السورة. وهي تشتمل على دليل من أوضح الأدلة العقلية على إثبات البعث بعد الموت. وجاء بعدها مباشرة هذا المثل، الذي هو من أوضح الأدلة العقلية على بطلان الشرك، ووجوب توحيد الله وإفراده بالعبادة.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
الغرض من ضرب المثل:
هذا المثل مضروب لإبطال الشرك، ببيان الفرق العظيم بين الله تعالى المتصف بالكمال والغنى، وبين تلك الأصنام وغيرها من المخلوقات الناقصة، وبطلان التسوية بينها وبين الله تعالى في الألوهية، والعبادة.
قال ابن القيم ﵀: "وهذا دليل قياس، احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم. ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ
стр. 1017
الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها"١.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "هذا مثل ضربه الله لقبح الشرك وتهجينه، مثلاً من أنفسكم، لا يحتاج إلى حل وترحال، وإعمال الجمال"٢.
وقال الشوكاني ﵀: "أي مثلاً منتزعاً ومأخوذاً من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك، كان أظهر دلالة وأعظم وضوحاً"٣.
بيان الحجة التي دل عليها المثل:
هذا المثل يتضمن حجة لإبطال الشرك من وجهين:
الأول: إبطال التسوية بين السيد والعبد في الاستحقاق في دلالة العقول السليمة، مما يلزمهم بالحكم بعدم التسوية بين الله وتلك الآلهة الباطلة التي هي من جملة عبيده، وأنه أولى بهذا الحكم.
الثاني: أنهم إذا كانوا يعدون مشاركة عبيدهم لهم نقصاً يتنزهون منه، فإن الله أولى بالتنزه من هذا النقص، وأولى بأن لا يكون له من عبيده شريكاً إذ هو سبحانه أولى بكل كمال وأبعد من كل نقص.
стр. 1018
فهذا المثل مع إيجاز لفظه تضمن حجتين عظيمتين في إبطال الشرك. لذلك ذكر الله أنه من الأمثال التي يفصّل بها آياته لهداية الناس، فقال سبحانه معقباً على المثل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
وأقوال المفسرين لا تخرج عن هاتين الحجتين، وأكثرهم يكتفي بذكر الحجة الثانية - وهي أن الله أولى منهم بالتنزه من مشاركة العبيد - لأنها تتضمن الحجة الأولى - وهي إبطال المساواة بين العبد وسيده في الحقوق.
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: مثَّل لكم أيها القوم ربكم مثلاً من أنفسكم، هل لكم مما ملكت أيمانكم، يقول: من مماليككم، من شركاء فيما رزقناكم من مال، فأنتم فيه سواء وهم. يقول: فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء في عبادتكم إياي، وأنتم وهم عبيدي ومماليكي، وأنا مالك جميعكم"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال
стр. 1019
والغنى منكم؟ وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد"١.
قوله: "لما في ذلك من النقص والظلم" فيه إشارة إلى تضمن المثل للحجتين.
فالنقص: إنما يكون من نسبة الشركاء لله وهم عبيده، وذلك ما يعتبره المشركون أنفسهم نقصاً يتنزهون منه.
والظلم: يكون في التسوية بين الله، وبين عبيده في الألوهية.
وقال ابن القيم ﵀: "والمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك ... ؟ فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم لي من خلقي من هو مملوك لي، فإن كان هذا الحكم باطلاً في خاطركم وعقولكم ... فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي؟ مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي. فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول"٢.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "أي: هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء، يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وهم فيه على حد سواء ... ؟
стр. 1020
ليس الأمر كذلك، فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم، شريكاً لكم فيما رزقكم الله تعالى ... فكيف ترضون أن تجعلوا لله شريكاً من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلاً له في العبادة، وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟ "١.
وقال الشيخ محمد الشوكاني ﵀: "والمراد: إقامة الحجة على المشركين. فإنهم لا بد أن يقولوا لا نرضى بذلك. فيقال لهم: فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له؟
فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة، بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله، ولم يبقَ إلا أنه الرب وحده لا شريك له"٢.
إيضاح الحجة على قاعدة قياس الأولى:
أولاً: تضمن هذا المثل العظيم حجة ترتكز على حال يعرفها المشركون من أنفسهم هي:
- عدم تسويتهم بين أنفسهم وعبيدهم في الحقوق.
- وعدم قبولهم ورضاهم أن يشاركوا عبيدهم فيما رزقهم الله من
стр. 1021
الأموال والممتلكات.
ثانياً: الحكم - وهو النتيجة المستفادة من الاعتبار بالمثل. والحكم المستفاد من هذا المثل له شقان:
الأول: حكمهم بعدم استواء السادة مع العبيد في الحقوق. ومن ذلك حق التملك والمشاركة.
الثاني: حكمهم بأن مشاركة العبد لسيده فيما يملك نقص، وعدم قبولهم ورضاهم بذلك.
ثالثاً: إقرار المحتج عليهم بأن الله هو المالك السيد لكل شيء، وأن كل ما سواه فهم مماليكه وعبيده، ومن ذلك الأصنام التي عبدوها من دون الله تعالى.
رابعاً: إلزام المشركين بأن يحكموا لله بتلك الأحكام المستفادة من الاعتبار بصورة المثل.
فالحكم الأول: أنه لا يجوز أن يسوى بين الله وبين تلك الأصنام - التي هي من عبيده ومماليكه في حقه سبحانه، فيجعلون شركاء له في الألوهية والعبادة. وذلك أنه - سبحانه - أولى بهذا الحكم لأن ملكه وسيادته أتم، فهو الذي كمل سؤدده، ولأن تحقق العبودية في الأصنام أتم. فالفرق بينها وبين الله تعالى أعظم من الفرق بين السادة وعبيدهم.
