← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مثلاً.. كان سبحانه أحق بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات، فهو أحق بالغنى عن المحل من كل قائم بنفسه"١. مثال القياس الأولى التمثيلي: قال ابن تيمية ﵀: "وكذلك إذا قيس قياس تمثيل فكل كمال يستحق موجود من جهة وجوده، فالموجود الواجب أحق به، وكل نقص ينزَّه عنه موجود لكمال وجوده، فالموجود الواجب أحق بتنزيهه عنه. وهو أحق بانتفاء أحكام العدم وأنواعه وأشباهه وملزوماته عنه من كل موجود"٢. ثم أجرى قياس الأولى - لتعليل تعذر الرؤية - بهذا الطريق فقال: "وإذا كان تعذر الرؤية أحياناً قد يكون لضعف الأبصار، وكان في الموجودات القائمة بنفسها، ما تتعذر أحياناً رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا، كان ضعفها عن رؤيته أولى وأولى"٣. وقد تميز هذا القياس عن الأقيسة الشمولية أو التمثيلية المعتادة بالطريقة التي يتم بها إثبات الحكم للممثل له، والتي تكون بطريق الأولى.

стр. 107

فإذا كان استحقاق الحكم في القياس الشمولي يكون لدخول الفرع ضمن أفراد الحكم العام، وإذا كان استحقاق الحكم في القياس التمثيلي يكون لاشتراك الفرع مع الأصل (النظير) في العلة الجامعة، فإِن استحقاق الحكم في قياس الأولى يكون لكون الممثَّل له أحق من الممثَّل به بالفضل والكمال وأولى، أو تنزهه عن الأذى والنقص، لكونه أسمى منه وأعلى. أركان القياس: المثل القياسي يراد منه توضيح حكم أو وصف لأمر خفي بقياسه على مشابه له جلي. فلا بد في كل مثل قياسي من قضيتين وحكمين: قضية كبرى هي الأصل الذي يراد تعميم حكمه وتعديته إلى القضية الأخرى. ويشترط في هذه القضية أو الأصل أن تكون جلية واضحة للمخاطب. القضية الثانية: هي الفرع الذي يراد إلحاقه بالأصل بعد تحقق مناط الاعتبار فيها من مشابهة الأصل في العلة المؤثرة في الحكم، أو دخوله ضمن أفراد الحكم العام. والحكمان هما: حكم الأصل المعلوم، وحكم الفرع المستفاد من ضرب المثل.

стр. 108

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه الأمثال تارة تكون صفات، وتارة تكون أقيسة، فإذا كانت أقيسة فلا بد فيها من خبرين هما قضيتان وحكمان ... فضرب المثل الذي هو القياس لا بد أن يشتمل على خبر عام وقضية كلية، وذلك هو المثل الثابت في العقل الذي تقاس به الأعيان المقصود حكمها، فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار"١. وعلى هذا، فعند دراسة الأمثال القياسية فلا بد من معرفة القضية الكلية التي يمكن تعميم حكمها، ومعرفة حكمها الذي يجب أن يكون معلوماً مقرراً عند المخاطَب بالمثل، ومعرفة القضية الأخرى الخفية، وبذلك يسهل تدبر المثل والاعتبار به وتحصيل النتيجة المقصودة. وفي الأمثال التشبيهية القائمة على القياس التمثيلي، فإِن المثل يشتمل على القضيتين الأصل والفرع وحكم الأصل، ويكون حكم الفرع هو النتيجة المقصودة كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ ٢. فالقضية الفرع: هي حال الذين كفروا مع الأنبياء والدعاة. والقضية الأصل: هي حال الأنعام مع رعاتها.

стр. 109

وحكم الأصل: هو سماع الصوت وعدم فقه مضمونه أو الاستجابة له، إلا ما يكون من استجابتها لدعائه وندائه حين يزجرها. وحكم الفرع: يستفاد من المثل ويكون بتسرية حكم الأصل إلى الفرع، ووصف الكافرين بحال الأنعام التي لا تفقه ما تخاطَب به ولا تستجيب له. أما في الأمثال الأنموذجية فإِنه قد تحذف إحدى القضيتين للعلم بها ولأن ذكرها لا يتناسب مع البيان الفصيح، كما لا تذكر النتيجة، وإنما تستنج بالتأمل والتفكر في المثل. قال ابن تيمية ﵀: "وبعض المواضع يذكر سبحانه الأصل المعتبر به ليستفاد حكم الفرع منه من غير تصريح بذكر الفرع، كقوله تعالى: ﴿أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ﴾ ١، فإِن هذا يحتاج إلى تفكر"٢. وقال أَيْضاً: "فلهذا كانت الأمثال المضروبة في القرآن تحذف منها القضية الجلية لأن في ذكرها تطويلاً وعيّاً، وكذلك ذكر النتيجة المقصودة

