← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المطلب الثاني: أغراض الأمثال القرآنية: إن المتكلم الفصيح الذي يلجأ إلى الأساليب غير المباشرة - ومنها الأمثال - في وصف وبيان ما يريد، إنما يفعل ذلك لحكمة وغرض معين. والأمثال القرآنية ضربت لأغراض سامية، وكل تلك الأغراض تدور حول غرض أساس، هو البيان والإِيضاح لمراد اللَّه ، والبلاغ لحقيقة دينه، وحقيقة ما يضاده، وكل ما يحتاج إليه البشر للتعرف على حق اللَّه وما يترتب على القيام به من كرامة اللَّه في الدنيا والآخرة، والتعرف على ضده وما يترتب على من سلكه من سخط اللَّه. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرّفْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ ١. وغاية ذلك البيان هو الترغيب في الحق والحث على اعتناقه، والترهيب من الباطل والتنفير منه، والأمثال من رحمة اللَّه بعباده حيث يَسَّر بها وبغيرها من ضروب القول كلامه للتذكر والتدبر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ﴾ ٢.

стр. 142

وقد جمع الأغراض التي تضرب لأجلها أمثال القرآن الكريم الإمام بدر الدين الزركشي بقوله: "وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير وترتيب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس.. وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطال أمر، قال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ ١، فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد"٢. ويمكن حصر الأغراض التي تُضرب لها أمثال القرآن بما يلي: ١ - ضرب المثل لإِيضاح المراد وتقريبه للمخاطب. ٢ - إقامة الحجة والبرهان. ٣ - الإقناع بالترغيب في الحق وتحسينه، والترهيب من الباطل وبيان قبحه، والمدح والذم. ٤ - الدلالة على كثير من الحكم والفوائد العلمية. التربية بإبراز القدوة الحسنة والحث على الاقتداء بها والتنفير

стр. 143

١ - من ضدها. ٢ - أن أمثال القرآن أصول وقواعد لعلم تعبير الرؤيا. فهذه هي الأغراض الأساسية التي ضربت من أجلها الأمثال القرآنية، وقد يضرب المثل لأكثر من غرض، وسأقدم فيما يلي شرحاً موجزاً لكل غرض من هذه الأغراض: أولاً: ضرب المثل لإيضاح المراد وتقريبه للمخاطب. الممثَّل له قد يكون معنىً أو ذاتاً يجهلها المخاطَب، ويتعذر إحضارها إليه لمشاهدتها، وقد يكون في التعريف بها مباشرة بذكر أوصافها إطالة قد تؤدي إلى تشتيت ذهن المخاطَب، أو التباس الأمر عليه، فيحسن عند ذلك ضرب المثل له لتقريب المعاني الوجدانية، أو الأفكار، أو الذوات المحسوسة الغائبة إلى ذهن المخاطَب بمثال محسوس له إحساساً مادياً أو إحساساً وجدانياً. ومن أمثلة هذا النوع ضرب المثال لما يكون في الجنة من النعيم المادي المحسوس الذي ليس بمقدور المخاطَبين إدراكه بحواسهم فيقربه اللَّه بمثال محسوس لهم. قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ ١ ونحوها، ومن ذلك ضرب

стр. 144

المثل لتقريب تصور ما يكون في النار من العذاب كقوله تعالى: ﴿إِنّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ١ ونحوها. فاللؤلؤ، والقصر والجمالة الصفر هي موجودات مادية يحسها المخاطبون بحواسهم المادية. وقد يشبه لهم ما يراد تقريبه من الأمور الغيبية بأمر محسوس لهم إحساساً وجدانياً، حيث يستقر في أفهامهم وشعورهم قبح ذلك الشيء أو حسنه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنّهُ رُءُوسُ الشّيَاطِينِ﴾ ٢. حيث استقر في حس المخاطبين الوجداني قبح الشياطين وخبثها وشناعة منظرها. وقد يكون الممثَّل له سنة من سنن اللَّه الجارية، التي يعامل بها عباده، ليس بمقدور المخاطبين إدراكها بحواسهم، ولكن بمقدورهم إدراكها بعقولهم فيضرب المثل لتصوير تلك الأمور بأبلغ عبارة، وأوجز لفظ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَ نّمَا خَرّ مِنَ السّمَآءِ ... ﴾ ٣ الآية.