والحكم الثاني: أن الله تعالى أولى بالتنزه من هذا النقص الذي لا يرضاه المشركون لأنفسهم، وهو مشاركة عبيدهم لهم في أموالهم
стр. 1022
وممتلكاتهم، فالله أعلى وأجل منهم وأولى بالتنزه من كل نقص، وأولى بأن لا يكون له شريك من عبيده ومماليكه في الألوهية والعبادة.
خامساً: يتعدى مدى المثل هذا - وهو إبطال صحة اتخاذ الأصنام شركاء لله في العبادة - إلى إثبات (المثل الأعلى) لله تعالى بإثبات تفرده بالألوهية. وذلك أن كل ما سوى الله فهو عبد لله مملوك له، سواء في ذلك الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين وغيرهم. فلا يوجد من يساويه في الألوهية، لعدم جواز مساواة العبد لسيده، ولأن إشراك أحد من خلق الله وعبيده في الألوهية نقص يتعالى ويتنزه الله عنه.
وقد تقدم قريباً كلام الشوكاني ﵀ الذي أشار فيه إلى هذا المعنى، حيث قال: "فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة، بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد لله، ولم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له"١.
стр. 1023
المبحث الخامس: أهم الفوائد التي دل عليها ثبوت المثل الأعلى لله تعالى .
استغرق الحديث عن المثل الأعلى والآيات التي ورد فيها إثباته لله تعالى في المباحث السابقة، ما يتعلق بالفوائد التي تستفاد من ذلك. وذلك يغني عن التفصيل فيها. لذلك سأكتفي في هذا المبحث بحصر أهم الفوائد، وذكر مأخذ كل فائدة، مع البيان لما أرى أنه يحتاج إلى بيان مما لم يرد فيما تقدم من المباحث.
وأهم الفوائد التي دل عليها ثبوت المثل الأعلى لله تعالى هي:
الفائدة الأولى: اتصاف الله بصفات الكمال وتفرده بها.
ومأخذ الفائدة من دلالة المعنى الأول والأساس الذي يفسر به "المثل الأعلى" وهو: المثل الأعلى الحقيقي القائم بذات الله تعالى، الذي يدل على: تفرد الله تعالى بالألوهية، والربوبية وخصائصهما من جميع صفات الكمال.
والقاعدة في ذلك: أن الوصف الأكمل من كل كمال مطلق ثابت لله تعالى وحده حقيقة على ما يليق به سبحانه.
وتقدم الحديث عن هذا المعنى، وبعض النصوص الدالة عليه بما يغني عن إعادته١.
стр. 1024
الفائدة الثانية: أن الأصل في معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحقه على عباده، وغيرها من المطالب الدينية، هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ومأخذ هذه الفائدة من المعنى الثاني الذي يفسر به المثل الأعلى.
وهو: المثل الأعلى العلمي الخبري، الدال على وجود صفات الله تعالى وذكرها في نصوص الكتاب والسنة١.
الفائدة الثالثة: أن أصل الإيمان هو ما يقوم في قلوب المؤمنين من إثبات المثل الأعلى لله تعالى باعتقاد تفرده بالربوبية والألوهية وسائر صفات الكمال.
ومأخذ هذه الفائدة من المعنى الثالث الذي يفسر به المثل الأعلى لله تعالى، وهو: المثل الأعلى العلمي الاعتقادي القائم في قلوب المؤمنين لرب العالمين.
وتقدم٢ أن المراد به هو: توحيد الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية، وأن له الأسماء الحسنى، وله من كل كمال أكمله وأعلاه على ما يليق به سبحانه، وما ينتج عن ذلك من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وذكره وعبادته.
كما تقدم٣ أن ثمرة إثبات المثل الأعلى لله تعالى هي: توحيد الله
стр. 1025
وإقامة الدين له.
وهذه الفائدة تدل على أهمية تعلم التوحيد وتحقيقه لسلامة الإيمان وقوته، مما يوجب العناية بتعلّم ما ورد في الكتاب والسنة مما يتعلق بتوحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
الفائدة الرابعة: أن تفرد الله بالألوهية، هو الوصف الأساس في ثبوت المثل الأعلى لله تعالى، وكل الصفات الأخرى هي من خصائص الإله الحق ﵎، ودالة عليه.
وتقدم١ أن الربوبية هي أخص أوصاف الإله الحق، وآثارها في الكون أكبر دليل على تفرده بالألوهية؛ وأن ذلك مراد أهل العلم بقولهم: الإقرار بتفرد الله بالربوبية يستلزم الإقرار بتفرده بالألوهية.
كما تقدم أن سائر صفات الكمال من خصائص الإله الحق، ويخبر بها عن اسمه تعالى (الله) الدال على اتصافه بالألوهية.
وأجمع الآيات التي تدل على هذا المعنى ما ورد في أواخر سورة الحشر، حيث بدأ بذكر اسمه (الله) الدال على ألوهيته سبحانه، ثم ذكر تفرده بها بقوله (لا إله إلا هو) ثم أخبر عن ذلك بجملة من أسمائه.
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ
стр. 1026
الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: " (الله) عَلَم على الرب ﵎ ... ويقال: إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ... ﴾ إلى آخر السورة. فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له"٢.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " (الله) هو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية، التي هي صفات الكمال"٣.
стр. 1027
وثمرة هذه الفائدة هي العناية بتوحيد الألوهية، وإخلاص العبادة له، في جميع المجالات العلمية والدعوية، والتربوية، والإعلامية، وغيرها.
الفائدة الخامسة: أن معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة من صفات الله تعالى هي المحرك للمحبة في قلوب المؤمنين.
فقيام المثل الأعلى الاعتقادي في قلوبهم لله رب العالمين، وتحقيق التوحيد، هو الذي يجذبها إلى الله. وتهيج المحبة في قلوب المؤمنين كلما ذَكروا أو ذُكِّروا بأسماء الله وصفاته وإنعامه.