стр. 110

بعد ذكر المقدمتين يعد تطويلاً"١. والأمثال الأنموذجية وخاصة الكلية منها استشكل تسميتها أمثالاً وقياساً، وذلك لخلوها من أسلوب التشبيه وكثرة حذف إحدى القضيتن والنتيجة من تلك الأمثال، ولهذا كان هذا النوع يحتاج إلى تدبر وتفكر أكثر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " (النوع الثاني) : الأمثال الكلية، وهذه التي أشكل تسميتها أمثالاً، كما أشكل تسميتها قياساً، حتى اعترض بعضهم قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ ٢ فقال: أين المثل المضروب؟ وكذلك إذا سمعوا قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ ٣ يبقون حيارى لا يدرون ما هذه الأمثال"٤. خلاصة هذا المطلب: تبين مما تقدم أن أهم مقومات الأمثال القياسية من حيث الأسلوبُ

стр. 111

هو القياس، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القياس التمثيلي، وقياس الشمول، وقياس الأولى، وتبين طبيعة كل منها وشواهده، وأن الأمثال القرآنية جاءت بكل هذه الأنواع.

стр. 112

المطلب الثاني: الحكمة الغالب في الأمثال أنها تضرب لتقريب التجارب والنتائج، وعواقب الأمور، والبراهين، وغيرها من الحكم إلى الأذهان، وإقناع المخاطب بها عن طريق مقايسة حال بحال. فالأمثال إذاً هي إطارات لفظية تقدم من خلالها الحكم، فهي تتضمن الحكمة، بل قد فسرت الحكمة - في بعض معانيها - بالأمثال. فقد ورد في المعجم الفلسفي في معرض بيان معاني الحكمة قولهم: "والحكمة: هي الكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، والجمع حِكَم كالأمثال وجوامع الكلم"١. المعاني اللغوية للحكمة: تطلق الحكمة في اللغة ويراد بها معان كثيرة، من أهمها: العلم والتفقه، والعدل، والكلام الموافق للحق، وصواب الأمر وسداده، ووضع الشيء في موضعه، وما يمنع من الجهل والقبيح. وتطلق على العلة: يقال: حكمة التشريع، وما الحكمة في ذلك. وتطلق أيضاً على الأمثال وجوامع الكلم.٢

стр. 113

وقد تطلق على أمور هي من السفه والباطل: كالفلسفة، وعلم الكلام، والشعبذة١ والسحر ونحوها، قال صاحب كتاب٢ "زهر الأكم في الأمثال والحكم": "وإلا فقد يظن ما ليس بحكمة حكمة؛ إذ قد يعد من الحكمة ما دل على إيثار العاجلة على الآجلة، أو اتباع الهوى، أو على العدوان والعلو في الأرض وسفك الدماء، وعلى [زعم] اكتساب النبوة برياضة النفوس وطول المجاهدة، وبلوغ كمال المعرفة وكمال النفس بذلك من غير تقييد بقانون الشرع، وعلى إيثار انقطاع الناس إلى اللَّه تعالى بالإعراض عن نبيهم وعدم الالتفات إليه أصلاً، توهماً أن ذلك هو اللائق بتوحيد الباري والتعبد له ونحو ذلك، فكل ذلك وما أشبهه هوس باطل ليس من الحكمة في ورد ولا صدر، فإِن الحكمة مرجعها الإِصابة ... . ومن هذا النمط ما دونه حكماء٣ الفلاسفة في العلم الإلهي من فنون الفلسفة من الهوس والأباطيل، والاعتقادات

стр. 114

الزائغة والحجج الواهية، وكذا ما لنظرائهم من الطبيعيين وأشباههم من فرق المعتزلة١ وطوائف المبتدعة٢ الضالين

стр. 115

المضلين"١. المعنى الاصطلاحي للحكمة: اختلفت عبارات السلف الصالح في المراد بالحكمة التي علَّمها النبي صلى الله عليه سلم أُمته، والمشار إليها في نحو قوله تعالى: ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٢. والحكمة التي يؤتيها اللَّه عباده، والمشار إليها بقوله تعالى: ﴿يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ٣. وأقوال السلف في معنى (الحكمة) تنحصر فيما يأتي٤: ١ - القرآن والفقه به. ٢ - السنة. ٣ - المعرفة بالدين والفقه فيه. ٤ - النبوة.