стр. 145

ومن ذلك مجمل حال المؤمن الموحد، ومجمل حال المشرك، قد لا يمكن المخاطب تصورها بحواسه، والمثل أعون شيء على إدراكها وتصورها بأيسر طريق وأوجزه. قال تعالى في حال المؤمن: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ ١ وقال في حال المشرك وحال الموحد: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. ومما تقدم يتضح أن من الأغراض التي ضُربت لها الأمثال القرآنية بيان الممثَّل له وتقريب صورته إلى ذهن المخاطب، وأكثر ما يضرب لذلك الأمثال التشبيهية. ثانياً: إقامة الحجة والبرهان. يحتاج دعاة الهدى إلى مجادلة المخالفين، لبيان الحق والإقناع به وبيان محاسنه، وكشف الباطل وبيان قبائحه.

стр. 146

فتارة يقدمون أدلة برهانية وحججاً تفيد اليقين لمن تأملها، وتفكر بها على القضية المطروحة. وتارة يقدمون أدلة تبين محاسن الحق وفضائله، وقبح الباطل ومخازيه، وآثاره السيئة على معتنقيه، مما يقنع المخاطب ويقربه من الحق، أو ينفره من الباطل. والأمثال لها دور بارز في هذين المضمارين. ومن الأمثال التي تُضرب لإقامة الحجة والبرهان على إِمكان البعث بعد الموت، ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الّذِيَ أَنشَأَهَآ أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١ الآية. وقوله: ﴿وَنَزّلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً مّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبّ الْحَصِيدِ وَالنّخْلَ بَاسِقَاتٍ لّهَا طَلْعٌ نّضِيدٌ رّزْقاً لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ٢ ونحوها. ومن الحجج الدالة على بطلان الشرك ما ورد في قوله تعالى:

стр. 147

﴿يَا أَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ..﴾ ١ الآية. ومنها ما ورد في قوله: ﴿إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢. ومن الحجج الدالة على بشرية عيسى بن مريم ﵇ ما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٣. ويلاحظ أن أغلب - إن لم يكن كل - الأمثال التي وردت لإقامة الحجة هي في قضايا الاعتقاد، وسوف يأتي تفصيل نماذج منها - إن شاء اللَّه - في هذا البحث. ويتلخص مما تقدم أن من الأغراض التي ضربت لها أمثال القرآن الكريم إقامة الدليل القاطع والبرهان على القضية المرادة.

стр. 148

ثالثاً: ضرب الأمثال لغرض الإقناع بذكر محاسن الحق والترغيب فيه، وذكر قبائح الباطل والتنفير منه. هذا الغرض قد استأثر بحظ وافر من أمثال القرآن الكريم، فكثير من الناس قد ينخدع بظاهر الأمر دون أن يسبر غوره، ويتعرف على خفاياه، فإذا كشفت له تلك المساوئ المستورة ومثلت له بمثال معقول مطابق، اقتنع به واستدل به على الحكم الصحيح الذي يجب أن يصير إليه من معرفة حقيقة ذلك الأمر، وعدم الانخداع بظواهره الخلابة. ومن الأمثال التي تهدف إلى الإِقناع بالحق عن طريق ذكر محاسنه ومزاياه ما ورد لتصوير حال الموحد من اطمئنان نفسه ووضوح الرؤية لديه، وثباته على الصراط المستقيم، واستمساكه بالعروة الوثقى، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ

стр. 149

لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ٢. وقوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىَ وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ﴾ ٣. ومنها ما ورد لتصوير حال الكافر، والمشرك، والمنافق، من حيرته وقلق نفسه وتخبطه في الظلمات، وسرعة استجابته للفتن والمهلكات. وقد ورد في هذا المعنى كثير من الأمثال القرآنية منها ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ ٤.

стр. 150

وقوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىَ وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ﴾ ١. ومنها قوله: ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ ٢. ومنها قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ... ﴾ ٣ الآية.

стр. 151

وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَىَ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ﴾ ١ الآية. وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا﴾ ٢. ومنها ما ورد في بيان قبح حال من آمن بكتب اللَّه ثم أعرض عنها لا يتعلمها ولا يعمل بها مع قدرته على التعلم، وتوفر أسبابه، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ٣. ومثله ما ورد في بيان قبح حال من تعلم ولم يعمل بعلمه، كما في قوله تعالى:

стр. 152

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلََكِنّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ ١ الآية. ويدخل في هذا الغرض ما ورد من الأمثال بقصد المدح أو الذم لكن لا يراد به الإقناع وإنما يراد به الإشادة بالممدوح وعيب المذموم، ويصاحب هذا الغرض غرض آخر هو نصب القدوة الصالحة للاقتداء بالممدوح والتنفير من المذموم. ومما ورد في المدح قوله تعالى: ﴿مّحَمّدٌ رّسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ ٢. ومما ورد في الذم قوله تعالى:

