← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7365

الأصول في النحو

ابن السراج

Полный текст (1 554 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عَذَابٍ يَوْمَئِذِ﴾ ١، ومن عذابٍ يومئذٍ، ومذهب أبي العباس ﵀ في دخول التنوين هنا أنه عوض من حذف المضاف إليه. الثاني: اسم بني مع فعل: وهو قولهم: حبذا هندٌ وحبذا زيدٌ، بنيَ حَبَّ وهو فعلٌ مع ذا وهو اسم. ومن العرب من يقول في أحبَّ حَبَّ, وقولهم: محبوب إنما جاء على حَبَّ ولو كان على أحبَّ لكان: محبّ, فإذا بنوا أحَبَّ مع ذا اجتمعوا على طرح الألف، والدليل على أن حبذا بمنزلة اسم أنك لا تقول حبذهِ وأنه لا يجوز أن تقول حبذا، وتقف حتى تقول: زيدٌ أو هندٌ فتأتي بخبرٍ فحبذا مبتدأٌ, وهند وزيد خبرٌ, ومما يدل على أن حَبَّ مع ذَا بمنزلة اسم أنه لا يجوز لك أن تقول: حَبَّ في الدار ذَا زيدٌ، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين "ذَا" كما تفصل في باب نِعْمَ. الثالث: اسم بني مع حرف: وذلك قولك: لا رجل ولا غلامَ, ويدلك على أن "لا" مع رجلٍ بمنزلة اسم واحدٍ أنه لا يجوز لك أن تفصل رجلًا من "لا" لا تقول: لا فيها رحلٌ لكَ، يجوز القول: لا ماءَ ماءَ باردًا, ولا رجلَ رجل صالحًا عندكَ, فبني "ماءٌ مع ماءٍ ورجل مع رجلٍ" قال أبو بكر: وقد استقصيتُ ذكر ذَا في بابه, ومن ذلك قولهم: يا زيداه ويا أيها الرجلُ فأي اسمٌ وهاء حرفٌ وهو غير مفارقٍ لأيٍّ في النداء, وقد بينا ذَا في باب النداء. الرابع: اسم بني مع صوت: وذلك نحو سيبويه وعمرويه، تقول: هذا سيبويه يا هذا، وهذا عمرويهِ يا فلانُ وهو مبني على الكسرِ، وإن قلت: مررتُ بعمرويهِ وعمرويهٍ آخر، نونت الثاني لأنه نكرةٌ. الخامس: الحرف الذي بني مع الفعل: وذلك: هَلمَّ مبنيًّا على الفتح وهو اسمٌ للفعل، ومعناه: تعالَ، ويدل على أنه حرفٌ بني مع فعلٍ، قول من

стр. 632

قال من العرب: هلما للاثنينِ، وهلموا للجماعة١، وصرفوه تصريف لمَّ بكذا، والمعنى يدلُّ على ذلكَ. السادس: الصوت الذي بني مع الصوت: وذلك قولهم: حَيَّ هَلَ الثريدَ، ومعناه: ايتوا الثريدَ, وحكى سيبويه عن أبي الخطاب أن بعض العرب يقول: حَيَّهلَ الصلاةَ٢. الضرب الثاني من القسمة الأولى: وهو ما أصله الإِضافة إلى اسم, فحذف المضاف إليه: فهذه المضافات على قسمين: قسم حذف المضاف إليه ألبتة, وضربٌ منع الإِضافة إلى الواحد وأُضيف إلى جملة, فأما ما حذف المضاف إليه فيجيء على ضربين: منهما ما بني على الضمة وهي التي يسميها النحويون الغاياتِ فمصروفة عن وجهها....٣ قبلُ وغيرُ وحسبُ فجميع هذه كانَ أصلها الإِضافة، تقول: جئت من قبل هذا, ومن بعد هذا, وكنت أول هذا, أو فوقَ وغيرَ هذا, وهذا حسبُك, أي كافيكَ, فلما حذف ما أُضيفت إليه بنيت, وإنما بنيت على الحركة ولم تبنَ على السكون, وفي بعضها ما قبل لامه متحرك لأنها أسماءٌ أصلها التمكن, وتكون نكراتٍ معرباتٍ, فلما بنيتْ تجنب إسكانها وزادوها فضيلة على ما لا أصل له في التمكن فهذه علة بنائها على الحركة، وأما بناؤها على الضم خاصةً فلأنَّ أكثر أحوالِ هذه الظروف أن تكون منصوبةً وذلك الغالب عليها فأخرجت إلى الضم ولم تخرج إلى الكسر؛ لأن الكسر أخو النصب، وجعلوا ذلك علامة للغاية؛ لأن الكسر حقه أن يكون لالتقاء الساكنين، فتجنبوه ههنا لأنه موضع تحرك لغير التقاء الساكنين. الثاني: ما بني وليس بغاية, من ذلك: أمس مبنية على الكسر، وكسرت

стр. 633

لالتقاء الساكنين، وإنما بني لأنه يقال لليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، وهو ملازم لكل يوم من أيام الجمعة، ووقع في أول أحواله معرفة، فمعرفته قبل نكرته, فمتى نكرته أعربته, وغدٌ ليس كذلك لأنه غير معلوم؛ لأنه مستقبلٌ لا تعرفه, فإذا أضفت أمسِ نكرته ثم أضفته فيصير معرفة بالإِضافة, كما تقول: زيدكَ إذا جعلتَهُ من أمةٍ كُلها زيدٌ، وعرفته بالإِضافة، وزالت المعرفة الأولى. وقال أبو العباس ﵀ في قول الشاعر: طَلبُوا صُلْحَنَا وَلاَتَ أَوَانٍ ... فَأَجَبْنَا أنْ لَيْسَ حِينَ بقاءِ١ كان "أوان" مما لا يستعمل إلا مضافًا، فلما حذف ما يضاف إليه بنوه على الكسر لالتقاء الساكنين كما فُعِلَ بأمسِ وأُدخل التنوين عوضًا لحذف ما يُضاف إليه "أوان"، ألا ترى أنهم لا يكادون يقولون: أوان صدقٍ, كما يقولون في الوقت والزمن, ولكن يدخلون الألف واللام فيقولون: كانَ ذلكَ في هذا الأوانِ, فيكونان عوضًا. الضرب الثاني: ما منع الإِضافة إلى الواحد وأُضيف إلى جملة: وذلك: حيثُ, وإذْ، وإذا، فأما "حيثُ" فإن من العرب من يبنيها على الضم٢ ومنهم من يبنيها على الفتح٣، ولم تجئ إلا مضافةً إلى جملةٍ، نحو

стр. 634

قولك: أقومُ حيثُ يقوم زيدٌ وأصلي حيثُ يصلي، فالحركة التي في الثاء لالتقاء الساكنين، فَمنْ فتح فَمِنْ أجل الياء التي قبلها, وفتح استثقالًا للكسر, ومن ضمَّ فلشبهها بالغايات إذ كانت لا تضاف إلى واحدٍ ومعناها الإِضافةُ، وكان الأصل فيها أن تقول: قمتُ حيثُ زيدٌ, كما تقولُ: قمتُ مكانَ زيدٍ وأما إذْ فمبنية على السكون, وتضاف إلى الجمل أيضًا نحو قولك: إذْ قامَ زيدٌ، وهي تدل على ما مضى من الزمان, ويستقبحون: جئتُكَ إذْ زيدٌ قامَ، إذا كان الفعلُ ماضيًا لم يحسن أن نفرق بينه وبين إذْ؛ لأن معناهما في المضي واحدٌ. وتقول: جئتُكَ إذْ زيدٌ قام، وإذ زيدٌ يقوم, فحقها أن تجيء مضافة إلى جملة فإذا لم تضف نونته، قال أبو ذؤيب: نَهيتُك عنْ طِلابِكَ أُمَّ عَمْرٍو ... بِعَاقِبةٍ وأَنْتَ إذٍ صَحِيح١ وأما "إذا" فقلما تأتي من الزمان، وهي مضافة إلى الجملة، تقول: أجيئُكَ إذا احمَرَّ البسرُ وإذا قدَم فلانٌ, ويدلك على أنها اسم أنها تقع موقع قولك: آتيكَ يوم الجمعةِ، وآتيكَ زمَن كَذا، ووقتَ كذا, وهي لما يستأنف من الزمان ولم تستعمل إلا مضافةً إلى جملة. فأما "لَدُنْ" فجاءت مضافةً، ومن العرب من يحذف النون فيقول: لدُ كذا, وقد جعل حذف النون بعضهم أن قال: لَدُن غدوةً، فنصب غدوةً لأنه توهم أن هذه النون زائدةٌ تقوم مقام التنوين فنصب كما تقول: قائمٌ غدوةً, ولم يعملوا "لَدن" إلا في غدوةً خاصةً, قال أبو بكر: قد ذكرنا الأسماء المعربة والأسماء المبنية، وقد كنا قلنا: إن الكلام اسم وفعلٌ وحرفٌ، ونحن نتبع الأسماء والأفعال، ونذكر إعرابها وبناءها إن شاء الله.

