الرابع: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة, وهذا قلب ما وضع عليه١ الكلام وإنما جاء مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر فتعمل لضرورة الشاعر, نحو قوله:
كأنَّ سلافةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مزاجَهَا عَسلٌ ومَاءُ٢
فجعل اسم "كان" عسل وهو نكرة وجعل مزاجها الخبر وهو معرفة بالإِضافة إلى الضمير ومع ذلك فإنما حسن هذا عند قائله أن عسلًا وماءً نوعان وليسا كسائر النكرات التي تنفصل بالخلقة والعدد نحو: تمرة وجوزة, والضمير الذي في/ ٤٣ "مزاجها" راجع إلى نكرة وهو قوله: سلافة, فهو مثل قولك: خمرة ممزوجة بماء.
وقد يعرض الحذف في المبتدأ وفي الخبر أيضًا لعلم المخاطب بما حذف, والمحذوف على ثلاث جهات:
стр. 72
الأولى: حذف المبتدأ وإضماره إذا تقدم من ذكره ما يعلمه السامع فمن ذلك أن ترى جماعة يتوقعون الهلال فيقول القائل: الهلال والله, أي: هذا الهلال فيحذف هذا, وكذلك لو كنت منتظرًا رجلًا فقيل: عمرو, جاز على ما وصفت لك, ومن ذلك: مررت برجل زيد؛ لأنك لما قلت: مررت١ برجل, أردت أن تبين من هو, فكأنك قلت هو زيد وعلى هذا قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ ٢.
الجهة الثانية: أن تحذف الخبر لعلم السامع, فمن ذلك أن يقول القائل: ما بقي لكم أحد, فتقول: زيد أو عمرو, أي: زيد لنا, ومنه لولا عبد الله لكان كذا وكذا, فعبد الله مرتفع بالابتداء والخبر محذوف وهو في مكان كذا وكذا, فكأنه قال: لولا عبد الله بذلك المكان, ولولا القتال كان في زمان كذا وكذا, ولكن حذف حين كثر استعمالهم إياه وعرف المعنى/ ٤٤ فأما قوله: لكان "كذا وكذا" فحديث متعلق بحديث "لولا" وليس من المبتدأ في شيء ومن ذلك: هل من طعام, فموضع "من طعام" رفع كأنك٣ قلت: هل طعام والمعنى: هل طعام في زمان أو مكان و"من" تزاد توكيدًا مع حرف النفي وحرف الاستفهام إذا وليهما نكرة وسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
وقد أدخلوها على الفاعل والمفعول أيضًا كما أدخلوها على المبتدأ فقالوا: ما أتاني من رجل, في موضع: ما أتاني رجل. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ ٤ و ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَد﴾ ٥. وكذلك قولك: هل من طعام, وإنما هو: هل طعام,٦ فموضع "من طعام" رفع بالابتداء.
стр. 73
الجهة الثالثة: أنهم ربما حذفوا شيئًا من الخبر في الجمل وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون فيه الضمير الراجع إلى المبتدأ نحو قولهم: السمن منوان بدرهم, يريد: منه, وإلا كان كلامًا غير جائز, لأنه ليس فيه ما يرجع إلى الأول. وإما أن يكون المحذوف شيئا ليس فيه راجع ولكنه متصل بالكلام نحو قولك: الكر١ بستين درهمًا, فأمسكت عن ذكر الدرهم بعد ذكر الستين لعلم/ ٤٥ المخاطب. وتعتبر خبرًا لمبتدأ بأنك متى سألت عن الخبر جاز أن يجاب بالمبتدأ؛ لأنه يرجع إلى أنه هو هو في المعنى. ألا ترى أن القائل٢ إذا قال: عمرو منطلق, فقلت٣: من المنطلق؟ قال: عمرو, وكذلك إذا قال٤: عبد الله أخوك, فقلت: من أخوك؟ قال: عبد الله, وكذلك لو قال: عبد الله قامت جاريته في دار أخيه, فقلت: من الذي قامت جاريته٥ في دار أخيه؟ لقال: عبد الله, وخبر المبتدأ يكون جواب "ما"٦ وأي, وكيف, وكم, وأين, ومتى, يقول القائل: الدينار ما هو؟ فتقول: حجر, فتجيبه بالجنس, ويقول٧ الدينار٨ أي الحجارة هو؟ فتقول: ذهب, فتجيبه بنوع٩ من ذلك الجنس, وهذا إنما١٠ يسأل عنه من سمع بالدينار ولم يعرفه. ويقول: الدينار كيف هو؟ فتقول: مدور أصفر حسن منقوش, ويقول: الدينار كم قيراطًا هو؟ فتقول: الدينار عشرون قيراطًا, فيقول: أين
стр. 74
هو؟ فتقول: في بيت المال والكيس ونحو ذلك, ولا يجوز أن تقول: الدينار متى هو, وقد بينا أن ظروف/ ٤٦ الزمان لا تتضمن الجثث إلا على شرط الفائدة, والتأول, ولكن تقول: القتال متى هو؟ فتقول: يوم كذا وكذا, فأما إذا كان الخبر معرفة أو معهودًا فإنما يقع في جواب "من وأي" نحو قوله: زيد من هو؟ والمعنى: أي الناس هو؟ وأي القوم هو؟ فتقول: أخوك المعروف١ أو أبو عمرو, أي: الذي من أمره كذا, وتقول: هذا الحمار, أي الحمير هو؟ فتقول: الأسود المعروف بكذا وما أشبهه. واعلم: أن خبر المبتدأ إذا كان اسمًا من أسماء الفاعلين وكان المبتدأ هو الفاعل في المعنى وكان جاريًا عليه إلى جنبه أضمر فيه ما يرجع إليه وانستر٢ الضمير نحو قولك: عمرو قائم وأنت منطلق, فأنت وعمرو الفاعلان في المعنى, لأن عمرًا هو الذي قام, وقائم جار على "عمرو" وموضوع إلى جانبه, لم يحل بينه وبينه حائل, فمتى كان الخبر بهذه الصفة لم يحتج إلى أن يظهر الضمير إلا مؤكدًا, فإن أردت التأكيد, قلت: زيد قائم هو, وإن لم ترد التأكيد فأنت/ ٤٧ مستغن عن ذلك وإنما احتمل "ضارب وقائم" وما أشبههما من أسماء الفاعلين ضمير الفاعل ورفع الأسماء التي تبنى عليه لمضارعته الفعل فأضمروا فيه كما أضمروا في الفعل إلا أن المشبه بالشيء [ليس] ٣ هو ذلك الشيء بعينه فضمنوه الضمير متى كان جاريًا على الاسم الذي قبله, وإنما يكون كذلك في ثلاثة مواضع: إما أن يكون خبرًا لمبتدأ نحو قولك: عمرو منطلق كما ذكرنا أو يكون صفة نحو: مررت برجل قائم, أو حالًا نحو: رأيت زيدًا قائمًا, ففي اسم الفاعل ضمير في جميع هذه المواضع, فإن وقع بعدها اسم ظاهر ارتفع ارتفاع الفاعل بفعله, ومتى جرى اسم الفاعل على غير من هو له فليس يحتمل أن يكون فيه ضمير الفاعل, كما يكون في الفعل, لأن انستار ضمير الفاعل إنما هو للفعل,
стр. 75
ولذلك بنيت لام "فعل" مع ضمير الفاعل المخاطب في "فعلت" والمخاطب والمخاطبة أيضًا في "فعلتَ"/ ٤٨ وفعلتِ كما بينا فيما مضى. فإن قلت: هند زيد ضاربته, لم يكن بد من أن تقول: هي, من أجل أن قولك: "ضاربته" ليس لزيد في الفعل نصيب, وإنما الضرب كان من هند ولم يعد عليها شيء من ذكرها, والفعل لها, فإنما "ضاربته" خبر عن زيد وفاعله هند في المعنى, ولم يجز إلا إظهار الضمير, فقلت حينئذ هي مرتفعة "بضاربته" كما ترتفع هند إذا قلت: زيد ضاربته هند, فالمكنى١ ههنا بمنزلة الظاهر, ولا يجوز أن تتضمن "ضاربته" ضمير الفاعل, فإن أردت أن تثني قلت: الهندان الزيدان ضاربتهما هما, لأن "ضاربه" ليس فيه ضمير الهندين إنما هو فعل فاعله المضمر, هذا على قول من قال: أقائم أخواك٢, فأما من قال: أكلوني البراغيث٣ فيجعل في الفعل علامة التثنية والجمع ولم يرد الضمير ليدل على أن فاعله مثنى أو مجموع كما كانت التاء في "فعلت هند" فرقًا بين فعل المذكر والمؤنث, فإنه يقول: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما فإذا قلت: هند زيد ضاربته/ ٤٩ هي "فهند" مرتفعة بالابتداء, "وزيد" مبتدأ ثان, وضاربته خبر زيد "وهي" هذه اللفظة مرتفعة بأنها فاعلة, والفعل "ضاربته" والهاء ترجع إلى زيد, وهي ترجع إلى هند والجملة خبر عنها, فإن جعلت موضع فاعل, يفعل فقلت: زيد هند تضربه, أضمرت الفاعل ولم تظهره, فهذا مما خالفت فيه الأسماء الأفعال, ألا ترى أنك تقول: زيد أضربه وزيد تضربه. فإن
стр. 76
كان في موضع الفعل اسم الفاعل لم تقل إلا زيد ضاربه أنا أو أنت١ لأن في تصاريف الفعل ما يدل على المضمر ما هو٢, كما قد ذكرنا فيما قد تقدم, وليس ذلك في الأسماء وحكم اسم المفعول حكم اسم الفاعل٣, تقول: زيد مضروب, فتكون خبرًا لزيد كما تكون "ضارب" ويكون فيه ضميره كما يكون في الفاعل, فتقول: عمرو الجبة مكسوته إذ كان في "مكسوته", ضمير الجبة مستترًا, فإن كان فيه ضمير "عمرو" لم يجز حتى تقول: عمرو الجبة مكسوها هو, فحكم المفعول/ ٥٠ حكم الفاعل, كما أن فُعِلَ "كفَعَلَ" في عمله, وحق خبر المبتدأ إذا كان جملة أن يكون خبرًا كاسمه يجوز٤ فيه التصديق والتكذيب, ولا يكون استفهامًا ولا أمرًا ولا نهيًا وما أشبه ذلك مما لا يقال فيه صدقت ولا كذبت, ولكن العرب قد٥ اتسعت في كلامها فقالت: زيد كم مرة رأيته, فاستجازوا٦ هذا لما كان زيدٌ في المعنى والحقيقة داخلًا في جملة ما استفهم عنه, لأن الهاء هي زيدٌ, وكذلك كل ما اتسعوا فيه من هذا الضرب.