ومأخذ هذه الفائدة ما تقدم١ من وجود تلازم بين قيام المعرفة بأسماء الله وصفاته وإثباتهم المثل الأعلى له سبحانه وبين محبتهم له. وأن المحب يتمثل صفات محبوبه وأسماءه. وهذا التمثل هو علمه بها، وتذكرها أو ذكره بها.
وتقدم٢ أن المثل الأعلى العلمي الاعتقادي شامل لما يقوم في قلب المؤمن من حقائق التوحيد: من معرفة الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية. وسائر صفات الكمال وما ينتج عن ذلك من أعمال القلوب كالمحبة ونحوها.
ولذلك فأهل العلم والإيمان يجدون لقراءة القرآن وسماعه ومدارسته
стр. 1028
حلاوة خاصة، حيث يتلذذون بسماع كلام محبوبهم الرحمن الرحيم، وذكر أسمائه وصفاته، وما أعده لعباده وأوليائه، من الكرامة في الدنيا والآخرة، وغير ذلك مما ينير لهم الطريق، ويبين لهم الحكم.
فيكسبهم سماع القرآن حالاً عجيباً، بينه الله تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَآءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١.
في هذه الآية وصف الله عباده المؤمنين حقاً بصفتين:
الأولى: في قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ .
"لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف"٢.
ومن ذلك سماعهم لأسماء الله التي تبعث في القلب الخوف والخشية كالجبار، والقهار، والعزيز، ونحوها.
الثانية: في قوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
стр. 1029
أي يذهب انقباض جلودهم وقلوبهم وتسكن وتطمئن عند سماع ما يذكره الله من ثوابه ورحمته وجنته١. ومن ذلك سماعهم لأسماء الله التي تبعث في القلب المحبة والرجاء، كالكريم، والمؤمن، والرحيم.. ونحوها.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في المراد بقوله ﴿مَثَانِيَ﴾ : "أي: تثنى فيه القصص والحكايات، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء الله وصفاته.
وهذه من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب بمنزلة الماء لسقي الأشجار"٢.
وقد بيّن الإمام ابن كثير ﵀ الفرق بين سماع عباد الله المتقين والأبرار وبين غيرهم من اللاهين والفجار، فقال: "فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:
(أحدها) : أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.
(الثاني) : أنهم إذا تليتْ عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً
стр. 1030
بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم ...
(الثالث) : أنهم يلزمون الأدب عند سماعهم كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ ، تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله لم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة"١.
ومما تقدم تبين الأثر العظيم لكتاب الله تعالى في إثارة الخوف والمحبة والرجاء لله تعالى في قلوب المؤمنين، وإقبال المؤمنين على كتاب الله يستمدون به من الله تلك الآثار المباركة وغيرها من الهدايات.
وهذه الفائدة تبين خطأ وضلال من ينتسب إلى الزهد والعبادة والذكر من جهال المتصوفة الذين لبّس عليهم الشيطان فأوهمهم أن أفضل مايحرك محبة الله في القلوب هو سماع وإنشاد القصائد الغزلية، التي يناجي فيها الشاعر محبوبته ويتغنى بجمالها وأوصافها.
ولم يزل بهم حتى أضافوا إليها الدفوف والمزامير والأصوات المطربة.
وتمادى ببعضهم الغي حتى فضل السماع بهذه الطريقة في إثارة كامن الحب لله تعالى على القرآن الكريم، وحشد الدلائل على ذلك،
стр. 1031
وزخرف الشبهات١.
وبذلك نفقت سوق الأشعار والغناء بين مُدّعي العبادة والزهد، وأقبلوا عليها يحفظونها ويتقربون إلى الله بها بزعمهم، وصُرفوا بها عن السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك من جهلهم بالله العظيم.
فلو قام المثل الأعلى الاعتقادي في قلوبهم، لما ارتاحت نفوسهم ولا أنست قلوبهم إلا للمثل الأعلى العلمي المبين في الكتاب والسنة. الذي يحدثهم عن ربهم ومعبودهم الحق، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظيمة، وسننه المباركة. ولوجدوا لذلك أعلى مراتب الأنس والبهجة واللذة. لذلك قال الله تعالى في ختام الآية: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَآءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٢.
الفائدة السادسة: أن ربوبية الله تعالى، وأفعاله المشاهدة في الكون هي أكبر دليل على تفرد الله بالمثل الأعلى، وأنه الإله الحق المستحق وحده للعبادة.
ومأخذ هذه الفائدة من دلالة السياق في السورتين اللتين ورد فيهما ذكر المثل الأعلى. وهما سورة "النحل"، وسورة "الروم".
فقد تقدم في تلخيص ما دل عليه سياق سورة "النحل" أنه تضمن
стр. 1032
"بيان دلائل الحق على تفرد الله بالمثل الأعلى، وأنه إله واحد لا شريك له في ألوهيته أو ربوبيته وصفاته، وذلك بالإكثار من ذكر أسمائه وصفاته، وأفعاله، ومظاهر ربوبيته"١.
وورد في تلخيص ما دلّ عليه السياق في القسم الأول من سورة "الروم" أنه ركز "على ذكر الدلائل العقلية على إمكان البعث وكان محور الاستدلال على ذلك هي مظاهر ربوبية الله، وآثار أفعاله التي يشاهدها الناس، وذكر أهم خصائص الربوبية من تفرد الله بالملك، والأمر الكوني، والخلق والتدبير التي توجب لمن تأملها القطع بقدرة الله العظيمة على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء، ومن ذلك البعث بعد الموت".٢
وتقدم أن السياق في القسم الثاني من سورة "الروم" ذكر فيه بعض الأدلة العقلية على تفرد الله بالربوبية مما يوجب إفراده بالألوهية والتعبد.
والاستدلال بتفرد الله بالربوبية على تفرده بالألوهية، هو ما يعبر عنه أهل العلم بقولهم: الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية.