стр. 635

باب إعراب الأفعال وبنائها مدخل ... باب إعراب الأفعال وبنائها: الأفعال تقسم قسمين: مبنيٌّ ومعرب. فالمبني ينقسم قسمين: مبني على حركةٍ ومبني على سكونٍ، فأما المبني على حركةٍ فالفعل الماضي بجميع أبنيته, نحو: قام واستقام وضربَ واضطربَ، ودحرجَ، وتدحرجَ، واحمر واحمارَّ وما أشبه ذلك, وإنما بني على الحركة لأنه ضارعَ الفعل المضارع في بعض المواضع نحو قولك: إنْ قامَ قمتُ, فوقع في موضع: إنْ تَقم، ويقولون: مررتَ برجلٍ ضَرَبَ كما تقول: مررتُ برجلٍ يضربُ، فبنيَ على الحركة كما بني "أولُ وعلُ" في بابه على الحركة وجعل له فضيلة على ما ليس بمضارع المضارعِ عما حصل "لأول وعل"، أو من قبل ومن بعد فضيلة على المبنيات, وأما المبني على السكون فما أمرت به وليس فيه حرف من حروف المضارعة, وحروف المضارعة الألف والتاءُ والنون والياءُ وذلك نحو قولك: قُم واقعدْ واضربْ, فلما لم يكن مضارعًا للاسم ولا مضارعًا للمضارع ترك على سكونه لأن أصل الأفعال السكونُ والبناءُ، وإنما أعربوا منها ما أشبه الأسماء وضارعها، وبنوا منها على الحركة ما ضارع المضارع وما خلا من ذلك أسكنوهُ، وهذه الألف في قولك: اقعد ألفُ وصلٍ، إنما تنطق بها إذا ابتدأت؛ لأنه لا يجوز أن تبتدئ بساكنٍ، وما بعد حروف المضارعة ساكن, فلما خلا الفعل منها واحتِيجَ إلى النطق به أدخلت ألف الوصل, وحق ألف الوصل أن تدخل على الأفعال المبنية فقط، ولا تدخل على الأفعال المضارعة؛ لأنها لا تدخل على الأسماء إلا

стр. 636

على ابنٍ وأخواتها، وهو قليل العدد, وإنما بني فعلُ التعجب الذي يجيء على لفظ الأمر بنيَ على السكونِ نحو قولك: أكرمْ بزيدٍ و ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ١. وقد مضى ذكر ذا في باب التعجب. وأما الفعل المعرب فقد بينا أنه الذي يكون في أوله الحروف الزوائد التي تسمى حروف المضارعة, وهذا الفعل إنما أُعرب لمضارعته الأسماءَ وشبهه بها, والإِعراب في الأصل للأسماء وما أشبهها من الأفعال أُعرب كما أنه إنما أعرب من أسماء الفاعلين ما جرى على الأفعال المضارعة وأشباهها، ألا ترى أنك إنما تُعمِلُ "ضاربًا" إذا كان بمعنى يفعلُ فتقول: هذا ضاربٌ زيدًا, فإن كان بمعنى "ضرب" لم تعمله, فمنعت هذا العمل كما منعت ذلك الإِعراب, واعلم أنه إنما يدخله من الإِعراب الذي يكون في الأسماء: الرفعُ والنصب، ولا جرَّ فيه، وفيه الجزم وهو نظير الخفض في الأسماء؛ لأن الجَرَّ يخص الأسماء والجزم يخص الأفعال، ونحن نذكرها نوعًا نوعًا بعونِ الله.

стр. 637

الأفعال المرفوعة: الفعل يرتفع بموقعهِ موقعَ الأسماءِ، كانت تلك الأسماء مرفوعةً أو مخفوضةً أو منصوبةً، فمتى كان الفعل لا يجوز أن يقع موقعه اسمٌ لم يجزْ رفعه، وذلك نحو قولك: يقومُ زيدٌ ويقعدُ عمرٌو، وكذلك عمرو يقولُ وبكرٌ ينظرُ ومررتُ برجلٍ يقومُ ورأيت رجلًا يقولُ ذاكَ, ألا تَرى أنك إذا قلت: يقومُ زيدٌ جاز أن تجعل زيدًا موضع "يقومُ" فتقول: زيدٌ يفعلُ كَذا, وكذلك إذا قلت: عمرو ينطلق، فإنما ارتفع "ينطلقُ" لأنه وقع موقع "أخوكَ" إذا قلت: زيدٌ أخوكَ فمتى وقع الفعل المضارع في موضع لا تقع فيه الأسماء فلا يجوزُ رفعه, وذلك نحو قولك: لم يقمْ زيدٌ، لا يجوز أن ترفعه لأنه لا يجوز أن تقول: لم زيدٌ فافهَم هذا. واعلم: أن الفعل إنما أُعرب ما أُعرب منه لمشابهته الأسماء، فأما الرفع خاصةً فإنما هو لموقعه موقع الأسماء، فالمعنى الذي رفعت به غير المعنى الذي أعربتَ بهِ.

стр. 638

الأفعال المنصوبة: وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: فعلٌ ينصبُ بحرفٍ ظاهرٍ ولا يجوز إضمارهُ، وفعلٌ ينتصبُ بحرفٍ يجوز أن يُضمَر، وفعلٌ ينتصب بحرفٍ لا يجوزُ إظهارهُ، والحروفُ التي تنصبُ: أنْ, ولَن, وكي, وإذن. الأول: ما انتصب بحرف ظاهر لا يجوز إضماره, وذلك ما انتصب بلن وكي, تقول: لن يقومَ زيدٌ ولن يجلسَ، فقولك: لن يفعلَ يعني: سَيفعلُ١، يقول القائل: سيقومُ عمرٌو, فتقول: لَن يقومَ عمرو, وكان الخليل يقول: أصلها لا أَنْ فألزمه سيبويه أن يكون يقدم ما في صلة "أن"٢ في قوله: زيدًا لَنْ أضربَ، وليس يمتنع أحد من نصب هذا وتقديمه، فإن كان على تقديره فقد قدم ما في الصلة على الموصول. وأما "كي" فجواب لقولك: لِمه, إذا قال القائل: لِمَ فعلت كذا؟ فتقول: كي يكون كذا ولِمَ جئتني؟ فتقول: كي تعطيَني, فهو مقارب لمعنى اللام إذا قلت: فعلتُ ذلك لِكذا, فأما قول من قال: كيمه في الاستفهام، فإنه جعلها مثل لِمَه، فقياس ذلك أن يُضمر "أنْ" بعد "كي" إذا قال: كي يفعل؛ لأنه قد أدخلها على الأسماء. وكذا قول سيبويه٣: والذي عندي أنه إنما قيل: كيمه لَما....٤ تشبيهًا, وقد يشبهون الشيء بالشيءِ وإن كان بعيدًا منه.

стр. 639

وأما إذن، فتعمل إذا كانت جوابًا، وكانت مبتدأة ولم يكن الفعل الذي بعدها معتمدًا على ما قبلها, وكان فعلًا مستقبلًا, فإنما يعمل بجميع هذه الشرائط, وذلك أن يقول القائل: أنا أكرمكَ فتقول: إذن أجيئَك, إذن أحسنَ إليكَ, إذن آتيَكَ. فإن اعتمدت بالفعل على شيءٍ قبل "إذنْ" نحو قولك: أنا إذنْ آتيكَ, رفعت وألغيتَ كما تلغى ظننتُ وحسبتُ وليس بشيءٍ من أخواتها التي تعمل في الفعل يُلغى غيرها, فهي في الحروف نظير أرى في الأفعال، ومن ذلك: إن تأتني إذن آتك، لأن الفعل جواب: إنْ تأتني, فإن تم الكلام دونها جاز أن تستأنف بها وتنصب ويكون جوابًا, وذلك نحو قول ابن عَنَمة: ارْدُدْ حِمَارَكَ لا تُنْزَع سَوِيَّتُهُ ... إذنْ يُردَّ وقَيْدُ العَيْرِ مَكْرُوبُ١ فهذا نصبٌ؛ لأن ما قبله من الكلام قد استغنى وتمَّ، ألا ترى أنَّ قوله: اردد حمارَك لا تُنزعْ سويتُه, كلام قد تمَّ, ثم استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعلُ ذاكَ فقال: إذنْ يُردَّ وقَيْدُ العيرِ مكروبُ فإن كان الفعل الذي دخلت عليه "إذنْ" فعلًا حاضرًا لم يجز أن تعمل فيه، لأن أخواتها لا يدخلن إلا على المستقبل وذلك إذا حدثت بحديثٍ فقلت: إذنْ أظنه فاعلًا, وإذن أخالكَ كاذبًا، وذلك لأنك تخبر عن الحال

стр. 640

التي أنت فيها في وقت كلامك، فلا تعمل "إذن" لأنه موضع لا تعمل١ فيه أخواتها، فإذا وقعت "إذن" بين الفاء والواو, وبين الفعل المستقبل فإنك فيها بالخيار: إن شئتَ أعملتها كإعمالك أرى وحسبت, إذا كانت واحدةٌ منهما بين اسمين, وإن شئت ألغيت فأما الإِعمال فقولك: فإذنْ آتيكَ، فإذنْ أكرمَكَ قال سيبويه: وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢ وأما الإِلغاء فقولك: فإذن أجيئُكَ، وقال : ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ٣. واعلم: أنه لا يجوز أن تفصل بين الفعل وبين ما ينصبه بسوى إذن، وهي تُلغى وتقدم وتؤخر، تقول: إذنْ والله أجيئكَ فتفصل, والإِلغاء قد عرفتك إياهُ وتقول: أنا أفعلُ كذا إذنْ, فتؤخرها وهي ملغاة أيضًا، وإذا قلت: إذنْ عبدُ الله يقولُ ذلكَ، فالرفع لا غير لأنه قد وليها المبتدأ، فصارت بمنزلة "هَلْ" وزعم عيسى: أن ناسًا يقولون: إذن أفعلُ في الجواب٤. الثاني: ما انتصب بحرف يجوز إظهاره وإضماره. وهذا يقع على ضربين: أحدهما أن تعطف بالفعل على الاسم، والآخر أن تدخل لامَ الجر على الفعل، فأما الضرب الأول من هذا وهو أن تعطف الفعل على المصدر فنحو قولك: يعجبني ضربُ زيدٍ وتغضبَ, تريد: وأنْ

