← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7365

الأصول في النحو

ابن السراج

Полный текст (1 554 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تعال/ ٤٠٦ يا عجب, وتعال يا ماء, فإنه من أيامك وزمانك وأبانك ومثل ذلك قولهم: يا للدواهي أي: تعالين فإنه لا يستنكر لكن لأنه من أحيانكن, وكل هذا في معنى التعجب, والاستغاثة فلا يكون موضع "يا" سواها من حروف النداء نحو: أي وهيا وأيا. وقد يجوز أن تدعو مستغيثًا بغير لام فتقول: يا زيد وتتعجب كذلك كما أن لك أن تنادي المندوب ولا تلحق آخره ألِفًا؛ لأن النداء أصل لهذه أجمع وقد تحذف العرب المنادى المستغاث به مع "يا" لأن الكلام يدل عليه فيقولون: يا للعجب, ويا للماء, كأنه قال: يا لقوم للماء, ويا لقوم للعجب, وقال أبو عمرو قولهم: يا ويل لك, ويا ويح لك, كأنه نبه إنسانًا ثم جعل الويل له١ ومن ذلك قول الشاعر: يَا لعنَةُ الله والأقوامِ كُلِّهِمِ ... والصالحينَ على سِمَعانَ مِن جَارِ٢ فيا/ ٤٠٧ لغير اللعنة ولغير الويل كأنه قال: يا قوم لعنة الله على فلان.

стр. 387

باب الندبة: الندبة تكون بياء أو بواو ولا بد من أحدهما وتلحق الألف آخر الاسم المندوب إن شئت وإن شئت ندبت بغير ألف والألف أكثر في هذا الباب قال سيبويه: لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها١ ومن شأنهم أن يزيدوا حرفًا إذا نادوا بعيدًا ولا أبعد من المندوب فإذا وقفوا قالوا: يا زيداه واعمراه فيقفون على هاء لخفاء الألف فإن وصلوا النداء بكلام أسقطوا الهاء وإذا لم تلحق الألف قلت: وا زيد, ويا بكر, والألف تفتح ما قبلها مضموما كان أو مكسورا تقول: وا زيد فتضم, فإن أدخلت الألف قلت: وا زيداه, فإن أضفت إلى اسم ظاهر غير مكنى قلت: وا غلام زيد فإن أدخلت الألف قلت وا غلام زيداه وحذفت التنوين لأنه لا/ ٤٠٨ يلتقي ساكنان. قال سيبويه: ولم يحركوها يعني التنوين في هذا الموضع لأن الألف زيادة فصارت تعاقب التنوين وكان أخف عليهم٢, فإن أضفت إلى نفسك, قتل وازيدِ فكسرت الدال فإن أدخلت الأل, قلت: وا زيداه يكون إذا أضفته إلى نفسك وإذا لم تضفه سواء ومن قال: يا غلامي قال: وا زيدياه فيحرك الياء في لغة من أسكن الياء للألف التي بعدها لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا.

стр. 388

قال أبو العباس: ولك في وا غلامي في لغة من أسكن الياء وجهان: أن تحرك الياء لدخول الألف, فتقول: واغلامياه, وأن تسقطها لالتقاء الساكنين فتقول: وا غلاماه كما تقول جاء غلام العاقل فتحذف الياء فأما من كان يحرك الياء قبل الندبة, فليس في لغته إلا إثباتها مع الألف, تقول: وا غلاماه١ وذكر سيبويه: أنه يجوز/ ٤٠٩ في الندبة: وا غلاميه فيبين الياء بالهاء كما هي في غير النداء٢, فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت: وا غلام غلامي, فإن أدخلت الألف قلت: وا غلام غلامياه, لا يكون إلا ذلك؛ لأن المضاف الثاني غير منادى, وقد بيناه لك فيما تقدم. وكذلك وانقطاع ظهرياه لا بد من إثبات الياء, وإذا وافقت ياء الإِضافة الياء الساكنة في النداء لم يجدوا بدا من فتح ياء الإِضافة ولم يكسر ما قبلها كراهية للكسرة في الياء ولكنهم يفتحون٣ ياء الإِضافة ويجمعون على ذلك لئلا يلتقي ساكنان. فإذا ناديت فأنت في إلحاق الألف بالخيار أيضًا, وذلك قولك: وا غلامياه ووا قاضياه ووا غلاميَّ في تثنية غلام ووا قاضيَّ.

стр. 389

وإن وافقت ياء الإِضافة ألفًا لم تحرك الألف وأثبتوا الياء وفتحوها لئلا يلتقي ساكنان, وأنت أيضًا بالخيار في إلحاق الألف وذلك قولك/ ٤١٠: وا مثناي ووا مثناه. فإن لم تضف إلى نفسك قلت: وا مثناي وتحذف الألف الأولى لئلا يلتقي ساكنان, ولم يخافوا التباسًا فإن كان الاسم المندوب مضافًا إلى مخاطب مذكر قلت: وا غلامك يا هذا, فإن ألحقت ألف الندبة قلت: وا غلامكاه وإن ثنيت قلت: وا غلامكاه وإن جمعت قلت: وغلامكموه فقلبت ألف الندبة واوًا كيلا يلتبس بالتثنية, وتقول للمؤنث: وا غلامكية. وكان القياس الألف لولا اللبس وفي التثنية وا غلامهماه والمذكر والمؤنث في التثنية سواء وتقول في الجمع: وا غلامكناه وتقول في الواحد المذكر الغائب, وا غلامهوه وللاثنين وا غلامهماه, وللجميع وا غلامهموه وللمؤنث: وا غلامهاه وفي التثنية: وا غلامهاه وللجميع وا غلامهناه, فإن كان المنادى مضافًا إلى مضاف نحو: وانقطاع ظهره "٩١/ ٤١١" قلت في قول من قال: مررت بظهرهوه قيل: وانقطاع ظهرهوه وفي قول من قال: بظهرهي قال: وانقطاع ظهرهيه٢. وقال قوم من النحويين: كل ما كان في أخره ضم أو فتح وكسر, ليس يفرق بين شيء وبين شيء جاز فيه الإِتباع والفتح وغير الإِتباع مثل قطام تقول: وا قطاميهْ ويا قطاماه ويقولون: يا رجلانية ويا رجلاناه ويا مسلموناه ويقولون: يا غلام الرجلية والرجلاه, فإذا كانت الحركة فرقًا بين شيئين مثل: قمتُ وقمتَ فالإِتباع لا غير نحو: وا قيامًا قمتوه وقمتاه وقمتيه وقد مر تثنية المفرد وجمعه في النداء في "هن" فقس عليه. واعلم: أن ألف الندبة لا تدخل على الصفة ولا الموصوف إذا اجتمعا

стр. 390

نحو وا زيد الظريف والظريفَ, لأن الظريف غير منادى١ وليس هو بمنزلة المضاف والمضاف إليه, لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد وأنت في الصفة/ ٤١٢ بالخيار إن شئت وصفت وإن شئت لم تصف, وهذا قول الخليل. وأما يونس فيلحق الألف الصفة ويقول: وا زيد الظريفاه٢, ولا يجوز أن تندب النكرة وذلك: وا رجلاه ويا رجلاه ولا المبهم, لا تقول: وا هذاه, قال سيبويه: إنما ينبغي أن تتفجع بأعرف الأسماء ولا تبهم٣, وكذلك قولك: وا مَن في الداراه في الفتح وذكر يونس: أنه لا يستقبح: وا من حفر زمزماه؛ لأن هذا معروف بعينه٤. وقال الأخفش: الندبة لا يعرفها كل العرب وإنما هي من كلام النساء٥, فإذا أرادوا السجع وقطع الكلام بعضه من بعض أدخلوا ألف الندبة على كلام يريدون أن يسكتوا عليه, وألحقوا الهاء لا يبالون أي كلام كان.