стр. 116

١ - الإصابة في القول والفعل. ٢ - الخشية. ٣ - شيء يجعله اللَّه في القلب ينور له به. وقد رجح ابن جرير ﵀ أن معنى الحكمة هو: الإصابة في القول والفعل لما دل عليه الكتاب والسنة، حيث قال: "والصواب من القول عندنا في (الحكمة) أنها العلم بأحكام اللَّه التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه سلم، وما دل عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من (الحكم) الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل.. يقال منه: (إن فلاناً لحكم بَيِّن الحكمة) يعني به: إنه ليبين الإصابة في القول والفعل"١. وذكر في موضع آخر أن ما رجحه في معنى الحكمة - وهو الإصابة في القول والفعل لما دل عليه الكتاب والسنة - ينتظم تلك المعاني حيث قال: "وإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك، داخلاً فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره مفهماً خاشياً للَّه فقيهاً

стр. 117

عالماً، وكانت النبوة من أقسامه، لأن الأنبياء مسددون مُفَهَّمون، وموفقون لإصابة الصواب في الأمور. (والنبوة) بعض معاني (الحكمة") ١. وقال الإمام النووي٢ ﵀ مبيناً ذلك: "وأما الحكمة ففيها أقوال كثيرة ... وقد صفا لنا منها أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالإحكام المشتمل على المعرفة باللَّه ﵎، المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل. والحكيم مَنْ له ذلك"٣. فحقيقة الحكمة وكمالها: هي معرفة الحق والصواب في المعتقدات والأقوال والعبادات والأخلاق والمعاملات، وسائر الأعمال والأحوال، والعمل بموجب ذلك، ومعرفة أضدادها والإِحجام عنها، ويصحب ذلك صدق الفراسة ونفاذ

стр. 118

البصيرة في الأمور وعواقبها. وطريق تحصيلها: هو العلم بالكتاب والسنة، ومعرفة سير الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين الصادقين، والاطلاع على تجاربهم ومواقفهم، لتكون مثالاً يُحتذى، والاعتبار بقصص الضالين والظالمين والمفسدين وما آلوا إليه من العواقب السيئة ليكونوا أمثلة سوء تُجتنب. الحكمة في الأمثال القرآنية: الأمثال القرآنية جزء من آيات القرآن الحكيم، واللَّه سبحانه قد وصف كتابه بأنه حكيم في نحو قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ١. وقوله: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ٢. وحول وصف القرآن بأنه "حكيم" قال الراغب الأصفهاني: "وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة ... وقيل معنى الحكيم المحكم نحو: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ٣، وكلاهما صحيح، فإِنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعاً"٤.

стр. 119

فالقرآن "حكيم" لأنه محكم متقن، ولأنه مشتمل على الحكمة يدل عليها، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي١ ﵀ في تفسير قول اللَّه تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ : "من حكم، وهو يأتي بمعنى منع، وأتقن، وكلاهما مراد هنا، لأن القرآن الكريم أحكم بمعنى منع الخلل والفساد أن يأتياه، وهو متقن في أخباره لا يدخلها كذب، وفي أحكامه العادلة لا يعتريها ظلم"٢. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي٣ ﵀ في تفسير قوله

стр. 120

تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ : "هذا قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالقرآن الحكيم الذي وصفُه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه: وضع الأمر والنهي في المحل اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة، ومن حكمة هذا القرآن أنه يجمع بين ذكر الحكْم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها"١. فكلام الشيخ الشنقيطي ﵀ يبين المعنى الأول، وهو: أن القرآن حكيم بمعنى محكم، وكلام الشيخ السعدي ﵀ يبين المعنى الثاني، وهو: أن القرآن حكيم، بمعنى أنه يتضمن الحكمة، ويدل عليها، ويعلمها. فالأمثال القرآنية إذاً يصدق فيها هذان الوصفان حيث إنها جزءٌ من القرآن.