بل إن ما يشاهد من آثار ربوبية الله يستلزم إفراده سبحانه بالألوهية وسائر أوصاف الكمال، لما تدل عليه أفعاله وما يشاهد من آثارها من قوة الله وعظمته وجماله وجلاله، وغيرها من مدلولات أسمائه الحسنى
стр. 1033
تبارك وتعالى.
وهذا معنى عزيز، ورد كثيراً في القرآن الكريم، ومن أجمع ما ورد لعناصر هذا الدليل، تلك الآيات المباركة من سورة "النمل" حيث قال تعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
فكل آية من هذه الآيات تتضمن دليلاً عقلياً على تفرد الله تعالى
стр. 1034
بالألوهية، وبطلان ألوهية ما سواه. وهذه الأدلة من جنس واحد، وتتشابه في الأمور الآتية:
١- الأسلوب القائم على الاستفهام الإنكاري، الذي يدل على نفي التسوية بين من يملك الربوبية، ومن لا يملك منها شيئاً.
٢- استناد الحجة في كل آية إلى مظهر من مظاهر ربوبية الله تعالى، وهو أساس الدليل.
٣- تقدير تمام الاستفهام فيها جميعاً بنحو: "كمن لا يقدر على شيء من ذلك؟ ".
ويكون تقدير المفهوم من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ الآية، كمن لا يَقْدِر على شيء من ذلك؟ وهكذا في الآيات بعدها.
٤- ختم الآية بما يدل على نتيجة الدليل في قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ وهو استفهام إنكاري آخر مبني على الاستفهام الأول في قوله: ﴿أَمَّنْ﴾ . يدل على عدم صحة التسوية بين الله وغيره في الألوهية، لعدم صحة التسوية بينه سبحانه وبينهم في الربوبية.
فاتصاف الإله المعبود بالربوبية هو الوصف المؤثر والأصل في تأله
стр. 1035
العبد - حيث إنه يتوجه بالعبودية والدعاء لمن يملك نفعه، ودفع الضر عنه، ونصره، وجلب الرزق له، وتحقيق الخير له في الدنيا والآخرة.
فالحكم بتفرد الله بالألوهية مناط بالوصف المؤثر وهو اعتقاده تفرد الله بالربوبية.
فإذا أقر العبد بالربوبية لله دون سواه، لزمه أن لا يتخذ له إلهاً يعبده سواه سبحانه.
وهذا المعنى هو الذي تتظافر هذه الأدلة لإثباته وإلزام المخاطبين بالقرآن من المشركين به.
قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ : "استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع تعالى يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره ...
وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة، من هو المتفرد بالخلق والرزق ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الله يُعبد، وقد تبيّن لكم ولكل ذي لب ... أنه الخالق الرازق؟
ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فَعَل هذا؟
وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: "ليس ثَمَّ أحد فعَل هذا معه، بل هو المتفرد به. فيقال: فكيف تعبدون معه غيره
стр. 1036
وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ﴾ ١ الآية.
وقوله تعالى ههنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ، (أمن) : في هذه الآيات كلها تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر، لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك"٢.
الفائدة السابعة: دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولى.
وتقدم البيان لمأخذ هذه الفائدة، وبعض ما يتعلق بها في المبحث الثالث من هذا الفصل٣.
الفائدة الثامنة: إبطال الشرك بالأدلة العقلية المتجلية بالأمثال المضروبة الجارية على قياس الأولى.
ومأخذ هذه الفائدة من الأمثال التي وردت في سياق الآيتين اللتين ورد فيهما ذكر المثل الأعلى. وتم بيان ما في تلك الأمثال من الأدلة على
стр. 1037
إبطال الشرك في المبحث الرابع من هذا الفصل١.
الفائدة التاسعة: إثبات البعث بعد الموت بالدلائل العقلية الجارية على قاعدة قياس الأولى.
ومأخذ هذه الفائدة القسم الأول من سورة "الروم" الذي ناقش قضية البعث بعد الموت. وقد بيّنتُ أنواع الأدلة على البعث التي وردت في السورة فيما سبق من الحديث عن دلالة ذلك السياق٢.
стр. 1038
الخاتمة
بعد هذه المسيرة الممتعة المباركة - إن شاء الله تعالى - لما تم بحثه من الأمثال، والآيات المتعلقة بها، والتي جرت دراستها - بحمد الله - في ثلاثة أبواب، أختم هذه الدراسة بذكر أهم النتائج التي أنجزت فيها، وتوصيات تتعلق بالأمثال.
أهم النتائج:
تحقق بهذا البحث - بفضل الله - نتائج كثيرة، من أهمها:
أولاً: رسم منهج واضح متكامل - إن شاء الله - لدراسة الأمثال القرآنية.
وقد بينت أهم معالمه في المقدمة.
ثانياً: اشتمل البحث على كثير من أقوال شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ في بيان الأمثال من جهتين:
الجهة الأولى: في بيان طبيعة الأمثال باعتبارها أسلوباً متميزاً من أساليب اللغة، وبيان ما تدل عليه من القياس، وأنواعه، وكثير من أحكامه.
الجهة الثانية: جهوده في بيان أمثال القرآن، وخاصة منها الأمثال الجارية على قياس الأَوْلى.
وهذه الجهود في كلا الاتجاهين متميزة ونادرة، ولها إسهامها الهام في إيضاح الأمثال القرآنية، وبيان عظمتها، ودلائلها العميقة على الحجج
стр. 1039
والعبر.
ولم تلق أقوال شيخ الإسلام عناية من الباحثين في الأمثال قديماً وحديثاً، إلا ما كان من الإمام ابن القيم ﵀ في كلامه على الأمثال - الَّذِي أشرت إليه في المقدمة - من ذكر بعض أقواله، وذلك لا يساوي شيئا أمام ما تزخر به كتب الإمام ابن تيمية ﵀ من فوائد حول الأمثال. وهذه ميزة هامة لهذا البحث.
