ الوَلِيِّ
وكان الأصل أن يقول "قَطْعِي الولي" لأن البئر مؤنثة، إلا أنه ذكره حملا على المعنى، فكأنه قال: حتى تعودي قليبا أقطع الولي، والقليب الأغلب عليه التذكير، ولذلك قالوا في جمعه "أَقْلِبَةٌ" وأفعلة بناء يختص به المذكر في القلة كاختصاص المؤنث بأَفْعُلٍ في القلة، وقوله "ذو الطول وذو العرض" يرجع إلى الحي، فانتقل
стр. 405
من معنى إلى معنى، والتنقل من معنى إلى معنى كثير في كلامهم كما قال الشاعر:
[٣٣٠]
إن تميمًا خُلِقَتْ ملمومًا ... قومًا ترى واحدهم صِهْمِيما
فقال "خُلِقَتْ" أراد به القبيلة، ثم قال "ملموما" أراد به الحي، ثم ترك لفظ الواحد وحقق مذهب الجمع فقال "قوما ترى واحدهم صهميما" والصهميم: هو الذي لا ينثني عن مراده، لأنا نقول١: نحن لا ننكر الحمل على المعنى في كلامهم، ولا التنقل من معنى إلى معنى، ولكن الظاهر ما صرنا إليه؛ لأن الحمل على اللفظ والمعنى٢ أولى من الحمل على المعنى دون اللفظ، وجري الكلام على معنى واحد أولى من التنقل من معنى إلى معنى، فلما كان ما صرنا إلى أكثر في الاستعمال وأحسن في الكلام كان ما صرنا إليه أولى، وقال أبو دَهْبَلٍ الجمحي:
[٣٣١]
أنا أبو دهبل وَهْبٌ لِوَهَبْ ... من جُمَحٍ، والعزُّ فيهم والحَسَبْ
стр. 406
فترك صرف "دهبل" وهو منصرف، وقال الآخر:
[٣٣٢]
أخشى على دَيْسَمَ من بُعْدِ الثَّرَى ... أبى قضاءُ اللهِ إلا ما ترى
فترك صرف "ديسم" وهو منصرف.
فإذا صحت هذه الأبيات بأسرها دلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما من جهة القياس فإنه إذا جاز حذف الواو المتحركة للضرورة من نحو قوله:
[٣٣٣]
فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قَائلٌ: ... لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ
стр. 407
فَلأَن يجوز حذف التنوين للضرورة كان ذلك من طريق الأولى، وهذا لأن الواو من "هو" متحركة، والتنوين ساكن، ولا خلاف أن حذف الحرف الساكن أسهل من حذف الحرف المتحرك، فإذا جاز حذف الحرف المتحرك الذي هو الواو للضرورة فلأن يجوز حذف الحرف الساكن كان ذلك من طريق الأولى؛ ولهذا كان أبو بكر بن السراج من البصريين -وكان من هذا الشأن بمكان- يقول: لو صحت الرواية في ترك صرف ما ينصرف لم يكن بأبعد من قولهم:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله قال قائل
ولما صحت الرواية عند أبي الحسن الأخفش وأبي علي الفارسي وأبي القاسم بن برهان من البصريين صاروا إلى جواز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر واختاروا مذهب الكوفيين على مذهب البصريين، وهم من أكابر أئمة البصريين والمشار إليهم من المحققين.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ترك صرف ما ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف، فلو أنا جوزنا ترك صرف ما ينصرف لأدّى ذلك إلى ردّه عن الأصل إلى غير أصل، ولكان أيضا يؤدي إلى أن يلتبس ما ينصرف بما لا ينصرف؛ وعلى هذا يخرج حذف الواو، من "هو" في نحو قوله:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله قال قائل
стр. 408
فإنه لا يؤدِّي إلى الالتباس، بخلاف حذف التنوين، فَبَانَ الفرق بينهما.
