← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7365

الأصول في النحو

ابن السراج

Полный текст (1 554 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحاضر. والمستقبل نحو "سيصلي" يدل على الصلاة وعلى أن ذلك يكون فيما يستقبل١. والاسم إنما هو لمعنى مجرد من هذه الأوقات أو لوقت مجرد من هذه الأحداث والأفعال٢ وأعني بالأحداث التي يسميها النحويون المصادر, نحو: الأكل والضرب والظن والعلم والشكر. والأفعال التي يسميها النحويون "المضارعة": هي التي في أوائلها الزوائد الأربع: الألف والتاء والياء والنون, تصلح لما أنت فيه من الزمان ولما يستقبل نحو أكل وتأكل, ويأكل ونأكل, فجميع/ ٦ هذا يصلح لما أنت فيه من الزمان, ولما يستقبل, ولا دليل في لفظه على أي الزمانين تريد كما أنه لا دليل٣ في قولك: رجل فعل كذا وكذا, أي الرجال تريد حتى تبينه بشيء آخر, فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل دل على أنك تريد المستقبل وترك الحاضر على لفظه؛ لأنه أولى به, إذ كانت الحقيقة إنما هي للحاضر الموجود لا لما يتوقع أو قد مضى, ولهذا ما ضارع عندهم الأسماء٤, ومعنى ضارع: شابه, ولما وجدوا هذا الفعل الذي في أوائله الزوائد الأربع٥ يعم شيئين: المستقبل والحاضر كما يعم قولك: "رجل" زيدًا وعمرًا, فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل خص المستقبل دون الحاضر, فأشبه الرجل إذا أدخلت الألف واللام عليه٦ فخصصت به واحدًا ممن له هذا الاسم, فحينئذ يعلم

стр. 37

المخاطب من تريد لأنك لا تقول: "الرجل" إلا وقد علم من تريد منهم١, أو كما أن الأسماء قد خصت بالخفض٢ فلا يكون في غيرها, كذلك خصت الأفعال بالجزم فلا يكون في غيرها. وجميع الأفعال مشتقة/ ٧ من الأسماء التي تسمى مصادر كالضرب والقتل والحمد, ألا ترى أن حمدت٣ مأخوذ من الحمد, و"ضربت"٤ مأخوذ من الضرب, وإنما لقب النحويون هذه الأحداث مصادر؛ لأن الأفعال كأنها صدرت عنها. وجميع ما ذكرت لك أنه يخص الاسم فهو يمتنع من الدخول على الفعل والحرف. وما تنفرد به الأفعال دون الأسماء, والأسماء دون الأفعال كثير يبين في سائر العربية إن شاء الله.

стр. 38

شرح الحرف: الحرف: ما لا يجوز أن يخبر عنه كما يخبر عن الاسم, ألا ترى أنك لا تقول: إلى منطلق كما تقول: "الرجل منطلق" ولا عن ذاهب, كما تقول: "زيد ذاهب" ولا يجوز أن يكون خبرًا, لا تقول: "عمرو إلى" و"لا بكر عن" فقد بان أن الحرف من الكلم١ الثلاثة٢ هو الذي لا يجوز أن تخبر عنه ولا يكون خبرًا. والحرف لا يأتلف منه مع الحرف كلام, لو قلت

стр. 39

"أمن" تريد ألف الاستفهام "ومن" التي يجر بها لم يكن كلامًا, وكذلك لو قلت: ثم, قد تريد "ثم" التي للعطف وقد التي تدخل على الفعل لم يكن كلامًا, ولا يأتلف من الحرف مع الفعل كلام لو قلت: أيقوم, ولم تجد ذكر/ ٨ أحد ولم يعلم المخاطب أنك تشير إلى إنسان, لم يكن كلامًا, ولا يأتلف أيضًا منه مع الاسم كلام, لو قلت: "أزيد" كان كلامًا غير تام, فأما "يا زيد" وجميع حروف النداء فتبين استغناء المنادي بحرف النداء, وما يقوله النحويون: من أن ثم فعلًا يراد, تراه في باب النداء إن شاء الله. والذي يأتلف منه الكلام الثلاثة الاسم والفعل والحرف, فالاسم قد يأتلف مع الاسم نحو قولك: "الله إلهنا" ويأتلف الاسم والفعل نحو: قام عمرو, ولا يأتلف الفعل مع الفعل, والحرف لا يأتلف مع الحرف, فقد بان فروق ما بينهما.

стр. 40

باب مواقع الحروف مدخل ... باب مواقع الحروف: واعلم: أن الحرف لا يخلو من ثمانية مواضع, إما أن يدخل على الاسم وحده مثل الرجل١ أو الفعل وحده مثل سوف٢ أو ليربط اسمًا باسم: جاءني زيد٣ وعمرو, أو فعلًا بفعل أو فعلا باسم أو على كلام تام, أو ليربط جملة بجملة أو يكون زائدًا. أما دخوله على الاسم وحده, فنحو لام التعريف إذا قلت: الرجل. والغلام, فاللام أحدث معنى التعريف, وقد كان رجل وغلام نكرتين. أما دخوله على الفعل فنحو/ ٩ سوف والسين إذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل فالسين وسوف بهما صار الفعل لما يستقبل دون الحاضر وقد بينا هذا. وأما ربطه الاسم بالاسم فنحو قولك: جاء زيد وعمرو, فالواو ربطت عمرًا بزيد. وأما ربطه الفعل بالفعل نحو قولك: قام وقعد, وأكل وشرب. وأما ربطه الاسم بالفعل فنحو: مررت بزيد, ومضيت إلى عمرو.

стр. 41

وأما دخولُه على الكلام التام والجمل فنحو قولك: أعمرو أخوك, وما قام زيد, ألا ترى أن الألف دخلت على قولك "عمرو أخوك" وكان خبرًا فصيرته استخبارًا, وما دخلت على: قام زيد وهو كلام تام موجب, فصار بدخولها نفيًا. وأما ربطه جملة بجملة فنحو قولك: إن يقم زيد يقعد عمرو وكان أصل الكلام, يقوم زيد يقعد عمرو, فيقوم زيد, ليس متصلا بيقعد عمرو, ولا منه في شيء, فلما دخلت "إن" جعلت إحدى الجملتين شرطًا والأخرى جوابًا. وأما دخوله زائدًا فنحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّه﴾ ١, والزيادة تكون لضروب سنبينها في موضعها إن شاء الله.

стр. 42

"ذكر ما يدخله/ ١٠ التغيير من هذه الثلاثة, وما لا يتغير منها": اعلم: أنه إنما وقع التغيير من هذه الثلاثة في الاسم والفعل دون الحرف؛ لأن الحروف أدوات تغير ولا تتغير, فالتغيير الواقع فيهما على ضربين: أحدهما تغيير الاسم والفعل في ذاتهما وبنائهما١, فيلحقهما٢ من التصاريف ما يُزيل الاسم والفعل ونضد حروف الهجاء التي فيهما عن حاله. وأما ما يلحق الاسم من ذلك, فنحو التصغير وجمع التكسير٣, تقول في تصغير حجر: حجير, فتضم الحاء وكانت مفتوحة وتحدث ياء ثالثة فقد غيرته٤ وأزالته من وزن فعل إلى وزن "فعيل"وتجمعه فتقول: أحجار فتزيد

стр. 43

في أوله همزة ولم تكن في الواحد وتسكن الحاء وكانت متحركة وتزيد ألفًا ثالثة فتنقله من وزن فعل إلى وزن أفعال, وأما ما يلحق الفعل, فنحو: قام, ويقوم, وتقوم واستقام, وجميع أنواع التصريف لاختلاف المعاني. والضرب الثاني من التغيير: هو الذي/ ١١ يسمى الإعراب وهو ما١ يلحق الاسم والفعل بعد تسليم بنائهما ونضد حروفهما نحو قولك: هذا حكم وأحمر, ورأيت حكما وأحمر, ومررت بحكم وأحمر, وهذان حكمان ورأيت حكمين, وهؤلاء حكمون, ورأيت حكمين, ومررت بحكمين, وهو يضرب, ولن يضرب, ولم يضرب, وهما يضربان ولن يضربا ولم يضربا, وهم يضربون ولن يضربوا, ولم يضربوا, ألا ترى أن "حكمًا ويضرب" لم يَزُلْ مِن حركاتهما وحروفهما شيء, فسموا هذا الصنف الثاني من التغيير الذي يقع لفروق ومعانٍ تحدث "إعرابًا" وبدءوا بذكره في كتبهم؛ لأن حاجة الناس إليه أكثر, وسموا ما عدا هذا مما لا يتعاقب آخره بهذه الحركات والحروف "مبنيًّا".

стр. 44

باب الإِعراب والمعرب والبناء والمبني: الإِعراب الذي يلحق الاسم المفرد السالم المتمكن, وأعني بالتمكن ما لم يشبه الحرف قبل التثنية والجمع الذي على حد التثنية, ويكون بحركات ثلاث: ضم وفتح وكسر, فإِذا كانت الضمة إعرابًا تدخل في/ ١٢ أواخر الأسماء والأفعال وتزول عنها, سميت رفعًا, فإذا كانت الفتحة كذلك سميت نصبًا, وإذا كانت الكسرة كذلك سميت خفضًا وجرًّا, هذا إذا كنَّ بهذه الصفة نحو قولك: هذا زيد يا رجل, ورأيت زيدًا يا هذا, ومررت بزيد فاعلم, ألا ترى تغيير الدال واختلاف الحركات التي تلحقها. فإن كانت الحركات ملازمة سمي الاسم مبنيًّا١, فإن كان مفهومًا نحو: "منذُ" قيلَ: مضموم٢ ولم يُقل: مرفوع ليفرق بينه وبين المعرب وإن كان مفتوحًا نحو: "أين" قيل: مفتوح٣ ولم يقل: منصوب, وإن كان مكسورًا نحو: "أمس" و"حذام" قيل: مكسور ولم يقل: مجرور٤.

стр. 45

وإذا كان الاسم متصرفًا سالمًا غير معتل لحقه مع هذه الحركات التي ذكرنا التنوين نحو قولك: هذا مسلم ورأيت مسلمًا, ومررت بمسلم وإنما قلت "سالم" لأن في الأسماء معتلًا لا تدخله الحركة نحو: قفا ورحى, تقول في الرفع: هذا قفا, وفي النصب: رأيت قفًا يا هذا, ونظرت إلى قفًا, وإنما يدخله التنوين إذا كان منصرفًا. وقلت: منصرف لأن ما لا ينصرف من الأسماء لا يدخله التنوين ولا الخفض ويكون خفضه كنصبه, نحو: هذا أحمر, ورأيت/ ١٣ أحمر, ومررت بأحمر, والتنوين نون صحيحة ساكنة, وإنما خصها النحويون١ بهذا اللقب وسموها تنوينًا ليفرقوا بينها وبين النون الزائدة المتحركة التي تكون في التثنية والجمع. فإذا ثنيت الاسم المرفوع لحقه ألف ونون٢ فقلت: المسلمان والصالحان, وتلحقه في النصب والخفض ياء ونون وما قبل الياء مفتوح ليستوي النصب والجر, ونون الاثنين مكسورة٣ أبدًا, تقول: رأيت المسلمين والصالحين, ومررت بالمسلمين والصالحين, فيستوي المذكر والمؤنث في التثنية, ويختلف في الجمع المسلم الذي على حد التثنية. وإنما قلت في الجمع المسلم الذي على حد التثنية؛ لأن الجمع جمعان، جمع يقال له: جمع السلامة وجمع يقال له: جمع التكسير, فجمع السلامة هو الذي يسلم فيه بناء الواحد وتزيد عليه واوًا ونونًا أوياء ونونًا٤ نحو مسلمين، ومسلمون، ألا ترى أنك سلمت فيه بناء مسلم، فلم تغير شيئًا من نضده وألحقته واوًا ونونا أو ياء ونونًا كما فعلت في التثنية.

стр. 46

وجمع التكسير: هو الذي يغير فيه بناء الواحد, مثل جمل وأجمال, ودرهم ودراهم. فإذا جمعت الاسم المذكر على التثنية لحقته واو ونون في الرفع/ ١٤ نحو قولك: هؤلاء المسلمون وتلحقه الياء والنون في النصب والخفض, نحو: رأيت المسلمين ومررت بالمسلمين, ونون هذا الجمع مفتوحة أبدًا, والواو مضموم ما قبلها, والياء مكسورة ما قبلها. وهذا الجمع مخصوص به من يعقل, ولا يجوز أن تقول في جمل جملون, ولا في جبل جبلون, ومتى جاء ذلك فيما لا يعقل, فهو شاذ فلشذوذه عن القياس علة سنذكرها في موضعها, ولكن التثنية يستوي فيها ما يعقل وما لا يعقل. والمذكر والمؤنث١ في التثنية سواء وفي الجمع مختلف, فإذا جمعت المؤنث على حد التثنية زدت ألفًا وتاءً وحذفت الهاء إن كانت في الاسم وضممت التاء في الرفع وألحقت الضمة نونًا ساكنة, فقلت في جمع مسلمة "هؤلاء مسلمات"٢. والضمة في جمع المؤنث نظيرة الواو في جمع المذكر, والتنوين نظير النون, وتكسر التاء وتنون في الخفض والنصب جميعًا, تقول: رأيت مسلمات ومررت بمسلمات والكسرة نظيرة الياء في المذكرين والتنوين نظير النون٣. وأما الإِعراب الذي يكون في فعل الواحد من الأفعال المضارعة فالضمة فيه تسمى رفعًا/ ١٥ والفتحة نصبًا والإِسكان جزمًا, وقد كنت بينت لك أن

стр. 47

المعرب من الأفعال التي في أوائلها الحروف الزوائد, التاء والنون والياء والألف, فالألف للمتكلم مذكرًا كان أو مؤنثًا نحو: أنا أفعل؛ لأن الخطاب يبينه, والتاء للمخاطب المذكر والمؤنث نحو: أنت تفعل وأنت تفعلين, وكذلك للمؤنث إذا كان لغائبة قلت: هي تفعل, وإن كان الفعل للمتكلم, ولآخر معه, أو جماعة قلت: نحن نفعل, والمذكر والمؤنث في ذا أيضًا سواء؛ لأنه يبين أيضًا بالخطاب, والياء للمذكر الغائب فجميعُ ما جعل لفظ المذكر والمؤنث فيه سواء على لفظ واحد, فإنما كان ذلك؛ لأنه غير ملبس, فالمرفوع من هذه الأفعال نحو قولك: زيد يقوم, وأنا أقوم, وأنت تقوم, وهي تقوم, والمنصوب: لن يقوم ولن يقعدوا, والمجزوم لم يقعدوا ولم يقم, هذا في الفعل الصحيح اللام خاصة, فأما المعتل فهو الذي آخره ياء أو واو أو ألف, فإن الإعراب يمتنع من الدخول عليه إلا النصب, فإنه يدخل على ما لامه واو أو ياء خاصة دون الألف؛ لأن الألف لا يمكن تحركها, تقول فيما كان معتلًّا من ذوات الواو في الرفع: هو يغزو/ ١٦ ويغدو يا هذا, فتسكن الواو, وتقول في النصب: لن يغزو فتحرك الواو, وتسقط في الجزم, فتقول: لم يغز ولم يغد, وكذلك ما لامه ياء نحو: يقضي ويرمي, تكون في الرفع ياؤه ساكنة فتقول: هو يقضي ويرمي وتفتحها في النصب, فتقول: لن يقضي ولن يرمي وتسقط في الجزم, وأما ما لامه ألف فنحو: يخشى, ويخفى, تقول في الرفع: هو يخشى ويخفى وفي النصب: لن يخشى ولن يخفى وتسقط في الجزم فتقول فيه لم يخشَ ولم يخف, فإذا صار الفعل المضارع لاثنين مذكرين مخاطبين أو غائبين زدته ألفًا ونونًا وكسرت النون فقلت: يقومان, فالألف ضمير الاثنين الفاعلين, والنون علامة الرفع, واعلم: أن الفعل لا يثنى ولا يجمع في الحقيقة, وإنما يثنى ويجمع الفاعل الذي تضمنه الفعل, فإذا قلت: يقومان, فالألف ضمير الفاعلين١ اللذين ذكرتهما والنون علامة الرفع فإذا نصبت أو

стр. 48

جزمت, حذفتها فقلت: لن يقوما ولن يقعدا ولم يقوما ولم يقعدا فاستوى النصب والجزم فيه, كما استوى النصب والخفض في تثنية الاسم, وتبع النصب الجزم؛ لأن الجزم يخص الأفعال ولا يكون إلا فيها كما/ ١٧ تبع النصب الخفض في تثنية الأسماء وجمعها السالم, إذ كان الخفض يخص الأسماء فإن كان الفعل المضارع لجمع١ مذكرين زدت في الرفع واوًا مضمومًا ما قبلها ونونًا مفتوحة كقولك: أنتم تقومون وتقعدون ونحو ذلك, فالواو ضمير٢ لجمع٣ الفاعلين والنون علامة الرفع. فإذا دخل عليها جازم أو ناصب حذفت فقيل: لم يفعلوا كما فعلت في التثنية, فإن كان الفعل المضارع لفاعل واحد مؤنث مخاطب زدت فيه ياءً مكسورًا ما قبلها ونونًا مفتوحة نحو قولك: أنتِ تضربين وتقومين فالياء دخلت من أجل المؤنث والنون علامة الرفع, وإذا دخل عليها ما يجزم أو ينصب سقطت نحو قولك: لم تضربي ولن تضربي. فإن صار الفعل لجمع٤ مؤنث زدته نونًا وحدها مفتوحة وأسكنت ما قبلها نحو: هن يضربن ويقعدن, فالنون عندهم ضمير الجماعة٥ وليست علامة الرفع فلا تسقط في النصب والجزم لأنها ضمير الفاعلات فهي اسم ههنا خاصة, فأما الفعل الماضي فإذا ثنّيت المذكر أو جمعته, قلت: فعلًا, وفعلوا, ولم تأت بنون لأنه غير معرب, والنون في "فعلن" إنما هي ضمير وهي لجماعة المؤنث وأسكنت اللام/ ١٨ فيها كما أسكنتها في "فعلت" حتى٦

стр. 49

لا تجتمع أربع حركات١ وليس ذا في أصول كلامهم, والفعل عندهم مبني مع التاء في "فعلت" ومع النون في "فعلن" كأنه منه؛ لأن الفعل لا يخلو من الفاعل, وأما لام "يفعلن" فإنما أسكنت تشبيهًا بلام "فعلن" وإن لم يجتمع فيه أربع حركات ولكن من شأنهم إذا أعلوا أحد الفعلين لعلة أعلوا الفعل الآخر وإن لم تكن فيه تلك العلة, وسترى ذلك في مواضع كثيرة إن شاء الله. واعلم: أن الإعراب عندهم إنما حقه أن يكون للأسماء دون الأفعال والحروف, وأن السكون والبناء حقهما أن يكونا لكل فعل أو حرف وأن البناء الذي وقع في الأسماء عارض فيها لعلة, وأن الإِعراب الذي دخل على الأفعال المستقبلة إنما دخل فيها العلة, فالعلة التي بنيت لها الأسماء هي٢ وقوعها موقع الحروف ومضارعتها لها, وسنشرح ذلك في باب الأسماء المبنية إن شاء الله. وأما/ ١٩ الإِعراب الذي وقع في الأفعال فقد ذكرنا أنه وقع في المضارع منها للأسماء٣ وما عدا ذلك فهو مبني. فالأسماء تنقسم قسمين: أحدهما معرب٤ والآخر مبني, فالمعرب يقال له: متمكن, وهو ينقسم أيضًا على ضربين: فقسم: لا يشبه الفعل, وقسم: يشبه الفعل, فالذي لا يشبه الفعل هو متمكن منصرف يرفع في موضع الرفع ويجر في موضع الجر وينصب في موضع النصب وينون, وقسم يضارع الفعل غير منصرف لا يدخله الجر, ولا التنوين٥, وسنبين من أين يشبه بالفعل فيما يجري وفي ما لا يجري إن شاء الله.

стр. 50

والمبني من الأسماء ينقسم على ضربين: فضرب مبني على السكون نحو: كم, ومن, وإذ, وذلك حق البناء وأصله, وضرب مبني على الحركة, فالمبني على الحركة ينقسم على ضربين: ضرب حركته لالتقاء الساكنين نحو أين, وكيف, وضرب حركته لمقاربته التمكن ومضارعته للأسماء المتمكنة نحو "يا حكم" في النداء وجئتك من علُ١ وجميع هذا /٢٠ يبين في أبوابه إن شاء الله. فأما الإِعراب الذي وقع في الأفعال فقد بينا أنه إنما وقع في المضارع منها للأسماء وما عدا المضارعة فمبني, والمبني من الأفعال ينقسم على ضربين: فضرب مبني على السكون, والسكون أصل كل مبني, وذلك نحو: اضرب واقتل ودحرج وانطلق, وكل فعل تأمر به إذا كان بغير لام ولم يكن فيه حرف من حروف المضارعة نحو: الياء والتاء والنون والألف فهذا حكمه. وأما الأفعال التي فيها حروف المضارعة فيدخل عليها اللام في الأمر وتكون معربة مجزومة بها نحو: ليقم زيد, وليفتح بكر, ولتفرح يا رجل, وأما ما كان على لفظ الأمر مما يستعمل في التعجب. فحكمه حكمه نحو قولك: أكرم بزيد و ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾ ٢ وزيد ما أكرمه, وما أسمعهم وما أبصرهم. والضرب الثاني مبني على الفتح وهو كل فعل ماضٍ كثرت حروفه أو قلت نحو: ضرب واستخرج, وانطلق وما أشبه ذلك.

стр. 51

ذكر العوامل من الكلم الثلاثة مدخل ... ذكر العوامل من الكلم الثلاثة: من الكلم الثلاثة, الاسم والفعل/ ٢١ والحرف وما لا يعمل منها.