ثالثاً: وضع مقدمة للتعريف بالأمثال، وأهم معالمها.
وخلصتُ من ذلك إلى النتائج التالية:
أ - أن لفظ "مثَل" يدل على أربعة معان رئيسية هي:
١- المثَل بمعنى القول السائر.
٢- المثَل بمعنى وصف الشيء، أو الجامع لأوصاف الشيء وحقائقه.
٣- المثَل بمعنى المِثل وهو النظير.
٤- المثَل بمعنى المِثال أو الأنموذج من ذي أفراد متعددة.
وقد أوردت لكل نوع ما تيسر من الشواهد له من اللغة والقرآن الكريم والسنة المطهرة.
ب- بيان أهم المقومات التي يشتمل عليها المثل القرآني وهي أمران:
١- اشتماله على القياس: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القياس التمثيلي، وقياس الشمول، وقياس الأولى.
стр. 1040
وتم بيان طبيعة كل قسم، وشواهده من الأمثال القرآنية.
٢- اشتماله على الحكمة: وذلك لتضمن الأمثال القرآنية المعاني الحسنة، والبراهين الواضحة، مما يعين على التدبر والتفكر والتذكر الذي يؤدي إلى معرفة الحق وقبوله.
جـ- بيان أهمية الأمثال القرآنية: وتجلت أهمية الأمثال في عدة أمور، أهمها:
١- أسلوبها القائم على القياس التمثيلي أو الشمولي المتميز في الإقناع، وسرعة التفهيم، وإزالة الإشكال وإبراز الحجج والمواعظ وتقريبها إلى ذهن السامع.
٢- إشادة القرآن بأمثاله. ودل على ذلك عدة أمور.
- منها: الإشارة إليها بـ "تلك" التي تدل على عظم شأنها وبالغ أثرها.
- ومنها: الإشارة إلى أنها ضُربت للناس، مما يدل على حاجتهم إليها وكونها من الطرق الموضحة للعلوم والمبينة للحجج الهادية إلى الحق.
- ومنها: وصفها بأنها ﴿مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ لكونها تُضرب للأمور الكبار والمطالب العالية والمسائل الجليلة.
- ومنها: تعليل ضربها برجاء تفكر الناس فيها وتدبرهم لها واعتبارهم بها، مما يدل على خاصيتها في تسهيل ذلك عليهم وتقريبه لهم.
٣ - أن السر في تلك الأهمية للأمثال القرآنية هو كونها من
стр. 1041
موازين الحق التي أنزلها الله في كتابه ونبه بها عقول عباده إلى الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلات في الأحكام والأوصاف والتفريق بين المختلفات وذلك عن طريق الصيغ التي جاءت بها الأمثال القرآنية من صيغ قياس الشمول، أو صيغ قياس التمثيل، أو قياس الأَوْلى.
٤- أن الأمثال التي يضربها الله للناس هي من تمام حجة الله على خلقه، حيث ضرب الله الأمثال لجميع الأمم السابقة، وفصّلها في خاتم كتبه القرآن الكريم، وضربها النبي ﷺ لأمته، فكمل بذلك البيان، واستنار الطريق، وتمت حجة الله على عباده.
د- بيان أهم الأغراض التي تُضرب لها أمثال القرآن الكريم وتبين أن الأمثال القرآنية ضُربت لأغراض متعددة من أهمها: ١- بيان الممثل له وتقريب صورته إلى ذهن المخاطبين.
٢- إقامة الدليل القاطع والبرهان الساطع على القضية المرادة.
٣- الإقناع بحسن الأمر الممثل له بإبراز محاسنه ومزاياه، أو الإقناع بقبحه وفساده، بإبراز مساويه وخزاياه.
٤- الدلالة على كثير من الحِكَم والفوائد العلمية.
٥- التربية بإبراز النماذج الخيِّرة الصالحة، وبيان أعمالهم وأحوالهم وما آل إليه مصيرهم في الدنيا، وما سيصيرون إليه في
стр. 1042
الآخرة، لتكون قدوة يُرغَّب ويُحثُّ على الإقتداء بهم، وإبراز النماذج الشريرة الضالة، وتجلية صفاتهم وأعمالهم وكيف كانت عاقبتهم، ليُحذر منهم ومن طريقهم.
٦- أن أمثال القرآن تُعين على تعبير الرؤيا، وكل ما كان الإنسان بها أعرف كان على تعبير الرؤيا أقدر.
كما تبين أن الأمثال القرآنية بهذه الأغراض المتعددة والهامة أصبحت من أسباب الهداية الهامة.
رابعاً: وضع مقدمة للتعريف بالإيمان.
وخلصتُ من ذلك إلى النتائج التالية:
أ- تعريف الإيمان في اللغة، وتبين أن تفسير الإيمان في اللغة بالتصديق المجرد لا يفي بمعناه، إذ لا بدّ أن يشتمل معنى الإيمان على الأمن الَّذِي اشتُق منه.
وتبين أن الأقرب تفسير الإيمان في اللغة بالإقرار الَّذِي يدل مع التصديق على عمل قلبي مناسب لما يؤمن به أو له، كالثقة والاطمئنان للمخبر، وقبول خبره، والإذعان له.... ونحوه.
ب- بيان تنوع المراد بلفظ الإيمان شرعا، وأدلة ذلك. وتلخص من ذلك أن لفظ الإيمان الشرعي يراد به ثلاثة معان، هي:
- الأول: أصل الإيمان، الركن الأول من أركان الإيمان القلبي، وهو أول الإيمان وابتداؤه، الَّذِي يدخل به العبد في الإسلام، ويعصم به دمه
стр. 1043
وماله، وهو شرط لصحة الأعمال وقبولها.
