← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7365

الأصول في النحو

ابن السراج

Полный текст (1 554 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

باب التسمية بالحروف: وذلك نحو إن, إذا سميت بها قلت: هذا إن، وكذلك أن، وكذلك ليت، وإن سميت بأن المفتوحة لم تكسر، وإن سميت بلو واو زدت واوًا فقلت: لو واو وكان بعض العرب يهمز فيقول: لؤ١، وإن سميت "بلا" زدت ألفًا ثم همزت فقلتَ: لاء؛ لأن الألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان, وإذا سميت بحرف التهجي نحو: باء وتاء وثاء وحاء مددت فقلت: هذه باء وتاء, وإذا تهجيت قصرت ووقفت ولم تعرب, وفي "زاي" لغتان٢: منهم من يجعلها "ككي" ومنهم من يقول: زاي, فإن سميته بزي على لغة من يجعلها ككي قلت: زي فاعلم, وإن سميت بها على لغة من يقول: زايٌ قلت: زاءٌ وكذا واوٌ وآءٌ, وسنبين هذا في التصريف وجميع هذه الحروف إذا أردت بالواحد منها معنى حرف فهو مذكر, وإن أردت به معنى كلمةٍ فهو مؤنث, وإن سميت بحرف متحرك أشبعت الحركة إن كانت فتحةً جعلتها ألفًا وضممت إليها ألفًا أخرى، وإن كانت كسرة أشبعتها حتى تصير ياء وتضم إليها أخرى وكذلك المضموم إذا وجدته كذلك وذلك أن تسمي رجلًا بالكاف

стр. 597

من قولك: كزيدٍ، تقول: هذا "كا" وإن سميته بالباء من بزيد, قلت: بي, فإن سميته بحرف ساكن فإن الحرف الساكن لا يجوز من غير كلمة فترده إلى ما أخذ منه. واعلم: أن كل اسم مفرد لا تجوز حكايته, وكذلك كل مضاف, وإن سميت رجلًا عم, فأردت أن تحكي به في الاستفهام تركته على حاله، وإن جعلته اسمًا قلت: عن ما تمد "ما" لأنك جعلته اسمًا كما تركت تنوين سبعة إذا سميت فقلت: سبعةُ. والمضاف بمنزلة الألف واللام لا يجعلان الاسم حكاية, قال أبو بكر: قد ذكرنا ما لا ينصرف، وقد مضى ذكر المبني المضارع للمعرب، ونحن نتبع ذلك الأسماء المبنيات إن شاء الله.

стр. 598

ذكر الأسماء المبنية التي تضارع المعرب: شرح الأول من المعرب: هذه الأسماء على ضربين: مفرد ومركب, فنبدأ بذكر المفرد إذ كان هو الأصل؛ لأن التركيب إنما هو ضم مفرد إلى مفرد، ولنبين أولًا المعرب ما هو لنبين به المبني، فنقول: إن الاسم المفرد المتمكن في الإِعراب على أربعة أضرب: اسم الجنس الذي تعليله من جنس آخر، والواحد من الجنس, وما اشتق من الجنس, ولقب الواحد من الجنس. شرح الأول من المعرب: الجنس: الاسم الدال على كل ما له ذلك الاسم, ويتساوى الجميع في المعنى, نحو: الرجل, والإِنسان, والمرأة، والجمل، والحمار، والدينار، والدرهم، والضرب, والأكل, والنوم, والحمرة, والصفرة، والحسن, والقبح وجميع ما أردت به العموم، لما يتفق في المعنى، بأي لفظ كان فهو جنس، وإذا قلت: ما هذا؟ فقيل لك: إنسان, فإنما يراد به الجنس، فإذا قال: الإِنسان فالألف واللام لعهد الجنس، وليست لتعريف الإِنسان بعينه، وإنما هي فرق

стр. 599

بين إنسان موضوع للجنس وبين إنسان هو من الجنس، إذا قلت إنسان, قال الله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ فدل بهذا أن الإِنسان يراد به الجنس، ومعنى قول النحويين: الألف واللام لعهد الجنس أنك تشير بالألف واللام إلى ما في النفس من معرفة الجنس؛ لأنه شيء لا يدرك بالعيان والحس، وكذلك إذا قلت: فضةٌ والفضةُ, وأرضٌ والأرضُ, وأسماء الأجناس إنما قيلت ليفرق بين بعضها وبعض, مثل الجماد والإِنسان، وهذه الأسماء تكون أسماء لما له شخص ولغير شخص, فالذي له شخص نحو: ما ذكرنا من الإِنسان والحمار والفضة, وما لا شخص له مثل الحمرة والضرب والعلم والظن.

стр. 600

شرح الثاني من المعرب: وهو الواحد من الجنس نحو رجل وفرس ودينار ودرهم وضربةٍ وأكلةٍ فتقول: إذا كان واحد من هذه معهودًا بينك وبين المخاطب, الرجل, والفرس, والدينار، والضرب، أي: الفرس الذي تعرف والضرب الذي تعلم، والفرق بين قولك: رجل وبين فضة, أن رجلًا يتضمن معنى جنس له صورة فمتى زالت تلك الصورة زال الاسم, وفضة ليس يتضمن هذا الاسم صورة, فأما درهم فهو مثل رجل في أنه يتضمن معنى الفضة بصورة من الصور.

стр. 601

الثالث: ما اشتق للوصف من جنس من الأجناس التي لا أشخاص لها . نحو: ضارب, مشتق من الضرب, وحَسَنٌ مشتق من الحُسْنِ, وقبيحٌ مشتق من القُبحِ، وآكلٌ مشتق من الأكل، وأسود من السواد, وهذه كلها صفات تجري على الموصوفين، فإن كان الموصوف جنسًا، فهي أجناس وإن كان واحد منكورًا من الجنس فهو واحد منكور نحو القائمِ, وقائمٍ، والحَسِنُ، وحَسَنٌ، وإن كان معهودًا فهو معهودٌ وحكم الصفة حكم الموصوف في إعرابه.

стр. 602

الرابع: ما يلقب به شيء بعينه ليعرف من سائر أمته . نحو: زيد وعمرو وبكر وخالد وما أشبه ذلك من الأسماء الأعلام التي تكون للآدميين وغيرهم. فجميع هذه الأسماء المتمكنة إلا الجنس يجوز أن تعرف النكرة منها بدخول الألف واللام عليها، ويجوز أن تنكر المعرفة منها، ألا ترى أنك تقولُ: الرجل إذا كان معهودًا، ثم تقول: رجلٌ إذا لم يكن معهودًا والمعنى واحد وكذلك ضرب, والضربُ, وحَسُنَ، والحسنُ، وضاربٌ، والضَارب، وقبيحٌ، والقبيحُ، وتقول: زيدُ عمرٍو, فإذا تنكرا بأن يتشاركا في الاسم قلت: الزيدان والعمران تدخل الألف واللام مع التثنية؛ لأنه لا يكون نكرة إلا ما يثنى ويجمع, والأسماء المبنية بخلاف هذه الصفة, لا يجوز أن تنكر المعرفة منها ولا تعرف النكرة، ألا ترى أنه لا يجوز أن يتنكر "هذا" فتقول: الهذان ولا يتنكر أنا, ولا أنت, ولا هو, فهذا من المعارف المبنيات التي لا يجوز أن يتنكر ما كان منها فيه الألف واللام، فلا يجوز أن يخرج منها الألف واللام نحو: الذي والآن، وأما النكرة التي لا يجوز أن تعرف نحو قولك: كيف وكم, فجميع ما امتنع أن يعرف بالألف واللام, وامتنع من نزع الألف واللام منه لتنكير فهو مبني, ولا يلزم من هذا القول البناء في اسم الله ، إذ كانت الألف واللام لا تفارقانه فإن الألف واللام وإن كانتا غير مفارقتين, فالأصل فيهما أنهما دخلتا على إله, قال سيبويه: أصل هذا الاسم أن يكون إلها١, وتقديره "فعال" والألف واللام

стр. 603

عوض من الهمزة التي في "إله" وهو على هذا علم، قال أبو العباس: لأنك تذكر الآلهة الباطلة فتكون نكرات تعرف بالألف واللام، وتجمع كما قال الله : ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَة﴾ ١، وتعالى الله أن يعتور اسمه تعريف بعد تنكير أو إضافة بعد أن كان علمًا, وقال سيبويه في موضع آخر: ويقولون: لاه أبوك يريدون: لله أبوك٢، فيقدمون اللام ويؤخرون العين، والاسم كامل, وهو علم، وحق الألف واللام إذا كانتا في الاسم ألا ينادى إلا الله ، فإنك تقول: يا لله وتقطع الألف، فتفارق سائر ألفات الوصل, والشاعر إذا اضطر فقال: "يا التي"٣ لم تقطع الألف، فهذا الاسم مفارق لجميع الأسماء عز الله وجل.

