فأضمر الباء وأعلمها, وأما قولهم: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ١ فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ فقال: والصابئون بعد ما مضى الخبر, قال الشاعر:
وإلاَّ فاعْلَمُوا أنَا وأَنْتُم ... بُغَاة ما بَقيْنَا في شِقَاقِ٢
كأنه قال: فاعلموا أنا بغاة ما بقينا وأنتم كذلك. وتقول: إن القائم أبوه منطلقة جاريته, نصبت القائم بإن, ورفعت الأب بفعله وهو القيام ورفعت "منطلقةً", لأنه خبر إن, ورفعت الجارية بالانطلاق, لأنه فعلها. ويجوز أن/ ٢٨٤ تكون الجارية مرفوعة بالابتداء, وخبرها: "منطلقة" والجملة خبر "إن" فيكون التقدير: إن القائم أبوه جاريته منطلقة, إلا أنك قدمت وأخرت ويقول: إن القائم وأخوه قاعد, فترفع الأخ بعطفك إياه على المضمر في "قائم" والوجه إذا أردت أن تعطفه على المضمر المرفوع أن تؤكد ذلك المضمر, فتقول: إن القائم هو وأخوه قاعدٌ. وإنما قلت: "قاعد" لأن الأخ لم يدخل في "إن" وإنما دخل في صلة القائم فصار بمنزلة قولك: إن الذي قام مع أخيه قاعدٌ, ونظير ذلك أن المتروك هو وأخوه مريضين
стр. 282
صحيح, ولو أردت أن تدخل الأخ في "إن" لقلت: إن المتروك مريضًا وأخاه صحيحان, وتقول: إن زيدا كان منطلقًا, نصبت زيدًا "بإن" وجعلت ضميره في "كان". وكان وما عملت فيه في موضع خبر "إن" وإن شئت رفعت "منطلقًا" على وجهين:
أحدهما: أن تلغي "كان"/ ٢٨٥ وقد مضى ذكر ذلك.
والوجه الثاني: أن تضمر المفعول به في "كان", وهو قبيح, وتجعل منطلقًا اسم "كان" فكأنك قلت: إن زيدًا كأنه منطلق.
وقبحه من وجهين: أحدهما: حذف الهاء, وهو كقولك: إن زيدًا ضرب عمرو, تريد: ضربه, والوجه الآخر: أنك جعلت منطلقًا هو الاسم "لكان" وهو نكرة وجعلت الخبر الضمير وهو معرفة فلو كان: إن زيدًا كان أخوك, تريد: كأنه أخوك, كان أسهل وهو مع ذلك قبيح لحذف الهاء وتقول: إن أفضلهم الضارب أخًا له -كان صالحًا- فقولك: كان "صالحًا" صفة لقولك: "أخا له", لأن النكرات توصف بالجمل, ولا يجوز أن تقول: إن أفضلهم الضارب أخاه كان صالحًا, فتجعل: "كان صالحًا" صفة لأخيه, وهو معرفة، فإن قال قائل: فإنها نكرة مثلها فأجز ذلك على أن تجعله حالًا فذاك قبيحٌ والأخفش يجيزه على قبحه/ ٢٨٦ وقد تأولوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ١ وتأويل ذلك عند
стр. 283
أبي العباس: على الدعاء وأنه من الله تعالى إيجاب عليهم. وقال: القراءة الصحيحة التي جل أهل العلم عليها إنما هي: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾ ١.
وقال الأخفش: أقول: إن في الدار جالسًا أخواك, فانصب "جالسًا" "بإن" وارفع "الأخوين" بفعلهما واستغنِ بهما عن خبر "إن" كما أقول: أذاهب أخواكَ فارفع "أذاهب" بالابتداء, وأخواك بفعلهما واستغنِ عن خبر الابتداء, لأن خبر الابتداء إنما جيء به ليتم به الكلام.
قال: وكذلك تقول: إن بك واثقًا أخواك, وإن شئت "واثقين أخواك" فجعلت "واثقين" اسم "إن", ولا يجوز: أن بك واثقين أخويك فتنصب "واثقين" على الحال, لأن الحال لا يجوز في هذا, لأنك لا تقول: إن بك أخويك, وتسكت. وتقول: إن فيها قائمًا أخواك, وإن شئت/ ٢٨٧ قائمين أخويك, فتنصب أخويك "بأن" وقائمين على الحال, وفيها خبر "إن" وهو خبر مقدم, وإذا ولي "قائم" إن, ولم يكن بينهما ظرف لم يجز توحيده عند الكوفيين, وصار اسمًا لا يفصل بينه وبين عمله بخبر إن وذلك قولك: إن قائمين الزيدان, وإن قائمين الزيدون.
стр. 284
وأجاز الفراء: إن قائمًا الزيدان وإن قائمًا الزيدون, على معنى إن من قام الزيدان. وإن من قام الزيدون.
وأجاز البصريون إن قائمًا الزيدان والزيدون على ما تقدم ذكره, ولا يجيز الكوفيون. إن آكلًا زيد طعامك, إذا كان المنصوب بعد زيد, وهذا جائز عند البصريين, فإن قلت: إن آكلًا طعامك زيدٌ, كانت المسألة جائزة في كل قول, وكذلك كل منصوب, من مصدر أو وقت أو حال أو ظرف, فإن قلت/ ٢٨٨: خلفك آكلًا زيد, استوى القولان في تأخير الطعام بعد زيد فقلت: إن خلفك آكلًا زيد طعامك, ولك أن تؤخر "آكلًا", والظروف من الزمان في ذا كالظروف من المكان.
والفراء١ يجيز: إن هذا وزيد قائمان, وإن الذي عندك وزيد قائمان, وإنك وزيد قائمان, إذا كان اسم "إن" لا يتبين فيه الإِعراب نحو هذا وما ذكرناه في هذه المسائل, وعلى ذلك ينشدون هذا البيت٢:
стр. 285
ومَنْ يَكُ أَمْسَى بالمَدينة رَحلُه ... فَإنِّي وَقَيَّارٌ بَهَا لَغَريبُ
فيرفع "قيارًا" وينصب وكذلك لو قال: الغريبان, فإفراد الفعل وتثنيته في هذا عندهم سواء.
والكسائي يجيز الرفع في الاسم الثاني مع الظاهر والمكنى, فإن نعت اسم إن أو أكدته أو أبدلت منه, فالنصب عندنا لا يجوز غيره, وإنما الرفع جاء عندنا على الغلط١.
وقد قال الفراء: يجوز أن تقول: إنهم أجمعون قومك على/ ٢٨٩ الغلط لما كان معناه: هم أجمعون قومك, وإنه نفسه يقوم, يجوز أن ترفع توكيد ما لا يتبين فيه الإِعراب, وهو وأصحابه كثيرًا ما يقيسون على الأشياء الشاذة.
وقال قوم: إن الاختيار مع الواو التثنية في قولك: إن زيدًا وعمرًا قائمان, ويجوز: قائم مع ثم والفاء التوحيد, ويجوز التثنية, يجوز: إن زيدًا ثم عمرًا قائم, وقائمان. وإن زيدًا فعمرًا قائم وقائمان. ومع "أو" "ولا" التوحيد, لا غير, لأن الخبر عن أحدهما خاصة دون الآخر.
واعلم: أن الهاء التي تسمى المجهولة في قولك: إنه قام بكر, وفي كل موضع تستعمل فيه, فهي موحدة لا ينسق عليها, ولا تكون منها حال منصوبة ولا توكيد, ولا تؤنث ولا تثنى, ولا تجمع, ولا تذكر, وما بعدها مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل. وقوم يقولون: إنها إذا كانت مع مؤنث أنثت,
стр. 286
وذكرت نحو قولك: إنه قائمة جاريتك/ ٣٩٠ وإنها قائمة جاريتك. وقالوا إذا قلت: إنه قائم جواريك, ذكرت لا غير, فإن جئت بما يصلح للمذكر والمؤنث أنثت وذكرت نحو قولك: إنه في الدار جاريتك, وإنها في الدار جاريتك.
وحُكي عن الفراء أنه قال: لا أُجيز: إنه قام؛ لأن هاء العماد إنما دخلت لشيئين, لاسم وخبر, وكان يجيز فيما لم يسم فاعله: إنه ضُرِب, وقال: لأن الضمة تدل على آخر.
والكسائي يجيز: إنه قام, قال: والبغداديون إذا وليت أن النكرات أضمروا والهاء ولم تضمر١ الهاء إلا صفة متقدمة, وإن جاءوا بعدها بأفعال -يعنون بالأفعال اسم الفاعل- أتبعوها إذا كانت نكرة ورفعوها إذا كانت معرفة كقولهم: إن رجلًا قائمًا, وإن رجلًا أخوك, وإذا أضمروا الخبر لم ينسقوا عليها بالمعرفة فلا يقولون: إن رجلًا وزيدًا, لأن خبر المعرفة لا يُضمر عندهم ويقولون: كل أداة ناصبة/ ٢٩١ أو جازمة لا تدخل عليها اللام مع "إن", فإن كانت الأداة لا تعمل شيئًا دخلت اللام عليها.
وقد أجاز الفراء حذف الخبر في: "إن الرجل" وإن المرأة, وإن الفأرة, وإن الذبابة, ولا يجيزه إلا بتكرير "إن"٢.
ويقولون: "ليت" تنصب الأسماء والأفعال, أي: الأخبار نحو: ليت زيدًا قائمًا, وقال الكسائي: أضمرت: "كان"٣.
стр. 287
وقالوا: "لعل" تكون بمعنى: "كي"١ وبمعنى: خليق وبمعنى: ظننت, وقالوا: والدليل على ظننت أن تجيء بالشيئين, والدليل على "عسى" أن تجيء بأن, وقالوا: "ليت" قد ذهب بها إلى "لو" وأولوها الفعل الماضي, وليتني أكثر من ليتي, ولعلي أكثر من لعلني, وإنني وإني سواءٌ.
وذكر سيبويه: لهنك لرجل صدق٢ قال: وهذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين وليس كل العرب تتكلم بها في "إن" ولكنهم/ ٢٩٢ أبدلوا الهاء مكان الألف كقولك: هرقت٣. ولحقت هذه اللام "إن" كما لحقت "ما" حين قلت: "إن زيدًا لما لينطلقن فلحقت" اللام في اليمين والثانية لام "إن" وفي: لما لينطلقن اللام الأولى: لام "لئن" والثانية: لام اليمين. والدليل على ذلك النون التي معها. وقال: قول العرب في الجواب إنه, فهو بمنزلة أجل٤ وإذا وصلت قلت: إنَّ يا فتى.
стр. 288
واعلم: أن "إنَّ وأخواتها" قد يجوز أن تفصل بينها وبين, أخبارها بما يدخل لتوكيد الشيء أو لرفعه؛ لأنه بمنزلة الصفة في الفائدة يوضح عن الشيء ويؤكده وذلك قولك: إن زيدًا فافهم ما أقول رجل صالح, وإن عمرًا والله ظالم, وإن زيدا هو المسكين مرجوم؛ لأن هذا في الرفع يجري مجرى/ ٢٩٣ المدح والذم في النصب وعلى ذلك يتأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ١, فأولئك هو الخبر.
ومذهب الكوفيين والبغداديين في "إن" التي تجاب باللام, يقولون: هي بمنزلة "ما" وإلا وقد قال الفراء: إنها بمنزلة "قد" وتدخل أبدًا على آخر الكلام نحو قولك: إن زيدًا لقائم, تريد: ما زيد إلا قائم, وقد قيل: إنه, يريد: قد قام زيد, وكذلك: إن ضرب زيد لعمرًا, وإن أكل زيد لطعامك وكان الكسائي يقول: هي مع الأسماء والصفات -يعني بالصفات والظروف- إن المثقلة خففت, ومع الأفعال بمعنى ما وإلا, وقال الفراء: كلام العرب أن يولوها الماضي قالوا: وقد حكى: إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه, وقد حُكي مع الأسماء وأنشدوا٢:
فقلت:
إن القوم الذي أَنَا مِنهم ... لأَهل مَقَامَات وشَاء وجامِلِ٣
стр. 289
وكل ما كان من صلة الثاني لم تدخل اللام عليه, وكل ما كان من صلة الأول أدخلت اللام عليه نحو قولك: إن ظننت زيدًا لفي الدار قائمًا, فإن كان في الدار من صلة الظن دخل عليها, وإن كان من صلة "قائم" دخلت اللام على "قائم" يعنون أن اللام إنما تدخل على ما هو في الأصل خبر المبتدأ, ألا ترى أنه لو خلا الكلام من "ظننت": كان زيد في الدار قائمًا, فزيد مبتدأ وفي الدار خبره وقائم حال, والعامل فيه "في الدار" فهو من صلة "في الدار" فاستقبحوا أن يدخلوا اللام على "قائم" لأنه من صلة الثاني, وهو الخبر, وقالوا: كل أخوات الظن وكان على هذا المذهب, وكذلك صلة الثاني في قولك: إن ضربت رجلًا لقائمًا, لا يدخلون/ ٢٩٥ عليها اللام, و"قائمًا" صلة رجل هذا خطأ عندهم, وعند غيرهم, ولا يجوز: إن زال زيد قائمًا, لأنه لا يجوز, زال زيدٌ قائمًا وتقول: إن كان زيدٌ لقائمًا.
стр. 290
باب كسر ألف إن وفتحها
مدخل
...
باب كسر ألف إن وفتحها ١:
ألف إن تكسر في كل موضع يصلح أن يقع فيه الفعل والابتداء جميعًا, وإن وقعت في موضع لا يصلح أن يقع فيه إلا أحدهما لم يجز لأنها إنما تشبه فعلًا داخلًا على جملة, وتلك الجملة مبتدأ وخبر, والجملة التي بعد "إنَّ" لا موضع لها من الإِعراب بعامل يعمل فيها من فعل ولا حرف, ألا ترى أنك تقول: إن عمرًا منطلق, فهذا موضع يصلح أن يبتدأ الكلام فيه فتقول: عمرو منطلق, ويصلح أن يقع الفعل موقع المبتدأ, فتقول: انطلق عمرو, وهذه الجملة لا موضع لها من الإِعراب, لأنها غير مبنية على شيء. و"إنَّ" المكسورة تكون مبتدأة ولا يعمل فيها ما قبلها وهي كلام تام/ ٢٩٦ مع ما بعدها وتدخل اللام في خبرها٢ ولا تدخل اللام في خبر "إن" إذا كانت
стр. 291
"إن" محمولة على ما قبلها. واللام إذا وليت الظن والعلم علقت الفعل فلم تعمل نحو قولك: قد علمت إن زيدًا لمنطلق, وأظن إن زيدًا لقائم, فهذا إنما يكون في العلم والظن ونحوه. ولا يجوز في غير ذلك من الأفعال, لا تقول: وعدتك إنك لخارج, إنما تدخل في الموضع الذي تدخل فيه أيهم فتعلق الفعل, ألا ترى أنك تقول: قد علمت أيهم في الدار, وكل موضع تقع فيه "إن" بمعنى اليمين وصلة القسم١ فهي مكسورة, فمن ذلك قولهم إذا أرادوا معنى اليمين: أعطيته ما إن شره خير من جيد ما معك, وهؤلاء الذين إن أجبتهم لأشجع من شجعائكم, قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ ٢ / ٢٩٧ "فإن" تدخل صلة "للذي", لأن صلة الذي لا موضع لها من الإِعراب بعامل يعمل فيها من فعل ولا حرف جر. فإذا وقعت إن بعد القول حكاية فهي أيضًا مكسورة, لأنك تحكي الكلام مبتدأ, والحكاية لا تغير الكلام عما كان عليه تقول: قال عمرو: إن زيدًا خير منك.
قال سيبويه: كان عيسى يقرأ هذا الحرف: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ ٣
стр. 292
أراد أن يحكي كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ١ كأنه قال والله أعلم: قالوا: ما نعبدهم٢, فعلى هذا عندي قراءة: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ أي: دعا ربه فقال: إني مغلوب. وتكسر أيضًا بعد إلا في قولك: ما قدم علينا أمير إلا إنَّهُ مكرم لي, لأنه ليس هنا شيءٌ يعمل في "إن" ولا يجوز أن تكون عليه.
قال سيبويه: ودخول اللام ههنا يدلك على أنه موضع ابتداء٣. قال الله تعالى/ ٢٩٨: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ٤, فإن زال ما بعد إلا عن الابتداء وبنيته على شيء فتحت تقول: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق, كأنك قلت: إلا لأنك فاسق, وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ ٥. فإنما حمله على "منعهم" أي: ما منعهم إلا أنهم كفروا, فموضع: أنهم كفروا, رفع, أي: ما منعهم إلا كفرُهم, فلما صار لها موضع فتحت.
و"حتى":
تبتدأ بعدها الأسماء وهي معلقة لا تعمل في "إن" وذلك قولك: قد قاله القوم حتى إن زيدًا يقوله: وانطلق الناس حتى إن عمرًا لمنطلق. وأحال٦ سيبويه أن تقع المفتوحة ههنا, وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنَّهُ
стр. 293
يقول ذاك, قال: وسمعت رجلًا من العرب ينشد هذا البيت١ كما أخبرتك به:
وكُنْتُ أُرى زيدًا -كَما قِيلَ- سِيدًا ... إذَا إنَّهُ عَبْدُ القَفَا واللُّهَازمِ
وإذا/ ٢٩٩ ذكرت "إن" بعد واو الوقت كسرت, لأنه موضع ابتداء نحو قولك: رأيته شابا وإنه يومئذ يفخر.
стр. 294
ذكر أن المفتوحة:
أن المفتوحة الألف مع ما بعدها بتأويل المصدر وهي تجعل الكلام: شأنًا وقصة وحديثًا, ألا ترى أنك إذا قلت: علمت أنك منطلق, فإنما هو: علمت انطلاقك, فكأنك قلت: علمت الحديث, ويقول القائل: ما الخبر؟ فيقول المجيب: الخبر أن الأمير قادم.
فهي لا تكون مبتدأة ولا بد من أن تكون قد عمل فيها عامل أو تكون مبنية على قبلها, لا تريد بها الابتداء, تقول: بلغني أنك منطلق, "فأن" في موضع اسم مرفوع, كأنك قلت: بلغني انطلاقك, وتقول: قد عرفت أنك قادم, "فأن" في موضع اسم منصوب, كأنك قلت: عرفت قدومك, وتقول: جئتك لأنك١ كريم/ ٣٠٠ "فأن" في موضع اسم مخفوض, كأنك قلت:
стр. 295
جئت لكرمك, و"أن" إذا كانت مكسورة بمنزلة الفعل. وإذا كانت مفتوحة بمنزلة الاسم, والفعل لا يعمل في الفعل, فلذلك لا يعمل الفعل في "إن" المكسورة, ويعمل في "أن" المفتوحة لما صارت بمعنى المصدر, والمصدر اسم.
قال سيبويه: يقبح أن تقول: أنك منطلق بلغني, أو عرفت١. وإنما استقبح ذلك -وإن أردت تقديم الفعل لامتناعهم- من الابتداء بأن المفتوحة لأنها إنما هي بمنزلة "أَنْ" الخفيفة التي هي مع الفعل بمعنى المصدر. وما كان بمنزلة الشيء فليس هو ذلك الشيء بعينه, فلا يجوز أن يتصرف تصرف "أن" الخفيفة الناصبة للفعل في جميع أحوالها. فأما "أَنْ" الخفيفة التي تنصب الفعل, فإنها يبتدأ بها, لأن الفعل صلة لها, وقد نابت هي والفعل عن مصدر ذلك الفعل, ولا يلي أن الخفيفة الناصبة للفعل إلا الفعل و"أَنَّ" الشديدة ليست كذلك, لأنه/ ٣٠١ لا يليها إلا الاسم, وهي بعد للتأكيد, كما إن "إن" المكسورة للتأكيد, تقول: إن يقوم زيد خير لك ولا يجوز: أنْ زيد قائم خير لك, قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢, وتقول: ليت أن زيدًا منطلق, فأصل هذا الابتداء والخبر, فينوب عن خبر "ليت" ولا يجوز: أن يقوم زيد, حتى يأتي بخبر, وأنت مع "أن" تلفظ بالفعل ومع "أن" المشددة قد يجوز أن لا تلفظ بالفعل, نحو قولك: قد علمت أن زيدًا أخوك, والمواضع التي تقع فيها أن المفتوحة لا تقع فيها "إن" المكسورة, فمتى وجدتهما يقعان في موقع واحد, فاعلم: أن المعنى والتأويل مختلف. وإذا وقعت أن موقع المصدر الذي تدخل عليه لام الجر فتحتها, نحو: جئتك أنك, تريد
стр. 296
الخير١, ويقول الرجل للرجل: لم فعلتَ ذلك؟ فيقول: لم٢ أنه ظريف, تريد: لأنه.
قال سيبويه: سألت الخليل٣ عن قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٤ / ٣٠٢ فقال: إنما هو على حذف اللام٥, وقال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِين﴾ ٦: إنما أراد: بأني, وإذا عطفت "إن" على أن, وقد عمل في الأولى الفعل ففتحها فتحتَ المعطوفَ أيضًا, إلا أن تريد أن تستأنف ما بعد حرف العطف, وتأتي بجملة نحو قولك: قد عرفتُ أنه ذاهب, ثم إنه معجل فتحت الثانية لأن "عرفت" قد عمل فيها, وتقول قد عرفتُ أنه منطلق ثم إنني أخبرتك أنه معجل, لأنك ابتدأت "بأني". وإن جئت بها بعد واو الوقت كسرت, كما أخبرتك وتقع بعد "لو" مفتوحة فتقول: لو أنك في الدار لجئتك.
قال سيبويه: "فأن" مبنية على "لو" كما كانت مبنية على "لولا" تقول:
стр. 297
لولا أني منطلق لفعلت, "فأن" مبنية على "لولا" كما تبنى عليها الأسماء, وقال في لو: كأنك قلت: لو ذاك, وهذا تمثيل, وإن كانوا لا يبنون على "لو", غير أن كما كان "تسلم" في قولك بذي تسلم في١ / ٣٠٣ موضع اسم.
قال أبو العباس ﵀: إن "لو" إنما تجيء على هيئة الجزاء, فإذا قلت: لو أكرمتني لزرتك فلا بد من الجواب, لأن معناها: إن الزيارة امتنعت لامتناع الكرامة فلا بد من الجواب, لأنه علة الامتناع٢ و"إن" المكسورة لا يجوز أن تقع هنا كما لا يجوز أن تقع بعد حروف الجزاء, لأنها إنما أشبهت الفعل في اللفظ والعمل لا في المعنى و"أن" المفتوحة مع صلتها مصدر في الحقيقة فوقوعها على ضربين: أحدهما أن المصدر يدل على فعله فيجري منه ويعمل عمله فقد صح معناها في هذا الوجه. فإن قال قائل إذا قلت: لو أنك جئتني لأكرمتك فلِمَ لا تقول: لو مجيئك لأكرمتك, قيل له: لأن الفعل الذي قد لفظت به من صلة "أن" والمصدر ليس كذلك, ألا ترى أنك تقول: ظننت أنك منطلق فتعديه إلى "أن" وهي وصلتها اسم واحد؛ لأنه قد صار لها اسم وخبر فدلت بهما على المفعولين. وغيرهما من الأسماء/ ٣٠٤ لا بد معه من مفعول ثان. والوجه الآخر أن الأسماء تقع بعد "لو" على تقديم الفعل الذي بعدها, فقد وليتها على حال وإن كان ذلك من أجل ما بعدها, فلذلك وليتها "أن", لأنها اسم وامتنعت المكسورة, لأنها حرف جاء لمعنى التوكيد, والحروف لا تلي "لو" فمما وليها من الأسماء قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ٣. وقال جرير:
لَوْ غَيْرُكُم عَلقَ الزُّبيرُ بِحبْلِه ... أدى الجِوَارَ إلى بني العَوَّامِ٤
стр. 298
وفي المثل: لو ذات سوارٍ لطمتني١.. وكذلك: لو أنك جئت, أي: لو وقع مجيئك, لأن المعنى عليه, قال سيبويه: سألته -يعني الخليل- عن قول العرب: ما رأيته مذ أنّ الله خلقني. فقال: إن في موضع اسم كأنك قلت: مذ ذاك٢, فإن كان الفعل أو غيره يصل باللام جاز تقديمه وتأخيره, لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى وذلك نحو قوله/ ٣٠٥ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣ أي: ولأن المساجد, وإنما جاز ذلك لأن اللام مقدرة قبل "أن" وهي العاملة في "أن" لا الفعل, وكل موضع تقع فيه "أن" تقع فيه "إنما" وما ابتدئ بعدها صلة لها كما أن ما ابتدئ بعد الذي صلة له ولا تكون هي عاملة فيما بعدها, كما لا يكون الذي عاملًا فيما بعده, فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
стр. 299
وَاحِدٌ﴾ ١, فلو قلت: يوحي إليّ أن إلهكم إله واحد, كان حسنًا, فأما إنما مكسورة فلا تكون اسمًا وإنما هي -فيما زعم الخليل: بمنزلة فعل ملغى, مثل: أشهد لزيد خير منك٢. والموضع الذي لا يجوز أن يكون فيه "أن" لا تكون "إنما" إلا مبتدأة مكسورة مثل قولك: وجدتك إنما أنت صاحب كل خنيّ لأنك لو قلت: وجدتك أنك صاحب كل خنيِّ لم يجز.
"وإنما وأن" يُصيّران الكلام: شأنًا وقصةً وحديثًا, ولا يكون الحديث الرجل/ ٣٠٦ ولا زيدًا ولا ما أشبه ذلك من الأسماء. ويجوز أن تبدل مما قبلها إذا كان ما قبلها حديثًا وقصةً, تقول: بلغتني قصتك أنك فاعل, وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون فقولك: "أنهم منطلقون" هو الحديث. وقد تبدل من شيء ليس هو الحديث ولا القصة لاشتمال المعنى عليه نحو قوله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ٣. "فأن" مبدلة من إحدى الطائفتين موضوعة في مكانها, كأنك قلت: وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم, وهذا يَتَّضِح إذا ذكرنا البدل في موضعه إن شاء الله.
стр. 300
ذكر المواضع التي تقع فيها إن وأن: المفتوحة والمكسورة والتأويل والمعنى مختلف.
تقول: إمّا أنه ذاهب وإمّا أنه منطلق. فتفتح وتكسر, قال سيبويه: وسألت الخليل عن ذاك فقال: إذا فتحت فإنك تجعله كقولك: حقا أنه منطلق, وإذا كسرت فكأنه قال: إلا/ ٣٠٧ أنه ذاهب. وتقول: أمَا والله إنه ذاهب, كأنك قلت: قد علمت والله إنه ذاهب. وأمَا والله أنه ذاهب, كقولك: إلا أنه والله ذاهب. قال: وسألته عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ
стр. 301
أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١, ما يمنعه أن يكون كقولك: ما يدريك أنه يفعل, فقال: لا يحسن ذا في هذا الموضع, إنما قال: وما يشعركم, ثم ابتدأ فأوجب, فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون قال: ولو كان: "وما يشعركم أنها" كان ذلك عذرًا لهم, وأهل المدينة يقرءون: أنَّها, فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: إئت السوق أنك تشتري لنا شيئًا, أي: لعلك. فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وتقول: إن لك هذا على وأنك لا تؤذي, فكأنه قال: وإن لك أنك لا تؤذي, وإن شاء ابتدأ٢. وقد قرئ هذا الحرف على وجهين: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٣. وتقول: / ٣٠٨ إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم, أي: إني نَجْدٌ إذا ابتدأت, كما تقول: أنا نَجْدٌ وإذا شئت قلت, أي: أني نَجْدٌ. كأنك قلت: أي: لأني نَجْدٌ. وتقول: ذاك وإن لك عندي ما أحببت٤, قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ ٥. كأنه قال: يعني الأمر ذلك, وإن لك. قال سيبويه: ولو جاءت مبتدأة لجاز.
قال: وسألت الخليل عن قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٦. فقال: إنما هو على حذف اللام قال: ولو قرأها قارئ:
стр. 302
"وإِنَّ" كان جيدًا١. وتقول: لبيك إنَّ الحمد والنعمة لك, وإن شئت قلت: أنَّ الحمد, قال ابن الأطنابة:
أَبْلِغِ الحارِثَ بنَ ظَالم المو ... عِدِ والناذرَ النذورِ عليّا
إنما تَقْتُلُ النِّيامَ ولا تقتُل ... يقظانَ ذا سلاحٍ كميا٢
وإن شئتَ قلت: إنما تقتل النيامَ على الابتداء زعم ذلك٣ الخليل.
وقال الخليل٤ / ٣٠٩: في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ٥, قال: ولو قال: فإن كانت عربية جيدة٦. وتقول: أول ما أقول أني أحمد الله, كأنك قلت: أول ما أقول الحمدُ لله. و"إن" في موضعه فإن أردت أن تحكي قلت: أول ما أقول: إني أحمد الله, وتقول: مررت فإذا إنه عبد, وإذا أنه عبد, تريد: مررت فإذا العبودية به واللؤم,
стр. 303
وقد عرفت أمورك حتى إنك أحمق, كأنه قال: حتى حمقكم, وهذا قول الخليل١.
стр. 304
مسائل في فتح ألف "أن" وكسرها:
تقول: قد علمت أنك إذا فعلت ذاك أنك سوف تغبط, ويجوز أن تكسر, تريد معنى الفاء وتقول: أحقا أنك ذاهب والحق أنك ذاهب, وأكبر١ ظنك أنك ذاهب, وأجهد رأيك أنك ذاهب, وكذلك هما إذا كانا خبرًا غير استفهام, حملوه على: أفي حق أنك ذاهب, قال العبدي٢ / ٣١٠:
أَحَقًَّا أن جِيرَتَنا استَقَلُّوا ... فنِيَّتُنا ونِيَّتُهُم فَرِيقٌ٣
قال: فريق ولم يقل فريقان, كما يقال للجماعة: هم صديق. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ٤ ولم يقل: قعيدان, والرفع في
стр. 305
جميع هذا قويّ, إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب, وأكبر ظني أنك ذاهب, تجعل الآخر هو الأول.
قال أبو العباس: سألت أبا عثمان١ لِمَ لا تقول: يوم الجمعة أنك منطلق قال: هذا يجيزه قوم -وهم قليل- على التقديم والتأخير, يجيزون: أنك منطلق يوم الجمعة, وإنما كان الوجه: يوم الجمعة أنك منطلق لأنهم يريدون: في يوم الجمعة انطلاقك قلت: فلِمَ أجازوا: أما يوم الجمعة فإنك منطلق قال: لأن ما بعد الفاء مبتدأ ونصب "يومَ الجمعة" بالمعنى الذي أحدثته أما كأنه قال: مهما يكن من شيء يوم الجمعة فإنك منطلق وهو نحو قولك: زيد في الدار "اليوم" نصبت اليوم بمعنى الاستقرار في قولك: في الدار, قلت: أتجيز كيف إنك صانع على قولك: كيف أنت صانع؟ قال: من أجازه/ ٣١١ في يوم الجمعة أجازه ههنا.
قال أبو العباس: لا يجوز هذا في "كيف" لأن كيف لا ناصب لها قال: قال أبو عثمان: قرأ سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ٢, ففتح إن وجعل اللام زائدة, كما زيدت في قوله: أُم الحُلَيسِ لعجوزٌ شهربهْ٣ ...
стр. 306
وتقول: قد علمت أن زيدًا لينطلقن, فتفتح لأن هذه لام القسم وليست لام "إن" التي في قولك: قد علمت إن زيدًا ليقوم لأن هذه لام الابتداء, والأولى لام اليمين فليست من "إن" في شيء.
قال أبو عثمان: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ١ إن "مِثْلَ" و"ما" جُعِلا اسمًا واحدًا مثل: خمسة عشر وإن كانت ما زائدة, وأنشد:
وتَدَاعى مَنخرَاهُ بِدَم ... مثلَ ما أثمرَ حُماضُ الجبَل٢
قال سيبويه والنحويون يقولون: إنما بناه -يعني مثل- لأنه أضافه إلى غير متمكن وهو قوله: إنكم وإن شاء أعربَ "مثلًا" لأنها كانت معربة قبل الإِضافة فترفع فتقول: مثل ما أنكم كما تقول في "يومئذ" من النباء والإِعراب/ ٣١٢ فتعربه كما كان قبل الإِضافة ويبينه. لما أضافه إليه من أجل أنه غير متمكن وأن الأول كان مبهمًا. فإنما حصر بالثاني. وكذلك:
стр. 307
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا١
وكذلك:
لم يَمْنَعِ الشّربَ منها غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ٢
وكل المبهمات كذلك, ولا يدخل في هذا: ضربني غلام خمسة عشر رجلًا لأن الغلام مخصوص معلوم غير مبهم بمنزلة وحين ونحو ذلك, وأبو عمرو يختار أن يكون نصب: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ على أنه حال للنكرة "لحقٌ" ولا اختلاف في جوازه على ما قال. وتقول: إن زيدًا إنه منطلق,
стр. 308
كأنك قلت: إن زيدًا هو منطلق. والمكسورة والمفتوحة مجازهما واحد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١, وقال عبد الله بن وهب الفزاري الأسدي جاهلي/ ٣١٣:
زَعَمَتْ هُنَيْدَةُ أنها صَرَمَتْ ... حَبْلي وَوَصْلُ الغَانِيَاتِ غُرُورُ
إني وحالِك إنَّني لمشيّعٌ ... صُلْبُ القَناةِ بصرحكن جَدَير
قال سيبويه٢: وسألته -يعني الخليل- عن شد ما أنك ذاهب بمنزلة: حقا أنك ذاهب؟ فقال: هذا بمنزلة حقا إنك ذاهب كما تقول: أما إنك ذاهب بمنزلة: حقا إنك وكما كانت "لو" بمنزلة "لولا" ولا يبدأ بعدها من الأسماء سوى "إن" نحو: لو أنك ذاهب ولولا يبتدأ بعدها الأسماء ولو بمنزلة "لولا" وإن لم يجز فيها ما يجوز فيها, وإن شئت جعلت: شد ما كنِعْمَ ما كأنك قلت: نعم العملُ أنك تقول الحق قال: وسألته عن قوله. كما أنَّه لا يعلم ذلك فتجاوزَ الله عنه, وذلك حق كما أنك ههنا فزعم أنَّ العاملة في "أنَّ" الكاف وما لغوٌ, إلا أن "ما" لا تحذف من ههنا٣ كراهية أن يجيء لفظها مثل لفظ "كأن" التي للتشبيه كما ألزموا النون "لأفعلن" واللام في قولهم: إن كان ليفعل: كراهية أن يلتبس اللفظان, ويدلك٤ على/ ٣١٤ أن الكاف هي٥ العاملة قولهم: هذا حق مثل ما أنك هنا ففتحوا "أن" وبعض العرب يرفع "مثل" حدثنا به يونس٦ فما أيضًا لَغْو لأنك تقول:
стр. 309
مثل ما أنك ههنا, ولو جاءت "ما" مسقطة من الكاف في الشعر جاز. قال النابغة الجعدي:
قُرُومٌ تَسَامَى عِنْدَ بَابِ دِفَاعِه ... كَأَنْ يُؤْخَذَ المرءُ الكريمُ فيقتلا١
يريد: كما أنه يؤخذ المرء قال أبو عثمان: أنا لا أنشده إلا "كأن" يؤخذ المرء. فأَنصُب يؤخذ لأنها "أن" التي تنصب الأفعال دخلت عليها كاف التشبيه ألا ترى أنه نسق عليه "يقتل" فنصبه لذلك.
قال سيبويه: سألته -يعني الخليل- هل يجوز: إنه لحق كما أنك ههنا على حد قولك: كما أنت ههنا؟ فقال: لا, لأن أن لا يبتدأ بها في كل موضع, ألا ترى أنك لا تقول: يوم الجمعة أنك ذاهب ولا: كيف أنك صانع "فكما" بتلك المنزلة٢ قال: وسألتُ الخليل عن قوله: أحقا أنه لذاهب فقال: لا يجوز كما لا يجوز يوم الجمعة أنه لذاهب٣ / ٣١٥. وقال: يجوز في الشعر: أشهد أَنهُ ذاهب, يشبهه بقوله والله أنه ذاهب٤, لأن معناه معنى اليمين كما أنه إذا قال: أشهد أَنتَ ذاهب ولم يذكر اللام لم يكن إلا ابتداء وهو قبيح ضعيف إلا باللام, ومثل ذلك في الضعف: علمت أن
стр. 310
زيدًا ذاهب, كما أنه ضعيف: قد علمت عمرو خير منك, ولكنه على إرادة اللام, كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ١ ... وهو على اليمين, وكان في هذا حسن حين طال الكلام, يعني أن التأويل: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ٢, لقد أفلح.
قال أبو العباس ﵀: والبغداديون يقولون: والله إن زيدًا منطلق, فيفتحون "إن" وهو عندي القياس لأنه قسم فكأنه قال: أحلف بالله على ذاك, أشهد أنك منطلق. قال: والقول عندي في قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ٣ -والله أعلم- أن "لا" زائدة للتوكيد, وجرم فعل ماض فكأنه قال -والله أعلم: جرم أن لهم النار وزيادة "لا" في/ ٣١٦ هذا الموضع كزيادتها في قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ ٤ وإنما تقول: لا يستوي عبد الله وزيد, وكقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٥ ونحوه من الفواتح.
стр. 311
وتقول: أما جهد رأيي فإنك راحل, وأما يوم الجمعة فإنك سائر, لأن معنى "أما" مهما يكن١ من شيء فإنك سائر يوم الجمعة, فما بعد الفاء يقع مبتدأ, ألا ترى أنك تقول: أما زيدًا فضربت, على التقديم, لأن المعنى: مهما يكن من٢ شيء فزيدًا ضربت. وفضربت.
قال أبو العباس: فيلزم سيبويه أن يقول على هذا: أما زيدًا فإنك ضارب٣.
قال سيبويه وإذا قلت: أما حقا فإنك قائم وأما أكبر ظني فإنك منطلق فعلى الفعل لا على الظرف, لأنك لم تضطر إلى أن تجعلها ظرفًا إذا كانت "أما" إنما وضعت على التقديم لما بعد الفاء فصار التقدير: مهما يكن من شيء فإنك ذاهب حقا٤, وفيما قال نظر/ ٣١٧ وشغب: ولا يجوز عندي على هذا أن يقول: أما هندًا فإن عمرًا ضارب لأن تقدير الاسم الذي يلي "أما" أن يلي الفاء ملاصقًا لهما. فما جاز أن يلاصق الفاء جاز أن يلي "أما" وما لم يجز أن يلاصقها لم يجز أن يلي "أما" فلا يجوز أن تقول: مهما يكن من شيء فإن هندًا عمرًا ضارب فتنصب هندًا بضارب ويجوز أن تقول: مهما يكن من شيء فإن أكبر ظني عمرًا ذاهب فيكون: أكبر ظني ظرفًا "لذاهب" وهذا إنما أجازه مع إما لأنهم وضعوها في أول أحوالها على التقديم والتأخير صار حكمها حكم ما لا تأخير فيه ولو كان موضع يجوز أن يقدم فيه ولا يقدم لم يجز أن يعمل ما بعد "أن" في ما قبلها وعلى ذلك ففيه نظر كثير والأقيس في قولك: أما حقا فإنك قائم: أن تعمل معنى "أما" في "حقا" كأنك قلت: مهما يكن من شيء حقا فإنك قائم وأحسبه قول/ ٣١٨ المازني.
стр. 312
وتقول: أيقول: إنَّ عمرًا منطلق, إذا أردت معنى: أتظن, كأنك قلت: أتظن أن عمرًا منطلق, فإن أردت الحكاية قلت: أتقول: إنَّ, وتقول: ظننت زيدًا أنه منطلق, لأن المعنى: ظننت زيدًا هو منطلق ولا يجوز فيه الفتح؛ لأنه يصير معناه: ظننت زيدًا الانطلاق ولو قلت: ظننت أمرك أنك منطلق جاز كأنك قلت: ظننت أمرك الانطلاق, والأخفش يقول: إذا حسن في موضع "إن" وما عملت فيه "ذاك" فافتحها نحو قولك: بلغني أنه ظريف لأنك تقول: بلغني ذاك قال: وما لم يحسن فيه "ذاك" فاكسرها قال: وتقول: أما أنه منطلق؛ لأنه لا يحسن ههنا أما ذاك, ثم أجازه بعد على معنى: حقا أنه منطلق وقال: لأن أما في المعنى: "حقا", لأنها تأكيد فكأنه ذكر حقا فجعلها ظرفًا قال: وقد قال ناس: حقا إنك ذاهب على قولهم: إنك/ ٣١٩ منطلق حقا فتنصب "حقا" على المصدر كأنه قال: أحِقُّ ذاك حقا قال: وهذا قبيح وهو من كلام العرب.
стр. 313
ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع والمنصوب بعض المرفوع وهو المستثنى
مدخل
...
ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع, والمنصوب بعض المرفوع وهو المستثنى:
المستثنى يشبه المفعول إذا أتي به بعد استغناء الفعل بالفاعل, وبعد تمام الكلام. تقول: جاءني القوم إلا زيدًا, فجاءني القوم: كلام تام وهو فعل وفاعل فلو جاز أن تذكر "زيدًا" بعد هذا الكلام بغير حرف الاستثناء ما كان إلا نصبًا. لكن لا معنى لذلك إلا بتوسط شيء آخر فلما توسطت "إلا" حدت معنى الاستثناء ووصل الفعل إلى ما بعد إلا, فالمستثنى بعض المستثنى منهم ألا ترى أن زيدًا من القوم فهو بعضهم فتقول على ذلك: ضربت القومَ إلا زيدًا ومررت بالقومِ إلا زيدًا فكأنك قلت في جميع ذلك: أستثني زيدًا فكل ما أستثنيه/ ٣٢٠ "بإلا" بعد كلام موجب فهو منصوبٌ وألا تخرج الثاني مما دخل فيه الأول فهي تشبه حرف النفي فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا فالمعنى: قام القوم لا زيد, إلا أن الفرق بين الاستثناء والعطف, أن الاستثناء لا يكون إلا بعضًا من كلّ, والمعطوف يكون غير
стр. 314
الأول, ويجوز أيضًا في المعطوف أن تعطف على واحد نحو قولك: قام زيد لا عمرو ولا يجوز أن تقول في الاستثناء: قام زيد إلا عمرو١.
لا يكون المستثنى إلا بعضًا من كل وشيئًا من أشياء و"لا" إنما تأتي لتنفي عن الثاني ما وجب للأول, و"إلا" تخرج الثاني مما دخل فيه الأول موجبًا كان أو منفيا, ومعناها الاستثناء والاسم المستثنى منه مع ما تستثنيه منه بمنزلة اسم مضاف ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني قومك إلا قليلًا منهم فهو بمنزلة قولك: جاءني أكثر قومك فكأنه اسم مضاف لا يتم إلا بالإِضافة فإن فرغت الفعل/ ٣٢١ لما بعد إلا عمل فيما بعدها, لأنك إنما تنصب المستثنى إذا كان اسمًا من الأسماء وهو بعضها, فأما إذا فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيما بعد إلا, وزال ما كنت تستثني منه٢, وذلك نحو قولك: ما قام إلا زيد وما قعد إلا بكر فزيد مرتفع بقام وبكر مرتفع بقعد وكذلك: ما ضربت إلا زيدًا وما مررت إلا بعمرو ولما فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيه. فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد فإنما رفعت لأنك قدرت إبدال زيد من "أحد". فكأنك قلت: ما قام إلا زيد وكذلك البدل من المنصوب والمخفوض تقول: ما ضربت إلا أحدًا إلا زيدًا وما مررت بأحد إلا زيد فالمبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام وهذا يبين في باب البدل فإن لم تقدر البدل وجعلت قولك: ما قام أحد كلامًا تاما لا ينوي فيه الإِبدال من "أحد" نصبت فقلت: ما قام أحد إلا زيدًا٣,
стр. 315
والقياس عندي إذا قال قائل: قام القوم/ ٣٢٢ إلا أباك, فنفيت هذا الكلام, أن تقول: ما قام القوم إلا أباك؛ لأن حق حرف النفي أن ينفي الكلام الموجب بحاله وهيئته, فأما إن كان لم يقصد إلى نفي هذا الكلام الموجب بتمامه وبني كلامه على البدل قال: ما قام القوم إلا أبوك, فإن قدمت المستثنى لم يكن إلا النصب نحو قولك: ما لي إلا أباك صديق, وما فيها إلا زيدًا أحدًا, لأنه قد بطل البدل فلم يتقدم ما يبدل فيه لأن البدل كالنعت, إنما يجري على ما قبله, فإن أوقعت استثناء بعد استثناء قلت: ما قام أحد إلا زيد إلا عمرًا. فتنصب عمرًا, لأنه لا يجوز أن يكون لفعل واحد فاعلان مختلفان يرتفعان به بغير حرف عطف فهذا مما يبصرك أن النصب واجب بعد استغناء الرافع بالمرفوع. ولك أن تقول: ما أتاني أحد إلا زيد إلا عمرًا, وإلا زيدًا إلا عمرو, فتنصب أيهما شئت وترفع الآخر. وتقول: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد. فإن استثنيت/ ٣٢٣ بعد الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين نحو: أعطيتُ زيدًا درهمًا قلت: أعطيتُ الناس الدراهم إلا زيدًا ولا يجوز أن تقول: إلا عمرًا الدنانير؛ لأن حرف الاستثناء إنما تستثني به واحدًا, فإن قلت: ما أعطيتُ أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا١ وأردت الاستثناء أيضًا لم يجز فإن أردت البدل جاز فأبدلت عمرًا من أحد ودانقًا من قولك: درهمًا فكأنك قلت: ما أعطيت إلا عمرًا دانقًا.
واعلم: أنهم قد يحذفون المستثنى استخفافًا نحو قولهم: ليس إلا وليس غير كأنه قال: ليس إلا ذاك وليس غير ذلك.
стр. 316
واعلم: أيضًا: أنهم ربما يحملون في هذا الباب الاسم على الموضع وذلك قولهم: ما أتاني من أحد إلا زيد, وما رأيت من أحد إلا زيدًا؛ لأنه يقبح أن تقول: ما أتاني إلا من زيد. فإذا قلت: لا أحد فيها إلا عبد الله فلا بد من إجرائه على الموضع ورفعه؛ لأن أحدًا مبني مع "لا" وسنذكره في بابه إن شاء الله.
ولا يجوز أن يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها, لا يجوز ما أنا زيدًا/ ٣٢٤ إلا ضارب, تريد, ما أنا إلا ضاربٌ زيدًا, وقد جاءت ألفاظ قامت مقام "إلا" وأصل الاستثناء "لا لا" ونحن نفرد لها بابًا إن شاء الله.
ولا يجوز أن تستثني النكرة من النكرات في الموجب, لا تقول: جاءني قوم إلا رجلًا؛ لأن هذا لا فائدة في استثنائه, فإن نَعَتَّه أو خَصَصْتَه جاز, وهذا امتناعه من جهة الفائدة, فمتى وقعت الفائدة جاز.
стр. 317
هذا باب ما جاء من الكلم في معنى إلا:
اعلم: أنه قد جاء من الأسماء والأفعال والحروف ما فيه إلا:
أما الأول من ذلك: فما جاء من الأسماء نحو: غير وسوى, وقوم يحكون: سوى وسواء١ ويضمون إليها: بيد, بمعنى: غير, وحكم "غير" إذا أوقعتها موقع إلا أن تعربها بالإِعراب الذي يجب للاسم الواقع بعد إلا, تقول: أتاني القوم غير زيد, لأنك كنت تقول: أتاني القوم إلا زيدًا, وتقول: ما جاءني أحد غير زيد؛ لأنك كنت/ ٣٢٥ تقول: أتاني القوم إلا زيدا. وتقول ما جاءني أحد غير زيد؛ لأنك كنت تقول: ما جاءني أحد إلا زيد, وما رأيت أحدًا غير زيد, كما تقول: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا, وما مررت بأحد غير
стр. 318
الموضع الذي ضارعت فيه إلا, ألا ترى أنك تقول: مررت برجل غيرك, ولا تقع إلا في مكانها, لا يجوز أن تقول: جاءني رجل إلا زيد, تريد غير زيد على الوصف, والاستثناء ههنا محال, ولكن تقول: ما يحسن بالرجل إلا زيد أن يفعل كذا, لأن الرجل: جنس, ومعناها بالرجل الذي هو غير زيد, كما قال لبيد:
إنما يُجزَى الفتى غَيرُ الجَمَل١
وكذلك: مررت بالقوم إلا زيد, كما قال:
أُنيخَتْ فألقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَة ... قَلِيل بها الأَصْوَات إلا بُغَامُها٢
стр. 319
وذكر سيبويه قولهم: أتاني القوم سواك, وحكى عن الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك, إلا أن في سواك معنى١ / ٣٢٨ الاستثناء وسواء تنصب في هذا كله, لأنها تجري مجرى الظروف وتخفض ما بعدها. وأما الثاني: فما جاء من الأفعال في موضع الاستثناء وهي: لا يكون وليس وعدا وخلا فإذا جاءت وفيها معنى الاستثناء ففيها إضمار وذلك قولك: أتاني القوم ليس زيدًا وأتوني لا يكون عمرًا وما أتاني أحد لا يكون زيدًا كأنه قال: ليس بعضهم زيدًا. وترك "بعضًا" استغناءً بعلم المخاطب والخليل يجيز في ليس ولا يكون أن تجعلهما صفتين وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا وما أتاني رجل لا يكون عمرًا فيدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول: ما أتاني امرأة لا تكون فلانة وما أتتني امرأة ليست فلانة٢.
وأما "عدا" و"خلا" فلا يكونان صفة, ولكن فيهما إضمار كما كان في "ليس". ولا "يكون" وذلك قولُك: ما أتاني أحد خلا زيدًا وأتاني القوم عدا عمرًا فإن أدخلت "ما" على عدا وخلا وقلت: / ٣٢٩ أتاني القومُ ما عدا زيدًا, وأني ما خلا زيدًا "فما" هنا اسم وخلا وعدا صلة له, قال: ولا توصل إلا بفعل٣.
قال سيبويه: وإذا قلت: أتوني إلا أن يكون زيد, فالرفع جيد بالغ وهو كثير في كلامهم و"أن يكون" في موضع اسم مستثنى والدليل على أن "أن يكون" هنا ليس فيها معنى الاستثناء أن ليس وخلا وعدا لا يقَعْنَ هنا,
стр. 320
ومثل الرفع قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ١, وبعضهم ينصب على وجه النصب في لا يكون٢.
وأما الثالث: فما جاء من الحروف في معنى "إلا" قال سيبويه: من ذلك "حاشا" وذكر أنه حرف يجر ما بعده كما تجرُّ "حتى" ما بعدها وفيه معنى الاستثناء قال: وبعضُ العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبدِ الله فيجعل خلا بمنزلة حاشا, فإذا قلت: ما خلا فليس فيه إلا النصب؛ لأن "ما" اسم ولا يكون صلتها إلا الفعل وهي "ما" التي في قولك: أفعل ما٣ فعلت٤.
وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد٥: قال: سمعتُ أعرابيا/ ٣٣٠ يقول: اللهم أغفر لي ولمن سَمِعَ حاشا الشيطان وأبا الأصبع, نصب بـ"حاشا"٦.