وتقدم من أدلته حديث جبريل ﵇ حيث فرق فيه بين الإيمان المسئول عنه - والإيمان بالله الوارد في الجواب، ودلت إجابة النبي ﷺ على أن الإيمان المسئول عنه هو كمال الإيمان القلبي، والإيمان بالله الوارد في الجواب هو أصله.
كما يدل عليه كل دليل جُعل فيه الإيمان شرطا لصحة الأعمال، فإن أقل ما يشترط لذلك هو انعقاد أصل الإيمان.
- الثاني: الإيمان القلبي، أو الإيمان بالغيب، المتضمن للإقرار بالأركان الستة، والمستلزم للإيمان المطلق الكامل.
وتقدم من أدلته حديث جبريل ﵇ حيث فسره النبي ﷺ بالأركان الستة الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
ومن أدلته - أيضا - كل دليل اقترن فيه لفظ الإيمان بلفظ الإسلام أو الأعمال الصالحة.
- الثالث: الإيمان المطلق الكامل، الَّذِي يشمل كل الدين.
وأدلة هذا المعنى كل دليل ورد فيه لفظ الإيمان مطلقا غير مقترن بلفظ الإسلام، أو الأعمال الصالحة، أو أي قيد آخر، والله أعلم.
جـ - تعريف أصل الإيمان واشتمل على معنى الشهادتين، والمراد بالكفر بالطاغوت. وخلاصة الأمور التي ينعقد بها أصل الإيمان هي:
стр. 1044
- الأول: النطق بالشهادتين.
- الثاني: معرفة المشهود لهما، ويتضمن:
١- الإقرار بأصل توحيد الأسماء والصفات، من أن الله واحد، فرد صمد لم يلد ولم يولد متصف بالكمال، ليس له كفؤ، وليس كمثله شيء.
٢- الإقرار بأصل توحيد الربوبية، من أن الله هو الرب الحق، المتفرد بالملك والخلق والتدبير للسموات والأرض ومن فيهن، لا شريك له في ذلك.
٣- الإقرار بأن محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ وأنه بشر ليس له شيء من الألوهية أو الربوبية، وأنه صادق في كل ما أخبر به، وأنه خاتم النبيين.
- الثالث: محبة المشهود لهما، ومحبة الدين.
- الرابع: اعتقاد ما دلتا عليه، ويتضمن:
١- أصل توحيد الألوهية، باعتقاد تفرد الله بالألوهية، واستحقاق العبادة.
٢- أصل الكفر بالطاغوت، بالحكم بالبطلان على كل من عُبد من دون الله، وعلى كل عبادة صُرفت لغير الله.
٣- اختصاص النبي ﷺ بالرسالة، وما يستلزمه ذلك من أن ما أرسل به هو الدين الحق، الخاتم، الناسخ لما قبله من شرائع الأنبياء، وأنه وحده
стр. 1045
الموصل إلى الله المقبول عنده.
- الخامس: قبول ما دلتا عليه، ويكون بما يلي:
١- العزم على عبادة الله وحده، والبراءة من الشرك وأهله.
٢- العزم على اتباع النبي ﷺ وحده، وعبادة الله بشريعته.
فإذا جاء بهذه الأمور دخل في الإسلام ظاهرا وباطنا ثم هو مطالب بالإيمان القلبي بالإقرار بالأركان الخمسة الأخرى، ثم تكميل إيمانه بالالتزام ببقية شعب الإيمان.
د ـ تعريف الإيمان القلبي.
وتبيين أن الإيمان القلبي يشتمل على ستة أركان هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى.
وأنه يزيد ويقوى بزيادة العلم بتفاصيل هذه الأمور، وقوة التصديق، وبمقدار حظه مما تستلزمه من أعمال القلوب.
هـ ـ تعريف الإيمان الكامل. وخلاصته:
أن الإيمان الكامل، الَّذِي يتولى الله أهلَه، ويوجب لهم الأمن من عقوباته في الدنيا والآخرة، يشمل جميع الطاعات القلبية، والقولية، والفعلية. وهذا المعنى هو المقصود بتعاريف علماء السلف للإيمان بأنه: قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
стр. 1046
وهو يشمل جميع شعب الإيمان ابتداء من أركان الإيمان القلبية الستة، وأركان الإسلام الخمسة، وجميع الواجبات والمستحبات، كما يشمل الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله، واجتناب الكبائر، وترك المحرمات والمكروهات.
وكلما زاد في الالتزام بشعب الإيمان علما وعملا، زاد إيمانه وتقواه، وترقى في كماله.
وأن الإيمان لا يتحقق إلا إذا التزم بأسس هامة تنحصر فيما يلي:
١- الإخلاص لله في كل عباداته.
٢- المتابعة للنبي ﷺ فيها، وترك البدع، والغلو، والمعاصي.
٣- العلم والبصيرة في الدين.
خامساً: دراسة مثل النور في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ....﴾ الآية.
وخلاصة النتائج المستفادة من ذلك هي:
أ- أن هذا المثل بين أصولا هامة تتعلق بحصول الإيمان في القلب وزيادته، وعلاقتها ببعضها، وهي:
١- فعل الله بالتوفيق للإيمان وقذفه في قلوب عباده الذين شاء هدايتهم، وعلاقة ذلك بالفطرة السليمة حيث شبه فعله سبحانه الذي يشرح به صدر من أراد هدايته للإسلام بإيقاد المصباح، والنور الحاصل من ذلك بنُور المصباح، والفتيلة الصالحة تقابلها
стр. 1047
الفطرة السوية.
٢- أثر العلم الواصل للقلب في بناء العقائد الإيمانية في القلب وفي زيادتها، وزيادة نُور القلب وبصيرته، حيث شبه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكيف أن زيادته وجودته تؤثر في قوة الإضاءة وصفائها، وكذلك نُور القلب يزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر، ويصفو بخلوصه من العلوم الدخيلة.