стр. 604

أقسام الأسماء المبنيات المفردات مدخل ... أقسام الأسماء المبنيات المفردات ستة: اسم كني به عن اسمٍ, واسم أشير به إلى مسمى وفيه معنى فِعْلٍ، واسم سمي به فعل، واسم قام مقام الحرف، وظرف لم يتمكن, وأصوات تحكى.

стр. 605

باب الكنايات وهي علامات المضمرين: الكنايات على ضربين: متصل بالفعل ومنفصل عنه، فالمتصل غير مفارق للفعل, والفعل غير خالٍ منه، وعلامة المرفوع فيه خلاف علامة المنصوب والمخفوض, فالتاء للفاعل المتكلم مذكرًا كان أو مؤنثًا فعلتُ وصنعتُ وعلامة المخاطب المذكر فعلتَ, والمؤنث فعلتِ, وعلامة المضمر النائب في النية تقول: فعل وصنع، فاستغنى عن إظهاره والعلامة فيه بأن كل واحد من المتكلمين والمخاطبين له علامة, فصار علامة الغائب أن لا علامة له, هذا في الفعل الماضي, فأما الفعل المضارع فليس يظهر في فعل الواحد ضمير ألبتة, متكلمًا كان أو مخاطبًا إلا في فعل المؤنث المخاطب, وذلك أنه استغنى بحروف المضارعة عن إظهار الضمير, يقولُ المتكلمُ: أنا أفعل, ذكرًا كان أو أنثى فالمتكلم لا يحتاج إلى علامة؛ لأنه لا يختلط بغيره, وإنما أظهرت العلامة في "فعلتُ" للمتكلم؛ لأنه لو أسقطها لالتبس بالغائب، فصار فعل, فلا يعلم لمن هو, فإن خاطبت ذكرًا قلت: أنت تفعل، والغائب هو يفعل، فإن خاطبت مؤنثًا قلت: تفعلين, فظهرت العلامة وهي الياء, وإن كانت غائبة قلت: هي تفعل فيصير لفظ الغائبة كلفظ المخاطب, ويفصل بينهما الخطاب وما جرى في الكلام من ذكر ومؤنث, وتقول للمؤنث في الغيبة: فعلتْ وصنعتْ, فالتاء علامة فقط وليست باسمٍ, يدلك على ذلك قولهم: فعلت هند، فأما التاء التي هي اسم فيسكن لام الفعل لها، نحو فَعلْتُ وصنَعْتُ وإنما أسكن لها لام الفعل؛ لأن ضمير الفاعل والفعل

стр. 606

كالشيء الواحد، فلو لم يسكنوا لقالوا: ضَرَبتُ فجمعوا بين أربعة متحركات، وهم يستثقلون ذلك فإن ثنيت وجمعت الضمير الذي في الفعل, قال الفاعل: فعلنا في التثنية والجمع والمذكر والمؤنث في هذا اللفظ سواء وتقولُ في الخطاب: فعلتما للمذكر والمؤنث, ولجمع المذكرين فعلتم, وللمؤنث فعلتن, فإن ثنيت الغائب قلت: قاما, فظهرت العلامة وهي الألف١ وفي الجمع قاموا، وفي المضارع يقومان ويقومون, تثبت النون في الفعل المعرب وتسقط من الفعل المبني, وقد ذكرناه فيما تقدم, وتقول في المؤنث: قامتا وقمن ويقومان ويقمن, هذه علامات المضمر المتصل المرفوع, فأما علامة المخفوض والمنصوب المتصل فهي واحدة، فعلامة المتكلم ياء قبلها نون نحو: ضربني, وجيء بالنون لتسلم الفتحة, ولئلا يدخل الفعل جر, وللمجرور علامته, ياء بغير نون نحو: مررت بي وغلامي, وهذه الياء تفتح وتسكن, فمن فتح جعلها كالكاف أختها ومن أسكن فلاستثقال الحركة في الياء في أنها تكسر ما قبلها, وكلهم إذا جاء بها بعد ألف فتحها نحو: عصايَ ورحايَ, وإذا تكلم منه ومن غيره قال: ضربنا زيد والمؤنث في ذا كالمذكر، وكذلك هو في الجر, تقول: ضربنا وغلامنا, فإذا خاطبت فعلامة المخاطب المذكر كاف مفتوحة, والمؤنث كاف مكسورة نحو: ضربتك وكذلك المجرور تقول: مررت بكَ يا رجل, وبكِ يا امرأة, وإذا ثنيت قلت في المذكر والمؤنث: ضربتكما, وللجميع المذكرين: ضربتكم، وكذلك تقول: مررت بكما في التذكير والتأنيث، ومررت بكم في المذكرين, ومررت بكن للمؤنث. الضرب الثاني: وهو علامات المضمرين المتصلة: أما علامة المرفوعين، فللمتكلم أنا، فالاسم الألف والنون وإنما تأتي بهذه الألف الأخيرة في الوقف، فإن وصلت سقطت فقلت: أن فعلتُ ذاكَ, وإن حدث عن نفسه وعن آخر قال: نحن وكذلك إن تحدث عن نفسه وعن

стр. 607

جماعة قال: نحن، ولا يقع "أنا" في موضع التاء، والموضع الذي يصلح فيه المتصل لا يصلح فيه المنفصل, لا تقول: فعل أنا وعلامة المخاطب إن كان واحدًا أنت, وإن خاطبت اثنين فعلامتها أنتما، والجميع أنتم فالاسم هو الألف والنون في "أنت" والتاء علامة المخاطب, والمضمر الغائب علامته "هو" وإن كان مؤنثًا فعلامته "هي", والاثنان والاثنتان هما والجميع هم, وإن كان الجمع جمع مؤنث فعلامته هن, وأما علامة المضمر المنصوب "فإيا" فإن كان غائبًا قلت: إياه, وإن كان متكلمًا قلت: إياي وإيانا في التثنية والجمع، وللمخاطب المذكر: إياكَ وللمؤنث: إياكِ, وإياكما إذا ثنيت, المؤنث والمذكر, وإياكم للمذكرين, وإياكن في التأنيث, وللغائب المذكر إياه, وللمؤنث إياها, وإياهما للمذكر والمؤنث, وإياهم للمذكرين, وإياهن للجميع المؤنث, وقد قالوا: إن "إيا" مضاف إلى الهاء والكاف والقياس أن يكون "إيا" مثل الألف والنون التي في أنت, فيكون "إيا" الاسم وما بعدها للخطاب، ويقوي ذلك أن الأسماء المبهمة وسائر المكنيات لا تضاف, و"إيا" مع ما يتصل بها كالشيء الواحد نحو: أنت, فأما المجرور فليست له علامة منفصلة؛ لأنه لا يفارق الجار ولا يتقدم عليه, وجميع المواضع التي يقع فيها المنفصل لا يقع المتصل, والموضع الذي يقع فيه لا يقع المنفصل؛ لأن المنفصل كالظاهر تقول: إني وزيدًا منطلقانِ, ولا تقول: إن إياي وزيدًا منطلقانِ, وتقول: ما قام إلا أنت ولا تقول: إلاتَ, وتقول: إن زيدًا وإياك منطلقانِ، ولا تقول: إن زيدًا إلاك منطلقان، ومما يدل على "إن وأخواتها" مشبهة بالفعل, أن المكني معها كالمكني مع الفعل, تقول: إنني كما تقول: ضربني, وأما قولهم: عجبتُ من ضريبكَ, وضريبه فالأصل من ضربي إياك وضربي إياه, وأقل العرب١ من يقول: ضَريبهُ وإنما وقع هذا مع المصدر؛ لأنه لم تستحكم علامات الإِضمار معه، ألا ترى أنهم لا يقولون:

стр. 608

عجبت من ضربكني، إذا بدأت بالمخاطب قبل المتكلم، ولا من ضربهيك إذا بدأت بالبعيد قبل القريب, وقالوا: عجبت من ضريبك وضربكه, ولو كان هذا موضعًا يصلح فيه المتصل لجاز فيه جميع هذا, ألا ترى أنك تقول: ضَريبكَ إذا جئت بالفعل ضربته, وموضع ضربكه ضربته, وكان الذين قالوا: ضريبه قالوا ذلك اختصارًا لأن المصدر اسم, فإذا أضفته إلى مضمر فحقه إن عديته لمعنى الفعل أن تعديه إلى ظاهر أو ما أشبه الظاهر من المضمر المتصل، وكان حق المضمر المتصل أن لا يصلح أن يقع موقع المنفصل, والأصل في هذا: عجبتُ من ضربي إياك, كما تقول: من ضربي زيدًا ومن ضربك إياه, كما تقول: من ضربك عمرًا, والكسائي يصل جميع المؤنث فيقول: أعطيتهنه والضارباناه؛ لأنه لم يتفق حرفان ولا أعلم بين الواحد والجمع فرقًا, ومن ذلك قولهم: كان إياه لأن "كانَهُ" قليلة ولا تقول: كانني وليسني١، ولا كانَكَ؛ لأن موضعه موضع ابتداء وخبر، فالمنفصل أحق به، قال الشاعر: لَيْتَ هَذَا اللَّيْلَ شَهْرٌ ... لا نَرى فيهِ عَريبا٢ لَيس إيايَ وإيَا ... كَ ولا نخشَى رَقيبا

стр. 609

وقد حكوا: ليسني، وكأنني, واعلم أنك إذا أكدت المرفوع المتصل والمنصوب والمخفوض المتصلين أكدته بما كان علامة المضمر المرفوع المنفصل, وذلك قولك: قمت أنتَ وضربتُك أنت وإنما جاز ذلك؛ لأن الخطاب جنس واحد وليس بأسماء معربة, والأصل في كل مبني أن يكون المرفوع والمنصوب والمخفوض على صيغة واحدة وإنما فرق في هذا للبيان, فإذا أمنوا اللبس رجع المبني إلى أصله, ومع ذلك فلو أكد المرفوع والمنصوب المتصلان بالمنفصلين اللذين لهما لبقي المجرور بغير شيء يؤكده ولا يحسن أن يعطف الاسم الظاهر على المرفوع المتصل, لا يحسن أن تقول: قمتُ وزيدٌ حتى تؤكد فتقول: أنا وزيدٌ, ولا تقول: قام وزيدٌ حتى تقول: قام, هو وزيدٌ وقال : ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ ١ ربما جاء على قبحه غير مؤكد ويحتمل لضرورة الشاعر. وإنما قَبُحَ أن تقول: قمت وزيد لأن التاء قد صارت كأنها جزء من الفعل إذ كانت لا تقوم بنفسها, وقد غير الفعل لها، فإن عوضت من التأكيد شيئًا يفصل به بين المعطوف والمعطوف عليه نحو: ما قمتُ ولا عمرو, وقعدتُ اليومَ وزيد فحسن, فأما ضمير المنصوب فيجوز أن يعطف عليه الظاهر تقول: ضربتُك وزيدًا وضربت زيدًا وإياكَ, فيجوز تقديمه وتأخيره, وأما المخفوض فلا يجوز أن يعطف عليه الظاهر لا يجوز أن تقول: مررت بكِ وزيدٍ؛ لأن المجرور ليس له اسم منفصل يتقدم ويتأخر كما للمنصوب، وكل اسم معطوف عليه فهو يجوز أن يؤخر ويقدم الآخر عليه فلما خالف المجرور سائر الأسماء لم يجزْ أن يعطف عليه, وقد حكي أنه قد جاء في الشعر: فَاذْهَب فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ٢

стр. 610

وتقول: عجبت من ضربِ زيدٍ أنت, إذا جعلت زيدًا مفعولًا، ومن ضربكه إذا جعلت الكاف مفعولًا, وتقول فيما يجري من الأسماء مجرى الفعل: عليكهُ ورويدهُ وعليكني, ولا تقول: عليك إيايَ ومنهم من لا يستعمل "ني" ولا "نا"، استغناء بعليك "بي" و"بنا"١ وهو القياس, ولو قلت: عليك إياه كان جائزًا؛ لأنه ليس بفعل والشاعر إن اضطر جعل المنفصل موضع المتصل, قال حميد الأرقط: إليك حَتىَّ بَلَغت إياكا٢ يريد: حتى بلغتكَ, فإن ذكرتَ الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين فحق هذا الباب إذا جئت بالمتصل أن تبتدئ بالأقرب قبل الأبعد, وأعني بالأقرب المتكلم قبل المخاطب, والمخاطب قبل الغائب, وتعرف القوي من غيره, فإن الفعلين إذا اجتمعا إلى القوي, فتقول: قمت وأنت ثم تقول: قمنا وقام وأنتَ, ثم تقول: قمتما فتغلب المخاطب على الغائب وتقول: أعطانيه وأعطانيك ويجوز: أعطاكني, فإن بدأ بالغائب قال: أعطاهوني وقال سيبويه: هو قبيح لا يتكلم به العرب٣، وقال أبو العباس: هذا كلام جيد ليس بقبيحٍ، وقال الله : ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٤ فتقول

стр. 611

على هذا أعطاه إياك، وهو أحسن من أعطاهوكَ، فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: لمعطاهوه, وليس بالكثير في كلامهم, والأكثر المعطاه إياه١، والمنفصل بمنزلة الظاهر، فأما المفعولان في ظننت وأخواتها، فأصلها الابتداء الخبر, كما جاء في "كان" فالأحسن أن نقول: ظننتك إياه، كما تقول: كان إياهُ وكنت إياهُ. واعلم: أنه لا يجوز أن يجتمع ضمير الفاعل والمفعول إذا كان المفعول هو الفاعل في الأفعال المتعدية والمؤثرة, لا يجوز أن تقول: ضربتني ولا أضربك إذا أمرت, فإن أردت هذا قلت: ضربت نفسي واضرب نفسك, وكذلك الغائب لا يجوز أن تقول: ضربه إذا أردت ضرب نفسه, ويجوز في باب ظننت وحسبت, أن يتعدى المضمر إلى المضمر, ولا يجوز أن يتعدى المضمر إلى الظاهر, تقول: ظننتني قائمًا وخلتني منطلقًا؛ لأنها أفعال غير مؤثرة, ولا نافذة منك إلى غيرك, فتقول على هذا: زيد ظنه منطلقًا، فتعدى فعل المضمر في ظن إلى الهاء, ولا يجوز زيدًا ظن منطلقًا, فتعدى فعل المضمر الذي في ظن إلى زيدٍ فتكون قد عديت في هذا الباب فعل المضمر إلى الظاهر، وإنما حقه أن يتعدى فعل المضمر إلى المضمر, وتكون أيضًا قد جعلت المفعول الذي هو فضلة في الكلام لا بد منه, وإلا بطل الكلامُ, فهذه جميع علامات المضمر المرفوع والمنصوب قد بينتها في المنفصل والمتصل, وقد خبرتك أن المجرور لا علامة له منفصلة, وأن علامته في الاتصال كعلامة المنصوب, لا فرق بينها في الكاف والهاء تقول: رأيتك كما تقول: مررت بك, وتقول: ضربته كما تقول: مررت به, فهذا مطرد لا زيادة فيه, فإذا جاءوا إلى الياء التي هي ضمير المتكلم زادوا في الفعل نونا قبل الياء؛ لئلا يكسروا لام الفعل, والفعل لا جرّ فيه فقالوا: ضربني فسلمت الفتحة بالنون، ووقع الكسر على النون، وكذلك: يضربني، فإذا جاءوا بالاسم لم يحتاجوا إلى النون فقالوا: الضاربي في النصب واستحسنوا

стр. 612

الكسرة في الباء؛ لأنه موضع يدخله الجر, ولم يستحسنوا ذلك في لام الفعل لأنه موضع لا يدخله الجر, وقالوا: إنني ولعلني ولكنني؛ لأن هذه حروف مشبهة بالفعل. قال سيبويه: قلت له, يعني الخليل: ما بال العرب قالت: إني وكأني ولعلي ولكني؟ فزعم: أن هذه الحروف اجتمع فيها أنها كثيرة١ من كلامهم، وأنهم يستثقلون في كلامهم التضعيف, فلما كثر استعمالهم إياها مع تضعيف الحروف, حذفوا النون التي تلي الياء قال: فإن قلت: "لعلي" ليس فيها تضعيف, فإنه زعم: أن اللام قريبة من النون٢، يعني في مخرجها من الفم، وقد قال٣ الشعراء في الضرورة: ليتي٤. وقال: سألته عن قولهم عني وقطني ولدني: ما بالهم جعلوا علامة المجرور ههنا كعلامة المنصوب؟ فقال: إنه ليس من حرف تلحقه ياء الإِضافة إلا كان متحركًا مكسورًا، ولم يريدوا أن يحركوا الطاء التي في "قط" ولا النون التي في "من" فجاءوا بالنون ليسلم السكون, وقدني بهذه المنزلة٥ وهذه النون لا ينبغي أن نذكرها في غير ما سمع من العرب, لا يجوز أن تقول: قدي كما قلت مني, وقد جاء في الشعر "قدي" قال الشاعر: قدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبيْبَيْن قَدِي٦

