← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7362

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين

أبو البركات الأنباري

Полный текст (705 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال الآخر، وهو رجل من باهلة: [٤٤] ولقد أرى تَغْنَى به سَيْفَانَةٌ ... تُصْبِي الحليم ومثلها أصْبَاهُ

стр. 72

وقال الآخر: [٤٥] قَضَي كل ذي دين فَوَفَّى غَرِيمَهُ ... وعزَّة مَمْطُولٌ مُعَنَّى غَرِيمُهَا

стр. 73

فأعمل الثاني في هذا البيت في مكانين: أحدهما "وَفّى" ولو أعمل الأول لقال: وفَّاه، والثاني "مُعَنًّى" ولو أعمل الأول لوجب إظهار الضمير بعد معنى؛ فيقول "وعزة ممطول معنى هو غريمها" وتقديره: وعزة مطول غريمها معنى هو؛ لأنه قد جرى على عزة، وهو فعل الغريم؛ فقد جرى على غير مَنْ هو له، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له وجب إظهار الضمير فيه، فلما لم يظهر الضمير دلّ على أنه قد أعمل الثاني، إلا أنهم يقولون على هذا: يجوز أن يكون قد أعمل الأول ولم يظهر الضمير وذلك جائز عندنا، وقد بينا فساد ذلك في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له مستقصًى في موضعه. وأما القياس فهو أن الفعل الثاني أقرب إلى الاسم من الفعل الأول؛ وليس في إعماله دون الأول نَقْصُ معنًى، فكان إعماله أولى، ألا ترى أنهم قالوا: "خشنت بصدره وصدر زيد" فيختارون إعمال الباء في المعطوف، ولا يختارون إعمال الفعل فيه؛ لأنها أقرب إليه منه؛ وليس في إعمالها نقض معنى؛ فكان إعمالها أولى. والذي يدل على أن للقرب أثرًا أنه قد حملهم القربُ والجوارُ حتى قالوا: "جُحْرُ ضَبّ خَرِب" فأجروا خربٍ على ضبٍّ، وهو في الحقيقة صفة للجحر؛ لأن الضب لا يوصف بالخراب؛ فههنا أَوْلَى. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قول امرئ القيس: [٣٩] فلو أن ما أسعى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي، ولم أطلب، قليلٌ من المال

стр. 74

فنقول: إ نما أعمل الأول منهما مراعاة للمعنى؛ لأنه لو أعمل الثاني لكان الكلام متناقضًا، وذلك من وجهين؛ أحدهما: أنه لو أعمل الثاني لكان التقدير فيه: كفاني قليل ولم أطلب قليلًا من المال، وهذا متناقض؛ لأنه يخبر تارة بأن سعيه ليس لأدنى معيشة، وتارة يخبر بأنه يطلب القليل، وذلك متناقض؛ والثاني: أنه قال في البيت الذي بعده: ولَكِنَّمَا أسعى لمجد مُؤَثّلِ ... وقد يُدْرِكُ المجد المُؤَثّلَ أمثالي فلهذا أعمل الأول ولم يعمل الثاني. وأما قول الآخر: [٤٠] وقد نغنى بها ونرى عصورًا ... بها يُقْتَدْننا الخردَ الخِدالا فنول: إنما أعمل الأول مراعاة لحركة الرويّ؛ فإن القصيدة منصوبة، وإعمال الأول جائز، فاستعمل الجائز ليخلص من عيب القافية، ولا خلاف في الجواز، وإنما الخلاف في الأولى، وكذلك أيضًا قول الآخر: [٤١] "ولما أن تحمل آل ليلى" ... سمعت ببينهم نعب الغرابا يدل على الجواز، وهو مُعَارض بأمثاله. وأما قولهم "إن الفعل الأول سابق فوجب إعماله للعناية به" قلنا: هم وإن كانوا يُعْنَوْنَ بالابتداء إلا أنهم يعنون بالمقاربة والجِوَار أكثر، على ما بيّنا في دليلنا. وأما قولهم "لو أعملنا الثاني لأدَّى إلى الإضمار قبل الذكر" قلنا: إنما جوزنا ههنا الإضمار قبل الذكر لأن ما بعده يفسّره؛ لأنهم قد يتسغنون ببعض الألفاظ عن بعض إذا كان في الملفوظ دلالة على المحذوف لعلم المخاطب، قال الله تعالي: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا َالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] فلم يعمل الآخر فيما أعمل فيه الأول استغناء عنه بما ذكره قبلُ، ولعلم المخاطب أن الثاني قد دخل في حكم الأول، وقال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] فاستغنى بذكر خبر الأول عن ذكر خبر الثاني؛ لعلم المخاطب أن الثاني قد دخل في ذلك، قال ضابئ البُرْجُمِيُّ: [٤٦] فمن يَكُ أمسى بالمدينةِ رَحْلُةُ ... فإنِّي وقَيَّارٌ بها لغريبُ

стр. 75

فاستغنى بذكر خبر الآخر عن خبر الأول، وقال دِرْهَمُ بن زيد الأنصاريّ: [٤٧] نحن بما عندنا، وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأيُ مختلف

стр. 76

واستغنى بذكر خبر الآخر عن ذكر خبر الأول، وقال الفرزدق: [٤٨] إني ضَمِنْتُ لِمَنْ أَتَانِي ما جَنَى ... وأَبَى، فكنتُ وكان غَيْرَ غَدُورِ فاستغنى بخبر الثاني عن الأول، والشواهدُ على هذا النحو كثيرة؛ فدلّ على جواز الإضمار ههنا قبل الذكر؛ لأن ما بعده يفسره، وإذا جاز الإضمار مع عدم تقدم ذكر المظهر لدلالة الحال عليه كما قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] يعني الشمس وإن لم يجرِ لها ذكر، وكما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] يعني الأرض، وكما قال الشاعر: [٤٩] على مثلها أَمْضِي إذا قال صاحبي: ... ألا لَيْتَنِي أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدِي يعني الفلاة وإن لم يجرِ لها ذكر؛ لدلالة الحال، فلأن يجوز ههنا الإضمار قبل الذكر لشريطة التفسير ودلالة اللفظ كان ذلك من طريق الأولى، ثم إن كان هذا ممتنعًا فينبغي أن لا يجوز عندكم، ولا خلاف بين جميع النحويين أنه جائز، إلا فيما لا يعدُّ خلافًا، فدلّ على فساد ما ذكرتموه، والله أعلم.

