← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7365

الأصول في النحو

ابن السراج

Полный текст (1 554 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال الخليل: إن النون إنما ذهبت للإِضافة, ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإِضافة, وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك, في١ / ٤٥٤ موضع: لا أبالك, ولو أردت الإِفراد: لا أبَ لزيد, فاللام مقحمة ليؤكد بها الإِضافة كما وقع في النداء: يا بؤس للحرب٢ هذا مقدار ما ذكره أصحابنا٣. ولقائل أن يقول: إذا قلت: أنّ قولهم: لا أبالك تريد به: لا أباك, فمن أين جاز هذا التقدير والمضاف إلى كاف المخاطب معرفة والمعارف لا تعمل فيها لا؟ قيل له: إن المعنى إذا قلت: لا أبالك الانفصال كأنك قلت: لا أبًا لك فتنون لطول الاسم وجعلت "لك" من تمامه وأضمرت الخبر ثم حذفت التنوين استخفافًا وأضافوا وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى فهو منفصل بدخول اللام وهو متصل بالإِضافة. وإنما فعل في هذا الباب وخصوه كما خصوا النداء بأشياء ليست في غيره. وإنما يجوز في اللام وحدها أن تقحم بين المضاف والمضاف إليه/ ٤٥٥ لأن معنى الإِضافة معنى اللام, ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد فمعناه: غلام لزيد, فدخول اللام في هذا يشبه قولهم: يا تيمَ تيمَ عَدي٤ أكد هذه الإِضافة بإعادة الاسم, كما أكد ذلك بحرف الإِضافة, فكأنه قد أضافه مرتين.

стр. 422

والشاعر قد يضطر فيحذف اللام ويضيف قال: أبا المَوَتِ الذي لا بُدَّ أنِّي ... مُلاقٍ لا أباك تُخوِّفيني١ وقال الآخر: فقدْ ماتَ شَمَّاخٌ وماتَ مُزوِّدٌ ... وأيُّ كريمٍ -لا أباكَ- مُخَلَّدُ٢ فإن قال: لا مسلمين صالحين لك, فوصف المنفي قبل مجيئك "بلك" لم يكن بد من إثبات النون من قبل أن الصالحين نعت للمنفي, وليس بمنفي, وإنما جاء التخفيف في النفي. الرابع: المضارع للمضاف: المضارع للمضاف في هذا الباب ما كان عاملًا فيما بعده, كما أن المضاف عامل فيما بعده فهو منصوب, كما أن المضاف منصوب وما بعده من تمامه كما أن المضاف من تمام الأول, إلا أن التنوين يثبت فيه ولا يسقط منه/ ٤٥٦ لأنه ليس منتهى الاسم فصار كأنه حرف قبل آخر الاسم. فالتنوين

стр. 423

هنا والنون يثبتان إذا كان المنفي عاملًا فيما بعده, فهو وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد, فمن ذلك قولهم: لا خيرًا منه ولا حسنًا وجهه لك ولا ضاربًا زيدًا لك؛ لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الاسم. فجميع هذا قد عمل فيما بعده, ومثل ذلك قولك: لا عشرين درهمًا لك, لولا درهم لجاز أن تقول: لا عشرين لك, وعشرون عملت في درهم فنصبته وقال الخليل: كذلك: لا آمرًا بالمعروف لك. إذا جعلت بالمعروف من تمام الاسم وجعلته متصلًا به كأنك قلت: لا آمرًا معروفًا لك, وإذا قلت: لا آمر بمعروف فكأنك جئت بمعروف بنيت على الأول كلاما كقولك: لا آمر في الدار, ثم جئت بمعروف تبيينًا بعد أن تم الكلام وتقول: لا آمر يوم الجمعة لك, إذا نفيت جميع الآمريين١ / ٤٥٧, وزعمت: أنه ليسوا له يوم الجمعة, فإن أردت أن تنفي الآمرين يوم الجمعة خاصة قلت: لا آمر يوم الجمعة لك جعلت يوم الجمعة من تمام الاسم فصار بمنزلة قولك: لا آمرًا معروفًا لك. ولو قلت: لا خير عند زيد, ولا آمر عنده, لم يجز إلا بحذف التنوين؛ لأنك لم تصله بما يكمله اسمًا ولكنه اسم تام فجعلته مع "لا" اسمًا واحدًا.

стр. 424

باب ما إذا دخلت عليه "لا" لم تغيره عن حاله: هذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام: اسم معرفة, واسم منفي بلا, بعده اسم منفي بلا, وهما جواب مستفهم قد ثبت عنده أحد الشيئين, واسم قد عمل فيه فعل أو هو في معنى ذلك. أما الأول: فالاسم المعرفة: وقد عرفتك أن "لا" لا تنصب المعارف فإن عطفت معرفة منفية على نكرة وقد عملت فيها لم تعملها في المعرفة, وأعملتها في النكرة/ ٤٥٨ وذلك قولك: لا غلام لك ولا العباس لك, ولا غلامَ لك ولا أخوةٌ لك. قال سيبويه: فأما من قال: كل نعجة وسخلَتها بدرهم, فينبغي أن يقول: لا رجلَ لك وأخًا له١, ولا يحسن أن تدخل "لا" على معرفة مبتدأة غير معطوفة على كلام, فقد تقدم فيه "لا" فإن كررت, لا جاز. فأما الذي لا يجوز فقولك: لا زيد في الدار؛ لأن هذا موضع "ما" إلا أن يضطر شاعر فيرفع المعرفة ولا يثني "لا" قال الشاعر:

стр. 425

بَكَتْ حَزَنًا واسترجعت ثمَّ آذَنَتْ ... ركائبُها أن لا إلينا رُجوعها١ فأما الذي يحسن ويجوز فقولك: لا زيد في الدار ولا عمرو, ولما ثنيت حسن. الثاني: الاسم المنفي بلا وبعده اسم منفي أيضًا بلا: وهذا الصنف إنما يجيء على لفظ السائل إذا قال: أغلام عندك أم جارية/ ٤٥٩ إذا ادعى أن عنده أحدهما, إلا أنه لا يدري: أغلام هو أم جارية فلا يحسن في هذا إلا أن تعيد "لا" فتقول: لا غلام عندي ولا جارية, وإذا قال: لا غلام فإنما هو جواب لقوله: هل من غلام, ولم يثبت أن عنده شيئًا فعملت لا فيما بعدها, وإن كان في موضع ابتداء, ومن ذلك قول الله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢. وقال الشاعر:

стр. 426

ومَا صَرَمْتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ... لاَ نَاقَةٌ ليَ في هذا ولا جَمَلُ١ وكذلك إذا فصلت بين "لا" والاسم بحشو, لم يحسن, إلا أن تعيد الثانية؛ لأن جعل جواب إذا عندك أم ذا, فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٢. ولا يجوز: لا فيها أحد, إلا على ضعف, فإن تكلمت به لم يكن إلا رفعًا لأن "لا" لا تعمل إذا فصل بينها وبين الاسم رافعة ولا ناصبةً, ومعنى قولي: رافعةً إذا أعملت عملَ/ ٤٦٠ ليسَ تقول: لا أحدٌ أفضلَ منكَ في قولِ مَنْ جعلهَا كـ"ليس". الثالث: وهو ما عمل فيه فعل أو كان في معنى ذلك: اعلم: أن هذا يلزمك فيه تثينة "لا" كما لا تثنى لا في الأفعال وذلك قولك: لا مرحبًا ولا أهلًا, ولا كرامةً ولا مسرةً ولا سقيا, ولا رعيا, ولا هنيئًا ولا مريا, لأن هذه الأسماء كلها عملت فيها أفعالٌ مضمرة, فالفعل مقدر بعد "لا" كأنك قلت: لا أكرمك كرامةً ولا أسرك مسرةً, فعلى هذا جميع هذه الأسماء وما لم يجز أن يلي "لا" من الأفعال, لم يجز أن يليها ما عمل فيه ذلك الفعل, لا يجوز أن تقول: لا ضربًا وأنت تريد الأمر لأنه لا يجوز: لا أضرب إنما تدخل على الدعاء إذا كان لفظه لفظ الخبر وأضربه على ذلك نحو: لا سقيا ولا رعيا كأنك قلت: لا سقاه الله ولا رعاه,

стр. 427

وكذلك إذا ولي "لا" مبتدأ في معنى الدعاء لم/ ٤٦١ تعمل فيه كما لم تعمل فيما بني على الفعل, ومعناه الدعاء, وذلك قولهم: لا سلام عليكم. قال سيبويه: قولهم: لا سواء إنما دخلت ههنا؛ لأنها عاقبت ما ارتفعت عليه, ألا ترى أنك لا تقول: هذان لا سواء فجاز هذا كما جاز: لاها الله ذا حين عاقبت فلم يجز ذكر الواو١ -يعني أن قولهم: لا سواء أصله: هذان لا سواء وهذان مبتدأ ولا سواء خبرهما كما تقول: هذان سواء, ثم أدخلت "لا" للنفي وحذفت "هذان" وجعلت "لا" تعاقب "هذان" وقال أبو العباس: وقول سيبويه: ألا ترى أنك لا تقول: هذان لا سواء أي: لا تكاد تقول, ولو قلته جاز٢. وقالوا: لا نولك أن تفعل جعلوه معاقبًا لقولك لا ينبغي وصار بدلًا منه. واعلم: أنه قبيح أن تقول: مررت برجل لا فارسٍ حتى تقول: ولا شجاع وكذلك: هذا زيد فارسًا, لا/ ٤٦٢ يحسن حتى تقول: لا فارسًا ولا شجاعًا وذلك أنه جواب لمن قال: أبرجل شجاع مررت أم بفارس, ولقوله: أفارس زيد أم شجاع, وقد يجوز على ضعفه في الشعر.

стр. 428

باب لا النافية إذا دخلت عليها ألف الاستفهام: الألف إذا دخلت على "لا" جاز أن يكون الكلام استفهامًا, وجاز أن يكون تمنيًا, والأصل الاستفهام فإذا كان استفهامًا محضًا فحالها كحالها قبل أن يلحقها ألف الاستفهام, وذلك قولك: ألا رجلَ في الدار إلا غلامَ أفضلْ منك, ومن قال: لا رجلَ قائمٌ في الدار, قال: ههنا ألا رجل قائم في الدار وكذلك من نون ومن رفع, ثم رفع ههنا, وقال الشاعر: حَارِ بن كعبٍ ألا أَحْلاَمَ تَزْجُرُكُم ... عَنَّا وأَنْتُم مِن الجُوف الجماخيرِ١

стр. 429

فإذا دخلها مع الاستفهام معنى التمني, فإن النحويين مختلفون في رفع الخبر ويجرون ما سواه على ما كان عليه/ ٤٦٣ قبل. فأما الخليل وسيبويه١ والجرمي وأكثر النحويين فيقولون: ألا رجل أفضل منك, ولا يجيزون رفع: أفضل وحجتهم في ذلك أنهم قالوا: كنا نقول: لا رجل أفضل منك, فيرفع لأن "لا" ورجل في موضع ابتداء, وأفضل: خبره فهو خبر اسم مبتدأ وإذا قلت متمنيًا: ألا رجل أفضل منك فموضعه نصب وإنما هو كقولك: اللهم غلامًا, أي: هب لي غلامًا, فكأنك قلت: ألا أعطي ألا أصيب فهذا مفعول. وكان المازني وحده يجيز فيه جميع ما جاز في النافية بغير الاستفهام فتقول: ألا رجل أفضل منك, وتقول فيمن جعلها كليس: ألا أفضل منك, ويجريها مجراها قبل ألف الاستفهام.

стр. 430

واعلم: أن "لا" إذا جعلت كـ"ليس" لم تعمل إلا في نكرة ولا يفصل بينها وبينَ ما عملت فيهِ لأنها تجري رافعة مجراها ناصبة. وأما قول الشاعر/ ٤٦٤. ألا رجلًا جَزاهُ اللَّهُ خَيرًا ... يَدُلُّ على محصَلة تَبيتُ١ فزعم الخليل: أنه أراد: الفعل وأنه ليس لـ"لا" ههنا عمل, إنما أراد ألا ترونني٢, وأما يونس فكان يقول: إنما تمنى ولكنه نوّن مضطرًا٣ وكان يقول في قول جرير: فلا حَسَبًا فَخَرْتَ بهِ لِتَيِمِ ... ولا جَدا إذا ذُكِرَ الجُدودُ٤ إنما نوّن مضطرًا, وكذا يقول أبو الحسن الأخفش.

стр. 431

ومن قال: لا رجلَ ولا امرأةٌ لم يقل في التمني إلا بالنصب, وعلى مذهب أبي عثمان يجوز الرفع كما كان قبل دخول الألف. كان أبو عثمان يقول: اللفظ على ما كان عليه وإن كان دخله خلاف معناه, ألا ترى أن قولك: غفر الله لزيد معناه الدعاء ولفظه لفظ ضرب فلم يغير لما دخله في المعنى. وكذلك: حسبكَ رفعٌ بالابتداء إن كان معناه النهي.

стр. 432

باب تصرف "لا ": لـ"لا" في الكلام/ ٤٦٥ مواضع وجملتها النفي ومواضعها تختلف فتقع على الأسماء نحو قولك: ضربت زيدًا لا عمرًا, وجاءني زيدٌ لا أخوه, وتقع على الأفعال في القَسَم وغيره, تقول: لا يخرج زيد وأنت مخبر ولا ينطلق عبد الله, ويكون للنهي في قولك: لا ينطلق عبد الله ولا يخرج زيد, وتجزم بها الفعل فيكون بحذاء قولك في الأمر: ليخرج عبد الله, ولتقم طائفة منهم معك١. وقد تكون من النفي في موضع آخر وهو نفي, قولك: إيتِ وعمراً, فإذا أردت نفي هذا قلت: لا تأت زيدًا وعمرًا, لم يكن هذا نفيه على الحقيقة لأنه إن أتى أحدهما لم يعصه لأنه نهاه عنهما جميعًا فإن أراد أن تمتنع منهما معًا فنفي ذلك: لا تأت زيدًا ولا عمرًا, فمجيئها ههنا لمعنى انتظام النهي بأمره لأن خروجها إخلال به. ويقع بعدها في القسم الفعل الماضي في/ ٤٦٦ معنى المستقبل وذلك قولك: والله لا فعلت, إنما المعنى: لا أفعل؛ لأن قولك في القسم: لا أفعل إنما هو لما يقع, فأما قولهم: لا أفعل نفي لقولك: لأفعلنَّ ولذلك يجوز أن تحذف "لا" وأنت تريد النفي وجائز أن تقول: لا قام زيد ولا قعد عمرو تريد الدعاء عليه. وهذا مجاز. وحق هذا الكلام أن يكون نفيًا لقيامه وقعوده فيما مضى. وقال الله : ﴿فَلا

стр. 433

اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ١. ومن هذا قول النبي, ﷺ : "أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا صاح فاستهل" أي: من لم يأكل ولم يشرب يعني الجنين. فإذا قلت: والله أفعل ذاك, فمعناه: لا أفعل, فلو قلت: والله أقوم تريد: لأقومنَّ كان خطأ؛ لأنها حذفت استخفافًا لاستبداد الإِيجاب باللام والنون, ولهذا موضع آخر يذكر فيه, ويكون في موضع/ ٤٦٧ "ليس" وقد مضى ذكرها, وقد تكون "لا" مؤكدة كما كانت "ما" في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢ و"مما خطاياهم"٣. فمن ذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ٤.. إنما هو: فأقسم, يدلك على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٥.. وكذلك قال المفسرون في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٦ إنما هو: أُقسم, فوقع القسم على قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ٧. قال أبو العباس: فقيل لهم في عروض ذلك: أن الزوائد من هذا الضرب إنما تقع بين كلامين أو بعد كلام كقولك: جئتك لأمرٍ ما, فكان من جوابهم: أن مجاز القرآن كله مجاز سورة واحدة بعد ابتدائه, وأن بعضه متصل ببعض, فمن ذلك قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٨. وقوله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ ٩, وإنما هو: لا تستوي الحسنة والسيئة, ومعناه ينبئك عن ذلك/ ٤٦٨ إنما هو: لا تساوي الحسنة السيئة.

стр. 434

مسائل من باب "لا ": تقول: لا غلامين ولا جاريتي لك, إذا جعلت الآخر مضافًا ولم تجعله خبرًا له. وصار الأول مضمرًا له كأنك قلت: لا غلامين في ملكك ولا جاريتي لك, كأنك قلت: ولا جاريتك في التمثيل. قال سيبويه: ولكنهم لا يتكلمون به -يعني بالمضمر- واختص "لا" بهذا النفي, وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك, إذا جعلت "لك" خبرًا لهما وهو قول أبي عمرو. وكذلك لو قلت: لا غلامين لك, وجعلت "لك" خبرًا. فإذا قلت: لا أبالك, فههنا إضمار مكان ولكنه يترك استخفافًا واستغناء. وتقول: لا غلامين ولا جاريتين لك, وغلامين وجاريتين لك, كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا. فجاء "بلك" بعدما بني على الكلام الأول في مكان كذا وكذا, كما قال: لا يدين بها لك١ / ٤٦٩ حين صيره كأنه جاء "بلك" بعدما قال: لا يدين بها في الدنيا لك, وقبيح أن تفصل بين الجار والمجرور فتقول: لا أخا هذين اليومين لك قال سيبويه: وهذا يجوز في ضرورة الشعر لأن الشاعر إذا اضطر, فصل بين المضاف والمضاف إليه. قال الشاعر٢:

стр. 435

كأنَّ أصواتَ مِنْ إيغالهنَّ بِنَا ... أواخرِ الميسِ أصواتُ الفراريج ومن قال: كم بها رجل فأضاف فلم يبال الفتح قال: لا يدري بها لك ولا أخا يوم الجمعة لك, ولا أخا فاعلم لك, والجر في: "كم" بها وترك النون في: لا يدي بها لك, قول يونس. واحتج بأن الكلام لا يستغني ورد ذلك عليه سيبويه بأن قال: الذي يستغني به الكلام والذي لا يستغني قبحهما واحد إذا فصلت بين الجار والمجرور, وتقول: لا غلامَ وجاريةً فيها لأن "لا" إنما تجعل وما تعمل فيه اسمًا إذا كانت إلى جنب الاسم, لكنك يجوز أن تفصل بين/ ٤٧٠ خمسة وعشر في قولك: خمسة عشر, كذلك لا يجوز أن تفصل بين "لا" وبين ما بني معها, وتقول: لا رجلٌ ولا امرأةٌ يا فتى. إذا كانت "لا" بمنزلتها في "ليس" مؤكدة للنفي حين تقول: ليس لك رجل ولا امرأة, قال رجل من بني سليم وهو أنس بن العباس: لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسَعَ الفَتْقُ على الراَّتِقِ١

стр. 436

وتقول: لا رجل ولا امرأة فيها، فتعيد "لا" الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها، فيكون حال الآخرة كحال الأولى، وتقول: لا رجل اليوم ظريفا، ولا رجل فيها عاقلا، إذا جعلت "فيها" خبرًا ولا رجلَ فيك راغبًا, من قبل أنه لا يجوز لك أن تجعل الاسم والصفة بمنزلة اسم واحد. وقد فصلت بينهما. وتقول: لا ماء سماء باردًا, ولا مثله عاقلًا. من قبل أن المضاف لا يجعل مع غيره بمنزلة خمسة عشر, فإذا قلت: لا/ ٤٧١ ماء ولا لبن ثم وصفت اللبن فأنت بالخيار في التنوين وتركه فإن جعلت الصفةَ للماء لم يكن إلا منونًا؛ لأنُه لا يفصل بين الشيئينِ اللذينِ يجعلان بمنزلة اسم واحد. وحكى سيبويه عن العرب: لا كزيد أحدًا تنون؛ لأنك فصلت بين "لا" و"أحد" وحكى سيبويه عن العرب: لا كزيد أحد, ولا مثله أحد, فحمله على الموضع والموضع رفع, وإن شئت حملته على "لا" فنونته ونصبته وإن شئت قلت: لا مثلَهُ رجلًا على التمييز كما تقول: لي مثله غلامًا, قال ذو الرمة: هِيَ الدَّارُ إذْ مَيَّ لأهْلِكِ جِيرَةٌ ... لَيالِيَ لا أَمْثَالُهُنَّ لَيَاليَا١ قال سيبويه: وأما قول جرير: لا كالعَشِيَّةِ زائرًا ومَزُورا٢

стр. 437

فلا يكون إلا نصبًا من قبل أن العشية ليست بالزائر وإنما أراد: لا أرى كالعشية زائرًا كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلًا, فكاليوم كقولك: في اليوم. لأن الكاف ليست باسم/ ٤٧٢ وفيه معنى التعجب كما قال: تالله رجلًا وسبحان الله رجلًا, إنما أراد: تالله ما رأيت رجلًا, ولكنه يترك إظهار الفعل استغناء. وتقول: لا كالعشية عشية ولا كزيد رجل. لأن الآخر هو الأول؛ ولأن زيدًا رجل وصار: لا كزيد كأنك قلت: لا أحد كزيد ثم قلت: رجل كما تقول: لا مال له قليل ولا كثير على الموضع, قال امرؤ القيس: ويلمها في هَوَاء الجَوِّ طَالِبة ... ولا كهذا الذي في الأْرضِ مَطْلُوبُ١ لأنه قال: ولا شيء لهذا ورفع على الموضع. وإن شئت نصبت على التفسير كأنه قال: لا أحد كزيد رجلًا. قال سيبويه: ونظير: لا كزيد في حذفهم الاسم قولهم: لا عليك, وإنما يريدون: لا بأس عليك ولا شيء عليك, ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه٢. ومن قال: لا غلامٌ ولا جارية٣ قال: أغلام وألا جارية

стр. 438

إنما دخلت في النفي لا في المعطوف عليه. ألا تراك تقول في النداء: يا بؤس للحرب١, ولا تقول: يا بؤس زيد وبؤس الحرب, فالنفي كالنداء وكذلك إذا قلت: لا غلامي لك ولا مسلمي لك, إن كانت لا الثانية نافية غير عاطفة جاز إسقاط النون وإن كانت عاطفة لم يجز إلا إثبات النون فتقول: لا غلامين لك ولا مسلمين لك. وناس يجيزون أن تقول: لا رجلٌ ولا امرأةَ, وهو عندي جائز على قبح؛ لأنك إذا رفعت فحقه التكرير, وتقول: لا رجل كان قائمًا ولا رجل ظننته قائمًا, إن جعلت كان وظننت: صلة لرجل, أضمرت الخبر, وإن جعلتهما خبرين لم تحتج إلى مضمر. وقوم يجيزون: لا زيدَ لك, ولا يجيزون لا غلامَ الرجل لك إلا بالرفع, ويجيزون: لا أبا محمد لك, ولا أبا/ ٤٧٤ زيد لك. يجعلونه بمنزلة اسم واحد ولا يجيزون: لا صاحب درهم لك؛ لأن الكنية بمنزلة الاسم. ويقولون: عبد الله يجري مجرى النكرة إذ كانت الألف واللام لا يسقطان منه. وقال الفراء: جعل الكسائي: عبد العزيز وعبد الرحمن بمنزلة عبد الله وإسقاط الألف واللام يجوز نحو قولك: عبدَ عزيز لك. وقالوا: الغائب من المكنى يكون مذهب نكرة نحو قولك: لا هو ولا هي؛ لأنه يوهمك عددًا, وإن شئت قضيت عليه بالرفع والنصب فإن جعلته معرفة جئت معه بما يرفعه وحكوا: إن كان أحدٌ في هذا الفخ ولا هو يا هذا وكذلك: هذا وهذان عندهم, ويقولون: لا هذين لك ولا هاتين لك وكذلك ذاك لأنه غائب. وجميع هذه الأشياء التي تخالف الأصول التي قدمتها لك لا تجوز في القياس ولا هي مسموعة من الفصحاء. وتقول: لا رجل أخوك ولا رجل عمك لا يجوز في أخيك وعمك إلا الرفع. وقد حُكي: أنّ كلام العرب أنْ يُدخِلوا: هو مع المفرد/ ٤٧٥ فيقولون: لا رجل هو أخوك ولا رجل هو عمرو, ويقولون: لا بنات لك كما تقول: لا مسلمي لك. وتقول: ألا رجلًا زيدًا أو عمرً, اتريد: ألا أحدَ

стр. 439

رجلًا يكون زيدًا أو عمرًا ويجوز أن يكون بدلًا من رجل فإذا جاءت أو مع "ألا" فهو طلب. وتقول: لا رجل في الدار لا زيدٌ ويدخل عليها ألف الاستفهام فتقول: ألا رجل في الدار ألا زيد. وتقول: ألا رجل ألا امرأةٌ يا هذا. وتقول: ألا ماء ولو باردًا, وهو عند سيبويه: قبيح. لأنه وضع النعت موضع المنعوت١ فلو قلت: ألا ماء ولو باردًا لكان جيدًا. وذلك يجوز إلا أنك تضمر بعد "لو" فعلًا ينصب ماء. وكأنك قلت: ولو كان ماءً باردًا. فإذا جئت بلو كان ما بعدها أحسن, قال أحمد بن يحيى ثعلب: كان يقال: متى كان ما بعد "لو" نعتًا للأول نصب ورفع ومتى كان غير نعت رفع/ ٤٧٦ هذا قول المشايخ. وقال الفراء: سمعت في غير النعت الرفع والنصب. وإذا قال: ألا مستعدي الخليفة أو غيره, وألا معدي الخليفة أو غيره, فالرفع كأنك بينت فقلت: ذاك الخليفة أو غيره أو هو الخليفة أو الخليفة هو أو غيره. والنصب على إضمار "يكون" كأنك قلت: يكون الخليفة. أي: يكون المعدي الخليفة أو غيره. وقوم يجيزون: ألا قائل قولًا, ألا ضارب ضربًا, وهذا عندي لا يجوز إلا بتنوينٍ لأنه قد أعملَ في المصدر فطالَ, وقد مضى تفسير هذا. ويجوز أن تقول: لا قائل قول, ولا ضارب ضرب, فتضيف إلى المصدر. وتقول: لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة؛ لأنك قلت: لا خير في خير بعده النار ولا شر في شَرٍّ بعده الجنة, ويجوز أن تكون هذه الباء دخلت لتأكيد النفي كما تدخل في خبر "ما" وليس, فتكون زائدة كأنك/ ٤٧٧ قلت: لا خير خير بعده النار ولا شر شرٍّ بعده الجنة فإن جعلت الهاء راجعة إلى خبر الأول الذي مع "لا" قلت: لا خير بعدهُ النار خير. فصار قولكَ: بعد النار جملة نعت بها: لا خير والنار مبتدأ وبعده:

стр. 440

خبره والجملة صفة لخير, كما تقول: لا رجلَ أبوه منطلق في الدارِ فرجل: منفي وأبوه: منطلق مبتدأ وخبر. والجملة بأسرها صفة لرجل قال أبو بكر: وقد ذكرنا الأسماء المرفوعات والمنصوبات وما ضارعها بجميع أقسامها وبقي الأسماء المجرورة ونحن نذكرها إن شاء الله.

стр. 441

ذكر الجر والأسماء المجرورة ذكر حروف الجر ... ذكر الجر والأسماء المجرورة: الأسماء المجرورة تنقسم قسمين: اسم مجرور بحرف جر, أو مجرور بإضافة اسم مثله إليه, وقولي: جر وخفض بمعنى واحد. ذكر حروف الجر: حروف الجر تصل ما قبلها بما بعدها فتوصل الاسم بالاسمِ والفعلَ بالاسم ولا يدخل حرف/ ٤٧٨ الجر إلا على الأسماء كما بينا فيما تقدم, فأما إيصالها الاسم بالاسم فقولك: الدار لعمرو, وأما وصلها الفعل بالاسم فقولك: مررت بزيد فالباء هي التي أوصلت المرور بزيد. وحروف الجر, تنقسم قسمين: فأحد القسمين: ما استعملته العرب حرفًا فقط ولم يشترك في لفظهِ الاسم ولا الفعل مع الحرف ولم تجره في موضع من المواضع مجرى الأسماء ولا الأفعال. والقسم الآخر: ما استعملته العرب حرفًا وغير حرف. فالقسم الأول: وهو الحرف التي استعملته حرفًا فقط على ضربين: فالضرب الأول منها: أُلزم عمل الجر, والضرب الثاني: غير ملازم لعمل الجر. فأما الحروف الملازمة لعملِ الجرِّ: فمن وإلى وفي والباء واللام. ولِرُبَّ: باب يفردُ به لخروجها عن منهاجِ أخواتِها وأنا مُبيّن معنى حرفٍ حرفٍ منها.

стр. 442

أما "من": فمعناها/ ٤٧٩: ابتداء الغاية. تقول: سرت من موضع كذا إلى موضع كذا. وفي الكتاب: من فلان إلى١ فلان. إنما يريد: ابتداؤه فلان. وسيبويه يذهب إلى أنها تكون لابتداء الغاية في الأماكن٢ وتكون للتبعيض نحو قولك: هذا من الثوب. وهذا منهم تقول: أخذت ماله, ثم تقول: أخذت من ماله فقد دلت على البعض٣. قال أبو العباس: وليس هو كما قال عندي؛ لأن قوله: أخذت من ماله, إنما ابتداء غاية ما أخذ, فدل على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاء له والأصل واحد. وكذلك: أخذت منه درهمًا وسمعت منه حديثًا, أي: أول الحديث, وأول مخرج هذه الدراهم وقولك: زيد أفضل من عمرو٤ وإنما ابتدأت في إعطائه الفضل من حيث عرفت فضل عمرو فابتداء تقديمه هذا الموضع فلم يخرج من ابتداء الغايةِ. وقال في وقتٍ آخرَ: مِنْ تكون/ ٤٨٠ على ثلاثة أضرب لابتداء الغاية كقولكَ: خرجت مِنَ الكوفة إلى البصرة وللتبعيض كقولك: أخذت من ماله. والأصل يرجع إلى ابتداء الغاية لإنك إذا قلت: أخذت من المال فأخذك إنما وقع ابتداؤه من المال٥. ويكون لإِضافة الأنواع إلى الأسماء٦ كقول الله تعالى: ﴿إنَّمَا

стр. 443

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ١. وكقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ ٢, أي: من هؤلاء الذين آمنوا واجتنبوا الرجس من الأوثان. فقولك: رجس جامع للأوثان وغيرها. فإذا قلت: من الأوثان فإنما معناه الذي ابتداؤه من هذا الصنف, قال: وكذلك قول سيبويه: هذا باب علم ما الكلم من العربية٣؛ لأن الكلم يكون عربيا وعجميا, فأضاف النوع وهو الكلم إلى اسمه الذي يبين به ما هو وهو العربية وتكون زائدة/ ٤٨١ قد دخلت على ما هو مستغن من الكلام إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة نحو قولهم: ما جاءني من أحد, وما كلمت من أحد, وكقوله : ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤ إنما هو: خير, ولكنها توكيد وكذلك: ما ضربت من رجل, إنما هو: ما ضربت رجلًا فهذا موضع زيادتها إلا أنه موضع دلت فيه على أنه للنكرات دون المعارف ألا ترى أنك تقول: ما جاءني من أحد, وما جاءني من رجل ولا تقول: ما جاءني من عبد الله. لأن رجلًا في موضع الجمع, ولا يقع المعروف هذا الموضع لأنه شيء قد عرف بعينِه ألا ترى أنك تقول: عشرون درهمًا ولا تقول: عشرون الدرهم وقال سيبويه: إذا قلت: ما أتاني من رجل أكدت بمن لأنه موضع تبعيض فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس, وكذلك: ويحه من رجل إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال ٥ / ٤٨٢ وكذلك: لي ملؤه من عسل وقال كذلك: أفضل من زيد. إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم, وجعل زيدًا الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه في قولك: شر من زيد, وكذلك إذا قال: أخزى الله

стр. 444

الكاذبين مني ومنك, إلا أن هذا وأفضل لا يستغني عن "من" فيهما, لأنها توصل الأمر إلى ما بعدها, وقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء١. وأما "إلى" فهي للمنتهى٢ تقول: سرت إلى موضع كذا, فهي منتهى سيرك, وإذا كتبت من فلان إلى فلان فهو النهاية, فمن الابتداء وإلى الانتهاء, وجائز أن تقول: سرت إلى الكوفة وقد دخلت الكوفة, وجائز أن تكون بلغتها ولم تدخلها؛ لأن "إلى" نهاية فهي تقع على أول الحد, وجائز أن تتوغل في المكان ولكن تمتنع من مجاوزته لأن النهاية غاية/ ٤٨٣ قال أبو بكر: وهذا كلام يخلط معنى "من" بمعنى "إلى" فإنما "إلى" للغاية و"من" لابتداء الغاية, وحقيقة هذه المسألة: أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي "فمن" لك وإذا قلت: رأيت الهلال من خلال السحاب "فمن" للهلال, والهلال غاية لرؤيتك, فكذلك جعل سيبويه "من" غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع وهي عنده ابتداء غاية إذا كانت "إلى" معها مذكورة أو منوية فإذا استغنى الكلام عن "إلى" ولم يكن يقتضيها جعلها غاية ويدل على ذلك قوله: ما رأيته مذ يومين فجعلتها غاية كما قلت: أخذته من ذلك المكان فجعلته غاية ولم ترد منتهى أي: لم ترد ابتداء له منتهى٣. أي: استغنى الكلام دون ذكر المنتهى وهذا المعنى أراد, والله أعلم وهذه المسألة ونحوها إنما/ ٤٨٤ تكون في الأفعال المتعدية نحو: رأيت وسمعت وشممت وأخذت. تقول: سمعت من بلادي الرعد من السماء, ورأيت من موضعي

стр. 445

البرق من السحاب, وشممت من داري الريحان من الطريق "فمن" الأولى للفاعل و"من" الثانية للمفعول, وعلى هذا جميع هذا الباب, لا يجوز عندي غيره, إنما جاز هذا لأن للمفعول حصة مِن الفعل كما للفاعل. وبعض العرب يحذف الأسماء مع "من" وقد ذكرنا بعض ذلك فيما قد مضى, قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ ١: والتأويل عند أصحابنا٢: وما منا أحد إلا له. والكوفيون يقولون إن "مَنْ" تضمر مع "من" وفي التأويل عندهم: إلا مَنْ له مقام/ ٤٨٥ وما كان بعده شيء لم يسم غاية, قال سيبويه: "إلى" منتهى لابتداء الغاية يقول: مِنْ كذا إلى كذا. ويقول: الرجل: إنما أنا إليك أي: أنت غايتي وتقول: قمت إليه فتجعله منتهاك من مكانك٣. "في": وفي معناها الوعاء. فإذا قلت: فلان في البيت, فإنما تريد: أن البيت قد حواه وكذلك: المال في الكيس فإن قلت: في فلان عيب, فمجاز واتساع؛ لأنكَ جعلتَ الرجل مكانًا للعيب يحتويه وإنما هذا تمثيل بذاك, وكذلك تقول: أتيتُ فلانًا وهو في عنفوان شبابه أي: وهو في أمرهِ ونهيهِ فهذا تشبيه وتمثيل, أي: أحاطت بهِ هذه الأمور قال٤: وإن اتسعت في الكلام فإنما تكون كالمثل يجاءُ به يقارب الشيء وليس مثله٥. "الباء": معناه الإِلصاق٦ فجائز أن يكون معه استعانة, وجائز لا

стр. 446

يكون, فأما الذي معه استعانة فقولك: كتبت بالقلم/ ٤٨٦ وعمل الصانع بالقيدوم١. والذي لا استعانة معهُ فقولك: مررتُ بزيدٍ, ونزلت بعبد الله. وتزاد في خبر المنفي توكيدًا نحو قولك: ليس زيد بقائم, وجاءت زائدة في قولك: حسبك بزيد, وكفى بالله شهيدًا, وإنما هو كفى الله. قال سيبويه: باء الجر إنما هي للإِلزاق والاختلاط وذلك قولك: خرجت بزيدٍ ودخلت به وضربته بالسوط, ألزقت ضربك إياه بالسوط, فما اتسع من هذا الكلام فهذا أصله٢. "اللام": اللام: لام الإِضافة قال سيبويه: معناها الملك والاستحقاق, ألا ترى أنك تقول: الغلام لك, والعبدُ لكَ, فيكون في معنى: هو عبدٌ لكَ وهو أخ لكَ فيصير نحو: هو أخوك فيكون هو مستحقا لهذا, كما يكون مستحقا لما يملك, فمعنى هذا اللام معنى إضافة الاسم٣. وقال أبو العباس: لام الإِضافة تجعل الأول لاصقًا بالثاني٤ / ٤٨٧ ويكون المعنى: ما يوجد في الأول تقول: هذا غلام لزيد وهذه دار لعبدِ الله, فأما تسميتهم إياها لام الملك فليس بشيء إذا قلت: هذا غلام لعبد الله, فإنما دللت على الملك من الثاني للأول, فإذا قلت: هذا سيد لعبدِ الله دللت بقولك على أن الثاني للأول. وإذا قلت: هذا أخ لعبدِ الله, فإنما هي مقاربة وليس أحدهما في ملك الآخر. ولام الاستغاثة: هي هذه اللام إلا أن هذه تكسر مع الاسم الظاهر وتلك تفتح وقد مضى ذكر ذلك في حد النداء. فلام الإضافة حقها الكسر إلا أن تدخلها على مكنى٥ نحو قولك: له مال, ولك, ولهم, ولها فهي في جميع ذلك مفتوحة وهي في الاستغاثة كما عرفتك مفتوحة.

стр. 447

قال سيبويه: إنما أردت أن تجعل ما يعمل في المنادى مضافًا إلى بكر١ / ٤٨٨ باللام, يعني بذلك الفعل المضمر الذي أغنت عن إظهاره "يا" وقد مضى تفسير هذا. فهذه الحروف التي للجر كلها تضيف ما قبلها إلى ما بعدها. فإذا قلت: سرتَ مِن موضع كَذا, فقد أضفتَ السير إلى ما بعدها, فإذا قلت: مررت بزيد, فقد أضفت المرورَ إلى زيد بالباء. وكذلك إذا قلت: هذا لعبدِ الله, فإذا قلت: أنتَ في الدار, فقد أضفتَ كينونتك في الدار إلى الدار "بفي" فإذا قلت: فيك خصلة سوء فقد أضفت إليه الرداءة "بفي" فهذه الحروف التي ذكرت لك تدخل على المعرفة والنكرة والظاهر والمضمر فلا تجاوز الجرَّ. واعلم: أن العرب تتسع٢ فيها فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربت المعاني فمن ذلك: الباء تقول: فلان بمكة وفي مكة٣, وإنما جازا معًا لأنك إذا قلت: فلان/ ٤٨٩ بموضع كذا وكذا. فقد خبرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع, وإذا قلت: في موضع كذا فقد خبرت "بفي" عن احتوائه إياه وإحاطته به, فإذا تقارب الحرفان فإن هذا التقارب يصلح لمعاقبة, وإذا تباين معناهما لم يجز, ألا ترى أن رجلًا لو قال: مررت في زيد أو: كتبت إلى القلم, لم يكن هذا يلتبس به, فهذا حقيقة تعاقب

стр. 448

حروف الخفض, فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز وقد حكي: كنت بالمال حربًا وفي المالِ حَربًا, وهو يستعلي الناسَ بكفهِ وفي كفهِ. وقال في قولِ طرفة: وإنْ يَلْتقِ الحَيُّ الجَمِيعُ تلاقني ... إلى ذِرْوَةِ البَيت الكَرِيمِ المُصَمد١ إنَّ "إلى" بمعنى "في" ولا يجوز أن يدخل حرف من هذه التي ذكرت على حرف منها فلا يجوز أن تدخل الباء على "إلى" ولا اللام على "مِنْ" ولا "في" على "إلى" ولا شيئًا/ ٤٩٠ منها على آخر.

стр. 449

باب رُبَّ: رُبَّ: حرف جر, وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصلًا له إلى المجرور كأخواته إذا قلت: مررت برجل وذهبت إلى غلام لك, ولكنه لما كان معناه التقليل١ وكان لا يعمل إلا في نكرة فصار مقابلًا "لكم" إذا كانت خبرًا فجعل له صدر الكلام كما جعل "لكم" وآخر الفعل والفاعل, فموضع رُبَّ وما عملت فيه نصبٌ, كما أن موضع الباء ومن وما عملنا فيه نصب إذا قلت: مررت بزيد وأخذت من ماله. ويدل على ذلك أن "كم" يُبنى عليها, ورُبَّ: لا يجوز ذلك فيها, وذلك قولهم: كم رجل أفضل منك, فجعلوه خبرًا "لكم" كذلك رواه سيبويه عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء: أن العربَ تقوله٢, ولا يجوز أن تقول: رُبَّ رجل أفضل منك, ولا يجوز أن تجعله/ ٤٩١ خبرًا لِرُب كما جعلته خبرًا "لكم" ومما يتبين أن رُبَّ حرف وليست باسم "ككم". أن "كم" يدخل عليها حرف الجر ولا يدخل على رُبَّ تقول: بكم رجل مررت, وإنك تولي "كم" الأفعال ولا توليها رُبَّ. قال أبو العباس: رُبَّ تنبئ عما وقعت عليه أنه قد كان وليس بكثير,

стр. 450

فلذلك لا تقع إلا على نكرة ولأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز تقول: رب رجل قد جاءني فأكرمته ورب دار قد ابتنيتها وأنفقت عليها, وقال في موضع آخر: رب معناها الشيء يقع قليلًا ولا يكون ذلك الشيء إلا منكورًا؛ لأنه واحد يدل على أكثر منه ولا تكون رب إلا في أول الكلام لدخول هذا المعنى فيها١. وقال أبو بكر: والنحويون كالمجتمعين على أن رُبَّ جواب إنما تقول: / ٤٩٢ رُبَّ رجل عالمٍ, لمن قال: رأيت رجلًا عالمًا, أو قدرت ذلك فيه فتقول: رُبَّ رجل عالم, تريد: رُبَّ رجل عالم قد رأيتُ, فضارعت أيضًا حرف النفي إذا كان حرف النفي يليه الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة. فهذا أيضًا مما جعلت له صدرًا. واعلم: أن الفعل العامل فيها أكثر ما يستعمله العرب محذوفًا؛ لأنه جواب وقد علم فحذف, وربما جيء به توكيدًا وزيادة في البيان فتقول: رُبّ رجل عالم قد أتيت, فتجعل هذا هو الفعل الذي تعلقت به "رُبَّ" حتى يكون في تقديره: برجلٍ عالمٍ مررت, وكذلك إذا قال: رُبَّ رجل جاءني فأكرمته, وأكرمته, فههنا فعل أيضًا محذوف, فكأنه قال له قائل: ما جاءك رجل فأكرمته وأكرمته فقلت: رُبَّ رجل جاءني فأكرمته وأكرمته أي: قد كنت فعلت ذاك فيكون/ ٤٩٣ جاءني وما بعده صفة رجلٍ, والصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد, والكلام بعدُ ما تم, فإن لم تضمر: قد فعلت وما أشبه ذلك وإلا لم يجز فإذا قال: ما أحسنت إليّ. قلت: رُبَّ إحسان قد تقدم إليك مني, فكأنك قلت: قد فعلت من إحسان إليك قد تقدم. فإن قال قائل: لِمَ لزم الصفة؟ قيل: لأنه أبلغ في باب التقليلِ لأن رجلًا قائمًا أقل من رجل وحده, فخصت بذلك, والله أعلم. وكذلك لو قلتَ: رُب رجل جاهل ضربت, إن جعلت: ضربتُ هو

стр. 451

العامل في رب. فإن جعلته صفة أضمرت فعلًا نحو ما ذكرنا. فصار معنى الكلام: رُبَّ رجل جاهل ضربت قد فعلت ذاك. واعلم: أنَّهُ لا بد للنكرة التي تعمل فيها "رُبَّ" من صفة, إما اسم وإما فعل, لا يجوز أن تقول: رُبَّ رجل وتسكت حتى تقول: رُبَّ رجل صالح أو تقول: رجل يفهم ذاك/ ٤٩٤ ورب حرف قد خولف به أخواته واضطرب النحويون في الكلام فيه. وهذا الذي خبرتك به ما خلص لي بعد مباحثة أبي العباس ﵀ وأصحابنا المنقبين الفهماء وسأخبرك ما قال سيبويه والكوفيون فيه, قال سيبويه: إذا قلت: رُب رجل يقول ذاك فقد أضفت القول إلى الرجل بِرُب١, وكذلك يقول مَنْ تابعه على هذا القول, إذا قال: رُب رجل ظريف, قد أضافت رُب الظريف إلى رجل, وهذا لا معنى له؛ لأن اتصال الصفة بالموصوف يغني عن الإِضافة. وأما الكوفيون ومن ذهب مذهبهم فيقولون: رب وضعت على التقليل٢ نحو: ما أقل من يقول ذاك, وكم وضعت على التكثير نحو قولك: ما أكثر من يقول ذاك, وإنما خفضوا "لكم" لأن مِن تصحبها, تقول: كم من رجل ثم تسقط من وتعمل فكذلك/ ٤٩٥: رُبَّ وإن لم تر "من" معها كما قال: ألا رجل ومن رجل, وهم يريدون: أمَا من رجل وحكي عن الكسائي أو غيره من القدماء: أن بعض العرب يقول: رُبَّ رجل ظريف فترفع ظريفًا, تجعله خبرًا "لرُب" ومن فعل هذا فقد جعلها اسمًا, وهذا إنما يجيء على الغَلط والتشبيه, وفي رب لغات: رُبَّ ورُبُّ يا هذا, ومن النحويينَ من يقولُ: لو سكنت جازَ: ورُبْتَ. واعلم: أن رُبَّ تستعملُ على ثلاثة وجوه٣.

стр. 452

فالوجه الأول: هو الذي قد ذكرت من دخولها على الاسم الظاهر النكرة١ وعملها فيه وفي صفته الجر. والوجه الثاني: دخولها على المضمر على شريطة التفسير, فإذا أدخلوها على المضمر نصبوا الاسم الذي يذكرونه للتفسير بعد المضمر, فيقولون: رُبَّه رجلًا, والمضمر ههنا كالمضمر في "نعم" إذا قلت: نعم رجلًا/ ٤٩٦ زيد, إلا أن المضمر في "نعم" مرفوع لأنه ضمير الفاعل وهو مع رُبَّ مجرور, وإنما جاز في رُبّ وهي لا تدخل إلا على نكرة من أجل أن المعنى تؤول إلى نكرة, وليس هو ضمير مذكور, وحق الإِضمار أن يكون بعد مذكور ولكنهم ربما خصوا أشياء بأن يضمروا فيها على شريطة التفسير وليس ذلك بمطرد في كل الكلام, وإنما يخصون به بعضه فإذا فعلت ذلك نصبت ما بعد الهاء على التفسير فقلت: ربُه رجلًا وهذه الهاء على لفظ واحد وإن وليها المذكر أو المؤنث أو الإثنان أو الجماعة موحدة على كل حال٢. الوجه الثالث: أن تصلها فتستأنف ما بعدها وتكفها عن العمل فتقول: ربما قام زيد وربما قعد, وربما زيد قام, وربما فعلت كذا٣, ولما كانت رب إنما تأتي لما مضى فكذلك ربما لما وقع بعدها الفعل/ ٤٩٧ كان حقه أن يكون ماضيًا, فإذا رأيت الفعل المضارع بعدها فثم إضمار كان, قالوا: في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٤, أنه لصدق

стр. 453

الوعد كأنه قد كان كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ ١. ولم يكن, فكأنه قد كان لصدق الوعد. ولا يجوز: رُبَّ رجل سيقوم, وليقومن غدًا٢, إلا أن تريد: رُبّ رجل يوصف بهذا تقول: رب رجل مسيء اليوم ومحسن غدًا أي: يوصف بهذا ويجوز: ربما رجل عندكَ فتجعل: "مَا" صلة ملغاة. واعلم: أنّ العربَ تستعملُ الواوَ مبتدأة بمعنى: "رُبَّ" فيقولون: وبلد قطعتُ يريدونُ ورُبَّ٣ بلد وهذا كثير. وقال بعض النحويين: أن الواو التي تكونَ معَ المنكراتِ ليست بخلف من "رُبَّ" ولا كم وإنما تكون مع حروف الاستفهام فتقول: وكم قد رأيت ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ ٤, يدل على التعجب ثم تسقط/ ٤٩٨ كم وتترك الواو, ولا تدخل مع رُبَّ, ولو كانت خلفًا مِن "كم" لجازَ أن يدخلَ

стр. 454

عليها النسق كما فعلَ بواوِ اليمينِ, وهي عندي: واو العطفِ وهذا أيضًا مما يدل على أن رب جواب وعطف على كلام.

стр. 455

مسائل من باب رب ... مسائل من هذا الباب: تقول: رُبَّ رجل قائم وضارب, وَرُبَّ رجل يقوم ويضرب. وتقول: رب رجل قائم نفسه وعمرو, ورب رجل قائم ظريفًا فتنصب على الحال من "قائم" وتقول: رب رجل ضربته وزيدًا ورب رجل مررت به, فتعيد الباء؛ لأن المضمر المجرور لا ينسق عليه بالاسم الظاهر, وتقول: رب رجل قائم هو وزيد, فتؤكد ما في "قائم" إذا عطفت عليه ويجوز أن تقولَ: رب رجل قامَ وزيدٌ, فتعطف على المضمر من غير تأكيد وتقول: رب رجل كان قائمًا, وظننته قائمًا, ففي "كان" ضمير رجل وهو اسمها وقائمًا/ ٤٩٩ خبرها. وكذلك: الهاء في "ظننته" ضمير رجل وهو مفعولها الأول. وقائمًا مفعولها الثاني وإذا قلت: رب رجل قد رأيت ورب امرأة, فالاختيار أن تعيد الصفة فتقول: ورب امرأة قد رأيت؛ لأنك قد أعدت رُب, وقد جاء عن العرب إدخال "رُبَّ" على "مِنْ" إذا كانت نكرة غير موصولة إلا أنها إذا لم توصل لم يكن بُد من أن توصف؛ لأنها مبهمة حكي عنهم: مررت بمن صالح, ورب من يقوم ظريف, وقال الشاعر. يَا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لَكَ نَاصِحٍ ... ومُؤتَمَنٍ بالغَيْبِ غَيْرِ أَمِينِ١

стр. 456

وتدخل رُب على مثلكَ وشبهكَ إذ كانتا لم تتصرفا بالإِضافة وهما نكرتان في المعنى. وتقول: رب رجل تختصم وامرأة وزيد, ولا يجوز الخفض لأنه لا يتم إلا باثنين, فإن قلتَ: رب/ ٥٠٠ رجلين مختصين وامرأتين جازَ لكَ الخفض والرفع, فتقول: وامرأتان وامرأتين, أما الخفض: فبالعطفِ على "رجلين" والرفع: بالعطف على ما في مختصمين, ولو قلت: رُبَّ رجلين مختصمين هما وامرأتان فأكدت, ثم عطفتَ لكان أجود حكي عن بعضهم: أنه يقول: إذا جاءَ فعل يعني بالفعلِ اسمَ الفاعل بعد النعتِ رفعَ نحو قولك: رب رجل ظريف قائم, والكلام الخفض, وزعم الفراء: أنهم توهموا "كم" إذ كانوا يقولون: كم رجلًا قائمٌ. وتقول: رب ضاربكَ قد رأيت, ورب شاتمك لقد لقيت؛ لأن التنوين في تَينكَ يريد ضارب لكَ وإن قلت: ضاربكَ أمس لم يجز لأنه معرفة. والأخفش يعترض بالأيمان فيقول: رُبَّ -وَالله- رجل قد رأيت, ورُبَّ/ ٥٠١ رجل قد رأيت, وهذا لا يجوزُ عندنا لأنّ حروف الجر لا يفصل بينَها وبينَ ما عملت فيهِ١ وسائر النحويين يخالفونَه. وحكى الكوفيون: ربه رجلًا قد رأيت وربهما رجلين وربهم رجالًا, وربه رجالًا, وربهن نساء وربَه نساء٢ مَنْ وحَد. فلأنه كناية عن مجهول ومَن لم يوحد فلأنه رد كلام كأنه قال: له ما لك جوار؟ فقال: ربهن جوار قد ملكت. وكان الكسائي يجيز: رب مَنْ قائم على أنَّهَ استفهام ويخفض "قائمًا" والفراء يأباه؛ لأن كل موضع لم تقعه المعرفة لم يستفهم بمن فيه. والضرب الثاني: من حروف الجر وهو ما كان غير ملازم للجر. وذلك

стр. 457

حتى والواو. فواو القسم وهي بدل من الباء١ وأبدلت لأنها من الشفة مثلها. والتاء: تستعمل في القسم في الله , وهي بدل من الواو, والتاء قد تبدل من الواوِ في مواضع/ ٥٠٢ ستراها وقد خصوا القسمَ بأشياء, ونحن نفرد بابًا للأسماء المخفوضة في القسم وأما الواو التي تقع موقع رب فقد مضى ذكرها.

стр. 458

باب حتى: حتى: منتهى لابتداء الغاية بمنزلة "إلى" إلا أنها تقع على ضربين: إحداهما: أن يكون ما بعدها جزءًا مما قبلها وينتهي الأمر به. والضرب الآخر أن ينتهي الأمر عنده ولكنها قد تكون عاطفة وتليها الأفعال. ويستأنف الكلام بعدها ولها تصرف ليس "لإِلى", و"لإِلى" أيضًا مواقع لا تقع "حتى" فيها. فأما الضرب الأول: وهو ما ينتهي به الأمر, فإنه لا يجوز: أن يكون الاسم بعد حتى إلا من جماعة كالاستثناء, لا يجوز: أن يكون بعد واحد ولا اثنين؛ لأنه جزء من جماعة وإنما يذكر لتحقير أو تعظيم أو قوة أو ضعف وذلك قولك: ضربتُ القومَ حتى زيدٍ فزيد من/ ٥٠٣ القوم وانتهى الضرب به فهو مضروب مفعول, ولا يخلو أن يكون أحقر من ضربت أو أعظمهم شأنًا وإلا فلا معنى لذكره, وكذلك المعنى إذا كانت عاطفة كما تعطف الواو تقول: ضربتَ القومَ حتى عمرًا. فعمرو من القوم به انتهى الضرب. وقدمَ الحاج حتى المشاة والنساء. فهذا في التحقير والضعف وتقول: ماتَ الناسُ حتى الأنبياء والملوكُ, فهذا في التعظيم والقوة, ولك أن تقول: قامَ القومُ حتى زيد جر وإن كان في المعنى: جاء؛ لأنك انتهيت بالمجيء إليه بحتى, فتقدير المفعولِ وقد بينا فيما تقدم أن كل فعل معه فاعلُه تعدى بحرف جر إلى اسم فموضعه نصب قال أبو بكر: والأحسن عندي في هذا إذا أردت أن تخبرَ عن زيد بفعله أن تقول/ ٥٠٤: القوم حتى زيد, فإذا رفعت فحكمه حكم الفاعل في أنه لا

стр. 459

بد منه, فإذا خفضت فهو كالمنصوب الذي يستغني الفاعل دونه وأما قول الشاعر: أَلْقَى الصَّحِيفةِ كَيْ يُخَفِّف رَحْلَهُ ... والزَّادَ حتَّى نَعلَه أَلْقَاهَا١ فلك فيه الخفض, والرفع والنصب, فالخفض: على ما خبرتكِ به والنصب فيه وجهان: فوجه أن يكون منصوبًا "بألقى" ومعطوفًا على ما عمل فيه "ألقى" ويكون ألقاها توكيدًا. والوجه الثاني: أنْ تنصبه بفعل مضمر يفسره "ألقاها" والرفع على أن يستأنفَ بعدها, والمعنى ألقى ما في رحله حتى نعله هذه حالها, وإذا قلت: العجب حتى زيد يشتمني فالمعنى: العجب لسبِّ الناس إياي حتى زيد يشتمني. قال الفرزدق: فيا عَجَبًا حَتَّى كُلَيْب تَسُّبني ... كأنَّ أباها نَهْشلٌ أو مُجَاشِعٌ٢ فإذا قلت: مررتُ بالقوم حتى زيدٍ فإن أردتَ العطف/ ٥٠٥ فينبغي أن تعيد الياء لتفرق بين ما انجر بالباء وبين ما انجر "بحتى". الضرب الثاني: المجرور بحتى: وهو ما انتهى الأمر عنده, وهذا

стр. 460

الضرب لا يجوز فيه إلا الجر لأن معنى العطف قد زال وذلك قولك: إن فلانًا ليصوم الأيام حتى يوم الفطر, فانتهت "حتى" بصوم الأيام إلى يوم الفطر, ولا يجوز أن تنصب "يوم الفطر" لأنه لم يصمه فلا يعمل الفعل فيما لم يفعله, وكذلك إذا خالف الاسم الذي بعدها ما قبلها نحو قولك: قام القوم حتى الليل فالتأويل: قام القوم اليومَ حتى الليلِ. واعلم: أنك إذا قلت: سرتُ حتى أدخلها فحتى على حالها في عمل الجر وإن كان لم يظهرْ هنا "وإن وصلتها" اسم وقال سيبويه: إذا قلت: سرت حتى أدخلها فالناصب للفعل ههنا هو الجار للاسم إذا كان غاية١. فالفعل إذا كان غاية منصوب والاسم كان غاية جر/ ٥٠٦ وهذا قول الخليل٢. وقال سيبويه: إنها تجيء مثل كي التي فيها إضمار "أن" وفي معناها وذلك قولك: كلمتك حتى تأمر لي بشيء٣: قال سيبويه: لحتى في الكلام نحو ليس لإِلى تقول: إنما أنا إليك أي: أنت غايتي ولا تكون حتى ههنا٤. وهي أعم من "حتى" تقول: قمت إليه فجعلته منتهاك من مكانك, ولا تقول: حتاه وغير سيبويه يجيز: حتاه وحتاك في الخفض٥, ولا يجيزون في النسق؛ لأن المضمر المتصل لا يلي حرف النسق, لا تقول: ضربت زيدًا وك يا هذا, ولا قتلت عمرًا وه, إنما يقولون في مثل هذا: إياك وإياه, والقول عندي ما قال سيبويه: لأنه غير معروف اتصال حتى بالكاف وهو في القياس غير ممتنع.
следующие страницы →