Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فكل ما عن سيد الخلق ورد ... من أمر هذا الباب حق لا يرد (١) الحواشي
(١) أي: فكل الذي ورد عن سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه بالأسانيد المقبولة، ودونه أهل العلم من أي أمر من أمور هذا الباب وغيره حق يجب اعتقاده والإيمان به لا يرد من ذلك شيء ثبت عن المعصوم ﷺ ، فمن تصدى لرد شيء من ذلك، فقد خاب وخسر.
فإن الرسل جعلهم الله واسطة بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم، وما يضرهم، وإذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها، مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا، وشقي شقاوة لا سعادة معها أبداً، فلا فلاح إلا باتباع الرسول ﷺ والإيمان بما جاء به.стр. 72
فصل في أشراط الساعة
وعلاماتها الدالة على اقترابها ومجيئها (١)
وما أتى في النص من أشراط (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أشراطها: أماراتها، وعلاماتها، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] .
وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] .
وقال ﵇: «بعثت أن والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والتي تليها» .
وأماراتها ثلاثة أقسام:
قسم ظهر وانقضى: كبعثة النبي ﷺ ووقعة الجمل، وصفين، ونحوهما، وملك بني أمية، والعبابسة، ونار الحجاز التي أضاءت منها أعناق الإبل ببصرى، وخروج الكذابين المدعين النبوة وكثرة المال والزلازل.
وقسم متوسط: ككون أسعد الناس بالدنيا: لكع بن لكع، وإماتة الصلاة، وإضاعة الأمانة والتباهي في المساجد، وأكل الربا، ونحو ذلك، كرفع العلم وكثرة الجهل، وكثرة الزنا وشرب الخمر، وقلة الرجال وكثرة النساء وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، ولحوق حي من الأمور بالمشركين، وعبادة فئام من الأمة الأوثان وغير ذلك.
والقسم الثالث: العلامات العظام التي تعقبها الساعة: وهي المقصود بالنظم.(٢) أي: وما ورد في النص القرآني، والحديث النبوي من أشراط الساعة يجب اعتقاده، والمراد يوم القيامة، سمي بالساعة لقربها، أو لأنها تأتي بغتة في ساعة.стр. 73
.................................. ... فكله حق بلا شطاط (١)
منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح (٢) الحواشي
(١) أي: فكل الذي أتى في النص من أشراط الساعة حق واقع يقين، يجب اعتقاده بلا شطاط، أي: من غير طول وبعد.(٢) أي: من أشراط الساعة، التي وردت بها الأخبار، ظهور الإمام المقتدى به، الخاتم للإمامة، فلا إمام بعده، الفصيح اللسان، لأنه من صميم العرب، أهل الفصاحة والبلاغة، والفصاحة: خلوص الكلام من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحة مفرداته، والفصاحة والبيان في المتكلم ملكة يقتدر معها على التعبير بالمقصود بلفظ فصيح.
ومحمد المهدي اسمه وأشهر أوصافه، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه أسم أبي» .
وفي رواية: «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما» ، وأخرجه الترمذي، وصححه بلفظ: «حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي» .
وأخرجه أبو داود وغيره، وتسميته محمد، أو محمد بن عبد الله، ووصفه بالمهدي، ورد في عدة أخبار، تدل على خروجه، وحكمه بالقسط والعدل، والله اعلم.
والمسيح هو عيسى ابن مريم ﵇، سمي مسيحا: لأنه
يمسح ذا العاهة فيبرأ، أو لمسحه في الأرض، ذهابه فيها، أو لكونه ممسوح القدمين، أو لحسن خلقه، والمسحة: الجمال، أو الصديق، خلقه الله من أنثى بلا ذكر ثم قال له: كن فكان بكن، بعثه الله إلى بني إسرائيل، وكان آخر أنبيائهم، وله حواريون وأنصار، ولما أجمع أولئك الملأ على قتله، رفعه الله إليه، كما قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء ١٥٨] .
وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وليس المراد الموت المعهود بل كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] . فإنه حي.
ونزوله ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] . وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، وفي صحيح مسلم: «بينما الدجال كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه» .
وفي الصحيحين: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فليكسر الصليب، وليقتل الخنزير، وليضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، ويتحد الدين فلا يعبد إلا الله وحده» .
وأجمع السلف: أنه ينزل، ويحكم بهذه الشريعة
المحمدية، وتنبت الأرض نبتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، كما ثبت ذلك.стр. 74
وأنه يقتل للدجال ... بباب لد خل عن جدال (١) الحواشي
(١) أي: وإن المسح عيسى ابن مريم يقتل الدجال بأمر الله وتأييده، وسمي دجالا لتمويهه على الناس، وتلبيسه، وسمي أيضا مسيحا، لأنه ممسوح العين قال ﵇: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» . وأمر بالتعوذ منه، قال: «وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» وقال: «إنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار» . وأخرجه مسلم، ولهما عنه ﷺ : «إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فإنه ماء عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب» .
وأخبر أن لبثه في الأرض: «أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم» ، وسئل: عن الصلاة في اليوم الذي كسنة؟ قال: «قدروا له» .
وقوله: بباب؛ متعلق بيقتل؛ أي: يقتل الدجال بباب لد، بوزن مد، بلدة مشهورة، بينها وبين رملة فلسطين فرسخ، إلى جهة الشمال، ينزل مع الفجر بدمشق، على المنارة البيضاء ويهرب أصحاب الدجال، فيدركه بباب لد فيقتله، خل، أي: اترك وتنح عند جدال في ذلك، فإنه أخبر به المعصوم ﷺ فوجب اعتقاده.стр. 75
وأمر يأجوج ومأجوج اثبت (١) ... ................................... الحواشي
(١) أي: اعتقد خروج يأجوج ومأجوج، فإنه حق ثابت بالكتاب، والسنة وإجماع الأمة، سموا بذلك: لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: اسمان أعجميان، وهم من ولد يافث بن نوح باتفاق النسابين قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦-٩٧] وفي صحيح مسلم: «إن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم، بعد قتله الدجال، إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقاتلهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون» .
وفيه أيضا: «إنها لن تقوم الساعة، حتى تروا عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
وقد كفهم الله بردم ذي القرنين، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ
وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف٩٧-٩٨] فيخرجون، ويحرز عيسى عباد الله إلى الطور كما ثبت، «ويرغب عيسى وأصحابه
إلى الله فيرسل الله عليهم النغف، فيصبحون موتى ويخرج
المسلمون من مدائنهم وحصونهم، ويهبطون إلى الأرض، وقد
امتلأت بنتنهم، فيرغبون إلى الله، فيرسل الله مطرا فيغسل الأرض حتى يدعها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك، فبينا عيسى وأصحابه في ذلك العيش الرغد وقد هلك عودهم، إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» .стр. 76
.................................. ... وأنه حق كهدم الكعبة (١)
وأن منها آية الدخان (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: كما أن أمر يأجوج ومأجوج، حق ثابت وقوعه، ويجب اعتقاد وقوعه، فكذا يجب اعتقاد وقوع هدم الكعبة المعظمة، لما في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» .
وفيهما أيضا: «كأني به أسود أفحج يهدمها حجرا حجرا. الحديث، يتدوالها أصحابه بينهم حتى يطرحها في البحر» .
أخرج أحمد وغيره: «ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده» . والذي تقتضيه الحكمة -والله أعلم- أن هدم الكعبة بعد موت عيسى، وقبض المؤمنين، فبعد ذلك يخرج الحبشة، وعليهم ذو السويقتين، فيخربون مكة، ويهدمون الكعبة، ويرتفع القرآن.(٢) أي: وإن من أشراط الساعة، التي ثبت بها الكتاب والسنة، ويجب الإيمان بها آية، أي علامة، الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ
تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] . قال ابن عباس وغيره: هو دخان قبل قيام الساعة، يدخل في أسماع الكفار والمنافقين، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام.
وتقدم فيما رواه مسلم: «إنها لن تقوم الساعة، حتى تروا عشر آيات فذكر منها الدخان» ، ورواه الترمذي وغيره، وذكر أنه يمكث في الأرض أربعين يوما، وفي حديث حذيفة: «فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران، يخرج الدخان من فيه ومنخريه، وعينيه وأذنيه، ودبره» .стр. 77
.................................. ... وأنه يذهب بالقرآن (١)
طلوع شمس الأفق من دبور (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: ومن أشراط الساعة، التي يجب الإيمان بها، رفع القرآن العظيم، المنزل من لدن حكيم عليم، وتقدم قول السلف: منه بدأ وإليه يعود، يرفع من المصاحف والصدور، كما جاء في الأحاديث: إنه يسري به، حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في الصدور منه آية.(٢) أي: ومن علامات الساعة، الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، طلوع الشمس من المغرب، فقوله: من دبور، أي: من جهة دبر الكعبة، ومنه سميت الريح التي مهبها من جهة المغرب دبوراً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] . أجمع المفسرون: أنها طلوع الشمس من مغربها، وفي الصحيحين: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا كلهم أجمع، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» .
وأخرج مسلم وغيره: «أتدرون أين تذهب الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارجعي من حيث جئت» - إلى قوله -: «فتصبح طالعة من مغربها بعدما يؤذن لها» .стр. 78
.................................. ... كذات أجياد على المشهور (١) الحواشي
(١) أي: ومن علامات الساعة، الثابتة بالكتاب، والسنة والإجماع، خروج الدابة، صاحبة "أجياد" شعب بمكة مشهور، سمي بذلك لما قيل: إنه موضع خيل تبع، أو لمجيء الخيل الجياد منه إلى إسماعيل، قال المصنف في إضافتها إلى "أجياد" على القول المشهور، لما روي عن أبي هريرة مرفوعا: «تخرج دابة الأرض من أجياد وروي خروجها من غيره، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢] » .
وعن حذيفة مرفوعا: «دابة الأرض طولها ستون ذراعا، لا يدركها طالب، لا يفوتها هارب.
وأخرج أحمد، والترمذي وابن ماجه: «تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان، وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر» .
ولأحمد: «فتسم الناس على خراطيمهم» .стр. 79
وآخر الأخبار حشر النار ... كما أتى في محكم الأخبار (١)
فكلها صحت بها الأخبار ... وسطرت آثارها الاخيار (٢) الحواشي
(١) أي: آخر العلامات العظام، الثابتة بالشرع، حشر الناس للناس من المشرق إلى المغرب، ومن اليمن إلى الشام، كما أتى مصرحا به في محكم الأخبار وصحيح الآثار، ففي صحيح مسلم: «لن تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات فعدها ثم قال: وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
وفي رواية: «نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس» ، قال شعبة: وأحسبه قال: «تنزل معهم إذا نزلوا، وتقيل معهم حيث قالوا» ورواه مسلم، وأهل السنن، وله طرق.
* تتمة: خرج مسلم في صحيحه، وغيره: «تجئ بعد موت عيسى ريح باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحدا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، فيبقى شرار الناس، في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقولون: ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور» .
وأخرج مسلم أيضا، وغيره «فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة» .(٢) أي: فكل أشراط الساعة المذكورة، صححت بها الأخبار، عن
المختار ﷺ وكلها سطرت آثارها الأخيار، وآثار: مفعول سطرت، وأصل السطر الصنف من الشيء، والجمع أسطر وسطور. والأخيار: اسم فاعل ضد الأشرار، والمراد هنا: علماء الأمة، من التابعين وتابعيهم، وأئمة السلف، وروي من حديث أبي هريرة: «خير أمتي علماؤها» وقال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» .стр. 80
فصل
في أمر المعاد
واجزم بأمر البعث والنشور ... والحشر جزما بعد نفخ الصور (١) الحواشي
(١) أي: واجزم جزم إيقان واعتقاد، بالبعث بعد الموت، وبالنشور من القبور والحشر لفصل القضاء، جزما: مصدر مؤكد، وذلك كله واقع بعد النفخ في الصور والمراد نفخة البعث.
ومعاد الأبدان متفق عليه، بين المسلمين، واليهود، والنصارى، وسائر أهل الملل قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]
وقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] ، وقال ﵇ للعاص بن وائل وقد جاءه بعظم حائل، ففته بيده، فقال: يا محمد أيحيي الله هذا بعدما أرم؟ قال: نعم يبعثه الله ثم يميتك ثم يحيك ثم يدخلك نار جهنم.
والنشور، يرادف البعث في المعنى، يقال: نشر الميت، وأنشره
أحياه، وأما الحشر، فهو في اللغة: الجمع تقول حشرت
الناس إذا جمعتهم، والمراد: جمع أجزاء الإنسان بعد تفرقها، ثم إحياء الأبدان بعد موتها، فيبعث الله جميع العباد، ويعيدهم بعد موتهم ويسوقهم إلى محشرهم، لفصل القضاء، بالكتاب، والسنة والإجماع.
وأما النفخ في الصور، فإذا أطلق فالمراد به: نفخة البعث والنشور، وينفخ فيه ثلاث نفخات.
نفخة الفزع: وهي التي يتغير بها العالم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] . أي رجوع ومرد وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] . سميت نفخة الفزع، لما يقع من هول تلك النفخة.
والنفخة الثانية: نفخة الصعق، وفيها هلاك كل شيء، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] . وفسر الصعق بالموت، وهو متناول حتى الملائكة، والاستثناء متناول لمن في الجنة، من الحور العين وغيرهم.
والثالثة: نفخة البعث والنشور، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] . وقال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
وأخرج ابن جرير والبيهقي وغيرهما، من حديث أبي هريرة، «قلت: وما الصور؟ قال: قرن عظيم، إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى الفزع والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين.стр. 81
كذا وقوف الخلق للحساب (١) ... والصحف والميزان للثواب (٢) الحواشي
(١) أي: كما يجب الجزم بالبعث والنشور يجب الجزم بقيام الخلق، من الإنس، والجن والدواب، والطير، وغيرهم، لرب العالمين، قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] . وفي ذلك الموقف أهوال عظيمة، تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وهو حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين، حفاة عراة غرلًا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، ينزل فيه الرب لفصل القضاء، يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. هذا العرض للحساب، ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] . ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] . ويدخل الله الجنة أقوامًا بغير حساب، كما في الصحيحين: «هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وذكر أنهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .(٢) أي: ويجب الجزم بأخذ الصحف -جمع صحيفة- وهي صحف الأعمال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] . ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] . فنشر الصحف وأخذها باليمين، أو الشمال، يجب الإيمان به، لثبوته بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وقدم الحساب عليه للقافية، أو تقديمًا للمقاصد على الوسائل.
وقوله: والميزان؛ أي يجب الجزم بالميزان، لأجل ثواب الأعمال الصالحة، وغب السيئات الفاضحة، فنؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع، وأن له كفتين بهما صحائف الأعمال، وقد بلغت أحاديثه حد التواتر.
وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
قال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢-١٠٣] . فيحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة؛ وأما الكفار، فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم ويقررون بها، ويجزون عليها.стр. 82
كذا الصراط ثم حوض المصطفى ... فيا هنا لمن به نال الشفا (١) الحواشي
(١) وكذا يجب الجزم بثبوت الصراط، وهو في اللغة: الطريق الواضح؛ وفي الشرع: جسر منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين
الجنة والنار، ويرده الأولون والآخرون، فيمرون عليه على قدر
أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق،
ومنهم من يمر كالطير، وكأجاود الخيل والركاب، تجري بهم أعمالهم، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف ويلقى في
جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة فإذا عبروا وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول
الجنة.