стр. 77

مسألة القول في نعم وبئس، أفعلان هما أما اسمان ... ١٤- مسألة: [القول في نِعْمَ وبِئْسَ، أَفِعْلَانِ هما أم اسمان؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن "نِعْمَ، وبِئْسَ" اسمان مُبْتَدَآن. وذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرَّفَان، وإليه ذهب علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الخفض عليهما؛ فإنه قد جاء عن العرب أنها تقول "ما زيد بنعم الرجُلُ" قال حسّان بن ثابت: [٥٠] ألستُ بِنِعْمَ الجارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ ... أخَا قِلَّةٍ أو مُعْدِمَ المال مُصْرِمَا

стр. 78

وحُكي عن بعض فُصَحَاء العرب أنه قال "نِعْمَ السَّيْرُ على بِئْسَ العَيْرُ" وحكى أبو بكر بن الأنباري عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن سلمة عن الفراء أن أعرابيًّا بُشِّرَ بمولودة فقيل له: نعم المولودة مولودتك! فقال "والله ما هي بنعم المولودة: نُصْرَتُهَا بكاء، وبِرُّها سرقة" فأَدْخَلُوا عليها حرف الخفض، ودُخُولُ حرف الخفض يدل على أنهما اسمان؛ لأنه من خصائص الأسماء. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما اسمان أن العرب تقول: "يا نعم المولى ويا نعم النصير" فنداؤهم نعم يدل على الاسمية؛ لأن النداء من خصائص الأسماء، ولو كان فعلا لما تَوَجَّهَ نحوه النداء. قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن المقصود بالنداء محذوف للعلم به -والتقدير فيه: يا ألله نعم المولى ونعم النصير أنت- فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه كما حذف حرف النداء لدلالة المنادى عليه؛ لأنا نقول: الجواب عن هذا أن المنادى إنما يقدر محذوفًا إذا ولي حرفَ النداء فعلُ أمر وما جرى مجراه، كقراءة الكسائي وأبي جعفر المدني ويعقوب الحضرمي وأبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وحميد الأعرج:

стр. 79

"أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ" أراد يا هؤلاء اسجدوا، وكما قال الأخطل: [٥١] ألَا يا اسْلَمِي يا هندُ هندَ بنِي بَدْرِ ... وإنْ كَانَ حيَّانَا عِدًى آخر الدَّهْرِ وقال الآخر، وهو ذو الرُّمَّة: [٥٢] ألا يا اسلمِي يا دار ميَّ على البِلَى ... ولا زال مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ

стр. 80

وقال الآخر، وهو المرقِّش: [٥٣] أَلَا يا اسلمي لا صَرْمَ لي اليَوْمَ فَاطِمَا ... ولا أبدًا ما دام وَصْلُكِ دائما وقال الآخر: [٥٤] ألَا يا اسلمي قبل الفراق ظَعِينَا ... تحيَّة من أَمْسَى إليك حَزِينَا وقال الآخر: وهو الكُمَيْتُ: [٥٥] ألا يا اسلمي يا تِرْبَ أسماء من تِرْبِ ... ألا يا اسلمي حُيِّيتِ عنِّي وعن صَحْبِي

стр. 81

وقال الآخر، وهو العجاج: [٥٦] يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... بِسَمْسَمِ وعن يمين سَمْسَمِ وقال الآخر: [٥٧] أمسلم يا اسمع يابْنَ كلّ خليفةٍ ... ويا سائِسَ الدنيا ويا جبل الأرض أراد "يا هذا اسمع". وقال الآخر: [٥٨] وقالت: ألا يا اسمع نَعِظْكَ بِخُطَّةٍ ... فقلتُ: سمعيًا فانطقِي وأصيبِي

стр. 82

أراد "وقالت يا هذا اسمع" فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه. وإنما اختصّ هذا التقدير بفعل الأمر دون الخبر لأن المنادَى مخاطبٌ، والمأمور مخاطبٌ، فحذفوا الأول من المخاطَبَيْنِ اكتفاء بالثاني عنه، وإذا كان هذا المنادى إنما يقدر محذوفًا فيما إذا ولي حرفَ النداء فعلُ أمرٍ فلا خلاف أن "نعم المولى" خبر؛ فيجب أن لا يقدَّر المنادى فيه محذوفًا، يدل على أن النداء لا يكاد ينفكُّ عن الأمر أو ما جرى مجراه من الطلب والنهي، ولذلك لا يكاد يوجد في كتاب الله تعالى نداء ينفك عن أمر أو نهي، ولهذا لما جاء بعده الخبر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ [الحج: ٧٣] شَفَعه الأمر في وقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ فلما كان النداء لا يكاد ينفكُّ عن الأمر وهما جملتا خطاب جاز أن يحذف المنادى من الجملة الأولى، وليس كذلك "يا نعم المولى ونعم النصير" لأن نِعْمَ خبر؛ فلا يجوز أن يقدَّر المنادى فيه محذوفًا. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنه لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال، ألا ترى أنك لا تقول "نعم الرجل أمْسِ" ولا "نعم الرجل غدًا" وكذلك أيضًا لا تقول "بئس الرجل أمس" ولا "بئس الرجل غدًا" فلما لم يحسن اقتران الزمان بهما عُلم أنهما ليسا بفعلين. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنهما غيرُ متصرفين، لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرَّفَا دلّ على أنهما ليسا بفعلين. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنه قد جاء عن العرب "نعيم الرجلُ زيدٌ" وليس في أمثلة الأفعال فعيل أَلبتة، فدلّ على أنهما اسمان، وليسا بفعلين. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليلُ على أنهما فعلان اتصالُ الضمير المرفوع بهما على حدِّ اتصاله بالفعل المتصرف؛ فإنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا "نِعْمَا رجلين، ونِعْمُوا رجالًا" وحكى ذلك الكسائي، وقد رفعا مع ذلك المُظْهَرَ في نحو "نعم الرجلُ، وبئس الغلامُ" والمضمر في نحو "نعم رجلًا زيدٌ، وبئس غلامًا عمرو" فدلّ على أنهما فعلان. ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنهما فعلان اتصالهما بتاء التأنيث

стр. 83

الساكنة التي لا يقلبها أحدٌ من العرب في الوقف هاء كما قلبوها في نحو رحمة وسنة وشجرة، ولك قولهم "نعمتِ المرأةُ، وبئست الجاريةُ" لأن هذه التاء يختصّ بها الفعل الماضي لا تَتَعَدَّاه، فلا يجوز الحكم باسمية ما اتصلت به. اعترضوا على هذا بأن قالوا: قولكم "إن هذه التاء يختصّ بها الفعلُ" ليس بصحيح؛ لأنها قد اتصلت بالحرف في قولهم "رُبَّتَ، وثُمَّتَ، ولَاتَ" في قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [صّ: ٣] قال الشاعر: [٥٩] مَاوِيَّ بل رُبَّتَمَا غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَةِ بِالمِيسَمِ

стр. 84

وقال الآخر: [٦٠] ثُمَّتَ قُمْنَا إلى جُردٍ مُسَوَّمَةٍ ... أَعْرَافُهُنَّ لِأَيْدِينَا مَنَادِيلُ فلحاقها بالحرف يبطل ما ادّعَيْتُمُوهُ من اختصاص الفعل بها، وإذا بطل الاختصاص جاز أن تكون نعم وبئس اسمين لحقتهما هذه التاء كما لحقت رُبَّتَ وثُمَّتَ. هذا على أن نعم وبئس لا تلزمهما التاء بوقوع المؤنث بعدهما كما تلزم الأفعال، ألا ترى أن قولك "قام المرأة، وقعد الجارية" لا يجوز في سَعة الكلام،

стр. 85

بخلاف قولك: "نعم المرأة، وبئس الجارية" فإنه حَسَن في سَعَة الكلام؟ فبان الفرق بينهما. وهذا الاعتراض الذي ذكروه ساقط، وأما التاء التي اتصلت برُبَّتَ وثَمَّتَ وإن كانت للتأنيث إلا أنها ليست التاء التي في نعمت وبئست، والدليل على ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن التاء في "نعمت المرأةُ، وبئست الجاريةُ" لحقت الفعل لتأنيث الاسم الذي أسند إليه الفعل، كما لحقت في قولهم "قامت المرأة" لتأنيث الاسم الذي أسند إليه الفعلُ، والتاء في "ربت، وثمت" لحقت لتأنيث الحرف؛ لا لتأنيث شيء آخر، ألا ترى أنك تقول "رُبَّتَ رجل أَهَنْتُ" كما تقول "رُبَّتَ امرأة أكرمت" ولو كانت كالتاء في نعمت وبئست لما جاز أن تثبت مع المذكر كما لا يجوز أن تثبت مع المذكر في قولك "نعمت الرجل، وبئست الغلام"؛ فلما جاز أن تثبت التاء في رُبَّتَ مع المذكر دلّ على الفرق بينهما، والوجه الآخر: أن التاء اللاحقة للفعل تكون ساكنة، وهذه التاء التي تلحق هذين الحرفين تكون متحركة، فبان الفرق بينهما، وأما "لاَتَ" فلا نسلم أن التاء مزيدة فيها، بل هي كلمة على حيالها، وإن سلمنا أن التاء مزيدة فيها فالجواب من أربعة أوجه: وجهان ذكرناهما في ربت وثمت، ووجهان نذكرهما الآن؛ أحدهما: أن الكسائي كان يقف عليها بالهاء؛ فاحتجَّ بأنه سأل أبا فَقْعَس الأسديّ عنها فقال: "وَلَاهْ" فإذًا لا تكون بمنزلة التاء في ربت وثمت، ولا بمنزلة التاء في نعمت وبئست، والوجه الثاني: أن تكون التاء في "لات حين" متصلة بحين، لا بلا، كذلك ذكره أبو عُبيد القاسمُ بن سَلَّام، وحكى أنهم يزيدون التاء على حين وأوان والآن؛ فيقولون: "فعلت هذا تَحِينَ كذا، وتأوَانَ كذا، وتألآنَ" أي: حين كذا، وأوان كذا، والآن. وقال الشاعر وهو أبو وَجْزَةَ السعدي: [٦١] العاطفون تَحِينَ ما مِنْ عاطفٍ ... والمُطْعِمُون زمان أين المُطْعِمُ

стр. 86

وقال أبو زبيد الطّائي: [٦٢] طلبوا صلحنا ولا تأَوَانٍ ... فَأَجَبْنَا أنْ ليس حين بَقَاء

стр. 87

وقال الآخر: [٦٣] نَوِّلِي قبل يوم نَأْيِي جِمَانَا ... وصِلِينَا كما زعمت تَلَانَا واحتجَّ بحديث ابن عمر حين ذكر لرجل مَنَاقِب عثمان فقال له "اذهب بها تَالآنَ إلى أصحابك" واحتج بأنه وجدها مكتوبة في المصحف الذي يقال له الإمام "تَحِينَ" فدلّ على ما قلناه. وقولهم "إن التاء لا تلزم نعم وبئس إذا وقع المؤنث بعدهما" فليس بصحيح، لأن التاء تلزمهما في لغة شطر العرب، كما تلزم في قام، ولا فرق عندهم بين "نعمت المرأة"، و "قامت المرأة" وإنما جاز عند الذين قالوا "نعم المرأة" ولم يجز عندهم "قام المرأة" لأن المرأة في قولهم "نعم المرأة هند" واقعة على الجنس كقولهم "الرجل أفضل من المرأة" أي جنسُ الرجال أفضل من جنس النساء، وكقولهم "أهلك الناس الدينارُ والدرهمُ" أي الدراهم والدنانير، وكوقوع الإنسان على الناس، قال الله تعالي: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] أراد الناس، وإذا كان المراد بالمرأة استغراق الجنس فلا خلاف أن أسماء الأجناس والجموع يجوز تذكيرُ أفعالِها وتأنيثُها؛ فلهذا المعنى حذف تاء التأنيث من حذفها من "نعم المرأة" وإذا كانوا قد حذفوها في حال السعة من فعل المؤنث الحقيقي من قولهم "حضر القاضيَ اليوم امرأةٌ" فلا يبعد أن يحذفوها من فعل المؤنث الواقع

стр. 88

على الجنس. وقد قالوا "ما قعد إلا المرأة، وما قام إلا الجارية" فحذفوا تاء التأنيث ألبتة، ولم تأتِ مثبتة إلا في ضرورة. فإن قالوا: إنما حذفت تاء التأنيث ههنا تنبيهًا على المعنى؛ لأن التقدير: ما قعد أحد إلا المرأة، وما قام أحد إلا الجارية. قلنا: هذا مُسَلَّم، ولكن اللفظ يدل على أن المرأة والجارية غير بدل من أحد، وإن كان المعنى يدل على أنهما بدل، كما أن اللفظ يدل على أن "شَحْمًا" في قولك "تَفَقّأ الكبشُ شحمًا" غير فاعل، وإن كان المعنى يدل على أنه فاعل، فكما أنهم حذفوا تاء التأنيث من قولهم "ما قعد إلا المرأة" تنبيهًا على المعنى فكذلك حذفوها من قولهم "نعم المرأة" تنبيهًا على أن الاسم يراد به الجنس. ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه؛ إذ لا علة ههنا توجب بناءهما. وهذا تمسّكٌ باسْتِصْحَاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمد عليه ما قدمناه. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الجر عليهما في قوله: ألست بنعم الجارُ يُؤْلَفُ بيتَهُ وقول بعض العرب: نعم السير على بئس العير، وقول الآخر: والله ما هي بنعم المولودة" فنقول: دخول حرف الجر عليهما ليس لهم فيه حجة؛ لأن الحكاية فيه مقدَّرة، وحرف الجر يدخل مع تقدير الحكاية على ما لا شُبْهَة في فعليته، قال الراجز: [٦٤] والله ما ليلي بنامَ صاحِبُهْ ... ولا مخالط اللّيانِ جانِبُهْ

стр. 89

ولو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يحكم لنام بالاسمية؛ لدخول الباء عليه، وإذا لم يجز أن يحكم به بالاسمية لتقدير الحكاية فكذلك ههنا لا يجوز أن يحكم لنعم وبئس بالاسمية لدخول حرف الجر عليهما لتقدير الحكاية، والتقدير في قولك: [٥٠] ألست بنعم الجار يؤلف بيته ألست بجارٍ مقولٍ فيه نعم الجار، وكذلك التقدير في قول بعض العرب "نعم السير على بئس العير" "نعم السير على عَيْرٍ مقول فيه بئس العير" وكذلك التقدير في قول الآخر "والله ما هي بنعم المولودة" والله ما هي بمولودة مقول فيها نعم المولودة، وكذلك أيضًا التقدير في البيت الذي ذكرناه "والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه" إلا أنهم حذفوا منها الموصوف وأقاموا الصفة مُقَامة. كقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي دُرُوعًا سابغات، وكقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي المِلَّة القيمة؛ فصار التقدير فيها ألست بمقول فيها نعم الجار، ونعم السير على مقول فيه بئس العير، وما هي بمقول فيها نعم المولودة، وما ليلى بمقول فيه نام صاحبه، ثم حذفوا الصفة التي هي "مقول" وأقاموا المحكيَّ بها مُقَامَهَا، لأن القول يحذف كثيرًا كما يذكر كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] أي

стр. 90

يقولون: ما نعبدهم، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] أي: يقولون ربنا، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] أي يقولون: سلام عليكم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي يقولون: ربنا؛ وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي يقال لهم: أكفرتم، وقال تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥-٦٦] أي تقولون: إنا لمغرمون. وهذا في كلام الله تعالى وكلام العرب كثيرًا جدًا، فلما كثر حَذْفه كثرة ذكره حذفوا الصّفة التي هي مقول؛ فدخل حرف الجر على الفعل لفظًا وإن كان داخلًا على غيره تقديرًا، كما دخلت الإضافة على الفعل لفظًا وإن كانت داخلة على غيره تقديرًا في قوله: [٦٥] ما لك عندي غيرُ سهم وحَجَر، ... وغير كبدَاءَ شديدة الوَتَر جادت بِكَفَّيْ كان من أَرْمَى البشر أي: بكفَّيْ رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف الذي هو "رجل" وأقام الجملة مقامه، فوقعت الإضافة إلى الفعل لفظًا وإن كانت داخلة على غيره تقديرًا، فكذلك ههنا: دخل حرف الجر على الفعل لفظًا، وإن كان داخلًا على غيره تقديرًا.

стр. 91

ونحو هذا من الاتّساع مجيء الجملة الاستفهامية وَصْفًا في نحو قوله: جاءوا بِضَيْحٍ هل رأيت الذئب قطّ فقوله "هل رأيت الذّئب قط" جملة استفهامية في موضع وَصْف لضيح، وإن كانت لا تحتمل صدقًا ولا كذبًا، ولكنه كأنه قال: جاءوا بضيح يقول مَنْ رآه هل رأيت الذئب قط، فإنه يشبهه. ونحو ذلك أيضًا من الاتساع مجيء الجملة الأمرية حالًا في قوله: [٦٧] بئس مَقَامُ الشَّيخ أَمْرِسْ أَمْرِسِ ... إمَّا على قَعْوٍ، وإمَّا اقْعَنْسِسِ

стр. 92

أراد بئس مقام الشيخ مقولا فيه أمرس أمرس، ذمَّ مقامًا يقال له ذلك فيه، و "أمرس" أعِدِ الحبل إلى موضعه من البكرة. وإنما جاءت هذه الأشياء في غير أماكنها لسَعَة اللغة؛ وحَسَّنَ ذلك ما ذكرناه من إضمار القول؛ فدلّ على أن ما تمسّكوا به من دخول حرف الجر عليهما ليس بحجة يُسْتَنَدُ إليها، ولا يعتمد عليها. وأما قولهم "إن العرب تقول: يا نعم المولى ويا نعم النصير" فنقول: المقصود بالنداء محذوف للعلم به، والتقدير فيه: يا الله نعم المولي ونعم النصير أنت. وأما قولهم: "إن المنادى إنما يقدر محذوفًا إذا ولي حرف النداء فعل أمر" فليس بصحيح؛ لأنه لا فرق بين الفعل الأمريّ والخبريّ في امتناع مجيء كل واحد منهما بعد حرف النداء، إلا أن يقدَّر بينهما اسم يتوجه النداء إليه، والذي يدلُّّّ على أنه لا فرق بينهما مجيء الجملة الخبرية بعد حرف النداء بتقدير حذف المنادى كما

стр. 93

تجيء الجملة الأمرية بعد حرف النداء بتقدير حذف المنادى، قال الشاعر: [٦٨] يا لعَنْةَ ُالله والأقوام كلهمُ ... والصالحين على سِمْعَانَ من جَارِ أراد: يا هؤلاء لعنة الله على سمعان، وقال الآخر: [٦٩] يا لعْنَةُ الله على أهل الرَّقَم ... أَهْلِ الحَمِير والوَقِيزِ والخُزُمْ وقال الآخر: [٧٠] يا لعنَ الله بني السِّعْلَاتِ ... عمرو بن مَيْمُونٍ شِرَارِ النَّاتِ

стр. 94

أراد بالنات الناس فحول السين تاء، وقال الآخر: [٧١] يا قَاتَلَ الله صِبْيَانًا تجيء بهم ... أم الهُنَيْبِر من زَنْدٍ لها وَارِي وهي جملة خبرية، فدل على أنه لا فرق في ذلك بين الجملة الأمرية والخبرية، فوجب أن يكون المنادى محذوفًا في قولهم "يا نعم المولى ويا نعم النصير". والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنا أجمعنا على أن الجمل لا تُنَادى؛ وأجمعنا على أن "نعم الرَّجُلُ" جملة، وإن وقع الخلاف في نعم هل هي اسم وفعل، وإذا امتنع للإجماع قولنا "يا زيد منطلق" فكذلك يجب أن يمتنع "يا نعم الرجل" إلا على تقدير حذف المنادى على ما بينَّا. وأما قولهم "إن النداء لا يكاد ينفك عن الأمر أو ما جرى مجراه، ولذلك لا

стр. 95

يكاد يوجد في كتاب الله تعالى نداء ينفك عن أمر أو نهي" قلنا: لا نسلم، بل يكثر مجيء الخبر والاستفهام مع النداء كثرة الأمر والنهي، أما الخبر فقد قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] إلى غير ذلك من المواضع، وأما الاستفهام فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ، وقال تعالى في موضع آخر ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] إلى غير ذلك من المواضع؛ فإذا كثر مجيء الخبر والاستفهام كثرة الأمر والنهي فقد تكافآ في الكثرة؛ فلا مزية لأحدهما عن الآخر. وأما قولهم "إنه لا يحسن اقتران الزمان بهما؛ فلا يقال: نعم الرجل أمس، ولا بئس الغلام غدًا، ولا يجوز تصرفهما" فنقول: إنما امتنعا من اقترانهما بالزمان الماضي، وما جاء التصرف لأن "نعم" موضوع لغاية المدح و "بئس" موضوع لغاية الذم؛ فجعل دلالتهما مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح وتذم بما هو موجود في الممدوح أو المذموم، لا بما كان فزال، ولا بما سيكون ولم يقع. وأما قولهم "إنه قد جاء عن العرب نَعِيْمَ الرَّجُلُ" فهذا مما ينفرد بروايته أبو علي قُطْرُب، وهي رواية شاذة، ولئن صحت فليس فيها حجة؛ لأن نِعْمَ أصله نَعِمَ على وزن فعل -بكسر العين- فأشبع الكسرة فنشأت الياء كما قال الشاعر: [١٣] تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَى في كل هَاجِرَةٍ ... نَفْيَ الدَّرَاهِيم تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ أراد الدرهم والصيارفَ، والذي يدلّ على أن أصل نِعْمَ نَعِمَ أنه يجوز فيها أربع لغات: نعم -بفتح النون وكسر العين- على الأصل، ونعم -بفتح النون وسكون العين- ونعم -بكسر النون والعين- ونعم -بكسر النون وسكون العين. فمن قال نعم -بفتح النون وكسر العين- أتى بها على الأصل كقراءة ابن

стр. 96

عامر وحمزة والكسائي والأعمش وخلفٍ "فَنَعِمَّا" -بفتح النون وكسر العين- وكما قال طرفة: [٧٢] ما أَقَلَّت قَدَم نَاعِلَهَا ... نَعِمَ السَّاعُونَ في الأمر المُبِرّ

стр. 97

ومَنْ قال نعم -بفتح النون وسكون العين- حذف كسرة العين، كقراءة يحيى بن وَثَّاب "فَنَعْمَ عُقْبَى الدَّار" بفتح النون وسكون العين، وكما قال الشاعر: [٧٣] فَإِنْ أَهْجُهُ يضْجَرْ كما ضَجْرَ بَازِلٌ ... من الأُدْمِ دَبْرَتَ صَفْحَتَاه وَغَارِبُهْ أراد "ضجر، ودَبِرَت" فحذف، وقال الآخر: [٧٤] إذا هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ ونَشَبَتْ ... له الأَظْفَارُ تُرْكَ له المَدَار ُ

стр. 98

أراد "نَشِبَتْ، وتُرِكَ" وقال الآخر وهو أبو النجم: [٧٥] هَيَّجَهَا نَضْحٌ من الطّلِّ سَحَرْ وهَزَّتِ الرِّيحُ النَّدَى حين قَطَرْ ... لو عُصْرَ منها البَان والمسكُ انْعَصَرْ أراد "عُصِرَ" وقال الآخر: [٧٦] رُجِمَ به الشيطان من هَوَائِه أراد "رجم" وقال الآخر: [٧٧] ونُفْخُوا في مَدَائِنِهم فَطَارُوا أراد "ونُفِخُوا". ومن قال نعم -بكسر النون والعين- كسر النون إتباعًا لكسرة العين، كقراءة زيد بن علي والحسن البصري ورؤبة "الْحَمْدِ لِلَّهِ" بكسر الدال إتباعًا لكسرة اللام، وكقراءة إبراهيم بن أبي عبلة "الْحَمْدُ لُلَّهِ" بضم اللام إتباعًا لضمة الدال، وكقولهم "مِنْتِن" بكسر الميم إتباعًا لكسرة التاء، وكقولهم أيضًا "مُنْتُن" بضم التاء إتباعا لضمة الميم.

стр. 99

ومن قال نِعْمَ -بكسر النون وسكون العين- نقل كسرة العين من نَعِمَ -بفتح النون وكسر العين- إلى النون، وعليها أكثر القراء؛ فلما جاز فيها هذه الأربع اللغات دلّ على أن أصلها نَعِمَ على وزن فَعِلَ؛ لأن كل ما كان على وزن فَعِلَ من الاسم والفعل وعينهُ حرف من حروف الحلق فإنه يجوز فيه أربع لغات، فالاسم نحو: فَخِذ وفِخِذ وفَخْذ وفِخْذ، والفعل نحو: قد شَهِدَ وشِهِدَ وشَهْدَ وشِهْدَ، على ما بيَّنَّا في نعم، وإذا ثبت أن الأصل في نِعْمَ نَعِمَ كانت الياء في "نَعِيم الرجل" إشباعًا؛ فلا يكون فيه دليل على الاسمية؛ فدلّ على أنهما فعلان لا اسمان، والله أعلم.

стр. 100

مسألة القول في أفعل في التعحبب، اسم هو أو فعل ... ١٥- مسألة: [القول في "أفعل" في التعجب، اسم هو أو فعل] ١ ذهب الكوفيون إلى أن أفعل في التعجب نحو "ما أَحْسَنَ زيدًا" اسمٌ. وذهب البصريون إلى أنه فعل ماضٍ، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه اسم أنه جامد لا يتصرّف، ولو كان فعلًا لوجب أن يتصرّف؛ لأن التصرّف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرّف وكان جامدًا وجب أن يلحق بالأسماء. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنه اسم أنه يدخله التصغير، والتصغير من خصائص الأسماء، قال الشاعر: [٧٨] يَامَا أُمَيْلِحَ غِزْلَانًا شَدَنَّ لنَا ... مِنْ هَاؤُليَّائكُنَّ الضَّالِ والسَّمُر

стр. 101

فأميلح: تصغير أملح، وقد جاء ذلك كثيرًا في الشعر وسَعَةِ الكلام. قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إن فعل التعجب لزم طريقة واحدة، وضارع الاسم، فلحقه التصغير "لأنا نقول: هذا ينتقض بليس وعسى فإنهما لزما طريقة واحدة، ومع هذا لا يجوز تصغيرهما، وأبلغ من هذا النقض وأَوْكَد مثال "أَفْعِل به" في التعجب فإنه فعل لزم طريقة واحدة، ومع هذا فإنه لا يجوز تصغيره. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنه اسم أنه تَصِحّ عينه نحو "ما أَقْوَمَهُ، ولا أَبْيَعَهُ" كما تصح العين في الاسم في نحو "هذا أقوم منك، وأبيع منك" ولو أنه فعل كما زعمتم لوجب أن تُعَلّ عينه بقلبها ألفًا، كما قلبت من الفعل في نحو: قام وباع وأقام وأباع في قولهم "أَبَعْتُ الشيء" إذا عرّضته للبيع، وإذا كان قد أُجْرِي مجرى الأسماء في التصحيح مع ما دخله من الجمود والتصغير وجب أن يكون اسمًا. والذي يدل على أنه ليس بفعل وأنه ليس التقدير فيه: شيء أَحْسَنَ زيدًا قولهم "ما أَعْظَمَ الله" ولو كان التقدير فيه ما زعمتم لوجب أن يكون التقدير: شيء أعظم الله، والله تعالى عظيم لا بِجَعْلِ جاعل، وقال الشاعر: [٧٩] ما أَقْدَرَ اللهَ أنْ يُدْنِي على شَحَطٍ ... مَنْ دَارُهُ الحَزْنُ مِمَّن دَارُهُ صُولُ

стр. 102

ولو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يكون التقدير فيه: شيءٌ أَقْدَرَ اللهَ، والله تعالى قادر لا بِجَعْلِ جاعل. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه فعل أنه إذا وُصِلَ بياء الضمير دخلت عليه نون الوقاية، نحو "ما أَحْسَنَنِي عندك، وما أظرفني في عينك، وما أعلمني في ظنك" ونون الوقاية إنما تدخل على الفعل لا على الاسم، ألا ترى أنك تقول في الفعل "أَرْشَدَنِي، وأسعدني، وأبعدني" ولا تقول في الاسم "مرشدني" ولا "مُسْعِدني" فأما قوله: [٨٠] وَلَيْسَ حَامِلَني إلَّا ابن حَمَّالِ

стр. 103

فمن الشّاذ الذي لا يُلْتَفَتْ إليه ولا يُقَاسُ عليه، وإنما دخلت هذه النون على الفعل لتقي آخره من الكسر؛ لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، وإذا كانوا قد منعوه من كسرة الإعراب لثقلها وهي غير لازمة فَلأَن يمنعوه من كسرة البناء وهي لازمة كان ذلك من طريق الأولى، فلما منعوه من الكسر أدخلوا هذه النون لتكون الكسرة عليها؛ فلو لم يكن أفعل في التعجب فعلًا وإلا لما دخلت عليه نون الوقاية كدخولها على سائر الأفعال. اعترضوا على هذا بأن قالوا: نون الوقاية قد دخلت على الاسم في نحو "قَدْنِي وقَطْنِي" أي حسبي، قال الشاعر: [٨١] امتَلَأَ الحوض وقال: قَطْنِي ... مهلًا، رُوَيْدًا، قد مَلَأْتَ بَطْنِي ولا يدل ذلك على الفعلية، فكذلك ههنا. وما اعترضوا فيه ليس بصحيح؛ لأن "قدني، وقطني" من الشاذ الذي لا يعرج عليه؛ فهو في الشذوذ بمنزلة مِنّي وعَنِّي، وإنما حَسُنَ دخول هذه النون على قد وقط لأنك تقول "قَدْكَ من كذا، وقَطْكَ من كذا" أي اكْتَفِ به، فتأمر بهما كما تأمر بالفعل؛ فلذلك حسن دخول هذه النون عليهما، على أنهم قالوا "قَطِي وقَدِي" من غير نون كما قالوا "قطني وقدني" بالنون، قال الشاعر: [٨٢] قدني من نصر الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... ليس الإمام بالشَّحِيح المُلْحِدِ

стр. 104

ولا خلاف أنه لا يجوز أن يقال "ما أَكْرَمِي" بحذف النون كما يقال "ما أكرمني" كما يقال "قَدْنِي، وقَدِى" فلما لم يجز ذلك بَانَ الفرقُ بينهما. ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أن أفعل في التعجب فعلٌ أنه ينصب المعارف والنكرات، وأَفْعَلُ إذا كان اسمًا لا ينصب إلا النكرات خاصة على التمييز، نحو قولك "زيد أَكْبَرُ منك سنًّا، وأكثر منك علمًا" ولو قلت "زيد أكبر منك السنّ، أو أكثر منك العلم" لم يجز، ولما جاز أن يقال "ما أكبر السن له، وما أكثر العلم له" دلّ على أنه فعل. اعترضوا على هذا بأن قالوا: قد ادّعيتم أن أفعل إذا كان اسمًا لا ينصب إلا

стр. 105

النكرة، وقد وجدنا العرب قد أعملته في المعرفة، قال الحارث بن ظالم: [٨٣] فما قومي بثعلبة بْنِ بَكْرٍ ... ولا بِفَزَارَةَ الشُّعْرِ الرِّقَابَا فنصب الرقاب بالشعر، وهو جمع أَشْعَر، ولا خلاف أن الجمع في باب العمل أضعف من واحدهِ؛ لأن الجمع يباعده عن مشابهة الفعل؛ لأن الفعل لا يجمع، وإذا بَعُد عن مشابهة الفعل بَعُد عن العمل، وإذا عمل جمع أَفْعَلَ مع بُعده عن العمل؛ فالواحد أَوْلى أن يعمل، وقال الآخر: [٨٤] ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عيشٍ ... أَجَبَّ الظّهْرَ ليس له سَنَامُ

стр. 106

فنصب الظَّهْرَ بأجبَّ، وقال الآخر: [٨٥] ولقد أَغْتَدِي وما صَقَعَ ... الدِّيكُ على أدهم أجَشَّ الصَّهِيلَا فنصب الصَّهِيل بأجشَّ، فبطل ما ادّعيتموه. وما اعترضوا به ليس بصحيح: أما بيتُ الحارث بن ظالم: [٨٣] ولا بفزارة الشُّعْرِ الرّقابا

стр. 107

فقد روي "الشُّعْرَى رِقَابًا": حكى ذلك سيبويه عن أبي الخطاب عن بعض العرب أنهم ينشدون البيت كذلك، على أنا وإن لم ننكر صحة ما رويتموه، فلا حجة لكم فيه؛ لأنه من باب "الحسن الوجه، والحسان الوُجُوه" وقد قالوا "الحسن الوجهَ" بنصب الوجه تشبيها بالضارب الرجل، كما قالوا "الضارب الرجلِ" بالجر تشبيها بـ "الحسن الوجه" وقد ذهب بعض البصريين إلى زيادة الألف واللام فيه، فلما كان في تقدير التنكير جاز نصبُه على التمييز، فبان أن ما عارضتم به ليس بشيء. وأما قول النابغة: [٨٤] أَجَبَّ الظهر ليس له سَنَامُ بفتحهما قد روي "أجب الظهر" بجرهما، وروي "أجب الظهر" برفع الظهر لأنه فاعل والتقدير فيه عندنا: أجب الظهرُ منه، وعندكم الألف واللام قامتَا مَقَام الضمير العائد؛ فلا حجة لكم في هذا البيت، والجر فيهما هو القياس، وإن صحت رواية النصب؛ فيكون على التشبيه بالمفعول على ما بيَّنَّا في البيت الأول، لا على تقدير زيادة الألف واللام ونصبه على التمييز على ما ذهبتم إليه، ولئن سلمنا على قول بعض البصريين، وهو الجواب عن جميع ما احتججتم به؛ لأنكم إذا قدرتم أن الألف واللام فيه زائدة فهو عندكم نكرة، فإذن ما عمل في معرفة، وإنما عمل في نكره، والخلاف ما وقع في أنَّ "أفعل" تعمل في النكرة، وإنما وقع الخلاف في أنها تعمل في المعرفة. وأما قول الآخر: [٨٥] عَلَى أَدْهَم أَجْشَّ الصَّهيلا فالوجه جر "الصهيلا" إلا أنه نَصَبَه على التشبيه بالمفعول، أو على زيادة الألف واللام على ما قَدَّمنا. ثم لو سلمنا لكم صحة ما ادّعيتموه في هذه الأبيات، وأجريناها في ذلك مُجْرَى "ما أحسن الرجلَ" فهل يمكنكم أن توجدونا أَفْعَلَ وصفًا نَصَبَ اسمًا مضمرًا وعلمًا أو اسمًا من أسماء الإشارة؟ وإذا لم يمكن ذلك ووجدنا أفعل في التعجب تعمل في جميع أنواع المعارف النصب دلّ على بطلان ما ذهبتم إليه من دعوى الاسمية. ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل ماضٍ أنا وجدناه مفتوح الآخر، ولولا أنه فعل ماضٍ لم يكن لبنائه على الفتح وجه؛ لأنه لو كان اسمًا لارتفع لكونه خبرًا لـ "ما" على كلا المذهبين، فلما لزم الفتح آخرُهُ دلّ على أنه فعل ماضٍ.