стр. 641

تغضَب, فهذا إظهار "أنْ" فيه أحسن. ويجوز إضمارها فأنْ مع الفعل بمنزلة المصدر، فإذا نصبت فقد عطفت اسمًا على اسمٍ ولولا أنك أضمرت "أنْ" ما جاز أن تعطف الفعل على الاسم؛ لأن الأسماء لا تُعطف على الأفعالِ, ولا تُعطفُ الأفعالُ على الأسماءِ؛ لأن العطف نظير التثنية فكما لا يجتمع الفعل والاسم في التثنية كذلك لا يجتمعان في العطف, فمما نصب من الأفعال المضارعة لما عطف على اسمٍ قول الشاعر: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ١ كأنه قال: للبسُ عباءةٍ وأنْ تقرَّ عيني. وأما الضرب الآخر فما دخلت عليه لام الجر وذلك نحو قولك: جئتُكَ لتعطيني ولتقومَ، ولتذهبَ, وتأويل هذا: جئتُك لأنْ تقومَ, جئتُكَ لأنْ تعطيني ولأن تذهبَ, وإنْ شئتَ أظهرتَ فقلت "لأنَّ" في جميعِ ذلك وإن شئت حذفت "أنْ" وأضمرتها, ويدلك على أنه لا بدّ من إضمار "أنْ" هنا إذا لم تذكرها أن لام الجر لا تدخل على الأفعال, وأن جميع الحروف العوامل في الأسماء لا تدخل على الأفعالِ, وكذلك عوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء, وليس لك أن تفعل هذا مع غير اللام، لو قلت: هذا لك بتقوم, تريد بأن تقوم لم يجز، وإنما شاع هذا مع اللام من بين حروف الجر فقط للمقاربة التي بين كي واللام في المعنى.

стр. 642

الثالث: وهو الفعل الذي ينتصب بحرف لا يجوز إظهاره: وذلك الحرف "أنْ" والحروفُ التي تضمر معها ولا يجوز إظهارها أربعة أحرفٍ: "حتى" إذا كانت بمعنى إلى أنْ، والفاء إذا عطفت على معنى الفعل لا على لفظه, والواو إذا كانت بمعنى الاجتماع فقط، وأو إذا كانت بمعنى إلى "أنْ". شرح الأول من ذلك وهو حتى: اعلم: أن "حتى" إذا وقعت الموقع الذي تخفض فيه الأسماء ووليها فعلٌ مضارع أضمر بعدها "أنْ" ونصب الفعل, وهي تجيء على ضربين: بمعنى "إلى" وبمعنى "كي" فالضرب الأول قولك: أنا أسيرُ حتى أدخلَها والمعنى: أسير إلى أن أدخلَها, وسرت حتى أدخلَها، كأنه قال: سرت إلى دخولِها, فالدخول غايةٌ للسير وليسَ بعلةٍ للسير, وكذلك: أنا أقف حتى تطلعَ الشمسُ، وسرتُ حتى تطلعَ الشمسُ، والضربُ الآخر أن يكون الدخول علة للسيرِ, فتكون بمعنى "كي" كأنه قال: "سرتُ كي أدخلَها" فهذا الوجه يكون السير فيه كان والدخول لم يكن, كما تقول: أسلمت حتى أدخلَ الجنةَ, وكلمته كي يأمر لي بشيءٍ "فَحتَّى" متى كانت من هذين القسمين اللذين أحدهما يكون غاية الفعل وهي متعلقة به, وهي من الجملة التي قبلها, فهي ناصبة وإن جاءت بمعنى العطف فقد تقع ما بعدها جملة, وارتفاع الفعل بعدها على وجهين: على أن يكون الفعل الذي بعدها متصلًا بالفعل الذي قبلها أو يكون منقطعًا منه ولا بدّ في الجميع من أن يكون الفعلُ الثاني يؤديه الفعل الأول, فأما الوجه الأول فنحو قولك: سرتُ حتى أدخلَها، ذكرت أن الدخول اتصل بالسير بلا مهلة بينهما, كمعنى الفاء إذا عطفت بها فقلت: سرت فأنا أدخلَها, وصلت الدخول بالسير، كما قال الشاعر: تُرادى عَلَى دِمْنِ الحِيَاضِ فإنْ تَعَفْ ... فإنَّ المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرُكُوبُ١

стр. 643

وينشدُ تراد لم يجعل بين الرحلة والركوب مهلة, ولم يرد أنَّ رحلته فيما مضى وركوبه الآن, ولكنه وصل الثاني بالأول، ومعنى قولي: إنَّكَ إذا رفعتَ ما بعد حتى, فلا بدّ من أن يكون الفعلُ الذي قبلها هو الذي أدى الفعلَ الذي بعدها أن السير به, كان الدخول إذا قلت: سرتُ حتى أدخلَها, ولو لمْ يسرْ لَم يدخلْها، ولو قلت: سرتُ حتى يدخلُ زيدٌ فرفعت "يدخلُ" لم تَجر؛ لأن سيرك لا يؤدي زيدًا إلى الدخول، فإن نصبت وجعلتَها غايةً جازَ فقلت: سرتُ حتى يدخلَ زيدٌ, تريدُ إلى أن يدخل زيدٌ، وكذلك: سرتُ حتى تطلعَ الشمسُ ولا يجوز أن ترفع "تَطلعُ" لأنَّ سيركَ ليس بسببٍ لطلوع الشمسِ وجاز النصب لأن طلوع الشمسِ قد يكون غايةً لسيرك. وأما الوجه الثاني من الرفع: فأن يكون الفعلُ الذي بعد "حتَّى" حاضرًا ولا يراد به اتصاله بما قبله، ويجوز أن يكون ما قبله منقطعًا، ومن ذلك قولك: لقد سرت حتى أدخلها, ما أمنع حتى إني أدخلُها الآن, أدخلُها كيفَ شئت، ومثل قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العامَ بشيءٍ. ولقد مَرِض حتى لا يرجونه, إنما يراد أنه الآن لا يرجونه, وأن هذه حاله وقت كلامه, "فحتى" ههنا كحرفٍ من حروف الابتداء, والرفع

стр. 644

في الوجهين جميعًا كالرفع في الاسم؛ لأن حتى ينبغي١ أن يكون الفعل الأول هو الذي أدى إلى الثاني؛ لأنه لولا سيره لم يدخل, ولولا ما رأى منه في العام الأول ما كان, لا يستطيع أن يكلمه العام ولولا المرضُ ما كان، لا يُرجى, وهذه مسألة تبين لك فيما فرق ما بين النصب والرفع، تقول: كان سيري حتَى أدخلُها, فإذا نصبت كان المعنى: إلى أن أدخلَها, فتكون "حتى" وما عملت فيه خبرَ كان، فإن رفعت ما بعد "حتى" لم يجز أن تقول: كان سيري حتَّى أدخلَها؛ لأنك قد تركت "كانَ" بغير خبرٍ، لأن معنى "حتى" معنى الفاء, فكأنك قلت: كان سيري فأدخلها, فإن زدت في المسألة ما يكون خبرًا "لكانَ" جاز، فقلت: كان سيري سيرًا متعبًا حتى أدخلَها وعلى ذلك قرئ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ٢ وحتى يقولُ: مَنْ نصبَ جعلَهُ غايةً، ومَن رفَع جعلَه حالًا٣. شرح الثاني: وهو الفاء: اعلم: أن الفاء عاطفة في الفعل كما يعطف في الاسم، كما بينت لك فيما تقدم، فإذا قلت: زيدٌ يقومُ فيتحدث, فقد عطفت فعلًا موجبًا على فعلٍ موجبٍ، وإذا قلت: ما يقومُ فيتحدثَ, فقد عطفت فعلًا منفيًّا على منفيّ، فمتى جئت بالفاء وخالف ما بعدها ما قبلها, لم يجز أن تحمل عليه, فحينئذٍ تحمل الأول على معناه، وينصب الثاني بإضمار "أنْ" وذلك قولك: ما تأتني فتكرمني، وما أزورك فتحدثني, لَم ترد: ما أزورك وما تحدثني، ولو أردت

стр. 645

ذلك لرفعت، ولكنك لما خالفت في المعنى فصار: ما أزوركَ فكيف تحدثني، وما أزوركَ إلاّ لم تحدثني، حمل الثاني على مصدر الفعل الأول, وأضمر "أنْ" كي يعطف اسمًا على اسمٍ, فصار المعنى: ما يكون زيارةٌ مني فحديثٌ منكَ. وكذا كلما كان غير واجب نحو الأمر والنهي والاستفهام؛ فالأمرُ نحو قولك: ائتني فأكرِمَكَ, والنهي مثل: لا تأتني فأكرمَكَ, والاستفهام مثل: أتأتني فأعطيَك لأنه إنما يستفهم عن الإِتيان ولم يستفهم عن الإِعطاء، وإنما تضمر "أنْ" إذا خالف الأول الثاني، فمتى أشركت الفاء الفعلَ الثاني بالأول فلا تضمر "أنْ" وكذلك إذا وقعت موقع الابتداء, أو مبنيٌّ على الابتداء. شرح الثالث: وهو الواو: الواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء, وإنما تكون كذلك إذا لم ترد الإِشراك بين الفعلِ والفعلِ, وأردت عطفَ الفعلِ على مصدر الفعلِ الذي قبلَها, كما كان في الفاء وأضمرت "أنْ" وتكون الواو في جميع هذا بمعنى "مَع" فقط، وذلك قولك: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ، أي: لا تجمعْ بين أكلِ السمكِ وشربِ اللبنِ, فإنْ نهاه عن كل واحدٍ منهما على حالٍ قال: ولاَ تشربِ اللبنَ على حالٍ, وتقول: لا يسعني شيءٌ ويعجز عنكَ فتنصبُ, ولا معنى للرفع في "يعجزُ" لأنه ليس يخبر أن الأشياء كلها لا تسعه، وأن الأشياء كلها لا تعجز عنه, إنما يعني: لا يجتمع أن يسعني شيءٌ ويعجز عنك، كما قال: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ -إذا فَعَلْتَ- عَظِيمُ١