والذي أذهب إليه في هذه المسألة مذهب الكوفيين؛ لكثرة النقل الذي خرج عن حكم الشذوذ، لا لقوته في القياس.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم "إنما لم يجز ترك صرف ما ينصرف لأنه يؤدّي إلى ردّه عن الأصل إلى غير أصل "قلنا: هذا يبطل بحذف الواو من "هو" في قوله:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله قال قائل
خصوصًا على أصلكم، أن الواو عندكم أصلية لا زائدة كما هي على أصل الخصم زائدة:
قولهم "إنما جاز١ لأنه لا يؤدي إلى الالتباس؛ بخلاف ما هنا" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه لا يؤدي ههنا إلى الالتباس؛ لأنك تقول "غزا هو" فيكون توكيدا للضمير المرفوع بأنه فاعل، فإذا حذفت الواو منه التبست الهاء الباقية بالهاء التي هي ضمير المنصوب بأنه مفعول نحو "غزاه" فإنه يجوز أن لا تمطل حركتها، قال الشاعر:
[٣٣٤]
تراه كأن الله يَجْدَعُ أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
стр. 409
وكذلك الهاء أيضًا في سائر المنصوبات؛ فإنه يجوز أن لا تُمْطَلَ حركتُها في الشعر كضمير المجرور؛ فإنهم يسوُّون بينهما في ذلك، قال الشاعر:
[٣٣٥]
له زجل كأنه صوتٌ حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زَمِيرُ
وقال الآخر:
[٣٣٦]
أو مُعْبَرُ الظَّهْرِ يَنْأَى عن وَلِيَّتِهِ ... ما حجَّ ربُّهُ في الدنيَا ولا اعْتَمَرَا
стр. 410
وقال الآخر:
[٣٣٧]
فما له من مجد تلِيدٍ، ومَالَهُ ... من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبَا
وقال الآخر:
[٣٣٨]
فإن يَكُ غثًّا أو سمينًا فإنني ... سأجعل عينيه لنفسه مَقْنَعَا
وقال الآخر:
[٣٣٩]
وأيقن أن الخيل إن تَلْتَبِسْ به ... يكن لفَسِيل النخل بعده آبِرُ
стр. 411
٢١١- وقال الآخر:
[٣٤٠]
أَنَا ابْنَ كِلَابٍ وابْنُ أوْس؛ فمن يَكُنْ ... قِنَاعُهُ مُغْطِيًّا فإني مُجْتَلَى
وقال الآخر:
[٣٤١]
لأَعْلِطَنَّهُ وسمًا لا يُفَارِقُهُ ... كما يُحَز بحمَّى المَيسَمِ البَحِرُ
وقال الآخر:
[٣٤٢]
لي والدٌ شيخٌ تَهِضْهُ غَيْبَتِي ... وأظن أن نفاد عُمْرِهِ عَاجِلُ
стр. 412
والوجه الثاني: أنه يبطل بصرف ما لا ينصرف، فإنه يوقع لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف في نحو قوله:
[٣٤٣]
قواطنًا مكة من وُرْقِ الحَمِي
وكذلك سائر ما لا ينصرف، ومع هذا فقد وقع الإجماع على جوازه، فكذلك ههنا.
فإن قالوا: الكلام به يتحصل القانون دون الشعر١، وصرف ما لا ينصرف لا يوقع لبسا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ لأنه لا يلتبس ذلك في اختيار الكلام.
قلنا: وهذا هو جوابنا عما ذكرتموه؛ فإنه إذا كان الكلام هو الذي يتحصل به القانون دون الشعر، فترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر لا يوجب لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ إذ لا يلتبس ما ينصرف وما لا ينصرف في اختيار الكلام، والله أعلم.
стр. 413
٧١- مسألة: [القول في علّة بناء "الآن "؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "الآن" مبنيّ؛ لأن الألف واللام دخلتا على فعل ماضٍ من قولهم: "آن يَئِينُ" أي حان، وبقي الفعل على فتحته.
وذهب البصريون إلى أنه مبنيّ لأنه شابه اسم الإشارة، ولهم فيه أيضًا أقوال أُخَرُ نذكرها في دليلهم.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الألف واللام فيه بمعنى الذي، ألا ترى أنك إذا قلت "الآن كان كذا" كان المعنى: الوقت الذي آن كان كذا، وقد تُقَامُ الألف واللام مقام الذي لكثرة الاستعمال طلبًا للتخفيف، قال الفرزدق:
[٣٤٤]
ما أنت بالحَكَمِ التُرْضَى حُكُومَتُهُ ... ولا البَلِيغِ ولا ذِي الرَّأْيِ والجَدَلِ
стр. 414
أراد "الذي تُرْضَى" وقال الآخر:
[٣٤٥]
بل القوم الرسول الله فيهم ... هم أهل الحكومة من قُصِيِّ
وقال الآخر:
[٩١]
يقول الخَنَا وأبغض العُجْمِ نَاطِقًا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
ويستخرج اليربوع من نَافِقَائِهِ ... ومن جُحره بالشّيحة اليَتَقَصَّعُ
أراد "الذي يُجَدَّعُ، والذي يَتَقَصَّعُ" فكذلك ههنا في الآن، وبقي الفعل على فتحته، كما روي عن النبي ﷺ "أنه نَهَى عن قيل وقال" وهما فعلان ماضيان، فأدخل عليهما حرف الخفض وبَقَّاهما على فتحهما، وكذلك قولهم "من شَبّ إلى دَبَّ" بالفتح؛ يريديون من أن كان صغيرًا إلى أن دَبَّ كبيرًا، فَبَقُّوا الفتح فيهما، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن سبيل الألف واللام أن يدخلا لتعريف الجنس، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وكقولهم "الرجل خير من المرأة" وكقولهم "أهلك الناس الدينار والدرهم" أو لتعريف العهد، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] أو يدخلا على شيء قد غلب عليه نعته فعرف به، كقولك: الحارث، والعباس، والسِّمَاك، والدَّبَرَان؛ فلما دخلا ههنا على غير ما ذكر ودخلت على معنى الإشارة إلى الوقت الحاضر صار معنى قولك "الآن" كقولك: هذا الوقت، فشابه اسم الإشارة، واسم الإشارة مبنيّ؛ فكذلك ما أشبهه، وكان الأصلُ فيه أن يبنى على السكون إلا أنه بني على حركة لالتقاء الساكنين، وكانت الفتحة أولى لوجهين:
أحدهما: أنها أَخَفُّ الحركات وأشكلها بالألف والفتحة التي قبلها فأتبعوها
стр. 415
الألف والفتحة التي قبلها كما أتبعوا ضمة الذال التي في "مُنْذُ" ضمة الميم، وإن كان حق الذال أن تكسر لالتقاء الساكنين.
والوجه الثاني: أن نظائرها من الظروف المستحقة لبناء أواخرها على حركة كأين وأيان بنيت على الفتح؛ فكذلك "الآن" لمشاركتها لهما في الظرفية.
ومنهم من قال، وهو أبو العباس المبرد: إنما بني "الآن" لأنه وقع في أول أحواله بالألف واللام، وسبيل ما يدخل عليه الألف واللام، أن يكون منكورًا أولا ثم يعرف بهما، فلما خالف سائر أخواته من الأسماء وخرج إلى غير بابه بُنِيَ.
ومنهم من قال، وهو أبو سعيد السيرافي: إنما بني لأنه لما لزم موضعًا واحدًا أشبه الحرف؛ لأن الحروف تلزم مواضعها التي وضعت فيها في أوليتها، والحروف مبنية؛ فكذلك ما أشبهها.
ومنهم من قال، وهو أبو علي الفارسي: إنما بني لأنه حذف منه الألف واللام وضمن الاسم معناهما، وزيدت فيه ألف ولام أُخْرَيان.
وبني على الفتح في جميع الوجوه؛ لما ذكرناه في الوجه الأول، وهو الذي عليه سيبويه وأكثر البصريين.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الألف واللام فيه بمعنى الذي "قلنا" هذا فاسد؛ لأن الألف واللام إنما يدخلان على الفعل وهما بمعنى الذي في ضرورة الشعر كما أنشدوه من الأبيات، لا في اختيار الكلام؛ فلا يكون فيه حجة.
وأما ما شبهوه به من نهيه ﷺ عن قيل وقال فليس بمشبه له؛ لأنه حكاية، والحكايات تدخل عليها العوامل فَتُحْكَى، ولا تدخل عليها الألف واللام؛ لأن العوامل لا تغير معاني ما تخل عليه كتغيير الألف واللام، ألا ترى أنك تقول: "ذهب تأبط شرًّا، وذَرَّى حبًا، وبرق نحره، ورأيت تأبط شرا، وذرى حبا، وبرق نحره، ومررت بتأبط شرا، وذرى حبا، وبرق نحره" ولا تقول: هذا التأبط شرا، ولا الذرى حبا، ولا البرق نحره، وما أشبه ذلك، وكذلك تقول: رفعنا اسم كان بكان، ونصبنا اسم إن بإن، ولا تقول رفعناه بالكان ونصبناه بالإنّ، فبان الفرق بينهما؛ وهذا هو الجواب عن قولهم "من شَبَّ إلى دَبَّ" على أنه لو أخرجت هذه الأشياء إلى الأسماء فقيل "عن قيلٍ وقالٍ"، "ومن شبٍّ إلى دبٍّ" فأدخلت الجر والتنوين لكان ذلك جائزًا بالإجماع، على أنه قد صحّ عن العرب أنهم قالوا: من شب إلى دب -بالجر والتنوين- وقد حكى ذلك أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من أصحابكم، وذلك ألزم لكم وأوفى حجة عليكم، والله أعلم.
стр. 416
٧٢- مسألة [فعل الأمر معرب أو مبنيّ ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر للمُوَاجَهِ المُعَرَّى عن حرف المضارعة -نحو افعل- معربٌ مجزومٌ.
وذهب البصريون إلى أنه مبني على السكون.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه معرب مجزوم لأن الأصل في الأمر للمُوَاجَهِ في نحو: "افْعَلْ" لِتَفْعَلْ، كقولهم في الأمر للغائب "ليفعل" وعلى ذلك قوله تعالى: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس: ٥٨] في قراءة من قرأ بالتاء من أئمة القرَّاء، وذُكِرَتِ القِرَاءةُ أنها قراءة النبي ﷺ من طريق أُبَيِّ بن كعب، ورويت هذه القراءة عن عثمان بن عفان وأنس بن مالك والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني وأبي رجاء العُطَارديّ وعاصم الجَحْدَريّ وأبي التَّيَّاح وقتادة والأعرج وهلال بن يِسَاف والأعمش وعمرو بن فائد وعلقمة بن قيس ويعقوب الحضرمي وغيرهم من القراء. وقد جاء في الحديث "ولتَزُرَّهُ ولو بِشَوْكَةٍ" أي زُرَّهُ، وجاء عنه -صلوات الله- عليه أنه قال في بعض مغازيه: "لتأخذوا مصافّكم" أي خذوا، وقال -صلوات الله عليه- مرة أخرى "لِتَقُومُوا إلى مَصَافِّكم" أي قوموا، وقال الشاعر:
[٣٤٦]
لِتَقُمْ أنت يابْنَ خير قريش ... فَتُقَضَّى حَوَائجُ المسْلِمينَا
وقال الآخر:
[٣٤٧]
فلتكن أبعد العُدَاةِ من ... الصلح من النجم جَارُهُ العَيُّوقُ
وقال الآخر:
[٣٤٨]
لتبعد إذ نأى جَدْوَاكَ عنِّي ... فلا أشقى عليك ولا أُبَالِي
стр. 419
فثبت أن الأصل في الأمر للمواجهة [في نحو افعل] أن يكون باللام نحو لتفعل كالأمر للغائب، إلا أنه لما كثر استعمال الأمر للواجه في كلامهم وجرى على ألسنتهم أكثر من الغائب استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال فحذفوها مع حرف المضارعة طلبا للتخفيف، كما قالوا "أيش" والأصل: أيّ شيء، وكقولهم "عِمْ صباحا" والأصل فيه: انْعِم صباحا، من نعم ينعم بكسر العين في أحد اللغتين، وكقولهم "وَيْلُمِّهِ" والأصل فيه: ويل أمه، إلا أنهم حذفوا في هذه المواضع لكثرة الاستعمال، فكذلك ههنا: حذفوا اللام لكثرة الاستعمال؛ وذلك لا يكون مزيلا لها عن أصلها ولا مبطلا لعملها.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه معرب مجزوم أنا أجمعنا على أن فعل النهي معرب مجزوم نحو "لا تفعل" فكذلك فعل الأمر نحو "افعل" لأن الأمر ضد النهي، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، فكما أن فعل النهي معرب مجزوم فكذلك فعل الأمر.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه معرب مجزوم بلام مقدرة أنك تقول في المعتل "اغْْزُ، وارْمِ، واخش" فتحذف الواو والياء والألف كما تقول "لم يغزُ، ولم يرمِ، ولم يخشَ" بحذف [حرف] العلة؛ فدل على أنه مجزوم بلامٍ مقدرة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن حرف الجر لا يعمل مع الحذف فحرف الجزم أولى؛ لأن حرف الجر أقوى من حرف الجزم؛ لأن حرف الجر من عوامل الأسماء، وحرف الجزم من عوامل الأفعال، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال، فإذا كان الأقوى لا يعمل مع الحذف فالأضعف أولى" لأنا نقول: قولكم "إن حرف الجر لا يعمل مع الحذف" لا يستقيم على أصلكم؛ فلا يصلح إلزامًا لكم؛ فإنكم تذهبون إلى أن "رُبَّ" تعمل الخفض مع الحذف بعد الواو والفاء وبل، وإعمالها بعد الواو نحو قول الراجز:
[٢٣٦]
وبَلَدٍ عامِيَةٍ أَعَماؤُهُ ... كأن لون أرضه سماؤه
стр. 420
أي: ورُبَّ بلد، وإعمالها بعد الفاء نحو قول الشاعر:
[٢٤٠]
فَحُورٍ قد لَهَوْتُ بِهِنَّ عِينٍ
أي: فرُبَّ حورٍ، وإعمالها بعد بل نحو قول الراجز:
[٣٤٩]
بل بلد ملءُ الفجاجِ قَتَمُهْ ... لا يَشْتَرِي كَتّانُهُ وجَهْرَمُهْ
أي: بل رب بلد، فأعملتم "رب" في هذه المواضع مع الحذف، وهي حرف خفض وهذه مناقضة ظاهرة؛ فدل على أن حرف الخفض قد يعمل مع الحذف، على أنه قد حكى نَقَلَةُ اللغة عن رؤبة أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت، يقول: خيرٍ عافاك الله، أي: بخير، فيعمل [حرف] الخفض مع الحذف.
وكذلك أيضا مَنْعُكُمْ إعمال حرف الجزم١ مع الحذف لا يستقيم أيضا على أصلكم، فإنكم تذهبون إلى أن حرف الشرط يعمل مع الحذف في ستة مواضع، وهي: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتمني، والعرض، والأمر نحو: ايتني آتك، والنهي: لا تفعل يكن خيرًا لك، والدعاء: اللهم ارزقني بعيرًا أحجَّ عليه، والاستفهام: أين بيتك أزرك، والتمني: ألا ماء أشربه، والعرض: ألا تنزل أكرمك، فأعملتم حرف الشرط مع الحذف في هذه المواضع كلها لتقديره فيها.