стр. 613

فقال: قدي لما اضطر شبهه بحسبي، كما قال: ليتي حيث اضطر, وقال سيبويه: لو أضفت إلى الياء الكاف تجر بها لقلت: ما أنت كِي؛ لأنها متحركة قال الشاعر لما اضطر: وأمّ أوعالٍ كها أو أقربا١ وقال آخر لما اضطر: فلا تَرى بَعْلًا ولا حَلائِلا ... كَهُ ولا كَهُنَّ إلاّ حَاظِلا٢ فهذا قاله سيبويه قياسًا, وهو غير معروف في الكلام، واستغنى عن "كي" بمثلي. ولام الإِضافة تفتح مع المضمر إلا مع الياء؛ لأن الياء تكسر ما قبلها, تقول: لَهُ ولَكَ, ثم تقول: لِي فتكسر؛ لأن هذه الياء لا يكون ما

стр. 614

قبلها حرف متحرك إلا مكسورًا، وهي مفارقة لأخواتها في هذا, ألا ترى أنك تقول: هذا غلامُه فتصرف, فإذا أضفت غلامًا إلى نفسك قلت: هذا غلامي, فذهب الإِعراب وإنما فعلوا ذلك؛ لأن الضم قبلها لا يصلح، فلما غير لها الرفع وهو أول غير لها النصب إذا كان ثانيًا وألزمت حالًا واحدًا, فقلت: رأيت غلامي. واعلم: أن الذي حكي من قولهم: لولاي, ولولا شيء شذ عن القياس كان عند شيخنا١ يجري مجرى الغلط, والكلام الفصيح ما جاء به القرآن: لولا أنت, كما قال : ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ٢، والذين قالوا: لولاك ولولاي قالوا: لأنها أسماء مبنية يؤكد المرفوع منها المخفوض, فكأنهم إنما يقتصرون العبارة عن المتكلم والمخاطب والغائب لا بأي لفظ كان؛ لأنه غير ملبس, ولكنهم لا يجعلون غائبًا مكان مخاطب, لا يقولون: لولاه مكان لولاك, فأما قولهم: عساك فالكاف منصوبة؛ لأنك تقول: عساني، فعساك مثل رماك، وعساني مثل رماني. واعلم: أن علامة الإِضمار قد ترد أشياء إلى أصولها, فمن ذلك قولك: لعبد الله مال ثم تقول: لك, وله إنما كسرت مع الظاهر في قولك: لزيدٍ مالٌ كيلا يلتبس بلام الابتداء, إذا قلت: لهذا أفضل منك ألا تراهم قالوا: يا لبَكر حين أمنوا الالتباس فمن ذلك: أعطيتكموه في قول من قال: أعطيتكم ذاك فأسكن ردوه بالإِضمار إلى أصله، كما ردوا بالألف واللام حين قالوا: أعطيتموا اليوم فكان الذين وقفوا بإسكان الميم كرهوا الوقف على الواو،

стр. 615

فلما وصلوا زال ما كرهوا، فردوا وزعم يونس أنه يقول: أعطيتُكُمْه١، بإسكان الميم كما قال في الظاهر: أعطيتكم زيدًا. واعلم: أنَّ أنت، وأنا، ونحن، وأخواتهن يكن فصلًا, ومعنى الفصل أنهن يدخلن زوائد على المبتدأ المعرفة وخبره, وما كان بمنزلة الابتداء والخبر ليؤذن بأن الخبر معرفة أو بمنزلة المعرفة, ولا يكون الفصل إلا ما يصلح أن يكون كناية عن الاسم المذكور, فأما ما الخبر فيه معرفة واضحة فنحو قولك: زيد هو العاقلُ وكان زيد هو العاقل، وأما ما الخبر فيه يقرب من المعرفة إذا أردت المعرفة, وكان على لفظه فنحو قولك: حسبت زيدًا هو خيرًا منك وكان زيد هو خيرًا منك وتقول: إن زيدًا هو الظريف فيكون فصل, وإن زيدًا هو الظريف، وتقول: إن كان زيدٌ لهو الظريفُ وإن كنا لنحن, هي "نا" في كنا, ولو قلت: كان زيدٌ أنت خيرا منه, لم يجز أن تجعل "أنت" فصلًا, لأن أنت غير زيد فإن قلت: كنت أنت خيرًا من زيدٍ, جاز أن يكون فصلًا وأن يكون تأكيدًا فجميع هذه لمسائل الاسم فيها معرفة والخبر معرفة, أو قريب منها، مما لا يجوز أن يدخل عليه الألف واللام، ولو قلت: ما أظن أحدًا هو خير منك لم يجز أن تجعل "هو" فصلًا لأن واحدًا نكرة ولكن تقول: ما أظن أحدًا هو خير منك, فجعل: هو مبتدأ و"خير منك" خبره, وهذا الباب يسميه الكوفيون العماد, وقال الفراء: أدخلوا العمادَ ليفرقوا بين الفعل والنعت؛ لأنك لو قلت: زيدٌ العاقل لأشبه النعت, فإذا قلت: زيدٌ هو العاقل قطعت "هو" عن توهم النعتِ, فهذا الذي يسميه البصريون فصلًا ويسميه الكوفيون عِمادًا٢، وهو ملغى من الإِعراب، فلا يؤكد ولا ينسق عليه ولا يحال بينه وبين الألف واللام وما قاربهما, ولا يقدم قبل الاسم المبتدأ ولا قبل "كان" ولا يجوز كان هو القائم زيدٌ, ولا هو القائم كان زيد, وقد حكي هذا عن الكسائي، لأنه كان يجعل العماد بمنزلة الألف

стр. 616

واللام في كل موضع يجوز وضعه معهما, فإذا قلت: كنت أنت القائم جاز أن يكون أنت فصلًا, وجاز أن يكون تأكيدًا، ويجوز أن يبتدأ به فترفع القائم, ولك أن تثني الفعل وتجمعه وتؤنثه فتقول: كان الزيدان هما القائمينِ, وكان الزيدونَ هم القائمينَ, وكانت هندٌ هي القائمة, والظن وإنّ, وجميع ما يدخل على المبتدأ والخبر، يجوز الفصل فيه؛ تقول: ظننتُ زيدًا هو العاقلَ، وإن زيدًا هو العاقلُ, فإذا قلت: كان زيدٌ قائمةً جاريته, فأدخلت الألف واللام على "قائمةٍ" وجعلتها لزيدٍ قلت: كان زيد القائمةُ جاريتهُ, فإن كانت الألف واللام للجارية صار المعنى: كان زيد التي قامت جاريتهُ فقلت: كان زيدٌ القائمة جاريتُه حينئذٍ, وهذا لا يجوز عندي ولا عند الفراء، من قبل أنه ينبغي أن يكون الألف واللام هما الفصل بعينه, وأن يصلح أن يكون ضميرًا للأول.