стр. 646

أي: لا يجتمع أن تنهى وتأتي, ولو جزم كان المعنى فاسدًا. ولو قلت بالفاء: لا يسعني شيءٌ فيعجزَ عنكَ كان جيدًا؛ لأن معناه: لا يسعني شيءٌ إلا لم يعجزْ عنكَ ولا يسعني شيءٌ عاجزًا عنكَ. فهذا تمثيلٌ كما تمثلُ: ما تأتيني فتحدثني إذا نصبت بما تأتيني إلاّ لم تحدثني, وبما تأتيني محدثًا, وتنصب مع الواو في كل موضع تنصب فيه مع الفاء، وكذلك إذا قلت: زرني فأزوركَ, تريدُ ليجتمعَ هذان، قال الشاعر: أَلم أَكُ جَارَكُمْ ويَكُونَ بَيْنِي ... وَبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإِخَاءُ١ أراد: ألم يجتمعْ هذانِ, ولو أراد الإِفراد فيهما لم يكن إلا مجزومًا, والآية تقرأ على وجهين: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢ وإنما وقع النصب في باب الواو والفاء في غير الواجب؛ لأنه لو كان الفعلُ المعطوف عليه واجبًا لم يبنِ الخلاف فيصلحُ إضمارُ "أنْ". شرح الرابع: وهو "أو": اعلم: أن الفعل ينتصب بعدها إذا كان المعنى معنى إلا أن تفعلَ، تقول: لألزمنَّكَ أو تعطيني، كأنه قال: ليكوننَّ اللزومُ والعطيةُ, وفي مصحف أُبي: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ٣ على معنى: إلا أن يُسلموا، أو حتى يسلموا، وقال امرؤ القيس:

стр. 647

فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَينُكَ إنَّما ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا١ أي: إلا أن نموت فنعذَرا, فكل موضعٍ وقعتْ فيهِ أو يصلح فيه إلا أنْ وحتى, فالفعل منصوب, فإن جاء فعلٌ لا يصلحُ هذا فيهِ رفعت، وذلك نحو قولك: أتجلس أو تقومُ يا فَتى, والمعنى: أيكون منكَ أحدُ هذينِ؟ وهل تكلمنا أو تنبسطُ إلينا؟ لا معنى للنصبِ هنا، وقال الله : ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ٢ فهذا مرفوع، لا يجوز فيه النصب؛ لأن هذا موضع لا يصلحُ فيه "إلاّ أنْ".

стр. 648

شرح القسم الأول: وهو الأحرف الأربعة: لم ولمَّا ولا في النهي ولام الأمر؛ أما لَمْ فتدخلُ على الأفعال المضارعة، واللفظُ لفظُ المضارع والمعنى معنى الماضي، تقولُ: لَمْ يقمْ زيدٌ أمسِ, ولَم يقعدْ خالدٌ, وأما "لَمَّا" لَمْ ضمتْ إليها "مَا" وبنيتْ معها فغيرت حالها كما غيرت لو "ما" ونحوها، ألا تَرى أنكَ تقول: لمّا ولا يتبعها شيءٌ، ولا تقول ذلك في "لَمْ" وجوابُ "لمّا" قد فَعلَ، يقول القائل: لمَّا يفعلْ فيقول: قد فعَلَ, ويقول أيضًا للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره وتقول: لما جئتَ جئتُ، فيصيرُ ظرفًا١، وأما "لا في النهي" فنحو قولِكَ: لا تقمْ ولا تقعدْ, ولفظ الدعاء لفظُ النهي كما كان كلفظِ الأمر تقول: لا يقطع اللهُ يدكَ، ولا يتعس اللهُ جدك، ولا يبعدُ الله غيرَك ولا في النهي بمعنى واحدٍ؛ لأنك إنَّما تأمره أن يكون ذلك الشيء الموجب منفيا, ألا ترى أنَّكَ إذا قلت: قُمْ إنّما تأمره بأن يكون منه قيام, فإذا نهيت فقلت: لا تَقم فقد أردت منه نفي ذلكَ, فكما أنَّ الأمر يراد به الإِيجاب فكذلك النهي يراد به النفي, وأما لام الأمر فنحو قولك: ليقم زيدٌ وليقعدْ عمرٌو ولتقم يا فلانُ، تأمر بها المخاطب كما تأمرُ الغائب, وقال : ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٢ ويجوز حذف هذه اللام في الشعر وتعمل مضمرة, قال متمم بن نويرة: علَى مِثْلِ أَصْحَابِ البَعُوضَةِ فَاخْمِشِي ... لَكِ الوَيْلُ حُرَّ الوَجْهِ أو يَبْكِ مَنْ بَكَى٣ أراد: ليبكِ, ولا يجوزُ أن تضمر لَمْ وَلا في ضرورة شاعرٍ, ولو أضمرا لالتبس الأمر بالإِيجاب.

стр. 649

شرح القسم الثاني: وهو حرف الجزاء: اعلَمْ: أنَّ لحرف الجزاء ثلاثة أحوال؛ حالٍ يظهر فيها، وحالٍ يقع موقعه اسم يقوم مقامه ولا يجو أن يظهر معه، والثالث أن يحذف مع ما عمل فيه, ويكون في الكلام دليل عليه. فأما الأول الذي هو حرف الجزاء: فإن الخفيفة, ويقال لها: أم الجزاء وذلك قولك: إن تأتني آتِكَ, وإنْ تقمْ أقم, فقولك: إن تأتني شرط وآتِكَ جوابهُ, ولا بُدَّ للشرطِ من جوابٍ وإلا لم يتم الكلام, وهو نظيرُ المبتدأ الذي لا بُدَّ له من خبر، ألا ترى أنَّك لو قلت: "زيدٌ"١ لم يكن كلامًا يقال فيه صدقٌ ولا كذبٌ، فإذا قلت: منطلقٌ تَمَّ الكلام, فكذلك إذا قلت: إنْ تأتني لم يكن كلامًا حتى تقولَ: آتِكَ وما أشبه وحَقُّ "إن" في الجزاء أن يليها المستقبل من الفعل؛ لأنك إنما تشرط فيما يأتي أنْ يقعَ شيءٌ لوقوع غيره, وإنْ وليها فعل ماضٍ أحالت معناه إلى الاستقبال, وذلك قولك: إنْ قمتَ قمتُ, إنما المعنى: إنْ تَقمْ أقم "فإنْ" تجعل الماضي مستقبلًا، كما أنَّ "لَمْ" إذا وليها المستقبل جعلته ماضيًا, تقول: لم يقمْ زيدٌ أمسِ، والمعنى: ما قام, فعلى هذا يجوز أن تقول: إنْ لَم أَقمْ لَم أَقمْ, فلا بد لشرط الجزاء من جواب, والجواب يكون على ضربين: بالفعل ويكون بالفاء, فالفعل ما خبرتُكَ به, فأما الفاء فنحو قولك: إنْ تأتني فأنا أكرمُكَ, وإنْ تأتِ زيدًا فأخوه يحسن إليكَ, وإنْ تتّقِ الله فأنتَ كريمٌ, فحق الفاء إذا جاءت للجواب أن يُبتدأ بعدها اللام, ولا يجوز أن

стр. 650

يعمل فيما بعدها شيءٌ مما قبلها، وكذلك قولك: إنْ تأتني فلكَ درهمٌ، وما أشبه هذا، وقد أجازوا للشاعر إذا اضطر أن يحذف الفاء. وأما الثاني: فأن يقع موقع حرف الجزاء اسم، والأسماء التي تقع موقعه على ضربين: اسمٌ غير ظرفٍ واسمٌ ظرف. فالأسماء التي هي غير الظروف: مَنْ ومَا وأيّهم, تقول: مَنْ تكرمْ أكرمْ وكان الأصل: إنْ تكرمْ زيدًا وأشباهَ زيدٍ أكرم فوقعت "مَنْ" لما يعقل, كما وقعت "مَنْ" في الاستفهام مبهمةً لما في ذلك من الحكمة وكذلك: ما تصنعُ أَصنعْ، وأيَّهم تضرب أَضربْ، تنصب أيهم بتضرب؛ لأن المعنى: إنْ تضربْ أيًّا ما منهم أَضربْ ولكن لا يجوز أن تقدم "تضربْ" على "أي" لأن هذه الأسماء إذا كانت جزاءً أو استفهامًا فلها صدور الكلام، كما كان للحروف التي وقعت مواقعها, فكذلك مَنْ وما إذا قلت: مَنْ تكرمْ أكرمْ، وما تصنعْ أَصنعْ, وموضعها نصب وإذا أردت أن تبين مواضعها من الإِعراب فضع موضعها "إن" حتى يتبين لك, وإذا قلت: مَنْ يقمْ أَقم إليه فموضع "مَنْ" رفعٌ؛ لأنها غير معقولة وكذا أيهم يضرب زيدًا أضربه وأيهم يأتني أحسن إليه، وأما "مَهما" فقال الخليل: هي "مَا" أدخلت معها "ما" لغوًا وأبدلوا الألفَ هاء١. قال سيبويه: ويجوز أن تكون كإِذْ ضُمتْ إليها "مَا"٢، وأما الظروف التي يجازى بها: فمتى وأينَ وأنَّى وأي حين وحيثُما وإذْ ما, لا يجازى بحيثُ وإذْ حتى يُضم إليهما "مَا" تصير مع كل واحد منهما بمنزلة حرف واحد. فتقول إذا جازيت بهن: متى تأتني آتِكَ وأين تقمْ أَقمْ وأَنى تذهبْ أَذهبْ، وأي حين تصلْ أَصلْ، "فأيُّ" إلى أي شيء أضفتها كانت منه، إن أضفتها إلى الزمان فهي زمانٌ, وإن أضفتها إلى المكان فهي مكانٌ، وتقول: حيثُما تذهبْ أذهبْ، وإذ ما تفعل أفعلْ، قال الشاعر:

стр. 651

إِذْ مَا تَرَيْنِي اليَوْمَ مُزْجى ظعينتي ... أُصَعِّدُ سيرًا في البلادِ وأَفرَعُ فإِنِّيَ مِنْ قَوْمٍ سِواكُم وإِنَّما ... رِجالي فَهْمٌ بالحِجَازِ وأشجعُ١ قال سيبويه: والمعنى: إما٢. وإذا, لا يجازى بها إلا في الشعر ضرورةً، وهي توصل بالفعل كما توصل "حيثُ" ويقع بعدها مبتدأٌ، وكل الحروف والأسماء التي يجازى بها فلك أن تزيد عليها "ما" ملغاةً, فإن زدتَ "مَا" على "مَا" لم يحسن حتى تقول: مهما، فيتغيرُ, فأمَّا "حيثما وإذ ما" لا يجازى بهما إلاّ و"مَا" لازمةٌ لهما. واعلم: أن الفعل في الجزاء ليس بعلةٍ لما قبله، كما أنه في حروف الاستفهام ليس بعلة لِمَا قبله. واعلم: أن الفعل إذا كان مجزومًا في الجزاء وغيره, فإنه يعمل عمله إذا كان مرفوعًا أو منصوبًا, تقول: إنْ تأتني ماشيًا أمشِ معكَ, وإن جعلت "تمشي" موضع "ماشيًا" جاز فقلت: إنْ تأتني تمشي أمشِ معكَ، وإن تأتني تضحكُ أَذهبْ معكَ, تريد "ضاحكًا" فإن جئتَ بفعلٍ يجوزُ أن يبدل من فعلٍ ولم ترد الحال جزمت فقلت: إنْ تأتني تمشِ أَمشِ معكَ, وإنَّما جاز البدل لأن المشيَ ضرب من الإِتيان, ولو لَمْ يكن ضربًا منه لم يجز، لا يصلح أن تقول: إنْ تأتني تضحكُ أَمشي معكَ، فتجزم "تضحكُ" وتجعله بدلًا, وقد كنت عرفتك أنَّ جميع جواب الجزاء لا يكون إلا بالفعل أو بالفاء، وحكى الخليل أنَّ "إذا" تكون جوابًا بمنزلة الفاء؛ لأنها في معناها لأن الفاء تصحب الثاني

стр. 652

الأول وتتبعه إياه، وإذا وقعت لشيءٍ يصحبه وذلك قوله : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون﴾ ١. والمعنى: إنْ أصابتهُم سيئةٌ قَنطوا، ونظيره: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُون﴾ ٢، بمنزلة: أم صمتم ولا يجوز: إنْ تأتني لأفعلنّ٣, ويجوز: إنْ أتيتني لأكرمنَّك، وإنْ لَم تأتني لأغمنك؛ لأنَّ المعنى: لئن أتيتني لأكرمنَّك فما حسن أن تدخل اللام على الشرط فيه, حسن أن يكون الجواب لأَفعلنَّ، وما لم يحسن في الشرط اللام لم يحسنْ في الجواب؛ لأنَّ الجواب تابعٌ فحقه أن يكون على شكل المتبوع، ولا يحسن أن تقول: لإِنْ تأتني لأَفعلنَّ, فلما قبح دخول اللام في الشرط قَبح في الجواب، ولو قلت ذاك أيضًا لكنت قد جزمت "بإنْ" الشرط وأتيت بجوابها غير مجزومٍ ويجوز أن تقول: "آتيكَ إنْ تأتني" فتستغني عن جواب الجزاء بما تقدم ولا يجوز: إن تأتني آتيكَ إلاّ في ضرورة شاعرٍ على إضمار الفاء، وأما ما كان سوى "إن" منها فلا يحسن أن يحذف الجواب، وسيبويه يجيز: إنْ أتيتني آتِكَ وإنْ لم تأتني أَجزكَ؛ لأنه في موضع الفعل المجزومِ٤، وينبغي أن تعلم أنَّ المواضع التي لا يصلح فيها "إنْ" لا يجوز أن يجازى فيها بشيءٍ من هذه الأسماء ألبتة؛ لأن الجزاء في الحقيقة إنما هو بها، إذا دخل حرف الجر على الأسماء التي يجازى بها لم يغيرها عن الجزاء، تقول: على أي دابةٍ أحمل أَركبه, وبِمَنْ تؤخذْ أوْ خذ به, وإنما قدم حرف الجرِّ للضرورة لأنه لا يكون متعلقًا بالمفعول. فإن قلت: بمَنْ تَمرُّ بهِ أمرُّ وعلى أيهم تنزل عليه [أنزلُ] ٥، رفعت وصارت بمعنى الذي, وصارت الباء الداخلة في "مَنْ" لأمرَّ والباء في "بهِ" لتَمرَّ، وقد يجوز أن تجزم بمَنْ تَمررْ

стр. 653

أَمررْ، وأنت تريد "بهِ" وهو ضعيفٌ وتقول على ذلك: غلامَ مَنْ تضربْ أضربه، قدمت الغلام للإِضافة كما قدمت الباء وهو منصوب بالفعل، ولكن لا سبيل إلى تقديم الفعل على "مَنْ" في الجزاء والاستفهام. وأما الثالث: الذي يحذف فيه حرف الجزاء مع ما عمل فيه وفيما بقي من الكلام دليل عليه وذلك إذا كان الفعل جوابًا للأمر والنهي أو الاستفهام أو التمني أو العرض تقول: آتني آتِكَ فالتأويل: ائتني فإِنَّك إنْ تأتني آتِكَ، هذا أمرٌ، ولا تفعلْ يكنْ خيرًا لكَ, وهذا نهيٌ والتأويل لا تفعلْ فإِنَّكَ إن لا تفعلْ يكن خيرًا لكَ، وإلا تأتني أُحدثك وأينَ تكون أزرك, وألا ماءَ أشربهُ, وليته عندنا يحدثْنَا فهذا تمنٍّ, ألا تنزل تُصب خيرًا وهذا عرضٌ, ففي هذا كلِّه معنى "إنْ تفعلْ" فإن كان للاستفهام وجه من التقدير لم تجزم جوابهُ١. ولا يجوز: لا تدنُ من الأسدِ, فإنَّكَ إن تدنُ مِنَ الأسدِ يأكلكَ, فتجعل التباعد من الأسد سببًا لأكلكَ, فإذا أدخلت الفاء ونصبت جاز فقلت: لا تدنُ منَ الأسد فيأكلَكَ؛ لأنَّ المعنى لا يكونُ دنوٌّ ولا أَكلٌ, وتقول: مُرْهُ يحفرْها وقل له: يقل ذاك فتجزم، ويجوز أن تقول: مُرْهُ يحفرُها، فترفعُ على الابتداءِ، وقال سيبويه: وإن شئتَ على حذف "أنْ" كقوله: ألا أيُّهَا الزَّاجري احْضر الوَغى٢

стр. 654

وعسينا نفعلُ كذا، وهو قليل١، وقد جاءت أشياء أنزلوها بمنزلة الأمرِ والنهي، وذلك قولهم: حسبُكَ ينمُ الناسُ، واتقى الله امرؤٌ وفعلَ خيرًا يُثَبْ عليهِ.

стр. 655

باب إعراب الفعل المعتل اللام: اعلم: أن إعراب الفعل المعتل الذي لامهُ ياءٌ أو واوٌ أو ألفٌ مخالفٌ للفعل الصحيح، والفرق بينهما أن الفعل الذي آخره واوٌ أو ياءٌ نحو: يغزو أو يرمي تقول فيهما: هذا يغزو ويرمي, فيستوي هو والفعل الصحيح في الرفع في الوقت, كما تقول: هو يقتلُ ويضرب فإن وصلت خالف يقتل ويضرب, فقلت: هو يغزو عمرًا, ويرمي بكرًا فتسكن الياء والواو, ولا يجوز ضمها إلا في ضرورة شَاعرٍ, فإن نصبت كان كالصحيح فقلت: لنْ يغزوَ ولَنْ يرميَ, وإنما امتنع من ضم الياء والواو لأنها تثقل فيهما, فإن دخل الجزم اختلفا في الوقف والوصل فقلت: لم يغزُ ولَم يرمِ, فحذفت الياء والواو, وكذلك في الوصل تقول: لم يغزُ عمرًا ولم يرمِ بكرًا، وإنما حذفت الياء والواو في الجزم إذا لم تصادف الجازم حركة يحذفها, فحذفت الياء والواو لأن الحركة منهما وليكون للجزم دليل. والأمر كالجزم تقول: ارمِ خالدًا واغزُ بكرًا فتحذف في الوقف والوصل إلا أنكَ تضم الزايَ من "يغزو" وتكسر الميم من "يرمِي" إذا وصلتَ. فيدلان على ما ذهبَ للجزمِ والوقفِ، وإنما تساوى الوقف في الأمر للجزم؛ لأنهما استويا في اللفظ الصحيح, فلما كان ذلك في الصحيح على لفظٍ واحدٍ جعلوا المعتل مثل الصحيح فقالوا: ارمِ واغزُ، كما قالوا: لم يرمِ ولَم يغزُ, وقالوا: اضربا واضربوا، كما قالوا: لم يضربا، ولم يضربوا.