стр. 153

﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾ ١ الآية. ومما تقدم يتضح أن من أغراض الأمثال القرآنية، الإِقناع بحسن الأمر الممثَّل له، بإبراز محاسنه ومزاياه، أو الإقناع بقبحه وفساده، بإبراز مساويه، وخزاياه. كما تأتي الأمثال لغرض مدح الممثَّل له، والإشادة به، ونصبه قدوة أو ذم الممثَّل له وعيبه والتحذير منه ومن طريقه. رابعاً: الدلالة على كثير من الفوائد العلمية والحكم. تشتمل الأمثال على كثير من الفوائد العلمية، في جوانب كثيرة منها العقائد وهي أكثرها، والأحكام الشرعية، قال الزركشي: "فإِن آيات القصص والأمثال وغيرها، يستنبط منها كثير من الأحكام ... "٢. والحكم والعبر، وبعض الحقائق العلمية في الأمور الدنيوية، والظواهر الكونية وغير ذلك. وسوف يأتي تفصيل الفوائد المتعلقة بكل مثل بعد دراسته إن شاء اللَّه.

стр. 154

خامساً: التربية بإبراز القدوة الحسنة، والحث على الاقتداء بها، والتنفير من ضدها: "الأمثال من أفضل السبل للتربية، وتقويم المسالك، وإصلاح النفوس، وصقل الضمائر، وتهذيب الأخلاق، وتنمية الفضائل السامية"١. ويكون ذلك بتقديم النماذج البشرية الصالحة والنماذج البشرية الطالحة، بقصد توجيه النفوس المخاطبة إلى الاقتداء بالصالحين وتنفيرها من الطالحين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ اتّبَعُواْ الْبَاطِلَ وَأَنّ الّذِينَ آمَنُواْ اتّبَعُواْ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ ٢. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ : "حيث بيّن لهم تعالى أهل الخير وأهل الشر، وذكر لكل منهم صفة يعرفون بها ويتميزون ﴿لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ

стр. 155

وَيَحْيَى مَنْ حَيّ عَن بَيّنَةٍ﴾ ١"٢. وقال الشيخ أحمد بن محمد طاحون: "وفي ميدان الهداية إلى الخير، والتنفير من الشر يقدم القرآن الكريم نماذج لنفوس بشرية، وإِن في دراستها لعبرة، وفي تدبرها عظة، وكم في القرآن الكريم من نماذج لأولياء اللَّه الصالحين: من النبيين، والحكماء، والصديقين، والربانيين، إنها النماذج الصالحة في معتقداتها، ومسالكها، وأخلاقها. في قلوبهم نور وفي عملهم نور وفي أقوالهم نور؛ كما قدم الكتاب العزيز نماذج لنفوس انطوت على الشر والسوء ونفوس انسلخت مما يدعو إليه العلم النافع، والآيات البينات بعد أن علموها، فلم يشرفهم العلم لأنهم لوثوا أنفسهم بالعُجب والغرور، وطلب الدنيا وإيثارها على الآخرة؛ وقدّم نماذج تتلون كما تتلون الحرباء، ظاهرها يَسُرُّ، وباطنها شر وضر"٣. وأمثلة هذا النوع كثيرة في القرآن، منها القصص، فكل قصص القرآن أمثال منصوبة للاعتبار والاقتداء بالصالحين وتحري طريقهم والابتعاد عن طريق الضالين الهالكين، سواء ما نص منها على أنها مثل أم لم ينص.

стр. 156

ومثال ما نص على ضربها مثلاً ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلاً رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ ٢ الآيات. قال ابن تيمية ﵀ مبيناً أن القصص أمثال منصوبة للاعتبار: "ونظير ذلك ذكر القصص، فإنها كلها أمثال هي أصول قياس واعتبار، ولا يمكن هناك تعديد ما يعتبر بها، لأن كل إنسان له في حالة منها نصيب، فيقال فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ﴾ ٣. ويقال عقب حكايتها: ﴿فَاعْتَبِرُواْ يَا أُوْلِي الأبْصَارِ﴾ ٤ ... "٥. ومن أمثلة هذا النوع ما ورد في قوله تعالى:

стр. 157

﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ ... ﴾ ١ الآية. وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ..﴾ ٢ الآية. ومما تقدم يتبين أن من أغراض ضرب الأمثال في القرآن الكريم غرضاً تربوياً يتجلى في إبراز النماذج الخيّرة الصالحة وبيان أعمالهم وأحوالهم وما آل إليه مصيرهم في الدنيا والآخرة لتكون قدوة صالحة يُرغَّب ويُحثُّ على الاقتداء بهم، وإبراز النماذج الشريرة الضالة وتجلية صفاتهم وأعمالهم وأحوالهم وكيف كانت عاقبتهم، ليحذر منهم ومن طريقهم؛ ولا شك أن هذا الأسلوب من أهم أساليب التربية وأكثرها تأثيراً. سادساً: أمثال القرآن أصول وقواعد لعلم تعبير الرؤيا: قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإِنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة

стр. 158

القرآن"١. وقد بين ﵀ هذا المعنى في كتابه "إعلام الموقعين"٢ وضرب لذلك أمثلة كثيرة نختار منها ما له علاقة بالأمثال. "فمن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين"٣. وهذا مأخوذ من المثل الوارد في قوله تعالى: ﴿كَأَنّهُمْ خُشُبٌ مّسَنّدَةٌ..﴾ ٤ الآية. ومن ذلك تعبير النساء بالبيض، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿كَأَنّهُنّ بَيْضٌ مّكْنُونٌ﴾ ٥. وتعبير الرماد بالعمل الباطل، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ..﴾ ٦ الآية. وتعبير النخلة بالرجل المؤمن، مأخوذ من قوله تعالى:

стр. 159

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ..﴾ ١ الآية. وقال ﵀: "فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكّله اللَّه بالرؤيا ليستدل الرأي بما ضرب له من المثل على نظيره، ويعبر منه إلى شبهه، ولهذا سمي تأويلها تعبيراً ... ولولا أنّ حُكم الشيء حُكم مثله، وحكم النظير حكم نظيره، لبطل هذا التعبير والاعتبار، ولما وجد إليه سبيل؛ وقد أخبر اللَّه سبحانه أنه ضرب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار، وهذا هو المقصود بها"٢. ومما تقدم يتبين أن أمثال القرآن تعين على تعبير الرؤيا وكل ما كان الإنسان بها أعرف كان على تعبير الرؤيا أقدر. الأمثال معالم للهداية: إن هذه الأغراض المتعددة والهامّة جعلت من الأمثال القرآنية سبباً عظيماً من أسباب الهداية إلى الحق، وخاصة في بيان حقيقة الإِيمان. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ

стр. 160

فَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ وَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللهُ بِهََذَا مَثَلاً يُضِلّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ﴾ ١. والضمائر في قوله: ﴿يُضِلّ بِهِ كَثِيراً﴾ وقوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ﴾ ، تعود على المثل في قوله: ﴿إِنّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مّا..﴾ ، قال ابن جرير ﵀: "يعني بقوله جل وعز: ﴿يُضِلّ بِهِ كَثِيراً﴾ ، يضل اللَّه به كثيراً من خلقه، والهاء في ﴿بِهِ﴾ من ذكر المثل، وهذا خبر من اللَّه جل ثناؤه مبتدأ، ومعنى الكلام: أن اللَّه يضل بالمثل الذي يضربه كثيراً من أهل النفاق والكفر"٢. والمراد بإِضلال اللَّه، وهدايته بالمثَل: أنه سبحانه يزيد الفاسقين من المنافقين والمشركين من أهل الكتاب وغيرهم- والذين بينت أوصافهم فيما يأتي من السياق - ضلالاً إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقاً يقيناً من المثل الذي ضربه اللَّه لما ضربه له، وأنه موافق لما ضرب له، فذلك إضلال اللَّه إياهم به. ويهدي به كثيراً من أهل الإِيمان والتصديق،

стр. 161

أي يزيدهم هدى وإِيماناً١ حيث "يفهمونها ويتفكرون فيها، فإِن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد علمهم وإِيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها، لِعِلْمهم أن اللَّه لم يضربها عبثاً، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة"٢. وهذه الصفة التي وُصفت بها الأمثال من أنه يُضَلُّ بها أناس ويُهْدَى بها آخرون، مشتركة بين جميع آيات القرآن الحكيم. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "فهذه حال المؤمنين والكافرين، عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مّن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هََذِهِ إِيمَاناً فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىَ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٣. فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية. ومع هذا تكون لقوم محنة، وحيرة، وضلالة، وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة، ورحمة، وزيادة خير إلى خيرهم.