стр. 421
وقد جاء عن العرب إعمال حرف الجزم مع الحذف، قال الشاعر:
[٣٥٠]
محمد تَفْدِ نفسك كلُّ نفسٍ ... إذا ما خِفْتَ من أَمْرٍ تَبَالَا
والتقدير فيه: لتفد نفسك، فحذف اللام وأعملها في الفعل الجزم، وقال الشاعر:
[٣٥١]
فقلت ادْعِي وأدْعُ؛ فإن أَنْدى ... لصوت أن ينادي داعيان
стр. 422
أراد "ولأَدْعُ "وقال الآخر:
[٣٥٢]
على مثل أصحاب البعوضة فَاخْمِشِي ... لك الويلُ حُرّ الوجه أو يَبْكِ من بَكَى
стр. 423
أراد "لِيَبْكِ" وقال الآخر:
[٣٥٣]
من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ
أراد "فليدن" فحذف اللام وأعملها في الفعل الجزم، وهذا كثير في أشعارهم، وإذا جاز أن يعمل حرف الجزم مع الحذف في هذه المواضع جاز أن يعمل ههنا مع الحذف لكثرة الاستعمال.
وكذلك أيضا منعكم إعمال سائر عوامل الأفعال مع الحذف لا يستقيم أيضا على أصلكم؛ فإنكم تذهبون إلى أن أن الخفيفة المصدرية تعمل مع الحذف بعد الفاء إذا كانت جوابا للستة الأشياء التي جوزتم فيها إعمال أن الخفيفة الشرطية مع الحذف، نحو: ايتني فآتيك، ولا تفعل يكون خيرا لك، واللهم ارزقني بعيرا فأحج عليه، وأين بيتك فأزورك، وألا ماء فأشربه، وألا تنزل فأكرمك، وكذلك تعملونها مع الحذف بعد الفاء في جواب النفي نحو: ما أنت صاحبي فأعطيك، وكذلك أيضا تعملونها مع الحذف بعد الواو نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وبعد "أو" نحو: لأشكونك أو تُعْتِبَنِي، وبعد لام كي نحو: جئتك لتكرمني، وبعد لام الجحود نحو: ما كنت لأفعل ذلك، وبعد حتى نحو: سرت حتى أدخلها، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإذا جاز لكم أن تعملوا أن الناصبة للفعل بعد هذه الأحرف مع الحذف وهي من عوامل الأفعال وإن الجازمة للفعل في المواضع التي بيّناها مع الحذف وهي من عوامل الأفعال جاز أن تعمل اللام الجازمة للفعل مع الحذف لكثرة الاستعمال وإن كانت من عوامل الأفعال.
стр. 424
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إنَّ نَزَالِ مبنيّ لأنه قام مقام فعل الأمر، فلو لم يكن فعل الأمر مبنيًّا وإلا لما بني ما قام مقامه" لأنا نقول: إنما بني نزال لتضمنه معنى لام الأمر، ألا ترى أن نزال اسم انْزِلْ، وأصله لتنزل، فلما تضمن معنى اللام كتضمن أين معنى حرف الاستفهام، وكما أن أين بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام؛ فكذلك بنيت نزال لتضمنها معنى اللام.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مبني على السكون لأن الأصل في الأفعال أن تكون مبنية، والأصل في البناء أن يكون على السكون، وإنما أعرب ما أعرب من الأفعال أو بني منها على فتحة لمشابهة ما بالأسماء، ولا مشابهة بوجه ما بين فعل الأمر والأسماء؛ فكان باقيًا على أصله في البناء.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه مبني أنا أجمعنا على أن ما كان على وزن فَعَالِ من أسماء الأفعال -كنزال، وتراك، ومناع، ونعاء، وحذار، ونظار- مبني؛ لأنه ناب عن فعل الأمر فنزال ناب عن انزل، وتراك ناب عن اترك، ومناع ناب عن امنع، ونعاء ناب عن انع، وحذار ناب عن احذر، ونظار ناب عن انظر، قال زهير:
[٣٥٤]
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلَجَّ في الذُّعْر
стр. 425
أراد انْزِلْ، وأنثها لأنها بمنزلة النَّزْلة، وقال الآخر:
[٣٥٥]
عرضنا نزالِ فلم ينزلوا ... وكانت نزال عليهم أَطَمْ
وقال الآخر:
[٣٥٦]
فدعوا نزال فكنت أوَّل نازلٍ ... وعَلَامَ أَرْكَبُهُ إذا لم أَنْزِلِ