стр. 656

مسائل من سائر أبواب إعراب الفعل: تقول: انتظرْ حتى إن يقسمْ شيءٌ تأخذْ، تجزم "تأخذْ" لأنه جوابُ لقولك: إنْ يقسمْ وانتظرْ حتى إن قسم شيءٌ تأخذْ, تنصبُ "تأخذ" إن شئت على حتَّى تأخذَ إن قسمَ, وإنْ شئتَ جزمت "تأخذ" فجعلته جوابًا لقولك: إنْ قسَم هذا قول الأخفش, وقبيح أن تفصل بين حتى وبينَ المنصوب قال: ومما يدلُّكَ على أنه يكون جوابًا ولا يحمل على "حتى" أنك تقول: حتى إنْ قسم شيءٌ أخذتُه يعني أنه معلقٌ بالجواب, فلا يرجعُ إلى "حتى" ألا ترى أنك لا تقول: حتى أخذت إنْ قُسِمَ شيءٌ وتقول: اجلسْ حتى إنْ يقلْ شيئًا فتسمعه تجبْنَا, جزمٌ كله ولا يجوز أن تنصب "تُجبنا" على حتى؛ لأن قولك: إن تفعلُ مجزومٌ في اللفظ فلا بد من أن يكون جوابه مجزومًا في اللفظ, وتقول: أَقم حتّى تأكلْ معَنا وأَقم حتى إيانا يخرجْ تخرجْ معَهُ, فأيُّ مبتدأٌ لأنها للمجازاة وحتى معلقةٌ, وكذلك اجلسْ حتى إنْ يخرجْ تخرجْ معَهُ, وانتظر حتى مَن يذهبْ تذهبْ معهُ, "فَمن" في موضعِ رفعٍ, واجلس حتى أَيًّا يأخذْ تأخذْ معهُ "أيا" منصوبة "بتأخذ" وتقولُ: أقم حتى أي القومِ تعط يعْطكَ, تعمل في "أي" ما بعدها, ولا تعمل فيها ما قبلها, وتقول: اجلس حتى غلامَ مَنْ تَلق تُكرمْ تنصب الغلام "بتلق" واجلس حتى غلامُ مَنْ تلقه تكرمْ, ترفع الغلام على الابتداء, ولو أن "حَتَّى" تكون معلقة في شيءٍ ما جاز دخولُها ههُنا لأن حرف١ الجزاء إذا دخل عليه عاملٌ أزالهُ عن حرف الجزاء, ألا ترى أنك تقول: مَنْ يزرنا نزرْهُ فيكون مرفوعًا بالابتداء وتكون للجزاء وذلك لأنَّ حال الابتداء كحالِ "إنْ" التي للجزاء, والشرط نظيرُ المبتدأ, والجوابُ نظيرُ الخبر. قال الأخفش: ومما يقوي "مَنْ" إذا كانت مبتدأة على الجزاء أنْ "إنْ" التي للجزاء تقع موقعها، ولو أدخلت إنَّ المشددة على "مَنْ" لقلت: إنَّ مَنْ

стр. 657

يزورنا نزورهُ؛ لأنَّ المجازاة لا تقع ههنا فإن قلت: فَلِمَ لا تعملُ إنَّ في "مَنْ" وتدعها للمجازاة كما أعملت إنَّ الابتداء؟ فلأن "إنْ" التي للمجازاة لا تقع ههنا لأن إنَّ المشددة توجب بها والمجازاة أمرٌ مبهمٌ, يعني أنه لا تقع "إنْ" التي للمجازاة بعد "أنَّ" الناصبة، والمجازاة ليست بشيءٍ مخصوص إنما هي للعامة وإن الناصبة للإِيجاب, وكذلك: ليت مَنْ يزورنا نزورُه, ولعلَ وكانَ وليسَ لأنك إذا قلت: مَنْ يزورُنا نزوره، وما تعطي تأخذْ فأنتَ تبهمُ ولا توضحُ, وهكذا يجيءُ الجزاءُ بمَنْ وأخواتها, فإن أوضحت منه شيئًا بصلةٍ ذهبَ عنه هذا العملُ وجرى مجرى "الذي" وتقول: سكتَ حتى أردنا أن نقومَ, تقول: افعلوا كذا وكَذا, فترده على جواب "إذا" ولو رددته على حتى جاز على قبحه وحقُّ "حَتى" أن لا تفصل بينها وبين ما تعمل فيه, وتقول: لا واللهِ حتى إذا أمرتُك بأَمرٍ تطيعني, ترفع جواب "إذا" وإن شئتَ نصبت على "حتى" على قبحٍ عندي، إلا أن الفصل بالظرف أحسن من الفصل بغيره. وتقول: لا والله حتى إنْ أَقلْ لكَ: لا تشتمْ أَحدًا لا تشتمه. ولا تشتمهُ جوابُ "إنْ أَقلْ لك" فلا يكون فيه النصبُ؛ لأنه لا يرجع إلى: حتى لا والله وإذا قلت لكَ: اركبْ تركب يا هذا, تنصبُ "تركب" على أو وفصلت بالظرف والفصل بالظرف أحسنُ من الفصل بغيره، أردت: ولا واللَّه أو تركب, إذا قلت لكَ اركبْ ومَنْ رفع ما بعد "أوْ" في هذا المعنى رفع هذه المسألة وتقول: تسكت حتى إذا قلنا: ارتحلوا لا يذهب الليلُ تخالفْنا فلا تَذهبْ، "تذهبُ" معطوفٌ على "تخالفنا" وحتى إن نقل: ايتِ فلانًا تصبْ منهُ خيرًا لا تأتهِ، فتصب خيرًا جزمٌ على جواب ايتِ ولا تأته جواب "إنْ نقلْ". وتقول: لئن جئتني لأكرمنّكَ, الأولى توكيدٌ والثانية لليمين, ولا يجوز بغير النون ولئن جئتني لإِليكَ أقصدْ ولإِيّاك أكرمْ، ولا تنون أكرمْ لأن اللام لم تقع عليه ولو وقعت عليه فقلتَ: لأكرمنّكَ وكذلكَ: لئن جئتني لأكفلن بكَ، وفي كتابِ اللهِ : ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١ لما وقعت اللام

стр. 658

على كلام مع الفعل لم تدخله النون, وكذلك: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ وكذلك لئن جئتني لأهلٌ، وكذلك: ولئن وصلتك للصلة أنفعُ لك. قالَ الأخفش: المعنى: والله للصلة أنفعُ وإنْ وصلتكَ، كما أن قولك: لئن جئتني لأكرمنكَ، إنما هي: والله لأكرمنك إنْ جئتني, قال: واللام التي في "لئن جئتني" زائدة وقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٢ على معنى اليمين، كأنه قال والله أعلَم: واللهِ لمثوبةٌ مِن عندِ الله خيرٌ لَهم ولو آمنوا وقال لا تقول: إنَّ زيدًا لقامَ وتقولُ: إنَّ زيدًا إليكَ كفيلٌ, وإن زيدًا لهُ ولك منزلٌ؛ لأنَّ اللام لا تقع على فعلٍ، فإذا كان قبلَها كلامٌ ضممتهُ معها جاز دخول اللام, وتقول: سرت حتى أدخلُ أو أكادُ ترفعهما جميعًا لأنك تقول: حتى أكادُ والكيدودة كائنةٌ, وكذلكَ سرت حتى أدخلَها أو أقرب منها لأنه قد كان القرب أو الدخول وكذلك: سرتُ حتى أكاد أو أدخلُ, وأشكلَ عليَّ كُلُّ شيءٍ حتى أظن أني ذاهبُ العقلِ، فجميع هذا مرفوع لأنه فِعلٌ واجبٌ وهو فيه, قال الجعدي: ونُنْكِرُ يَوْمَ الرَّوْعِ أَلْوانَ خَيْلِنَا ... مِنَ الطَّعنِ حَتى تحسبَ الجونَ أشقرا٣ قال: يجوز في "تحسب" الرفع والنصب، والرفع على الحال, والنصب على الغاية وكأنكَ أردت إلى أن تحسب، وحكى الأخفش أن النحويين ينصبون إذا قالوا: سرتُ أكادَ أو أدخل يا هذا، ينصبون الدخول ويقولون:

стр. 659

الفعلُ لم يجبْ, والكيدودة قد وجَبَتْ. قال: وهذا عندي يجوز فيه الرفع، يعني الدخول؛ لأنه في حال فعل إذا قلت: حتى أكاد, يعني إذا كنت في حال مقاربة، و"حتى" لا تعملُ في هذا المعنى, إنما تعمل في كل فعل لم يقع بعد، والكيدودةُ قد وقعتْ وأنت فيها, وتقول: الذي يأتيني فَلهُ درهم, والذي في الدارِ فلَهُ درهم, فدخولُ الفاء لمعنى المجازاة ولا يجوزُ: ظننتَ الذي في الدار فيأتيك. تريد: ظننتُ الذي في الدار يأتيك, والأخفش يجيزه على أن تكون الفاء زائدة وقال: قول الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ ١ ولكن زدت "إن" توكيدًا، وقالَ: لو قلت: إن هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة كان صالحًا؛ لأنك إذا قلت: إن الذي يأتينا فلهُ درهم، فمعناه: الذي يأتينا فله درهم, ولا يحسن ليتَ الذي يأتينا فلَهُ درهم, ولا لعل الذي يأتينا فنكرمُه؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة، ولا يحسنُ "كأنَّ الذي يأتينا فلَهُ درهم" لأن معنى الجزاء إنما يكون على ما يأتي لا على ما كان، فإن قدرت فيه زيادة الفاء جاز على مذهب الأخفشِ.