стр. 77
شرح الثالث من الأسماء المرتفعة وهو الفاعل:
الاسم الذي يرتفع بأنه فاعل هو الذي بنيته على الفعل الذي بني للفاعل. ويجعل الفعل حديثًا عنه مقدمًا قبله كان فاعلًا في الحقيقة أو لم يكن
стр. 78
كقولك: جاء زيدٌ ومات عمروٌ, وما أشبه ذلك, ومعنى قولي: بنيته على الفعل الذي بني للفاعل, أي: ذكرت الفعل قبل الاسم, لأنك لو أتيت بالفعل بعد الاسم لارتفع الاسم بالابتداء, وإنما قلت على الفعل/٥١ الذي بني للفاعل, لأفرق بينه وبين الفعل الذي بني للمفعول إذ كانوا قد فرقوا بينهما فجعلوا "ضرب" للفاعل مفتوح الفاء و"ضرب" للمفعول مضموم الفاء مكسور العين, وقد جعل بينهما في جميع تصاريف الأفعال ماضيها ومستقبلها وثلاثيها ورباعيها وما فيه زائد منها فروق في الأبنية, وهذا يبين لك في موضعه إن شاء الله. وإنما قلت: كان فاعلًا في الحقيقة أو لم يكن, لأن الفعل ينقسم قسمين: فمنه حقيقي, ومنه غير حقيقي, والحقيقي ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون١ الفعل لا يتعدى الفاعل إلى من سواه ولا يكون فيه دليل على مفعول, نحو: قمت وقعدت, والآخر أن يكون فعلًا واصلًا إلى اسم بعد اسم الفاعل, والفعل الواصل على ضربين: فضربٌ واصل مؤثر نحو: ضربت زيدًا وقتلت بكرًا, والضرب٢ الآخر واصل إلى الاسم٣ فقط٤ غير مؤثر/ ٥٢ فيه نحو: ذكرت زيدًا ومدحت عمرًا, وهجوت بكرًا, فإن هذه تتعدى إلى الحي والميت والشاهد والغائب, وإن كنت إنما تمدح الذات وتذمها إلا أنها غير مؤثرة٥.
ومنها الأفعال الداخلة على الابتداء والخبر وإنما تنبئ عن الفاعل بما هجس في نفسه أو تيقنه غير مؤثرة بمفعول, ولكن أخبار٦ الفاعل بما٧ وقع عنده نحو: ظننت زيدًا أخاك. وعلمت زيدًا خير الناس.
стр. 79
القسم الثاني: من القسمة الأولى١: وهو الفعل الذي هو غير فعل حقيقي, فهو على ثلاثة أضرب, فالضرب الأول: أفعال مستعارة للاختصار وفيها بيان أن فاعليها في الحقيقة مفعولون نحو: مات زيدٌ, وسقط الحائط, ومرض بكر.
والضرب الثاني: أفعال في اللفظ وليست بأفعال حقيقية, وإنما تدل على الزمان فقط, وذلك قولك: كان عبد الله أخاك, وأصبح عبد الله عاقلًا, ليست تخبر بفعل فعله إنما تخبر أن عبد الله أخوك فيما مضى/ ٥٣ وأن الصباح أتى عليه وهو عاقل.
والضرب الثالث: أفعال منقولة يراد بها غير الفاعل الذي جعلت له نحو قولك: لا أرينك٢ ههنا, فالنهي إنما هو للمتكلم كأنه ينهي نفسه في اللفظ وهو للمخاطب في المعنى. وتأويله: لا تكونن ههنا فإن٣ "من" حضرني رأيته ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٤ لم ينههم عن الموت في وقت لأن٥ ذلك ليس المهم تقديمه وتأخيره ولكن معناه: كونوا على الإسلام. فإن الموت لا بد منه, فمتى صادفكم صادفكم عليه, وهذا تفسير أبي العباس٦ ﵀.
فالاسم الذي يرتفع بأنه فاعل٧ هو والفعل جملة يستغني عليها٨
стр. 80
السكوت وتمت بها١ الفائدة للمخاطب, ويتم الكلام به دون مفعول والمفعول فضلة في الكلام كالذي تقدم, فأما٢ الفعل فلا بد له من فاعل, وما يقوم مقام الفاعل بمنزلة الابتداء والخبر, ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة قولك: القائم زيد. فالفاعل رفع إذا أخبرت عنه أنه "فَعَلَ" وسيفعل أو هو في حال/٥٤ الفعل أو استفهمت عنه هل يكون فاعلًا أو نفيت أن يكون فاعلًا نحو: قام عبد الله ويقوم عبد الله. وسيقوم عبد الله. وفي الاستفهام: أيقوم عبد الله؟ وفي الجزاء إِنْ يذهب زيد أذهب. وفي النفي, ما ذهب زيد, ولم يقم عمرو, فالعامل هو الفعل على عمله أين نقلته لا يغيره عن عمله شيء أدخلت عليه ما يعمل فيه أو لم يعمل, فسواء كان الفعل مجزومًا أو منصوبًا أو مرفوعًا أو موجبًا أو منفيا أو خبرًا أو استخبارًا هو في جميع هذه الأحوال لا بدّ من أن يرفع به الاسم الذي بني له, فالأفعال كلها ماضيها وحاضرها ومستقبلها يرفع بها الفاعل بالصفة التي ذكرناها, ومن الأفعال ما لا يتصرف في الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل, ويقتصر به على زمان واحد٣, فلا يتصرف في جميع تصاريف الأفعال, وقد أفردناها, وقد أعملوا اسم الفعل, وتأملت جميع ذلك فوجدت الأشياء التي ترتفع بها الأسماء ارتفاع الفاعل ستة أشياء: فعل متصرف, وفعل غير/ ٥٥ متصرف, واسم الفاعل والصفة المشبهة باسم الفاعل والمصدر والأسماء التي سموا فيها الفعل في الأمر والنهي.