стр. 617

الباب الثالث من المبنيات: وهو الاسم الذي يشار به إلى المسمى . وفيه من أجل ذلك معنى الفعل، وهي: ذَا، وذه، وتثنى ذا وذه فتقول: ذانِ في الرفع وذينِ في النصب والجر وتثنية "تا" تان وتجمع ذا, وذه, وتا, أُولى, وأولاءِ, والمذكر والمؤنث فيه سواء, فذا اسم تشير به إلى المخاطب إلى كل ما حضر كما يدخلون عليه هاء التنبيه, فيقولون: هذا زيدٌ وهذي أمةُ الله, فإذا وقفوا على الياء أبدلوا منها هاءً في الوقف, فإذا وصلوا أسقطوا الهاء وردوا الياء, ويبدلون من الياء فيقولون: هذهِ أمةُ الله, فإذا وصلوا قالوا: هذي أمةُ اللهِ, فإذا وقفوا حذفوا الهاء وردوا الياء, ومنهم من يقول: هذه أمةُ الله. وهؤلاءِ تُمد وتقصرُ, وإذا مدوا بنوه على الكسر لالتقاء الساكنين فإن أدخلوا كاف المخاطبة فأول كلامهم لما يشار إليه وآخره للمخاطب, والكاف ههنا حرف جيء به للخطاب وليس باسمٍ؛ لأن إضافة المبهمة محال من قبل أنها معارف, فلا يجوز تنكيرها, وكل مضافٍ فهو نكرةٌ قبل إضافته فإذا أُضيف إلى معرفة صار بالإِضافة معرفة، وهو قولك: ذاكَ وذلكَ، واللام في "ذلكَ" زائدة والأصل "ذَا" والكاف للخطاب فقط, ومحالٌ أن تكون هنا اسمًا لما بينت لك, فإنما زدت الكاف على "ذَا" وكانت "ذَا" لما يومئ إليه بالقرب. فإذا قلت ذلك, دلت على أن الذي يومئ إليه بعيدٌ, وكذلك جميع الأسماء المبهمة إذا أردت المتراخي زدت كافًا للمخاطبة لحاجتك أن تنبه بالكاف المخاطب, ونظير هذا هنا وههنا, وهناكَ وهنالكَ إذا أشرت إلى مكان، فإن سألت رجلًا عن رجلٍ قلت: كيف ذاكَ الرجلُ؟

стр. 618

فتحت الكاف. فإن سألت امرأة عن رجلٍ قلت: كيفَ ذاكِ الرجلُ؟ فكسرت الكاف, قال الله : ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ١، فإن سألت رجلًا عن امرأةٍ قلت: كيفَ تلكَ المرأةُ؟ فإن سألت المرأة عن امرأةٍ، قلت: كيف تلكِ المرأةُ؟ تكسر الكاف, فإن سألت رجلًا عن رجلينِ قلت: كيف ذانكَ الرجلانِ؟ ومن قال في الرجلِ ذلكَ قال في الاثنينِ: ذانّكَ بتشديد النون, أبدلوا من اللام نونًا وأدغمت إحدى النونين في الأخرى, كما قال : ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ ٢، فإن سألت عن جماعةٍ رجلًا, قلت: كيف أولئك الرجالُ, وأولاكَ الرجالُ؟ فإن سألت رجلًا عن امرأتين قلت: كيفَ تانك المرأتانِ؟ وإن سألت امرأة عن رجلين قلت: كيف ذانِك الرجلانِ يا امرأةُ؟ وإن سألتها عن جماعةٍ قلت: كيف أولئكِ الرجالُ يا امرأة؟ فإن سألت رجلينِ عن رجلينِ قلت: كيف ذانكما الرجلانِ يا رجلانِ؟ وإن سألتهما عن جماعةٍ قلت: كيف أولئكما الرجالُ يا رجلانِ؟ وإن سألتهما عن امرأةٍ قلت: كيف تيكما وتلكما المرأةُ يا رجلانِ؟ وإن سألتهما عن امرأتين قلت: كيفَ تانكما المرأتان يا رجلانِ؟ وإن سألت جماعة عن واحدٍ قلت: كيف ذاكم الرجلُ يا رجالُ؟ وإن سألتهم عن رجلين قلت: كيف ذانكم الرجلانِ يا رجالُ؟ وإن سألتهم عن جماعة قلت: كيف أُولئكَ الرجالُ، يا رجالُ؟ وإن سألتهم عن امرأةٍ قلت: كيف تلكم المرأة يا رجال؟ وإن سألتهم عن امرأتين قلت: كيف تانكم المرأتانِ يا رجالُ؟ وإن سألت امرأتين, فعلامة المرأتينِ والرجلين في الخطاب سواءٌ, فإن سألت نساء عن رجلٍ قلت: كيف ذاكنَّ الرجلُ يا نساءُ؟ وباللام: كيف ذلكن الرجلُ يا نساءُ؟ قال الله : ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ٣، فإن سألتهن عن رجلين قلت: كيف تيكن؟ وإن سألتهن عن جماعةٍ قلت: كيفَ أُولئكنَّ النساءُ؟ مثل المذكرِ.

стр. 619

واعلم: أنه يجوز لك أن تجعل مخاطب الجماعة على لفظ الجنس، أو تخاطبُ واحدًا عن الجماعة, فيكون الكلام له والمعنى يرجع إليهم, كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ١، ولم يقل: ذلكم؛ لأن المخاطب النبي ﷺ ، والدليل على أن في هذا معنى فعلٍ قولهم: هذا زيدٌ منطلقًا؛ لأن منطلقًا انتصب على الحالِ, والحال لا بد من أن يكون العامل فيها فعلٌ أو معنى فعلٍ.

стр. 620

باب الأسماء المبنية المفردة التي سمي بها الفعل: وذلك قولهم: صه ومه ورويدَ وإيه وما جاء على فَعال, نحو: حَذارِ ونزالِ وشتان, فمعنى صه: اسكت, ومعنى مه: اكفف, فهذانِ حرفانِ مبنيانِ على السكون سمي الفعل بهما, فأما رويدَ: فمعناه المهلةُ, وهو مبني على الفتح ولم يسكن آخره؛ لأن قبله ساكنًا فاختير له الفتح للياء قبله, تقول: رويدَ زيدًا فتعديهِ, فأما قولك: رويدَك زيدًا فإن الكاف زائدةٌ للمخاطبة وليست باسم, وإنما هي بمنزلة قولك: التجاءَك يا فتى، وأرأيتُك زيدًا ما فعلَ, ويدلك على أن الكاف ليست باسمٍ في: التجاءَكَ دخول الألف واللام, والألف واللام والإِضافة لا يجتمعان وكذلك الكاف في: أرأيتُكَ زيدًا زائدةٌ للخطاب وتأكيده, ألا ترى أن الفعل إنما عمل في زيد, فإن قلت: ارودّ كان المصدر اروادًا, وتصرف جميع المصادر فإن حذفت الزوائد على هذه الشريطة صرفت رويدَ فقلت: رويدًا يا فتى، وإن نعت به قلت: ضعهُ وضعًا رويدًا وتضيفه لأنه كسائر المصادر تقول: رويدَ زيدٍ, كما قال الله : ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ١، ورويدًا زيدًا، كما تقول: ضربًا زيدًا في الأمر, فأما إيه وآه فمعنى إيه الأمر بأن يزيدك من الحديث المعهودِ بينكما, فإذا نونت قلت: إيهٍ والتنوين للتنكير, كأنك قلت: هات حديثًا وذاك كأنه قال: هات الحديثَ, قال ذو الرمةِ:

стр. 621

وقَفْنَا فَقُلْنَا إيهِ عَنْ أمِّ سَالِمٍ ... وَمَا بَالُ تَكْلِيمِ الدِّيَارِ البَلاقِعِ١ فإذا فتحت فهي زجرٌ ونهي كقولك: إيه يا رجلُ إني جئتُكَ، فإذا لم ينون فالتصويت, يريد الزجر عن شيءٍ معروفٍ، وإذا نونت فإنما تريد الزجر عن شيءٍ منكورٍ، قال حاتم: إيهًا فِدًى لَكُمْ أُمّي وَمَا وَلَدَتْ ... حَامُوا على مَجْدِكُم واكْفُوا مَنِ اتَّكَلاَ٢ ومن ينون إذا فتح فكثير، والقليل من يفتح ولا ينون، وجميع التنوين الذي يدخل في هذه الأصوات، إنما يفرق بين التعريف والتنكير, تقول: صه يا رجلُ هذا الأصل في جميع هذه المبنيات, ومنها ما يستعمل بغير تنوين ألبتة فما دخله التنوين لأنه نكرةٌ قولهم: فدًى لكَ, يريدون به الدعاء, والدعاء حقه أن يكون على لفظ الأمر, فمن العرب من يبني هذه اللفظة على الكسر وينونها؛ لأنها نكرةٌ يريدُ بها معنى الدعاء. ومن هذا الباب قولهم: هاء يا فتى, ويثنى فيقول هائِمًا، وهائم