стр. 121

فهي محكمة في ألفاظها ومعانيها، قاطعة في براهينها، متقنة القياس. وهي تهدي إلى الحكمة، حيث تضرب لبيان الحق في العقائد، والأخلاق، والمعاملات والأحوال ونحوها، ومن تفكر في الأمثال القرآنية وتدبرها وفقهها وعمل بما دلت عليه فقد أوتي حظاً عظيماً من الحكمة. وخلاصة القول: أن الأمثال القرآنية أمثال حكيمة تتضمن المعانيَ الحسنة والبراهين الواضحة. والتدبر والتفكر والتذكر والتعقل المندوب إليه في الأمثال القرآنية إنما يكون باستخلاص وفِقْهِ ما تتضمنه من الحكم والعمل بموجبها. وهذا البحث - إن شاء اللَّه- يسهم في هذا الجانب، حيث يقرب فهم ما تتضمنه الأمثال من الحِكَم؛ ليسهل فهمها والعمل بها - واللَّه المستعان -.

стр. 122

المبحث الثالث: أهمية الأمثال القرآنية وأغراضها . المطلب الأول: في بيان أهمية أمثال القرآن ... المبحث الثالث: أهمية الأمثال القرآنية وأغراضها. إن الكلام على أهمية الأمثال وأغراضها متداخل، وذلك أن أهمية الشيء تتوقف على الأغراض التي يؤديها. وسوف يجري الكلام على هذا المبحث من جانبين: الجانب الأول: ما ورد من الإشادة بالأمثال عامة، وأمثال القرآن خاصة. والجانب الثاني: الأغراض التي ضربت لها أمثال القرآن. وسأُفْرِدُ لكل منهما مطلباً مستقلاً.

стр. 123

المطلب الأول: في بيان أهمية أمثال القرآن: لقد اعتنى العلماء والأدباء والبلاغيون بالأمثال والتشبيه، وأكثروا من الثناء عليها والإِشادة بأثرها في إِيضاح المعاني وتقريبها من ذهن السامع، مما يؤدي إلى سرعة الفهم، ويعين على التفكر والاعتبار، إلا أن الملاحظ أن جُلَّ أقوالهم تدور حول "الأمثال السائرة" ولعل من أجمع ما قيل في الثناء عليها ما رُوي عن إبراهيم النظام١: "يجتمع في الأمثال أربعة لا تجتمع في غيرها من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية"٢. وتشترك الأمثال القياسية - التمثيلية، والأنموذجية - في هذه المميزات التي ذكرها النظام إلا في قوله: "إيجاز اللفظ" فلا يلزم في الأمثال التشبيهية أو الأنموذجية أن يكون المثل موجزاً في لفظه وإن كان المثل التشبيهي أقرب إلى الإِيجاز من المثل الأنموذجي الذي قد يكون عبارة عن

стр. 124

قصة كاملة كما في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ١. والذي يعنينا هنا هو بيان أهمية الأمثال القياسية التمثيلية أو الأنموذجية التي وردت كثيراً في القرآن الكريم، ويدور هذا البحث حول طائفة منها. قال الماوردي٢- ﵀: "وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة، فلذلك ضرب اللَّه الأمثال في كتابه العزيز، وجعلها من دلائل رسله، وأوضح بها الحجة على خلقه، لأنها في العقول معقولة، وفي القلوب مقبولة"٣.

стр. 125

وهذا الوصف للأمثال إنما ينطبق على أمثال القرآن الكريم، وصالح لنوعي المثل فيه، ما كان منها تشبيهياً أو أنموذجياً؛ أما أمثال الناس، فمنها ما يكون كما قال، ومنها ما يعتريه كلل أو علل. ومما ورد في بيان أهمية المثال التشبيهي قول بعضهم: "تشبيه التمثيل أبلغ من غيره، لما في وجهه من التفصيل الذي يحتاج إلى إمعان فكر، وتدقيق نظر، وهو أعظم أثراً في المعاني، يرفع قدرها، ويضاعف قواها في تحريك النفوس لها، فإِن كان مدحاً كان أوقع، أو ذماً كان أوجع، أو برهاناً كان أسطع، ومن ثم يحتاج إلى كد الذهن في فهمه"١. قوله: "يحتاج إلى كد الذهن في فهمه": هذا من خصائص الأمثال القياسية: التشبيهية والأنموذجية، فهي تحتاج إلى نظر واستنباط علمي، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٢. والمراد بقوله تعالى: "وما يعقلها": أي يتدبرها تدبراً يؤدي إلى الفهم عن اللَّه مراده، والانتفاع به في فهم حقائق الأشياء والعمل