стр. 108

اعترضوا على هذا من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: ما احتججتم به من فتح آخره ليس فيه حجة؛ لأن التعجب أصله الاستفهام، ففتحوا آخر أفعل في التعجب ونصبوا زيدًا فرقًا بين الاستفهام والتعجب. والثاني: أنهم قالوا: إنما فتح آخر أفعل في التعجب لأنه مبني لتضمنه معنى حرف التعجب؛ لأن التعجب كان يجب أن يكون له حرف كغيره من الاستفهام والشرط والنفي والنهي والتمني والترجي والتعريف والنداء والعطف والتشبيه والاستثناء، إلى غير ذلك؛ إلا أنهم لما لم ينطقوا بحرف التعجب وضمّنوا معناه هذا الكلام استحقَّ البناء، ونظير هذا أسماء الإشارة؛ فإنها بنيت لتضمنها معنى حرف الإشارة، وإن لم ينطق به فكذلك ههنا. وما اعترضوا به ليس بصحيح: أما قولهم "إن التعجب أصله الاستفهام ففتحوا آخر أفعل في التعجب للفرق بين الاستفهام والتعجب" فمجرد دعوى لا يقوم عليها دليل، إلا بوحي وتنزيل، وليس ذلك سبيل، مع أنه ظاهر الفساد والتعليل؛ لأن التفريق بين المعاني لا توجب إزالة الإعراب عن وجهه في موضع ما، فكذلك ههنا ولأن التعجب إخبار يحتمل الصدق والكذب، والاستفهام استخبار لا يحتمل الصدق والكذب؛ فلا يصح أن يكون أصلًا له. وأما قولهم "إنه بني لتضمنه معنى حرف التعجب وإن لم ينطق به"؛ فكذلك نقول: كان يجب أن يوضع له حرف كما وضع لغيره من المعاني، ولكن لما لم يفعلوا ذلك ضمّنوا "ما"معنًى حرفه فبنوها، كما ضمّنوا "ما" الاستفهاميةمعنًى الهمزة، وضمّنوا "ما" الشرطية معنى أن التي وضعت للشرط، وبنوهما وإن لم يكن للكلمة التي بعدهما تعلق بالبناء؛ فكذلك ما بعد "ما" التعجبية لا يكون له تعلق بالبناء، فبان بذلك فساد اعتراضهم، وأنه إنما فتح لأنه فعل ماضٍ على ما بيَّنَّا. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "الدليل على أنه اسم أنه لا يتصرف" قلنا: عدم تصرفه لا يدل على أنه اسم؛ فإنا أجمعنا على أن "ليس، وعسى" فعلان، ومع هذا فإنهما لا يتصرفان، وإنما لم يتصرف فعل التعجب لوجهين؛ أحدهما: أنهم لما لم يَضَعُوا للتعجب حرفًا يدل عليه جعلوا له صيغة لا تختلف؛ لتكون أمارة للمعنى الذي أرادوه، وأنه مُضَمن معنى ليس في أصله، والثاني -وهو الصحيح- إنما لم يتصرف لأن المضارع يحتمل زمانين الحال والاستقبال، والتعجب إنما يكون مما هو موجود مشاهد، وقد يتعجب من الماضي، ولا يكون التعجب مما لم يكن، فكرهوا أن يستعملوا لفظًا يحتمل الاستقبال؛ لئلا يصير اليقين شكًا، وأما قولهم "ما أملح ما يَخْرُجُ هذا الغلام، وما أطولَ ما يكون هذا" فلا يقال ذلك حتى يُرَى فيه مَخِيلَة ذلك، فدلّك ما رأيت في

стр. 109

وقتك على ما يكون بعد ذلك، فكأنك قد شاهدته موجودًا، ولما كرهوا استعمال المضارع كانوا لاستعمال اسم الفاعل أَكْرَه لأنه لا يختص زمانًا بعينه؛ فلهذا منعوه من التصرّف، وعدم التصرّف لا يدل على أنه اسم كما قلنا في "ليس، وعسى". وأما قولهم "إنه يصغر، والتصغير من خصائص الأسماء فنقول: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن التصغير في هذا الفعل ليس على حد التصغير في الأسماء؛ فإن التصغير على اختلاف ضروبه: من التحقير كقولك رُجَيْل، والتقليل كقولك دُرَيْهِمَات، والتقريب كقولك قُبَيْل المغرب، والتعطف كقوله ﷺ "أُصَيْحَابي أصيحابي" والتعظيم كقول الشاعر: [٨٦] وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامل يريد الموت، ولا داهية أعظم من الموت، والتمدّح كقول الحُبَاب بن المنذر يوم السَّقِيفَة: "أنا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ" فإنه يتناول الاسم لفظًا ومعنًى، والتصغير اللاحق فعل التعجب إنما يتناوله لفظًا لا معنًى، من حيث كان متوجِّهًا إلى المصدر، وإنما رَفَضُوا ذكر المصدر ههنا لأن الفعل إذا أزيل عن التصرف لا يؤكد بذكر المصدر؛ لأنه خرج عن مذهب الأفعال، فلما رفضوا المصدر وآثروا تصغيره صغّروا الفعل لفظًا، ووجهوا التصغير إلى المصدر، وجاز تصغير المصدر بتصغير فعله؛ لأن الفعل يقوم في الذكر مقام مصدره؛ لأنه يدل عليه بلفظه، ولهذا يعود الضمير إلى المصدر بذكر فعله، وإن لم يَجْرِ له ذكر، قال الله تعالى: ﴿وَلا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]

стр. 110

قوله "هو" ضمير للبخل وإن لم يكن مذكورًا؛ لدلالة "يبخلون" عليه، ومنه قولهم "من كذب كان شرًا له" أي كان الكذب شرًا له، ومنه قول الشاعر: [٨٧] إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه ... وخَالَفَ، والسفيه إلى خِلَافِ يريد جَرَى إلى السفه، وهذا كثير في كلامهم؛ فكما أنه يجوز أن يعود الضمير إلى المصدر وإن لم يجرِ له ذكر استغناء بذكر فعله، فكذلك يجوز أن يتوجّه التصغير اللاحق لفظ الفعل إلى مصدره وإن لم يجرِ له ذكر، ونظير هذا إضافتهم أسماء الزمان إلى الفعل نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يوْمُ ينْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وإن كانت الإضافة إلى الأفعال غير جائزة، وإنما جاز ذلك لأن المقصود بالإضافة إلى الفعل مصدره من حيث كان ذكر الفعل يقوم مقام ذكر مصدره؛ فالتقدير فيه: هذا يومُ نَفْعِ الصادقين صدقُهم، وإنما خصوا أسماء الزمان١ بهذه الإضافة لما بين
следующие страницы →