стр. 622

للجميع، كما قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ ١، وللمؤنث هاء بلا ياءٍ مثل هاكَ، والتثنية هاؤما مثل المذكرين وهاؤن تقوم الهمزة في جميع ذا مقام الكاف, ولك أن تقول: هاءَ يا قوم كما قال : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢، وأصل الكلام "ذلكم" هذا في الخطاب يجوز؛ لأن كل واحدٍ منهم يخاطب, وقال: هاكَ وهاكما وهاكم والمؤنث هاكِ, وأما ما كان على مثالِ فَعالِ مكسورِ الآخر فهو على أربعةِ أضربٍ، والأصل واحدٌ. واعلم: أنه لا يبنى شيءٌ من هذا الباب على الكسر إلا وهو مؤنثٌ معرفة ومعدولٌ عن جهته, وإنما يبنى على الكسر لأن الكسر مما يؤنث به, تقول للمرأة: أنتِ فعلتِ وإنكِ فاعلة وكان أصل هذا إذا أردت به الأمر السكون, فحركت لالتقاء الساكنين، فجعلت الحركة الكسر للتأنيث، وذلك قولك: نَزالِ وتَراكِ، ومعناه: انزلْ واتركْ, فهما معدولان عن المتاركة والمنازلة، قال الشاعر: وَلِنعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذَا ... دُعِيت نَزالِ وَلُجَّ في الذُّعْرِ٣

стр. 623

فقال: دُعيت, لما ذكر ذلك في التأنيث. وقالوا: تراكَها١، وحَذارِ٢، ونَظارِ، فهذا ما سمي الفعل به باسم مؤنثٍ، ويكون "فَعالِ" صفةً غالبةً تحل محل الاسم نحو قولهم للضبعِ: جَعارِ يا فتى, وللمنية: حَلاقِ ويكون في التأنيث نحو: يا فَساقِ. والثالث: أن تسمي امرأةً، أو شيئًا مؤنثًا باسم مصوغ على هذا المثال نحو: حَذامِ ورَقاشِ. والرابع: ما عَدَلَ مِن المصدر نحو قوله: جَمَادِ لَهَا جَمَادِ ولا تَقولِي ... طَوَالَ الدَّهْرِ ما ذُكِرَتْ حَمَادٍ٣ قال سيبويه: يريد: قولي لَها جمود, ولا تقولي لَها حَمْدًا٤، ومن ذلك فَجارِ، يريدون: الفَجرَة, ومَسارِ يريدون: المَسرةَ، وبَداوِ يريدون: البَدوَ, وقد جاء من بَنات الأربعة معدولًا مبنى قَرْ قارِ، وعَرْ عَارِ، وهي لُغيةٌ وشتان: مبني على الفتح لأنه غير مؤنثٍ فهو اسم للفعل إلا أن الفعل هنا غير أمر, وهو خبر ومعناه: البعدُ المفرط وذلك قولك: شتانَ زيدٌ وعمرٌو فمعناه: بَعُد ما بين زيدٍ وعَمرٍو جدًّا، وهو مأخوذ من شَتَّ، والتشتتُ: التبعيد ما بين الشيئين أو الأشياء, فتقدير: شتانَ زيدٌ وعمرٌو، تباعدَ زيدٌ وعمرٌو, ولأنه اسم لفعلٍ ما تم به كلام قال الشاعر:

стр. 624

شَتَّانَ هَذَا والعِناقُ والنَّوم ... والمَشْربُ البَارِدُ في ظِلِّ الدَّوْمْ١ فجميع هذه الأسماء التي سمي بها الفعل إنما أُريد بها المبالغة، ولولا ذلك لكانت الأفعال قد كَفَتْ عنها.

стр. 625

باب الاسم الذي قام مقام الحرف: وذلك كَمْ, ومَنْ، وما, وكيفَ، ومتى, وأينَ، فأما "كَمْ" فبنيت لأنها وقعت موقع حرف الاستفهام وهو الألف، وأصل الاستفهام بحروف المعاني؛ لأنها آلة، إذا دخلت في الكلام أعلمت أن الخبر استخبارٌ, و"كَمْ" اسم لعدد مبهم فقالوا: كَم مالكَ؟ فأوقعوا "كَمْ" موقع الألف لما في ذلك من الحكمة والاختصار إذ كان قد أغناهم عن أن يقولوا: أعشرونَ مالَكَ, أثلاثونَ مالكَ, أخمسونَ؟ والعدد بلا نهايةٍ, فأتوا باسم ينتظم العدد كلَّهُ. وأما "مَنْ" فجعلوه سؤالًا عن منْ يعقلُ, نحو قولك: مَنْ هذا؟ ومَن عمرٌو؟ فاستغني بمن عن قولك: أزيدٌ هذا, أعمرٌو هذا, أبكرٌ هذا؟ والأسماء لا تحصى فانتظم بِمَنْ جميع ذلك، ووقعت أيضًا موقع حرف الجزاء، وهو "إنْ" في قولك: مَنْ يأتني آتِه. وأما "ما" فيسأل بها عن الأجناس والنعوت، تقول: ما هذا الشيء؟ فيقال: إنسانٌ أو حمارٌ أو ذهَبٌ أو فِضَّةٌ، ففيها من الاختصار مثل ما كان في "مَنْ" وتسأل بها عن الصفات، فتقول: ما زيدٌ؟ فيقال: الطويلُ والقصيرُ، وما أشبه ذلك, ولا يكون جوابها: زيدٌ ولا عمرٌو, فإن جعلت الصفة في موضع الموصوف على العموم جاز أن تقع على مَن يعقلُ. ومن كلام العرب: سبحانَ ما سبحَ الرعدُ بحمدهِ، وسبحانَ ما سخركن لنا، وقال الله :

стр. 626

﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ١، فقال قوم: معناه: ومنْ بَناها، وقال آخرون: إنما: والسماء وبنائها٢، كما تقول: بلغني ما صنعتَ, أي: صنيعُكَ؛ لأن "ما" إذا وصلت بالفعل كانت بمعنى المصدرِ. وأما "كيفَ" فسؤال عن حال ينتظم جميع الأحوال, يقالُ: كيف أنتَ؟ فتقول: صالحٌ وصحيح, وآكلٌ وشارب، ونائمٌ وجالسٌ وقاعدٌ, والأحوال أكثر من أن يحاط بها، فإذا قلت: "كيفَ" فقد أغنى عن ذكر ذلك كلهِ, وهي مبنيةٌ على الفتح لأن قبل الياءِ فاء فاستثقلوا الكسر مع الياء, وأصل تحريك التقاء الساكنين الكسر، فمتى حركوا بغير ذلك فإنما هو للاستثقالِ أو لإتباع اللفظِ اللفظَ. فأما "متى" فسؤالٌ عن زمانٍ وهو اسمٌ مبنيٌّ, والقصة فيه كقصةِ "مَنْ وكيفَ" في أنه مغنٍ عن جميع أسماء الزمان, أيوم الجمعةِ القتال, أمْ يوم السبتِ, أم يوم الأحدِ، أم سنة كذا، أم شهر كذا؟ فمتى يغني عَنْ هذا كله، وكذا "أيانَ" في معناها, كما قال الله : ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ وقال: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ٤ وبنيت على الفتح لأن قبلها ألفًا، فأتبعوا الفتحَ الفتحَ. وأما "أينَ" فسؤالٌ عن مكانٍ وهي كمَتى في السؤال عن الزمان إذا قلت: أينَ زيد؟ قيل لك: في بغدادَ أو البصرة أو السوقِ, فلا يمتنع مكان من أن يكون جوابًا, وإنما الجواب من جنس السؤال, فإذا سئلت عن مكان لم يجز أن تخبر بزمان, وإذا سئلت عن عددٍ لم يجز أن تخَبرَ بحالٍ, وإذا سئلت عن معرفةٍ لم يجز أن تخبر بنكرةٍ, وإذا سئلتَ عن نكرةٍ لم يجز أن تخبر بمعرفةٍ، فهذه المبنيات المبهمات إنما تعرف بأخواتها وتعلم مواضعها من الإِعراب بذلك.

стр. 627

باب الظرف الذي يتمكن وهو الخامس من المبنيات: وذلك نحو الآنَ ومُذْ ومنذُ, فأما الآن فقال أبو العباس ﵀: إنما بني لأنه وقع معرفةً، وهو مما وقعت معرفته قبل نكرته؛ لأنك إذا قلت: الآنَ فإنما تعني به الوقت الذي أنت فيه من الزمان، فليس له ما يشركه, ليس هو آنٌ وآنٌ فتدخل عليه الألف واللام للمعرفة, وإنما وقع معرفةً لِما أنت فيه من الوقت١. وأما "مُنذ" فإذا استعملت اسمًا أن يقع ما بعدها مرفوعًا أو جملة نحو: ما رأيته منذ يومان, وإن المعنى: بيني وبينَ رؤيته يومانِ, وقد فسرت ذلك فيما تقدم وهي مبنيةٌ على الضم, وإنما حركت لذلك لأن قبلها ساكنًا، وبنيت على الضم لأنها غاية عند سيبويه٢، وأتبعوا الضَّم الضَّم، وقد يستعمل حرفًا يجر، وأما "مذ" فمحذوفةٌ من "مُنْذُ" والأغلب على "مُذْ" أن تستعمل اسمًا، ولو سميت إنسانًا بمذ لقلت: مُنيذُ إذا صغرته، فرددت ما ذهب وصار "مُذْ" أغلب على الأسماءِ؛ لأنها منقوصة, ولَدن ومِنْ عَلُ, كما قال الشاعر: وهي تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن علا٣

стр. 628

وأما الأفعال فنحو: خذْ وكُلْ وعِ كلامي وشِ ثَوبًا، وأما الحروف فلا يلحقها ذلك، وكانت مذ ومنذ أغلب على الحروف، فكل واحدٍ منهما يصلحُ في مكانِ أُختِها وإنما ذكرنا منذُ ومذْ في الظروف؛ لأنهما مستعملان في الزمان.

стр. 629

الباب السادس من المبنيات المفردة وهو الصوت المحكي: وذلك نحو: غاق وهي حكاية صوت الغراب، وماء وهو حكاية صوت الشاةِ, وعاءٍ وحاءٍ زجرٌ, ومن ذلك حروف الهجاء نحو ألفٍ باء تاء ثاء وجميع حروف المعجم إذا تهجيت مقصورة موقوفة, وكذلك كاف ميم, موقوفة في التهجي، أما زاي فيقال: زاي وزي, والعدد مثله إذا أردت العدد فقط, وقال سيبويه تقول: واحد اثنانِ فتشم الواحد؛ لأنه اسمٌ ليس كالصوتِ ومنهم من يقول: ثلاثة أربعة فيطرحُ حركة الهمزة على الهاء ويفتحها, ولم يحولها تاءً لأنه جعلها ساكنة, والساكن لا يغير في الإِدراج فإذا لم ترد التهجي بهذه الحروف, ولم تردْ أن تعد بأسماء العدد فررت منها جرت مجرى الأسماء, ومددت المقصور في الهجاء فقلت: هذه الباء أحسن من هذه الباءِ وتقول: هذه الميم أحسن من هذه الميمِ, وكذلك إذا عطفت بعضها على بعضٍ أعربت؛ لأنها قد خرجت من باب الحكاية, وذلك نحو قولك: ميمٌ وباءٌ, وثلاثةٌ وأربعةٌ إنما مددت المقصور من حروف الهجاء إذا جعلته اسمًا وأعربته؛ لأن الأسماء لا يكون منها شيءٌ على حرفين, أحدهما حرف علةٍ. ذكر الضرب الثاني من المبنيات, وهو الكلم المركب: هذه الأسماء على ضربين: فضربٌ منها يبنى فيه الاسم مع غيره وكان الأصل أن يكون كل واحدٍ منهما منفردًا عن صاحبه، والضرب الثاني: أن يكون أصلُ الاسم الإِضافة, فيحذف المضافُ إليه وهو في النية.

стр. 630

فالضرب الأول على ستة أقسام: اسمٌ مبني مع اسمٍ، واسمٌ مبني مع فعلٍ، واسم مبني مع حرفٍ, واسم مع صوتٍ، وحرف بنيَ مع فعلٍ, وصوت مع صوتٍ, فأما الاسم الذي بني مع الاسم فخمسةَ عشر وستةَ عشَر, وكل كلمتين من هذا الضرب من العدد فهما مبنيتان على الفتح وكان الأصلُ: خمسةٌ وعشرةٌ, فحذفت الواو وبني أحدهما مع الآخر اختصارًا وجعلا كاسمٍ واحدٍ, وكذلك حادي عشَرَ وثالث عشر إلى تاسعَ عشَر, والعرب تدع خمسة عشر في الإِضافة والألف واللام على حالها, ومنهم من يقول: خمسةَ عشَركَ وهي رديئة١، ومن ذلك: حيصَ بيص بنيا على الفتح، وهي تقال عند اختلاط الأمر, وذهب شغَرَ بغَرَ, وأيادي سبأ, ومعناه الافتراق وقَالى قَلا بمنزلة خمسَةَ عشَر ولكنهم كرهوا الفتح في الياء والألف لا يمكن تحريكها. ومن ذلك: خَازِ بَازَ، وهو ذباب عند بعضهم وعند بعضهم داءٌ, ومنهم من يكسر فيقول: خازِ بازِ, وبعض يقول: الخازَ بازَ كحضرموتَ، ومنهم من يقول: خاز بازٍ فيضيفُ وينون, ومن ذلك قولهم: بيتَ بيتَ وبينَ بينَ, ومنهم من يبني هذا ومنهم من يضيف ويبني صباحَ مساءَ ويومَ يومٍ, ومنهم من يضيف جميع هذا، ومن ذلك لقيته كفةَ كفةَ، وكفةً كفةً. واعلم: أنهم لا يجعلون شيئًا من هذه الأسماء بمنزلة اسم واحدٍ إلا إذا أرادوا الحالَ والظرفَ, والأصل والقياسُ الإِضافة, فإذا سميت بشيءٍ من ذا أضفته فإذا قلت: أنت تأتينا في كل صباح ومساءٍ أضفت لا غير؛ لأنه قد زال الظرف وصار اسمًا خالصًا, فمعنى قولهم: هُوَ جاري بيتَ بيتَ أي: ملاصقًا، ووقع بينَ بينَ، أي: وسطًا, وأما قَالى قَلا فبمنزلة: حضرموتَ لأنه اسم بلدٍ وليسَ بظرفٍ ولا حالٍ. وأسماء الزمان إذا أضيفت إلى اسمٍ مبني جاز أن تعربَها، وجاز أن تبنيَها، وذاك نحو "يومئذ", تقول: سيرَ عليهِ يومْئذٍ، ويومئذِ، والتنوين ههنا مقتطع ليعلم أنه ليس يراد به الإِضافة، والكسر في الذال من أجل سكون النون، فتقرأ على هذا إن شئت: ﴿مِنْ

стр. 631

عَذَابٍ يَوْمَئِذِ﴾ ١، ومن عذابٍ يومئذٍ، ومذهب أبي العباس ﵀ في دخول التنوين هنا أنه عوض من حذف المضاف إليه. الثاني: اسم بني مع فعل: وهو قولهم: حبذا هندٌ وحبذا زيدٌ، بنيَ حَبَّ وهو فعلٌ مع ذا وهو اسم. ومن العرب من يقول في أحبَّ حَبَّ, وقولهم: محبوب إنما جاء على حَبَّ ولو كان على أحبَّ لكان: محبّ, فإذا بنوا أحَبَّ مع ذا اجتمعوا على طرح الألف، والدليل على أن حبذا بمنزلة اسم أنك لا تقول حبذهِ وأنه لا يجوز أن تقول حبذا، وتقف حتى تقول: زيدٌ أو هندٌ فتأتي بخبرٍ فحبذا مبتدأٌ, وهند وزيد خبرٌ, ومما يدل على أن حَبَّ مع ذَا بمنزلة اسم أنه لا يجوز لك أن تقول: حَبَّ في الدار ذَا زيدٌ، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين "ذَا" كما تفصل في باب نِعْمَ. الثالث: اسم بني مع حرف: وذلك قولك: لا رجل ولا غلامَ, ويدلك على أن "لا" مع رجلٍ بمنزلة اسم واحدٍ أنه لا يجوز لك أن تفصل رجلًا من "لا" لا تقول: لا فيها رحلٌ لكَ، يجوز القول: لا ماءَ ماءَ باردًا, ولا رجلَ رجل صالحًا عندكَ, فبني "ماءٌ مع ماءٍ ورجل مع رجلٍ" قال أبو بكر: وقد استقصيتُ ذكر ذَا في بابه, ومن ذلك قولهم: يا زيداه ويا أيها الرجلُ فأي اسمٌ وهاء حرفٌ وهو غير مفارقٍ لأيٍّ في النداء, وقد بينا ذَا في باب النداء. الرابع: اسم بني مع صوت: وذلك نحو سيبويه وعمرويه، تقول: هذا سيبويه يا هذا، وهذا عمرويهِ يا فلانُ وهو مبني على الكسرِ، وإن قلت: مررتُ بعمرويهِ وعمرويهٍ آخر، نونت الثاني لأنه نكرةٌ. الخامس: الحرف الذي بني مع الفعل: وذلك: هَلمَّ مبنيًّا على الفتح وهو اسمٌ للفعل، ومعناه: تعالَ، ويدل على أنه حرفٌ بني مع فعلٍ، قول من