стр. 660

فصل يذكر فيه قَلَّ وأقلّ: اعلم: أنَّ قَلَّ: فعلٌ ماضٍ، وأقلَّ: اسم، إلاّ أن أقلّ رجل قد أَجروه مجرى قَلَّ رجل، فلا تدخل عليه العوامل، وقد وضعته العرب موضع "ما" لأنه أقرب شيءٍ إلى المنفي القليل، كما أن أبعد شيء منه الكثير، وجعلت "أقلَّ" مبتدأةً صدرًا إذا جُعلتْ تنوبُ عن النفي، كما أن النفيَ صدرٌ فلا يبنونَ أقلَّ على شيءٍ، فتقول: أقلّ رجلٍ يقول ذاك، ولا تقولُ: لَيتَ أقلَّ رجلٍ يقول ذاك، ولا لعل ولا إنَّ، إلا أن تضمر في "إنَّ" وترفع أقلّ بالابتداء، قال الأخفش: هو أيضًا قبيحٌ؛ لأن أقلَّ رجلٍ يجري مجرى:

стр. 661

قَلَّ رجلٍ, وربُّ رجلٍ، لو قلت: كان أقلُّ رجلٍ يقولُ ذاكَ فرفعت "أقلّ" على "كانَ" لم يجز ولكن تضمر في "كانَ" وترفع أقلَّ على الابتداء، وأقلُّ رجلٍ وقلَّ رجلٌ قد أجروه مجرى النفي، فقالوا: أقلُّ رجلٍ يقولُ ذاكَ إلا زيدٌ وقال سيبويه: لأنه صار في معنى: ما أحَدٌ فيهما إلا زيد١، وقال: وتقولُ: قلَّ رجلٌ يقولُ ذاك إلا زيدٌ، فليس زيدٌ بدلًا من الرجل في "قَلَّ" ولكن: قَلَّ رجلٌ في موضعِ أقلّ رجلٍ, ومعناه كمعناه وأقل رجل مبتدأ مبني عليه, والمستثنى بدل منه لأنك تدخله في شيءٍ يخرج من سواه. قال: وكذلك: أقلُّ مَنْ, وقَلُّ مَنْ، إذا جعلت "مَنْ" بمنزلة رجلٍ. حدثنا بذلك يونس عنِ العرب٢ يجعلونه نكرةً كما قال: رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ ... الأمرِ لهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ٣ يريد أنَّ "رُبَّ" دخلت على "مَا" وهي لا تدخلُ إلا على نكرةٍ، فتنكيرُ "مَا" كتنكير "مَنْ" قالَ: وتقولُ: قَلَّ ما سرتُ حتى أدخلُها، مِنْ قبل أنَّ قَلَّما نفي لقوله كَثُرَ مَا, كما أنَّ ما سرتُ نفي لقوله: سرتُ، ألا ترى أنه قبيح أن تقول: قلما سرتُ فأدخلها، كما يقبح في ما سرت إذا أردت معنى, فإذا أنا أدخل، إنما قبحه لأنه إذا لَمْ يكن سيرٌ, لم يكن دخولٌ, فكذلك قلّما لَمّا أُريدَ بها النفي كان حكمُها حكم قالَ, وتقولُ: قلَّما سرت فأدخلها, فانتصب بإلغائها هنا كما تنصبُ فيما قال. وتقول: قلّما سرت، إذا عنيت سيرًا واحدًا,

стр. 662

أو عنيت غير سيرٍ، كأنك قد تنفي الكثيرَ من السيرِ الواحدِ، كما تنفيه من غير سيرٍ, يريدُ بقولِه: من غير سيرٍ أي: سيرًا بعد سيرٍ, قالَ الأخفش: الدليلُ على أن أقلَّ رجلٍ يجري مجرى رُبَّ وما أشبهها أنَّك تقول: أقلَّ امرأةٍ تقولُ ذاك فتجعلُ اللفظَ على امرأة, وأقلَّ امرأتين يقولان ذاكَ، فينفي أقلَّ، كأنه ليس له خبر، ولا تحمله إلا على الآخر، يعني: لا تحمل الفعلَ إلا على الذي أضفت إليه أقلَّ, فهذا يدل على أنه لا يشبه الأسماء, يعني إذا كان الخبر يجيء على الثاني وكذلك: أقلُّ رجال يقولون ذاك، ولا يحسن, كذلك لو قلت: أقَلُّ رجلينِ صالحانِ لم يُحسنْ, ولا يحسنُ من خبره إلا الفعل والظرف, أقلُّ رجلين صالحين في الدار وأقلُّ امرأةٍ ذاتُ جمةٍ في الدار, وأقلُّ رجلٍ ذي جمةٍ في الدار, كان جيدًا، ولو ألغيت الخبر كان مذهبه كمذهب "رُبَّ" فإنْ قلت: فما لي إذا قُلت: قلَّ رجلٌ يقولُ ذاك، وقَلّ رجلٌ قائلٌ ذاكَ, وهو صفة لا يجوز حذفه؛ فلأنك إنما قللتَ الموصوفين ولم تقللِ الرجال مفردين في الوصف، ألا ترى أنك لا تقول: قلّ رجلٌ قائلٌ ذاك إلا وأنت تريد القائلين ولست تريد أن تقلل الرجال كلهم.

стр. 663

فصل من مسائل الدعاء والأمر والنهي: اعلم: أن أصل الدعاء أن يكون على لفظ الأمر وإنما استعظم أن يقال: أمرٌ، والأمر لمن دونَك، والدعاء لمن فوقك, وإذا قلت: اللهم اغفر لي فهو كلفظك إذا أمرت فقلت: يا زيدُ أكرم عمرًا وكذلك إذا عرضت فقلت: انزل, فهو على لفظ اضربْ, وقد يجيء الأمر والنهي والدعاء على لفظ الخبر إذا لم يلبس, تقول: أطالَ الله بقاءهُ, فاللفظُ لفظ الخبر والمعنى دعاءٌ ولم يلبسْ لأنك لا تعلم أنّ الله قد أطالَ بقاءهُ لا محالة, فمتى أُلبسَ شيءٌ مِنْ ذَا بالخبر لم يجز حتى يبينَ, فتقول على ذا: لا يغفر الله لَهُ ولا يرحمهُ, فإن قلت: لا يغفرُ الله لَهُ ويقطعُ يدهُ لم يجز أن تجزم "يقطعُ" لأنهُ لا يشاكل الأول؛ لأنَّ الأول دعاءٌ عليه, وإذا جزمتَ "يقطعُ" فقد أردت: ولا يقطعُ الله, فهذا دعاء له فلا يتفق المعنى. وإذا لم يتفق لم يجز النسق،

стр. 664

وكذلك إذا قلت: ليغفر الله لزيدٍ ويقطعُ يَدهُ، لم يجز جزم "يقطعُ" لاختلاف المعنى, ولكن يجوز في جميع ذا الرفع, فيكون لفظه لفظ الخبر, والمعنى الدعاءُ وإذا أسقطت اللام ولا رفعت الفعلَ المضارع فقلت: يغفرُ الله لكَ وغفَر الله لكَ, وقال الله : ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ١، وقال: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ ٢، وقال الله ﵎: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ٣ باللام. وقال قوم: يجوزُ الدعاءُ بلَنْ، مثل قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقال الشاعر: "لن تَزالوا كذلكم ثُم لا زلـ ... ـتَ لهم خالدًا خُلُود الجبال"٤ والدعاء "بلَنْ" غير معروف، إنما الأصلُ ما ذكرنا، أن يجيء على لفظ الأمر والنهي، ولكنه قد تجيء أخبار يقصدُ بها الدعاءُ إذا دلت الحالُ على ذلكَ, ألا ترى أنك إذا قلت: "اللهم افعلْ بنَا" لَم يحسنْ أن تأتي إلا بلفظ الأمر, وقد حكى قوم: اللهم قطعت يده وفقئت عينهُ, قال الشاعر: لا هم ربَّ الناس إن كذبت ليلى ... ..............................٥ وإن قدمتَ الأسماءَ فقلتَ: زيدٌ قطعتْ يده كانَ قبيحًا؛ لأنه يشبهُ الخبرِ وهو جائزٌ إذا لم يشكل, وإذا قلت: زيدٌ ليقطع الله يده كانَ أمثلَ؛ لأنهُ غيرُ

стр. 665

ملبسٍ وهو على ذلك اتساعٌ في الكلام؛ لأن المبتدأ ينبغي أن يكون خبره يجوزُ فيه الصدق والكذب, والأمر والنهي ليسا بخبرين والدعاء كالأمر, وإنما قالوا: زيدٌ قم إليه وعمرٌو اضربْهُ اتساعًا كما قالوا: زيدٌ هَلْ ضربتَهُ، فسدّ الاستفهام مسد الخبرِ وليس بخبر على الحقيقة وقال: إذا أجزت افعلْ ولا تفعل أمروا ولم ينهُوا، وذلك في المصادر والأسماء والأدوات, فتقول: ضربًا ضربًا والله، تريد: اضربْ ضربا واتقِ الله, وهلمَّ وهاؤم إنما لم يجز في النهي؛ لأنه لا يجوز أن يضمر شيئان لا والفعل، ولو جاءوا "بلا" وحدها لم يجز أيضًا أن يحال بين "لا" والفعل؛ لأنها عاملةٌ وتقولُ: ليضرب زيدٌ وليضرب عمرو وتقولُ: زيدًا اضربْ, تنصبُ زيدًا "باضربْ" وقال قوم: تنصبُ زيدًا بفعل مضمر، ودليلهم على ذلك أنك تدخلُ فيه الفاء فتقول: زيدًا فاضربْ, وقالوا: إنَّ الأمر والنهي لا يتقدمهما منصوبهما؛ لأن لهما الاستصدارَ والذين يجيزونَ التقديم يحتجون بقول العربِ: بزيد امرر ويقولون: إن الباءَ متعلقة بامرر ولأنه لا يكون الفعل فارغًا وقد تقدمه مفعوله ويضمرون إذا شغلوا نحو قولهم: زيدًا اضربْه, ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله. وتقول: ضربًا زيدًا، تريد: اضربْ زيدًا, وقوم يجيزون ضرب زيد وأنت تريدُ: ضربًا زيدًا ثم تضيف, وهذا عندي قبيحٌ لأن ضربًا قامَ مقامَ اضربْ واضربْ لا يضاف، والألفُ في الأمر تذهب إذا اتصلت بكلام نحو قولك: اضربْ اضربْ, واذهبْ اذهبْ، ويقولون: ادخلْ ادخلْ, واذهبْ ادخلْ, ويختارون الضم إذا كانت بعد مضمومٍ والكسر جائزٌ, تقول: اذهبْ ادخلْ. وقد حكوا: ادخلِ الدارِ للواحدِ على الإِتباع وهو رديءٌ لأنه ملبسٌ١, وقالوا: يجوز الإِتباع في المفتوح مثل قولك: اصنع الخير. وقالوا: لا نجيزهُ ولم نسمعْهُ لأنّا قد سمعناهُ إذا حرك، نحو قول الشاعر: يَحسَبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَما٢

стр. 666

وقوله: أَجِّره الرُّمْحَ ولا تُهالَهْ١ لما كان قبله فتحٌ اتبع. فأما قول القائل: ما لَمْ يعلَما, فقد قيلَ فيه: إنهُ يريدُ النونَ الخفيفة، وأما قولُه: لا تُهالِه فإنه حركَ اللام لالتقاء الساكنين؛ لأنه قد علم أنه لا بد من حذفٍ أو تحريكٍ، وكان الباب هُنا الحذف وأن تقولَ: لا تهل ولكن فعلَ ذلك من أجل القافية؛ لأن الألف لازمةٌ لحرف الروي فرده إلى أصله فالتقى ساكنان، الألف واللام التي أسكنت للجزم فحرك اللام بالفتح لفتحة ما قبلها ولما منه الفتح وهي الألف وأدخل الهاءَ لبيان الحركة، وتقولُ: زرني ولأزركَ، فتدخل اللام؛ لأن الأمر لكَ, فإذا كان المأمور مخاطبًا

стр. 667

ففعلهُ مبني غير مجزومٍ، وقد بينا هذا فيما تقدم, وقوم من النحويين١ يزعمون أنَّ هذا مجزومٌ، وأن أصل الأمرِ أن يكونَ باللامِ في المخاطب، إلا أنه كثر فأسقطوا التاءَ واللامَ, يعنونَ أن أصلَ اضربْ لتضربْ, فأسقطوا اللامَ والتاء، قال محمد بن يزيد: وهذا خطأٌ فاحش٢؛ وذلك لأن الإِعراب لا يدخل من الأفعال إلا فيما كان مضارعًا للأسماء وقولُكَ: اضربْ وقم ليسَ [فيه شيءٌ] ٣ من حروف المضارعة، ولو كانت فيه لم يكن جزمهُ إلا بحرفٍ يدخل عليه. ويروى عن رسولِ الله ﷺ أنه قرأ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٤ فإذا لم يكن الأمرُ للحاضرِ فلا بد من إدخال اللامِ، تقول: ليقمْ زيدٌ, وتقول: زرْ زيدًا وليزرْكَ إذا كان الأمرُ لهما جميعًا؛ لأن زيدًا غائبٌ فلا يكون الأمر له إلا بإدخال اللام, وكذلكَ إذا قلتَ: ضُرِبَ زيدٌ فأردتَ الأمرَ من هذا قلتَ: ليُضرَبْ زيدًا؛ لأنَّ المأمور ليس بمواجه، والنحويون يجيزونَ إضمارَ هذه اللام للشاعر إذا اضطر، وينشدون لمتمم بن نويرة: على مِثْلِ أصْحَابِ البَعُوضَةِ فاخْمِشِي ... لكِ الوَيْل حُرّ الوَجْهِ أو يَبْكِ مَنْ بَكَى٥

стр. 668

أراد: ليبكِ, وقولُ الآخر: مُحَمَّد تَفْدِ نَفْسُكَ كُلَّ نَفْسٍ ... إذا مَا خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا١ قال أبو العباس٢: ولا أرى ذا على ما قالوا؛ لأنَّ عوامل الأفعالِ لا تضمرُ وأضعفها الجازمة؛ لأن الجزم في الأفعال نظيرُ الخفض في الأسماء٣، ولكن بيت متمم يُحملُ على المعنى؛ لأنه إذا قال: فاخمشي فهو في موضع فلتَخْمشي، فعطَف الثاني على المعنى. وأما هذا البيت الأخيرُ فليس بمعروف على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لكَ, وتقول: ليقمْ زيدٌ ويقعدْ خالدٌ وينطلقْ عبدُ اللهِ؛ لأنك عطفت على اللام. ولو قلت: قُمْ ويقعدْ زيدٌ لم يجز الجزم في الكلام, ولكنْ لو اضطر إليه الشاعر فحمله على موضع الأول لأنه مما كان حقهُ اللام جازَ، وتقول: لا يقمْ زيدٌ ولا يقعدْ عبد الله؛ لأنك عطفت نهيًا على نهيٍ فإن شئتَ قلتَ: لا يقمْ زيدٌ ويقعدْ عبد اللهِ، وهو بإعادتِكَ "لا" أوضحَ؛ لأنك إذا قلت: لا يقمْ زيدٌ ولا يقعدْ عبد الله تبين أنكَ قد نهيتَ كل واحدٍ منهما على حياله فإذا قلت: لا يقمْ زيدٌ ويقعدْ عبدُ الله بغير "لا" ففيه أوجه: قَد يجوزُ أن يقع عند السامع أنك أردتَ لا يجتمع هذان، فإن قَعد عبدُ الله ولم يقمْ زيدٌ لم يكن المأمور مخالفًا، وكذلك إن لَم يقمْ زيدٌ وقعدَ عبدُ الله. ووجه الاجتماع إذا قصدته أن تقول: لا يقمْ زيدٌ ويقعدْ عبدُ الله، أي لا يجتمع قيام عبد الله

стр. 669

وأنْ يقعد زيدٌ، "فلا" المؤكدة تدخل في النفي لمعنى، تقول: ما جاءني زيدٌ ولا عمرٌو, إذا أردت أنه لم يأتِكَ واحد منهما على الانفرادِ، ولا مع صاحبه لأنك لو قلت: لم يأتني زيدٌ وعمرٌو, وقد أتاك أحدُهما لم تكن كاذبًا "فلا" في قولك: لا يقمْ زيدٌ ولا يقعدْ عمرو, يجوزُ أن تكون التي للنهي وتكون المؤكدة التي تقعُ لما ذكرت لكَ في كل نفيٍ. واعلم: أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر، يجري على لفظه, وتقول: ائتني أكرمْكَ, وأينَ بيتُك أزرك, وهل تأتيني أعطك وأحسن إليكَ؛ لأنَّ المعنى: فإنَّكَ إنْ تفعلْ أفعلْ, فأما قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١ ثم قَال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ فإن أبا العباس ﵀ يقول: ليسَ هذا الجواب، ولكنه شرح ما دعوا إليه, والجواب: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ فإن قال قائلٌ: فَهلا كان الشرح "أن تؤمنوا" لأنه بدلٌ من تجارةٍ. فالجواب في ذلك: أن الفعل يكون دليلًا على مصدره, فإذا ذكرت ما يدل على الشيء، فهو كذكرِكَ إياهُ, ألا ترى أنهم يقولون: منْ كذبَ كانَ شَرًّا لَهُ يريدون: كانَ الكذبُ. وقال الله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ٢ لأن المعنى: البخل خير لهم، فدل عليه بقوله: ﴿يَبْخَلُونَ﴾ وقال الشاعر: أَلا أيُّهذا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى٣ المعنى: عن أن أحضر الوَغَى، فأنْ والفعل كقولك: عن حضور الوغى، فلما ذكر "أَحضرُ" دل على الحضور, وقد نصبه قومٌ على إضمار "أنْ" وقدموا الرفع٤. فأما الرفع فلأن الفعلَ لا يضمرُ عامله، فإذا حذف رفع

стр. 670

الفعل وكان دالا على مصدره بمنزلة الآية, وهي: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وذلك لو قالَ قائلٌ: ما يصنع زيدٌ؟ فقلت: يأكلُ أو يصلي، لأغناك عن أن تقول: الأكلُ، والصلاةُ ألا ترى أنَّ الفعل إنَّما مفعوله اللازم له إنما هو مصدرهُ؛ لأن قولك: قد قامَ زيدٌ بمنزلة قولك: قد كان منه قيامٌ. فأما الذين نصبوا فلمْ يأبوا الرفعَ، ولكنهم أجازوا معه النصب؛ لأن المعنى "بأنْ" وقَد أبانَ ذلك بقوله فيما بعده, "وأنْ أَشهد" فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيءُ بعضها محذوفًا للدليل عليه وفي كتاب الله : ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١ قال٢: والقولُ عندنا أنَّ "مَنْ" مشتملةٌ على الجميعِ؛ لأنها تقعُ للجميعِ على لفظها للواحد. وقد ذهب هؤلاء إلى أن المعنى: ومَنْ في الأرضِ، وليسَ القولُ عندي كما قالوا٣. وقالوا في بيت حسان بن ثابت: فَمَنْ يَهْجُو رَسُول الله مِنْكُمْ ... ويَمْدَحهُ ويَنْصُره سَوَاءُ٤ إنما المعنى: ومن يمدحهُ وينصرهُ، وليس الأمر عند أهلِ النظر كذلك، ولكنه جعل "مَنْ" نكرةً، وجعل الفعلَ وصفًا لها, ثم أقام في الثانية الوصف مقامَ الموصوف فكأنه قال: وواحدٌ يمدحهُ وينصرهُ؛ لأن الوصف يقعُ موضع
следующие страницы →