فأما الأول: وهو الفعل المتصرف فنحو: قام وضربَ, وتصرفه أنك تقول: يقوم وأقوم وتقوم. وضربَ, ويضرب, وأضرب, وجميع تصاريف الأفعال جارية عليه ويشتق منه اسم الفاعل, فتقول: ضارب,
стр. 81
والثاني: وهو الفعل الذي هو غير متصرف نحو: ليس وعسى وفعل التعجب ونعم وبئس لا تقول منه, يفعل ولا فاعل١. ولا يزول عن بناءٍ واحدٍ, وسنذكر هذه الأفعال بعد في مواضعها إن شاء الله.
الثالث: وهو اسم الفاعل الجاري على فعله, نحو قولك: قام يقوم فهو قائم: وضرب يضرب فهو ضارب, وشرب, يشرب فهو شارب, فضارب وشارب٢ وقائم أسماء الفاعلين. وقد بينا أن اسم الفاعل لا يحسن أن يعمل إلا أن يكون معتمدا على شيء قبله. وذكرنا ما يحسن من ذلك وما يقبح في باب/ ٥٦ خبر الابتداء.
والرابع: الصفة المشبهة باسم الفاعل, نحو قولك: حسن, وشديد تقول: الحسن وجه زيد, [و] ٣ الشديد ساعدك, وما أشبهه.
والخامس: المصدر نحو قولك, عجبت من ضرب زيدٍ عمرو, وتأويله: من أن ضربَ زيدًا عمرو.
السادس: الأسماء التي يسمى الفعل بها في الأمر والنهي نحو قولهم: تراكها ومناعها, يريدون: أترك, وأمنع, ورويد زيدًا وهلم الثريد وصه, ومه يريدون: اسكت, وعليك زيدًا فهذه الأسماء إنما جاءت في الأمر وتحفظ حفظًا ولا يقاس عليها, وسنذكر جميع هذه الأسماء التي أوقعت موقع الفعل في بابها مشروحة إن شاء الله.
стр. 82
شرح الرابع من الأسماء المرتفعة:
وهو المفعول الذي لم يسم من فَعَلَ به, إذا كان الاسم مبنيا على فعلٍ بني للمفعول ولم يذكر من فعلَ به فهو رفع وذلك قولك: ضرب بكر وأخرج خالد, واستخرجت الدراهم, فبني الفعل للمفعول على "فعل" نحو:
стр. 83
"ضُرِبَ" وأفعلَ نحو: "أكرِمَ"/ ٥٧ وتفعل نحو: تضرب, ونفعل نحو: نضرب فخولف بينه وبين بناءِ الفعل الذي بني للفاعل, لئلا يلتبس المفعول بالفاعل, وارتفاع المفعول بالفعل الذي تحدثت به عنه كارتفاع الفاعل إذا كان الكلام لا يتم إلا به ولا يستغني دونه, ولذلك قلت: إذا كان مبنيا على فعلٍ بني للمفعول أردت به ما أردت في الفاعل من أن الكلام لا يتم إلا به وقلت ولم تذكر من فعل به لأنك لو ذكرت الفاعل ما كان المفعول إلا نصبًا, وإنما ارتفع لما زال الفاعل وقام مقامه. واعلم: أن الأفعال التي لا تتعدى لا يبنى منها فعل للمفعول, لأن ذلك محال, نحو: قام, وجلس. لا يجوز أن تقول: قيم زيد ولا جلس عمرو, إذ كنت إنما تبني الفعل للمفعول, فإذا كان الفعل لا يتعدى إلى مفعول فمن أين لك مفعول تبنيه له, فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد نحو: ضربت زيدًا, أزلت الفاعل وقلت: ضرب زيد, فصار المفعول يقوم مقام/ ٥٨ الفاعل وبقي الكلام بغير اسم منصوب لأن الذي كان منصوبًا قد ارتفع, وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين نحو: أعطيت زيدًا درهمًا, فرددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أُعطي زيد درهمًا, فقامَ أحد المفعولين مقامَ الفاعلِ, وبقيَ منصوب واحد١ في الكلام, وكذلك إن كان الفعل يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: أعلم الله زيدًا بكرًا خير الناس, إذا رددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أعلم زيد بكرًا خير الناس. فقام أحد المفعولين مقام الفاعل. وبقي في الكلام اسمان منصوبان, فعلى هذا يجري هذا الباب. وإن كان الفعل لا يتعدى لم يجز ذلك فيه, وإن كان يتعدى إلى مفعول واحدٍ بقي الفعل غير متعد, وإن كان يتعدى إلى اثنين بقي الفعل متعديًا إلى واحد, وإن كان يتعدى إلى ثلاثة, بقي الفعل يتعدى إلى اثنين, فعلى هذا فقس متى نقلت "فعل" الذي هو
стр. 84
للفاعل مبني إلى "فُعِلَ" الذي هو مبني للمفعول فانقص من المفعولات/ ٥٩ واحدًا. وإذا نقلت "فَعَلَت" إلى أفعلتَ, فإن كان الفعل لا يتعدى في "فعلت" فعدهِ إلى واحدٍ إذا نقلته إلى "أفعلت" تقول: قمت فلا يتعدى إلى مفعول, فإن قلت "أفعلت" منه قلت: أقمت زيدا, وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد فنقلته من "فعلت" إلى "أفعلت" عديته إلى اثنين نحو قولك: رأيت الهلال هو متعد إلى مفعول واحدٍ فإن قلت: أريت زيدًا الهلال فيتعدى إلى اثنين, وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين فنقلته من "فعلت" إلى "أفعلت" تعدى إلى ثلاثة مفعولين, تقول علمت بكرًا خير الناس, فإن قلت: أعلمتُ, قلت: أعلمتُ بكرًا زيدًا خير الناس فتعدى إلى ثلاثة, فهذان النقلان مختلفان, إذا نقلت "فعلتُ" إلى "فعلتُ" نقصت من المفعولات واحدًا أبدًا, وإذا نقلت "فعلت" إلى "أفعلت" زدت في المفعولات واحدًا أبدًا, فتبين ذلك فإني إنما ذكرت "فعّلتُ" وإن لم يكن من هذا الباب, لأن الأشياء تتضح بضمها إلى أضدادها/ ٦٠ واسم المفعول الجاري على فعله يعمل عمل الفعل نحو قولك: مضروب, ومعط, يعمل عمل أعطى, ونعطي تقول: زيد مضروب أبوه فترفع "أبوه" بمضروب, كما كنت ترفعه بضاربٍ إذا قلت: زيد ضارب أبوه عمرًا, وتقول: زيد معط أبوه درهمًا "فترفع الأب" "بمعط" وتقول: دفَع إلى زيد درهم, فترفع الدرهم لأنك جررت زيدًا فقام الدرهم مقام الفاعل, ويجوز أن تقول: سير بزيد, فتقيم "بزيد" مقام الفاعل, فيكون موضعه رفعًا ولا يمنعه حرف الجر١ من ذلك, كما قال: ما جاءني من أحد, فأحد فاعل, وإن كان مجرورًا "بمن" وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٢.
стр. 85
فإن أظهرت زيدًا غير مجرور قلت: أعطى زيد درهمًا, وكسى زيد ثوبًا, فهذا وجه الكلام, ويجوز أن تقول: أعطى زيدًا درهم, وكسى زيدًا ثوب, كما كان الدرهم والثوب مفعولين, وكان لا يلبس على السامع الآخذ من المأخوذ جاز, ولكن لو قلت: أعطى/٦١ زيد عمرًا, وكان زيد هو الآخذ لم يجز أن تقول: أعطى عمرو زيدًا, لأن هذا يلبس إذ كان يجوز أن يكون كل واحد منهما آخذًا لصاحبه, وهو لا يلبس في الدرهم وما أشبه, لأن الدرهم لا يكون إلا مأخوذًا, وإنما هذا مجاز والأول الوجه. ومن هذا: أدخل القبر زيدًا, وألبستُ الجبة زيدًا, ولا يجوز على هذا, ضرب زيدًا سوطٌ, لأن سوطًا في موضع قولك: ضربةً بسوطٍ١ فهو مصدر. واعلم: أنه يجوز أن تقيم المصادر والظروف من الأزمنة والأمكنة مقام الفاعل في هذا الباب إذا جعلتها مفعولات على السعة وذلك نحو قولك: سير بزيد سير شديد, وضرب من أجل زيد عشرون سوطًا, واختلف به شهران, ومضى به فرسخان, وقد يجوز نصبها على الموضع, وإن كنت لم تقم المجرور مقام الفاعل, أعني قولك: بزيد على أن تحذف ما يقوم مقام الفاعل وتضمره/٦٢ وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون الذي قام مقام الفعل مصدرًا استغني عن ذكره بدلالة الفعل عليه, وإما أن يكون مكانًا دلَّ الفعل عليه أيضًا إذ كان الفعل لا يخلو من أن يكون في مكان كما أنه لا بد من أن يكون مشتقا من مصدره نحو قولك: سير بزيد فرسخًا أضمرت السير, لأن "سير" يدل على السير, فكأنك قلت: سير السير بزيد فرسخًا, ثم حذفت السير فلم تحتج إلى ذكره معه, كما تقول: من كذب كان شرا له, تريد: كان الكذب شرا له. ولم تذكر الكذب لأن "كذب" قد دل عليه ونظيره قوله تعالى: ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُم﴾ ٢. يعني البخل الذي دل عليه "يبخلون" وأما الذي يدل عليه الفعل من المكان فأن تضمر في
стр. 86
هذه المسألة ما يدل عليه "سير" نحو الطريق وما أشبهه من الأمكنة. ألا ترى أن السير لا بد أن يكون في طريق, فكأنك/ ٦٣ قلت: سير عليه الطريق فرسخًا, ثم حذفت لعلم المخاطب بما تعني, فقد صارَ في "سيرَ بزيدٍ" ثلاثة أوجه:
أجودها أن تقيم, "بزيد" مقام الفاعل, فيكون موضعه رفعًا, وإن كان مجرورًا في اللفظ, وقد أريناك مثل ذلك.
والوجه الثاني: الذي يليه في الجودة أن تريد المصدر فتقيمه مقام الفاعل وتحذفه.
والوجه الثالث: وهو أبعدها أن تريد المكان فتقيمه مقام الفاعل وتحذفه. واعلم: أنك إذا قلت: سير بزيد سيرًا, فالوجه النصب في "سير" لأنك لم تفد بقولك "سيرًا" شيئًا لم يكن في "سير" أكثر من التوكيد, فإن وصفته فقلت: شديدًا أو هينًا, فالوجه الرفع لأنك لما نعته قربته من الأسماء وحدثت فيه فائدة لم تكن في "سير" والظروف بهذه المنزلة, لو قلت: سير بزيد مكانًا أو يومًا لكان الوجه النصب, فإن قلت: يوم كذا أو مكانًا بعيدًا أو قريبًا اختير الرفع والتقديم والتأخير والإِضمار والإِظهار في الاسم الذي قام مقام الفاعل ولم/ ٦٤ يسم من فعل به مثله في الفاعل يجوز فيه ما جاز في ذلك لا فرق بينهما في جميع ذلك, وتقول: كيف أنت إذا نحى نحوك ونحوك على ما فسرنا, فإن قلت: نحى قصدك فالاختيار عند قوم من النحويين النصب لمخالفة لفظ الفعل لفظ المصدر, والمصادر والظروف من الزمان والمكان لا يجعل شيء منها مرفوعًا١ في هذا الباب حتى يقدر فيه أنه إذا كان
стр. 87
الفاعل معه أنه مفعول صحيح فحينئذ يجوز أن يقام مقام الفاعل إذا لم تذكر الفاعل. فأما الحال والتمييز, فلا يجوز أن يجعل واحد منهما في محل الفاعل, إذا قلت: سير بزيد قائمًا أو تصبب بدن عمرو عرقًا, لا يجوز أن تقيم "قائمًا وعرقًا" مقام الفاعل, لأنهما لا يكونان إلا نكرة, فالفاعل وما قام مقامه يضمر كما يظهر, والمضمر لا يكون إلا معرفة وكذلك المصدر الذي يكون علة لوقوع الشيء نحو: جئتك ابتغاء الخير لا يقوم مقام الفاعل ابتغاء الخير, لأن المعنى لابتغاء الخير, ومن أجل ابتغاء الخير/ ٦٥ فإن أقمته مقام الفاعل زال ذلك المعنى, وقد أجاز قوم في "كان زيد قائمًا" أن يردوه إلى ما لم يسم فاعله فيقولون: كين قائم.
قال أبو بكر: وهذا عندي لا يجوز من قبل أن "كان" فعل غير حقيقي, وإنما يدخل على المبتدأ والخبر, فالفاعل فيه غير فاعل في الحقيقة, والمفعول غير مفعول على الصحة فليس فيه مفعول, يقوم مقام الفاعل, لأنهما غير متغايرين إذ كان إلى شيء واحد١, لأن الثاني هو الأول في المعنى. وقد نطق بما لم يسم فاعله في أحرف ولم ينطق فيها بتسمية الفاعل, فقالوا: أنيخت الناقة, وقد وضع زيد في تجارته, ووكس٢, وأغرى به وأولع به, وما كان من نحو هذا مما أَخذ عنهم سماعًا وليس بباب يقاس عليه.
стр. 88
شرح الخامس: وهو المشبه بالفاعل في اللفظ .
المشبه بالفاعل على ضربين: ضرب منه ارتفع "بكان وأخواتها" وضرب آخر ارتفع بحروف شبهت "بكان" والفعل, وأخوات "كان": صار, وأصبح, وأمسى/ ٦٦ وظل, وأضحى, وما دام, وما زال, وليس, وما أشبه ذلك مما يجيء عبارة عن الزمان فقط وما كان في معناهن مما لفظه لفظ الفعل, وتصاريفه تصاريف الفعل١, تقول: كان, ويكون, وسيكون, وكائن, فشبهوها بالفعل لذلك, فأما مفارقتها للفعل الحقيقي فإن الفعل الحقيقي يدل على معنى وزمان نحو قولك: ضرب يدل على ما مضى من الزمان وعلى الضرب الواقع فيه "وكان" إنما يدل على ما مضى من الزمان فقط "ويكون" تدل على ما أنت فيه من الزمان وعلى ما يأتي, فهي تدل على زمان فقط, فأدخلوها على المبتدأ وخبره, فرفعوا بها ما كان مبتدأ تشبيهًا بالفاعل و [نصبوا٢ بها الخبر] تشبيهًا بالمفعول فقالوا: كان عبد الله أخاك, كما قالوا: ضرب عبد الله أخاك, إلا أن المفعول في "كان" لا بد من أن يكون هو الفاعل, لأن أصله المبتدأ وخبره, كما كان خبر المبتدأ لا بد من أن يكون هو المبتدأ فإذا قالوا/ ٦٧ "كان زيد قائمًا" فإنما معناه: زيد قام فيما مضى من الزمان, فإذا قالوا: أصبح عبد الله منطلقًا, فإنما المعنى: أتى الصباح وعبد الله منطلق, فهذا تشبيه لفظي, وكثيرًا ما يعملون الشيء عمل الشيء إذا أشبهه في اللفظ وإن لم يكن مثله في المعنى وسترى ذلك إن شاء الله, فقد بان شبه "كان وأخواتها" بالفعل إذ كنت تقول: كان يكون, وأصبح يصبح وأضحى, ويضحى, ودام يدوم, وزال يزال, فأما ليس, فالدليل على أنها فعل وإن كانت لا تتصرف٣ تصرف الفعل قولك: لست, كما تقول: ضربت ولستما كضربتما, ولسنا, كضربنا ولسن, كضربن,
стр. 89
ولستن, كضربتن, وليسوا, كضربوا, وليست أمة الله ذاهبة كقولك: ضربت أمة الله زيدًا.