стр. 632

قال من العرب: هلما للاثنينِ، وهلموا للجماعة١، وصرفوه تصريف لمَّ بكذا، والمعنى يدلُّ على ذلكَ. السادس: الصوت الذي بني مع الصوت: وذلك قولهم: حَيَّ هَلَ الثريدَ، ومعناه: ايتوا الثريدَ, وحكى سيبويه عن أبي الخطاب أن بعض العرب يقول: حَيَّهلَ الصلاةَ٢. الضرب الثاني من القسمة الأولى: وهو ما أصله الإِضافة إلى اسم, فحذف المضاف إليه: فهذه المضافات على قسمين: قسم حذف المضاف إليه ألبتة, وضربٌ منع الإِضافة إلى الواحد وأُضيف إلى جملة, فأما ما حذف المضاف إليه فيجيء على ضربين: منهما ما بني على الضمة وهي التي يسميها النحويون الغاياتِ فمصروفة عن وجهها....٣ قبلُ وغيرُ وحسبُ فجميع هذه كانَ أصلها الإِضافة، تقول: جئت من قبل هذا, ومن بعد هذا, وكنت أول هذا, أو فوقَ وغيرَ هذا, وهذا حسبُك, أي كافيكَ, فلما حذف ما أُضيفت إليه بنيت, وإنما بنيت على الحركة ولم تبنَ على السكون, وفي بعضها ما قبل لامه متحرك لأنها أسماءٌ أصلها التمكن, وتكون نكراتٍ معرباتٍ, فلما بنيتْ تجنب إسكانها وزادوها فضيلة على ما لا أصل له في التمكن فهذه علة بنائها على الحركة، وأما بناؤها على الضم خاصةً فلأنَّ أكثر أحوالِ هذه الظروف أن تكون منصوبةً وذلك الغالب عليها فأخرجت إلى الضم ولم تخرج إلى الكسر؛ لأن الكسر أخو النصب، وجعلوا ذلك علامة للغاية؛ لأن الكسر حقه أن يكون لالتقاء الساكنين، فتجنبوه ههنا لأنه موضع تحرك لغير التقاء الساكنين. الثاني: ما بني وليس بغاية, من ذلك: أمس مبنية على الكسر، وكسرت

стр. 633

لالتقاء الساكنين، وإنما بني لأنه يقال لليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، وهو ملازم لكل يوم من أيام الجمعة، ووقع في أول أحواله معرفة، فمعرفته قبل نكرته, فمتى نكرته أعربته, وغدٌ ليس كذلك لأنه غير معلوم؛ لأنه مستقبلٌ لا تعرفه, فإذا أضفت أمسِ نكرته ثم أضفته فيصير معرفة بالإِضافة, كما تقول: زيدكَ إذا جعلتَهُ من أمةٍ كُلها زيدٌ، وعرفته بالإِضافة، وزالت المعرفة الأولى. وقال أبو العباس ﵀ في قول الشاعر: طَلبُوا صُلْحَنَا وَلاَتَ أَوَانٍ ... فَأَجَبْنَا أنْ لَيْسَ حِينَ بقاءِ١ كان "أوان" مما لا يستعمل إلا مضافًا، فلما حذف ما يضاف إليه بنوه على الكسر لالتقاء الساكنين كما فُعِلَ بأمسِ وأُدخل التنوين عوضًا لحذف ما يُضاف إليه "أوان"، ألا ترى أنهم لا يكادون يقولون: أوان صدقٍ, كما يقولون في الوقت والزمن, ولكن يدخلون الألف واللام فيقولون: كانَ ذلكَ في هذا الأوانِ, فيكونان عوضًا. الضرب الثاني: ما منع الإِضافة إلى الواحد وأُضيف إلى جملة: وذلك: حيثُ, وإذْ، وإذا، فأما "حيثُ" فإن من العرب من يبنيها على الضم٢ ومنهم من يبنيها على الفتح٣، ولم تجئ إلا مضافةً إلى جملةٍ، نحو

стр. 634

قولك: أقومُ حيثُ يقوم زيدٌ وأصلي حيثُ يصلي، فالحركة التي في الثاء لالتقاء الساكنين، فَمنْ فتح فَمِنْ أجل الياء التي قبلها, وفتح استثقالًا للكسر, ومن ضمَّ فلشبهها بالغايات إذ كانت لا تضاف إلى واحدٍ ومعناها الإِضافةُ، وكان الأصل فيها أن تقول: قمتُ حيثُ زيدٌ, كما تقولُ: قمتُ مكانَ زيدٍ وأما إذْ فمبنية على السكون, وتضاف إلى الجمل أيضًا نحو قولك: إذْ قامَ زيدٌ، وهي تدل على ما مضى من الزمان, ويستقبحون: جئتُكَ إذْ زيدٌ قامَ، إذا كان الفعلُ ماضيًا لم يحسن أن نفرق بينه وبين إذْ؛ لأن معناهما في المضي واحدٌ. وتقول: جئتُكَ إذْ زيدٌ قام، وإذ زيدٌ يقوم, فحقها أن تجيء مضافة إلى جملة فإذا لم تضف نونته، قال أبو ذؤيب: نَهيتُك عنْ طِلابِكَ أُمَّ عَمْرٍو ... بِعَاقِبةٍ وأَنْتَ إذٍ صَحِيح١ وأما "إذا" فقلما تأتي من الزمان، وهي مضافة إلى الجملة، تقول: أجيئُكَ إذا احمَرَّ البسرُ وإذا قدَم فلانٌ, ويدلك على أنها اسم أنها تقع موقع قولك: آتيكَ يوم الجمعةِ، وآتيكَ زمَن كَذا، ووقتَ كذا, وهي لما يستأنف من الزمان ولم تستعمل إلا مضافةً إلى جملة. فأما "لَدُنْ" فجاءت مضافةً، ومن العرب من يحذف النون فيقول: لدُ كذا, وقد جعل حذف النون بعضهم أن قال: لَدُن غدوةً، فنصب غدوةً لأنه توهم أن هذه النون زائدةٌ تقوم مقام التنوين فنصب كما تقول: قائمٌ غدوةً, ولم يعملوا "لَدن" إلا في غدوةً خاصةً, قال أبو بكر: قد ذكرنا الأسماء المعربة والأسماء المبنية، وقد كنا قلنا: إن الكلام اسم وفعلٌ وحرفٌ، ونحن نتبع الأسماء والأفعال، ونذكر إعرابها وبناءها إن شاء الله.

стр. 635

باب إعراب الأفعال وبنائها مدخل ... باب إعراب الأفعال وبنائها: الأفعال تقسم قسمين: مبنيٌّ ومعرب. فالمبني ينقسم قسمين: مبني على حركةٍ ومبني على سكونٍ، فأما المبني على حركةٍ فالفعل الماضي بجميع أبنيته, نحو: قام واستقام وضربَ واضطربَ، ودحرجَ، وتدحرجَ، واحمر واحمارَّ وما أشبه ذلك, وإنما بني على الحركة لأنه ضارعَ الفعل المضارع في بعض المواضع نحو قولك: إنْ قامَ قمتُ, فوقع في موضع: إنْ تَقم، ويقولون: مررتَ برجلٍ ضَرَبَ كما تقول: مررتُ برجلٍ يضربُ، فبنيَ على الحركة كما بني "أولُ وعلُ" في بابه على الحركة وجعل له فضيلة على ما ليس بمضارع المضارعِ عما حصل "لأول وعل"، أو من قبل ومن بعد فضيلة على المبنيات, وأما المبني على السكون فما أمرت به وليس فيه حرف من حروف المضارعة, وحروف المضارعة الألف والتاءُ والنون والياءُ وذلك نحو قولك: قُم واقعدْ واضربْ, فلما لم يكن مضارعًا للاسم ولا مضارعًا للمضارع ترك على سكونه لأن أصل الأفعال السكونُ والبناءُ، وإنما أعربوا منها ما أشبه الأسماء وضارعها، وبنوا منها على الحركة ما ضارع المضارع وما خلا من ذلك أسكنوهُ، وهذه الألف في قولك: اقعد ألفُ وصلٍ، إنما تنطق بها إذا ابتدأت؛ لأنه لا يجوز أن تبتدئ بساكنٍ، وما بعد حروف المضارعة ساكن, فلما خلا الفعل منها واحتِيجَ إلى النطق به أدخلت ألف الوصل, وحق ألف الوصل أن تدخل على الأفعال المبنية فقط، ولا تدخل على الأفعال المضارعة؛ لأنها لا تدخل على الأسماء إلا
следующие страницы →