стр. 52

تفسير الأول, وهو الاسم: الاسم: يعمل في الاسم على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يبنى عليه اسم مثله أو يبنى على اسم ويأتلف١ باجتماعهما الكلام ويتم, ويفقدان العوامل من غيرهما نحو قولك: "عبد الله أخوك".. فعبد الله, مرتفع بأنه أول مبتدأ فاقد للعوامل, ابتدأته لتبني عليه ما يكون حديثًا عنه: "وأخوك" مرتفع بأنه الحديث المبني على الاسم الأول المبتدأ. الضرب الثاني: أن يعمل الاسم بمعنى الفعل, والأسماء التي تعمل عمل الفعل أسماء الفاعلين٢ وما شبه بها والمصادر وأسماء سموا الأفعال بها, وإنما أعملوا اسم الفاعل لما ضارع الفعل, وصار الفعل سببًا له وشاركه في المعنى وإن افترقا في الزمان, كما أعربوا الفعل لما ضارع الاسم فكما أعربوا هذا أعلموا ذلك, والمصدر حكمه حكم اسم الفاعل, أعمل, كما أعمل إذا كان الفعل مشتقًّا منه, إلا أن الفرق بينه وبين اسم الفاعل أن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول؛ لأنه غيرهما٣, تقول/ ٢٢: عجبت من ضرب زيد عمرًا, فيكون زيد هو الفاعل في المعنى وعجبت من ضرب زيد عمرو فيكون زيد هو المفعول في المعنى ولا يجوز هذا في اسم الفاعل, لا يجوز أن تقول: عجبت من ضارب زيد, وزيد فاعل؛ لأنك تضيف الشيء إلى نفسه, وذلك غير جائز.. فأما ما شبه٤ باسم الفاعل نحو: حسن وشديد فتجوز إضافته إلى

стр. 53

الفاعل, وإن كان إياه لأنها إضافة غير حقيقية نحو قولك: الحسن الوجه, والشديد اليد, والحسن للوجه والشدة لليد وإنما دخلت الألف واللام -وهي لا تجتمع مع الإضافة- على الحسن الوجه وما أشبهه لأن إضافته غير حقيقية, ومعنى: حسن الوجه, حسن وجهه, وقد أفردت بابًا للأسماء التي تعمل عمل الفعل, أذكره بعد ذكر الأسماء المرتفعة إن شاء الله. الضرب الثالث: أن يعمل الاسم لمعنى الحرف وذلك في الإِضافة, والإِضافة تكون على ضربين١: تكون بمعنى اللام وتكون بمعنى "من". فأما الإِضافة التي بمعنى اللام فنحو قولك: غلام زيد, ودار عمرو, ألا ترى أن المعنى: غلام لزيد ودار لعمرو, إلا أن الفرق بين ما/ ٢٣ أضيف بلام وما أضيف بغير لام, أن الذي يضاف بغير لام يكتسي٢ مما يضاف إليه تعريفه وتنكيره, فيكون معرفة إن كان معرفة ونكرة إن كان نكرة, ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد, فقد عرف الغلام بإضافته إلى زيد, وكذلك إذا قلت: دار الخليفة, عرفت الدار٣ بإضافتها إلى الخليفة. ولو قلت: دار للخليفة, لم يعلم أي دار هي, وكذلك لو قلت: غلام لزيد, لم يدر أي غلام هو, وأنت لا تقول: غلام زيد فتضيف إلا وعندك أن السامع قد عرفه كما عرفته. أما٤ الإِضافة التي بمعنى "من" فهو أن تضيف الاسم إلى جنسه نحو قولك: ثوب خز وباب حديد, تريد ثوبًا من خز وبابًا من حديد, فأضفت٥ كل واحد منهما إلى

стр. 54

جنسه الذي هو منه, وهذا لا فرق فيه١ بين إضافته بغير "من" وبين إضافته "بمن" وإنما حذفوا "من" هنا استخفافًا, فلما حذفوها التقى الاسمان فخفض أحدهما الآخر إذا لم يكن الثاني خبرًا عن الأول, ولا صفة له, ولو نصب على التفسير أو التمييز لجاز إذًا نون الأول نحو قولك: ثوبٌ خزًّا. واعلم/ ٢٤: أن الاسم لا يعمل في الفعل ولا في الحرف, بل هو المعرض للعوامل من الأفعال والحروف.

стр. 55

تفسير الثاني وهو الفعل: اعلم: أن كل فعل١ لا يخلو من أن يكون عاملًا, وأول عمله أن يرفع الفاعل أو المفعول٢ الذي هو حديث عنه نحو: قام زيد وضرب عمرو, وكل اسم تذكره ليزيد٣ في الفائدة بعد أن يستغني الفعل بالاسم المرفوع الذي يكون ذلك الفعل حديثًا عنه, فهو منصوب, ونصبه لأن الكلام قد تم قبل مجيئه وفيه دليل عليه, وهذه العلل التي ذكرناها ههنا هي العلل الأول, وههنا علل ثوان٤ أقرب منها يصحبها كل نوع من هذه الجمل إن شاء الله.

стр. 56

تفسير الثالث, وهو العامل من الحروف ١: الحروف تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول منها يدخل على الأسماء فقط دون الأفعال, فما كان كذلك فهو عامل في الاسم.

стр. 57

والحروف العوامل في الأسماء نوعان: نوع منها يخفض الأسماء ويدخل ليصل اسمًا باسم أو فعلًا باسم. أما وصله اسمًا باسم فنحو قولك: خاتم من فضة١, وأما وصله فعلًا باسم فنحو قولك: مررت بزيد. والنوع الثاني: يدخل على المبتدأ والخبر فيعمل فيهما/ ٢٥ فينصب الاسم ويرفع الخبر, نحو "إن وأخواتها" كقولك: زيد قائم, وجميع هذه الحروف لا تعمل في الفعل ولا تدخل عليه, لا تقول: مررت بيضرب ولا ذهبت إلى قام, ولا أن يقعد قائم. والقسم الثاني من الحروف: ما يدخل على الأفعال فقط, ولا يدخل على الأسماء, وهي التي تعمل في الأفعال فتنصبها وتجزمها نحو: "أن" في قولك: أريد أن تذهب, فتنصب و"لم" في قولك: لم يذهب, فتجزم, ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد, ولا: أريد أن عمرو. والقسم الثالث من الحروف: ما يدخل على الأسماء وعلى الأفعال فلم تختص به الأسماء دون الأفعال, ولا الأفعال دون الأسماء, وما كان من الحروف بهذه الصفة فلا يعمل في اسم ولا فعل نحو ألف الاستفهام, تقول: أيقوم زيد, فيدخل حرف الاستفهام على الفعل ثم تقول: أزيد أخوك فيدخل الحرف على الاسم, وكذلك "ما" إذا نفيت بها في لغة٢ من لم يشبهها بليس فإنه يدخلها

стр. 58

على الاسم والفعل ولا يعملها١, كقولك: ما زيد قائم, وما قام/ ٢٦ زيد, ومن٢ شبهها "بليس" فاعملها٣ لم يجز أن يدخلها على الفعل, إلا أن يردها إلى أصلها في ترك العمل, ونحن نذكر جميع الحروف منفصلة في أبوابها إن شاء الله. فإن قال قائل: ما بال لام المعرفة لم تعمل في الاسم وهي لا تدخل إلا على الاسم, ولا يجوز أن تدخل هذه اللام على الفعل, قيل: هذه اللام قد صارت من نفس الاسم ألا ترى قولك: الرجل, يدلك على غير ما كان يدل عليه رجل, وهي بمنزلة المضاف إليه الذي يصير مع المضاف بمنزلة اسم واحد نحو قولك: عبد الملك, ولو أفردت عبدًا من الملك لم يدل على ما كان عليه عبد الملك, وكذلك الجواب في السين وسوف, إن سأل سائل, فقال: لِمَ لَمْ يعملوها في الأفعال إذ كانتا لا تدخلان إلا عليها, فقصتهما قصة الألف واللام في الاسم وذلك أنها٤ إنما هي بعض أجزاء الفعل فتفهم هذه الأصول والفصول فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجمعته جمعًا يحضره وفصلته تفصيلًا يظهره ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها بأخصر ما أمكن من القول وأبينه ليسبق إلى القلوب فهمه, ويسهل على متعلميه حفظه. واعلم: أنه ربما شذ الشيء عن بابه فينبغي أن تعلم: أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يعن بالحرف الذي يشذ منه, فلا يطرد في نظائره وهذا يستعمل في كثير من العلوم ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم, فمتى وجدت٥ حرفًا مخالفًا لا شك في خلافه لهذه الأصول فاعلم: أنه شاذ, فإن كان سمع ممن ترضى عربيته فلا بد من أن

стр. 59

يكون قد حاول به مذهبًا ونحا نحوًا١ من الوجوه أو استهواه أمر غلطه, والشاذ على ثلاثة أضرب: منه ما شذ عن بابه وقياسه ولم يشذ في استعمال العرب له نحو: استحوذ فإن بابه وقياسه أن يُعل فيقال: استحاذ مثل استقام واستعاذ, وجميع ما كان على هذا المثال, ولكنه جاء على الأصل واستعملته العرب كذلك, ومنه ما شذ عن الاستعمال ولم يشذ عن القياس نحو ماضي يدع, فإن قياسه وبابه أن يقال: ودع يدع, إذ لا يكون فعل مستقبل إلا له ماض, ولكنهم لم يستعملوا/ ٢٨ ودع استغنى عنه "بترك", فصار قول القائل الذي قال: ودعه شاذًّا, وهذه أشياء تحفظ, ومنه ما شذ عن القياس والاستعمال فهذا الذي يطرح ولا يعرج عليه نحو ما حكى من إدخال الألف واللام على اليّجدعُ٢ وأنا أتبع هذا الذي ذكرت من عوامل الأسماء والأفعال والحروف بالأسماء المفعول فيها, فنبدأ بالمرفوعات, ثم نردفها المنصوبات, ثم المخفوضات, فإذا فرغنا من الأسماء وتوابعها وما يعرض فيها ذكرنا الأفعال وإعرابها وعلى الله تعالى يتوكل وبه نستعين.

стр. 60

ذكر الأسماء المرتفعة مدخل ... ذكر الأسماء المرتفعة: الأسماء التي ترتفع خمسة أصناف: الأول: مبتدأ له خبر. والثاني: خبر لمبتدأ بنيته عليه. والثالث: فاعل بني على فعل, ذلك الفعل حديثًا عنه. والرابع: مفعول به بني على فعل فهو حديث عنه ولم تذكر من فعل به فقام مقام الفاعل. والخامس: مشبه بالفاعل في اللفظ.

стр. 61

شرح الأول: وهو المبتدأ: المبتدأ: ما جردته من عوامل الأسماء ومن١ الأفعال والحروف وكان القصد فيه أن تجعله أولًا لثانٍ مبتدأ به دون الفعل/ ٢٩ يكون ثانيه خبره ولا يستغنى واحد منهما عن صاحبه, وهما مرفوعان أبدًا فالمبتدأ رفع بالابتداء, والخبر رفع بهما, نحو قولك: الله ربنا, ومحمد نبينا, والمبتدأ لا يكون كلامًا تامًّا إلا بخبره وهو معرض لما يعمل في الأسماء نحو: كان وأخواتها, وما أشبه ذلك من العوامل, تقول: عمرو أخونا, وإن زيدًا أخونا, وسنذكر العوامل التي تدخل على المبتدأ وخبره فتغيره عما كان عليه في موضعها إن شاء الله. والمبتدأ يبتدأ فيه بالاسم المحدث عنه قبل الحديث, وكذلك حكم كل مخبر, والفرق بينه وبين الفاعل: أن الفاعل مبتدأ بالحديث قبله, ألا ترى أنك إذا قلت: زيد منطلق فإنما بدأت "بزيد" وهو الذي حدثت عنه بالانطلاق والحديث عنه بعده, وإذا قلت: ينطلق زيد فقد بدأ بالحديث وهو انطلاقه, ثم ذكرت زيدًا المحدث عنه بالانطلاق بعد أن ذكرت الحديث. فالفاعل مضارع للمبتدأ من أجل أنهما جميعًا محدث/ ٣٠ عنهما وإنهما جملتان

стр. 62

لا يستغني بعضهما عن بعض, وحق المبتدأ أن يكون معرفة أو ما قارب المعرفة من النكرات الموصوفة خاصة, فأما المعرفة فنحو قولك: عبد الله أخوك, وزيد قائم, وأما ما قارب المعرفة من النكرات فنحو قولك: رجل من تميم جاءني, وخير منك لقيني. وصاحب لزيد جاءني. وإنما امتنع الابتداء بالنكرة المفردة المحضة لأنه لا فائدة فيه, وما لا فائدة فيه فلا معنى للتكلم به, ألا ترى أنك لو قلت: رجل قائم أو رجل عالم, لم يكن في هذا الكلام فائدة لأنه لا يستنكر أن يكون في الناس رجل قائمًا أو عالمًا, فإذا قلت: رجل من بني فلان أو رجل من إخوانك أو وصفته بأي صفة كانت تقربه من معرفتك حسن لما في ذلك من الفائدة, ولا يكون المبتدأ نكرة مفردة إلا في النفي خاصة, فإن الابتداء فيه بالنكرة حسن بحصول الفائدة بها, كقولك: ما أحد في الدار, وما في البيت رجل ونحو ذلك, في لغة بني تميم خاصة: وما أحد حاضر, وإنما يراعى في هذا الباب وغيره الفائدة فمتى ظفرت بها في المبتدأ وخبره فالكلام/ ٣١ جائز, وما لم يفد فلا معنى له في كلام غيرهم. وقد يجوز أن تقول: رجل قائم إذا سألك سائل فقال: أرجل قائم أم امرأة. فتجيبه فتقول: رجل قائم, وجملة هذا أنه١ إنما ينظر إلى ما فيه٢ فائدة, فمتى كانت٣ فائدة بوجه من الوجوه فهو جائز وإلا فلا فإذا اجتمع اسمان معرفة ونكرة, فحق المعرفة أن تكون٤ هي المبتدأ وأن تكون النكرة الخبر لأنك إذا ابتدأت فإنما قصدُك تنبيه السامع بذكر الاسم الذي تحدثه عنه ليتوقع الخبر بعده, فالخبر هو الذي ينكره ولا يعرفه ويستفيده, والاسم لا فائدة له لمعرفته به, وإنما ذكرته لتسند إليه الخبر, وقد يجوز أن تقدم الخبر على المبتدأ ما لم يكن فعلًا خاصة, فتقول: منطلق زيد, وأنت تريد: زيد

стр. 63

منطلق, فإن أردت أن تجعل منطلقا في موضع "ينطلق" فترفع زيدًا بمنطلق على أنه فاعل كأنك قلت: ينطلق زيد قبح إلا أن يعتمد اسم الفاعل وهو "منطلق" وما أشبهه على شيء قبله, وإنما يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرت على موصوف نحو قولك: مررت/ ٣٢ برجل قائم أبوه, ارتفع "أبوه" "بقائم" أو يكون مبنيًّا على مبتدأ نحو قولك: زيد قائم أبوه وحسن عندهم: أقائم أبوك, وأخارج أخوك, تشبيهًا بهذا إذا اعتمد"قائم" على شيء قبله, فأما إذا قلت قائم زيد, فأردت أن ترفع زيدا "بقائم" وليس قبله ما يعتمد عليه البتة فهو قبيح, وهو جائز عندي على قبحه, وكذلك المفعول لا يعمل فيه اسم الفاعل مبتدأ غير معتمد على شيء قبله, نحو: ضارب وقاتل, لا تقول: ضارب بكرًا عمرو فتنصب بكرًا "بضارب" وترفع عمرًا به, لا يجوز أن تعمله عمل الفعل حتى يكون محمولًا على غيره, فتقول: هذا ضارب بكرًا, جعلوا بين الاسم والفعل فرقًا, فإذا قلت: قائم١ أبوك, "فقائم" مرتفع بالابتداء وأبوك رفع بفعلهما وهما قد سدا مسد الخبر, ولهذا نظائر تذكر في مواضعها إن شاء الله. فأما قولك: كيف أنت, وأين زيد وما أشبهما مما يستفهم به من الأسماء "فأنت وزيد" مرتفعان بالابتداء "وكيف وأين" خبران, فالمعنى في: كيف أنت, على أي حال أنت, وفي: "أين زيد" في أي مكان, ولكن الاستفهام الذي صار فيهما جعل لهما صدر الكلام وهو في الحقيقة/ ٣٣ الشيء المستفهم عنه, ألا ترى أنك إذا سئلت: كيف أنت, فقلت: صالح, إنما أخبرت بالشيء الذي سأل عنه المستخبر, وكذلك إذا قال: أين زيد, فقلت: في داري, فإنما أخبرت بما اقتضته أين, ولكن جميع هذا وإن كان خبرًا فلا

стр. 64

يكون إلا مبدوءًا به, وقد تدخل على المبتدأ حروف ليست من عوامل الأسماء, فلا١ تزيل المبتدأ عن حاله, كلام الابتداء٢ وحروف الاستفهام "وأما وما" إذا كانت نافية في لغة بني تميم وأشباه ذلك, فتقول: أعمرو "قائم" ولبكر أخوك, وما زيد قائم, وأما بكر منطلق, فهذه الحروف إنما تدخل على المبتدأ وخبره لمعان فيها, ألا ترى أن قولك: عمرو منطلق, كان خبرًا موجبًا فلما أدخلت عليه "ما" صار نفيًا وإنما٣ نفيت "بما" ما أوجبه غيرك حقه أن تأتي بالكلام على لفظه, وكذلك إذا استفهمت إنما تستخبر خبرًا قد قيل, أو ظن كأن قائلًا قال: عمرو قائم٤, فأردت أن تحقق ذلك فقلت أعمرو قائم, وقع٥ في نفسك أن ذلك يجوز وأن يكون وأن لا يكون فاستخبرت٦ مما وقع في نفسك/ ٣٤ بمنزلة ما سمعته أذنك فحينئذ تقول: أعمرو قائم أم لا؟ لأنك لا تستفهم عن شيء إلا وهو يجوز أن يكون٧ عندك موجبه أو منفيه واقعًا, ولام الابتداء تدخل لتأكيد الخبر وتحقيقه, فإذا قلت: لعمرو منطلق, أغنت اللام بتأكيدها عن إعادتك الكلام٨ فلذلك احتيج إلى جميع حروف المعاني لما في ذلك من الاختصار ألا ترى أن الواو العاطفة في قولك: قام زيد وعمرو لولاها لاحتجت إلى أن تقول: قام زيد, قام عمرو, وكذلك جميع الحروف ويوصل بلام القسم٩ فيقال١٠: والله لزيد خير منك؛ لأنك

стр. 65

لا تقسم إلا مع تحقيق الخبر, "وأما" فإنما١ تذكرها بعد كلام قد تقدم أخبرت فيه عن اثنين أو جماعة بخبر فاختصصت٢ بعض من ذكر وحققت الخبر عنه, ألا ترى أن القائل يقول: زيد وعمرو في الدار, فتقول: أما زيد, ففي الدار, وأما عمرو ففي السوق, وإنما دخلت الفاء من أجل ما تقدم؛ لأنها إنما تدخل في الكلام لتتبع شيئًا بشيء وتعلق ما دخلت عليه من الكلام بما قبله, "ولأما" موضع تذكر فيه/ ٣٥ وما لم أذكر من سائر الحروف التي لا تعمل في الأسماء فالمبتدأ والخبر بعدها على صورتهما.

стр. 66

شرح الثاني, وهو خبر المبتدأ: الاسم١ الذي هو خبر المتبدأ هو٢ الذي يستفيده السامع ويصير به المبتدأ كلامًا, وبالخبر يقع التصديق والتكذيب. ألا ترى أنك إذا قلت: عبد الله جالس فإنما الصدق والكذب وقع في جلوس عبد الله لا في عبد الله, لأن الفائدة هي في جلوس٣ عبد الله, وإنما ذكرت عبد الله لتسند إليه "جالسًا" فإذا كان خبر المبتدأ اسمًا مفردًا فهو رفع نحو قولك: عبد الله أخوك, وزيد قائم, وخبر المبتدأ ينقسم على قسمين: إما أن يكون هو الأول في المعنى غير ظاهر فيه ضميره نحو: زيد أخوك, وعبد الله منطلق, فالخبر هو الأول في المعنى, إلا أنه لو قيل لك, من أخوك هذا الذي ذكرته؟ لقلت: زيد, أو قيل لك: من المنطلق؟ لقلت: عبد الله, أو يكون غير الأول ويظهر فيه ضميره, نحو قولك: عمرو ضربته وزيد رأيت أباه, فإن لم يكن على أحد هذين فالكلام محال. وخبر المبتدأ الذي هو/ ٣٦ الأول في المعنى على ضربين, فضرب يظهر فيه الاسم الذي هو الخبر نحو ما ذكرنا من قولك: زيد أخوك,

стр. 67

وزيد قائم, وضرب يحذف منه الخبر, ويقوم مقامه ظرف له وذلك الظرف على ضربين: إما أن يكون من ظروف المكان, وإما أن يكون من ظروف الزمان. أما الظروف من المكان فنحو قولك: زيد خلفك, وعمرو في الدار. والمحذوف معنى الاستقرار والحلول وما أشبههما, كأنك قلت: زيد مستقر خلفك, وعمرو مستقر في الدار, ولكن هذا المحذوف لا يظهر لدلالة الظرف عليه واستغنائهم به في الاستعمال. وأما الظرف من الزمان فنحو قولك: القتال يوم الجمعة, والشخوص يوم الخميس, كأنك قلت: القتال مستقر يوم الجمعة أو وقع في يوم الجمعة, والشخوص واقع في يوم الخميس فتحذف الخبر وتقيم الظرف مقام المحذوف, فإن لم ترد هذا المعنى. فالكلام محال؛ لأن زيدًا الذي هو المبتدأ ليس من قولك: "خلفك" ولا في الدار شيء؛ لأن في الدار ليس بحديث وكذلك خلفك وإنما هو موضع الخبر. واعلم/ ٣٧: أنه لا يجوز أن تقول: زيد يوم الخميس, ولا عمرو في شهر كذا, لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث, وإنما يجوز ذلك في الأحداث, نحو الضرب والحمد, وما أشبه ذلك, وعلة ذلك أنك لو قلت: زيد اليوم, لم تكن فيه فائدة, لأنه لا يخلو أحد من أهل عصرك١ من اليوم, إذ كان الزمان لا يتضمن واحدًا دون الآخر, والأماكن ينتقل عنها فيجوز أن تكون خبرًا عن الجثث وغيرها كذلك. والظرف من الأماكن تكون إخبارًا عن المعاني التي ليست بجثث -يعني المصادر- نحو قولك: البيع في النهار, والضرب عندك, فإن قال قائل فأنت قد تقول: الليلة الهلال, والهلال جثة, فمن أين جاز هذا؟ فالجواب في ذلك٢: أنك إنما أردت: الليلة حدوث الهلال, لأنك إنما تقول ذلك عند توقع طلوعه, ألا ترى أنك لا تقول: الشمس اليوم, ولا القمر الليلة؛ لأنه غير متوقع, وكذلك إن قلت: اليوم زيد, وأنت تريد هذا

стр. 68

المعنى جاز, وتقول: أكل١ يوم لك عهد, لأن فيه معنى الملك, ويوم الجمعة عليك ثوب, إنما٢ جاز ذلك لاستقرار الثوب عليك٣ فيه/ ٣٨ وأما القسم الثاني من خبر المبتدأ: وهو الذي يكون غير الأول ويظهر فيه ضميره فلا يخلو من أن يكون الخبر فعلًا فيه ضمير المبتدأ نحو: زيد يقوم, والزيدان يقومان, فهذا الضمير وإن كان لا يظهر في فعل الواحد لدلالة المبتدأ عليه يظهر في التثنية والجمع وذلك ضرورة خوف اللبس, ومضمره كظاهره, وأنت إذا قلت: زيد قائم, فالضمير لا يظهر في واحده ولا في تثنيته ولا في جمعه, فإن قال قائل: فإنك قد تقول: الزيدان قائمان, والزيدون قائمون قيل له: ليست الألف ولا الواو فيهما ضميرين٤, إنما الألف تثنية الاسم, والواو جمع الاسم وأنت إذا قلت: الزيدون قائمون, فأنت بعد محتاج إلى أن يكون في نيتك ما يرجع إلى الزيدين, ولو كانت الواو ضميرا والألف ضميرا لما جاز أن تقول: القائمان الزيدان, ولا القائمون الزيدون, أو يكون جملة فيها ضميره, والجمل المفيدة على ضربين: إما فعل وفاعل وإما مبتدأ وخبر, أما الجملة التي هي مركبة من فعل وفاعل/ ٣٩ فنحو قولك: زيد ضربته, وعمرو لقيت أخاه, وبكر قام أبوه, وأما الجملة التي هي مركبة من ابتداء وخبر فقولك: زيد أبوه منطلق, وكل جملة تأتي بعد المبتدأ فحكمها في إعرابها كحكمها إذا لم يكن قبلها مبتدأ, ألا ترى أن إعراب "أبوه منطلق" بعد قولك: بكر, كإعرابه لو لم يكن بكر قبله, فأبوه مرتفع بالابتداء "ومنطلق" خبره, فبكر مبتدأ أول وأبوه مبتدأ ثانٍ ومنطلق خبر الأب, والأب "منطلق" خبر بكر,

стр. 69

وموضع قولك: "أبوه منطلق" رفع, ومعنى قولنا: الموضح, أي: لو وقع موقع الجملة اسم مفرد لكان مرفوعًا, وقد يجوز أن يأتي مبتدأ بعد مبتدأ [بعد مبتدأ] ١, وأخبار كثيرة بعد مبتدأ وهذه المبتدآت إذا كثروها فإنما هي شيء قاسه النحويون ليتدرب به المتعلمون٢, ولا أعرف له في كلام العرب نظيرًا, فمن ذلك قولهم: زيد هند العمران منطلقان إليهما من أجله, فزيد مبتدأ أول, وهند مبتدأ ثان, والعمران مبتدأ ثالث, وهند وما بعدها خبر لها, والعمران وما بعدهما خبر لهما, وجميع ذلك خبر/ ٤٠ عن زيد, والراجع الهاء في قولك, من أجله, والراجع إلى هند "الهاء" في قولك: إليها والمنطلقان هما العمران, وهما الخبر عنها. وفيهما ضميرهما, فكلما سئلت عنه من هذا؟ فهذا أصله فإذا طال الحديث عن المبتدأ كل الطول وكان فيه ما يرجع ذكره إليه جاز نحو قولك: "عبد الله قام رجل كان يتحدث مع زيد في داره" صار جميع هذا خبرًا عن "عبد الله" من أجل هذه الهاء التي رجعت إليه بقولك: "في داره" وموضع هذا الجملة كلها رفع من أجل أنك لو وضعت موضعها "منطلقًا" وما أشبهه ما كان إلا رفعًا, فقد بان من جميع ما ذكرنا أنه قد يقع في خبر المبتدأ أحد أربعة أشياء, الاسم أو الفعل أو الظرف, أو الجملة. واعلم أن المبتدأ أو الخبر من جهة معرفتهما أو نكرتهما أربعة: الأول: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة نحو: عمرو منطلق: وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه٣ الكلام٤. الثاني: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر معرفة نحو: زيد أخوك, وأنت

стр. 70

تريد أنه أخوه/ ٤١ من النسب, وهذا ونحوه إنما يجوز إذا كان المخاطب يعرف زيدًا على انفراده ولا يعلم أنه أخوه لفرقة كانت بينهما أو لسبب آخر ويعلم أن له أخًا ولا يدري أنه زيد هذا فتقول له: أنت١ زيد أخوك, أي: زيد هذا الذي عرفته هو أخوك الذي كنت علمته, فتكون الفائدة في اجتماعهما وذلك هو الذي استفاده المخاطب, فمتى كان الخبر عن المعرفة معرفة فإنما الفائدة في مجموعهما, فأما أن يكون يعرفهما مجتمعين وإن هذا هذا فذا٢ كلام لا فائدة فيه, فإن قال قائل: فأنت٣ تقول: الله ربنا ومحمد نبينا, وهذا معلوم معروف, قيل له: هذا إنما هو معروف عندنا وعند المؤمنين وإنما نقوله ردًّا على الكفار٤ وعلى من لا يقول به ولو لم يكن لنا مخالف على هذا القول لما قيل إلا في التعظيم والتحميد٥ لطلب الثواب به, فإن المسبح يسبح وليس يريد أن يفيد أحدًا شيئًا وإنما يريد أن يتبرر٦ ويتقرب٧ إلى الله بقول الحق, وبذلك أمرنا وتعبدنا, وأصل ذلك الاعتراف بمن الله عليه٨ بأن عرفه نفسه وفضله/ ٤٢ على من لا يعرف ذلك, وأصل الكلام موضوع للفائدة وإن اتسعت المذاهب فيه, ولكن لو قال قائل: النار حارة والثلج بارد لكان هذا كلامًا لا فائدة فيه, وإن كان الخبر فيهما نكرة. الثالث: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر نكرة وقد بينا أن الجائز من ذلك ما كانت فيه فائدة. فأما الكلام إذا كان منفيا فإن النكرة فيه حسنة لأن الفائدة فيه واقعة نحو قولك: ما أحد في الدار, وما فيها رجل.

стр. 71

الرابع: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة, وهذا قلب ما وضع عليه١ الكلام وإنما جاء مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر فتعمل لضرورة الشاعر, نحو قوله: كأنَّ سلافةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مزاجَهَا عَسلٌ ومَاءُ٢ فجعل اسم "كان" عسل وهو نكرة وجعل مزاجها الخبر وهو معرفة بالإِضافة إلى الضمير ومع ذلك فإنما حسن هذا عند قائله أن عسلًا وماءً نوعان وليسا كسائر النكرات التي تنفصل بالخلقة والعدد نحو: تمرة وجوزة, والضمير الذي في/ ٤٣ "مزاجها" راجع إلى نكرة وهو قوله: سلافة, فهو مثل قولك: خمرة ممزوجة بماء. وقد يعرض الحذف في المبتدأ وفي الخبر أيضًا لعلم المخاطب بما حذف, والمحذوف على ثلاث جهات:

стр. 72

الأولى: حذف المبتدأ وإضماره إذا تقدم من ذكره ما يعلمه السامع فمن ذلك أن ترى جماعة يتوقعون الهلال فيقول القائل: الهلال والله, أي: هذا الهلال فيحذف هذا, وكذلك لو كنت منتظرًا رجلًا فقيل: عمرو, جاز على ما وصفت لك, ومن ذلك: مررت برجل زيد؛ لأنك لما قلت: مررت١ برجل, أردت أن تبين من هو, فكأنك قلت هو زيد وعلى هذا قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ ٢. الجهة الثانية: أن تحذف الخبر لعلم السامع, فمن ذلك أن يقول القائل: ما بقي لكم أحد, فتقول: زيد أو عمرو, أي: زيد لنا, ومنه لولا عبد الله لكان كذا وكذا, فعبد الله مرتفع بالابتداء والخبر محذوف وهو في مكان كذا وكذا, فكأنه قال: لولا عبد الله بذلك المكان, ولولا القتال كان في زمان كذا وكذا, ولكن حذف حين كثر استعمالهم إياه وعرف المعنى/ ٤٤ فأما قوله: لكان "كذا وكذا" فحديث متعلق بحديث "لولا" وليس من المبتدأ في شيء ومن ذلك: هل من طعام, فموضع "من طعام" رفع كأنك٣ قلت: هل طعام والمعنى: هل طعام في زمان أو مكان و"من" تزاد توكيدًا مع حرف النفي وحرف الاستفهام إذا وليهما نكرة وسنذكرها في موضعها إن شاء الله. وقد أدخلوها على الفاعل والمفعول أيضًا كما أدخلوها على المبتدأ فقالوا: ما أتاني من رجل, في موضع: ما أتاني رجل. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ ٤ و ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَد﴾ ٥. وكذلك قولك: هل من طعام, وإنما هو: هل طعام,٦ فموضع "من طعام" رفع بالابتداء.

стр. 73

الجهة الثالثة: أنهم ربما حذفوا شيئًا من الخبر في الجمل وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون فيه الضمير الراجع إلى المبتدأ نحو قولهم: السمن منوان بدرهم, يريد: منه, وإلا كان كلامًا غير جائز, لأنه ليس فيه ما يرجع إلى الأول. وإما أن يكون المحذوف شيئا ليس فيه راجع ولكنه متصل بالكلام نحو قولك: الكر١ بستين درهمًا, فأمسكت عن ذكر الدرهم بعد ذكر الستين لعلم/ ٤٥ المخاطب. وتعتبر خبرًا لمبتدأ بأنك متى سألت عن الخبر جاز أن يجاب بالمبتدأ؛ لأنه يرجع إلى أنه هو هو في المعنى. ألا ترى أن القائل٢ إذا قال: عمرو منطلق, فقلت٣: من المنطلق؟ قال: عمرو, وكذلك إذا قال٤: عبد الله أخوك, فقلت: من أخوك؟ قال: عبد الله, وكذلك لو قال: عبد الله قامت جاريته في دار أخيه, فقلت: من الذي قامت جاريته٥ في دار أخيه؟ لقال: عبد الله, وخبر المبتدأ يكون جواب "ما"٦ وأي, وكيف, وكم, وأين, ومتى, يقول القائل: الدينار ما هو؟ فتقول: حجر, فتجيبه بالجنس, ويقول٧ الدينار٨ أي الحجارة هو؟ فتقول: ذهب, فتجيبه بنوع٩ من ذلك الجنس, وهذا إنما١٠ يسأل عنه من سمع بالدينار ولم يعرفه. ويقول: الدينار كيف هو؟ فتقول: مدور أصفر حسن منقوش, ويقول: الدينار كم قيراطًا هو؟ فتقول: الدينار عشرون قيراطًا, فيقول: أين

стр. 74

هو؟ فتقول: في بيت المال والكيس ونحو ذلك, ولا يجوز أن تقول: الدينار متى هو, وقد بينا أن ظروف/ ٤٦ الزمان لا تتضمن الجثث إلا على شرط الفائدة, والتأول, ولكن تقول: القتال متى هو؟ فتقول: يوم كذا وكذا, فأما إذا كان الخبر معرفة أو معهودًا فإنما يقع في جواب "من وأي" نحو قوله: زيد من هو؟ والمعنى: أي الناس هو؟ وأي القوم هو؟ فتقول: أخوك المعروف١ أو أبو عمرو, أي: الذي من أمره كذا, وتقول: هذا الحمار, أي الحمير هو؟ فتقول: الأسود المعروف بكذا وما أشبهه. واعلم: أن خبر المبتدأ إذا كان اسمًا من أسماء الفاعلين وكان المبتدأ هو الفاعل في المعنى وكان جاريًا عليه إلى جنبه أضمر فيه ما يرجع إليه وانستر٢ الضمير نحو قولك: عمرو قائم وأنت منطلق, فأنت وعمرو الفاعلان في المعنى, لأن عمرًا هو الذي قام, وقائم جار على "عمرو" وموضوع إلى جانبه, لم يحل بينه وبينه حائل, فمتى كان الخبر بهذه الصفة لم يحتج إلى أن يظهر الضمير إلا مؤكدًا, فإن أردت التأكيد, قلت: زيد قائم هو, وإن لم ترد التأكيد فأنت/ ٤٧ مستغن عن ذلك وإنما احتمل "ضارب وقائم" وما أشبههما من أسماء الفاعلين ضمير الفاعل ورفع الأسماء التي تبنى عليه لمضارعته الفعل فأضمروا فيه كما أضمروا في الفعل إلا أن المشبه بالشيء [ليس] ٣ هو ذلك الشيء بعينه فضمنوه الضمير متى كان جاريًا على الاسم الذي قبله, وإنما يكون كذلك في ثلاثة مواضع: إما أن يكون خبرًا لمبتدأ نحو قولك: عمرو منطلق كما ذكرنا أو يكون صفة نحو: مررت برجل قائم, أو حالًا نحو: رأيت زيدًا قائمًا, ففي اسم الفاعل ضمير في جميع هذه المواضع, فإن وقع بعدها اسم ظاهر ارتفع ارتفاع الفاعل بفعله, ومتى جرى اسم الفاعل على غير من هو له فليس يحتمل أن يكون فيه ضمير الفاعل, كما يكون في الفعل, لأن انستار ضمير الفاعل إنما هو للفعل,

стр. 75

ولذلك بنيت لام "فعل" مع ضمير الفاعل المخاطب في "فعلت" والمخاطب والمخاطبة أيضًا في "فعلتَ"/ ٤٨ وفعلتِ كما بينا فيما مضى. فإن قلت: هند زيد ضاربته, لم يكن بد من أن تقول: هي, من أجل أن قولك: "ضاربته" ليس لزيد في الفعل نصيب, وإنما الضرب كان من هند ولم يعد عليها شيء من ذكرها, والفعل لها, فإنما "ضاربته" خبر عن زيد وفاعله هند في المعنى, ولم يجز إلا إظهار الضمير, فقلت حينئذ هي مرتفعة "بضاربته" كما ترتفع هند إذا قلت: زيد ضاربته هند, فالمكنى١ ههنا بمنزلة الظاهر, ولا يجوز أن تتضمن "ضاربته" ضمير الفاعل, فإن أردت أن تثني قلت: الهندان الزيدان ضاربتهما هما, لأن "ضاربه" ليس فيه ضمير الهندين إنما هو فعل فاعله المضمر, هذا على قول من قال: أقائم أخواك٢, فأما من قال: أكلوني البراغيث٣ فيجعل في الفعل علامة التثنية والجمع ولم يرد الضمير ليدل على أن فاعله مثنى أو مجموع كما كانت التاء في "فعلت هند" فرقًا بين فعل المذكر والمؤنث, فإنه يقول: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما فإذا قلت: هند زيد ضاربته/ ٤٩ هي "فهند" مرتفعة بالابتداء, "وزيد" مبتدأ ثان, وضاربته خبر زيد "وهي" هذه اللفظة مرتفعة بأنها فاعلة, والفعل "ضاربته" والهاء ترجع إلى زيد, وهي ترجع إلى هند والجملة خبر عنها, فإن جعلت موضع فاعل, يفعل فقلت: زيد هند تضربه, أضمرت الفاعل ولم تظهره, فهذا مما خالفت فيه الأسماء الأفعال, ألا ترى أنك تقول: زيد أضربه وزيد تضربه. فإن
следующие страницы →