وإنما امتنعت من التصرف, لأنك إذا قلت "كان" دللت على ما مضى, وإذا قلت "يكون" دللت على ما هو فيه وعلى ما لم يقع, وإذا قلت: ليس زيد قائمًا الآن أو غدًا أدت ذلك المعنى الذي في يكون,/ ٦٨ فلما كانت تدل على ما يدل عليه المضارع استغني عن المضارع فيها, ولذلك لم تبن بناء الأفعال التي هي من بنات الياء مثل باع وبات. وإذا اجتمع في هذا الباب معرفة ونكرة فاسم "كان" المعرفة كما كان ذلك في الابتداء هو المبتدأ لا فرق بينهما في ذلك, تقول: كان عمرو منطلقًا, وكان بكر رجلًا عاقلًا, وقد يكون الاسم معرفة والخبر معرفة كما كان ذلك في الابتداء أيضًا, تقول: كان عبد الله أخاك, وكان أخوك عبد الله, أيهما شئت جعلته اسم "كان" وجعلت الآخر خبرًا لها, والشعراء قد يضطرون فيجعلون الاسم نكرة والخبر معرفة١ لعلمهم أن المعنى يئول إلى شيء واحد, فمن ذلك قول حسان:
كأنَّ سلافةً منْ بيت رأسٍ ... يكون مزاجَها عسَل وماءُ٢
وقال القطامي:
قفي قبل التفرقِ يا ضباعا ... ولا يك موقف منكِ الوداعا٣
стр. 90
وقد مضى تفسير هذا, وقد تخبر في هذا الباب بالنكرة عن النكرة إذا كان فيه فائدة وذلك قولك: ما كان/ ٦٩ أحد مثلك, وليس أحد خيرًا منك, وما كان رجل قائمًا مقامك, وإنما صلح هذا هنا, لأن قولك: "رجل" في موضع الجماعة إذا جعلوا رجلًا رجلًا, يدلك على ذلك قولك: ما كان رجلان أفضل منهما.
والمعول في هذا الباب وغيره على الفائدة, كما كان في المبتدأ والخبر. فما كانت فيه فائدة فهو جائز فأنت إذا قلت: ليس فيها أحد فقد نفيت الواحد والاثنين وأكثر من ذلك, ومثل هذا لا يقع في الإيجاب ونظير أحد عريب١ وكتيع٢, وطورئ٣ وديار, قال الراجز:
وبلدة ليس بها ديار
ومن هذه الأسماء ما يقع بعد "كل" لعمومها, تقول: يعلم هذا كل أحد, وأما قول الشاعر٤:
стр. 91
حتى ظهرت فما تخفى على أحدٍ ... إلا على أحدٍ لا يعرف القمرا
فقد فسر هذا البيت على ضربين:
أحدهما: أن يكون "أحد" في معنى واحد كأنه قال: إلا على واحد لا يعرف القمرا, فأحد هذه هي التي تقع في قولك/٧٠: أحد وعشرون وتكون على قولك "أحد" التي تقع في النفي فتجريه في هذا الموضع على الحكاية لتقديم ذكره إياه, ونظير ذلك أن يقول القائل: أما في الدار أحد, فتقول مجيبًا بلى, وأحد, إنما هو حكاية للفظ ورد عليه, وتقول: ما كان رجل صالح مشبه زيدًا في الدار, إذا جعلت في الدار خبرًا, ومعنى هذا الكلام أن زيدًا صالح فمشبهه مثله. فإن نصبت "مشبهًا" فقد ذممت زيدًا أو أخبرت أن ما كان صالحًا غير تشبيه. فإذا قلت: ما كان أحد مثلك, وما كان مثلك أحد فكلها نكرات لأن "مثل وشبه" يكن نكرات, وإن أَضفن إلى المعارف لأنهن لا يخصصن شيئًا بعينه لأن الأشياء تتشابه من وجوه, وتتنافى من وجوه, فإن أردت "بمثلك" المعروف "بشبهك" خاصة كان معرفة كأخيك. وتقول: ما كان في الدار أحد مثل زيد, إذا جعلت "في الدار" الخبر, وإن جعلت "في الدار" لغوًا نصبت المثل/ ٧١ قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ ١.
стр. 92
والظروف يجوز أن يفصل بها بين "كان" وما عملت فيه لاشتمالها على الأشياء فتقديمها وهي ملغاة بمنزلة تأخيرها, واعلم: أن جميع ما جاز في المبتدأ وخبره من التقديم والتأخير, فهو جائز في "كان" إلا أن يفصل بينها وبين ما عملت فيه بما لم تعمل فيه فإن فصلت بظرف ملغى جاز, فأما ما يجوز فقولك: كان منطلقًا عبد الله, وكان منطلقًا اليوم عبد الله, وكان أخاك صاحبنا, وزيد كان قائمًا غلامه, والزيدان كان قائمًا غلامهما, تريد كان غلامهما قائمًا, وكذلك: أخوات "كان" قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ ١. وتقول: من كان أخاك إذا كانت "من" مرفوعة, كأنك قلت: أزيد كان أخاك, وتقول: من كان أخوك, إذا كانت "من" منصوبة, كأنك قلت: أزيدًا كان أخوك, وهذا كقولك: من ضرب أخاك؟ ومن ضرب أخوك؟ فما أجزته في المبتدأ والخبر من التقديم والتأخير/ ٧٢ فأجزه فيها, ولكن لا تفصل بينها وبين ما عملت فيه بما لم تعمل فيه, ولا تقل: كانت زيدًا الحمى تأخذ, ولا: كان غلامه زيد يضرب, لا تجز هذا إذا كان "زيد والحمى" اسمين لكان. فإن أضمرت في "كان" الأمر أو الحديث أو القصة وما أشبه ذلك وهو الذي يقال له: المجهول. كان ذلك المضمر اسم "كان" وكانت هذه الجملة خبرها, فعلى ذلك يجوز, كان زيدًا الحمى تأخذ, وعلى هذا أنشدوا:
فَأَصْبَحُوا والنَّوى عَالي مُعَرّسِهم ... وَلَيَس كُلَّ النّوى يَلقَى المَسَاكِين٢
كأنه قال: وليس الخبر يلقى المساكين كل النوى ولكن هذا المضمر
стр. 93
لا يظهر وأصحابنا١ يجيزون: غلامه كان زيد يضرب, فينصبون الغلام "بيضرب" ويقدمونه, لأن كلَّ ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم مفعوله, فلو قلت: غلامه ضرب زيد كان جيدًا٢, فكان هذا بمنزلة: ضرب زيد غلامه.
ولو رفعت الغلام, كان غير جائز, لأنه إضمار قبل الذكر٣ فلا يجوز أن ينوي به/ ٧٣ غيره فإن قال قائل: فأنت إذا نصبت فقد ذكرته قبل الاسم؟ قيل له٤: إذا قدم ومعناه التأخير فإنما تقديره والنية فيه أن يكون مؤخرًا, وإذا كان في موضعه لم يجز أن تعني٥ به غير موضعه, ألا ترى أنك تقول: ضرب غلامه زيد, لأن الغلام في المعنى مؤخرًا, والفاعل على الحقيقة قبل المفعول٦, ولكن لو قلت: ضرب غلامه زيدًا, لم يجز لأن الغلام فاعل وهو في موضعه, فلا يجوز أن تنوي به غير ذلك الموضع٧,
стр. 94
وتقول: كان زيد قائمًا أبوه وكان زيد١ منطلقة جارية يحبها, والتقديم والتأخير في الأخبار المجملة بمنزلتها في الأخبار المفردة ما لم تفرقها, تقول: أبوه منطلق كان زيد تريد, كان زيد أبوه منطلق, وقائمة جارية يحبها كان زيد, تريد: كان زيد قائمة جارية يحبها. وفي داره ضرب عمرو خالدًا كان زيد. فإن قلت: كان في داره زيد أبوه, وأنت تريد: كان زيد في داره أبوه, لم يجز؛ لأن الظرف للأب فليس٢ من/ ٧٤ كان في شيء وقد فصلت به بينها وبين خبرها ولو قلت: كان في داره أبوه زيد, صلح لأنك قدمت الخبر بهيئته٣ وعلى جملته فصار مثل قولك: كان منطلقًا زيد, ومثل ذلك: كان زيدًا أخواك يضربان٤, هذا لا يجوز, فإن قدمت: "يضربان زيدًا" جاز, وتجوز هذه المسألة إذا أضمرت في "كان" مجهولًا وتقول: زيد كان منطلقا أبوه, فزيد مبتدأ وما بعده خبر له, وفي "كان" ضمير زيد وهو اسمها, ومنطلقًا أبوه "خبره", وإن شئت رفعت "أبا" بـ"كان" وجعلت "منطلقا" خبره, وتقول: زيد٥ منطلقًا أبوه كان, تريد: زيد٦ كان منطلقًا أبوه. مثل المسألة التي قبلها.