٣- أثر هذا النور المركب من نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وبصيرته وسلامة تعقله، وصلاح جميع أعماله حيث شبهت أعمال القلب واستنارتها بنُوره بالزجاجة التي تنعكس عليها الأشعة من المصباح فتتلألأ عليها فتنفذ من خلالها إلى الخارج، فتضيء الطريق لصاحب المصباح، فيمشي بذلك النور في الناس مشيا سديداً رشيداً.
٤- أن هذا المثل بين الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة المتعلق بمنهج التلقي حيث دل على أن العلوم والمعارف المتعلقة بالمطالب الدينية إنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وذلك بتشبيه العلم بما نزل من الوحي بالزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.
وبقوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ حيث أجمع المفسرون على أن أحد
стр. 1048
النورين هو نُور القرآن والعلم، وحيث بدأ السياق بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
وهذا كله يدل على أن نُور الله لا يكمل في القلب إلا إذا غُذِّي بالعلم بالكتاب والسنة.
ب- دل المثل على فوائد أخرى هامة منها:
١- إثبات " النور " اسما من أسماء الله وصفة من صفاته.
٢- دلالة المثل على أن للإيمان والعلم نُورا حقيقيا.
٣- دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.
٤- دل سياق المثل على أثر النور والبصيرة على أعمال المؤمنين حيث كشف لهم معالي الأمور، وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما هو دونها من أمور الدنيا، وذلك في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآيات.
٥- أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في بيان الطريق لتلقي الحق في المطالب اليقينية الدينية، كطريقة المتكلمين الذين زعموا أن الطريق لمعرفة ذلك إنما هي الدلائل العقلية، وليس أدلة الكتاب والسنة، وطريقة المتصوفة القائلين بأن الطريق لمعرفة الحق في كل المطالب إنما هو الكشف والفيض دون تعلم أو نظر
стр. 1049
عقلي، والاعتبار بالمثل يبطل هذه المزاعم الضالة.
سادساً: دراسة مثل السراب، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ....﴾ الآية.
وقد تبين من دراسة هذا المثل ما يلي:
أ- نوع المثل: يقوم هذا المثل على القياس التمثيلي، وهو تمثيل مركّب، شبه فيه الممثل له وهو: مصير أعمال الكفار، وما يتصل بها، وحال عملها، بمصير وحال اللاهث وراء السراب، وما يلابس هذه الحال، ويحيط بها، وما تستلزمه.
ب- الممثل به: سراب لاح لشخص في صحراء منبسطة، في رائعة النهار، والشمس كأشد ما تكون إضاءة وحرارة، وقد اشتد عطشه وقويت حاجته إلى الماء، فظن ذلك السراب ماء، فجرى نحوه، فلما وصل المكان الذي تراءى له فيه لم يجد ماء ولا شيئاً، ولم يُغنِ عنه سعيه، ولا ظنه في انقاذه من الهلكة، وباء بالخيبة، ولم يسلم من المؤاخذة.
جـ- الممثل له: بيان حال صنف من الكفار من حيث سبب ضلالهم، وحكم أعمالهم، وجزائهم عليها.
هؤلاء الكفار تميزوا بأنهم من المنتسبين إلى الإِسلام، ويدَّعون الإِيمان باللَّه، ويطلبونه ... إلا أنهم ضلوا بإعراضهم عن الإِيمان الحق الذي دل عليه كتاب اللَّه المحفوظ وسنة نبيه ﷺ الصحيحة، وطلبوا ذلك من
стр. 1050
مستنقعات الضلال، فهم يتعلمون ويعملون ولكن على غير هدى.
فدل المثل على حكم أعمالهم وأنها باطلة، والحكم عليهم بأن كلاً سوف يلاقي جزاءه المناسب لحاله وأعماله.
د- دل المثل على جملة فوائد من أهمها:
١- دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار.
٢- دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن.
٣- دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات.
٤- دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة.
٥- دلالة المثل على اختلاف دوافع وحساب الكفار الذين شُبهت أعمالهم بالسراب.
سابعا: دراسة مثل الظلمات، في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
وخلصتُ من ذلك بالنتائج التالية:
أ- أن المثل من النوع القائم على القياس التمثيلي المركّب، وذلك أن كلاً من الممثّل به والممثّل له عبارة عن صورة مركّبة من جملة أفراد
стр. 1051
تعطي في مجموعها الوصف المعتبر والحكم المشترك بين المشبه والمشبه به.
ب- أن صورة الممثل به هي: حال شخص كائن في مكان مظلم في قاع بحر عظيم مضطرب الموج، قد حُجب الضوء عنه بحجب كثيرة: من السحاب، والموج المتلاطم على سطح البحر، والموج الداخلي، فلا ينفذ من هذه الحجب شيء من الضوء إلى قاع البحر.
كما دل المثل على أن هذه الحجب هي ظلمات تسهم مجتمعة في انعكاس الضوء وتكسره ثم ارتداده، مما يجعله عند حد معين لا ينفذ منه شيء إلى أسفل، ويكون ما تحته مظلماً ظلمة تامة. كما دل المثل على أن ذلك المكان في قاع البحر مع ظلمته المطبقة مكان مفزع مخوف، بسبب الظلمة وتلاطم الأمواج وترددها من فوقه.
ودل المثل على أن حاصل حال الممثل به هو: عدم قدرة الكائن في ذلك المكان على إِبصار طريق خلاصه وفكاكه، وأن أي فعل يفعله فهو تخبط وضلال وعمى، وأنه بعيد جداً عن مصدر النور، ولا طريق له إليه مع وجود تلك الحجب، وذلك البعد السحيق.