стр. 391

باب الترخيم: الترخيم حذف أواخر الأسماء المفردة الأعلام تحقيقًا ولا يكون ذلك إلا/ ٤١٣ في النداء, إلا أن يضطر شاعر, ولا يكون في مضاف إليه, ولا مضاف ولا في وصف ولا اسم منون في النداء, ولا يرخم مستغاث به, إذا كان مجرورًا؛ لأنه بمنزلة المضاف ولا يرخم المندوب هذا قول سيبويه١, والمعروف من مذاهب العرب. والترخيم يجري في الكلام على ضربين: فأجود ذلك أن ترخم الاسم فتدع ما قبل آخره على ما كان عليه وتقول في حارث: يا حار أقبل فتترك الراء مكسورة كما كانت. وفي مسلمة: يا مسلم أقبل وفي جعفر: يا جعف أقبل تدع الفتحة على حالها, وفي يعفر: يا يعف أقبل وفي برثن: يا برث أقبل, تترك الضمة على حالها, وفي هرقل أقبل تدع القاف على سكونها والوجه الآخر أن تحذف من أواخر الأسماء وتدع ما بقي اسمًا على حياله نحو: زيد وعمرو فتقول: في حارث يا حار وفي جعفر يا جعفُ أقبل/ ٤١٤ وفي هرقل: يا هرق أقبل. وكذلك كل اسم جاز ترخيمه فإن كان آخر الاسم حرفان زيدا معا حذفتهما؛ لأنهما بمنزلة زيادة واحدة, وذلك قولك: في عثمان: يا عثم وفي مروان يا مرو أقبل وفي أسماء يا أسم أقبلي وكذلك كل ألفين للتأنيث نحو: حمراء وصفراء وما

стр. 392

أشبه ذلك. إذا سميت به, وكذلك ترخيم رجل يقال له: مسلمون تحذف منه الواو والنون وكذلك رجل اسمه مسلمان قال سيبويه: فأما رجل اسمه بنون فلا يطرح منه إلا النّون لأنك لا تصير اسمًا على أقل من ثلاثة أحرف١ ومن قال: يا حار قال: يا بني فإن رخمت اسما آخره غير زائد إلا أن قبل آخره حرفًا زائدًا وذلك الزائد واو ساكنة قبلها ضمة أو ياء ساكنة قبلها كسرة أو ألف ساكنة حذفت الزائد مع الأصلي وشبه بحذف الزائد ولم يكن ليحذف/ ٤١٥ الأصل, ويبقى الزائد, وذلك قولك في منصور: يا منص أقبل, تحذف الراء وهي أصل وتحذف الواو وهي زائدة, وفي عمار يا عمَّ أقبل وفي رجل اسمه عنتريس: يا عنتر أقبل فإن كان الزائد الذي قبل حرف الإِعراب متحركًا ملحقًا كان أو زائدًا جرى مجرى الأصل. فأما الملحق فقولك في قَنَّور: يا قنو أقبل, وفي رجل اسمه هبينح٢ يا هبي أقبل لأن هذا ملحق بسفرجل وسنبين لك هذا في موضعه من التصريف إن شاء الله. وأما الزائد غير الملحق فقولك في رجل سميته بحولايا, وبردرايا, يا حولاي أقبل ويا بردراي أقبل٣, لأن الحرف الذي قبل آخره متحركًا فأشبهت الألف التي للتأنيث الهاء التي للتأنيث فحذفت الألف وحدها كما تحذف الهاء وحدها؛ لأن الهاء بمنزلة اسم ضم إلى اسم ولا يكون ما قبلها/ ٤١٦ إلا مفتوحًا والهاء لا تحذف إلا وحدها, كان ما قبلها أصليا أو زائدًا أو ملحقًا أو منقوصًا وحذف الهاء في ترخيم الاسم العلم أكثر في كلام العرب من الترخيم فيما لا هاء فيه, وكذلك إن كان اسمًا عاما غير علم,

стр. 393

والعلم قولهم في سلمة: يا سلم أقبل, تريد يا سلمة, وقالت الجهنية في هوذة بن علي الحنفي وكان كسرى أقطعه وتوَّجَهُ بتاج: يا هَوذَ ذَا التاَّجِ إنَّا لا نَقُولُ سَوَى ... يا هَوذَ يا هَوذَ إما فَادحٌ دَهَمَا١ وأما العام فنحو قول العجاج: جَارِيَ لاَ تسْتَنْكِرِي عَذِيرِي٢ ... ................................. ًٍـ ١ الشاهد فيه: ترخيم "هوذ" من هوذة على لغة من ينتظر. والهوذ: القطاة الأنثى وبها سمي الرجل هوذة. والمعنى: إنا لا ندعو عند الملمات المفاجئة إلا هوذ ذا التاج. وهوذة: هو ابن علي الحنفي صاحب اليمامة كما ذكره الزبيدي شارح القاموس. وانظر: شجر الدر لأبي الطيب/ ٧٥، والأصمعيات/ ٤١، وارتشاف الضرب/ ٢٨٨. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٣٢٥، و١/ ٣٣٠، والشاهد فيه حذف حرف النداء ضرورة وهو اسم منكور قبل النداء لا يتعرف إلا بحرف النداء، وإنما يطرد الحذف في المعارف. ورد المبرد على سيبويه جعله الجارية نكرة وهو يشير إلى جارية بعينها فقد صارت معرفة بالإشارة. قال الأعلم: ولم يذهب سيبويه إلى ما تأوله المبرد عليه من أنه نكرة بعد النداء إنما أراد أنه اسم شائع في الجنس نقل إلى النداء وهو نكرة، وكيف يتأول عليه الغلط في مثل هذا وهو قد فرق بين ما كان مقصودا بالنداء من أسماء الأجناس وبين ما لم يقصد قصده ولا اختص بالنداء من غيره بأن جعل الأول مبنيا على الضم بناء زيد وغيره من المعارف وجعل الآخر معربا بالنصب وهذا من التعسف الشديد والاعتراض القبيح. والعذير هنا الحال، وكان يحاول عمل حلس لبعيره فهزئت منه فقال لها هذا وبعده: سيري وإشفاقي على بعيري أي: لا يستنكر عذيري وإشفاقي على بعيري وسيري عني واذهبي. ويقال أراد بالعذير ههنا: الصوت لأنه كان يرجز في عمله لحلسه فأنكرت عليه ذلك. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٦٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٨٨، وابن يعيش ٢/ ١٦، والعيني ٤/ ٢٧٧، والخزانة ١/ ٢٨٣، وشرح المعلقات للتبريزي/ ٤٨. وشرح الحماسة ٤/ ١٨٠، والديوان.

стр. 394

أي: حالي, وأما ما كان منقوصًا وكان مع الهاء على ثلاثة أحرف فقولهم: يا شاء ادجني١. قال أبو علي٢: إذا وصلت سقطت همزة الوصل فالتقت الألف وهي ساكنة مع الراء مع ادجني وهي ساكنة أيضًا فحذفت الألف لالتقاء الساكنين/ ٤١٧ ووليت الشين المفتوحة الراء, وإذا وقفت قلت: يا أدجني مثل أقبلي فلم يحذف الألف رخم شاة ويا ثبت أقبلي تريد: ثبة وناس من العرب يثبتون الهاء فيقولون: يا سلمة أقبلي, يقحمون الهاء ويدعون الاسم مفتوحا على لفظ الترخيم, والذين يحذفون في الوصل الهاء إذا وقفوا قالوا: يا سلمهْ ويا طلحهْ لبيان الحركة, ولم يجعلوا المتكلم بالخيار في حذف الهاء عند الوقف, والشعراء إذا اضطروا حذفوا هذه الهاء في الوقف؛ لأنهم إذا اضطروا يجعلون المدة التي تلحق القوافي بدلًا منها قال ابن الخَرِع: وكَادَتْ٣ فَزَارَةُ تَشَقَى بِنَا ... فَأَوْلَى فَزَارَةَ أَوْلى فَزَارا٤ والضم جائز في البيت, وكذلك إن رخمت اسمًا مركبًا من اسمين قد

стр. 395

ضم أحدهما إلى الآخر, فحكم الثاني حكم الهاء في الحذف وذلك. نحو: حضرموت, ومعدي كرب, ومارسرجس/ ٤١٨ ومثل رجل سميته بخمسة عشر تحذف الثاني وتبقي الصدر على حاله فتقول: يا حضر أقبل ويا معدي أقبل ويا خمسة أقبل١ قال سيبويه: وإن وقفت قلت: يا خمسهْ بالهاء, وإنما قال ذلك لأن تاء التأنيث لا ينطق بها إلا في الوصل. فإذا وقفت عليها وقفت بالهاء ومما شبه بحضرموت: عمرويه زعم الخليل: أنه يحذف الكلمة التي ضمت إلى الصدر فيقول: يا عمر أقبل قال: أراه مثل الهاء لأنهما كانا بائنين فضم أحدهما إلى الآخر٢. واعلم: أن من قال: يا حار, فإنه لا يعتد بما حذف ويجعل حكم الاسم حكم ما لم تحذف منه شيئًا. فإن كان قبل الطرف حرفًا يعتل في أواخر الأسماء وينقلب أعل وقلب نحو: رجل سميته بعرقوة إن رخمت فيمن قال يا حار قلت: يا عرقي أقبل, ولم يجز أن تقول: يا عرقو؛ لأن الاسم لا يكون آخره/ ٤١٩ واوًا قبلها حرف متحرك وهذا يبين في التصريف, ومن قال: يا حار فإنما يجعل الراء حرف الإِعراب, ويقدره تقدير ما لا فاء فيه, فيجب عليه أن لا يفعل ذاك إلا بما مثله في الأسماء فمن رخم اسمًا فكان ما بيقى منه على مثال الأسماء فجائز وإن كان ما يبقى على غير مثال الأسماء فهو غير جائز وكذلك إن كان قبل المحذوف للترخيم شيء قد سقط لالتقاء الساكنين فإنك إذا رخمت وحذفت رجع الحرف الذي كان سقط لالتقاء الساكنين نحو: رجل سميته "بقاضون" كان الواحد "قاضي" قبل الجمع فلما جاءت واو الجمع سقطت الياء لالتقاء الساكنين فإن رخمت "قاضين" وهو في الأصل قلت: يا قاضي, فرجع ما كان سقط

стр. 396

لالتقاء الساكنين١ وشبيه بهذا وقفك على الهاء إذا رخمت رجلًا اسمه: خمسة عشر؛ لأن التاء إنما جلبها الوصل فلما زال/ ٤٢٠ الوصل رجعت الهاء, وكذلك إن كنت أسكنت حرفًا متحركًا للإِدغام في حرف مثله وقبله ساكن فحذفت الأخير للترخيم فإنك ترد الحركة لالتقاء الساكنين, وذلك قولك لرجل اسمه "راد" يا رادِ أقبل٢ إذا رخمت وفي محمارٍّ أقبل؛ لأن الأصل: رادد ومحمارر, وأما مفر فإذا سميت به ورخمته قلت: يا مفر أقبل ولم تحرك الراء لأن ما قبلها متحرك وأما محمر إذا كان اسم رجل فإنك إذا رخمته تركت الراء الأولى مجزومة لأن ما قبلها متحرك فقلت: يا محمر أقبل ولقائل أن يقول: هلاَّ رددت الحركة فقلت: يا محمرُ أقبل, إذ كان الأصل محمررًا كما رددت الياء في "قاضي" فالجواب في ذلك: أنك إنما رددت الياء في "قاضي" لأنك لم تبن الواحد على حذفها كما بنيت "دم" على الحذف ومحمر لم تلحق الراء الأخيرة بعد أن تم بالأولى ولم يتكلم بأصله. فإن كان آخر الاسم حرفًا مدغمًا بعد الألف/ ٤٢١ وأصل الأول منهما السكون, أعني الحرفين المدغم أحدهما في الآخر حركته إذا رخمته بحركة ما قبله وذلك نحو: اسحارّ يا هذا تقول: يا اسحار فتحركه بحركة أقرب المتحركات منه. وكذلك تفعل بكل ساكن احتيج إلى حركته من هذا الضرب. قال رجل من أزد السراة: ألا رُبَّ مَوْلُودٍ وليَسْ لَه أبٌ ... وذي وََلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبوانِ٣

стр. 397

ففتحَ الدالَ بحركةِ الياءِ لما احتاجَ إلى تحريكها؛ لأن الفتحة قريبةٌ مِنها, وأسحارٌ اسم وقع مدغمًا آخره وليس لرائه الأولى نصيب في الحركة. واعلم: أن الأسماء التي ليست في أواخرها هاء أن لا يحذف منها أكثر, قال سيبويه: وليس الحذف لشيء من هذه الأسماء ألزم منه لحارث ومالك وعامر, قال: وكل اسم خاص رخمته في النداء فالترخيم فيه جائز وإن كان في هذه الأسماء الثلاثة أكثر١ / ٤٢٢ وكل اسم على ثلاثة أحرف لا يحذف منه شيء إذا لم يكن آخره الهاء لأن أقل الأصول ثلاثة, فإنما يرخم من الأربعة وما زاد؛ لأن ما بقي في الأسماء على عدته. والفراء يرخم من ذلك ما كان محرك الثاني نحو: قدم وعضد وكتف إذا سمي به رجلًا وقال: إن من الأسماء ما يكون على حرفين كدم ويد ولم يجز أن تقول في بكر: يا بك أقبل؛ لأنه لا يكون اسم على حرفين ثانيه ساكن إلا مبهمًا نحو من وكم, وليس من الأسماء اسم نكرة ليس في آخره هاء تحذف منه شيء إذا لم يكن اسمًا غالبًا إلا أنهم قد قالوا: يا صاح أقبل وهم يريدون: يا صاحب وذلك لكثرة استعمالهم هذا الحرف والفراء إذا رخم: قمطر, حذف الطاء مع الراء لأنها حرف ساكن, والنحويون على خلافه في حذف الطاء, وما أشبهها من السواكن الواقعة ثالثة, ويجيز الفراء في حمار: يا حما أقبل, يصير مثل رضا. وفي سعيد: يا سعي يصير/ ٤٢٣ مثل عمي ولا يجيز: يا ثمو في ثمود؛ لأنه ليس له في الأسماء نظير.

стр. 398

واعلم: أن الشعراء يرخمون في غير النداء اضطرارًا, فمن ذلك قول الأسود بن يعفر: أَوْدَى ابنُ جَلْهُمَ عَبَّادٌ بِصِرْمَته ... إنَّ ابْنَ جُلْهَمَ أمسى حَيَّةَ الوادي١ أراد: جُلهمه والعربَ يسمون الرجل جُلهمه والمرأة جُلهم.

стр. 399

باب مضارع للنداء: اعلم: أن كل منادى مختص, وأن العرب أجرت أشياء لما اختصتها مجرى المنادى كما أجروا التسوية مجرى الاستفهام, إذ كان التسوية موجودة في الاستفهام وذلك قولهم: أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل, أو: نفعل نحن كذا وكذا أيها القوم. واللهم اغفر لنا أيتها العصابة. قال سيبويه: أراد أن يؤكذ لأنه اختص إذ قال: إنه, لكنه أكد كما تقول لمن هو مقبل عليك كذا كان الأمر يا فلان١, ولا يدخل في هذا الباب/ ٤٢٤ لأنك لست تنبه غيرك. ومن هذا الباب قول الشاعر: إنَّا بني نَهْشَلٍ لا نَنْتَمي لأَبٍ ... عنْهُ ولا هُوَ بالأَبْناءِ يَشرِيناَ٢ نصب بني مختصا على فعل مضمر كما يفعل في النداء نحو "أعني" وما أشبه ذلك.

стр. 400

مسائل من هذا الباب: تقول: يا هذا الطويلُ أقبل, في قول من قال: يا زيدُ الطويلُ, ومن قال: يا زيدُ الطويلَ قال: يا هذا الطويلَ, وليس الطويل بنعت لهذا ولكنه عطف عليه وهو الذي يسمى عطف البيان؛ لأن هذا وسائر المبهمات إنما تبينُ بالأجناس, ألا ترى أنكَ إذا قلت: جاءني زيدٌ فخفت أن يلتبس الزيدان على السامع أو الزيود قلت: الطويل وما أشبه لتفصل بينه وبين غيره ممن له مثل اسمه وإذا قلت: جاءني هذا, فقد أومأت له إلى واحد بحضرتك, وبحضرتك أشياء كثيرة, وإنما ينبغي لك أن تبين له عن الجنس الذي أومأت له إليه لتفصل ذلك عن جميع ما بحضرتك من الأشياء/ ٤٢٥, ألا ترى أنك لو قلت له: يا هذا الطويلُ وبحضرتك إنسان ورمح وغيرهما لم يدر إلى أي شيء تشير. وإن لم يكن بحضرتك إلا شيء طويل واحد وشيء قصير واحد فقلت: يا هذا الطويل جاز عندي؛ لأنه غير ملبس, والأصل ذاك وأنت في المبهمة تخص له ما يعرفه بعينه وفي غير المبهمة تخص له ما يعلمه بقلبه. وتقول في رجل سميته بقولك: زيد وعمرو يا زيدًا وعمرًا أقبل تنصب لطول الاسم, ولو سميته: طلحة وزيدًا لقلت: يا طلحة وزيدًا أقبل, فإن أردت بطلحة الواحدة من الطلح قلت: يا طلحةً وزيدًا أقبل؛ لأنك سميته بها منكورة ولم تكن جميع الاسم فتصير معرفة, إنما

стр. 401

هي في حشو الاسم كما كانت فيما نقلتها عنه وتقول: يا زيدُ الظريفَ, على أصلِ النداء عند البصريين١, وقال الكوفيون: يراد بها يا أيها الظريفَ, فلما لم يأت "بيا أيها", نصبته, وربما نصبوا المنعوت بغير تنوين/ ٤٢٦ فأتبعوه نعته وينشدون: فَما كَعْبُ بنُ مَاَمَة وابنُ سُعدى ... بأَجْودَ مِنْكَ يا عُمر الجَوادا٢ والنصب عند الكوفيين في العطف على "أيها" كما كان في النعت فلما لم يأتي "يا أيها" نصب, ويجيزون: يا عبد الله وزيدًا, ويقولون: يا أبا محمدٍ زيدٌ أقبل وهو عند البصريين بدل وهو عند الكوفيين من نداء ابن. وإذا قلت: زيدًا فهو عند الكوفيين نداء واحد ويسميه البصريون عطف البيان, ويجيز الكوفيون: يا أيها الرجلُ العاقلَ على تجديد النداء, كذا حكي لي عنهم, ويجيز البصريون: يا رجلًا, ولا يجيز الكوفيون ذاك إلا فيما كان نعتًا نحو قوله: فيَا رَاكِبًَا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَاماي مِنْ نَجْرَانَ أنْ لا تلاقيا٣

стр. 402

ولا يكادون يحذفون "يا" من النكرة ويقولون: وا زيدُ في النداء ويقولون: وأ أي زيد. قال أبو العباس: إنما قالوا: هذا ابنمٌ, ورأيت ابنمًا, ومررت بابنمٍ, فكسروا/ ٤٢٧ ما قبل الميم إذا انكسرت وفعلوا ذلك في الضم والنصب؛ لأن هذه الميم زيدت على اسم كان منفردًا منها, وكان الإِعراب يقع على آخره, فلما زيدت عليه ميم١ أُعربت الميم إذ كانت طرفًا, وأُعربت ما قبلها إذ كانت تسقط فرجع الإِعراب إليه, وقولك وقد يخفف الهمز فتقول: مُرْ فيقع الإِعراب على الراء, فلذلك تبعت الهمزة وكذلك إذا قلت: يا زيدَ بنَ عمرو, جعلتهما بمنزلة واحدة اسم واحد واتبعت الدال حركة ابن فهو مثل ابنم, وقال في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. لا يجوز: اللهم اغفر لهم أيتها العصابة. وقال: قلت لأبي عثمان٢: ما أنكرت من الحال للمدعو؟ قال: لم أنكر منه إلا أن العرب لم تدع على شريطة, لا يقولون: يا زيد راكبًا, أي: ندعوك في هذه الحال ونمسك عن دعائك ماشيًا؛ لأنه إذا قال: يا زيد فقد وقع الدعاء على كل حال. قال: قلت: فإنه إن احتاج/ ٤٢٨ إليه, راكبًا ولم يحتج إليه في غير هذه الحال, فقال: يا زيد راكبًا, أي: أريدك في هذه الحال, قال: ألست قد تقول: يا زيد دعاء حقا؟ قلت: بلى, قال: علام تحمل المصدر؟ قلت: لأن قولي: يا زيد كقولي٣: أدعو زيدًا فكأني قلت: أدعو دعاء حقا قال: فلا أرى بأسًا بأن تقول على هذا: يا زيد قائمًا وألزم القياس. قال أبو العباس: ووجدت أنا تصديقًا لهذا قول النابغة:

стр. 403

قَالت بنو عامرٍ خَالوا بني أسَد ... يا بُؤْسَ لِلَجْهِل ضَرَّارًا لأقوامِ١ وقال الأخفش: لو قلت: يا عبد الله صالحًا, لم يكن كلامًا. وقال أبو إسحاق يعني الزيادي٢: كان الأصمعي٣: لا يجيز أن يوصف المنادى بصفة البتة مرفوعة ومنصوبة. وقال أبو عثمان لا أقول: يا زيد وخيرًا من عمرو أقبلا, إذا أردت بخير من عمرو المعرفة, لأني أدخل الألف واللام إذا تباعد المنادى من حرف النداء كما أقول: يا زيد والرجل أقبلا/ ٤٢٩ ولكن أقول: يا زيد والأخير

стр. 404

أقبلا ويا زيد ويا خيرًا من عمرو أقبلا, إذا أردت حرف النداء كان ما بعده معرفة. ولم يجئ معه الألف واللام, كما تقول: يا خيرًا من زيد العاقل أقبل فتنصب العاقل؛ لأنه صفة له, وكذلك: يا زيد ويا أخير أقبلا, وقال أبو عثمان: أنا لا أرى أن أقول: يا زيد الطويل وذا الجمة إن عطفت على زيد, والنحويون جميعًا في هذا على قول. قال: وأرى إن عطفت "ذا الجمة" على "الطويل" أن أرفعه كما فعلت في الصفة, والنحويون كلهم يخالفونه ولا يجيزون إلا نصب ذي الجمة, وهذا عنده كما تقول: يا زيدُ الطويلُ ذو الجمة, إذا جعلته صفة للطويل. وإن كان وصفًا لزيد أو بدلًا منه نصبته, وكان أبو عثمان يجيز يا زيد أقبل على حذف ألف الإِضافة, لأنه يجوز في الإِضافة: يا زيدِ, أردت: يا زيدي فأبدلت من الياء ألفًا. وعلى هذا قرئ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ ١, و ﴿يَا قَوْمِ / ٤٣٠ لا أَسْأَلُكُمْ﴾ ٢: قال: ومن زعم أنه على حذ ألف الندبة فهذا خطأ؛ لأن من كان من العرب لا يلحق الندبة ألفًا فهي عنده نداء, فلو حذفوها لصارت بدلًا على غير جهة الندبة. وقال أبو العباس: لا أرى ما قال أبو عثمان في حذف الألف إذا جعلتها مكان ياء الإِضافة. صوابًا نحو: يا غلامًا أقبل لا يجوز حذف الألف لخفتها كما تحذف الياء إذا قلت: يا غلامِ أقبل. وقال: يا أبت. لا يجوز عندي إلا على الترخيم كما قال سيبويه مثل: يا طلحة أقبل٣ وقال: زعم أبو عثمان أنه يجيز: يا زيد وعمرًا أقبلا, على الموضع كما أجاز: يا زيدُ زيدًا أقبل, فعطف زيد الثاني على الموضع عطف البيان, وأهل بغداد يقولون: يا الرجلُ أقبل, ويقولون: لم نر موضعًا يدخله التنوين يمتنع من الألف واللام وينشدون:

стр. 405

فَيا الغُلامَانِ اللَّذَانِ فَرّا ... إيَّاكُما أن تُكْسِبانا شَرّا١ وقال أبو عثمان: سألت/ ٤٣١ الأخفش كيف يرخم طيلسان فيمن كسر اللام على قولك: يا حار؟ فقال: يا طيلس أقبل, قلت: أرأيت فيعل اسمًا قط في الصحيح إنما يوجد هذا في المعتل نحو: سيد وميت. قال: فقال: قد علمت أني قد أخطأت, لا يجوز ترخيمه إلا على قولك: يا حار, قال: وكان الأخفش لا يجوز عنده ترخيم حُبلوى اسم رجل فيمن قال: يا حار؛ وذلك لأنه يلزمه أن يحذف يائي النسب ويقلب الواو ألفًا لانفتاح ما قبلها, فيقول: يا حُبلى فتصير ألف فعلى منقلبة, وهذا لا يكون أبدًا إلا للتأنيث. فلهذا لا يجوز؛ لأن ألف التأنيث لا تكون منقلبة أبدًا من شيء, وهذا البناء لا يكون للمذكر أبدًا, وقال: كان الأخفش يقول: إذا رخمت سفيرج اسم رجل في قول من قال: يا حار. فحذفت الجيم لزمك أن ترد اللام التي حذفتها لطول الاسم وخروجه من/ ٤٣٢ باب التصغير فتقول: يا سفيرلُ أقبل؛ لأنه لما صار اسمًا على حياله فحذفت الجيم على أن يعتد بها وتجعله بمنزلة "قاضون" اسم رجل إذا قلت: يا قاضي, الياء التي كانت ذهبت لالتقاء الساكنين لما حذفت ما حذفت من أجله. قال أبو العباس: وليس هذا القول بشيء. ووجه الغلط فيه بينِّ, وذلك لأنك لم تقصد به إلى سفرجل فتسميه به ولا هو منه في شيء, إنما قصدت إلى هذا الذي هو سفيرج ولا لام فيه فهو على مثال ما يرخم فرخمته

стр. 406

بعد أن ثبت اسمًا, ألا ترى أنك تقول: في تصغير سفرجل: سفيرج وسفيريج للعوض, ولو سميته: سفيريج لم يجز أن تقول فيه: سفرجل, واسمه سفيريج؛ لأنك لست تقصد إلى ما كان يجوز في سفرجل, وكذلك فرزدق. لو سميته بتصغيره فيمن قال: فريزد, لم يجز في اسمه أن تقول: فريزق/ ٤٣٣ وإن كان ذلك يجوز في تصغير فرزدق لأنك سميته بشيء بعينه فلزمه. وتقول: يا زيد وعمرو الطويلين والطويلان, لأنه بمنزلة قولك: يا زيد الطويل, وتقول يلا هؤلاءِ وزيدُ الطوالُ, لأن كله رفع والطوال عطف عليهم, ولا يجوز أن يكون صفة لافتراق الموصوفين, وتقول: يا هذا ويا هذان الطَّوالُ وإن شئت قلت: الطَّوالُ لأن هذا كله مرفوع, والطوال عطف عليهم ههنا, وليس الطوال بمنزلة: يا هؤلاء الطوال؛ لأن هذا يقبح من جهتين: من جهة أن المبهم إذا وصفته بمنزلة اسم واحد فلا يجوز أن تفرق بينه وبينه, والجهة الأخرى أن حق المبهم أن يوصف بالأجناس لا بالنعوت, وتقول: يا أيها الرجلُ وزيدُ الرجلين الصالحين تنصب ولا ترفع من قبل أن رفعهما مختلف وذلك أن زيدًا على النداء/ ٤٣٤ والرجل نعت "لأي" وتقول في الندبة: يا زيدُ زيداه, ويا زيدًا زيداه, وقوم يجيزون: يا زيدًا زيداه, وقوم يجيزون: يا زيدًا يا زيداه, ويا زيداه يا زيداه, وقد مضى تفسير ما يجوز من ذا وما لا يجوز, وقالوا: من قال يا هناهُ ويا هناهِ بالرفع والجر, من رفع توهم أنه طرف للاسم ويكسر لأنه جاء بعد الألف. والتثنية: يا هنانيه, ويا هناناه ويا هنوتاه في الجمع, وهنتاه في المؤنث وهنتانيه في التثنية وهنتاناه, ويا هناتوه في الجمع لا غير, والفراء لا ينعت المرخم إلا أن يريد نداءين, ونعت المرخم عندي قبيح كما قال الفراء من أجل أنه لا يرخم الاسم إلا وقد علم ما حذف منه وما يعني به. فإن احتيج إلى النعت للفرق فرد ما سقط منه أولى كقول الشاعر: أضمرَ بن ضمرةَ ماذا ذكر ... تَ من صرمةٍ أخذتْ بالمرار١

стр. 407

أراد/ ٤٣٥: يا ضمر يابن ضمرة. والكوفيون يجيزون: يا جرجر في جرة, وفي حولايا يا حول, فيحذفون الزوائد كلها, وهذا إخلال بالاسم. يسقطون فيه ثلاثة أحرف فيها حرف متحرك ولا نظير لهذا في كلام العرب, ويقولون للمرأة: يا ذات الجمة أقبلي, ويا ذواتي الجمم للاثنين, وللجماعة يا ذوات الجمم, بكسر التاء وقد يقال: يا ذواتي الجمة, ويا ذوات الجمة. قال أبو بكر: وذلك أن ذات إنما هي ذاة, فالتاء زائدة للجمع, وإنما صارت الهاء في الواحدة تاء حين أضفتها ووصلتها بغيرها. وتقول: يا هذا الرجلُ. والرجلَ أقبل, ويا هذان الرجلان والرجلين, مثل: يا زيد الظريفُ والظريفَ, النصب على الموضع والرفع على اللفظ, وتقول: يا أخوينا زيد وعمرو, على قولك: يا زيد وعمرو, يعني البدل. وقال الأخفش: وإن شئت قلت: زيد وعمرو على التعويض كأنك قلت أحدهما زيد والآخر عمرو. قال أبو بكر: هذا عندي إنما يجوز/ ٣٤٦ إذا أراد أن يخبر بذلك بعد تمام النداء. وتقول: يا أيها الرجلُ زيدٌ, لأن زيدًا معطوف على الرجل عطف البيان يجري عليه كما يجري النعت للبيان, ولو جاز أن لا تنون زيدًا لجاز أن تقول: يا أيها الجاهلُ ذا التنزي١. على النعت وإنما هو ذو التنزي, وتقول: يا أيها الرجلُ عبدُ الله, تعطف على الرجل عطف البيان.

стр. 408

قال الأخفش: ولو نصبت كان في القياس جائز إلا أن العرب لا تكلم به نصبًا, ولكن تحمله على أن تبدله من "أي"؛ لأن "أي" في موضع نصب على أصل النداء, وقال: إذا رخمت رجلًا اسمه شاة قلت: يا شا أقبل, ومن قال: يا حارُ فرفع قال: يا شاةُ أقبل فرد الهاء الأصلية؛ لأنه لا يكون الاسم على حرفين أحدهما ساكن إلا مبهمًا١, وقال: تقول في شية على ذا القياس يا وشي أقبل, وفي دية: يا ودي/ ٤٣٧ أقبل فترد الواو في أوله؛ لأنها ذهبت من الأول لأن الأصل: وديت ووشيت وإنما ردت الواو؛ لأن مثل: شيء لا يكون اسما. وذلك أن الاسم لا يكون على حرفين أحدهما ساكن قال: وتكسر الواو إذا رددتها لأن الأصل وشية, كما قالت العرب: وجهة لما أتموا: وقالوا: ولدة, والكوفيون وقوم يجيزون: يا رجل قام ويقولون: إن كان تعجبًا نصبت كقولك: يا سيدًا ما أنت من سيد, ويكون مدحًا كقولك: يا رجلًا لم أرَ مثله, وكذلك جميع النكرات عندهم وتقول: يا أيها الرجل, ويا أيها الرجلان, ويا أيها الرجال, ويا أيها النساء على لفظ واحد, والاختيار في الواحدة في المؤنث يا أيتها المرأة, وإذا قلت: يا ضاربي فأردت به المعرفة كان مثل: يا صاحبي وغلامي ويجوز عندي أن تقول: يا ضاربِ أقبل كما تقول: يا غلامِ أقبل, فإن أردت/ ٤٣٨ غير المعرفة لم يجز إلا إثبات الياء وتقول: يا ضاربي غدًا وشاتمي؛ لأنك تنوي الانفصال وتقول: يا قاضي المدينة, لك أن تنصبهما ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني والكوفيون يجيزون نصب الأول بتنوين؛ لأنه يكون خلفًا وما لا يكون خلفًا فلا يجوز في الأول عندهم التنوين مثل: يا رجلُ رجلنا, لا يجيزون النصب في الأول وقالوا: كل ما كان يكون خلفًا فلك الرفع بلا تنوين والنصب بتنوين ويقولون: يا قائمًا أقبل ويا قائمُ أقبل, ويجيزون أن يؤكد ما فيه وينسق عليه ويقطع منه كما يصنع بالخلف ويجيزون: يا رجلُ قائمًا أقبل على نداءين وإن شئت كان في الصلة ويجيزون: يا رجلُ قائمٌ أقبل.

стр. 409

ينوون فيها الألف واللام. ويحكون عن العرب: يا مجنونُ مجنونُ أقبل, ويجيزون: يا أيها الذي قمت أقبل/ ٤٣٩ ويا أيها الذي قام أقبل وهو جائز ولا يجيزونه في من وكذا ينبغي ويقولون: يا رجلًا قمت أقبل, ويا رجلُ قمت أقبل, والفراء إذا خاطب رفع لا غير, ويقولون: يا قاتلَ نفسك ويا عبدَ بطنك وهذا جائز قال أحمد بن يحيى١: لو أجزت الرفع لم يكن خطأ قال: وكذلك: يا ضاربنا ولا شاتمنا يختار النصب مع كل ما ظهرت إضافته قال: ويجوز في القياس الرفع وأنت تنوي الألف واللام. فإذا كان لا يجوز فيه الألف واللام لم يجز إلا النصب مثل: يا أفضل منا, ويا أفضلنا, ويا غلام زيد ويا غلام رجل, إنما يجوز الرفع في القياس مع ضارب زيدٍ, وحسن الوجهِ وقال: أما مثلنا وشبهنا فالنصب لا غير. وقال الأخفش: تقول: إذا نسبت رجلًا إلى حباري٢ وحبنطي٣ قلت: حباريُّ وحبنطيُّ فإذا رخمت لم ترد الألف, وكذلك إذا نسبت إلى مرمى فقلت: مرميُّ لم/ ٤٤٠ ترد الألف لو رخمته لأن هذا لم يحذف لالتقاء الساكنين ولو كان حذف لالتقاء الساكنين لبقي الحرف مفتوحًا فكان يكون: حباريُّ وحبنطيُّ قال: وإن شئت قلت: إني أرد الألف وأقول ذهب لاجتماع الساكنين ولكنهم كسروا لأنهم رأوا جميع النسب يكسر ما قبله قال: ومن قال: احذفه على أني أبنيه بناء قال: لا أحذفه لاجتماع الساكنين وجب عليه أن لا يرد في: ناحي وقاضي, إذا نسب إلى ناحية وقاضٍ وقال: إذا سميت رجلًا حبلاوي أو حمراوي إذا رخمته فيمن قال: يا حارُ, فرفع همزت لأنها واو صارت آخرًا فتهمزها وتصرفها في المعرفة والنكرة لأنها الآن ليست للتأنيث.

стр. 410

قال أبو بكر: وجميع ما ذكرت من المسائل فينبغي أن تعرضه على الأصول التي قدمتها فما صح في القياس فأجزه وما لم يصح فلا تجزه وإنما أذكر/ ٤٤١ لك قول القائلين كيلا تكون غريبًا فيمن خالفك, فإن الحيرة تقارن الغربة وقد ذكرنا الضم الذي يضارع الرفع ونحو نتبعه الفتح الذي يشبه النصب, إن شاء الله.

стр. 411

باب النفي بلا مدخل ... باب النفي بلا: الفتح الذي يشبه النصب هو ما جاء مطردًا في الأسماء النكرات المفردة ولا تخص اسمًا بعينه من النكرات إذا نفيتها "بلا" وذلك قولك: لا رجل في الدار ولا جارية فأي اسم نكرة ولي "لا" وكان جوابًا لمن قال: هل من غلام فهو مفتوح, فإن دخلت "لا" على ما عمل بعضه في بعض من معرفة أو نكرة لم تعمل هي شيئًا إنما تفتح الاسم الذي يليها إذا كانت قد نفت ما لم يوجبه موجب. فأما إذا دخلت على كلام قد أوجبه موجب فإنها لا تعمل شيئًا وإنما خولف بها إذا كانت تنفي ما لم يوجب, وكل منفي فإنما ينفى بعد أن كان موجبًا/ ٤٤٢ وأنت إذا قلت: لا رجل فيها إنما نفيت جماعة الجنس, وكذلك إذا قلت: هل من رجل؟ لم تسأل عن رجل واحد بعينه, إنما سألت عن كل من له هذا الاسم, ولو أسقطت "من" فقلت: هل رجل؟ لصلح لواحد ولجمع فإذا دخلت "من" لم يكن إلا للجنس. واعلم: أن "لا" إذا فتحت ما بعدها فقد يجيء الخبر محذوفًا كثيرًا, تقول: لا رجل ولا شيء تريد في مكان أو زمان, وربما لم يحذف, خالفت ما وليس ألا ترى أن "ما" تنفي بها ما أوجبه الموجب و"ليس" كذلك وهما يدخلان على المعارف و"لا" في هذا الموضع ليست كذلك وقد اختلف النحويون في تقديرها اختلافًا شديدًا فقال سيبويه: "لا" تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين ونصبها لما بعدها كنصب "إنَّ" لما بعدها وترك التنوين لما

стр. 412

تعمل فيه لازم لأنها جعلت وما تعمل فيه بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر وذلك لأنه لا يشبه ما ينصب وهو الفعل١ / ٤٤٣ ولا ما أجرى مجراه لأنها لا تعمل إلا في نكرة "ولا" ما بعدها في موضع ابتدء فلما خولف بها عن حال أخواتها خولف بلفظها كما خولف بخمسة عشر ولا تعمل إلا في نكرة كما أن: رُبَّ لا تعمل إلا في نكرة فجعلت وما بعدها كخمسة عشر في اللفظ وهي عاملة فيما بعدها كما قالوا: يابن أم فهي مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الثاني و"لا": لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب فيما زعم الخليل كقوله: هل من عبد أو جارية؟ فصار الجواب نكرة كما أنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة٢. "فلا" وما عملت فيه في موضع ابتداء كما أنك إذا قلت: هل من رجل؟ فالكلام بمنزلة اسم مبتدأ والذي يبني عليه في زمان أو مكان هو الخبر ولكنك تضمره, وإن شئت أظهرته. قال أبو العباس محمد/ ٤٤٤ بن يزيد: فإن قال قائل: فهل يعمل في الاسم بعضه؟ فالجواب في ذلك: بلغني أنك منطلق إنما هو بلغني انطلاقك "فإن" عاملة في الكاف وفي منطلق وكذلك موقعها مفتوحة أبدا, وكذلك "أن" الخفيفة هي عاملة في الفعل وبه تمت اسمًا, فكذلك "لا" عملت عنده فيما بعدها وهي وما بعدها بمنزلة اسم. قال: والدليل على أن "لا" وما عملت فيه اسم أنك تقول: غضبت من لا شيء وجئت بلا مال, كما قال٣: حَنَّتْ قلُوصي حينَ لا حِينَ محن٤

стр. 413

فجعلها اسمًا واحدًا, فالموضع موضع نصب نصبته "لا" وسقوط التنوين, لأنه جعل معها اسمًا واحدا, والدليل على ذلك: أنه إن اتصل بها اسم مفرد سقط منه التنوين وصار اسمًا واحدًا وموضع الاسم بأسره موضع رفع كما كان موضع ما هو جوابه كذلك. وأما الكسائي: فإنه يقول/ ٤٤٥: النكرات يبتدأ بأخبارها قبلها لئلا يوهمك أخبارها أنها لها صلات, فلما لزمت التبرئة الاسمَ وتأخر الخبر أرادوا أن يفصلوا بين ما ابتدئ خبره وما لا يكون خبره إلا بعده فغيروه من الرفع إلى النصب لهذا, ونصبوه بغير تنوين لأنه ليس بنصب صحيح إنما هو مغير كما فعلوا في الندءا حين خالفوا به نصب المضاف فرفعوه بغير تنوين ولم يكسروه فيشبه ما أُضيف إليه. وقال الفراء: إنما أخرجت "لا" من معنى غير إلى "ليس" ولم تظهر ليس ولا إذا كانت في معنى "غير" عمل ما قبلها فيما بعدها كقولك: مررت برجل لا عالم ولا زاهد و"لا" إذا كانت تبرئة كان الخبر بعدها ففصلوا بهذا الإِعراب بين معنيين. وفي جميع هذه الأقوال نظر, وإنما تضمنا في هذا الكتاب الأصول والوصول إلى الإِعراب, فأما عدا ذلك من/ ٤٤٦ النظر بين المخالفين فإن الكلام يطول فيه ولا يصلح في هذا الكتاب, على أنا ربما ذكرنا من ذلك الشيء القليل.

стр. 414

ذكر الأسماء المنفية في هذا الباب: واعلم: أن المنفي في هذا الباب ينقسم أربعة أقسام: نكرة مفردة غير موصوفة, ونكرة موصوفة, ونكرة مضافة, ومضارع للمضاف. أما الأول: وهو النكرة المفردة: فنحو ما خبرتك من قولك: لا رجل عندي, ولا رجل في الدار, ولا صاحب لك و ﴿لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ ١, ولا صنع لزيد, ولا رجل ولا شيء, تريد: لا رجل في مكان ولا شيء في زمان وتقول: لا غلامَ ظريفٌ في الدار. فقولك: ظريف خبر, وقولك: في الدار, خبر آخر, وإن شئت جعلته لظريف خاصة, ومن ذلك قول الله : ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه﴾ ٢. وقال: ﴿الم, ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٣ وأما قول الشاعر: لا هَيثَم الليلَة للمَطِّي٤

стр. 415

فإنه جعله نكرة أراد لا مثل هيثم, ومثل ذلك: لا بصرَ لكم. وقال ابن الزبير الأسدي: أَرَى الحَاجَاتِ عِنْدَ أبي خُبَيْبٍ ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البلادِ١ أراد: ولا مثل أمية فإن ثنيت المنفي "بلا" قلت: لا غلامين لك ولا جاريتين, لا بدّ من إثبات النون في التثنية والجمع الذي هو بالواو والنون, قد تثبت في المواضع التي لا يثبت فيها التنوين, بل قد يثنى بعض المبنيات بالألف والنون, والياء والنون. نحو: هذا والذي. تقول: هذان, واللذان. قال أبو العباس: وكان سيبويه والخليل يزعمان: أنك إذا قلت: لا غلامين لك, أن غلامين مع "لا" اسم واحد, وتثبت النون كما تثبت مع الألف واللام في تثنية ما لا ينصرف وجمعه نحو: هذان أحمران وهذان المسلمان٢, وقال: وليس القول عندي كذلك؛ لأن الأسماء المثناة والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع ما قبلها٣ / ٤٤٨ اسمًا واحدًا, لم يوجد ذلك كما لم يوجد المضاف, ولا الموصول مع ما قبلهما بمنزلة اسم واحد٤.

стр. 416

الثاني: النكرة الموصوفة: اعلم: أنك إذا وصفت النكرة في هذا الباب فلك فيها ثلاثة أوجه: الأول منها: وهو الأحسن, أن تجري الصفة على الموصوف, وتنون الصفة, وذلك قولك: لا رجل ظريفًا في الدار, فتنون لأنه صفة, ويكون قولك: في الدار, هو الخبر, وحجة من فعل هذا أن النعت منفصل من المنعوت مستغنٍ عنه, وإنما جيء به بعد أن مضى الاسم على حاله, فإن لم تأتِ به لم تحتج إليه. والوجه الثاني: أن تجعل المنفي ونعته اسمًا واحدا١, وتبنيه معه فتقول: لا رجلَ ظريفَ في الدار بنيت رجل مع ظريف, وحجة من رأى أن يجعله مع المنعوت اسمًا واحدًا أن يقول: لما كان موضع/ ٤٤٩ يصلح فيه بناء الاسمين اسمًا واحدًا كان بناء اسم مع "اسم" أكثر وأفشى من بناء اسم مع حرف فإن قلت: لا رجل ظريفًا عاقلًا, فأنت في النعت الأول بالخيار فأما الثاني: فليس فيه إلا التنوين؛ لأنه لا يكون ثلاثة أشياء اسمًا واحدًا٢, وكذلك المعطوف, لو قلت: لا رجل وغلامًا عندك لم يصلح في "غلام" إلا التنوين من أجل واو العطف؛ لأنه لا يكون في الأسماء مثل حضرموت اسمًا

стр. 417

واحدًا إذا كانت بينهما واو العطف. والتكرير والنعت: بمنزلة واحدة تقول في النعت: لا رجل ظريف لك, والتكرير على ذلك يجري تقول: لا ماءَ ماءً باردًا, وإن فصلت بين الموصوف والصفة بشيء لم يجز في الصفة إلا التنوين, وذلك قولك: لا رجل اليوم ظريفًا, ولا رجل فيها عاقلًا, من قبل أنه لا يجوز لك/ ٤٥٠ أن تجعل الاسم والصفة بمنزلة اسم واحد, وقد فصلت بينهما كما أنه لا يجوز لك أن تفصل بين: عشر وخمسة, في خمسة عشر. والوجه الثالث: أن تجعل النعت على الموضع فترفع لأن "لا" وما علمت فيه في موضع اسم مبتدأ فتقول: لا رجلَ ظريفَ, فتجري "ظريف" على الموضع فيكون موضع اسم مبتدأ والخبر محذوف, وإن شئت جئت بخبر فقلت: "لك" أو عندك كما بينت لك فيما تقدم, قال الشاعر: ورَدَّ جَازِرُهُم حَرْفًا مُصَرَّمةً ... ولا كَرِيمَ مِن الوِلْدَانِ مَصْبُوحُ١ والنعت على اللفظ أحسن, وكذلك إذا قلت: لا ماءَ ماءً باردًا, وإن

стр. 418

شئت قلت: لا ماءَ ماءٌ باردٌ, فإن جعلت الاسمين اسما واحدا قلت: لا ماءَ ماءَ باردٌ, جعلت ماء الأول والثاني اسمًا واحدًا وجعلت "بارد" نعتًا على الموضع. ومن ذا قول العرب: لا مالَ لهُ قليلٌ ولا كثيرٌ. قال سيبويه: والدليل على أن "لا رجل" في موضع اسم "مبتدأ" في لغة تميم قول العرب من أهل الحجاز: لا رجلَ ١ / ٤٥١ أفضل منك, والعطف في هذا الباب على الموضع كالنعت, فمن ذلك قول الشاعر وهو رجل من مذحج: هَذا -لَعَمْرُكُم- الصَّغَارُ بَعْينِه ... لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أَبُ٢ والأجود أن تعطِفَ على اللفظ فتقول: لا حولَ ولا قوةٌ, هذا إذا جعلت لا الثانية مؤكدة للنفي ولم يقدر أنك ابتدأت النفي بها, فإن قدرت ذلك كان حكمها حكم الأول فقلت: لا حولَ ولا قوةَ, وإن شئت عطفت على الموضع كما خبرتك.

стр. 419

باب ما يثبت فيه التنوين والنون من الأسماء المنفية: فإن ثنيت فلا بد من النون تقول: لا غلامين ولا جاريتين, تثبت النون هنا كما تثبت في النداء, والأسماء المبنية فيها ما يبنى وتثبت فيه النون, وإن كان المفرد مبنيا, ألا ترى أنك تثني هذا فتقول: هذان وهذين, وكذلك: اللذان واللذين. وتقول: لا غلامين ظريفين لك, ولا مسلمين صالحين لك, ولا عشرين درهمًا لك, ونظير هذه/ ٤٥٢ النون التنوين إذا لم يكن منتهى الاسم, وصار كأنه حرف قبل آخر الاسم وهو قولك: لا خيرًا منه ولا حسنًا وجهه لك, ولا ضاربًا زيدًا لك؛ لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الاسم فقبح أن يحذفوا قبل أن ينتهوا منتهى الاسم. وقال الخليل: كذلك: لا آمرًا بالمعروف لك, إذا جعلت "بالمعروف" من تمام الاسم وجعلته متصلًا به, كأنك قلت: لا آمرًا معروفًا لك. وإن قلت: لا آمر بمعروف لك, فكأنك جئت بمعروف بعد ما بنيت على الأول كلامًا١. الثالث: نكرة مضافة: التنوين يسقط من كل مضاف في هذا الباب, وغيره فإذا نصبت

стр. 420

مضافًا وأعملت "لا" نصبته ولا بد من أن يكون ذلك المضاف نكرة؛ لأن "لا" لا تعمل في المعارف, والمضاف ينقسم في هذا الباب على قسمين: مضاف لم يذكر معه لام الإِضافة, ومضاف ذكرت معه لام الإِضافة/ ٤٥٣. فأما المضاف المطلق, فقولك: لا غلامَ رجلٍ لك, ولا ماءَ سماءٍ في دارك, ولا مثلَ زيدٍ لك, وإنما امتنع هذا أن يكون اسمًا واحدًا مع "لا" لأنه مضاف والمضاف لا يكون مع ما قبله اسمًا واحدًا, ألا ترى أنّكَ لا تجد اسمين جعلا اسمًا واحدًا, وأحدهما مضاف, إنما يكونان مفردين: كحضرموت وبعلبك, ألا ترى أن قوله: يابن أم, لما جعل "أم" مع ابن اسمًا واحدًا حذف ياء الإِضافة, وقال ذو الرمة: هيَ الدَّار إذْ ميٌّ لأهلكِ جيرَةٌ ... لَيَاليَ لا أمثالَهَنَ لَياليا١ فأمثالهن نصب بـ"لا". وأما القسم الآخر المنفي بلام الإِضافة: فالتنوين والنون تقع في هذا الموضع كما وقع مما قبله لما أضفته وذلك قولهم: لا أبًا لك, ولا غلام لك:

стр. 421

وقال الخليل: إن النون إنما ذهبت للإِضافة, ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإِضافة, وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك, في١ / ٤٥٤ موضع: لا أبالك, ولو أردت الإِفراد: لا أبَ لزيد, فاللام مقحمة ليؤكد بها الإِضافة كما وقع في النداء: يا بؤس للحرب٢ هذا مقدار ما ذكره أصحابنا٣. ولقائل أن يقول: إذا قلت: أنّ قولهم: لا أبالك تريد به: لا أباك, فمن أين جاز هذا التقدير والمضاف إلى كاف المخاطب معرفة والمعارف لا تعمل فيها لا؟ قيل له: إن المعنى إذا قلت: لا أبالك الانفصال كأنك قلت: لا أبًا لك فتنون لطول الاسم وجعلت "لك" من تمامه وأضمرت الخبر ثم حذفت التنوين استخفافًا وأضافوا وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى فهو منفصل بدخول اللام وهو متصل بالإِضافة. وإنما فعل في هذا الباب وخصوه كما خصوا النداء بأشياء ليست في غيره. وإنما يجوز في اللام وحدها أن تقحم بين المضاف والمضاف إليه/ ٤٥٥ لأن معنى الإِضافة معنى اللام, ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد فمعناه: غلام لزيد, فدخول اللام في هذا يشبه قولهم: يا تيمَ تيمَ عَدي٤ أكد هذه الإِضافة بإعادة الاسم, كما أكد ذلك بحرف الإِضافة, فكأنه قد أضافه مرتين.

стр. 422

والشاعر قد يضطر فيحذف اللام ويضيف قال: أبا المَوَتِ الذي لا بُدَّ أنِّي ... مُلاقٍ لا أباك تُخوِّفيني١ وقال الآخر: فقدْ ماتَ شَمَّاخٌ وماتَ مُزوِّدٌ ... وأيُّ كريمٍ -لا أباكَ- مُخَلَّدُ٢ فإن قال: لا مسلمين صالحين لك, فوصف المنفي قبل مجيئك "بلك" لم يكن بد من إثبات النون من قبل أن الصالحين نعت للمنفي, وليس بمنفي, وإنما جاء التخفيف في النفي. الرابع: المضارع للمضاف: المضارع للمضاف في هذا الباب ما كان عاملًا فيما بعده, كما أن المضاف عامل فيما بعده فهو منصوب, كما أن المضاف منصوب وما بعده من تمامه كما أن المضاف من تمام الأول, إلا أن التنوين يثبت فيه ولا يسقط منه/ ٤٥٦ لأنه ليس منتهى الاسم فصار كأنه حرف قبل آخر الاسم. فالتنوين

стр. 423

هنا والنون يثبتان إذا كان المنفي عاملًا فيما بعده, فهو وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد, فمن ذلك قولهم: لا خيرًا منه ولا حسنًا وجهه لك ولا ضاربًا زيدًا لك؛ لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الاسم. فجميع هذا قد عمل فيما بعده, ومثل ذلك قولك: لا عشرين درهمًا لك, لولا درهم لجاز أن تقول: لا عشرين لك, وعشرون عملت في درهم فنصبته وقال الخليل: كذلك: لا آمرًا بالمعروف لك. إذا جعلت بالمعروف من تمام الاسم وجعلته متصلًا به كأنك قلت: لا آمرًا معروفًا لك, وإذا قلت: لا آمر بمعروف فكأنك جئت بمعروف بنيت على الأول كلاما كقولك: لا آمر في الدار, ثم جئت بمعروف تبيينًا بعد أن تم الكلام وتقول: لا آمر يوم الجمعة لك, إذا نفيت جميع الآمريين١ / ٤٥٧, وزعمت: أنه ليسوا له يوم الجمعة, فإن أردت أن تنفي الآمرين يوم الجمعة خاصة قلت: لا آمر يوم الجمعة لك جعلت يوم الجمعة من تمام الاسم فصار بمنزلة قولك: لا آمرًا معروفًا لك. ولو قلت: لا خير عند زيد, ولا آمر عنده, لم يجز إلا بحذف التنوين؛ لأنك لم تصله بما يكمله اسمًا ولكنه اسم تام فجعلته مع "لا" اسمًا واحدًا.

стр. 424

باب ما إذا دخلت عليه "لا" لم تغيره عن حاله: هذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام: اسم معرفة, واسم منفي بلا, بعده اسم منفي بلا, وهما جواب مستفهم قد ثبت عنده أحد الشيئين, واسم قد عمل فيه فعل أو هو في معنى ذلك. أما الأول: فالاسم المعرفة: وقد عرفتك أن "لا" لا تنصب المعارف فإن عطفت معرفة منفية على نكرة وقد عملت فيها لم تعملها في المعرفة, وأعملتها في النكرة/ ٤٥٨ وذلك قولك: لا غلام لك ولا العباس لك, ولا غلامَ لك ولا أخوةٌ لك. قال سيبويه: فأما من قال: كل نعجة وسخلَتها بدرهم, فينبغي أن يقول: لا رجلَ لك وأخًا له١, ولا يحسن أن تدخل "لا" على معرفة مبتدأة غير معطوفة على كلام, فقد تقدم فيه "لا" فإن كررت, لا جاز. فأما الذي لا يجوز فقولك: لا زيد في الدار؛ لأن هذا موضع "ما" إلا أن يضطر شاعر فيرفع المعرفة ولا يثني "لا" قال الشاعر:

стр. 425

بَكَتْ حَزَنًا واسترجعت ثمَّ آذَنَتْ ... ركائبُها أن لا إلينا رُجوعها١ فأما الذي يحسن ويجوز فقولك: لا زيد في الدار ولا عمرو, ولما ثنيت حسن. الثاني: الاسم المنفي بلا وبعده اسم منفي أيضًا بلا: وهذا الصنف إنما يجيء على لفظ السائل إذا قال: أغلام عندك أم جارية/ ٤٥٩ إذا ادعى أن عنده أحدهما, إلا أنه لا يدري: أغلام هو أم جارية فلا يحسن في هذا إلا أن تعيد "لا" فتقول: لا غلام عندي ولا جارية, وإذا قال: لا غلام فإنما هو جواب لقوله: هل من غلام, ولم يثبت أن عنده شيئًا فعملت لا فيما بعدها, وإن كان في موضع ابتداء, ومن ذلك قول الله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢. وقال الشاعر:
следующие страницы →