стр. 162

فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإِضلال. ثم ذكر حكمته وعدله في إضلال من يضل، فقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ﴾ ١، أي الخارجين عن طاعة اللَّه، المعاندين لرسل اللَّه، الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبتغون به بدلاً. فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم، لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله، هداية من اتصف بالإِيمان، وتحلى بالأعمال الصالحة"٢. والذين هداهم اللَّه بالأمثال هم الذين تفكروا بها تفكراً صحيحاً على نهج وفهم السلف الصالح، ومقتضى مدلولات اللغة، والنظر السليم في صورة الممثَّل به، وسلمت فطرهم، وعقولهم من الانحراف، فهدتهم إلى الحق وبينت لهم مراد اللَّه، واهتدوا بها فزادهم اللَّه هداية وإِيماناً. أما الفاسقون الذين يضلهم اللَّه لعدم انتفاعهم بالأمثال فهم صنفان: صنف أعرض عنها فلا يتعلمها، ولا ينتفع بها، وفي المقابل استمسك بالظنون، وهوى النفوس، وضرب لنفسه أو ضُرب له أمثال من الباطل يسوغ بها ما هو عليه من الضلال والجهل. وصنف آخر أقبل على أمثال القرآن، ومال بمعانيها وحرَّفها لتوافق

стр. 163

ما عنده من الأهواء والانحراف فضلّ في فهمها وأضلّ، وزاغ وأزاغ، فأزاغ اللَّه قلبه وأرداه. وخلاصة هذا المطلب: أن الأمثال القرآنية ضُربت لأغراض متعددة من أهمها: ١ - بيان الممثَّل له وتقريب صورته إلى ذهن المخاطبين. ٢ - إقامة الدليل القاطع والبرهان الساطع على القضية المرادة. ٣ - الإقناع بحسن الأمر الممثَّل له، بإبراز محاسنه ومزاياه أو الإقناع بقبحه وفساده، بإبراز مساويه وخزاياه. ٤ - الدلالة على كثير من الحكم والفوائد العلمية. ٥ - التربية بإبراز النماذج الخيِّرة الصالحة، وبيان أعمالهم وأحوالهم وما آل إليه مصيرهم في الدنيا، وما سيصيرون إليه في الآخرة، لتكون قدوة يُرغَّب ويُحثُّ على الاقتداء بهم، وإبراز النماذج الشريرة الضالة، وتجلية صفاتهم وأعمالهم وكيف كانت عاقبتهم، ليُحذر منهم ومن طريقهم. ٦ - أن أمثال القرآن تعين على تعبير الرؤيا، وكل ما كان الإِنسان بها أعرف كان على تعبير الرؤيا أقدر. كما تبين أن الأمثال القرآنية بهذه الأغراض المتعددة أصبحت من الأسباب الهامّة للهداية - واللَّه أعلم -.

стр. 164

الفصل الثاني: مقدمات في تعريف الإيمان المبحث الأول: تعريف الإِيمان في اللغة . ... المبحث الأول: تعريف الإِيمان في اللغة. "الإِيمان مصدر آمن يؤمن إِيماناً، فهو مؤمن"١ وهو مشتق من الأمن. قال الراغب الأصفهاني ﵀: "وآمن إِنما يقال على وجهين: (أحدهما) : متعدياً بنفسه. يقال: آمَنْتُه أي جعلتُ له الأمن، ومنه قيل للَّه مؤمن. (والثاني) : غير متعدٍ ومعناه صار ذا أمن".٢ وقد فسر كثير من العلماء والمفسرين وأهل اللغة الإيمان بالتصديق؛ إلا أن المحققين من العلماء واللغويين بينوا أن التصديق لا يفي في الدلالة على معنى الإِيمان، إذ أن لفظ الإِيمان يشتمل على معنىً زائد عن مجرد التصديق. هذا المعنى الزائد هو الأمن. قال الراغب: "قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٣، قيل معناه:

стр. 165

بمصدِّق لنا، إلا أن الإِيمان هو التصديق الذي معه أمن"١. وقد استدلوا لذلك بأمرين: الأول: الاشتقاق، وذلك أن الإِيمان مشتق من الأمن. الثاني: الاستعمال، حيث استعمل لفظ الإِيمان فيما هو أبعد من التصديق، مما يكون سببه الأمن والائتمان. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "فإِن الإِيمان مشتق من الأمن، فإِنما يُسْتَعمل في خبر يؤتمن عليه المخْبِر، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المُخْبِر ... فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدل عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ، أي لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يؤمن لهم"٢. ومما ورد من استعمال لفظ "الإِيمان" في لوازم التصديق الذي معه أمن - كالثقة، والطمأنينة والخضوع - ما ذكره بعض أصحاب المعاجم، كصاحب "لسان العرب"، حيث قال:

стр. 166

"والإِيمان الثقة، وما آمَن أن يجده صاحبه أي ما وثق"١. وقال صاحب "القاموس المحيط": "والإِيمان الثقة وإِظهار الخضوع"٢. فالإِيمان إذاً يطلق على فعل المُخبَر الذي يأمن المُخبِر، مما يؤدي إلى تصديق لخبره، يصاحبه ثقة في المُخِبر، واطمئنان له، وخضوع وانقياد لمدلول الخبر إذا كان يستلزم ذلك. وعلى هذا فإِن تفسير لفظ الإِيمان بالإِقرار أكثر مطابقة لمعناه. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "ولفظ إِيمان قيل أصله التصديق، وليس مطابقاً له، بل لا بد أن يكون تصديقاً عن غيب، وإلا فالمخبر عن مشهود ليس تصديقه إِيمانا، لأنه من الأمن الذي هو الطمأنينة ... وقيل: بل هو الإِقرار، لأن التصديق إِنما يطابق الخبر فقط، أما الإِقرار فيطابق الخبر والأمر ... "٣. وقال - أيضاً -: "ومعلوم أن الإِيمان هو الإِقرار، لا مجرد التصديق، والإِقرار ضمن

стр. 167

قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد"١. فشيخ الإِسلام ﵀ يرجح تفسير لفظ الإِيمان، بالإقرار القلبي الذي يتضمن مع التصديق عملاً قلبياً مناسباً. وقد ورد التعبير بلفظ الإِقرار على الإِيمان القلبي. قال الراغب الأصفهاني ﵀: "والإِقرار إثبات الشيء ... وقد يكون ذلك إثباتاً إِما بالقلبِ، وإِما باللسانِ، وإِما بهما. والإِقرار بالتوحيد وما يجري مجراه لا يغني باللسان ما لم يُضامُّه الإِقرار بالقلب، ويضاد الإِقرار الإِنكار"٢. ثم ذكر شواهد ذلك في القرآن الكريم، وهي: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ٣. وقوله - سبحانه -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا

стр. 168

أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ ١. وخلاصة هذا المبحث: أن تفسير لفظ "الإِيمان" في اللغة بالتصديق المجرد لا يفي بمعناه، إذ لا بد أن يشتمل معنى الإِيمان على الأمن الذي اشتق منه. وتبين أن الأقرب تفسير لفظ الإِيمان في اللغة، بالإقرار الذي يدل مع التصديق على عمل قلبي مناسب لما يؤمن به أوْ لَهُ، كالثقة والاطمئنان للمُخبِر، وقبول خبره، والإِذعان له ... ونحوها.

стр. 169

المبحث الثاني: المعاني الشرعية للفظ "الإِيمان ". إِن المتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم، يجد أن لفظ الإِيمان، يراد به عدة معانٍ شرعية، تشترك في قدر، ويكون بعضها أوسع دلالة من بعض. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "فإِن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الإِيمان والإِسلام لكثرة ذكرهما، وكثرة كلام الناس فيهما، والاسم كلما كثر التكلم فيه، فتكلم به مطلقاً، ومقيداً بقيد، ومقيداً بقيد آخر في موضع، كثر من يشتبه عليه ذلك. ومن أسباب: ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيداً بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك. فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة، وعلم مأخذ الشبه، أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام اللَّه، وأنه لا بيان أتم من بيانه"١. والمعاني التي يراد بها لفظ الإِيمان ترجع إلى ثلاثة معان بارزة، هي: الأول: الإِيمان باللَّه الذي هو أصل الإِيمان. الثاني: الإِيمان القلبي أو الإِيمان بالغيب.

стр. 170

الثالث: الإِيمان المطلق، الذي يشمل كل ما هو من الدين، المعبر عنه بقول أهل العلم: الإِيمان قول وعمل واعتقاد. وسيجري التعريف بهذه المعاني مع بعض أدلتها في المطالب الآتية: المطلب الأول: أدلة تنوع المراد بلفظ الإِيمان شرعاً. المطلب الثاني: بيان أصل الإِيمان. المطلب الثالث: تعريف الإِيمان القلبي. المطلب الرابع: تعريف الإِيمان الكامل.

стр. 171

المطلب الأول: أدلة تنوع المراد بلفظ الإِيمان شرعاً . لقد تضمن حديث جبريل ﵇ الدلالة على معنيين وذلك في سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عن الإِيمان حيث قال: "فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ"١. فالمعنى الأول: هو الإِيمان المسئول عنه، المعبر عنه بقوله: "فأخبرني عن الإِيمان؟ " والذي فسره النبي ﷺ بالأمور الستة. والمعنى الثاني: الإِيمان باللَّه، الوارد في الجواب، والمعبر عنه بقوله: "أن تؤمن باللَّه"، ولا يخفى أن هذا الإِيمان أصل للإِيمان المسئول عنه، حيث إن هذا الأخير يتضمنه، ويتضمن غيره، إلا أن الأمور الأخرى تابعة للإِيمان باللَّه، الركن الأول. ومن أدلة إِطلاق "الإِيمان" على الإِيمان القلبي - الإِيمان بالغيب - قول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ٢.

стр. 172

والإِيمان بالغيب هو: الإِقرار القلبي بكل ما ورد الخبر به عن اللَّه من الأمور المغيبة. ويشمل: ما أخبر به - سبحانه - أو أخبر به رسوله ﷺ عن اللَّه أو عن الملائكة، وكتب اللَّه، ورسله، أو من أخبار الأمم السابقة، وما سيكون في مستقبل الزمان، وفي اليوم الآخر، وعن قدر اللَّه وسننه. فكل هذه الأمور غيبية مدارها على الخبر الصحيح، ويكون الإِيمان بها بإِقرار القلب، لذلك سُمَّي: الإِيمان القلبي. قال الربيع بن أنس١ ﵀ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ : "آمنوا باللَّه، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب"٢. ويدل على الإِيمان القلبي - أيضاً - كل لفظ للإِيمان قرن بالأعمال الصالحة، في نحو قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ٣.

стр. 173

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "وأما إذا قيد الإِيمان، فقرن بالإِسلام أو بالعمل الصالح، فإِنه قد يراد به ما في القلب من الإِيمان باتفاق الناس"١. ومن أدلة المعنى الثاني - الإِيمان باللَّه أو أصل الإِيمان القلبي الوارد في الجواب المعبر عنه في حديث جبريل ﵇ بقوله ﷺ : "أن تؤمن باللَّه" - كل آية ورد فيها اشتراط الإِيمان لصحة الأعمال وقبولها، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ٢. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ ٣. قوله: "وهو مؤمن": جملة حالية، أي حال كونه متلبساً بالإِيمان، وهو شرط في قبول الأعمال، وانتفاعه بها عند اللَّه. قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى

стр. 174

لَهَا ... ﴾ الآية: " ... شرع في بيان إِحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإِناثهم بشرط الإِيمان"١. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ : "وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة، ولا تقبل، ولا يترتب عليها الثواب، ولا يندفع بها العقاب، إلا بالإِيمان ... فالإِيمان هو الأصل، والأساس، والقاعدة التي يبنى عليها كل شيء؛ وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل مطلق، فإِنه مقيد به"٢. والقدر المشترط في صحة الأعمال أقله الإِيمان الذي يدخل به العبد في الإِسلام، وهو أصل الإِيمان القلبي، فلا يشترط لصحتها كمال الإِيمان القلبي، بأن يؤمن بكل ما ورد من تفاصيل الأركان الستة، وإِنما أقله أن يؤمن بالركن الأول إِيماناً صحيحاً ولو كان مجملاً، وهو يستلزم الإِيمان بالأركان الأخرى، وبغيرها من شعب الإِيمان الواجبة. وسيأتي بيان طبيعة أصل الإِيمان في المطلب القادم - إِن شاء اللَّه -.

стр. 175

وأصل الإِيمان يطلقه كثير من العلماء على الإِيمان الباطني، وهو إِطلاق صحيح باعتبار أن الإِيمان الباطني أصل للإِيمان العملي ومستلزم له، كما قال النبي ﷺ : "أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ"١. قال شيخ الإِسلام ابن تيميه ﵀: "فأصل الإِيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إِيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل وشاهد عليه، وهي شعبة من مجموع الإِيمان المطلق، وبعض له، ولكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح"٢. ويطلق أصل الإِيمان -أيضاً- على الركن الأول من أركان الإِيمان الستة، باعتباره أصل للإِيمان القلبي، وهو الأصل الذي يعتبر في الدخول في الإِسلام، وقبول الأعمال، وزواله أو بطلانه يُخرج من الإِسلام. قال ابن حجر ﵀ في معرض كلامه على حديث جبريل

стр. 176

- ﵇: وقول النبي ﷺ في بيان الإِيمان "أن تؤمن باللَّه وملائكته ... " الحديث. قال: "تنبيه: ظاهر السياق يقتضي أن الإِيمان لا يطلق إلا على من صدق بجميع ما ذكر، وقد اكتفى الفقهاء بإِطلاق الإِيمان على من آمن باللَّه ورسوله، ولا اختلاف، لأَن الإِيمان برسول اللَّه المراد به الإِيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه، فيدخل ما ذكر تحت ذلك. واللَّه أعلم"١. قوله ﵀: "وقد اكتفى الفقهاء.." هذا هو الصواب إذ أنه مقتضى الأدلة الشرعية. وقوله: "فيدخل ما ذكر تحت ذلك": الذي يدخل في الإِيمان باللَّه ورسوله ﷺ والذي ينعقد به أصل الإِيمان: هو الإِيمان المجمل بأن الرسول ﷺ صادق في كل ما أخبر به، والعزم على طاعة أمره واجتناب نهيه، وتدخل أركان الإِيمان القلبي دخولاً أولياً فيما يستلزمه ذلك الإِقرار، إلا أنه لا يشترط العلم بها وبتفاصيلها لانعقاده. وسيأتي بيان هذا قريباً - إِن شاء اللَّه -. وإذا ورد لفظ أصل الإِيمان في هذا البحث فإِن المراد به الإِيمان باللَّه،

стр. 177

الركن الأول من أركان الإِيمان القلبي الستة، الذي يدخل به العبد في الإِسلام، ويشترط في قبول الأَعمال وصحتها. أما المعنى الثالث الذي يُراد عند إِطلاق لفظ "الإِيمان" فهو الإِيمان الكامل الذي يشمل كل الطاعات القلبية والقولية والفعلية. ويدل عليه كل لفظ للإِيمان مطلق، غير مقترن بلفظ الإِسلام، أو الأعمال الصالحة ونحوها. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ ١. قال محمد بن نصر المروزي٢ ﵀: "لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق. وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين؛ ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإِيمان، وليس فيها شيء خارج عنه، لم يفرق بينها فيقول: حبب إليكم الإِيمان والفرائض، وسائر

стр. 178

الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ ، فدخل في ذلك جميع الطاعات"١. ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ونحوها. ومن الأَحاديث التي ورد فيها لفظ الإِيمان مطلقاً دالاً على كماله، حديث شعب الإِيمان المشهور، وفيه قال ﷺ : "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ"٣. وسيأتي قريباً - إِن شاء اللَّه - بيان طبيعة هذا الإِيمان وبعض أدلته، وإِنما المراد ذكر نماذج من النصوص التي تدل على اختلاف المعاني التي تراد بلفظ الإِيمان.

стр. 179

ويتلخص من ذلك أن لفظ الإِيمان الشرعي يراد به ثلاثة معان هي: الأول: أصل الإِيمان، الركن الأول من أركان الإِيمان القلبي، وهو أول الإِيمان وابتداؤه، الذي يدخل به العبد في الإِسلام، ويعصم به دمه وماله، وهو شرط لصحة الأعمال وقبولها. وتقدم من أدلته حديث جبريل ﵇ حيث فرق فيه بين الإِيمان المسئول عنه - والإِيمان باللَّه الوارد في الجواب، ودلت إِجابة النبي ﷺ على أن الإِيمان المسئول عنه هو كمال الإِيمان القلبي، والإِيمان باللَّه الوارد في الجواب هو أصله. كما يدل عليه كل دليل جُعِل فيه الإِيمان شرطاً لصحة الأعمال. فإِن أقل ما يشترط لذلك هو انعقاد أصل الإِيمان. الثاني: الإِيمان القلبي، أو الإِيمان بالغيب، المتضمن للإقرار بالأركان الستة، والمستلزم للإِيمان المطلق الكامل. وتقدم من أدلته حديث جبريل ﵇ حيث فسره النبي ﷺ بالأركان الستة: الإِيمان باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ومن أدلته - أيضاً - كل دليل اقترن فيه لفظ الإِيمان بلفظ الإِسلام أو الأعمال الصالحة.

стр. 180

الثالث: الإيمان المطلق الكامل، الذي يشمل كل الدين. وأدلة هذا المعنى كل دليل ورد فيه لفظ الإِيمان مطلقاً غير مقترن بلفظ الإِسلام، أو الأعمال الصالحة، أو أي قيد آخر، واللَّه أعلم.
следующие страницы →