← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7365

الأصول في النحو

ابن السراج

Полный текст (1 554 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

باب التمييز مدخل ... باب التمييز: ١ الأسماء التي تنتصب بالتمييز والعامل فيها فعل أو معنى فعل, والمفعول هو فاعل في المعنى وذلك قولك: قد تفقأ زيد شحمًا, وتصبب عرقًا/ ٢٤٧ وطبت بذلك نفسًا, وامتلأ الإِناء ماءً, وضقت به ذرعًا, فالماء هو الذي ملأ الإِناء والنفس هي التي طابت, والعَرَق هو الذي تصبب فلفظهُ لفظ المفعول, وهو في المعنى فاعل. وكذلك: ما جاء في معنى الفعل, وقام مقامه نحو قولك: زيد أفرهم عبدًا, وهو أحسنهم وجهًا فالفاره في الحقيقة هو العبد, والحسن هو الوجه إلا أن قولك: أفره وأحسن في اللفظ لزيد وفيه ضميره والعبد غير زيد والوجه إنما هو بعضه إلا أن الحسن في الحقيقة للوجه والفراهة للعبد, فإذا قلت: أنت أفره العبيد فأضفت فقد قدمته على العبيد, ولا بدّ من أن يكون -إذا أضفته- واحدا منهم. فإذا قلت: أنت أفره عبد في الناس فمعناه: أنت أفره من كل عبد إذا أفردوا عبدًا عبدًا كما تقول: هذا خير اثنين في الناس أي: إذا كان الناس اثنين اثنين٢.

стр. 247

واعلم: أن الأسماء التي تنصب على التمييز لا تكون/ ٢٤٨ إلا نكرات تدل على الأجناس, وأن العوامل فيها إذا كن أفعالًا, أو في معاني الأفعال كنت بالخيار في الاسم المميز إن شئت جمعته, وإن شئت وحَّدته تقول: طبتم بذلك نفسًا, وإن شئت أنفسًا قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ ١, وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ٢, فتقول على هذا: هو أفره الناس عبيدًا, وأجود الناس دورًا. قال أبو العباس: ولا يجوز عندي: عشرون دراهم يا فتى, والفصل بينهما أنك إذا قلت: عشرون فقد أتيت على العدد فلم يحتج إلا إلى ذكر ما يدل على الجنس. فإذا قلت: هو أفره الناس عبدًا جاز أن تعني عبدًا واحدًا فمن ثم اختير وحسن إذا أردت الجماعة أن تقول: عبيدًا٣, وإذا كان العامل في الاسم المميز فعلًا جاز تقديمه عند المازني٤ وأبي العباس٥, وكان سيبويه لا يجيزه٦, والكوفيون في ذلك على مذهب سيبويه فيه لأنه يراه

стр. 248

كقولك/ ٢٤٩: عشرون درهمًا, وهذا أفرههم عبدًا, فكما لا يجوز: درهمًا عشرون, ولا: عبدًا هذا أفرههم, لا يجوز هذا١, ومن أجاز التقديم قال: ليس هذا بمنزلة ذلك, لأن قولك: عشرون درهمًا, إنما عمل في الدرهم ما لم يؤخذ من فعل٢. وقال الشاعر فقدم التمييز لما كان العامل فعلًا: أتَهْجُرُ سَلْمَى لِلفِرَاقِ حبيبها ... ومَا كانَ نَفْسًا بالفِرَاقِ تَطِيبُ٣ فعلى هذا تقول: شحمًا تفقأت, وعرقًا تصببت, وما أشبه ذلك, وأما قولك: الحسن وجهًا والكريم أبا فإن أصحابنا٤ يشبهونه: بالضارب رجلًا وقد قدمت تفسيره في هذا الكتاب وغير ممتنع عندي أن ينتصب على التمييز أيضًا بل الأصل ينبغي أن يكون هذا. وذلك الفرع, لأنك قد بينت بالوجه

стр. 249

الحسن منه, كما بينت في قولك: هو أحسنهم وجهًا, وكذلك يجري عندي/ ٢٥٠ قولهم: هو العقور كلبًا وما أشبه, فإذا نصبت هذا على تقدير التمييز لم يجز أن تدخل عليه الألف واللام, فإذا نصبته على تقدير المفعول والتشبيه بقولك: الضارب رجلًا جاز أن تدخل عليه الألف واللام, وكان الفراء لا يجيز إدخال الألف واللام في وجه وهو منصوب إلا وفيما قبله الألف واللام نحو قولك: مررت بالرجل الحسن الوجه, وهو كله جائز لك أن تنصبه تشبيهًا بالمفعول.

стр. 250

مسائل من هذا الباب: تقول: زيد أفضل منك أبًا, فالفضل في الأصل للأب كأنك قلت: زيد يفضل أبوه أباك, ثم نقلت الفضل إلى زيد وجئت بالأب مفسرًا١, ولك أن تؤخر "منك" فتقول: زيد أفضل أبًا منك, وإن حذفت "منك", وجئت بعد أفضل بشيء يصلح أن يكون مفسرًا, فإن كان هو الأول فأضف أفضل إليه, واخفضه, وإن كان غيره فانصبه/ ٢٥١ واضمره نحو قولك: علمك أحسن علم تخفض "علمًا", لأنك تريد: أحسن العلوم وهو بعضها, وتقول: زيد أحسن علمًا تريد: أحسن منك علمًا فالعلم غير زيد فلم تجز إضافته وإذا قلت: أنت أفره عبد في الناس فإنما معناه: أنت أحد هؤلاء العبيد الذين فضلتهم. ولا يضاف "أفعل" إلى شيء إلا وهو بعضه كقولك: عمرو أقوى الناس ولو قلت: عمرو أقوى الأسد لم يجز وكان محالًا لأنه ليس منها٢،