جـ- أن الممثل له هو: حال قسم من الكفار، أحاطت بهم الظلمات من كل جانب، فقلوبهم مغمورة في بحر عميق واسع من الجهالة والكفر والضلالة والفساد، مظلمة ظلمة تامة، بعيدة جداً عن مصدر الهدى والنور الإِلهي، بسبب حجب حجبتها عنه، من أهمها: ظلمة الجهل الناتج عن التكذيب والإعراض عما أنزل اللَّه من الآيات البينات، وظلمة
стр. 1052
أعمالهم الكفرية الضالة القولية والفعلية، وظلمة ضُربت عليهم من اللَّه، حيث ختم على قلوبهم وأسماعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، جزاءً موافقاً لما تلبسوا به من الإعراض والكفر والضلال.
وأنهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ومتوقف بعضها على بعض، وذلك أن ظلمة القلوب وعماها انعكس على أعمالهم فأظلمها. وظلمة الأعمال حجبت عن قلوبهم أنوار الهداية. والختم والطبع الذي حصل لهم إنما هو بسبب إِعراضهم وتماديهم في الغي والكفر.
وأنهم مع ما هم فيه من الظلمات والضلال والغي والعمى، في خوف وفزع واضطراب وحيرة.
وأنهم لن يهتدوا أبداً ما دام حجاب اللَّه مضروباً عليهم، وطبعه وختمه مستمراً على قلوبهم، حيث حجب به عنهم نوره وهداه، وليس عندهم إلا الظلمات والعمى. فأنى لهم الفكاك مما هم فيه؟ ومن أين لهم نور يهتدون به؟
﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
د- دل المثل على فوائد من أهمها:
١- أن الكفار يتقلبون في الظلمات الحالكة لا ينفكون منها.
٢- دلالة المثل على سبب ضلال هذا النوع من الكفار.
٣- دلالة المثل على فعل الله في إضلال الكفار، وختمه
стр. 1053
على القلوب والأسماع.
٤- دلالة المثل على أن الكفار في حيرة وقلق وخوف دائم.
٥- إفادة المثل حقائق علمية ومعجزة نبوية.
ثامنا: بيان المراد بالنهي عن ضرب الأمثال لله تعالى في قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ .
وخلصتُ من ذلك إلى النتائج التالية:
أ- أن الأمثال المنهي عن ضربها لله تعالى تشمل: اتخاذ الشركاء والأنداد، واعتقاد مماثلة أحد من الخلق لله في ذاته وأسمائه وصفاته، أو ألوهيته واستحقاق العبادة، أو ربوبيته وأفعاله.
كما يشمل النهيُ الأمثال القولية الفاسدة التي يضربها لله المشركون الجاهلون بالله ومَن في حكمهم في الجهل.
وتبيّن أن الأمثال القولية المضروبة لله، منها ما هو ممنوع ومنها ما هو مشروع. فالممنوعة: هي الأمثال التي يضربها لله المشركون أو غيرهم من الجاهلين لمعارضة دين الله وتوحيده، أو لتصحيح الشرك، أو المتضمنة للتسوية بين الله وبين أحد من الخلق. ويدخل في ذلك الأمثال التمثيلية، والأمثال الشمولية.
والمشروع منها: التي تصدر عن العالِمين بالله، ولا تتضمن التسوية بين الله وخلقه، أو معارضة الدين، وإنما تؤيد ما أثبت الله لنفسه من الصفات، وتنفي عنه ما لا يليق به من النقص والعيب؛ وتكون جارية
стр. 1054
على قياس الأولى.
ب- دلالة قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ على فوائد، من أهمها:
١- النهي عن الشرك في عبادة الله.
٢- النهي عن اتخاذ الأمثال لله، باعتقاد أن لله مماثلا في ذاته أو أسمائه وصفاته.
٣- النهي عن ضرب الأمثال القولية القياسية الفاسدة لله تعالى.
تاسعاً: دراسة الآيات الدالة على ثبوت المثل الأعلى لله تعالى.
وخلاصة النتائج المستفادة من ذلك هي:
أ - أن الدلائل المختلفة - المتحصلة من دلالة السياق، والمعنى اللغوي للفظ "مثل"، ووصف المثل بالأعلى، وأقوال أهل العلم - تدل على أن "المثل الأعلى" الثابت لله تعالى يفسر بأكثر من معنى صحيح.
وهذه المعاني منها معنى هو الأساس والأصل، وهو ثبوت المثل الأعلى الحقيقي لله تعالى وقيامه بذاته المقدسة كما تقدم بيانه، والمعاني الأخرى دالة عليه أو نتيجة له، فهي توصف بأنها الأعلى باعتبار موافقتها له ودلالتها عليه. فليست معان متضادة، وإنما يطلق "المثل الأعْلَى" على كل منها باعتبار صحيح.
وهذه المعاني الصحيحة هي:
стр. 1055
- الأول: المثَلُ الأعْلَى الحقيقي القائم بذات الله تعالى.
وهو: تفرد الله تعالى بالألوهية والربوبية، وخصائصهما من جميع صفات الكمال. وأن الوصف الأكمل من كل كمال مطلق ثابت لله تعالى وحده حقيقة على ما يليق به سبحانه.
- الثاني: المثَلُ الأعْلَى لله تعالى العلمي الخبري.
وهو: وجود صفات الله تعالى العلمي، الَّذِي هو الخبر عنها وذكرها في نصوص الكتاب والسنة، حيث تضمنت النصوص بيان تفرد الله تعالى بالألوهية، والربوبية، وفصلتْ التعريف بأسمائه وأفعاله وصفاته.
كما اشتملت على البراهين والأمثال المضروبة للاستدلال على ذلك.
الثالث: المثل الأعلى العلمي الاعتقادي القائم في قلوب المؤمنين لله رب العالمين.
وهو توحيد الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية وأن له الأسماء الحسنى، وله من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه، وما ينتج عن ذلك من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وعبادته وذكره.
كما تبين أن الله متفرد بالمثل الأعلى في سائر المعاني التي يفسر بها، والدلائل على ذلك.
ب- بيان معنى قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ، وخلاصته: