Полный текст (139 стр.). Показаны 106–139 · переход к 111.
стр. 106
وبعد فالفضل حقيقاًً فاسمع ... نظامي هذا للبطين الأنزع
مجدل الأبطال ماضي العزم ... مفرج الأوجال وافي الحزم (١)
وافي الندى مبدي الهدى مردي العدى ... مجلي الصدى يا ويل من فيه اعتدى (٢) الحواشي
(١) أي: وبعد عثمان، فالفضل الشامخ باتفاق السلف، حقيقًا، أي: في حقيقة الأمر، لعلي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء؛ فاسمع نظامي هذا، الذي أدرجت في عقيدة السلف؛ للبطين، أي: العظيم البطن؛ الأنزع، المنحسر شعر رأسه مما فوق الجبين. وكان ﵁ أنزع الشعر، له بطن؛ مجدل الأبطال، جدله صرعه، أي: ملقي الأبطال على الأرض، جمع بطل الشجاع، وكان قتل من الأبطال عدة، منهم الوليد، ومرحب وغيرهما، ماضي العزم: إشارة إلى شدة قوته؛ ومضى في الأمر نفذ، والعزم الجد والصبر؛ مفرج أي: كاشف؛ الأوجال الهموم، والغموم في المواقف الصعبة، وافي الحزم، إشارة على وفور عقله، والحزم ضبط الرجل أمره.(٢) أي: كثير السخاء مظهر العلوم، والفهوم، مهلك أعدائه ومتلفهم، ومزيل الصدى، أي: العطش، والأولى "جالي" والمراد: كاشف الكرب؛ يا ويل، دعاء بالحزن والهلاك، لإنسان في أمير المؤمنين علي ﵁، اعتدى: بانتقاصه، وهضم حقوقه، أو غلا فيه، ومناقبه وفضائله شهيرة.
بايعه الناس بالمدينة، بعد قتل عثمان ﵄؛ واتفق
السلف على فضله، وخلافته بعد عثمان، وأقروا بأن معاوية
رضى الله عنه، ليس كفؤًا لعلي في الخلافة.
ولا يجوز: أن يكون معاوية خليفة، مع إمكان استخلاف علي، لسابقته وعلمه، ودينه وشجاعته، وسائر فضائله، ولما قتل عثمان لم يبق لها معين إلا علي.
وإنما وقع ما وقع بسب قتل عثمان، فرأى علي: أن لهؤلاء شوكة، وهم خارجون عن طاعته، فقام ليردوا إلى الواجب، وهم رأوا: أن عثمان قتل مظلومًا، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة؛ وعلي يحلف -وهو البار الراشد، بلا يمين- أنه لم يقتله، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ على قتله، وهذا معلوم بلا ريب.
ثم إن طلحة والزبير ﵄ خرجا إلى مكة وسارا بعائشة ﵂ إلى البصرة فخرج علي ﵁ إلى العراق، ولم يقصدوا القتال ابتداء، وإنما صارت وقعة الجمل بغير اختيار؛ وكانوا قد اتفقوا على المصالحة، وإقامة الحدود على قتلة عثمان ﵁.
فتواطأت القتلة، على إقامة الفتنة، فحملوا على طلحة والزبير
وأصحابهما، فحملوا هم دفعًا عنهم؛ وأشعروا عليًا إنما حمل عليه، فحمل علي دفعًا عن نفسه؛ وكان كل منهم قصده: دفع الصيال، لا ابتداء القتال.
وكذلك خرج معاوية ﵁، ومن معه من أهل الشام،
فالتقوا بصفين، وقتل عمار وكان مع علي، وقد قال فيه ﷺ «تقتلك الفئة الباغية. وإن كانوا لم يقصدوا القتال ابتداء، وإنما أثاره أهل الفتنة؛ وعلي ومعاوية ﵄، أطلب لكف الدماء، من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع؛ والفتنة إذا ثارت، عجز الحكماء عن إطفاء نارها» .
واتفق السلف: أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃؛ ومعاوية ﵁ مجتهد مخطئ، وسابقته وفضائله مشهورة.стр. 107
فحبه كحبهم حتمًا وجب ... ومن تعدى أو قلى فقد كذب (١)
وبعد فالأفضل باقي العشرة (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: فحب أمير المؤمنين علي ﵁، كحب الخلفاء الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، حتمًا وجب على جميع الأمة باتفاق الأئمة، ومن تعدى في حبه، أو لم يقل بفضل الخلفاء، على ترتيب الخلافة، أو قلاهم، أي:: أبغضهم، أو واحدًا منهم، فقد كذب في كل واحدة من الخصلتين، من تعديه في الحب، أو بغضه لهم أو لأحدهم، ﵃ أجمعين -.(٢) أي: وبعد الخلفاء الراشدين، فالأفضل من سائر الصحابة، باقي العشرة المشهود لهم بالجنة، وتوفي رسول الله ﷺ ، وهو عنهم راض؛ وروى الترمذي، وأبو داود، وغيرهما: أنه ﷺ قال: «أبكر بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة» .
وأحد الستة: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر، وثبت مع النبي ﷺ يوم أحد ووقاه بيده، وشلت إصبعه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة، وسماه النبي صلى الله عليه سلم: "طلحة الخير"، وقتل في وقعة الجمل، وله أربع وستون.
الثاني: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، حواري رسول الله ﷺ وأمه صفية عمة رسول الله ﷺ ، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، أول من سل السيف في سبيل الله، وثبت يوم أحد، وقتل في وقعة الجمل، وله أربع وستون.
الثالث: سعد بن أبى وقاص، مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة أسلم قديمًا، أول من رمى بسهم في سبيل الله وشهد المشاهد كلها، قال له النبي ﷺ يوم أحد: «ارم ارم فداك أبي وأمي. مات بقصره في العقيق، ودفن بالبقيع سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون» .
الرابع: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر، فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عير قريش، وضرب لهما بسهميهما، مات بالعقيق، ودفن بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون.
الخامس: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، وعرج، ومات سنة اثنتين وثلاثين، وله اثنتان وسبعون.
السادس: أمين الأمة، أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله ﷺ من حلق المغفر، فوقعت ثناياه، مات في طاعون عمواس بالأردن، سنة ثماني عشرة.стр. 108
.................................. ... فأهل بدر ثم أهل الشجره (١) الحواشي
(١) أي: وبعد العشرة، الذين يلونهم في الأفضلية: أهل غزوة بدر العظمى، وهي البطشة الكبرى، ويوم الفرقان، لأن الله فرق فيها بين الحق والباطل، وأعز فيها أهل الإسلام، وقمع عبدة الأصنام، و"بدر" قرية مشهورة، على نحو أربع مراحل من المدينة، وكانت وقعة بدر نهار الجمعة، لسبع عشرة خلت من رمضان، ومن السنة الثانية من الهجرة.
وكان عدة المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ألف وزيادة، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، وقتل من الكفار سبعون، وأسر سبعون، وفي الصحيح: «إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» . وأخرج أحمد بسند صحيح، من حديث جابر: «لن يدخل النار رجل شهد بدرًا أو الحديبية» .
وقوله: ثم أهل الشجرة؛ أي: ثم بعد أهل بدر في الأفضلية، أهل بيعة الرضوان تحت "الشجرة" سمرة بالحديبية، سميت ببئر هناك، على مرحلة من مكة، وأمر عمر ﵁ بقطع تلك الشجرة، وإخفاء مكانها، خشية الافتتان بها، لما بلغه أن أناسًا يذهبون إليها، فيصلون تحتها، ويتبركون بها، وقال: كان رحمة من الله، يعني إخفاؤها.
وسبب البيعة: أن قريشًا لما منعت رسول الله ﷺ من دخول المسجد الحرام، بعث عثمان لهم ليخبرهم، أنهم إنما جاءوا للعمرة، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ثم بلغه أنهم قتلوه فدعا الناس إلى البيعة؛ وقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم.
فبايعوه وكانوا ألفًا وأربعمائة، ثم تبين كذب الخبر؛ وقدم عليه عثمان، ووقع الصلح على أن يرجع، ويعتمر من العام المقبل، وذلك سنة ست، فرجع ثم اعتمر عمرة القضية.стр. 109
وقيل أهل أحد المقدمه ... والأول أولى للنصوص المحكمه (١) الحواشي
(١) أي: وقيل: أهل غزوة جبل أحد المقدمة في الزمن، وفي الأفضلية على أهل البيعة؛ والأول: وهو تقديم أهل البيعة في الأفضلية، على أهل غزوة أحد، أولى وأحق، لورود النصوص المحكمة، من الكتاب والسنة؛ وكانت غزوة أحد سنة ثلاث؛ سمي أحدًا لتوحده عن الجبال؛ بينه وبين المدينة أقل من فرسخ، في شماليها إلى الشرق، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة: «أحد جبل يحبنا ونحبه» .
وسبب الغزوة: لما قتل الله من قتل الكفار يوم بدر،
سارت قريش ومن تابعها، حتى وصلوا إلى أحد؛ وخرج عليهم رسول الله ﷺ واقتتل الفريقان، وهزم المشركون، ثم وقع في المسلمين هزيمة، بسبب مخالفة أمر رسول الله ﷺ لبعضهم أن لا يبرحوا، وقد عفا الله عنهم بنص القرآن. واستشهد من المسلمين سبعون، منهم حمزة، وفيهم أنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . وفي صحيح مسلم: أنه ﵇ إذا زارهم يقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون.
وأما أهل الشجرة، فقد وردت النصوص المحكمة في فضلهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . وبذلك حصل الفتح، والخير الكثير، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، والذين بايعوه هم الذين فتحوا خيبر، ثم حصل فتح مكة في السنة الثامنة.стр. 110
و عائشه في العلم مع خديجه ... في السبق فافهم نكتَةَ النتيجه (١) الحواشي
(١) أي: وعائشة الصديقة، بنت الصديق، أم المؤمنين، وحبيبة رسول رب العالمين عقد عليها بنت ست أو سبع، وبنى بها وهي بنت تسع، وتوفيت بالمدينة، سنة ثمان وخمسين، ﵂ وأرضاها -، أفضل نسائه ﷺ في العلم، والفقه، وحمل الدين، وتبليغه إلى
الأمة، فلها من الفضل في ذلك، ما ليس لغيرها من سائر
أزواجه؛ مع أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى،
تزوجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين، وآمنت به وصدقته ونصرته، وكانت له وزير صدق؛ وتأثيرها في أول الإسلام، وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين؛ فهي أفضل نساء النبي ﷺ في السبق في الإسلام، وموازرة رسول الله ﷺ . فافهم: فهم تحقيق وإذعان، نكتة النتيجة؛ أي: أثر فائدة الخلاف؛ والناتج: أن خديجة أفضل بحسب السبق، والموازرة؛ وعائشة: بالعلم ومحبة الرسول ﷺ ، وتفضيلها على سائر أزواجه؛ وفي الصحيحين: «إن الله بعث إلى خديجة بالسلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» .
وعائشة: سلم عليها جبرائيل، على لسان رسول الله ﷺ ولم يتزوج بكرًا غيرها، وقال: «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» .
وأنزل في برائتها آيات تتلى إلى يوم القيامة، وشهد بأنها من الطيبات ومناقبهما، وسائر أزواج النبي ﷺ كثيرة شهيرة.стр. 111
فصل
في ذكر الصحابة الكرام بطريق الإجمال
وبيان مزاياهم على غيرهم والتعريف بما يجب لهم
وليس في الأمة كالصحابه ... في الفضل والمعروف والإصابه (١) الحواشي
(١) أي: وليس في الأمة المحمدية، المفضلة على سائر الأمم، كالصحابة الكرام العدول، بنص الكتاب العزيز، والسنة المتواترة، وإجماع الأئمة، وسائر السلف، فهم الذين فازوا بصحبة خير البرية، قال تعالى خطابًا لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ الآية﴾ [الفتح: ٢٩] .
فليس في سائر الأمة مثل الصحابة في الفضل، لما في الصحيحين: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . وفيهما: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .
وليس في الأمة كالصحابة في المعروف، وهو اسم جامع لكل ما عرف، من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس؛ وليس في الأمة أيضًا: كالصحابة في الإصابة للحكم المشروع، فهم أحق الأمة بإصابة الحق والصواب.
فهم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب الله، وسنة نبيه، شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل. قال ابن مسعود: من كان متأسيًا، فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ ومن نظر في سيرتهم، بعلم وبصيرة، وما من الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا: أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله.стр. 112
فإنهم قد شاهدوا المختارا ... وعاينوا الأسرار والأنوارا (١)
وجاهدوا في الله حتى بانا ... دين الهدى وقد سما الأديان (٢) الحواشي
(١) أي: فإن الصحابة ﵃، قد شاهدوا المختار من سائر الأنام، محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام، وصحبوه، وعاينوا في صحبتهم له الأسرار القرآنية، وعلموا التنزيل وأسبابه، وعاينوا الأنوار المشرقة، من الكتاب والسنة؛ فهم أسعد الأمة بالفضل، وإصابة الصواب؛ وأجدر بفقه السنة والكتاب.(٢) أي: وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، حتى ظهر دين الإسلام، الذي به الهدى والدلالة، والفوز والفلاح، وقد علا على سائر الأديان؛ فسائر الأديان غيره منسوخة، وكل عبادة لم يأت بها فباطل،
قال تعالى. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .стр. 113
وقد أتى في محكم التنزيل ... من فضلهم ما يشفي من غليل (١)
وفي الأحاديث وفي الآثار ... وفي كلام القوم والأشعار
ما قد ربا من أن يحيط نظمي ... عن بعضه فاقنع وخذ عن علم (٢)
واحذر من الخوض الذي ... قد يزري بفضلهم مما جرى لو تدري
فإنه عن اجتهاد قد صدر (٣) ... ................................... الحواشي
(١) أي: يطفئ حرارة الجهل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي: عدلًا خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] . وغير ذلك من الآيات.(٢) أي: وقد أتى في الأحاديث النبوية، وفي الآثار السلفية، وفي كلام الأئمة، من المحدثين والفقهاء، وسائر أهل العلوم الشرعية، وفي الأشعار المرضية، من العرب والمولدين، من مدحهم، والثناء عليهم، ما قد زاد أن يحيط نظمه، في هذه الأرجوزة الوجيزة عن بعضه، فضلًا عن غالبه وكله، فاقنع بما أشير إليه، وما أوردناه من الأدلة، وخذ ذلك واعتمد عليه، من علم ويقين؛ والقنوع: الرضا باليسير.(٣) أي: واحذر، أمر من الحذر، الذي هو التحرز من الخوض،
المفضي إلى التأبين، الذي قد يزري، ويحط من فضلهم
المعلوم، بالكتاب والسنة، من الاختلاف الذي جرى بينهم،
لو كنت تدري غب ذلك الخوض، المفضي إلى الحقد، على أصحاب رسول الله ﷺ وليس في ذلك ما ينتفع به في الدين، وإنما لك من
أعظم الذنوب، فإنهم خير القرون، وهم السابقون الأولون؛ وذلك فيما جرى بين علي ومعاوية وقبلهما وبعدهما، فإن النزاع والقتال الذي جرى بينهم، كان عن اجتهاد قد صار من كل من الفريقين، كما تقدم.
وعقيدة أهل السنة والجماعة: الإمساك عما شجر بينهم؛ ويقولون: إن الآثار المروية، في مساوي بعضهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص؛ والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، والخطأ مغفور لهم، ولهم من السوابق والفضائل، ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات، ما لا يغفر لمن بعدهم. وإذا كان قد صدر من أحد منهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء كفر به عنه، والذي ينكر من فعل بعضهم، قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم، فإنهم صفوة هذه الأمة، وأكرمها على الله.стр. 114
.................................. ... فاسلم أذل الله من لهم هجر (١) الحواشي
(١) أي: فاسلم من الخوض، أذل الله كل مبتدع، من الرافضة وغيرهم للصحابة، أو لبعضهم، هجر، وعادى، ولم يوال ويحب؛
والسلف رضى الله عنهم: تبرءوا من طريقة الروافض، الذين
يبغضونهم، ويسبونهم؛ ومن طريقة النواصب: الذين يؤذون أهل
البيت، بقول أو عمل؛ ومن أصول سلامة قلوبهم، وألسنتهم
لهم، عملاً بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] .
وطاعة للنبي ﷺ بقوله: «لا تسبوا أصحابي» .
وأجمعوا على أنه يجب على كل أحد، تزكية جميع الصحابة، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، ولا يعاديهم إلا عدو لله ورسوله؛ وروى الترمذي وغيره: أنه ﵊ قال: «الله، الله في أصحابي، لا تتخذوهم بعدي غرضًا؛ من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، يوشك أن يأخذه» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتفصيل القول في سبهم، أن من اقترن بسبه دعوى: أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرائيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره؛ وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك، فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره.
أما من لعن وقبح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمرين: لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد؛ وأما من جاوز ذلك، إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلاً، لا يبلغون بضعة عشر، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا لا ريب في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن؛ من الرضا عنهم، والثناء عليهم.стр. 115
وبعدهم فالتابعون أحرى ... بالفضل ثم تابعوهم طرا (١) الحواشي
(١) أي: وبعد الصحابة، المخصوصين بالفضل والعدالة: التابعون لهم بإحسان، فهم أحق وأجدر بالفضل والتقديم، على غيرهم من سائر أهل الإسلام؛ والتابعي: كل من صحب الصحابي؛ والبرهان على أفضليتهم، ما ثبت في الصحيحين: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وغيره، وكون الصحابة ألقوا إلى التابعين، ما تلقوه عن رسول الله ﷺ خالصًا صافياً، وقالوا: هذا عهده إلينا، وقد عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم؛ فجرى التابعون لهم بإحسان، على منهاجهم القويم، واقتفوا آثار صراطهم المستقيم.
وقوله: ثم تابعوهم، أي: ثم الأفضل بعد التابعين، تابعوهم؛ أي: أتباع التابعين، لما ثبت من الأحاديث في ذلك.
وقوله طرا أي: جميعاً، لأنهم سلكوا مسلكهم، وبعدهم كثرت البدع.стр. 116
فصل
في ذكر كرامات الأولياء وإثباتها
وكل خارق أتى عن صالح ... من تابع لشرعنا وناصح
فإنها من الكرامات ... التي بها نقول فاقف للأدلة (١) الحواشي
(١) أي: وكل خارق للعادة من الخوارق، ومراده الكرامة، وهي: أمر خارق للعادة، غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة؛ يظهر الخارق على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم المتابعة، مصحوب بصحة الاعتقاد، والعمل الصالح، علم بها أو لم يعلم، ولا تدل على صدق من ظهرت على يديه ولايته، ولا فضله على غيره، لجواز سلبها، وأن تكون استدراجاً، ومكراً، ومن ظهر على يديه خارق، مما يسمونه (كرامات الأولياء) ممن يدعي مع الله، فهو من الأحوال الشيطانية، وخدعها.
فإن الكرامة: لا بد أن تكون أمرًا خارقًا للعادة، أتى ذلك الخارق عن امرئ صالح، ولي لله عارف به، مواظب على الطاعة، تارك للمعاصي، تابع لشرعنا معشر المسلمين، وناصح لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ فإذا صدر الخارق عن أحد، ممن اتصف بهذه الصفات فإنها تكون من الكرامات التي بها، وبوقوعها نقول.
فإن التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم،
من خوارق العادات، في العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، من أصول أهل السنة والجماعة؛ فاقف للأدلة
الشرعية الدالة على كرامات الأولياء، كقصة أصحاب الكهف، ومريم، وآصف؛ وعن صدر هذه الأمة، من الصحابة والتابعين، وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.стр. 117
ومن نفاها من ذوي الضلال ... فقد أتى في ذاك بالمحال
لأنها شهيرة ولم تزل ... في كل عصر يا شقا أهل الزلل (١) الحواشي
(١) أي: وأي إنسان نفى كرامات الأولياء، من أصحاب الضلال والزيغ عن نهج السلف، فقد أتى في ذلك النفي بالمحال، المنابذ للبرهان والعيان؛ فقد ثبت بها الكتاب والسنة والحس والمشاهدة؛ وأجمع على ثبوتها أهل السنة والجماعة؛ وعلل بما ارتكبوه في نفيها بالمحال، لأنها شهيرة للعيان ثابتة بالبرهان، ولم تزل تظهر على يد الأولياء والصالحين، في كل عصر من الأعصار الماضية، إلى الآن؛ ثم قال لمن انتحل المحال: يا شقاء أهل الزلل بما ارتكبوه، ويا خسارتهم لما انتحلوه، من رد المحسوس الثابت بالبرهان، وإجماع أهل السنة والإيمان.стр. 118
فصل
في المفاضلة بين البشر والملائكة
وعندنا تفضيل أعيان البشر ... على ملاك ربنا كما اشتهر
قال ومن قال سوى هذا افترى ... وقد تعدى في المقال واجترى (١) الحواشي
(١) أي: وعندنا، معشر أهل السنة والجماعة: أنا نعتقد تفضيل أعيان البشر، من الأنبياء والأولياء، على ملائكة ربنا، كما اشتهر من نصوص أحمد وغيره من أهل السنة؛ والملاك: جمع ملك؛ قال أحمد ﵁: وأي إنسان قال بلسانه، أو اعتقد بجنانه غير القول بتفضيل بني آدم على الملائكة، افترى أي: أتى بما يشعر بالافتراء؛ وقد تعدى، أي: تجاوز الحد المنقول، والثابت عن الرسول، والسلف الفحول، في المقال الذي اعتمده؛ واجترأ، أي افتات على الشارع، بالاعتقاد الذي اعتقده.
وقد دل القرآن والسنة وإجماع السلف، على فضل أعيان البشر على الملائكة كفضل محمد ﷺ المجمع عليه، وقال معاذ ﵁: ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد ﷺ ؛ قيل له: ولا جبرائيل، ولا ميكائيل؛ قال: ولا جبرائيل ولا ميكائيل؛ وإذا ثبت فضل الواحد من النوع، ثبت فضل نوعهم على جميع الأنواع وكقصة سجود الملائكة أجمعين لآدم، ولعن الممتنع عن السجود له؛ وهذا تشريف وتكريم له ظاهر، وكقول إبليس: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] . وخلق آدم بيده.
قال زيد بن أسلم: قالت الملائكة: يا ربنا جعلت لبني آدم
الدنيا يأكلون فيها ويشربون، فاجعل لنا الآخرة؛ فقال: (وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان) وروي مرفوعًا؛ ومعاذ وزيد معاذ وزيد: في علمهما وفقههما؛ وفي حديث أبي هريرة من طريق الخلال: «أنتم أفضل من الملائكة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأقل ما في هذه الآثار ونحوها، أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم: أن صالحي البشر أفضل من الملائكة، من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، وكقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . وكتفضيلهم بالعلم، وكقوله ﷺ : «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن. والمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده» .
وكحديث المباهاة، وما أعد الله لهم من الكرامة، التي لم يطلع الله عليها ملكًا ولا غيره، وظهور فضيلة صالحي البشر، إذا وصلوا إلى غاياتهم، فدخلوا الجنة ونالوا الزلفى، وسكون الدرجات العلى، وحياهم الرب ﷻ ، وتجلى لهم، يستمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وقامت الملائكة بخدمتهم بإذن ربهم.стр. 119
الباب السادس
في ذكر الإمامة ومتعلقاتها
ولا غنى لأمة الإسلام ... في كل عصر كان من إمام (١)
يذب عنها كل ذي جحود ... ويعتني بالغزو والحدود (٢)
وفعل معروف وترك نكر ... ونصر مظلوم وقمع كفر (٣) الحواشي
(١) أي: لا بد لأمة الإسلام، وفي نسخة "ملة" أي: دين الإسلام، في كل عصر وزمان؛ كان، أي: وجد، من إمام، بل نصبه فرض كفاية لازم واجب، بالسنة والإجماع، لمسيس الحاجة إليه واستدل القرطبي وغيره بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] .(٢) يذب، أي: يدفع عن أمة الإسلام، وبيضة الدين، كل جبار وظلوم كفار، صاحب جحود للدين القويم؛ ويعتني، أي: يهتم ويقوم بغزو الكفار، وقهر البغاة؛ ويعتني بإقامة الحدود وهي: العقوبات المقدرة؛ وكذا التعزيرات، لتصان محارم الله عن الانتهاك وتحفظ حقوق العباد.(٣) أي: ويعتني أيضًا بالأمر بفعل المعروف، وهو: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، وندب إليه الشرع؛ ويعتني بترك المنكر، وهو ضد المعروف، وكل ما حرم الشرع فهو منكر؛ ويعتني بنصر مظلوم، بتخليصه من ظالمه، وأخذ حقه، وقمع أهل الكفر، وقهرهم.стр. 120
وأخذ مال الفيء والخراج ... ونحوه والصرف في منهاج (١)
ونصبه بالنص والإجماع ... وقهره فحل عن الخداع (٢) الحواشي
(١) أي: ويعتني أيضاً، بأخذ مال الفيء، مصدر فاء يفيء، إذا رجع؛ وهو: المال الحاصل من جهاته المعروفة، كالذي أخذ من مال كافر بغير قتال، كجزية؛ سمي فيئاً، لأن الله أفاءه على المسلمين؛ أي: رده عليهم من الكفار، الذين لم يعبدوه، فأباحه لعابديه، لأنه إنما خلقه إعانة على عبادته، فأفاء عليهم ما يستحقونه؛ ويعتني بأخذ مال الخراج، وعشر مال تجارة حربي، ونصفه من ذمي، ونحوه، أي: نحو ما ذكر، كالذي تركه الكفار فزعًا وهربوا، أو بذلوه فزعاً، وخمس خمس الغنيمة، ومال من مات من الكفار ولا وارث له، ومال المرتد إذا مات على ردته، أو لحق بدار الحرب.
ويعتني أيضًا: بالصرف لذلك المال المذكور، ونحوه في طريقه وجهته المعينة له شرعاً، فيصرفه في مصالح أهل الإسلام؛ وكل ما تقدم: من إقامة الحدود، وسد الثغور، وحفظ بيضة الإسلام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فوجب نصب إمام لجلب تلك المصالح، ودفع تلك المضار.(٢) أي: ويثبت نصب الإمام الأعظم، بالنص من الإمام على
استخلاف واحد من أهلها، بأن يعهد إلى إنسان ينص عليه بعده،
ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهل الحل والعقد، كما عهد أبو
بكر إلى عمر ﵄، ويثبت أيضًا نصبه بالإجماع من أهل الحل والعقد من المسلمين، كإمامة الصديق.
ويثبت أيضًا: نصبه بقهره الناس بسيفه، حتى يذعنوا له، ويدعوه إماماً؛ لأن عبد الملك بن مروان، خرج على ابن الزبير فقتله، واستولى على البلاد وأهلها، وبايعوه طوعًا وكرهاً، ودعوه إماماً، ولما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين؛ فحل، أي: ابعد وزل عن الخداع، أي اترك مخادعة أهل البدع، من جواز الخروج عليه.стр. 121
وشرطه الإسلام والحريه ... عدالة سمع مع الدريه (١)
وأن يكون من قريش عالمًا ... مكلفًا ذا خبرة وحاكما (٢) الحواشي
(١) أي: ويشترط في الإمام الأعظم، الإسلام؛ لأن غير المسلم لا يكون له على المسلمين سبيل، والحرية، لأن الرقيق عليه الولاية، فلا يكون واليًا على غيره، فضلًا عن عامة المسلمين، ويشترط فيه أيضًا: عدالة لاشتراط ذلك في ولاية القضاء، وهي دون الإمامة العظمى؛ فإن قهر الناس غير عدل، فهو إمام، نص عليه أحمد وغيره.
ويعتبر فيه أيضًا: سمع؛ أي: بأن يكون سميعاً، بصيراً، ناطقاً، لأن غير المتصف بهذه الأوصاف، لا يصلح سياسته الخلق؛ من الدرية - بفتح الدال وكسر الراء - وهي: العلم والخبرة، بأن يكون عالمًا بالأحكام المتعلقة بالسياسة والحروب، بصيرًا بأحوال الناس، ومكرهم.(٢) أي: ويعتبر أيضًا: أن يكون الإمام من قريش، وهو ما كان من نسل فهر بن مالك بن النضر، لما روى أحمد وغيره: «الأئمة من
قريش» . «الخلافة في قريش» . وللترمذي بسند صحيح: «الملك في قريش» . ولحديث: «خير الأمراء: ثلاثًا؛ ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا» .
وحديث: «قدموا قريشاً، ولا تقدموها. وفي الصحيحين: «لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان» . وفيها أيضًا: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» .
وفي البخاري: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» . وكون الخلافة في قريش، ومن شرعه ودينه، كانت النصوص بذلك مأثورة معروفة متواترة، بخلاف كونها في بطن منهم، أو من غيرهم.
ويعتبر أيضًا: أن يكون عالما بأحكام الشريعة، لاحتياجه إلى مراعاتها، في أمره ونهيه؛ وأن يكون مكلفاً، أي: بالغا عاقلًا، لأن غير البالغ العاقل يحتاج لمن يلي أمره، فلا يكون واليًا على المسلمين؛ وأن يكون ذا خبرة بتدبير الأمور المذكورة، في البلاد والعباد.
وأن يكون حاكماً، أي: قادرًا على إيصال الحق إلى مستحقه، وكف ظلم المعتدي، وقمع أهل المعتدي، وقمع أهل الافتراء والاعتداء، وقادرًا على إقامة الحدود، وقمع أهل الضلال، لا تأخذه في الله لومة لائم.
وإن عقد لأكثر من واحد فهي للأول، فإن فسق بعد العدالة لم ينعزل، ولا تشترط عصمته، ولا كونه أفضل الأمة.стр. 122
وكن مطيعًا أمره فيما أمر ... ما لم يكن بمنكر فيحتذر (١) الحواشي
(١) أي: إذا عقدت له الإمامة، فصار إمامًا للمسلمين، فكن مطيعًا أنت وسائر رعيته أمره، فيما أمر به، إن كان طاعة لله باتفاق السلف، ما لم يكن أمره بمنكر، فلا يطاع في ذلك، بل يحذر منه، ويجتنب، وتحرم طاعته، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وثبت من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. والأحاديث في وجوب طاعة الله متواترة» .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إلى قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٨، ٥٩] . فالأولى في الولاة: أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل؛ والثانية في الرعية: أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك، في حكمهم ومغازيهم، وغير ذلك.
فإن تنازعوا في شيء، ردوه إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإن لم يفعل ولاة الأمور، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله وأديت إليهم حقوقهم وأعينوا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.
ويجب على كل وال: أن يولي على كل عمل من أعمال
المسلمين، أصلح من يجده لذلك العمل، أو الأمثل فالأمثل، لما
روى الحاكم وصححه: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا وهو يجد أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين» ، والولاية لها ركنان: القوة والأمانة؛ والقوة في كل ولاية بحسبها.стр. 123
فصل
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
واعلم بأن الأمر والنهي معا ... فرضا كفاية على من قد وعى (١)
وإن يكن ذا واحدًا تعينا ... عليه لكن شرطه أن يأمنا (٢) الحواشي
(١) أي: واعلم أيها الطالب للعلم، بأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر معاً، أي: كل واحد منهما منفرد، أو كلاهما، فرض كفاية، بالكتاب والسنة وإجماع السلف على جماعة المسلمين، يخاطب به الجميع، ويسقط بمن يقوم به، على من، أي: على أي إنسان قد وعى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وعلمه، لأنه لا صلاح للعباد في المعاش والمعاد إلا به.
ولأن جماع الدين، وجميع الولايات، أمر ونهي، والأمر الذي بعث الله به رسوله، هو الأمر بالمعروف؛ والنهي الذي بعثه به، هو النهي عن المنكر؛ وهو نعت النبي ﷺ والمؤمنين، في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤] .(٢) أي: وإن يكن الذي علم بالمنكر، هو عارف بما ينكر واحداً،
أو كانوا عددًا لكن لا يحصل المقصود إلا بهم جميعًا، تعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار فرض عين عليه أو
عليهم للزومه عليه أو عليهم، ولعدم قيام غيره أو غيرهم
به؛ لكن شرط افتراضه على الجماعة، أو الواحد، سواء كان
الأمر والنهي فرض كفاية، أو فرض عين: القدرة على ذلك؛ فإن مناط الوجوب القدرة، فيجب على كل بحسبه، وأن يأمن على نفسه وأهله وماله، ولا يخالف سوطًا أو عصاً، ولا أذى، ولا فتنة تزيد على المنكر، هذا قول الجمهور، عملًا بما في بعض الأحاديث من رخصة السكوت عند المخالفة.
وفي الحديث: «لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق. والحزم: أن لا يبالي» ، لما ورد: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» . وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] . قال بعض السلف، أي: يبيعها ببذلها في الجهاد، أو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى يقتل طلبًا لمرضاة الله .стр. 124
فاصبر وزل باليد واللسان ... لمنكر واحذر من النقصان (١) الحواشي
(١) أي: فاصبر على الأذى، ممن تأمره وتنهاه، ولا تنتصر لنفسك، واعلم أن الأمر والنهي، هو أشق ما يحمله المكلف، وهو مقام الرسل، والصبر إن لم يستعمل لزم تعطيل الأمر، أو حصول فتنة، أو مفسدة بتركه.
وأزل المنكر باليد، وهو أعلى درجات الإنكار؛ وغيره باللسان حيث لم تستطع تغييره باليد، بأن تعظه باليد وتذكره بالله وأليم عقابه، وتوبخه وتعنفه، مع لين وإغلاظ بحسب ما يقتضيه الحال؛ لمنكر: متعلق بـ "زال".
واحذر من النزول عن أعلى المراتب، حيث قدرت على أن
تغير المنكر بيدك إلى الإنكار باللسان، إلا مع العجز عن ذلك؛
ثم إنه لا يسوغ لك العدول، عن التغيير باللسان إلى الإنكار
بالقلب، إلا مع عدم القدرة على الإنكار باللسان، إلى الإنكار بالقلب، وهو أضعف الإيمان. فاحذر من النقصان: أشار بذلك إلى حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
رواه مسلم وغيره، وفيه أيضًا: «من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» .
وفي الباب أحاديث كثيرة، وذكر بعض السلف: أنه لا بد في الآمر، أن يكون عليمًا فيما يأمر به، عليمًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه، صابرًا على ما ناله من الأذى، أي: وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.стр. 125
ومن نهى عما له قد ارتكب ... فقد أتى بما به يقضى العجب (١) الحواشي
(١) أي: وأي إنسان نهى الخلق عن الشيء الذي قد ارتكب، وخالف عمله قوله، من فعل المحظور، وترك المأمور، فقد أتى من قاله وحاله من العمل، الذي منه يقضي العقلاء وأهل العلم العجب؛ أي: يحكمون بالعجب، لإتيانه القبيح الذي ينهى عنه، وتركه الحسن الذي يأمر به.
وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] . وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣] .
وفي الصحيحين: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في
النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» .
وفي صحيح مسلم قال: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: خطباء أمتك، الذين يقولون ما لا يفعلون» .
وقال الله عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] .
وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك، فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له، المؤتمرين به؛ وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه.стр. 126
فلو بدا بنفسه فَذَادَهَا ... عن غَيِّهَا لكان قد أفادَهَا (١) الحواشي
(١) أي: فلو بدأ الآمر والناهي بنفسه، قبل أمره ونهيه لغيره، فمنعها وردها عن غيها، لكان ببدايته بإرشاده نفسه، وردها عما هي عليه، من ارتكاب المنهي، قد أفادها النجاة والسلامة؛ فإن المرشد اللبيب: يبدأ بالأهم فالأهم، والأقرب فالأقرب؛ ولا أهم ولا أقرب إلى العبد من نفسه؛ وما تقدم من كون الآمر مستقيم الحال، هو عين الكمال وأبلغ في تأثير أمره ونهيه.
وأما وجوب الأمر والنهي، فلا يسقط عن الذي لم يكن متصفًا بتلك الأوصاف، والنهي عن المنكر واجب، والانكفاف عن المحرم واجب، والإخلال بأحد الواجبين، لا يمنع وجوب فعل الآخر؛ ولو كان لا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، إلا من ليس فيه شيء من ذلك، ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر، ولسقط الأمر والنهي ويود الشيطان أن لو كان ذلك.стр. 127
الخاتمة
نسأل الله حسنها
مدارك العلوم في العيان (١) ... محصورة في الحد والبرهان (٢) الحواشي
(١) مدارك: جمع مدرك الشيء أحاط به؛ ومراده: المدرك بالعقول، جمع عقل؛ وهو لغة: المنع؛ واصطلاحًا: ما يحصل به التمييز بين المعلومات، وهو صفة، وهو الذي يسمى عرضاً، وهو قائم بالنفس التي تعقل، متعلق بالقلب، وله اتصال بالدماغ، في العيان، أي: المشاهدة.(٢) أي: مدارك العلوم محصورة في شيئين لا ثالث لهما، ومقصورة عليهما في الحد، يأتي الكلام عليه؛ والبرهان، وهو: الحجة والدليل، وهما الكتاب والسنة؛ وقال المصنف: والبرهان عند أهل الميزان، قياس مؤلف من مقدمات يقينية، لإنتاج يقينيات. اهـ.
وإذا كان القياس لا يفيد العلم، إلا بواسطة قضية كلية بإجماعهم، وامتنع أن يكون فيما ذكروه، من صورة القياس، ومادته، حصول علم
يقيني. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد علم بإجماعهم
وبالعقل: أن القياس المنطقي لا يفيد إلا بواسطة قضية كلية، والقضايا التي هي عند مواد البرهان وأصوله، ليس فيها قضية كلية
للأمور الموجودة، وليس فيها ما تعلم به القضية الكلية إلا
العقل المجرد، الذي يعقل المقدرات الذهنية، وإذا لم يكن في أصوله برهانهم علم بقضية عامة، للأمور الموجودة، لم يكن في قياسهم علم؛ ولذلك تناقضت أقيستهم في المطالب الإلهية، ولم يصلوا بها إلى يقين؛ وغلبت عليهم الحيرة، لما يرونه من فساد أدلتهم. وصورة القياس المذكورة، فطرية لا تحتاج إلى تعلم، وإن كان فيه صحيح ففيه ما هو باطل، والحق الذي فيه من تطويل الكلام، وتكثيره بلا فائدة، وسوء التعبير وغير ذلك؛ والنافع منه فطري لا يحتاج إليهم فيه، وما يحتاج إليهم فيه ليس فيه منفعة إلا معرفة اصطلاحهم.
ولا شك أن من حسن الظن بالمنطق والكلام وأهله، إن لم يكن له مادة من دين وعقل، يستفيد بها الحق الذي ينتفع به، وإلا أفسدوا عليه دينه وعقله؛ ومن نور الله بصيرته، علم الفرق بين الطريقة العقلية السمعية الشرعية الإيمانية، والطريقة القياسية المنطقية الكلامية.стр. 128
وقال قوم عند أصحاب النظر ... حس وإخبار صحيح والنظر (١) الحواشي
(١) وقال قوم منهم: بل مدارك العلم عند أصحاب النظر - أي: الفكر والتدقيق، والبحث والتحقيق عنده عفا الله عنه - وهم: النظار من المتكلمين والمنطقيين، وعلماء الأصول ثلاثة؛ أحدها: حس أي: ما يدرك بأحد الحواس الخمس؛ السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس.
والثاني: إخبار صحيح ثابت مطابق للواقع؛ والخبر الثابت نوعان: الأول: خبر الرسول ﷺ الذي يجب الإيمان به وتصديقه. والنوع الثاني: الخبر الثابت على ألسنة قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب، كالعلم بالملوك الماضية.
والثالث: من مدارك العلم "النظر" أي: الفكر الذي يطلب به علم أو ظن، وهو عندهم التأمل والتفكر، والاعتبار بمعرفة الحق من الباطل، وهو فكرة القلب وتأمله؛ وقد يصيب الناظر وقد يخطئ وهذا النظر صحيح، إذا كان في حق ودليل؛ وغالب نظرهم في دليل مضل، يصير في القلب بذلك اعتقادًا فاسداً، وهو غالب شبهات أهل الباطل؛ والنظر المفيد للعلم: إنما هو في أدلة الكتاب والسنة؛ والطالب للعلم بالنظر لا يحصل له ذلك، إن لم ينظر في دليل شرعي، يفيده العلم بالمدلول عليه.стр. 129
الحد وهو أصل كل علم (١) ... ................................... الحواشي
(١) الحد في اللغة: المنع؛ وقوله: وهو أصل كل علم، جملة معترضة بين المبتدأ والخبر؛ وقال المصنف: لأن من لا يحيط به علماً، لم ينتفع بما عنده، انتهى؛ وعلوم بني آدم خاصتهم وعامتهم، حاصلة بدونه، فبطل قوله؛ كيف وهو: إنما حدث من مبتدعة المتكلمة، والفلاسفة لما عربت الكتب اليونانية.
ولا يخلو تكلفهم له، إما في العلم فيتكلموا بغير علم، وإما في القول، فيتكلفون من بيانه ما هو حشو وعناء، وهذا من المنكر المذموم بالشرع والعقل، وأمر الله نبيه أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] . وفي الصحيح: «من علم علمًا فليقل به ومن لم يعلم فليقل لا أعلم. وحرم الله في كتابه القول عليه بلا علم، وذم الكلام الكثير الذي لا فائدة فيه» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهؤلاء كلامهم في الحد غالبه
من الكلام الكثير، الذي لا فائدة فيه وكثير منه باطل، وقول بغير علم وقول لخلاف الحق، ولا ريب في استغناء الأنبياء وأتباعهم، من العلماء والعامة عنه، ولم يعرف في القرون المفضلة؛ ولم يكن تكلفه من عاداتهم.стр. 130
.................................. ... وصف محيط كاشف فافتهم (١)
وشرطه طرد وعكس وهو إن ... أنبا عن الذوات فالتام استبن (٢)
وإن يكن بالجنس ثم الخاصه ... فذاك رسم فافهم المحاصه (٣) الحواشي
(١) أي: وصف محيط بموصوفه، كاشف مميز للمحدود عن غيره؛ فحد الشيء الذي ينطبق على جميع أفراده، هو المانع الجامع؛ فافتهم: أمر من الفهم وهو: إدراك معنى الكلام.(٢) أي: وشرط كون الحد صحيحًا طرد، ومعناه التلازم بالثبوت؛ أي: كلما وجد الحد وجد المحدود؛ وعكس، أي: كلما وجد المحدود وجد الحد؛ ويلزم منه: أنه كلما انتفى الحد انتفى المحدود؛ وقال شيخ الإسلام: الحد يجب طرده وعكسه. اهـ؛ وهو: أي الحد إن دل وكشف عن الذوات المحدودة، كما إذا قيل: ما الإنسان؟ قيل: حيوان ناطق، فهو الحقيقي التام، وهو الأصل عندهم؛ فاستبن، أي: اطلب البيان عن حقيقة الحد.(٣) أي: وإن يكن الحد مركباً، من الجنس القريب، ثم الخاصة،
كحيوان ضاحك، في تعريف الإنسان، فذاك الجنس المركب: من
جنس قريب، وخاصة، رسم تام؛ فافهم المحاصة، أي: التقسيم
المذكور للحد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعامة حدودهم، هي
من هذا الباب، حشو لكلام كثير، يبينون به الأشياء، وهي قبل بيانهم أبين منها بعد بيانهم.
فهي مع كثرة ما فيها من تضييع الزمان، وإتعاب الحيوان، لا توجب إلا العمى والضلال، وتفتح باب المراء والجدال، إذ كل منهم يورد على حد الآخر، من الأسئلة ما يفسد به، ويزعم سلامة حده منه؛ ولا يسلم لهم حد لشيء من الأشياء، إلا ما يدعيه بعضهم، وينازعه فيه آخرون؛ فإن كانت الأمور لا تتصور إلا بالحد، لزم أن لا يكون إلى الآن أحد عرف حد شيء من الأمور، ولم يبق أحد ينتظر صحته، لأن الذي يذكره يحتاج معرفته بغير حد، وهي متعددة، فلا يكون لبني آدم شيء من المعرفة، وهذه سفسطة، ومغالطة.стр. 131
وكل معلوم بحس وحجا ... فنكره جهل قبيح في الهجا (١) الحواشي
(١) أي: وكل معلوم بحس من الحواس الخمس الظاهرة التي لا شك فيها فإنكاره قبيح جداً، إذ هو مجرد مكابرة، وكذا ما يدرك عندهم بحجا، وهو العقل، فإنكاره قبيح في الهجا، أي: في الشكل، والمثل، يقال: هذا على هجا هذا، أي: شكله؛ أي: قبيح في العادة المستمرة، ومردود عند أهل الكلام والمنطق.
وهم كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] . وأما أهل السنة والجماعة، فلا يردون إلا ما خالف الكتاب والسنة، والعقل المقبول عندهم: ما وافق الشرع؛ فإن النقل الصحيح الصريح، يوافقه العقل الصحيح.стр. 132
فإن يقم بنفسه فجوهر ... أو لا فذاك عرض مغتفر (١)
والجسم ما ألف من جزأين ... فصاعدً فاترك حديث المين (٢)
ومستحيل الذات غير ممكن ... وضده ما جاز فاسمع زكني (٣)
والضد والخلاف والنقيض ... والمثل والغيران مستفيض (٤) الحواشي
(١) أي: فإن يقم ذلك الشيء بنفسه، أي بذاته، فلا يخلو: إما أن يكون مركبًا من جزأين فصاعداً، وهو الجسم، أولاً، فجوهر، وهو العين الذي لا يقبل الانقسام، أو لا يقوم بنفسه، فهو عرض مفتقر إلى محل يقوم به.(٢) أي: والجسم هو ما ركب من جزأين فصاعداً، أي أكثر، أي: لا حد لأكثره، فاترك كلام المين، أي: الكذب.(٣) أي: المستحيل لذاته غير ممكن ولا مقدور، وضد المستحيل الذي جاز وجوده وعدمه، وتقدم؛ فاسمع زكني: علمي وتفرسي في اختصار الكلام.(٤) أي: والضد مع ضده، وهما ما امتنع اجتماعهما في محل واحد، في زمن واحد، كالسواد والبياض، والحركة والسكون؛ والخلافان يجتمعان، ويرتفعان، كالحركة والبياض، في الجسم الواحد؛ والنقيضان: لا يجتمعان، ولا يرتفعان، كالوجود والعدم، المضافين إلى معين واحد؛ والمثلان: ما قام أحدهما مقام الآخر كبياض وبياض؛ والغيران، هما المختلفان، وقيل: هما الموجودان اللذان يمكن أن يفارق أحدهما الآخر، بوجه مستفيض، استفاضة ظاهرة.стр. 133
وكل هذا علمه محقق ... فلم نطل به ولم ننمق (١)
والحمد لله على التوفيق ... لمنهج الحق على التحقيق
مسلما لمقتضى الحديث ... والنص في القديم والحديث (٢) الحواشي
(١) أي: وكل هذا المذكور، وأضعافه مما لم يذكره علمه مشهور محقق، فلم يطل بذكره؛ ولم ينمق، من التنميق وهو التحسين والتزيين؛ قال المصنف: إذ المقصود إنما هو ذكر أمهات مسائل العقائد السلفية.
وإدخال المصنف - عفا الله عنه - هذا ونحوه في عقائدهم، وهلة عظيمة، لم يذكره أحد من السلف، لا أحمد ولا غيره، ولا حكاه أحد المحققين في عقائدهم، وإنما هو طريقة المتكلمة، والمناطقة، الذين بنوا أصول دينهم على مقتضى عقولهم، وما خالفه من الكتاب والسنة أولوه وحرفوه.
وتقدم نقض ما بناه على أصولهم، من إنكار بعض الصفات الثابتة لله، وما أوجب اعتقاده بالعقل دون الشرع، وأهل السنة والجماعة مبنى عقائدهم على الكتاب والسنة، وهم أجل من أن يظن بهم الالتفات إلى تلك الطريقة، فضلًا عن أن يجعلوا مبنى أصول دينهم مجرد الأدلة العقلية، التي حقيقتها جهل وضلال وقدح في كمال الشرع.(٢) الحمد هو: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على وجه التعظيم؛ والتوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك؛ لمنهج الحق، متعلق بالتوفيق، أي: لطريق الحق الواضح، المطابق للشرع على التحقيق، وهو: إيقاع الأشياء في محالها، وردها على حقائقها.
مسلمًا: حال من معمول التوفيق؛ أي: الحمد لله على
توفيقي لمنهج الحق حال كوني مسلمًا؛ لمقتضى الحديث، أي: لما يقتضيه الحديث الثابت عن النبي ﷺ ، والنص القرآني، وقدم الحديث، مراعاة للقافية؛ وفي نسخة: كالنص، فحينئذ النص هو المقدم؛ في القديم والحديث، يعني: أن هذا معتقده في أول أمره وآخره، وأن مبنى عقيدته على الكتاب والسنة وما عليه السلف.стр. 134
لا أعتني بغير قول السلف ... موافقًا أئمتي وسلفي (١)
ولست في قولي ذا مقلدا ... إلى النبي المصطفى مبدي الهدى (٢) الحواشي
(١) لا أعتني: أي: لا أعول، ولا أقول بغير قول السلف الصالح، والرعيل الأول؛ موافقًا أئمتي من أهل الأثر، وسلفي في ذلك، من كل همام معتبر؛ ودخل على المصنف من مذهب أهل الكلام، ما لعله لم ينتبه له، مع أنه يقول: وخضت في علوم النظر والكلام، فرأيتها لا تشفي من سقام، ولا تروي من أوام، ولا تهدي من ضلال. اهـ. وكثير من متأخري الحنابلة - مع أنهم أسلم من غيرهم، من أتباع الأئمة، وأكثر موافقة للكتاب والسنة - دخل عليهم من مذاهب الأشاعرة وغيرهم، ما ظنوه من مذهب الإمام أحمد وليس كذلك.(٢) أي: ولست في قولي بما أشرت إليه، من اقتفاء الأئمة والسلف الصالح مقلدًا لهم في اعتقادي، من غير نظر في الدليل، بل نظرت كما نظروا، فلست في اعتقادي مقلداً، إلا النبي المصطفى من سائر الخلق ﷺ ، مظهر الهدى بالدلائل الواضحة، ومرشد العالم.стр. 135
صلى عليه الله ما قطر نزل ... وما تعانى ذكره من الأزل (١)
وما انجلى بهديه الديجور ... وراقت الأوقات والدهور (٢)
وآله وصحبه أهل الوفا ... معادن التقوى وينبوع الصفا (٣)
وتابع وتابع للتابع ... خير الورى حقا بنص الشارع (٤) الحواشي
(١) أي: و ﷺ مدة دوام نزول الأمطار، وتداول الأعصار، و ﷺ ما تعاني المعتنون ذكره، من الأزل في الأعصار الخالية، فإنه لم يخل زمان من ذكره، والتنويه بشرعه ومبعثه، إلى إبان رسالته. ورحمة الله مع الرضوان والبر والتكريم والإحسان.(٢) أي: و ﷺ ما انجلى، أي: ما زال وانكشف بهديه، المشرق، اللامع؛ الديجور أي: الظلمة، وما بهديه ﵊، راقت، أي: صفت الأوقات، وهو جمع وقت، وهو المقدار من الدهر؛ والدهور: جمع دهر، وهو الزمان الطويل، والأمد المدود.(٣) أي: وصلى الله على آله أقاربه وأصحابه؛ والصحابة جمع صاحب من اجتمع به مؤمنًا ومات على ذلك؛ أصحاب الوفاء بما أمروا به، معادن التقوى، وأجدر خلق الله بإقامتها فيهم بعد نبيه، وينبوع الصفا، الينبوع: عين الماء، والصفاء ضد الكدر، فهم ينبوع كل خالص من الكدر.(٤) أي: وصلى الله وسلم على تابع لهم بإحسان، وتابع للتابع على نهج الاستقامة؛ خير الورى، أي: أفضل هذه الأمة حقا، بنص الشارع ﷺ قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» .стр. 136
ورحمة الله مع الرضوان ... والبر والتكريم والإحسان
تهدى مع التبجيل والإنعام ... مني لمثوى عصمة الإسلام (١)
أئمة الدين هداة الأمة ... أهل التقى من سائر الأئمة (٢)
لا سيما أحمد والنعمان ... ومالك محمد الصنوان (٣) الحواشي
(١) أي: ورحمة الله تعالى، مع الرضوان من الله؛ والبر بالكسر: الإحسان، والتكريم لهم من فضله وكرمه؛ والإحسان إليهم منه جزاء لإحسانهم الأعمال، تهدى، أي: هذه الأمور؛ مع التبجيل، أي: التعظيم، والإنعام من الملك العلام، مني أسأل الله، أن يفعل ذلك بمنه وكرمه.
لمثوى، لمنزل ومقام، عصمة أهل الإسلام، من البدع والآراء والإلحاد؛ والعصمة: المنعة؛ وعصمة هذا الدين بعد الصحابة والتابعين، بأئمة أهل هذا الدين، هداة الأمة الدالين لهم على نهج الرسول، والكاشفين لهم عن معاني الكتاب والسنة.(٢) أي: جميع أئمة الدين، المقتدى بأقوالهم وأفعالهم، من كل عالم همام، كالأئمة الأربعة والسفيانين، والحمادين، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وابن المبارك، والليث، وربيعة، وابن جريج، وغيرهم؛ فإنهم سلفية، ولهم في السنة التصانيف النافعة؛ وكابن خزيمة، والدارمي، وكشيخ الإسلام ابن تيمية، فارس المعقول والمنقول، ومصنفاته في ذلك مشهورة مقبولة، لم يسبق إلى مثلها، مؤيدة بالبراهين يغترف من بحره، وغيره من السواقي.(٣) لا سيما: كلمة مبنية، لدخول ما بعدها فيما قبلها بالأولى، فما
نسب لمن قبلها من الثناء والدعاء، فمن بعدها أولى؛ أي: فالأولى بما أهداه من الدعاء: الإمام أحمد بن حنبل، إمامنا ﵁، الشهير العلم المنير؛ قال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة، وكشف الغمة عن عقيدة الأمة، وتقدمت ترجمته.
والإمام المعظم: أبو حنيفة، النعمان بن ثابت الكوفي التابعي، رأى أنس بن مالك، وأبا الطفيل، وروى عن حماد وعاصم، وقتادة وغيرهم؛ وعنه: وكيع، وعبد الرزاق، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، قال مكي بن إبراهيم: أعلم أهل زمانه، وما رأيت في الكوفيين أورع منه؛ وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وأثنى عليه الأئمة الكبار؛ ولد سنة ثمانين، ومات سنة مائة وخمسين.
والإمام أبو عبد الله: مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، المدني، إمام دار الهجرة، روى عن جماعة من التابعين: نافع، وابن المنكدر، وحميد الطويل، وغيرهم، وعنه: الشافعي، والأوزاعي، ويحيى، وخلق؛ قال أحمد: مالك أثبت في كل شيء؛ وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر؛ مات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وهو ابن تسعين سنة، ودفن بالبقيع.
والإمام أبو عبد الله: محمد بن إدريس بن العباس بن
عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف الشافعي؛ الصنوان، أي: القرابة للنبي ﷺ ، وفي الحديث: «فإن عم الرجل صنو أبيه» . وفي رواية: "صنوي" يريد أن أصل العباس، وأصله واحد، فإن الشافعي يجتمع نسبه مع رسول الله ﷺ ، في عبد مناف؛ ولد سنة خمسين ومائة بغزة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وروى عن محمد بن علي، وابن أسامة، وسعيد بن سالم، وسفيان، ومالك وغيرهم.
واجتمع فيه من العلوم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وكلام الصحابة والتابعين، ما لم يجتمع في غيره، قال أحمد: كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن؛ روى عنه ابنه محمد، وأحمد، وأبو ثور، والقاسم بن سلام، وحرملة، والحسن بن محمد، والربيع، وخلق، توفي سنة أربع ومائتين.стр. 137
من لازم لكل أرباب العمل ... تقليد حبر منهم فاسمع تخل (١) الحواشي
(١) أي: الذي هو لازم لا انفكاك عنه، ولا مندوحة لكل مكلف من أصحاب العمل الصالح، ممن ليس في أهلية الاجتهاد المطلق، تقليد حبر منهم، أي: من الأئمة الأربعة المتقدم ذكرهم، المضبوطة أقولهم، المدونة مذاهبهم في كل مصر وعصر، فاسمع نظامي، وما أشرت إليه تخل، أي: تظن، وتعلم ذلك حقًا؛ واحترز بقوله لكل أرباب العمل، عن التقليد في أصول الدين وأركانه، وما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجب على العامي أن يلتزم
مذهبًا بعينه، كما أنه ليس له أن يقلد في كل مسألة من يوافق
غرضه، وليس له أن يقلد في المسألة الواحدة إذا كان الحق له من
غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإذا اعتقد وجوب شيء أو تحريمه اعتقد ذلك عليه وعلى من يماثله، وقال: التمذهب بمذهب، بحيث يأخذ برخصه وعزائمه، طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع، وتوقف في جوازه، فضلًا عن وجوبه، وقال: إن خالفه لقوة الدليل، أو زيادة علم، أو تقى، فقد أحسن، ولم يقدح في عدالته؛ وقال: بل يجب في هذا الحال، وأنه نص أحمد. اهـ.
والواجب على كل مسلم، إذا بلغه الدليل، من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ أن يعمل به وإن خالفه من خالفه؛ وأجمع العلماء: على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنًا من كان.стр. 138
ومن نحا لسبلهم من الورى ... ما دارت الأفلاك أو نجم سرى (١)
هدية مني لأرباب السلف ... مجانبا للخوض من أهل الخلف (٢) الحواشي
(١) أي: ورحمة الله مع الإحسان، والعفو والغفران، تهدى لمن نحا، أي قصد لسبلهم، جمع سبيل، وهو الطريق الواضح، من سائر الورى، أي: الخلق؛ ما دارت الأفلاك، جمع فلك، سميت بذلك لاستدارتها، من قولهم: تفلك ثدي الجارية، إذا استدار؛ أو نجم سرى، أي: وتهدى لهم الرحمة، ولمتبوعيهم، مدة دوام سرى النجوم.(٢) أي: ذكر أنه لما نظمها بسؤال بعض أصحابه النجديين، وأنها
على ما نحاه السلف، قال: هذه العقيدة، هدية مهداة مني
بعون الله، لأرباب، أي: أصحاب طريقة السلف، وعقيدة أهل
الأثر، حال كونه مجانباًً في نظمه، للخوض في صرف الآيات، والأحاديث، والآثار إلى غير محاملها، مما هو دأب المحرفين من الخلف، المخالفين لمذهب السلف.стр. 139
خذها هديت واقتف نظامي ... تفز بما أملت والسلام (١) الحواشي
(١) أي: خذ هذه العقيدة، هديت أيها السلفي في اعتقادك، واقتف، أي: اتبع نظامي في هذه العقيدة، التي هي بأمهات مسائل عقائد السلف، وفيه: فإنك إن فعلت تفز، أي: تظفر بما أملت من نيل الفلاح، وتظفر أيضًا: بالسلام، أي: الأمان من التخليط في اعتقادك.
قلت: وتأمل ما نبهت عليه، مما خالف فيه المصنف مذهب السلف، وما أودعته من البراهين، تسلك سبيل السلف الصالحين، على بصيرة ويقين؛ والله الموفق لا إله غيره، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على محمد، وآله وصحبه،
وسلم تسليم كثيرًا