وقال قوم: أبوه قائم كان "زيد" خطأ لأن ما لا تعمل فيه "كان" لا يتقدم قبل "كان" والقياس ما خبرتك به إذ كان قولك: أبوه قائم في موضع قولك: "منطلقًا" فهو بمنزلته فإذا لم يصح سماع الشيء عن العرب لُجئ فيه إلى القياس, ولا يجيزون أيضًا/٧٥: كان أبوه قائم زيد. وكان أبوه زيد أخوك, وكان أبوه يقوم أخوك. هذا خطأ عندهم لتقديم المكنى على الظاهر. وهذا جائز عندنا لأنك تقدم المكنى على الظاهر في الحقيقة وقد مضى تفسير المكنى: أنه إذا كان في غير
стр. 95
موضعه وتقدم جاز تقدمه, لأن النية فيه أن يكون متأخرًا, والذي لا يجوز عندنا أن يكون قد وقع في١ موقعه وفي٢ مرتبته فحينئذ لا يجوز أن ينوى به غير موضعه, ولأصول التقديم والتأخير موضع يذكر فيه إن شاء الله. ولا يحسن عندي أن تقول: "آكلًا كان زيد طعامك" من أجل أنك فرقت بين آكل, وبين٣ ما عمل فيه بعامل آخر, ومع ذلك فيدخل لبس في بعض الكلام, وإنما يحسن٤ مثل هذا في الظروف نحو قولك: راغبًا كان زيد فيك, لاتساعهم٥ في الظروف, وأنهم٦ جعلوا لها فضلًا على غيرها في هذا المعنى, ولا أجيز أيضًا: آكلًا كان زيد أبوه طعامك, أريد٧ به٨: كان زيد آكلا/٧٦ أبوه طعامك, للعلَّة التي ذكرت لك, بل هو ههنا أقبح, لأنك فرقت بين "آكل" وبين ما ارتفع به, وفي تلك المسألة إنما٩ فرقت بينه وبين ما انتصب به, والفاعل ملازم لا بد منه, والمفعول فضلة, وقوم لا يجيزون: كان خلفك أبوه زيد, وهو جائز عندنا وقد مضى تفسيره, ويقولون١٠: لا يتقدم "كان" فعل١١ ماضٍ ولا مستقبل. وما جاز أن يكون خبرًا فالقياس١٢ لا يمنع من تقديمه إذ كانت الأخبار تقدم إلا أني لا أعلمه مسموعًا من العرب. ولا
стр. 96
يتقدم خبر "ليس" قبلها١ لأنها لم تصرف تصرف "كان"٢ لأنك لا تقول: منها يفعل ولا فاعل, وقد شبهها بعض العرب بـ"ما"٣ فقال: ليس الطيب إلا المسك, فرفع وهذا قليل, فإذا أدخلت على "ليس" ألف الاستفهام كانت تقريرًا ودخلها معنى الإيجاب فلم يجىء معها أحد لأن أحدًا إنما يجوز مع حقيقة النفي لا تقول: أليس أحد في الدار؛ لأن المعنى يئول إلى قولك: أحد في الدار, وأحد لا يستعمل في الواجب, ولذلك لا يجوز٤ أن تجيء إلا مع التقرير, لا يجوز٥ أن تقول/ ٧٧ فيها, لأن المعنى يئول إلى قولك: زيد إلا فيها وذا لا يكون كلامًا, وقد أدخلوا الباء في خبر "ليس" توكيدًا للنفي تقول: ألست بزيد, ولست بقائم: وقالوا: أليس إنما قمت. ولا يجيء "إنما" إلا مع إدخال الألف كذا حكى وتقول: ليس عبد الله بحسن ولا كريمًا٦, فتعطف "كريمًا" على "بحسن" لأن موضعه نصب, وإنما تدخل الباء هنا تأكيدًا للنفي. وتقول: ليس عبد الله بذاهب ولا خارج عمرو, على أن تجعل عمرًا "مبتدأ" وخارجًا خبره, ولك أن تنصب فتقول: ليس عبد الله بذاهب ولا خارجًا عمرو, على أنه معطوف على خبر "ليس" قبل الباء, ولا يحسن, ليس عبد الله بذاهب ولا خارج زيد, فتجر بالباء ويرتفع زيد بـ"ليس" لا يجوز هذا لأنك قد عطفت بالواو على عاملين وإنما تعطف حروف العطف على عامل واحد ولكن تقول: ليس زيد بخارج ولا ذاهب أَخوه, فتجري "ذاهبًا" على "خارج"
стр. 97
وترفع الأخ بـ"ذاهب" لأنه ملبس بـ"زيد" وهو من سببه, فكأنك قلت: ليس زيد بذاهب ولا خارج, ولو حملت "الأخ"/ ٧٨ على "ليس", لم يجز, من أجل أنك تعطف على عاملين, على "ليس" وهي عاملة وعلى "الباء" وهي عاملة, وقالوا: ما كان عبد الله ليقوم, ولم يكن ليقوم, فأدخلوا اللام مع النفي ولا يجوز هذا في أخوات "كان". ولا تقول: ما كان ليقوم, وهذا يتبع فيه السماع.
واعلم: أن خبر "كان" إذا كنيت عنه جاز أن يكون منفصلًا ومتصلًا, والأصل أن يكون منفصلًا, إذ كان أصله أنه خبر مبتدأ, تقول: كنت إياه, وكان إياي, هذا الوجه, لأن خبرها خبر ابتداء وحقه الانفصال, ويجوز كأنني وكنته كقولك: "ضربني وضربته", لأنها متصرفة تصرف الفعل, فالأول استحسن للمعنى, والثاني لتقديم اللفظ قال أبو الأسود:
فإنْ لا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فإنَّهُ ... أَخُوها غَذَتهُ أُمهُ بِلِبَانِهَا١
و"لكان" ثلاثة مواضع:
الأول: التي يكون لها اسم وخبر.
الثاني: أن يكون بمعنى وقع وخلق٢ فتكتفي بالاسم وحده ولا
стр. 98
تحتاج إلى خبر, وذلك قولك: أنا أعرفه مذ كان زيد, أي: مذ خلق, وقد كان الأمر, أي: وقع, وكذلك أمسى/ ٧٦ وأصبح تكون مرة بمنزلة "كان" التي لها خبر ومرة بمنزلة استيقظ ونام فتكون أفعالًا تامة تدل على معان وأزمنة. ولا ينكر أن يكون لفظ واحد لها معنيان وأكثر, فإن ذلك في لغتهم كثير. من ذلك قولهم وجدت عليه من الموجدة١, ووجدت يريدون. وجدان الضالة٢, وهذا أكثر من أن يذكر هنا.
الثالث: أن تكون توكيدًا زائدة نحو قولك: زيد كان منطلق, إنما معناه: زيد منطلق, وجاز الغاؤها لاعتراضها٣ بين المبتدأ والخبر.
ذكر الضرب الثاني: وهو ما ارتفع بالحروف المشبهة بالأفعال. فمن ذلك "ما" وهي تجري مجرى "ليس" في لغة أهل الحجاز, شبهت بها في النفي خاصة لأنها نفي, كما أنها نفي, يقولون: ما عمرو منطلقًا, فإن خرج معنى الكلام إلى الإيجاب لم ينصبوا كقولك: ما زيد إلا منطلق/٨٠ وإن قدموا الخبر على الاسم رفعوا أيضًا فقالوا: "ما منطلق زيد"٤ فتجتمع
стр. 99
اللغة الحجازية والتميمية فيهما معًا, لأن بني تميم لا يعملونها في شيء ويدعون الكلام على ما كان عليه قبل النفي, يعني الابتداء فإذا قلت: ما يقوم زيد فنفيت ما في الحال حسن. فإن قلت: ما يقوم زيد١ غدًا كان أقبح, لأن هذا الموضع خصت٢ به "لا"٣ يعني نفي المستقبل. ولو قلت: "ما قام زيد" كان حسنًا كأنه قال: "قام" فقلت أنت٥: ما قام, فإن٦ أخرت فقلت: ما زيد قام أو يقوم, كان حسنًا أيضًا, وتقول: ما زيد بقائم فتدخل الباء كما أدخلتها في خبر "ليس" فيكون موضع "بقائم" نصبًا, فإن قدمت الخبر لم يجز لا تقول: ما بقائم زيد, من أجل أن خبرها إذا كان منصوبًا لم يتقدم, والمجرور كالمنصوب, ولو قلت: ما زيد بذاهب ولا بخارج أخوه: وأنت تريد أن تحمل "الأخ" على ما لم يكن كلامًا لأن "ما" لا تعمل في الاسم إذا قدم خبره, وتقول: ما كل يوم مقيم فيه زيد ذاهب فيه عمرو منطلقًا فيه خالد تجعل "مقيمًا"/ ٨١ صفةً "ليوم" وذاهب فيه٧ صفة "لكل" و"منطلقًا" موضع الخبر, هذا على لغة أهل الحجاز, وتقول: ما كل ليلة مقيمًا فيها زيد, وإذا قلت: ما طعامك زيد آكل, وما فيك زيد راغب ترفع الخبر لا غير, من أجل تقديم مفعوله, فقد قدمته في التقدير لأن مرتبة٨ العامل قبل المعمول فيه, ملفوظًا به أو مقدرًا, وقوم
стр. 100
يجيزون إدخال الباء في هذه المسألة فيقولون: ما طعامك زيد بآكل, وما فيك زيد براغب. إلا أنهم يرفعون الخبر إذا لم تدخل الباء, ولا يجيزون نصب الخبر في هذه المسألة.
