وَانْعَصَّابِرًا وقرأَ بعضهمُ: ﴿لاَ يَسَّمَّعُونَ ١﴾ . يريدُ: [لا٢] يَتَسمَّعونَ والبيانُ عربيٌّ حَسنٌ. وكذلكَ: الظاءُ والذالُ والثاءُ تُدغمُ في الصادِ وأختيها وذَلكَ قولُكَ: ابْعَسَّلَمةَ واحفسَّلَمَةَ وخُصَّابِرًا واحفَزَّرَدَةَ سمعناهم يقولونَ: مُزَّمان فيدغمونَ الذّال في الزاي ومُسَّاعة فيُدغمونها في السينِ والبيانُ فيها أَمثلُ منهُ في الظاءِ وأُختيها. والظاءُ والثاءُ والذالُ أخواتُ. الطاءُ والتاءُ والدالُ لا يمتنعُ بعضهُنَّ مِن بعضٍ في الإِدغام وذلكَ أهْبِظَّالِمًا وابْعِذَّلِكَ وانْعَثَّابِتًا واحْفَطَّالِبًا وَخُدَّاوُدَ وابْعَتَّلِكَ وحجتهُ قولهم: ثلاثُ دراهم تُدغمُ الثاءُ في التاءِ التي هيِ بَدَلٌ مِنَ الهاءِ [التي في الدارهمِ٣] وقالوا: حَدَّتّهُم٤ فجعلوهَا تاءً والبيانُ فيهِ جيدٌ فأَمَّا الصادُ والسينُ والزايُ فلا تدغمهنَ في هذه الحروفِ لأنَّهنَ حروفُ الصفير وهُنَّ أَندى في السمعِ فامتنعتْ كما امتنعتِ الراءُ أَنْ تدغَم في اللامِ وتدغمُ الطاءُ والدالُ والتاءُ في الضادِ وذلكَ اضْبِضَّرَمَةَ وانقضَّرَمَةَ وانْعِضَّرَمَةَ. قالَ سيبويه: وسَمعنا مَنْ يوثقُ بعربيتهِ قالَ: ثَارَ فَضَجَّضَّجَّةً رَكائِبهْ٥، فأَدغَم التاءَ في الضادِ.
والظاءُ والثاءُ والذالُ يدغمنَ في الضادِ وذلكَ: احْفَضّرَمَةَ
стр. 1473
وخُضَّرَمَةَ وابْعَضَّرَمَةَ ولا تُدغمُ الضادُ في الصادِ والسينِ والزايِ لإستطالةِ الضّادِ كما امتنعتِ الشينُ وهيَ قريبةٌ مِنها ولا تُدغمُ الصادُ وأُختاها في الضادِ فالضادُ/ لا تُدغمُ فيما تدغمُ فيها والبيانُ عربيٌّ جَيّدٌ وتدغُم الطاءُ والتاءُ والدالُ في الشينِ لإستطالتِها حينَ اتصلتْ بمخرجِها وذلكَ: اضْبشَّبَثًا وَانْقُشَّبَتًا والإِدغامُ في الضادِ أَقوى وتُدغمُ الظاءُ والذالُ والثاءُ في الشينِ لأَنَّهم أنزلوها منزلَة الضادِ وذلكَ قولُكَ: احْفَشَّنباءً وابْعَشَّنْباءَ وخُشَّنباءَ والبيانُ عربيٌّ جيّدٌ وهو أَجودُ منهُ في الضادِ.
واعلَم: أَنَّ جَميعَ ما أَدغمتَهُ وهُوَ ساكنٌ يجوزُ لكَ فيهِ الإِدغامُ إذَا كانَ متحركًا كما تفعلُ ذلكَ في المثلينِ وحالهُ فيمَا يحسنُ فيهِ ويقبحُ الإِدغامُ ومَا يكونُ فيهِ حَسَنٌ وما كانَ خَفيًا وهو بزنتهِ متحركًا قَبلَ أَنْ يخفى كحالِ المثلينِ وإذَا كانتْ هذهِ الحروفُ المتقاربةُ في حرفٍ واحدٍ ولَم يكنِ الحرفانِ منفصلين ازدَاد ثُقلًا واعتلالًا كمَا كانَ المثلان إذَا لم يكونا منفصلين أَثقل لأَنَّ الحرفَ لا يفارقهُ ما يستثقلونَ فَمِنْ ذلكَ قولُهم في "مُثْتَرِدٍ": مُثَّرِدٍ١، وقَدْ ذُكِرَ بابُ "افْتَعَلَّ" في التصريفِ وما يُدغمُ منهُ وما يُبدلُ ولا يُدغمُ.
стр. 1474
ذِكرُ ما امتنَع مِنَ الحروفِ المتقاربةِ:
وهيَ تجيءُ علَى ضربينِ: منها ما يُدغمُ في مقاربهِ ولا يُدغمُ مقاربهُ فيهِ ومنها ما لا يدغمُ في مقاربهِ ويدغمُ مقاربهُ فيهِ١.
стр. 1475
فالحروفُ التي تُدغمُ فيما قاربَها ولا يُدغمُ فيها مقاربُها: الهمزةُ والألفُ والواوُ لا تدغمُ وإنْ كانَ قبلَها فتحةٌ في شيءٍ من المقاربةِ وكذلكَ الواوُ لو كانتْ معَ هذهِ١ الياءِ التي ما قبلهَا مفتوحٌ مَا هُوَ مثلُها سواءٌ لأدغمتَها ولم تستطعْ إلا ذلكَ وإذَا كانتِ الواوُ قبلَها ضمةٌ والياءُ قبلَها كسرةٌ فهوَ أَبعدُ للإِدغامِ.
الحروفُ التي لا تُدغمُ في المقاربة فيها: الميمُ والراءُ والفاءُ والشينُ.
فالميمُ لا تُدغمُ في الباءِ لأَنَّهم يقلبونَ النونَ ميمًا في قولهِم: العنبَرُ ومَنْ بِكَ٢، وأَمَّا إدغامُ الباءِ في الميمِ فنحو: اصحَمَّطَرًا تريدُ: اصْحَبْ مَطرًا. والفاءُ لا تُدغمُ في الباءِ والباءُ تدغمُ فيها وذلكَ: اذْهَفَّي ذَلكَ. والرّاءُ لا تُدغمُ في اللامِ٣ ولا في النونِ لأَنَّها مكررةٌ وتُدغمُ اللامُ والنونُ في الراءِ. والشِّينُ لا تُدغمُ في الجيمِ وتُدغمُ الجيمُ فيها.
وجملةُ هَذا أنَّ حَقَّ الناقصِ أَنْ يُدغمَ في الزَّائدِ وحَقُّ الزائدِ أَنْ لا يُدغم َ في الناقصِ وأَصلُ الإِدغامِ في حروفِ الفمِ واللسانِ وحروفِ الحلقِ وحروفُ الشَّفةِ أَبعدُ مِنَ الإِدغامِ فَما أُدغمَ من الجميعِ فلمقاربةِ حروفِ الفَمِ واللسانِ.
стр. 1476
باب الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه
مدخل
...
هَذا بابُ: الحرفِ الذي يُضارعُ بهِ حرفٌ من موضعهِ:
والحرف الذي يُضارعُ بهِ ذلكَ الحرفُ وليس مِنْ موضعهِ فأَمَّا الذي يُضارعُ بهِ الحرفُ الذي مِنْ مخرجهِ فالصادُ الساكنةُ إذا كانَ بعدَها الدالُ نحو: مَصْدَرٍ وأَصدَر والتقديرُ فما لم يمكن أَنْ يُعَلَّ ضارعوا١ بها أَشبهَ الحروفِ بالدالِ مِنْ مَوضعهِ وهيَ الزايُ.
قالَ سيبويه٢: وسمعْنا الفصحاءَ يجعلونَها زايًا خالصةً وذلكَ قولُكَ في التَّصدير: التَّزديرُ وفي الفَصدِ: الفَزْدُ وفي أَصدرتُ: أَزدرتُ ولم يجسروا علَى إبدالِ الدالِ٣ لأَنَّها ليستْ بزائدةٍ كالتاءِ في "افتعلَ" فإنْ تحركتِ الصادُ لم تُبْدل لأَنَّهُ قَدْ وقعَ بينَهما شيءٌ ولكنَّهم قَدْ يضارعونَ بهَا نحو صَادِ٤ "صدَقتُ" والبَيانُ أَحْسَنُ فرُبّما ضارعوا بها٥ وهيَ بعيدةٌ [نحو: مَصادر٦] والصِّرَاط لأَنَّ الطَاء كالدال والمضارعةُ هُنَا وإنْ بعدتْ كما قالوا: صَوِيقٌ ومَصَاليق فأَبدلوا السينَ صَاداً٨. والبيانُ هُنا أَحسنُ.
стр. 1477
فإنْ كَانَ موضعُ الصادِ سينًا ساكنةً أُبدلَت فقلتَ في التَّسدير: التَّزديرُ وفي يُسدلُ ثَوبَهُ: يُزدلُ ثَوْبَهُ لأَنَّهُ ليسَ فِيها إطباقٌ يذهبُ والبيانُ فيها أَحسنُ وأَمّا الحرفُ١ الذي ليسَ من موضعهِ فالشينُ وذلكَ أَشْدَقُ فتضارعُ بهَا الزايَ والبيانُ أكثرُ وهذا عربيٌّ كثيرٌ والجيمُ أَيضاً٢، يقولونَ في "الأَجدر"٣ أَشدرُ ولا يجوزُ أَن يجعلَها زايًا خالصةً ولا الشينُ لأَنَّهما ليستا من مخرجِهما وقد قَالوا: اجدمعوا في اجتمعوا واجدَرَؤوا يريدونَ: اجتَرؤوا٤.
стр. 1478
هذاَ بَابُ ما يقلبُ فيهِ السينُ صادًا في بعضِ اللغَاتِ:
تقلبُها القافُ إذا كانتْ بعدهَا في كلمةٍ واحدةٍ نحو صُقْتُ١ وَصَبَقْتُ والصَّمْلَقُ٢، ولم يبالوا ما بينَ السينِ والقافِ مِنَ الحواجزِ وكذلكَ الغينُ والخاءُ يقولونَ "صَالغُ" في "سَالغٍ٣"، وصَلَخ في "سَلَخ" فإنْ قلتَ: زَقَا وَزَلَقَ لم تغيرها لأَنَّها حرفُ مجهورٌ وإنَّما يقول: هذَا مِنَ العربِ بنو العنبرِ٤، وقَالوا: صَاطعٌ في "سَاطعٍ" ولا يجوزُ في ذُقْتُها أن تجعلَ الذالَ ظاءً٥ وأَمَّا الثاءُ والتاءُ فليسَ يكونُ في موضعهما [هذا٦] .
لأَنَّ التاءَ تبقى١ متحركةً [ومَنْ قالَ تَتقى يقدرُ أنَّهُ مخففٌ من اتّقَى ومَنْ قَالَ: تقى مثلُ تَرى يبدلُ التاءَ مِنَ الواوِ] ٢ وقَالَ بعضُ العربِ٣: اسْتَخَذَ فلانُ أرضًا يريدُ: اتَّخذَ أَبدلوا السينَ مكانَ التاءِ كما أُبدلتِ التاءُ مكانَها في "سِتٍّ" ومثلُ [ذلك٤] قولُ بعض العربِ: اطَّجَعَ في اضْطَجَعَ٥ كراهيةَ التقاءِ المُطبقينِ فأَبدلَ مكانَها أقربَ الحروفِ مِنها وفي "اسْتَتْخَذَ" قولٌ آخرُ أَنْ يكونَ "استفعلَ" فحذفَ التاءَ للتضعيفِ مِن "اسْتَتْخَذَ" كما حَذَفُوا "لاَم" ظَلْتُ. " [وقَالَ بعضهم: "يَستيعُ" [في يستطيعُ٦] فإنْ شِئْتَ قلتَ: حَذَفَ الطاءَ٧] كمَا حذفَ لامَ "ظَلْتُ" وتركوا الزيادةَ كما تركوا في "تُقَيتُ" وإنْ شِئْتَ قلتَ: أبدلوا التاءَ مكانَ الطاءِ ليكونَ ما بعدَ السين مهموسًا مِثْلَها كمَا قالوا: ازْدانَ ليكونَ ما بعدَهُ مجهورًا فأَبدلوا مِنْ موضِعها أشبهَ الحروفِ بالسينِ فأبدلوها مكانَها كما تبدلُ هيَ مكانَها في الإِطباق. ومِنَ الشاذِّ قولُهم في بني العنبر وبني الحارث: بلحرثُ وبِلعنبرُ فحذفتِ النونُ وكذلكَ يفعلونَ بكُلِّ قبيلةٍ تظهرُ فيها لاَم المعرفةِ فإذَا لم تظهرِ اللامُ فَلا يكونُ ذلكَ لأَنَّها لمّا كانتْ مِمّا كَثُرَ في كلامِهم وكانتِ اللامُ والنونُ قريبتي المَخارجِ حذفوها وشبهوها "بِمَسْتُ" لأنَّهما حرفانِ متقاربانِ ولم يَصِلُوا إلى الإِدغامِ كَما لم يصلوا في "مَسِسْتُ" لسكونِ اللامِ وهذَا أَبعدُ لأَنَّهُ اجتمعَ فيهِ أَنَّهُ منفصلٌ
стр. 1481
[وأَنَّهُ١] ساكنٌ لا يتصرفُ [تَصرفَ٢] الفعلِ حينَ تدركهُ الحركةُ ومثلُ هَذا٣ قولُ بعضِهم: عَلْمَاءِ بنو فلانٍ فحذفوا اللامَ وَهُوَ يريدُ: عَلَى الماءِ بنو فلانٍ وهيَ عربيةٌ٤.
стр. 1482
بَابُ ١ ضرورةِ الشَّاعرِ:
ضرورةُ الشاعرِ أَن يُضطرَّ الوزنُ إلى حذفٍ أَو زيادةٍ أَو تقديمٍ أَوْ تَأْخيرٍ في غير موضعهِ وأبدالِ حرفٍ أَو تغييرِ إعرابٍ عَنْ وجههِ علَى التأويلِ أَو تأنيثِ مُذكرٍ علَى التأويلِ وليسَ للشاعِر أَنْ يحذفَ ما اتفقَ لَهُ ولا أَنْ يزيدَ ما شَاءَ بَلْ لذلكَ أُصولٌ يعملُ عليها فمنها ما يحسنُ أَنْ يستعملَ ويُقاس عَليهِ ومنها ما جاءَ كالشاذِّ ولكنَّ الشاعرَ إذَا فَعَلَ ذلكَ فلا بُدَّ مِنْ أَن يكونَ قَدْ ضارعَ شيئًا بِشيءٍ ولكنَّ التشبيهَ يخلتفُ فمنهُ قَريبٌ ومنهُ بَعيدٌ.
стр. 1483
ذِكرُ الذي يحسنُ مِنْ ذلكَ ويقاسُ عَليهِ:
اعلَمْ: أَنَّ أَحسنَ ذلكَ ما رُدَّ فيهِ الكلامُ إلى أَصلِه وهوَ في جميعِ ذلك لا يخلُو مِنْ زيادةٍ أَو حذفٍ فالزيادةُ صَرفُ ما لا ينصرفُ وإظهارُ التضعيفِ وتصحيحُ المعتلِّ ويتبعهُ في الحُسنِ تحريكُ الساكنِ في القافيةِ بحركةِ ما قَبلهُ فإنْ كانَ في حشوِ البيتِ فهو عندي أَبعدُ وقطعُ أَلفِ الوصلِ في أنصافِ البُيوتِ. وأَمَّا الحذفُ: فَقَصْرُ الممدودِ وتخفيفِ المشدد
стр. 1484
في القوافي فَأَمَّا ما لا يجوزُ للشاعرِ في ضرورتِهِ فَلا يجوزُ لَهُ أَنْ يلحنَ لتسويةِ قافيةٍ ولاَ لإِقامةِ وزنٍ بأَنْ يُحركَ مجزومًا أَوْ يسكنَ معربًا وليسَ لَهُ أَنْ يُخرجَ شيئًا عَنْ لفظِه إلا أَنْ يكونَ١ يخرجهُ إلى أَصلٍ قَد كانَ لَهُ فيردهُ إليهِ لأَنَّهُ كانَ حقيقُتُه وإنَّما أَخرجَهُ عن قياسٍ لزمَهُ أَو اطرادٍ استمرَّ بهِ أَو استخفافٍ لِعلّةٍ واقعةٍ.
الأَولُ مِنَ الضربِ الأول:
وهوَ صرفُ ما لا ينصرفُ [للشاعرِ أَنْ يصرفَ في الشِّعرِ جميعَ ما لا ينصرفُ٢] وذلكَ أَنَّ أَصلَ الأسماءِ كلِّها الصرفُ وذلكَ قولُهم في الشعرِ: مَررتُ بأَحمرٍ ورأيتُ أَحمرًا ومررتُ بمساجدٍ يا فَتى كما قَالَ [النابغة: ٣]
فَلْتَاْتِيَنْكَ قَصائدٌ وَلْيَرْكَبنْ ... جَيْشٌ إليكَ قوادمَ الأَكوَارِ٤
стр. 1485
فقالَ قومٌ: كُلُّ شَيءٍ مما لا ينصرفُ مصروفٌ في الشعرِ إلا أَفعلَ "الذي معهُ مِنْ كذَا نحو: هَذا أَفعلُ مِنكَ١ ورأيتُ أَكرمَ مِنْكَ وذهبوا إلى أَنَّ "مِنْكَ" يقومُ مقامَ المضافِ إليهِ وهذَا مِنْهم خَطأٌ وإنَّما مُنعَ الصرفُ لأَنَّهُ "أَفعلُ" وتَمَّ "بِمنْكَ" نعتًا فَصارَ كأَحمَر أَلاَ ترىَ أَنَّكَ تقولُ: مررتُ بخير منكَ وشرٍّ مِنْكَ فمنكَ على حالِها وصرفتَ خيرًا وشراً" لأَنَّه قد نَقصَ عَنْ وزنِ "أَفعلَ" وقال قومٌ: يجوزُ في الشعرِ تركُ صرفِ ما ينصرفُ.
قالَ محمد بن يزيد: وهذَا خَطأٌ عظيمٌ لأَنَّهُ ليسَ بأَصلٍ للأسماءِ أن لا تنصرفَ فتردٌّ ذلكَ إلى أَصلهِ قالَ: ومِمّا يحتجونَ بهِ قولُ العباسِ بن مرداس:
أَتجْعَلُ نهبي ونَهبَ العُبي ... دِ بَيْنَ عُيَينَةَ والأَقرعِ ...
وما كانَ حِصْنٌ ولاَ حَابسٌ ... يًفُوقانِ مِرْدَاسَ في مَجْمَعِ ٢
стр. 1486
وإنَّما الروايةُ الصحيحةُ "يفوقانِ شيخيَ في مَجْمَعِ" ومِنْ ذلكَ روايتهُم في هذَا البيت لذي الأصبعِ العدواني:
ومَمِنْ وَلَدوا عَامرُ ... ذو الطُّولِ وذو العَرْضِ١
وإنَّمَا عامرُ اسمُ قبيلةٍ فيحتجونَ بقولِهِ "وذو الطولِ" ولم يقلْ٢ "ذَاتِ" فإنَّما ردَّهُ للضرورةِ إلى "الحَيِّ" كَما قَالَ:
قَامتْ تُبَكيّهِ عَلَى قَبْرِهِ ... مَنْ لِي مِنْ بَعدِكَ يَا عَامرُ
تَرَكْتَنِي في الدَّارِ ذَا غُربَةٍ ... قَدْ ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ ناصرُ
стр. 1487
فإنَّما١ أرادَ للضرورة إنسانًا ذا غربةٍ فهذَا نظيرُ ذلكَ وهذَا الذي ذكرَ أبو العباس كمَا قالَ: إنَّهُ القياسُ أَنْ يُردَّ للضرورةِ الشيءُ إلى أَصلِه ولكنْ لو صحتِ الرواية في تَركِ صرفِ ما ينصرفُ في الشعر لما كانَ حذفُ٢ التنوينِ بأَبعدَ من حذفِ الواوِ في قوله: فَبنَياهُ يَشْرِي رَحلَهُ٣.. لأَنَّ التنوينَ زَائدٌ ولأَنَّه قد يحذفُ في الوقفِ والواوُ في "هُوَ" غيرُ زائدةٍ فلا يجوزُ حذفُها في الوقفِ كلاهُما رَديءٌ حذفُهما في القياسِ.
قالَ أَبو العباس: فأَمَّا قَولُ ابن الرقياتِ:
"ومَصْعَبُ حينَ جَدَّ ... الأمرُ أَكثرُها وأَطَيبُها٤
فزعَم الأصمعي: أَنَّ ابنَ الرقياتِ ليس بحجةٍ وأنَّ الحضريةَ أَفسدتْ عَلَيْه لغتَهُ قالَ: ومَنْ روى هذَا الشعرَ مِمَّنْ يفهمُ الإِعرابَ ويتبعُ الصوابَ ينشدُ:
стр. 1488
"وأَنتمُ حينَ جَدَّ الأمرُ أكثرُها وأطيبُها١
قالَ: ومِنَ الشعراءِ الموثوقِ بهم في لغاتِهم كثيرٌ٢ مِمَّنْ قد أَخطأَ لأَنَّهُ وإنْ كانَ فصيحًا فَقَدْ يجوزْ عليهِ الوهلُ والزللُ مِنْ ذلكَ قولُ ذي الرّمةِ:
وقَفْنَا فقلنا إيهِ عَنْ أُم سَالمٍ ... ومَا بالُ تكليمِ الدّيارِ البلاقعِ٣
وهذَا لا يعرفُ إلا منونًا في شيءٍ من اللُغاتِ وقَولُه:
حَتَى إذَا دَوَمتْ في الأرضِ رَاجَعهُ ... كِبْرٌ وَلَو شَاءَ نَجّى نَفْسَهُ الهَرَبُ٤
إنَّما يقالُ: دَوّى في الأرضِ ودَوّمَ في السَّماءِ كمَا قالَ:
والشَّمْسُ حَيْرَى لَها في الجَوِّ تدويمُ٥
стр. 1489
فأمَّا ما يضطرُ إليه الشاعرُ ممنْ ينونُ الاسم المفردَ في النداءِ فَقد ذكرناهُ في النداءِ.
الثاني مِنَ الضربِ الأَولِ:
وَهوَ إظهارُ التضعيفِ وَهوَ زيادةُ حركةٍ إلا أَنَّها حركةٌ مقدرةٌ في الأصلِ يجوزُ في الشعرِ ولا يجوزُ في غيرِه تضعيفُ المدغمِ فيقولُ في "رَدَّ": رَدَدَ لأَنَّهُ الأَصلُ ويقولُ في "رَادٍّ"١: هذَا رَادِدٌ وفي "أَصمّ" أَصمم فاعلم.
قالَ مَعْنَبُ بن أُم صَاحبٍ:
مَهْلًا أَعَاذِلَ قَدْ جَرَّبْتِ مِن خُلُقي ... أَني أَجُودُ لأَقْوَامٍ وإنْ ضَنِنُوا
يريدُ: ضنّوا٢ وقال: آخرُ:
стр. 1490
"الحَمْدُ للهِ العَليِّ الأَجْلَلِ١
يريدُ: الأَجَلِّ.
وقالَ أبو العباس في قولِهم:
"قَدْ عَلمتْ ذاكَ بناتُ أَلْبُبِهْ٢
يريدُ: بناتِ أَعقلِ هذَا الحي.
وقال: ولا أُجيزُ هَذَا إلا في الشعر كقولِكَ: "ضَنِنُوا". فأَمَّا في الكلامِ فلاَ يجوزُ إلا بَناتُ أَلبَّهْ٣.
الثالثُ مِنَ الضربِ الأول:
وهوَ تصحيحُ المعتلِّ يجوزُ في الشعرِ وَلا يصلحُ في الكلامِ تحريكُ الياءاتِ المعتلةِ في الرفعِ والجرِّ للضرورة نحو قولِكَ في الشِّعر: هَذا قاضيٌ ومررتُ بقَاضيٍ لأَنَّهُ الأصلُ مِنْ ذلكَ قولُ ابن الرقياتِ:
لاَ بَاركَ اللَّهُ في الغَوَانيِ هَلْ ... يُصْبِحْنَ إلا لَهُنَّ مُطَّلَبُ٤
стр. 1491
وقال جرير:
فَيِومًا يُجَازينَ الهَوى غَيْرَ مَاضِيٍ ... ويَومًا ترَى مِنْهنَّ غُوْلًا تَغَوَّلُ١
فهذِه الياءُ حكمُها على هَذا الشَرطِ أَن تفتحَ في موضعِ الجَرِّ إِذَا وقعتْ في اسم لا يَنصرفُ كما ترفعُ في موضِع الرفعِ فإِنْ اضطرَّ شَاعِرٌ إلى صَرفِ ما لا ينصرفُ حرّكها في موضعِ الجَر بالكسرِ ونَوَّنَها كما يَفعلُ في غيرِ المعتلِّ فأَجراها في جميعِ الأشياءِ مَجرى غير المعتلِّ وكذلكَ حكمُها في الأَفعالِ أَنْ ترفعَ في الياءِ والواوِ فتقولُ: زيدٌ يرميُكَ ويغزُوكَ كَما قالَ:
أَلَمْ يَأْتِيْكَ والأَنباءُ تَنمِي ... بَمَا لاقَتْ لَبُونُ بني زِيَادِ٢