стр. 251

ولذلك لا يجوز أن تقول: زيد أفضل إخوته, لأن هذا كلام محال يلزم منه أن يكون هو أخا نفسه, فإن أدخلت "من" فيه جاز فقلت: عمرو أقوى من الأسد أفضل من إخوته, ولكن يجوز أن تقول: زيد أفضل الإِخوة إذا كان واحدًا من الإِخوة, وتقول: هذا الثوب خير ثوب في اللباس, إذا كان هذا هو الثوب فإن كان هذا رجلًا قلت: هذا الرجل/ ٢٥٢ خير منك ثوبًا, لأن الرجل غير الثوب, وتقول: ما أنت بأحسن وجهًا مني, ولا أفره عبدًا, فإن قصدت قصد الوجه بعينه قلت: ما هذا أحسن وجه رأيته, إنما تعني الوجوه إذا ميزت وجهًا. وقال أبو العباس ﵀: فأما قولهم: حسبك بزيد رجلًا, وأكرم به فارسًا وما أشبه ذلك, ثم تقول: حسبك به من رجل وأكرم به من فارس, ولله دره من شاعر, وأنت لا تقول: عشرون من درهم, ولا هو أفره منك من١, عبد فالفصل بينهما أن الأول كان يلتبس فيه التمييز بالحال فأدخلت "من" لتخلصه للتمييز ألا ترى أنك لو قلت: أكرِم به فارسًا وحسبك به خطيبًا٢, لجاز أن تعني في هذه الحال, وكذلك إذا قلت: كم ضربت رجلًا, وكم ضربت من رجل, جاز ذلك لأن "كم" قد يتراخى عنها مميزها, فإن قلت: كم ضربتَ رجلًا؟ لم يدر السامع/ ٢٥٣ أردت: كم مرة

стр. 252

ضربتَ رجلًا واحدًا, أم: كم ضربت من رجل فدخول "من" قد أزال الشك وقال في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ١, وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ ٢: أن التمييز إذا لم يسم عددًا معلومًا: كالعشرين والثلاثين جاز تبيينه بالواحد للدلالة على الجنس, وبالجميع إذا وقع الإِلباس ولا إلباس في هذا الموضع لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ , ولقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ﴾ , وقال: وقد قال قوم "طِفْلًا" حال وهذا أحسن إلا أن الحال إذا وقعت موقع التمييز لزمها ما لزمه كما أن المصدر إذا وقع موقع الحال لم يكن إلا نكرة تقول: جاء زيد مشيًا فهو مصدر ومعناه ماشيًا وهذا كقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ٣ لأنه في هذه الحال. واعلم: أن "أفعل منك" لا يثنى ولا يجمع, وقد مضى ذكر هذا, تقول: مررت برجل أفضل منك وبرجلين أفضل منك وبقوم أفضل منك/ ٢٥٤, وكذلك المؤنث. وأفضل موضعه خفض على النعت, إلا أنه لا ينصرف, فإن أضفته جرى على وجهين, إذا أردت: أنه يزيد على غيره في الفضل, فهو مثل الذي معه "من" فتوحده, تقول: مررت برجل أفضل الناس وأفضل رجل في معنى أفضل الرجال, وكذلك التثنية والجمع, تقول: مررت برجلين أفضل رجلين, وبنساء أفضل نساء. والوجه الآخر أن تجعل أفضل اسمًا ويثنى ويجمع في الإِضافة ولا يكون فيه معنى "من كذا" فإذا كان بهذه الصفة جاز أن تدخله الألف واللام إذا لم تضفه, ويثنى ويجمع ويؤنث.

стр. 253

ويعرف بالإِضافة, فتقول: جاءني الأفضل, والأفضلان, والأفضلون, وهذان أفضلا أصحابك وهؤلاء أفاضل أصحابك, فإذا كان على هذا لم تقع معه "من" وكانت أنثاه على "فعلى" وتثنيتها الفضليان والفضلين وتجمع الفضل والفضليات قال سيبويه: لا تقول: نسوة صغر١, ولا قوم/ ٢٥٥ أصاغر إلا بالألف واللام, وأفعل التي معها "منك" لا تنصرف٢, وإن أضفتها إلى معرفة ألا ترى أنك تقول: مررت برجل أفضل الناس فلو كانت معرفة ما جاز أن تصف بها النكرة, ولا يجوز أن تسقط من أفعل "من" إذا جعلته اسمًا أو نعتًا تقول: جاءني رجل أفضل منك ومررت برجل أفضل منك فلا تسقطها, فإن كان خبرًا جاز حذفها وأنت تريد: أفضل منك وزيد أفضل وهند أفضل. قال أبو بكر: جاز حذف "من", لأن حذف الخبر كله جائز, والصفة تبيين ولا يجوز فيه حذف "من" كما لا يجوز حذف الصفة, لأن الصفة تبيين وليس لك أن تبهم إذا أردت أن تبين.

стр. 254

الضرب الثاني: المنصوب فيه هو المرفوع في المعنى: هذا الضرب العامل فيه ما كان على لفظ الفعل, وتصرف تصرفه وجرى مجراه وليس به فهو خبر "كان وأخواتها" ألا ترى أنك/ ٢٥٦ إذا قلت: كان عبد الله

стр. 255

منطلقًا, فالمنطلق هو عبد الله, وقد مضى شرح ذلك في الأسماء المرفوعات إذ لم يمكن أن تخلى الأسماء من الأخبار فيها. فقد غنينا عن إعادة ذلك في هذا الموضوع.

стр. 256

الضرب الثالث: الذي العامل فيه حرف جامد غير متصرف . الحروف التي تعمل مثل عمل الفعل فترفع وتنصب خمسة أحرف١ وهي: إنَّ ولكن وليت ولعلَّ وكأنَّ. فإنَّ: توكيد الحديث وهي موصلة للقسم لأنك لا تقول: والله زيد منطلق, فإنْ أدخلت "إنَّ" اتصلت بالقسم فقلت: والله إنَّ زيدًا منطلق٢, وإذا خففت فهي كذلك, إلا أنَّ لام التوكيد تلزمها عوضًا لما ذهب منها فتقول: إنَّ زيدًا لقائم, ولا بدّ من اللام إذا خففت كأنهم جعلوها عوضًا ولئلا تلتبس بالنفي. ولكنَّ: ثقيلة وخفيفة توجب بها بعد نفي, ويستدرك بها فهي تحقيق وعطف حال على حال تخالفها. وليت: تمن/ ٢٥٧. ولعل: معناها التوقع لمرجو أو مخوف.