وتقول: ما زيد قائمًا, بل قاعد١ لا غير لأن النفي نصبه, ومن أجل النفي شبهت "ما" بليس فلا يكون بعد التحقيق إلا رفعًا, وتقول زيد ما قام, وزيد ما يقوم, ولا يجوز: زيد ما قائمًا ولا زيد ما قائم, ولا زيد ما خلفك حتى تقول: ما هو قائمًا, وهو خلفك لأن "ما" حقها أن يستأنف بها ولا يجوز أن تضمر فيها إذ كانت حرفًا ليس بفعل وإنما يضمر في الأفعال/٨٢ ولا يجوز: طعامك ما زيد آكل أبوه, على ما فسرت لك, وقد حكي عن بعض من تقدم من الكوفيين إجازته, ويجوز إدخال من على الاسم الذي بعدها إذا كان نكرةً تقول: ما من أحد في الدار, وما من رجل فيها. ويجوز أن تقول: ما من رجل غيرك وغيرك بالرفع والجر, ويكون موضع رجل رفعا قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ٢ وغيره على المعنى وعلى اللفظ. وإنما تدخل "من" في هذا الموضع لتدل على أنه قد نفى كل رجل وكل أحد. ولو قلت: ما رجل في الدار لجاز أن يكون فيها رجلان وأكثر, وإذا قلت: ما من رجل في الدار, لم يجز أن يكون فيها أحد البتة. وقال الأخفش٣: إن شئت قلت -وهو رديء: ما
стр. 101
ذاهبا إلا أخوك١, وما ذاهبا إلا جاريتك تريد: ما أحد ذاهبًا, وهذا رديء لا يحذف "أحد" وما أشبهه حتى يكون معه كلام نحو: ما منهما مات حتى رأيته يفعل كذا وكذا, و"مات" في موضع نصب على مفعول "ما" في لغة أهل الحجاز/ ٨٣ وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِه﴾ ٢. والمعنى: ما من أهل الكتاب أحد, ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ٣. أي: وإن أحد منكم, ومعنى: "إن" معنى: "ما" فقد بان أن في "ما" ثلاث لغات: ما زيد قائمًا وما زيد بقائم وما زيد قائم, والقرآن جاء بالنصب٤ وبالباء ومما شبه من الحروف بـ"ليس" "لات" شبهها بها أهل الحجاز وذلك مع الحين خاصة, قال الله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاص﴾ ٥ قال سيبويه٦: تضمر فيها مرفوعًا, قال: نظير "لات" في أنه لا يكون إلا مضمرًا فيها "ليس" و"لا يكون" في الاستثناء إذا قلت: أتوني ليس زيدًا, ولا يكون
стр. 102
بشرًا, قال: وليست لات كـ"ليس" في المخاطبة والإِخبار عن غائب, تقول: لست وليسوا. وعبد الله ليس منطلقًا, ولا تقول: عبد الله لات منطلقًا, ولا قومك لاتوا منطلقين. قال: وزعموا: أن بعضهم قرأ: ولات حين مناص وهو عيسى١ بن عمر وهي قليلة كما قال بعضهم في قول سعيد بن مالك:
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِهَا ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ٢
فجعلها بمنزلة "ليس"٣ قال: و"لات" بمنزلة "لا" في هذا الموضع في/ ٨٤ في الرفع ولا يجاوز بها الحين٤ يعني: إذا رفعت ما بعدها تشبيهًا "بليس" فلم يجاوز بها الحين أيضًا وأنها لا تعمل إلا في "الحين" رفعت أو
стр. 103
نصبت. وقال الأخفش الصغير١ أبو الحسن سعيد بن مسعدة: إنها لا تعمل في القياس٢ شيئًا.
قال أبو بكر: والذي قال سيبويه: أنه يضمر في "لات" إن كان يريد أن يضمر فيها كما يضمر في الأفعال فلا يجوز لأنها حرف من الحروف والحروف لا يضمر فيها, وإن كان يريد أنه حذف الاسم بعدها وأضمره المتكلم كما فعل في قوله في "ما" ما منهما مات أراد "أحدًا"٣ فحذف وهو يريده فجائز. وقوم يدخلون في باب "كان" عودة الفعل كقولك: لأن ضربته لتضربنه السيد الشريف وقولك: عهدي بزيد قائمًا, وهذا يذكر مع المحذوف والمحذوفات, ومما شبه أيضًا بالفاعل في اللفظ أخبار الحروف التي تدخل على المبتدأ وخبره فتنصب الاسم وترفع الخبر وهي إن وأخواتها, وسنذكرها مع ما ينصب, وهذه الحروف/٨٥ أعني "إن واخواتها" خولف بين عملها وبين عمل الفعل بأن قدم فيها المنصوب على المرفوع. وإنما أعملوا "ما" على "ليس" لأن معناها معنى "ليس" لأنها نفي كما أنها نفي ومع ذلك فليس كل العرب يعملها عمل "ليس" إنما روي ذلك عن أهل الحجاز, وكان حق "ما" أن لا تعمل شيئًا إذ كانت تدخل على الأسماء والأفعال ورأيناهم٤ إنما أعملوا من الحروف في الأسماء ما لا يدخل على الأفعال وأعملوا منها في الأفعال ما لا يدخل على الأسماء. فأما ما يدخل على الأسماء والأفعال منها فألغوه من العمل٥, وقد بين هذا فيما مضى, وإذ قد ذكرنا ما يرتفع من الأسماء فكان
стр. 104
ما يرتفع منها بأنه مبتدأ وخبر, مبتدأ, معنيان فقط, لا يتشعب منهما فنون كما عرض في الفعل أن منه متصرفًا أو غير متصرف, ومنه أسماء شبهت بالفعل, وقد ذكرنا الفعل المتصرف فلنذكر الفعل الذي هو غير متصرف, ثم نتبعه بالأسماء إن شاء الله.
стр. 105
ذكر الفعل الذي لا يتصرف
شرح التعجب
...
ذكر الفعل الذي لا يتصرف:
اعلم: أن كل فعل لزم بناء واحدًا فهو غير متصرف وقد ذكرت أن التصرف أن يقال فيه, فعل يفعل ويدخله/ ٨٦ تصاريف الفعل, وغير المتصرف ما لم يكن كذلك, فمن الأفعال التي لم تتصرف ولزمت بناءً واحدًا فعل التعجب نحو: ما أحسن زيدًا وأكرم بعمرو, والفعلان المبنيان للحمد والذم, وهما نعم وبئس. فهذه الأفعال وما جرى مجراها لا تتصرف ولا يدخلها حروف المضارعة ولا يبني منها اسم فاعل.
شرح التعجب:
فعل التعجب على ضربين, وهو منقول١ من بنات الثلاثة, إما إلى أفعل ويبنى٢ على الفتح لأنه ماض وإما إلى أفعل٣ به ويبنى٤ على الوقف, لأنه على لفظ الأمر٥.
فأما٦ الضرب الأول: وهو أفعل يا هذا, فلا بد من أن تلزمه "ما" تقول: ما أحسن زيدًا وما أجمل خالدًا, وإنما لزم فعل التعجب لفظًا واحدًا
стр. 106
ولم يصرف ليدل على التعجب ولولا ذلك لكان كسائر الأخبار لأنه خبر ويدل على أنه خبر أنه يجوز لك أن تقول فيه صدق أو كذب, فإذا قلت: ما أحسن زيدًا فـ"ما" اسم مبتدأ وأحسن خبره وفيه ضمير الفاعل, وزيد مفعول به و"ما" هنا اسم تام/٨٧ غير موصول فكأنك قلت: شيء حسن زيدًا ولم تصف أن الذي حسنه شيء بعينه فلذلك لزمها أن تكون مبهمة غير مخصوصة كما قالوا: شيء جاءك أي: ما جاءك إلا شيء وكذلك: شر أهر ذا ناب, أي: ما أهره إلا شر, ونظير ذلك, إني مما أن أفعل, يريد: أني من الأمر أن أفعل, فلما كان الأمر مجهولًا جعلت "ما" بغير صلة ولو وصلت لصار الاسم معلومًا, وإنما لزمه الفعل الماضي وحده, لأن التعجب إنما يكون مما وقع وثبت ليس مما يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون, وإنما جاء هذا الفعل على "أفعل" نحو: أحسن وأجمل؛ لأن فعل التعجب إنما يكون مفعولًا من بنات الثلاثة فقط نحو: ضرب وعلم ومكث: لا يجوز غير ذلك نحو: ضرب زيد ثم تقول: ما أضربه, وعلم ثم تقول: ما أعلمه, ومكث ثم تقول: ما أمكثه, فتنقله من فَعَلَ أو فَعِلَ أو فَعُلَ إلى "أفعل يا هذا"١ كما كنت تفعل هذا٢ في غير التعجب, ألا ترى أنك تقول: حسن زيد, فإذا أخبرت أن فاعلًا فعل ذلك٣ به قلت: حسن٤ الله/ ٨٨ زيدًا فصار الفاعل مفعولًا, وقد بينت لك كيف ينقل "فعَل" إلى "فعِل" فيما مضى وإذا قلت: ما أحسن زيدًا, كان الأصل, حسن زيد ثم نقلناه, إلى "فُعل" فقلنا: شيء أحسن زيدًا وجعلنا "ما" موضع شيء ولزم لفظًا واحدًا ليدل على التعجب كما يفعل ذلك في الأمثال.
فإن قال قائل فقد قالوا: ما أعطاه وهو من "أعطى يعطي" وما أولاه
стр. 107
بالخير؟ قيل: هذا على حذف الزوائد١, لأن الأصل عطا يعطو إذا تناول وأعطى غيره إذا ناوله, وكذلك ولي وأولى غيره وقال الأخفش٢: إذا قلت: ما أحسن زيدًا فـ"ما": في موضع الذي, وأحسن: زيدًا صلتها والخبر محذوف واحتج من يقول هذا القول بقولك: حسبك؛ لأن فيه معنى النهي ولم يؤت له بخبر, وقد طعن٣ على هذا القول: بأن الأخبار إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها, وهذا الباب عندي يضارع باب "كان وأخواتها" من جهة أن الفاعل فيه ليس هو شيئًا غير المفعول ولهذا ذكره سيبويه٤ /٨٩ بجانب باب "كان وأخواتها" إذ كان "باب كان"الفاعل فيه هو المفعول٥.
فإن قال قائل: فما بال هذه الأفعال تصغر نحو: ما أُميلحه وأُحيسنه, والفعل لا يصغر؟ فالجواب في ذلك: أن هذه الأفعال لما لزمت موضعًا واحدًا ولم تتصرف ضارعت الأسماء التي لا تزول إلى "يفعل"٦ وغيره من الأمثلة فصغرت كما تصغر, ونظير ذلك: دخول ألفات الوصل في الأسماء نحو: ابن واسم وامرئ, وما أشبهه, لما دخلها النقص الذي لا يوجد إلا في الأفعال, والأفعال٧ مخصوصة به فدخلت عليها ألفات الوصل لهذا السبب فأسكنت أوائلها للنقص وهذه الأسماء المنقوصة تعرفها إذا ذكرنا التصريف إن شاء الله.
стр. 108
وقولك: ما أحسنني١, يعلمك أنه فعل, ولو كان اسمًا لكان ما أحسنني مثل ضاربي, ألا ترى أنك لا تقول: ضاربني.
والضرب الثاني: من التعجب: يا زيد أكرم بعمروٍ, ويا هند أكرم بعمروٍ, ويا رجلان أكرم بعمرو, ويا هندان أكرم بعمرو, وكذلك جماعة/ ٩٠ الرجال والنساء قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾ ٢.
وإنما المعنى: ما أسمعهم وأبصرهم٣. وما أكرمه٤, ولست٥ تأمرهم أن يصنعوا به شيئًا فتثنيّ وتجمع وتؤنث, وأفعل هو "فَعَلَ" لفظه لفظ الأمر في قطع ألفه وإسكان آخره, ومعناه إذا قلت: أكرم بزيد, وأحسن بزيد كرم زيد جدًّا, وحسن زيد جدًّا.
فقوله: بعمرو في موضع رفع كما قالوا: كفى بالله٦ والمعنى: كفى الله, لأنه لا فعل إلا بفاعل, وزيد فاعله إذا قلت: أكرم بزيد, لأن زيدًا هو الذي كرم, وإنما لزمت الباء هنا الفاعل٧ لمعنى التعجب, وليخالف لفظه لفظ سائر٨ الأخبار, فإن قال قائل: كيف صار هنا فاعلًا وهو في قولك: ما
стр. 109
أكرم زيدًا مفعول؟ قلنا: قد بينا أن الفاعل في هذا الباب ليس هو شيئًا غير المفعول, ألا ترى أنك لو قلت: ما أحسن زيدًا, فقيل لك فسره وأوضح معناه وتقديره. قلت على ما قلناه: شيء حَسن زيدًا, وذلك الشيء الذي حسن زيدًا ليس هو شيئًا١ غير زيد, لأن الحسن لو حل في غيره لم يحسن هو به/٩١ فكأن ذلك الشيء مثلًا وجهه أو عينه, وإنما مثلت لك بوجهه٢ وعينه تمثيلًا ولا يجوز التخصيص في هذا الباب, لأنك لو خصصت شيئًا لزال التعجب, لأنه إنما يراد به أن شيئًا قد فعل فيه هذا وخالطه, لا يمكن تحديده ولا يعلم تلخيصه.
والتعجب كله إنما هو مما لا يعرف سببه فأما ما عرف سببه فليس من شأن الناس أن يتعجبوا منه فكلما أبهم السبب كان أفخم, وفي٣ النفوس أعظم٤.
واعلم: أن الأفعال التي لا يجوز أن تستعمل في التعجب على ضربين.
الضرب الأول: الأفعال المشتقة من الألوان والعيوب.
الضرب الآخر: ما زاد من الفعل على ثلاثة أحرف, وسواء كانت الزيادة على الثلاثة أصلًا أو غير أصل. فأما٥ الألوان والعيوب, فنحو: الأحمر والأصفر والأعور والأحول, وما أشبه ذلك, لا تقول فيه: ما أحمره ولا ما أعوره قال الخليل٦ ﵀: وذلك أنه ما كان من هذا لونًا أو عيبًا فقد
стр. 110
ضارع الأسماء وصار خلقة كاليد والرجل والرأس, ونحو ذلك, فلا تقل فيه: ما أفعله كما لم تقل ما أيداه, وما أرجله, إنما تقول: ما أشد يده, وما أشد رجله١, وقد اعتل النحويون بعلة أخرى فقالوا: إن الفعل منه على أفعل وإفعال٢ نحو: أحمر وإحمار, وأعور وإعوار, وأحول وإحوال, فإن قال قائل: فأنت تقول: قد عورت عينه وحولت: فقل على هذا: ما أعوره وما أحوله, فإن٣ ذلك غير جائز لأن هذا منقول من "أفعل" والدليل على ذلك صحة الواو والياء إذا قلت: عورت عينه وحولت, ولو كان غير منقول لكان: حالت وعارت, وهذا يبين٤ في بابه إن شاء الله.
وأما الضرب الثاني: وهو ما زاد من الفعل على ثلاثة أحرف نحو: دحرج وضارب واستخرج وانطلق واغدودن, اغدودن الشعر: إذا تم وطال, وافتقر وكل ما لم أذكره مما جاوز الثلاثة, فهذا حكمه, وإنما جاز: ما أعطاه وأولاه على حذف الزوائد وأنك رددته إلى الثلاثة. فإن قلت في افتقر: ما أفقره فحذفت الزوائد ورددته إلى "فقر" جاز وكذلك كل ما/ ٩٣ كان مثله