стр. 126

بموجب ذلك. فأهل العلم الذين هم أولو الألباب هم الذين يتصفون بهذه الصفة، وهم واسطة التعليم وشهداء اللَّه على خلقه، وغيرهم إذا صفت سرائرهم وسلمت فطرهم، فإنهم بمجرد أن يبين لهم أهل العلم معنى هذه الأمثال، يسطع نورها في قلوبهم وتشرق لهم حجتها، ويسهل عليهم الانتفاع بها؛ أما من انحرفت فطرهم ولم يتجرد للحق قصدهم فَهُمْ وإن فهموها فإنهم لا يعقلونها ولا ينتفعون بها، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلََكِن تَعْمَىَ الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ﴾ ١. وهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ﴾ . ومثلها، قوله : ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾ ٢. تدل على أهمية الأمثال من عدة وجوه:

стр. 127

الوجه الأول: الإشارة إليها بـ ﴿تِلْكَ﴾ حيث عدل سبحانه عن الإشارة إلى المفرد الحاضر إلى الإشارة إلى الجمع الغائب لإرادة جنس الأمثال القرآنية، وذلك أن كِلْتا الآيتين جاءت بعد سوق مثل من أمثال الإيمان، فبدل أن يقول: وهذا المثل أو هذه الأمثال قال: ﴿تِلْكَ الأمْثَالُ﴾ وفي ذلك سر بلاغي، وهو: الإشارة إلى علو شأنها وبعدها عن غيرها من الكلام وتميزها وتفردها بالمعاني العظيمة والحكم البالغة، كيف لا وهي جزء من كلام اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا المعنى هو المعتبر - واللَّه أعلم - في قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ١ حيث عبر بـ "ذلك" بدل "هذا". قال الراغب الأصفهاني: "ويقال بإزاء "هذا" في المستبعد بالشخص أو المنزلة: (ذاك) أو (ذلك) قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢.

стр. 128

ومثله استخدام "تلك" بدل "هذه" لنفس الغرض. وقال بعض المفسرين مبيناً الحكمة من التعبير بـ "ذلك" بدل "هذا" في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ : "إشارة إلى معنَى عُلُوّ شأنه وبعده عن غيره من الكلام، وتميزه وتفرده بالمعاني العظيمة والحكم البالغة"١. الوجه الثاني: الذي يدل على أهمية الأمثال مستفاد من قوله تعالى: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ﴾ . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي مبيناً ذلك: "أي لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، لأنها تقرب الأمور المعقولة، بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس"٢. فاللَّه سبحانه ما ضرب الأمثال للناس في كتابه الحكيم بل في جميع كتبه إلا لما لها من الأثر البالغ في تفهيمهم وتعليمهم، فضربها سبحانه وصرفها رحمة بعباده ليتعلموا من ربهم ويفهموا عنه بمختلف أساليب البيان.

стр. 129

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ﴾ ١. قال الزركشي٢ ﵀ مبيناً أهمية المثل: "ومن حكمته تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان ... وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى، إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والشاهد بالغائب ... وقد أكثر تعالى في القرآن وفي سائر كتبه من الأمثال"٣. الوجه الثالث: في بيان أهمية الأمثال مستفاد من قوله: ﴿وَمَا يَعقِلهَا إِلا العَالمونَ﴾ فتخصيص أهل العلم بتعقلها يدل على علو قدرها، فأهل العلم هم أهلها الطالبون لها المدركون لأهميتها، والمتدبرون لها والمنتفعون بها، ومن جهة

стр. 130

أخرى فإِن من علمها واعتنى بها كان ذلك دليلاً على علمه وفقهه. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعقِلهَا إِلا العَالمونَ﴾ : "وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحث على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين، والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها اللَّه في القرآن إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم، يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء اللَّه بها، وحثه عباده على تعقلها، وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها، وأما من لم يعقلها مع أهميتها، فإِن ذلك، دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى، ولهذا، أكثر ما يضرب اللَّه الأمثال في أصول الدين ونحوها"١. وقد عدها الإمام الشافعي ﵀ مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن، فقال: "ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال، الدوال على طاعته، المثبتة لاجتناب معصيته، وترك الغفلة عن الحفظ، والازدياد من نوافل الفضل"٢.

стр. 131

الوجه الرابع: في الدلالة على أهمية الأمثال المستفاد من قوله: ﴿لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾ وقوله: ﴿لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ﴾ وذلك أنها بينت العلة التي من أجلها ضرب اللَّه الأمثال للناس وصرَّفها لهم في كتابه العزيز، وهي: رجاء تفكرهم، وتعقلهم لها ثم تذكرهم بمعرفة الحق الذي ضربت له والانتفاع به. فالأمثال تسهل للناس التفكر، والتعقل، والتذكر بما تشتمل عليه من مقايسة الأمور وإلحاق النظير بنظيره، والمساواة بين المتشابهات في الأحكام، وتوضح الغامض أو المجهول بالمعلوم المحسوس أو المعقول، وهذا هو الاعتبار المؤدي إلى استخلاص العبر والحكم مما ورد في الكتاب الكريم من الأمثال بمختلف أنواعها. قال صلى الله عليه سلم: "إن هذا القرآن ينزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حلال وحرام، وأمر وزجر، وضرب أمثال، ومحكم ومتشابه، فأحلَّ حلال اللَّه وحرّمْ حرامه، وافعلْ ما أمر اللَّه، وانتهِ عما نهى اللَّه عنه، واعتبرْ بأمثاله، واعملْ بمحكمه، وآمنْ بمتشابهه، وقل: ﴿كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ ١"٢.

стр. 132

قال ابن القيم ﵀: "وقد أخبر سبحانه أنه ضرب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها والاعتبار بها"١ وقال أيضاً: "فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول اللَّه صلى الله عليه سلم لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فإِنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره، فإِن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهوراً ووضوحاً، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته"٢.

стр. 133

وهذا الكلام من الإمام ابن القيم ﵀ يصور بجلاء تلك الخاصية الهامة للأمثال وهي كونها تسهل فهم المعنى المراد، وتعين على التفكر والتذكر والاعتبار. الأمثال والميزان العقلي الشرعي: الميزان العقلي الصحيح هو الحكم بالعدل، وهو يقوم على التسوية بين المتماثلات في الحكم والتفريق بين المختلفات. قال اللَّه تعالى: ﴿اللهُ الّذِيَ أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَالْمِيزَانَ﴾ ١. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: "فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق، والصدق، واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية، والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان فهو العدل، والاعتبار بالقياس الصحيح، والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الأفقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات، والعلل والأحكام، والحكم، داخلة في الميزان، الذي أنزله اللَّه تعالى، ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما أثبته، وما نفاه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به، وأخبرت به رسله"٢.

стр. 134

والأمثال القرآنية جزء من ذلك الميزان الذي أنزله اللَّه لعباده، لينبه بها عقولهم ويعرفوا بها التماثل والاختلاف، فيسووا بين المتماثلات ويفرقوا بين المختلفات. وهذه العلاقة بين الأمثال القرآنية والميزان هي من أعظم مزايا الأمثال القرآنية وأهمها، وهذا معنى دقيق جليل، نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولم أقف على من أشار إلى هذا المعنى ممن كتبوا في الأمثال، لذا سأنقل مقتطفات من كلامه ﵀ لتجلية هذه الفائدة. قال ﵀: "وقد اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات، وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجرداً عنه"١. وقال: "ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين علم أن هذا مثل هذا، فجعل حكمهما واحداً، كما إذا رأى الماء والماء، والتراب والتراب ... فهذا قياس الطرد، وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما، وهذا قياس العكس.

стр. 135

وما أمر اللَّه به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإِنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم، فيتقي تكذيب الرسل حذراً من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس. والاعتبار يكون بهذا وبهذا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ﴾ ١ وقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبْصَارِ﴾ ٢"٣. وقال: "والميزان فسره السلف بالعدل، وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان، وقد أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان، وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات.. فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر اللَّه به"٤.

стр. 136

وقال: "والميزان التي أنزلها اللَّه مع الكتاب ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله، وخلافه، فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين بما جعله اللَّه في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف. فإذا قيل: إن كان هذا مما يعرف بالعقل، فكيف جعله اللَّه مما أرسل به الرسل؟ قيل: لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإِن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية، فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر، بل الرسل صلوات اللَّه عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين اللَّه علماً وعملاً، وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها لما كانت الفطرة معرضة عنه، أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء، والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد، والقرآن والحديث مملوءان من هذا، يبين اللَّه الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ﴾ ١ الآية، وكقوله:

стр. 137

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ١ أي هذا حكم جائر لأن فيه تسوية بين المختلفين. ومن التسوية بين المتماثلين قوله: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ ٢". إلى أن قال: "والمقصود التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر اللَّه في كتابه، وليست هي مختصة بمنطق اليونان، بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل"٣. وخلاصة كلامه ﵀: أن الأمثال القرآنية - ما كان منها أمثالاً تمثيلية تشبيهية تقوم على قياس التمثيل أو كان أمثالاً أنموذجية تقوم على أساس قياس الشمول - هي موازين عقلية ضمنها اللَّه كتابه توزن بها القضايا التي قد يستشكلها بعض الناس، أو الحادثة التي يحصل الخلاف والنزاع والجدال حولها، فتأتي الأمثال القائمة على مقايسة تلك الأمور على ما يشابهها لإيضاح حكمها وإلحاقها بها، أو مقايستها على ما يخالفها لبيان بعدها عنها وإزالة الشُبَه التي أوهمت قربها منها.

стр. 138

والحق أن هذه الخاصية للأمثال هي سر أهميتها في مجال الإِيضاح والإِقناع وبيان الحجة. الأمثال من حجة الله على العباد: إن مما يدل على أهمية الأمثال التي يضربها الله للناس في كتبه وعلى ألسنة رسله - صلوات الله وسلامه عليهم - أن الله جعلها جزءاً من حجته البالغة، التي بلّغها الرسل لأقوامهم. وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ ١. وقال جل من قائل بعد أن ذكر تدميره لفرعون وقومه، وإغراقه قوم نوح، وإهلاكه عاداً وثمود وأصحاب الرس، وقرونا بين ذلك كثيرا، قَال: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ ٢. وبين سبحانه أنه ضمن القرآن الكريم أمثالا من الأمم السابقة،

стр. 139

وصرف فيه الأمثال للناس، لتكتمل جوانب البشارة والإنذار، وتبلغهم المواعظ والزواجر، وتتضح معالم الدين، وتستبين الطريق، وتتم الحجة. قَال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ١. وقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ٢. وثمرة العلم بهذه الأهمية للأمثال تكون بتظافر جهود أهل العلم بالعناية بالأمثال، بدراستها، وتدريسها، ونشرها بين الناس في مختلف الوسائل والمجالات المناسبة، ليستفيد الناس من هدايتها، وتمكينا لحجة الله على عباده. والله أعلم. خلاصة هذا المطلب: تبين مما تقدم - من أقوال أهل العلم واللغة في الإشادة بالأمثال - أهمية ضرب الأمثال بمختلف أنواعها في البيان والإيضاح، وأن الأمثال القياسية التشبيهية، أو الأنموذجية تتميز بدورها في إقامة الحجة، وتفهيم

стр. 140

المراد، وتقديم الموعظة، بأسلوب مقايسة النظير بنظيره، والشيء بمثاله، لذلك كان أكثر أمثال القرآن الكريم من هذين النوعين. كما تبين أن إشادة القرآن الكريم بأمثاله استنبطت من عدة مواضع، منها: الإشارة إليها بـ"تلك" التي تدل على عظم شأنها وبالغ أثرها. ومنها: الإشارة إلى أنها ضربت للناس، مما يدل على حاجتهم إليها وكونها من الطرق الموضحة للعلوم والمبينة للحجج، الهادية إلى الحق. ومنها: وصفها بأنها ﴿وَمَا يَعقِلهَا إِلا العَالمونَ﴾ لكونها تضرب للأمور الكبار والمطالب العالية، والمسائل الجليلة. ومنها: تعليل ضربها برجاء تفكر الناس فيها وتدبرهم لها واعتبارهم بها، مما يدل على خاصيتها في تسهيل ذلك عليهم وتقريبه لهم. وتبين أن السر في هذه الأهمية البالغة هو في كونها من موازين الحق التي أنزلها اللَّه في كتابه ونبه بها عقول عباده إلى الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلات في الأَحكام والأوصاف والتفريق بين المختلفات، وذلك عن طريق الصيغ التي جاءت بها الأمثال القرآنية من صيغ قياس الشمول، أو صيغ قياس التمثيل، أو قياس الأولى. وهي بذلك كله من تمام حجة الله على خلقه، حيث ضرب الله الأمثال لجميع الأمم السابقة، وفصلها في خاتم كتبه القرآن الكريم، وضربها النبي صلى الله عليه سلم لأمته، فكمل بذلك البيان، واستنار الطريق، وتمت حجة الله على عباده. والله أعلم.

стр. 141

المطلب الثاني: أغراض الأمثال القرآنية: إن المتكلم الفصيح الذي يلجأ إلى الأساليب غير المباشرة - ومنها الأمثال - في وصف وبيان ما يريد، إنما يفعل ذلك لحكمة وغرض معين. والأمثال القرآنية ضربت لأغراض سامية، وكل تلك الأغراض تدور حول غرض أساس، هو البيان والإِيضاح لمراد اللَّه ، والبلاغ لحقيقة دينه، وحقيقة ما يضاده، وكل ما يحتاج إليه البشر للتعرف على حق اللَّه وما يترتب على القيام به من كرامة اللَّه في الدنيا والآخرة، والتعرف على ضده وما يترتب على من سلكه من سخط اللَّه. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ ١. وغاية ذلك البيان هو الترغيب في الحق والحث على اعتناقه، والترهيب من الباطل والتنفير منه، والأمثال من رحمة اللَّه بعباده حيث يَسَّر بها وبغيرها من ضروب القول كلامه للتذكر والتدبر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ﴾ ٢.

стр. 142

وقد جمع الأغراض التي تضرب لأجلها أمثال القرآن الكريم الإمام بدر الدين الزركشي بقوله: "وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير وترتيب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس.. وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطال أمر، قال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ ١، فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد"٢. ويمكن حصر الأغراض التي تُضرب لها أمثال القرآن بما يلي: ١ - ضرب المثل لإِيضاح المراد وتقريبه للمخاطب. ٢ - إقامة الحجة والبرهان. ٣ - الإقناع بالترغيب في الحق وتحسينه، والترهيب من الباطل وبيان قبحه، والمدح والذم. ٤ - الدلالة على كثير من الحكم والفوائد العلمية. التربية بإبراز القدوة الحسنة والحث على الاقتداء بها والتنفير

стр. 143

١ - من ضدها. ٢ - أن أمثال القرآن أصول وقواعد لعلم تعبير الرؤيا. فهذه هي الأغراض الأساسية التي ضربت من أجلها الأمثال القرآنية، وقد يضرب المثل لأكثر من غرض، وسأقدم فيما يلي شرحاً موجزاً لكل غرض من هذه الأغراض: أولاً: ضرب المثل لإيضاح المراد وتقريبه للمخاطب. الممثَّل له قد يكون معنىً أو ذاتاً يجهلها المخاطَب، ويتعذر إحضارها إليه لمشاهدتها، وقد يكون في التعريف بها مباشرة بذكر أوصافها إطالة قد تؤدي إلى تشتيت ذهن المخاطَب، أو التباس الأمر عليه، فيحسن عند ذلك ضرب المثل له لتقريب المعاني الوجدانية، أو الأفكار، أو الذوات المحسوسة الغائبة إلى ذهن المخاطَب بمثال محسوس له إحساساً مادياً أو إحساساً وجدانياً. ومن أمثلة هذا النوع ضرب المثال لما يكون في الجنة من النعيم المادي المحسوس الذي ليس بمقدور المخاطَبين إدراكه بحواسهم فيقربه اللَّه بمثال محسوس لهم. قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ ١ ونحوها، ومن ذلك ضرب

стр. 144

المثل لتقريب تصور ما يكون في النار من العذاب كقوله تعالى: ﴿إِنّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ١ ونحوها. فاللؤلؤ، والقصر والجمالة الصفر هي موجودات مادية يحسها المخاطبون بحواسهم المادية. وقد يشبه لهم ما يراد تقريبه من الأمور الغيبية بأمر محسوس لهم إحساساً وجدانياً، حيث يستقر في أفهامهم وشعورهم قبح ذلك الشيء أو حسنه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنّهُ رُءُوسُ الشّيَاطِينِ﴾ ٢. حيث استقر في حس المخاطبين الوجداني قبح الشياطين وخبثها وشناعة منظرها. وقد يكون الممثَّل له سنة من سنن اللَّه الجارية، التي يعامل بها عباده، ليس بمقدور المخاطبين إدراكها بحواسهم، ولكن بمقدورهم إدراكها بعقولهم فيضرب المثل لتصوير تلك الأمور بأبلغ عبارة، وأوجز لفظ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَ نّمَا خَرّ مِنَ السّمَآءِ ... ﴾ ٣ الآية.

стр. 145

ومن ذلك مجمل حال المؤمن الموحد، ومجمل حال المشرك، قد لا يمكن المخاطب تصورها بحواسه، والمثل أعون شيء على إدراكها وتصورها بأيسر طريق وأوجزه. قال تعالى في حال المؤمن: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ ١ وقال في حال المشرك وحال الموحد: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. ومما تقدم يتضح أن من الأغراض التي ضُربت لها الأمثال القرآنية بيان الممثَّل له وتقريب صورته إلى ذهن المخاطب، وأكثر ما يضرب لذلك الأمثال التشبيهية. ثانياً: إقامة الحجة والبرهان. يحتاج دعاة الهدى إلى مجادلة المخالفين، لبيان الحق والإقناع به وبيان محاسنه، وكشف الباطل وبيان قبائحه.
следующие страницы →