стр. 257

وقال سيبويه: لعل وعسى: طمع وإشفاق١. وكأنَّ: معناها التشبيه إنما هي الكاف التي تكون للتشبيه دخلت على "أن"٢. وجميع هذه الحروف مبنية على الفتح مشبهة للفعل الواجب, ألا ترى أن الفعل الماضي كله مبني على الفتح, فهذه الأحرف الخمسة تدخل على المبتدأ والخبر فتنصب ما كان مبتدأ, وترفع الخبر فتقول: إن زيدًا أخوك, ولعل بكرًا منطلق, ولأنَّ زيدًا الأسد, فإنّ: تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله نحو: ضرب زيدًا رجل, وأعلمت هذه الأحرف في المبتدأ والخبر كما أعلمت "كان" وفرق بين عمليهما: بأن قدم المنصوب بالحروف على المرفوع كأنهم جعلوا ذلك فرقًا بين الحرف والفعل, فإن قال قائل: إن "أنَّ" إنما عملت في الاسم فقط فنصبته وتركت الخبر على حاله كما كان مع الابتداء, وهو قول الكوفيين٣. قيل له: الدليل على أنها هي الرافعة/ ٢٥٨ للخبر, أن الابتداء قد زال وبه وبالمبتدأ كان يرتفع الخبر فلما زال العامل بطل أن يكون هذا معمولًا فيه, ومع ذلك أنا وجدنا كلما عمل في المبتدأ رفعًا أو نصبًا علم في خبره, ألا ترى إلى ظننت وأخواتها لما عملت في المبتدأ عملت في

стр. 258

خبره, وكذلك: كان وأخواتها, فكما جاز لك في المبتدأ والخبر, جاز مع "أن" لا فرق بينهما في ذلك, إلا أن الذي كان مبتدأ ينتصب بأن وأخواتها. ولا يجوز أن يقدم خبرها ولا اسمها عليها, ولا يجوز أيضًا أن تفصل بينهما وبين اسمها بخبرها إلا أن يكون ظرفًا لا يجوز أن تقول: إن منطلق زيدًا تريد: إن زيدًا منطلق١ ويجوز أن تقول: إن في الدار زيدًا وإن خلفك عمرًا, لأنهم اتسعوا في الظروف, وخصوها بذلك وإنما حسن تقديم الظرف إذا كان خبرًا, لأنَّ الظرفَ ليسَ مما تعملُ فيه "إنَّ" ولكثرتهِ في الاستعمال. وإذا/ ٢٥٩ اجتمع في هذه الحروف المعروفة والنكرة, فالاختيار أن يكون الاسم المعرفة والخبر النكرة, كما كان ذلك في المبتدأ لا فرق بينها في ذلك٢, واللام تدخل على خبر "إن" خاصة مؤكدة له ولا تدخل في خبر أخواتها, وإذا دخلت لم تغير الكلام عما كان عليه تقول: إنَّ زيدًا لقائم وإنَّ زيدًا لفيك راغب, وإنَّ عمرًا لطعامك آكل, وإن شئت قلت: إنَّ زيدًا فيك لراغب, وإنَّ عمرًا طعامك لآكل, ولكنه لا بدّ من أن يكون خبر "إنَّ "بعد اللام, لأنه كان موضعها أن تقع موقع "إن" لأنها للتأكيد ووصلة للقسم مثل إن فلما أزالتهما "إن" عن موضعها وهو المبتدأ أُدخلت على الخبر فما كان بعدها فهي داخلة عليه, فإن قدمت الخبر لم يجز أن تدخل اللام فيما بعده لا يصلح أن تقول: إنَّ زيدًا لفيك راغب ولا: إنَّ زيدًا أكل لطعامك وتدخل هذه/ ٢٦٠ اللام على الاسم إذا وقع موقع الخبر. تقول: إنَّ في الدار لزيدًا وإنَّ خلفك لعمرًا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ ٣.

стр. 259

واعلم: أنهم يقولون: إنه زيد منطلق, يريدون: أن الأمر زيد منطلق, وإنما أظهروا المضمر المجهول في "إن وظننت" خاصة, ولم يظهروا في "كان" لأن المرفوع ينستر في الفعل والمنصوب يظهر ضميره فمن قال: كان زيد منطلق قال: إنه زيد منطلق وإنه أمة الله ذاهبة وإنه قام عمرو والكوفيون يقولون: إنه قام عمرو هذه الهاء عماد ويسمونها المجهول١. ويجوز أن تحذف الهاء وأنت تريدها فتقول: إنَّ زيدًا منطلق تريد: إنه وإن حذفت الهاء فقبيح أن يلي إن فعل يقبح أن تقول: إن قام زيد وإن يقوم عمرو٢ تريد: إنه فإن فصلت بينها وبين الفعل بظرف جاز ذلك/ ٢٦١ فقلت: إن خلفك قام زيد ويقوم عمرو وإن اليوم خرج أخوك ويخرج عمرو وقال الفراء: اسم إن في المعنى وقال الكسائي: هي معلقة وأصحابنا٣ يجيزون: إن قائمًا زيد وإن قائمًا الزيدان وإن قائمًا الزيدون ينصبون "قائمًا" بإنَّ ويرفعون "زيدًا" بقائم على أنه فاعل. ويقولون: الفاعل سد مسد الخبر كما أن "قائمًا" قام مقام الاسم. وتدخل "ما" زائدة على "إن" على ضربين: فمرة تكون ملغاة دخولها كخروجها لا تغير إعرابًا تقول: إنما زيدًا منطلق وتدخل على "إن" كافة للعمل فتبنى معها بناء فيبطل شبهها بالفعل فتقول: إنما زيد منطلق "فإنما": ههنا بمنزلة "فعل" ملغى مثل: أشهد لزيد خير منك.

стр. 260

قال سيبويه: وأما ليتما زيدًا منطلق, فإن الإِلغاء فيه حسن, وقد كان رؤبة ينشد هذا البيت رفعًا١: قَالَتْ ألا لَيْتَمَا هَذا الحَمَامَ لَنَا ... إلى حَمَامَتِينَا وَنِصفه فَقَدِ٢ قال وأما لعلَّما فهو بمنزلة كأنما, قال ابن كراع: تَحَلَّلْ وعَالِجْ ذَاتَ نَفْسِكَ وانظُرَنْ ... أبا جُعَلٍ لعلَّما أنْتَ حَالِمُ٣ قال الخليل: إنما لا تعمل في ما بعدها كما أن "أرى" إذا كانت لغوًا لم تعمل, ونظير "إنما" قول المرار:

стр. 261

أَعَلاقَةً أمَّ الوَلِيدِ بَعْدَمَا ... أفْنَانُ رأسِكِ كالثَّغَامِ المُخْلِسِ١. جعل "بعد" مع "ما" بمنزلة حرف واحد وابتدأ ما بعده, والفرق بين إن وإنما في المعنى أن إنما تجيء لتحقير الخبر, قال سيبويه تقول: إنما سرت حتى أدخلها, إذا كنت محتقرًا لسيرك إلى الدخول٢. و"أن" المفتوحة الألف عملها كعمل "إن" المكسورة الألف, إلا أن الموضع الذي تقع فيه المكسورة خلاف الموضع الذي تقع فيه المفتوحة, ونحن نفرد بابًا لذكر الفتح والكسر يلي هذا الباب إن شاء الله, "وأن" المفتوحة مع ما/ ٢٦٣ بعدها بمنزلة المصدر, تقول: قد علمت أن زيدًا منطلق, فهو بمنزلة قولك: علمت انطلاق زيد, وعرفت أن زيدًا قائم, كقولك: عرفت قيام زيد.

стр. 262

واعلم: أنَّ "إن وأن" تخففان, فإذا خففتا فلك أن تعملهما, ولك أن لا تعملهما أما من لم يعملهما, فالحجة له: أنه إنما أعمل لما أشبهت الفعل بأنها على ثلاثة أحرف وأنها مفتوحة. فلما خففت زال الوزن والشبه. والحجة لمن أعمل أن يقول: هما بمنزلة الفعل. فإذا خففتا كانتا بمنزلة فعل محذوف. فالفعل يعمل محذوفًا عمله تامًا وذلك قولك: لم يك زيد منطلقًا فعمل عمله والنون فيه والأقيس في "أن": أن يرفع ما بعدها إذا خففت وكان الخليل يقرأ: "إِنْ هَذَا لَسَاحِرَانِ"١ فيؤدي خط المصحف٢, ولا بدّ من إدخال اللام على الخبر إذا خففت إن المكسورة تقول: إنِ الزيدان لمنطلقان, وإنْ هذا لمنطلقان/ ٢٦٤ كيلا يلتبس "بإن" التي تكون نفيًا في قولك: إن زيد قائم, تريد: ما زيد بقائم وإذا نصب الاسم بعدها لم يحتج إلى اللام, لأن النصب دليل, فكان سيبويه لا يرى في "إن" إذا كانت بمعنى "ما" إلا رفع الخبر٣ لأنها حرف نفي دخل على ابتداء وخبر, كما تدخل ألف

стр. 263

الاستفهام, ولا تغير الكلام وذلك مذهب بني تميم. قال أبو العباس وغيره: نجيز نصب الخبر على التشبيه بـ"ليس" كما فعل ذلك في ما١. قال أبو بكر: وهذا هو القول, لأنه لا فصل بينهما وبين "ما" في المعنى٢. قال أبو علي الفارسي٣: القول غير هذا, ولـ"إنْ" المخففة أربعة مواضع: "إن" التي تكون في الجزاء نحو: إن تأتني آتك. والثاني: أن تكون في معنى "ما" نفيًا تقول: إن زيد منطلق, تريد: ما زيد منطلق. والثالث: أن تدخل زائدة مع "ما" فتردها إلى/ ٢٦٥ الابتداء, كما تدخل "ما" على إن الثقيلة فتمنعها عملها وذلك قولك: ما إن يقوم زيد, وما إن زيد منطلق, ولا يكون الخبر إلا مرفوعًا, قال الشاعر فروة بن مسيك: ومَا إنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلكِنْ ... مَنَايَانَا ودَوْلهٌ آخِرينَا٤

стр. 264

الرابع: أن تكون مخففة من الثقيلة, فإذا رفعت ما بعدها لزمك أن تدخل اللام على الخبر, ولم يجز غير ذلك لما خبرتك به, وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ١ وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا يَقُولُون﴾ ٢, وإن نصبت بها لم تحتج إلى اللام, إلا أن تدخلها توكيدًا كما تدخلها في "إن" الثقيلة, لأن اللبس قد زال. وأما "أن المخففة" من المفتوحة الألف إذا خففتها من أن المشددة فالاختيار أن ترفع ما بعدها على أن تضمر فيها الهاء, لأن المفتوحة وما بعدها مصدر فلا معنى لها في الابتداء, والمكسورة إنما دخلت على الابتداء/ ٢٦٦ وخبره. وأن الخفيفة تكون في الكلام على أربعة أوجه: فوجه: أن تكون هي والفعل الذي تنصبه مصدرًا نحو قولك: أريد أن تقوم, أي: أريد قيامك. والثاني: أن تكون في معنى "أي" التي تقع للعبارة والتفسير وذلك قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٣. ومثله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ٤. والثالث: أن تكون فيه زائدة مؤكدة وذلك قولك: لما أن جاء زيد

стр. 265

قمت: والله أن لو فعلت لأكرمتك, قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ ١. والرابع: أن تكون مخففة من الثقيلة وذلك قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. ولو نصبت بها وهي مخففة لجاز. قال سيبويه: لا تخففها أبدًا في الكلام وبعدها الأسماء إلا وأَنتَ تريد الثقيلة تضمر فيها الاسم -يعني الهاء- قال: ولو لم يريدوا ذلك لنصبوا كما ينصبون إذ اضطروا في الشعر٣ / ٢٦٧ يريدون معنى "كأن" ولم يريدوا الإِضمار وذلك قوله: كأنَّ وَرِيْدَيهِ رِشَاءُ خُلْبِ٤ قال: وهذه الكاف إنما هي مضافة إلى "إن" فلما اضطر إلى التخفيف ولم يضمر لم يغير ذلك التخفيف أن ينصب بها كما أنك قد تحذف من الفعل

стр. 266

فلا يتغير عن عمله نحو: لم يكن صالحًا, ولم يك صالحًا, ومثل ذلك -يعني الأول- قول الأعشى: في فتيةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أنْ هالكٌ كلُّ منْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ١. كأنه قال: إنه هالك وإن شئت رفعت في قول الشاعر: كأن وريداه رشاء خلب٢. واعلم: أنه قبيح أن يلي "إن" المخففة الفعل إذا حذفت الهاء وأنت تريدها, كأنهم كرهوا أن يجمعوا على الحرف الحذف وأن يليه ما لم يكن يليه وهو مثقل, قبيح أن تقول: قد عرفت أن يقوم زيد: حتى تفصل بين أن والفعل/ ٢٦٨ بشيء يكون عوضًا من الاسم نحو: لا, وقد, والسين,

стр. 267

تقول: قد عرفت أن لا يقوم زيد, وأن سيقوم زيد وأن قد قام زيد كأنه قال: عرفت أنه لا يقوم زيد وأنه سيقوم زيد وأنه قد قام زيد ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ١, وقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ٢.. وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيرًا فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء ولا يصلون إلى "قد" هنا ولا إلى "السين" لو قلت: أما أن يغفر الله لك. لجاز لأنه دعاء ولا تصل هنا إلى السين ومع هذا كثر في كلامهم حتى حذفوا فيه: أنه وإنه لا يحذف في غير هذا الموضع. وسمعناهم يقولون٣: أما أن جزاك الله خيرًا شبهوه "بأنه" أضمروا فيها كما أضمروا في "أن" فلما جازت "أن" كانت هذه أجوز. واعلم: أنك إذا عطفت اسمًا على/ ٢٩٦ أن وما عملت فيه من اسم وخبر فلك أن تنصبه على الإِشراك بينه وبين ما عملت فيه أن ولك أن ترفع, تحمله على الابتداء, يعني -موضع أن- فتقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا وعمرو, لأن معنى: إن زيدًا منطلق, زيد منطلق, قال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٤. ولك أن تحمله على الاسم المضمر في "منطلق" وذلك ضعيف إلا أن تأتي "بهو" توكيدًا للمضمر فتقول: إن زيدًا منطلق هو وعمرو, وإن شئت حملت الكلام على الأول فقلت: إن زيدًا منطلق وعمرًا ظريف. ولعل وكأن وليت: ثلاثتهن يجوز فيهن جميع ما جاز في إن إلا أنه لا

стр. 268

يرفع بعدهن شيء على الابتداء, وقال سيبويه: ومن ثم اختار الناس: ليت زيدًا منطلق وعمرًا, وضعف عندهم أن يحملوا عمرًا على المضمر حتى يقولوا "هو", ولم تكن ليت واجبة ولا لعل١ / ٢٧٠ ولا كأن فقبح عندهم أن يدخلوا الكلام الواجب في موضع التمني فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس في معناه٢, يعني أنك لو قلت: ليت زيدًا منطلق وعمرو, فرفعت عمرا كما ترفعه إذا قلت إن زيدا منطلق وعمرو فعطف عمرا على الموضع لم يصلح من أجل أن ليت وكأن ولعل لها معان غير معنى الابتداء وإن: إنما تؤكد الخبر والمعنى معنى الابتداء والخبر, ولم تزل الحديث عن وجوبه وما كان عليه. وإذا كان خبر إن فعلًا ماضيًا لم يجز أن تدخل عليه اللام التي تدخل على خبرها إذا كان اسمًا تقول: إنّ عمرًا لقائم وإنّ بكرًا لأخوك, ولا يجوز أن تقيم "قام" مقام "قائم" فتقول: إن زيدًا لقامَ, وأنت تريد هذه اللام, لأن هذه اللام لام الابتداء. تقول: والله لزيد في الدار, ولعمرو أخوك فإذا دخلت إن أزيلت إلى الخبر والدليل على ذلك قولهم: قد علمت إنّ زيدًا لمنطلق, فلولا/ ٢٧١ اللام لانفتحت أن, وإنما انكسرت, لأن اللام مقدرة بين علمت وإن, ألا ترى أنك تقول: قد علمت لزيد منطلق أقحمت اللام بين الفعل والابتداء, لأنها لام الابتداء فلما أدخلت "أن", وهي تدخل على المبتدأ وخبره تأكيدًا كدخول اللام للتأكيد لم يجمعوا بين تأكدين, وأزالوها إلى الخبر, فإن كان الخبر اسمًا كالمبتدأ أو مضارعًا للاسم دخلت عليه, وإن لم يكن كذلك لم تدخل عليه, قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُم﴾ ٣, أي: لحاكم, فإن قال

стр. 269

قائل: أراني أقول: لأقومن, ولتنطلقن, فأبدأ باللام وأدخلها على الفعل؟ قيل له: ليست هذه اللام تلك اللام, هذه تلحقها النون وتلزمها وليست الأسماء داخلة في هذا الضرب فإذا سمعت: والله لقامَ زيد, فهذه اللام هي التي إذا دخلت على المستقبل كان معها النون كما قال امرؤ القيس: حَلَفْتُ لَهَا بالله حلفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إن مِنْ حَديثٍ ولا صَالي١ قال/ ٢٧٢: ويقال: إنه أراد: لقد ناموا, فلما جاء "بقد" قربت الفعل من الحاضر, فهذه اللام التي تكون معها النون غير مقدر فيها الابتداء. تقول: قد علمت أن زيدًا ليقومن, وأن زيدًا لقائم, فلا تكسر أن كما تكسرها في قولك: أشهد إن محمدًا لرسول الله. واعلم إن بكرًا ليعلم ذلك, قال سيبويه: إن هذه اللام دخلت على جهة الشذوذ٢. قال سيبويه: وقد يستقيم في الكلام: إن زيدًا ليضرب وليذهب٣, ولم يقع "ضرب" والأكثر على ألسنتهم كما خبرتك في اليمين, ولا يجوز أن تدخل "إنَّ" على "أنَّ"٤, كما لا يدخل تأنيث على تأنيث, ولا استفهام على

стр. 270

استفهام, فحرف التأكيد كذلك لا يجوز أن يدخل حرف تأكيد على حرف مثله, لا يجوز أن تقول: إن إنكَ منطلق يسرني/ ٢٧٣ تريد: إن انطلاقَك يسرني. فإن فصلتَ بينها فقلت: إن عندي أنك منطلق جاز. قال الله : ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ١, فإنَّ هي التي فتحت أن وموضع أن في قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ , وما علمت فيه نصب بأن الأولى كما تقول: إن في الدار لزيدًا, فحسن إذا فرقت بين التأكيدين. ومن قرأ: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ , وجعلهُ مستأنفًا, كقولكَ: إن في الدارِ زيدًا وعمرو منطلق, لأن الكلام إذا تم فلك أن تستأنف ما بعده, فإن قال قائل: من أين قلت في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُم﴾ ٢ أن الفعل المضارع وقع موقع "حاكم", ولم تقل إن الموضع للفعل وإنما وقع الاسم موقعه بمضارعته له؟ قيل له: لو كان حق اللام أن تدخل على الفعل وما ضارع الفعل لكان دخولها على الماضي/ ٢٧٤ أولى, لأنه فعل كما أن المضارع فعل. ومع ذلك إنها قد تدخل على الاسم

стр. 271

الذي لا يضارع الفعل, نحو قولك: إن الله لربنا, وإن زيدًا لأخوك, فليس هنا فعل ولا مضارع لفعل. ولا يجوز أن تُدخل هذه اللام على حرف الجزاء, لا تقول: إن زيدًا, لأن أتاني أكرمته, ولا ما أشبه ذلك. ولا تدخل على النفي, ولا على الحال, ولا على الصفة, ولا على التوكيد, ولا على الفعل الماضي كما قلنا, إلا أن يكون معه "قد". ولكنَّ الثقيلة التي تعمل عمل "إن" يستدرك بها بعد النفي وبعد الإِيجاب, يعني إذا كان بعدها جملة تامة كالذي قبلها نحو قولك: ما جاءني زيدٌ لكن عمرًا قد جاء, وتكلم عمرو لكن بكرًا لم يتكلم. ولكن الخفيفة إذا ابتدأت ما بعدها وقعت أيضًا بعد الإِيجاب والنفي للاستدراك. فأما إذا كانت "لكن" عاطفة اسمًا مفردًا على اسم/ ٢٧٥ لم يجز أن تقع إلا بعد نفي, لا يجوز أن تقول: جاءني زيد لكن عمرو, وأنت تريد عطف عمرو على زيد١.

стр. 272

مسائل من هذا الباب: تقول: إن عبد الله الظريف منطلق, فإن لم تذكر "منطلق" وجعلت الظريف خبرًا رفعته فقلت: إن عبد الله الظريف١, كما كنت تقول: كان زيدٌ الظريف ذاهبًا, وإذا لم تجئ بالذاهب قلت: كان زيدٌ الظريف وتقول: إن فيها زيدًا قائمًا إذا جعلت "فيها" الخبر ونصبت "قائمًا"على الحال. فإن جعلت "قائمًا" الخبر والظرف "فيها" رفعت فقلت: إن فيها زيدًا قائم, وكذلك إن زيدًا فيها قائمٌ وقائمًا, تقول: إن بك زيدًا مأخوذ, وإن لك زيدًا, واقف لا يجوز إلا الرفع؛ لأن "بك ولكل" لا يكونان خبرًا لزيد٢, فلو قلت: إن زيدًا بكَ وإن زيدًا لك, لم يكن كلامًا تاما وأنت

стр. 273

تريد هذه المعاني, فإن أردت بأن زيدًا لك/ ٢٧٦ أي: ملك لك, وما أشبه ذلك, جاز, ومثل ذلك: إن فيك زيدًا لراغب, ولو قلت: إن فيك زيدًا راغبًا لم يصلح, وإنما تنصب الحال بعد تمام الكلام, وتقول: إن اليوم زيدًا منطلق, لا يجوز إلا الرفع, لأن "اليوم" لا يكون خبرًا لزيد, وتقول: إن اليوم فيك زيد ذاهب فتنصب "اليوم" بإن؛ لأنه ليس هنا بظرف إذ صار في الكلام ما يعود إليه. وتقو ل: إن زيدًا لفيها قائمًا. وإن شئت ألغيت "لفيها" فقلت: إن زيدًا لفيها قائم واللام تدخل على الظرف خبرًا كان أو ملغى, مقدمًا على الخبر خاصة ويدلك على ذلك قول الشاعر وهو أبو زبيد: إن أمرًا خصني عمدًا مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور١ وإذا قلت: إن زيدًا فيها لقائم, فليس "فيها" إلا الرفع؛ لأن اللام لا بُدَّ من/ ٢٧٧ أن يكون خبر إن بعدها على كل حال, وكذلك: إن فيها زيدًا لقائم, وروى الخليل: أن ناسًا يقولون: إن بك زيد مأخوذ, فقال: هذا علي: إنه بك زيد مأخوذ, وشبهه بما يجوز في الشعر نحو قول ابن صريم اليشكري: وَيْوَمًا تُوافِينَا بِوَجْهٍ مقسَّم ... كَأَنْ طَبْيةٌ تَعْطُو إلى وَارِقِ السلمِ ٢

стр. 274

وقال آخر: وَوَجْه مُشْرِقِ النَّحْرِ ... كأنْ ثَدْياهُ حُقَّانِ١ لأنه لا يحسن ههنا إلا الإِضمار.

стр. 275

وزعم الخليل: أن هذا يشبه قول الفرزدق: فَلَوْ كُنْتٌ ضَبِّيًا عَرَفْت قَرَابتي ... وَلَكِنَّ زِنجيٌ عَظِيمُ المشافِرِ١ قال سيبويه: والنصب أكثر في كلام العرب, كأنه قال: ولكن زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي. ولكنه أضمر هذا. قال: والنصب أجود, لأنه لو أراد الإِضمار لخفف ولجعل المضمر مبتدأ كقولك: ما أنت صالحًا ولكن طالح: وتقول: إن مالًا وإن ولدًا, وإن عددًا أي: إن لهم٢ / ٢٧٨ مالًا, والذي أضمرت "لهم" وقال الأعشى: إنَّ محلًا وإنَّ مرتحلًا ... وإنَّ في السفر إذ مَضَوْا مَهَلًا٣

стр. 276

وتقول: إن غيرها إبلا وشاء, كأنه قال: إن لنا غيرها إبلا وشاء, وإن عندنا غيرها إبلا وشاء, فالذي يضمر هذا النحو وما أشبهه, ونصبت إبلا وشاء على التمييز, والتبيين, كانتصاب الفارس إذا قلت: ما مثله من الناس فارسًا, ومثل ذلك قول الشاعر: يا لَيْتَ أياَّمَ الصِّبَا رواجِعَا١ كأنه قال: يا ليت أيام الصبا لنا رواجعا أو أقبلت رواجعًا. وقال الكسائي: أضمر "كانت"٢ وتقول: إن قريبًا منك زيدًا إذا جعلت "قريبًا" ظرفًا, وإن جعلته اسمًا قلت: إن قريبًا منك زيد, فيكون الأول هو

стр. 277

الآخر. وإذا كان ظرفًا كان غيره. وتقول: إن بعيدًا منك زيد, والوجه: أن تجعل المعرفة اسم إن١ فتقول: إن زيدًا بعيد منك. قال سيبويه: وإن شئت/ ٢٧٩ قلت: إن بعيدًا منك زيدًا, وقلما٢ يكون بعيد منك ظرفًا. وإنما قل هذا لأنك لا تقول إن بعدك زيدًا, وتقول إن قربك زيدًا٣, فالدنو أشد تمكنا من الظروف من البعد, لأن حق الظرف أن يكون محيطًا بالجسم من أقطاره. وزعم يونس: أن العرب تقول: إن بدلك زيدًا, أي: إن مكانك زيدًا٤, وإن جعلت البدل بمنزلة البديل, قلت: إن بدلك زيد, أي: إن بديلك٥ زيد, وتقول: إن ألفًا في دراهمك بيض, إذا جعلت: "بيضًا" خبرًا فإن وصفت بها "ألفًا" قلت: إن ألفًا في دراهمك بيضًا, يجوز لك أن تفصل بين الصفة والموصوف وتقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا ظريف فتعطف عمرًا على "إن" ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ ٦. وقد رفعه قوم ولم يجعلوا/ ٢٨٠ الواو عاطفة على تأويل "إذ"٧ كقولك: لو ضربت عبد الله وزيد قائم

стр. 278

ما ضرك, أي: لو ضربت عبد الله وزيد في هذه الحال, فكأنه قال: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر هذا أمره ما نَفَدِتْ كلمات الله وتقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا فتعطف على زيد وتستغني بخبر الأول, إذ كان الثاني في مثل حاله, قال رؤبة: إنَّ الرَّبيعَ الجود والخريفا ... يدا أبي العباس والصيوفا١ أراد: وإن الصيوف يدا أبي العباس فاكتفى بخبر الأول. ولك أن ترفع على الموضع, لأن موضع إن الابتداء فتقول: إن زيدا منطلق وعمرو, لأن الموضع للابتداء, وإنما دخلت إن مؤكدة للكلام. وتقول: إن قومك فيها أجمعون. وإن قومك فيها كلهم ففي "فيها" اسم مضمر مرفوع كالذي يكون في الفعل/ ٢٨١ إذا قلت: إن قومك ينطلقون أجمعون, فإذا قلت: إن زيدًا فيها, وإن زيدًا يقول ذلك, ثم قلت: نفسه. فالنصب أحسن. فإذا أردت حمله على المضمر قلت: إن زيدًا يقول ذاك هو نفسه, فإذا قلت: إن زيدا منطلق لا عمرو, فتفسيره كتفسيره مع الواو في النصب والرفع وذلك قولك: إن زيدًا منطلق لا عمرًا, وإن زيدًا منطلق لا عمرو, ولكن بمنزلة إن وتقول: إن زيدا فيها لا بل عمرو, وإن شئت نصبت و"لا بل" تجري مجرى الواو ولا تقول: إن زيدًا منطلق العاقل اللبيب, إذا جعلته صفة لزيد, ويجوز أن تقول: إن زيدًا منطلق العاقل اللبيب فترفع.

стр. 279

قال سيبويه: والرفع على وجهين: على الاسم المضمر في "منطلق" كأنه بدل منه, كقولك: مررت به زيد -يعني أنه يجعله بدلًا من المضمر في منطلق. قال: وإن شاء رفعه على معنى: مررت به زيد, إذا كان جواب١ / ٢٨٢ من هو فتقول: زيد كأنه قيل له: من هو؟ فقال: العاقل اللبيب, وقد قرأ الناس هذه الآية على وجهين: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٢, وعلامَ الغيوب. وتقول: إن هذا أخاك منطلق, فتنصب أخاك على ضربين من التقدير: على عطف البيان وهو كالصفة, وعلى البدل, فمن قال هذا قال: إن الذي رأيت أخاك ذاهب, ولا يكون الأخ صفة "الذي", لأن أخاك أخص من الذي. فلا يكون صفة وإنما حق الصفة أن تكون أعم من الموصوف. قال الخليل: إن من أفضلهم كان زيدًا, على إلغاء "كان"٣. قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤ و ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ ٥, فزعم: أنها وي مفصولة من "كأن" والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا والله أعلم. قال: وأما المفسرون فقالوا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ٦, وقال/ ٢٨٣ زيد بن عمرو بن نفيل.

стр. 280

سألتاني الطَّلاق إذْ رأتَاني ... قَلَّ مالي قَدْ جِئْتُماني بنكر ويَ كأنْ مَنْ يَكُنْ لَه نَشَبٌ يُحبَـ ... ـبْ ومَنْ يفتقرْ يَعشْ عيَشَ ضُرِّ١ قال٢ وناس من العرب, يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون, وإنكَ وزيد ذاهبان وذلك: أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال هم كما قال زهير: بَدَا لي أنِّي لَسْتُ مُدْرِكٌ ما مَضَى ... ولا سَابِقٍ شيئًا إذَا كَانَ جَائِيا٣

стр. 281

فأضمر الباء وأعلمها, وأما قولهم: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ١ فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ فقال: والصابئون بعد ما مضى الخبر, قال الشاعر: وإلاَّ فاعْلَمُوا أنَا وأَنْتُم ... بُغَاة ما بَقيْنَا في شِقَاقِ٢ كأنه قال: فاعلموا أنا بغاة ما بقينا وأنتم كذلك. وتقول: إن القائم أبوه منطلقة جاريته, نصبت القائم بإن, ورفعت الأب بفعله وهو القيام ورفعت "منطلقةً", لأنه خبر إن, ورفعت الجارية بالانطلاق, لأنه فعلها. ويجوز أن/ ٢٨٤ تكون الجارية مرفوعة بالابتداء, وخبرها: "منطلقة" والجملة خبر "إن" فيكون التقدير: إن القائم أبوه جاريته منطلقة, إلا أنك قدمت وأخرت ويقول: إن القائم وأخوه قاعد, فترفع الأخ بعطفك إياه على المضمر في "قائم" والوجه إذا أردت أن تعطفه على المضمر المرفوع أن تؤكد ذلك المضمر, فتقول: إن القائم هو وأخوه قاعدٌ. وإنما قلت: "قاعد" لأن الأخ لم يدخل في "إن" وإنما دخل في صلة القائم فصار بمنزلة قولك: إن الذي قام مع أخيه قاعدٌ, ونظير ذلك أن المتروك هو وأخوه مريضين

стр. 282

صحيح, ولو أردت أن تدخل الأخ في "إن" لقلت: إن المتروك مريضًا وأخاه صحيحان, وتقول: إن زيدا كان منطلقًا, نصبت زيدًا "بإن" وجعلت ضميره في "كان". وكان وما عملت فيه في موضع خبر "إن" وإن شئت رفعت "منطلقًا" على وجهين: أحدهما: أن تلغي "كان"/ ٢٨٥ وقد مضى ذكر ذلك. والوجه الثاني: أن تضمر المفعول به في "كان", وهو قبيح, وتجعل منطلقًا اسم "كان" فكأنك قلت: إن زيدًا كأنه منطلق. وقبحه من وجهين: أحدهما: حذف الهاء, وهو كقولك: إن زيدًا ضرب عمرو, تريد: ضربه, والوجه الآخر: أنك جعلت منطلقًا هو الاسم "لكان" وهو نكرة وجعلت الخبر الضمير وهو معرفة فلو كان: إن زيدًا كان أخوك, تريد: كأنه أخوك, كان أسهل وهو مع ذلك قبيح لحذف الهاء وتقول: إن أفضلهم الضارب أخًا له -كان صالحًا- فقولك: كان "صالحًا" صفة لقولك: "أخا له", لأن النكرات توصف بالجمل, ولا يجوز أن تقول: إن أفضلهم الضارب أخاه كان صالحًا, فتجعل: "كان صالحًا" صفة لأخيه, وهو معرفة، فإن قال قائل: فإنها نكرة مثلها فأجز ذلك على أن تجعله حالًا فذاك قبيحٌ والأخفش يجيزه على قبحه/ ٢٨٦ وقد تأولوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ١ وتأويل ذلك عند

стр. 283

أبي العباس: على الدعاء وأنه من الله تعالى إيجاب عليهم. وقال: القراءة الصحيحة التي جل أهل العلم عليها إنما هي: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾ ١. وقال الأخفش: أقول: إن في الدار جالسًا أخواك, فانصب "جالسًا" "بإن" وارفع "الأخوين" بفعلهما واستغنِ بهما عن خبر "إن" كما أقول: أذاهب أخواكَ فارفع "أذاهب" بالابتداء, وأخواك بفعلهما واستغنِ عن خبر الابتداء, لأن خبر الابتداء إنما جيء به ليتم به الكلام. قال: وكذلك تقول: إن بك واثقًا أخواك, وإن شئت "واثقين أخواك" فجعلت "واثقين" اسم "إن", ولا يجوز: أن بك واثقين أخويك فتنصب "واثقين" على الحال, لأن الحال لا يجوز في هذا, لأنك لا تقول: إن بك أخويك, وتسكت. وتقول: إن فيها قائمًا أخواك, وإن شئت/ ٢٨٧ قائمين أخويك, فتنصب أخويك "بأن" وقائمين على الحال, وفيها خبر "إن" وهو خبر مقدم, وإذا ولي "قائم" إن, ولم يكن بينهما ظرف لم يجز توحيده عند الكوفيين, وصار اسمًا لا يفصل بينه وبين عمله بخبر إن وذلك قولك: إن قائمين الزيدان, وإن قائمين الزيدون.

стр. 284

وأجاز الفراء: إن قائمًا الزيدان وإن قائمًا الزيدون, على معنى إن من قام الزيدان. وإن من قام الزيدون. وأجاز البصريون إن قائمًا الزيدان والزيدون على ما تقدم ذكره, ولا يجيز الكوفيون. إن آكلًا زيد طعامك, إذا كان المنصوب بعد زيد, وهذا جائز عند البصريين, فإن قلت: إن آكلًا طعامك زيدٌ, كانت المسألة جائزة في كل قول, وكذلك كل منصوب, من مصدر أو وقت أو حال أو ظرف, فإن قلت/ ٢٨٨: خلفك آكلًا زيد, استوى القولان في تأخير الطعام بعد زيد فقلت: إن خلفك آكلًا زيد طعامك, ولك أن تؤخر "آكلًا", والظروف من الزمان في ذا كالظروف من المكان. والفراء١ يجيز: إن هذا وزيد قائمان, وإن الذي عندك وزيد قائمان, وإنك وزيد قائمان, إذا كان اسم "إن" لا يتبين فيه الإِعراب نحو هذا وما ذكرناه في هذه المسائل, وعلى ذلك ينشدون هذا البيت٢:

стр. 285

ومَنْ يَكُ أَمْسَى بالمَدينة رَحلُه ... فَإنِّي وَقَيَّارٌ بَهَا لَغَريبُ فيرفع "قيارًا" وينصب وكذلك لو قال: الغريبان, فإفراد الفعل وتثنيته في هذا عندهم سواء. والكسائي يجيز الرفع في الاسم الثاني مع الظاهر والمكنى, فإن نعت اسم إن أو أكدته أو أبدلت منه, فالنصب عندنا لا يجوز غيره, وإنما الرفع جاء عندنا على الغلط١. وقد قال الفراء: يجوز أن تقول: إنهم أجمعون قومك على/ ٢٨٩ الغلط لما كان معناه: هم أجمعون قومك, وإنه نفسه يقوم, يجوز أن ترفع توكيد ما لا يتبين فيه الإِعراب, وهو وأصحابه كثيرًا ما يقيسون على الأشياء الشاذة. وقال قوم: إن الاختيار مع الواو التثنية في قولك: إن زيدًا وعمرًا قائمان, ويجوز: قائم مع ثم والفاء التوحيد, ويجوز التثنية, يجوز: إن زيدًا ثم عمرًا قائم, وقائمان. وإن زيدًا فعمرًا قائم وقائمان. ومع "أو" "ولا" التوحيد, لا غير, لأن الخبر عن أحدهما خاصة دون الآخر. واعلم: أن الهاء التي تسمى المجهولة في قولك: إنه قام بكر, وفي كل موضع تستعمل فيه, فهي موحدة لا ينسق عليها, ولا تكون منها حال منصوبة ولا توكيد, ولا تؤنث ولا تثنى, ولا تجمع, ولا تذكر, وما بعدها مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل. وقوم يقولون: إنها إذا كانت مع مؤنث أنثت,
следующие страницы →