← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7362

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين

أبو البركات الأنباري

Полный текст (705 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فقال "ذو" بالإفراد حملًا على اللفظ، ولو كان مثنى لفظًا ومعنًى لقال "ذَوَا" وقال الآخر: [٢٧٦] كِلَا أَخَوَيكُم كان فَرْعًا دِعَامَة ... ولكنهم زَادُوا وأَصْبَحْتَ نَاقِصَا فقال "كان" بالإفراد حملًا على اللفظ، ولم يقل "كانا" وقال الآخر: [١٢٢] أُكَاشِرُهُ وأعلم أن كِلَانَا ... على ما ساء صاحِبَهُ حَرِيصُ فقال "حريص" بالإفراد ولم يقل "حريصان" وقال الآخر: [٢٧٧] كلانا يا يزيد يحب ليلى ... بِفِيَّ وفِيكَ مِنْ ليلى التُّرَابُ فقال "يحب" بالإفراد على ما بيَّنَّا. وقال الآخر: [٢٧٨] كِلَانا ثَقَلَيْنَا وَاثِقٌ بِغَنِيمَةٍ ... وقد قَدَرَ الرَّحمن ما هو قادر

стр. 352

فقال "واثق" بالإفراد. وقال الآخر: [٢٧٩] كِلَا يَوْمَيْ أُمَامَةَ يومُ صَدٍّ ... وإن لم نَأْتِهَا إلا لمَامَا

стр. 353

فقال "يوم" بالإفراد. وقال أبو الأَخْزَرِ الحِمَّانِيُّ: [٢٨٠] فكلتاهما خرَّت وأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كما سجدت نَصْرَانَةٌ لم تَحَنَّفِ فقال "خرت" بالإفراد. وقال الآخر: [٢٨١] فكلتاهما قد خُطَّ لي في صَحِيفَةٍ ... فلا العيش أهواهُ ولا الموتُ أَرْوَحُ

стр. 354

فقال: "خُطَّ" بالإفراد، والشواهد على هذا النحو كثيرًا جدًّا. وأما رَدُّ الضمير مثنى حملًا على المعنى فعلى ما حكي عن بعض العرب أنه قال "كِلَاهُمَا قَائِمَان، وكِلْتَاهُمَا لقيتهما" وقال الشاعر: [٢٨٢] كلاهما حين جَدَّ الجَرْيُ بينهما ... قد أَقْلَعَا، وكلا أَنْفَيهِمَا رَابِي

стр. 355

فقال "أقلعا" حملًا على المعنى، وقال "رابي" حملًا على اللفظ. والحمل في "كلا، وكلتا" على اللفظ أكثر من الحمل على المعنى، ونظيرهما في الحمل على اللفظ تارة وفي الحمل على المعنى أخرى "كلٌّ" فإنه لما كان مفردًا في اللفظ مجموعًا في المعنى رُدّ الضمير إليه تارة على اللفظ وتارة على المعنى، كقولهم "كل القوم ضربته، وكل القوم ضربتهم" وقد جاء بهما التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم: ٩٣] فقال ﴿آتِي﴾ بالإفراد حملًا على اللفظ، وقال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فقال ﴿أَتَوْهُ﴾ بالجمع حملًا على المعنى، إلا أن الحمل على المعنى في "كل" أكثر من الحمل على المعنى في "كلا، وكلتا". والذي يدل على أن فيهما إفرادًا لفظيًّا أنك تضيفهما إلى التثنية فتقول: "جاءني كِلَا أَخَوَيكَ، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، وجاءني أَخَوَاكَ كِلَاهُمَا، ورأيتُهُمَا كِلَيْهِمَا، ومررت بهما كليهما" وكذلك حكم إضافة "كلتا" إلى المُظْهَر والمُضْمَر، فلو كانت التثنية فيهما لفظية لما جاز إضافتهما إلى التثنية؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. والذي يدل على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها تجوز إمالتها، قال الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] قرأهما حمزة والكسائي وخلف بإمالة الألف فيهما، ولو كانت الألف فيهما للتثنية لما جازت إمالتها؛ لأن ألف التثنية لا تجوز إمالتها. والذي يدل أيضا على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها لو كانت للتثنية لانقلبت في حالة النصب والجر إذا أُضِيفَتَا إلى المظهر؛ لأن الأصل هو المظهر، وإنما المضمر فرعه، تقول: "رأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين"، وكذلك تقول في المؤنث: "رأيت كلتا المرأتين، ومررت بكلتا المرأتين" ولو كانت للتثنية لوجب أن تنقلب مع المظهر كما تنقلب مع المضمر؛ فلما لم تنقب دلَّ على أنها ألف مقصورة، وليست للتثنية. والذي يدل على أن "كلا" ليست مأخوذة من "كُلّ" أن كُلّا للإحاطة وكِلَا لمعنًى مخصوص؛ فلا يكون أحدهما مأخوذًا من الآخر. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر: [٢٧٤] في كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى واحده

стр. 356

فلا حجة فيه؛ لأن الأصل أن يقول "كلتا بالألف، إلا أنه حذفها اجتزاء بالفتحة عن الألف لضرورة الشعر، كما قال الآخر: [٢٥٤] فلست بمدرك ما فات مني ... بَلَهْفَ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَ انِّي [٢٨٣] وَصَّانِي العَجَّاجُ فيما وَصَّنِي أراد "فيما وصاني". وهذا كثير في أشعارهم. وأما قولهم "إن الألف فيهما تنقلب في حالة النصب والجر إذا أضيفتا إلى المضمر" قلنا: إنما قلبت في حالة الإضافة إلى المضمر لوجهين: أحدهما: أنهما لما كان فيهما إفراد لفظي وتثنية معنوية، وكانا تراة يضافان إلى المظهر وتارة يضافان إلى المضمر -جعلوا لهما حظًّا من حالة الإفراد وحظًّا من حالة التثنية، فجعلوهما مع الإضافة إلى المظهر بمنزلة المفرد على صورة واحدة في حالة الرفع والنصب والجر، وجعلوهما مع الإضافة إلى المضمر بمنزلة التثنية في قلب الألف من كل واحد منهما ياء في حالة النصب والجر؛ اعتبارًا بكلا الشبهين. وإنما جعلوهما مع الإضافة إلى المظهر بمنزلة المفرد لأن المظهر هو الأصل والمفرد هو الأصل فكان الأصل أولى بالأصل، وجعلوهما مع الإضافة إلى المضمر بمنزلة التثنية لأن المضمر فرع والتثنية فرع فكان الفرع أولى بالفرع، وهذا الوجه ذكره بعض المتأخرين. والوجه الثاني: وهو أَوْجَهُ الوجهين، وبه عَلَّلَ أكثر المتقدمين -وهو أنه إنما لم تُقْلَبْ الألف فيهما مع المظهر وقلبت مع المضمر لأنهما لزمتا الإضافة وجر الاسم بعدهما؛ فأشبهتا لَدَى وإلى وعَلَى، وكما أن لدى وإلى وعلى لا تقلب ألفها ياء مع المظهر نحو "لَدَى زيدٍ، وإلى عمروٍ، وعلى بكر" وتقلب مع المضمر نحو "لديك، وإليك، وعليك" فكذلك "كلا، وكلتا" لا تقلب ألفهما ياء مع المظهر، وتقلب مع المضمر.

стр. 357

والذي يدل على صحة ذلك أن القلب في "كلا، وكلتا" إنما يختص بحالة النصب والجر، دون حالة الرفع؛ لأن "لَدَيْكَ" إنما تستعمل في حالة النصب والجر، ولا تستعمل في حالة الرفع؛ فلهذا المعنى كان القلب مختصًّا بحالة النصب والجر دون حالة الرفع، وقد أفردنا في الكلام على "كلا، وكلتا" جزءًا استقصينا فيه القول عليهما، والله أعلم.

стр. 358

٦٣- مسألة: [هل يجوز توكيد النكرة توكيدًا معنويًا ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن توكيد النكرة بغير لفظها جائز، إذا كانت مؤقتة نحو قولك: "قعدت يومًا كله، وقمت ليلة كلها". وذهب البصريون إلى أن تأكيد النكرة بغير لفظها غير جائز على الإطلاق. وأجمعوا على جواز تأكيدها بلفظها نحو: "جاءني رجلٌ رجل، ورأيت رجلًا رجلًا، ومررت برجلٍ رجلٍ" وما أشبه ذلك. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن تأكيدها جائز النقلُ والقياسُ: أما النقل فقد جاء ذلك عن العرب، قال الشاعر: [٢٨٤] لكنَّه شَاقَهُ أَنْ قيل ذا رَجَبٌ ... يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ

стр. 359

فأَكَّد "حول" وهو نكرة بقوله "كله"؛ فدل على جوازه. وقال الآخر: [٢٨٥] إذا القَعُودُ كَرَّ فِيهَا حَفَدَا ... يومًا جديدًا كلّهُ مُطَرَّدا فأكد "يومًا" وهو نكرة بقوله "كلّه". وقال الآخر: [٢٨٦] زَحَرْتَ بِهِ لَيْلَةً كلّهَا ... فجئتَ بِهِ مُؤْيدًا خَنْفَقِيقَا

стр. 360

فأكد "ليلةً" هي نكرة بقوله: "كلها" ومؤيدًا خنفقيقًا: اسمان من أسماء الداهية. وقال الأخر: [٢٨٧] قد صَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أَجْمَعَا

стр. 361

فأَكَّدَ "يومًا "بأجمع؛ فدلّ على جوازه. وأما القياس فلأن اليوم مؤقت يجوز أن يقعد في بعضه، والليلة مؤقتة يجوز أن يقوم في بعضها، فإذا قلت "قعدت يوما كلُّهُ، وقمت ليلة كلَّهَا" صح معنى التوكيد؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إلى. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن تأكيد النكرة غير جائز من وجهين: أحدهما: أن النكرة شائعة ليس لها عين ثابتة كالمعرفة؛ فينبغي أن لا تفتقر إلى تأكيد؛ لأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه، وأما قولهم "رأيت درهما كل درهم" وما أشبه ذلك فهو محمول على الوصف لا على التأكيد. والوجه الثاني: أن النكرة تدل على الشياع والعموم، والتوكيد يدل على التخصيص والتعيين، وكل واحد منهما ضِدُّ صاحبه؛ فلا يصلح أن يكون مؤكدًا له، ولو جوزنا ذلك لكنا قد صيرنا الشائع مخصصًا، وهذا ليس بتأكيد، بل هو ضد ما وضع له؛ لأن التأكيد تقرير، وهذا تغيير، ولهذا المعنى امتنع أن يجوز وصف النكرة بالمعرفة أو المعرفة بالنكرة؛ لأن كل واحد منهما ضد صاحبه؛ لأن النكرة شائعة، والمعرفة مخصوصة، والصفة في المعنى هي الموصوف، ويستحيل أن يكون الشيء الواحد شائعًا مخصوصًا في حال واحدة؛ فكذلك ههنا. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استشهدوا به من الأبيات فلا حجة فيه: أما قول الشاعر: [٢٨٤] يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ فنقول الرواية الصحيحة: [٢٨٤] يا ليت عدة حولي كلِّهِ رَجَبُ بالإضافة، وهو معرفة لا نكرة، وأما قول الآخر: [٢٨٥] يومًا جديدًا كله مطردًا"

стр. 362

فلا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون توكيدًا للمضمر في جديد، والمضمرات لا تكون إلا معارف، وكان هذا أولى به؛ لأنه أقرب إليه من "يوم" فعلى هذا يكون الإنشاد بالرفع، وأما قول الآخر: [٢٨٧] قد صَرَّتِ البكرة يومًا أجمعا فنقول: هذا البيت مجهول لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به. ثم لو قدرنا أن هذه الأبيات التي ذكروها كلها صحيحة عن العرب، وأن الرواية١ ما ادعوه لَمَا كان فيها حجة، وذلك لشذوذها وقلتها في بابها؛ إذ لو طردنا القياس ففي كل ما جاء شاذًّا مخالفًا للأصول والقياس وجعلناه أصلًا لكان ذلك يؤدي إلى أن تختلط الأصول بغيرها، وأن يُجْعَل ما ليس بأصل أصلًا، وذلك يفسد الصناعة بأسرها، وذلك لا يجوز. على أن هذه المواضع كلها محمولة على البدل، لا على التأكيد. وأما قولهم "إن اليوم مؤقتٌ فيجوز أن يقعد بعضه والليلة مؤقتة فيجوز أن يقوم بعضها، فإذا أكدت صح معنى التوكيد" قلنا: هذا لا يستقيم فإن اليوم وإن كان مؤقتا إلا أنه لم يخرج عن كونه نكرة شائعة، وتأكيد الشائع المنكور بالمعرفة لا يجوز كالصفة؛ ولأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه على ما بيَّنَّا، والله أعلم.

стр. 363

٦٤- مسألة: [هل يجوز أن تجيء واو العطف زائدة ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المُبَرِّد وأبو القاسم بن بَرْهَان من البصريين. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الواو يجوز أن تقع زائدة أنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهاَ﴾ [الزمر: ٧٣] فالواو زائدة لأن التقدير فيه: فتحت أبوابها؛ لأنه جواب لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ كما قال تعالى في صفة سوق أهل النار إليها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا َفُتِحَتْ أَبْوَابُهاَ﴾ [الزمر: ٧١] ولا فرق بين الآيتين، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] فالواو زائدة؛ لأن التقدير فيه: اقترب؛ لأنه جواب لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١-٥] والتقدير فيه أذنت، لأنه جواب "إذا" والشواهد على هذا النحو من التنزيل كثيرة. وقال الشاعر: [٢٨٨] فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحةَ الحَيِّ وانْتَحى ... بنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ

стр. 364

والتقدير فيه: انتحى، والواو زائدة؛ لأنه جواب "لما" وقال الآخر: [٢٨٩] حتى إذ قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... ورَأَيتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا

стр. 365

وقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إنّ اللَّئِيمَ العَاجِزُ الخَبُّ والتقدير فيه: قلبتم، والواو زائدة. والشواهد على هذا النحو من أشعارهم أكثر من أن تحصى. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الواو في الأصل حرف وُضِعَ لمعنى؛ فلا يجوز أن يحكم بزيادته مهما أمكن أن يُجْزَى على أصله، وقد أمكن ههنا، وجميع ما استشهدوا به على الزيادة يمكن أن يُحْمَل فيه على أصله وسنبين ذلك في الجواب عن كلماتهم. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] فنقول: هذه الآية لا حجة لكم فيها؛ لأن الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ عاطفة وليست زائدة، وأما جواب ﴿إِذَا﴾ فمحذوف، والتقدير فيه: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فَازُوا ونَعِمُوا، وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، واقترب﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والجواب محذوف، والتقدير فيه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون قالوا يا ويلنا، فحذف القول، وقيل: جوابها: "فإذا هي شاخصة"، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١: ٥] الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والجواب محذوف، والتقدير فيه: إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخَلَّتْ وأذنت لربها وحقت يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل على هذا التقدير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] أي ساعٍ إليه في عملك، والكَدْحُ: عمل الإنسان من الخير والشر الذي يُجَازَى عليه بالثواب والعقاب. وأما قول الشاعر: [٢٨٨] فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي قِفافٍ عقنقل فالواو فيه أيضًا عاطفة، وليست زائدة، والجواب مقدر، والتقدير فيه: فلما

стр. 366

أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل خَلَوْنَا ونعمنا، وكذلك أيضا قول الآخر: [٢٨٩] حتى إذا قَمِلَتْ بطونكم ... ورأيتم أبناؤكم شَبُّوا وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخَبُّ الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والتقدير فيه: حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبوا وقلبتم ظهر المجن لنا بان غدركم ولُؤْمُكم. وإنما حذف الجواب في هذه المواضع للعلم به؛ توخّيًا للإيجاز والاختصار. وقد جاء حذف الجواب في كتاب الله تعالى وكلام العرب كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١] فحذف جواب "لو" ولا بدّ لها من الجواب، والتقدير فيه: ولو أن قرآنا سُيِّرَت به الجبال أو قطعت به الأرض لكان هذا القرآن، فحذفه للعلم به توخيا للإيجاز والاختصار، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] فحذف جواب "لولا" والتقدير فيه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لفَضَحَكُم بما ترتكبون من الفاحشة ولعاجَلَكم بالعقوبة؛ وقال عبد مَنَافٍ بن رِبْعٍ الهُذَلِيُّ: [٢٩٠] حتى إذا أَسْلَكُوهُم في قُتَائِدَةٍ ... شَلَّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشَّرُدَا

стр. 367

ولم يأتِ بالجواب؛ لأن هذا البيت آخر القصيدة؛ والتقدير فيه: حتى إذا أسلكوهم في قُتَائدة شُلُّوا شلًّا، فحذف للعلم به توخّيًا للإيجاز والاختصار على ما بيَّنَّا. ثم حذف الجواب أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك لو قلت لعبدك "والله لئن قمت إليك" وسكتَّ عن الجواب ذهب فكره إلى أنواع من العقوبة والمكروه من القتل والقطع والضرب والكسر، فإذا تمثلَتْ في فكره أنواع العقوبات وتكاثرت عظمت الحال في نفسه ولم يعلم أيها يتقي؛ فكان أبلغ في رَدْعِهِ وزَجْرِهِ عما يُكْرَه منه، ولو قلت "والله لئن قمت إليك لأضربنك" وأظهرت الجواب لم يذهب فكره إلى نوع من المكروه سوى الضرب؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه؛ لأنه قد وَطَّنَ له نفسَه فيسهل ذلك عليه، قال كثير: [٢٩١] وقلت له: يا عَزَّ كُلّ مُلِمَّةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ وكذلك الحال في الإحسان، نحو "والله لئن زرتني": إذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه من إكرامه والإنعام عليه؛ فكان ذلك أبلغ في استدعائه إلى الزيارة وإسراعه إليها، ولو قلت "والله لئن زرتني لأعطيتك درهما" لم يذهب فكره إلى غير الدرهم قط١؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه؛ لأنه ربما يكون مستغنيا عنه غير راغب فيه؛ فلا يدعوه ذلك إلى الزيارة، وإذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه؛ فكان ذلك أدعى له إلى الزيارة، كما كان الأول أدعى إلى الترك، على ما بيَّنَّا، والله أعلم.

стр. 368

٦٥- مسألة: [هل يجوز العطف على الضمير المخفوض ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أنه يجب العطف على الضمير المخفوض، وذلك نحو قولك "مررت بك وزيد" وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز أنه قد جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب، قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" [النساء: من الآية١] بالخفض وهي قراءة أحد القراء السبعة -وهو حمزة الزيات- وقراءة إبراهيم النخعي وقتادة ويحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش، ورواية الأصفهاني والحلبي عن عبد الوارث، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٢٧] فما: في موضع خفض لأنه عطف على الضمير المخفوض في "فيهن" وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] فالمقيمين: في موضع خفض بالعطف على الكاف في "إليك" والتقدير فيه: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة يعني من الأنبياء ﵈، ويجوز أيضًا أن يكون عطفًا على الكاف في "قبلك" والتقدير فيه: ومن قبل المقيمين الصلاة، يعني من أمتك، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فعطف "المسجد الحرام" على الهاء من "به" وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] فمن: في موضع خفض بالعطف على

стр. 369

الضمير المخفوض في "لكم" فدلَّ على جوازه، وقال الشاعر: [٢٩٢] فاليوم قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا ... فاذهب فما بك والأيامِ من عَجَبِ فالأيام: خفض بالعطف على الكاف في "بك" والتقدير: بك وبالأيام، وقال الآخر: [١٨١] أَكُرُّ على الكَتِيبَةِ لا أبالي ... أفيها كان حَتْفِي أم سِوَاهَا فعطف "سواها" بأم على الضمير في "فيها" والتقدير: أم في سواها. وقال الآخر: [٢٩٣] تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا ... ومَا بَيْنَها والْكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ

стр. 370

فالكعب: مخفوض بالعطف على الضمير المخفوض في "بينها" والتقدير: وما بينها وبين الكعب غوط نفانف، يعني أن قومه طوال، وأن السيف على الرجل منهم كأنه على سارية من طوله، وبين السيف وكعب الرجل منهم غائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- ونفانف: واسعة، أي بين السيف والكعب مسافة؛ فعطف "الكعب"١ على الضمير المخفوض في "بينها" وقال الآخر: [٢٩٤] هَلَّا سألت بِذِي الجَمَاجِمِ عَنْهُمُ ... وأبي نُعَيْمٍ ذي اللِّوَاء المُحْرِق

стр. 371

فأبي نعيم: خفض بالعطف على الضمير المخفوض في "عنهم"؛ فهذه كلها شواهد ظاهرة تدل على جوازه. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز، وذلك لأن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور -والضمير إذا كان مجرورًا اتصل بالجار، ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلا متصلًا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب -فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار، وعَطْفُ الاسمِ عَلَى الحَرْفِ لا يجوز. ومنهم من تمسّك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن الضمير قد صار عوضًا عن التنوين؛ فينبغي أن لا يجوز العطف عليه، كما لا يجوز العطف على التنوين، والدليل على استوائهما أنهم يقولون "يا غلام" فيحذفون الياء كما يحذفون التنوين وإنما اشتبها لأنهما على حرف واحد، وأنهما يكملان الاسم، وأنهما لا يُفْصَلُ بينهما وبينه بالظرف؛ وليس كذلك الاسم المظهر. ومنهم من تمسك بأن قال: أجمعنا على أنه لا يجوز عطف المضمر المجرور على المظهر المجرور؛ فلا يجوز أن يقال "مررت بزيدٍ وَكَ" فكذلك ينبغي أن لا يجوز عطف المظهر المجرور على المضمر المجرور، فلا يقال "مررت بِكَ وزَيْدٍ" لأن الأسماء مشتركة في العطف، فكما لا يجوز أن يكون معطوفًا فلا يجوز أن يكون معطوفًا عليه. والاعتماد على هذه الأدلة على الأول: وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ، الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] فلا حجة لهم فيه من وجهين؛ أحدهما: أن قوله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ ليس مجرورًا بالعطف على الضمير المجرور، وإنما هو مجرور بالقسم، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] والوجه الثاني: أن قوله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ مجرور بباء مقدرة غير الملفوظ بها، وتقديره: وبالأرحام، فحذفت لدلالة الأولى عليها، وله شواهد كثيرة في كلامهم سنذكر طرفًا منها مُسْتَوْفًى في آخر المسألة إن شاء الله تعالى. أما قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٢٧] فلا حجة لهم فيه أيضًا من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أنه في موضع جرّ، وإنما هو في موضع رفع

стр. 372

بالعطف على "الله" والتقدير فيه: الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيهن ما يتلى عليكم، وهو القرآن، وهو أوجه الوجهين. والثاني: أنا نسلم أنه في موضع جر، ولكن بالعطف على "النساء" من قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ لا على الضمير المجرور في "فيهنَّ". وأما قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ﴾ [النساء: ١٦٢] فلا حجة لهم أيضًا من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أنه في موضع جر، وإنما هو في موضع نصب على المدح بتقدير فعل، وتقديره: أعني المقيمين، وذلك لأن العرب تنصب على المدح عند تكرر العطف والوصف، وقد يستأنف فيرفع، قال الله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَاليتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فرفع "الموفون" على الاستئناف، فكأنه قال: وهم الموفون، ونصب "الصابرين" على المدح، فكأنه قال: اذكرِ الصابرين، ثم قالت الخرنق، امرأة من العرب: [٢٩٥] لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ

стр. 373

النازلون بكل مُعْتَرَكٍ ... والطيبين مَعَاقِدَ الأَزْرِ فنصبت "الطيبين" على المدح فكأنها قالت: أعني الطيبين، ويروى أيضا "والطيبون" بالرفع، أي: وهم الطيبون، وقال الشاعر: [٢٩٦] إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وذا الرَّأْي حين تُغَمُّ الأمور ... بذات الصَّلِيلِ وذات اللُّجُمْ فنصب "ذا الرأي" على المدح، فكذلك ههنا، وقال الآخر: [٢٩٧] وكلُّ قوم أَطَاعُوا أمر مُرْشِدِهِمْ ... إلا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا

стр. 374

الظاعنين ولَمَّا يُظْعِنُوا أحدًا ... والقائلون: لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا فرفع "القائلون" على الاستئناف؛ ولك أن ترفعهما جميعًا، ولك أن تنصبهما جميعا، ولك أن تنصب الأول وترفع الثاني، ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني، ولا خلاف في ذلك بين النحويين. والوجه الثاني: أنا نسلم١ أنه في موضع جر، ولكن بالعطف على "ما" من قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ١٧٧] فكأنه قال: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين، على أنه قد روي عن عائشة ﵍ أنها سئلت عن هذا الموضع، فقالت: هذا خطأ من الكاتب، وروي عن بعض لد عثمان أنه سئل عنه، فقال: إن الكاتب لما كتب ﴿مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك﴾ [البقرة: ١٧٧] قال: ما أكتب؟ فقيل له: اكتب والمقيمين الصلاة، يعني أن الممل أعمل قوله "اكتب" في "المقيمين" على أن الكاتب يكتبها بالواو كما كتب ما قبلها، فكتبها على لفظ الممل. أما قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "المسجد الحرام" مجرور بالعطف على "سبيل الله" لا بالعطف على "به" والتقدير فيه: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام؛ لأن إضافة الصد عنه أكثر في الاستعمال من إضافة الكفر به، ألا ترى أنهم يقولون: "صددته عن المسجد"، ولا يكادون يقولون: "كفرت بالمسجد"؟

стр. 375

وأما قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] فلا حجة لكم فيه؛ لأن "مَنْ" في موضع نصب بالعطف على "مَعَايِشَ" أي: جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد والإماء. وأما قول الشاعر: [٢٩٢] فاذهب فما بك والأيام من عجب فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه مجرور على القسم، لا بالعطف على الكاف في "بك". وأما قول الآخر: [١٨١] أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سِوَاهَا فلا حجة فيه أيضا؛ لأن "سواها" في موضع نصب على الظرف، وليس مجرورًا على العطف؛ لأنها لا تقع إلا منصوبة على الظرف، وقد ذكرنا ذلك في موضعه. وأما قول الآخر: [٢٩٣] وما بينها والكعبِ غُوطٌ نَفَانِفُ فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه ليس مجرورًا على ما ذكروا، وإنما هو مجرور على تقدير تكرير "بين" مرة أخرى، فكأنه قال: وما بينها وبين الكعب، فحذف الثانية لدلالة الأولى عليها، كما تقول العرب: ما كل بيضاءَ شحمةً، ولا سوداء تمرة، يريدون "ولا كل سوداء" فيحذفون "كل" الثانية لدلالة الأولى عليها، وقال الشاعر: [٢٩٨] أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نَارَا

стр. 376

أراد "وكل نار" فاستغنى عن تكرير "كل" وهذا كثير في كلامهم، وبهذا يبطل قول من توهَّم منكم أن ياء النسب في قولهم: "رأيت التيميَّ تيم عديَّ" اسم في موضع خفض؛ لأنه أبدل منهما "تَيْمِ عديِّ" فخفضه على البدل؛ لأن التقدير فيه: صاحب تيم عدي، فحذف "صاحب" وجر ما بعده بالإضافة؛ لأنه في تقدير الثَّبَات، وهذا هو الجواب عن قول الآخر: وأبي نعيم ذي اللواء المحرق ثم لو حُمِلَ ما أنشدوه من الأبيات على ما ادعوه لكان من الشَّاذ الذي لا يقاس عليه، والله أعلم.

стр. 377

٦٦- مسألة: [العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام] ١ ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام، نحو: "قُمْتُ وزيدٌ". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر. وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم ٦، ٧] فعطف "هو" على الضمير المرفوع المستكن في: ﴿اسْتَوَى﴾ والمعنى: فاستوى جبريل ومحمد بالأفق، هو مطلع الشمس؛ فدل على جوازه، وقال الشاعر: [٢٩٩] قلت إذا أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى ... كَنِعَاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا

стр. 378

فعطف "زُهْرٌ" على الضمير المرفوع في "أَقْبَلَتْ" وقال الآخر: [٣٠٠] وَرَجَا الأُخَيْطِلُ من سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ... ما لم يكن وأبٌ له لِيَنَالَا

стр. 379

فعطف "وأبٌ" على الضمير المرفوع في "يَكُنْ" فدل على جوازه، كالعطف على الضمير المنصوب المتصل. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل وذلك لأنه لا يخلو: إما أن يكون مقدرًا في الفعل أو ملفوظًا به؛ فإن كان مقدرًا فيه نحو "قام وزيدٌ" فكأنه قد عَطَفَ اسمًا على فعل، وإن كان ملفوظًا به نحو "قمت وزيدٌ" فالتاء تنزل بمنزلة الجزء من الفعل، فلو جوّزنا العطف عليه لكان أيضًا بمنزلة عطف الاسم على الفعل، وذلك لا يجوز. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم ٦، ٧] فالواو فيه واو الحال، لا واو العطف، والمراد به جبريل وحده، والمعنى أن جبريل وحده استوى بالقوة في حالة كونه بالأفق، وقيل: فاستوى على صورته التي خلق عليها في حالة كونه بالأفق، وإنما كان قبل ذلك يأتي النبي ﷺ في صورة رجل. وأما ما أنشدوه من قوله: [٢٩٩] قلت إذ أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى [٣٠٠] ما لم يكن وأبٌ له لِيَنَالَا فمن الشاذ الذي لا يؤخذ به، ولا يقاس عليه، على أنا نقول: إنما جاء ههنا لضرورة الشعر، والعطف على الضمير المرفوع المتصل في ضرورة الشعر عندنا جائز؛ فلا يكون لكم فيه حجة. وتشبيههم له بالضمير المنصوب المتصل فلا وجه له بحال؛ لأن الضمير المنصوب المتصل وإن كان في اللفظ في صورة الاتصال فهو في النية في تقدير الانفصال، بخلاف الضمير المرفوع المتصل؛ لأنه في اللفظ والتقدير بصفة الاتصال؛ فبان الفرق بينهما، وقد ذكرنا ذلك مستوفى في كتابنا الموسوم بأسرار العربية١، والله أعلم.

стр. 380

٦٧- مسألة: [هل تأتي "أو" بمعنى الواو، وبمعنى "بل "؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن "أو" تكون بمعنى الواو، وبمعنى بل. وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو، ولا بمعني بل. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون﴾ [الصافات: ١٤٧] فقيل في التفسير: إنها بمعنى بل، أي: بل يزيدون، وقيل: إنها بمعنى الواو، أي: ويزيدون، ثم قال الشاعر: [٣٠١] بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وصُورَتِهَا أو أَنْتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ

стр. 381

أراد "بل وقال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: وكفورًا، ثم قال النابغة: [٣٠٢] قالت: ألا لَيْتَمَا هذَا الحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا، أو نِصْفُهُ فَقَدِ

стр. 382

أي: ونِصْفُه، والشواهد على هذا النحو من كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثرُ من أن تُحْصَى. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الأصل في "أو" أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام، بخلاف الواو وبل؛ لأن الواو معناها الجمع بين الشيئين، وبل معناها الإضراب، وكلاهما مخالف لمعنى أو، والأصل في كل حرف أن لا يدل إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدل على معنى حرف آخر؛ فنحن تمسكنا بالأصل، ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل، ومن عدل عن الأصل بقي مُرْتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على صحة ما ادعوه. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٧٤] فلا حجة لهم فيه، وذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يكون للتخيير، والمعنى أنهم إذا رآهم الرائي تخير في أن يقدرهم مائة ألف، أو يزيدون على ذلك، والوجه الثاني: أن يكون بمعنى الشك، والمعنى أن الرائي إذا رآهم شك في عِدَّتِهِم لكثرتهم، أي: أن حالهم حال من يُشَك في عدتهم لكثرتهم؛ فالشك يرجع إلى الرائي، لا إلى الحق تعالى: كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] بصيغة التعجب، والتعجب يرجع إلى المخاطبين، لا إلى الله تعالى، أي: حالهم حال من يُتَعَجب منه؛ لأن حقيقة التعجب في حق الحق لا تتحقق؛ لأن التعجب إنما يكون بحدوث علم بعد أن لم يكن، ولهذا قيل في معناه: التعجب ما ظهر حكمه وخفي سببه، والحق تعالى عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وكما أن التعجب يرجع إلى الخلق لا إلى الحق، فكذلك ههنا.

стр. 383

وأما احتجاجهم بقول الشاعر: [٣٠١] .... أو أنتِ في العين أَمْلَحُ فالرواية فيه "أم أنت في العين أملح" ولئن سلمنا أن الرواية "أو" فلا حجة لهم فيه أيضا؛ لأن "أو" فيه للشك، وليست بمعنى بل؛ لأن مذهب الشعراء أن يخرجوا الكلام مُخْرَج الشك وإن لم يكن هناك شك؛ ليدلوا بذلك على قوة الشبه، ويسمى في صنعة الشعر "تجاهل العارف" كقول الشاعر: [٣٠٣] فَيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلَاجِل ... وبين النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟ وكقول الآخر: [٣٠٤] بالله يا ظَبَيَاتِ القَاعِ قُلْنَ لَنَا: ... ليلاي منكنّ أَمْ ليلى من البَشَرِ؟

стр. 384

وإن لم يكن هناك شك ولا شبهة، وإذا كانوا يخرجون الكلام مُخْرَجَ الشك وإن لم يكن هناك شك لم تخرج "أو" عن أصلها. وأما قول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "أو" فيها للإباحة، أي: قد أبحتُكَ كُلَّ وَاحِدٍ منهما كيف شئت، كما تقول في الأمر "جالس الحسن أو ابن سيرين" أي: قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت، والمنع بمنزلة الإباحة، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له، فكذلك لا يُقْدِم على شيء نهيته عنه، وأما قول الآخر: [٣٠٢] ... أو نِصْفُهُ فَقَدِ فنقول: الرواية "ونصفه فقد" بالواو؛ فلا يكون لكم فيه شاهد، ولو سلمنا أن الرواية على ما رويتموه فنقول: "أو" فيه باقية على أصلها، وهو أن يكون التقدير فيه: ليتما هذا الحمام أو هو ونصفه، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فضرب فانفجرت، وعلى هذا التقدير قول الشاعر: [٣٠٥] ألا فَالبَثَا شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْفَ ثَالِثِ أي: شهرين أو شهرين ونصف ثالث، ألا ترى أنك لا تقول مبتدئا "لبثت نصف ثالث" وإذا وجب أن يكون المعطوف عليه محذوفًا كانت باقية على أصلها، فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.

стр. 385

٦٨- مسألة: [هل يجوز أن يعطف بـ"لكن" بعد الإيجاب؟] ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف بـ"لكن" في الإيجاب، نحو: "أتاني زيد لكن عمرو". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز العطف بها في الإيجاب، فإذا جيء بها في الإيجاب وجب أن تكون الجملة التي بعدها مخالفة للجملة التي قبلها، نحو "أتاني زيد لكن عمرو لم يأت" وما أشبه ذلك. وأجمعوا على أنه يجوز العطف بها في النفي. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن "بل" يجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب؛ فكذلك "لكن" وذالك لاشتراكهما في المعنى، ألا ترى أنك تقول "ما جاءني زيد لكن عمرو" فتثبت المجيء للثاني دون الأول، كما لو قلت "ما جاءني زيد بل عمرو" فتثبت المجيء للثاني دون الأول، فإذا كانا في معنى واحد، وقد اشتركا في العطف بهما في النفي، فكذلك في الإيجاب. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز العطف بها بعد الإيجاب وذلك لأن العطف بها في الإيجاب إنما يكون في الغلط والنسيان، ألا ترى أنك لو عطفت بها بعد الإيجاب لكنت تقول "جاءني زيد لكن عمرو" فكنت تثبت للثاني بلكن المجيء الذي أثبته للأول، فيعلم أن الأول مرجوع عنه كالعطف ببل في الإيجاب، نحو جاءني زيد بل عمرو" وإذا كان العطف بلكن في الإيجاب إنما يكون في الغلط والنسيان فلا حاجة إليها؛ لأنه قد استغنى عنها ببل في الإيجاب؛ لأنه لا حاجة إلى تكثير الحروف الموجبة للغلط، وقد يستغنى بالحرف عن الحرف في بعض الأحوال إذا كان في معناه، ألا ترى أنهم استغنوا بإليك عن حَتَّاكَ، وبمثلك عن كَكَ، وكذلك استغنوا عن وَدَعَ بِتَرَكَ؛ لأنه في معناه، وكذلك استغنوا به عن وَذَرَ، وكذلك استغنوا بمصدر ترك واسم الفاعل منه عن مصدر ودع ووذر، وعن اسم الفاعل منهما، فيقال: ترك تركًا فهو تارك، ولا يقال: وَدَعَ وَدْعًا

стр. 386

وهو وادع. لا وَذَرَ وَذَرًا فهو واذر؛ فأما قول أبي الأسود الدؤلي: [٣٠٦] ليت شعري عن خَلِيلِي ما الذي ... غَالَهُ في الحب حتى وَدَعَهْ؟ وقول سُوَيد بن أبي كاهل: [٣٠٧] فَسَعَى مَسْعَاتَهُ في قَوْمِهِ ... ثُمَّ لم يَبْلُغْ ولا عَجْزَا وَدَعْ

стр. 387

فهو محمول على أنه بمعنى وَدَّعَ بالتشديد فخفَّف، وهو على كل حال من الشاذ الذي لا يعتدُّ به في الاستعمال. وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة التي بعدها مخالفة لما قبلها؛ ليكونا خبرين مختلفين. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنا أجمعنا على أن بل يجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب فكذلك لكن لاشتراكهما في المعنى" قلنا: إنما شاركت لكن بل في النفي دون الإيجاب؛ لأن مشاركتها لها في النفي صواب وليس على سبيل النسيان والغلط؛ ألا ترى أنك إذا قلت في النفي "ما جاءني زيد لكن عمرو" لم توجب نسيانًا ولا غلطًا كما لو قلت "ما جاءني زيد بل عمرو" وإذا كان استعماله في النفي لا يوجب نسيانا ولا غلطا، فتكثير ما هو صواب لا يُنْكَر، بخلاف استعماله في الإيجاب؛ فإنه يوجب النسيان والغلط، والنسيان والغلط إنما يقع نادرًا قليلًا، فاقتصر فيه على حرف واحد وهو "بل". ثم ليس من ضرورة تشارك لكن وبل في بعض الأحوال مشاركتهما في كل الأحوال، ألا ترى أن "بل" لا يحسُنُ دخول الواو عليها؟ ولا يقال "وبل" و"لكن" يحسن دخول الواو عليها فيقال "ولكن" قال الله تعالى: "وَلَكِنِ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا" [البقرة: ١٠٢] في قراءة من قرأ بالتخفيف، وكذلك قوله: "وَلَكِنِ البر" [البقرة: ١٧٧] والشواهد على ذلك من كتاب الله وكلام العرب مما لا يحصى كثرة، وذلك لا يوجد البتة في "بل" فدلَّ على ما قلناه، والله أعلم.

стр. 388

٦٩- مسألة: [هل يجوز صرف أفعل التفضيل في ضرورة الشعر ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن "أفعل منك" لا يجوز صَرْفُه في ضرورة الشعر. وذهب البصريون إلى أنه يجوز صرفه في ضرورة الشعر. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "مِنْ" لما اتصلت به منعت من صرفه لقوة اتصالها به، ولهذا كان في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع على لفظ واحد، نحو "زيد أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، والزيدان أفضل من العمرين، والزيدون أفضل من العمرين" وما أشبه ذلك؛ فدل على قوة اتصالها به؛ فلهذا قلنا: لا يجوز صرفه. ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن "من" تقوم مقام الإضافة ولا يجوز الجمع بين التنوين والإضافة؛ فكذلك لا يجوز الجمع بينه وبين ما يقوم مقام الإضافة، وإنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء، فاستغني بأحدهما عن الآخر. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز صرفه لأن الأصل في الأسماء كلها الصرف، وإنما يُمْنَع بعضها من الصرف لأسباب عارضة تدخلها على خلاف الأصل؛ فإذا اضطر الشاعر ردَّها إلى الأصل، ولم يعتبر تلك الأسباب العارضة التي دخلت عليها، قال أبو كبير الهذلي: [٣٠٨] ممن حملن به وهن عَوَاقِدٌ ... حُبُكَ النِّطَاق فَشَبَّ غير مُهَبَّل

стр. 389

فصرف "عواقد" وهي لا تنصرف؛ لأنه ردها إلى الأصل، وقال النابغة: [٣٠٩] فَلَتَأْتِيَنْكَ قَصَائِدٌ

стр. 390

فصرف "قصائد" وهي لا تنصرف؛ لأنه ردها إلى الأصل، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة في أشعارهم. والذي يدل على هذا أن ما لا أصل له في الصرف ودخول التنوين لا يجوز للشاعر أن ينونه للضرورة، لأنه لا أصل له في ذلك فيرده إلى حالة قد كانت له، فإذا ثبت هذا فنقول: أفعل منك اسم، والأصل فيه الصرف، وإنما امتنع من الصرف لوزن الفعل والوصف، فصار بمنزلة "أحمر"، وكما وقع الإجماع على أن "أحمر" يجوز صرفه في ضرورة الشعر ردًّا إلى الأصل فكذلك أفعل منك، ثم إذا جار عندكم في ضرورة الشعر ترك صرف ما أصله الصرف -وهو عدول عن الأصل إلى غير أصل- فكيف لا يجوز صرف ما أصله الصرف وهو رجوع عن غير أصل إلى أصل؟ وهل منع ذلك إلا رفض القياس، وبناء على غير أساس؟ وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن من لما اتصلت به منعت من صرفه" قلنا: هذا باطل؛ لأن اتصال من ليس له تأثير في منع الصرف، وإنما المؤثر في منع الصرف وزن الفعل والوصف. والذي يدل على ذلك أنهم قد قالوا: "زيد خير منك، وشر منك" فيصرفون مع اتصال "من" به، ولم يمنعوهما الصرف مع دخول "من" عليهما واتصالها بهما، ولو كان كما زعموا لوجب أن لا ينصرفا لاتصال "من" بهما، فلما انصرفا مع اتصال "من" بهما دلّ على أن اتصالها بهما لا أثر له في منع الصرف، وإنما المؤثر في منع الصرف وزن الفعل والوصف. والذي يدل على صحة هذا أنه لما زال وزن الفعل من "خير منك، وشر منك" انصرف؛ لأن الأصل: أخير منك، وأشرر منك؛ إلا أنهم حذفوا الهمزة منهما لكثرة الاستعمال، وأدغموا إحدى الراءين في الأخرى من قولهم "شر منك" لئلا يجتمع حرفان متحركان من جنس واحد في كلمة واحدة؛ لأن ذلك مما يستثقل في كلامهم، فلما نقصا عن وزن الفعل بقي فيهما علة واحدة وهي الوصف، فَرُدَّا إلى الأصل وهو الصرف؛ لأن العلة الواحدة لا تقوى على منع الصرف الذي هو الأصل. وأما قولهم "إنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لاتصال من به" قلنا: إنما لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لأنه تضمن معنى المصدر؛ لأنك إذا قلت "زيد أفضل منك" كان معناه فضل زيد يزيد على فضلك؛ فجعل موضع يزيد فضله أفضل، فتضمن معنى المصدر والفعل معا، والفعل والمصدر مذكران، ولا تدخلهما تثنية ولا جمع، فكذلك ما تضمنهما.
следующие страницы →