وقوله: ثم حوض المصطفى: أي: اجزم بثبوت حوضه ﷺ فهو حق ثابت بإجماع أهل الحق، متواتر عنه ﷺ ، ففي الصحيحين: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبدًا» .
وفي الصحيحين: «إن قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء» . فيا هنا لشخص نال الشفاء بالشراب من ذلك الحوض.
وقال المصنف أي: أيها الشراب السائغ الهني الآتي بلا مشقة، أقبل على شخص، بسبب الشرب منه، نال الشفاء من ظمأ ذلك اليوم، والشفاء هو الدواء.стр. 83
عنه يذاد المفتري كما ورد (١) ... ................................... الحواشي
(١) أي: عن حوض النبي ﷺ وعن الشراب منه؛ يذاد، أي: يطرد المفتري، من الفرية، الكاذب على الله ورسوله، من المحدثين في الدين كما ورد، ففي صحيح مسلم: «ليردن على الحوض أقوام، فيختلجون دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» .
وفي الصحيحين: «أنا فرطكم على الحوض، من ورد
شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداًَ، وليردن علي أقوام، أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا، لمن بدل بعدي» . وفيهما أيضًا: «إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، ويؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي» . وفي رواية: «فأقول: أصحابي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك، فوالله ما برحوا يرجعون على أعقابهم» .стр. 84
.................................. ... ومن نحا نحو السلامه لم يرد (١)
فكن مطيعاًًً واقف أهل الطاعة ... في الحوض والكوثر والشفاعه (٢) الحواشي
(١) أي: وأي شخص قصد طريق السلامة، ونهج الحق، وسلم من البدع، يرد عليه ﷺ الحوض، لا يرد عن الشرب منه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مما مر وغيره.(٢) أي: فكن أيها الناظر للنظم، مطيعًا لما جاءت به الأخبار واقف أي: اتبع أهل الطاعة، من فرقة أهل السنة والجماعة، وفي إثبات الحوض للنبي ﷺ في عرصات القيامة وإثبات الكوثر وهو نهر في الجنة، أو هو الخير الكثير، ومنه النهر. وفي صحيح مسلم في الكوثر، قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة» .
وفي صحيح البخاري: «بينا أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال هذا الكوثر الذي
أعطاك ربك» . وللترمذي وصححه «سئل: ما الكوثر؟ قال:
ذاك نهر أعطانيه الله -يعني: في الجنة- أشد بياضًا من اللبن،
وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر» . وقد تواترت الأحاديث من طرق تفيد القطع بنهر الكوثر، وكذلك أحاديث الحوض.
وفي صحيح مسلم، في صفة الحوض: أنه يشخب فيه ميزابان من السماء، من نهر الكوثر. وصرح بعض أئمة السلف، أن الذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الكوثر: أنه نهر عظيم في الجنة والواردة في الحوض: أنه حوض عظيم، في عرصات القيامة، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر.
وقال القرطبي: الكوثر: حوضان؛ أحدهما في الموقف قبل الصراط؛ والثاني: في الجنة؛ وكلاهما يسمى كوثرًا، والله أعلم.
وقوله: والشفاعة؛ أي: واتبع أهل السنة في إثبات الشفاعة.
وهي لغة: الوسيلة والطلب.
وعرفًا: سؤال الخير للغير؛ مشتقة من الشفع ضد الوتر، فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له.стр. 85
فإنها ثابتة للمصطفى ... كغيره من كل أرباب الوفا (١)
من علم كالرسل والأبرار (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي فإن الشفاعة العظمى، وغيرها من سائر الشفاعات، الآتي ذكرها، ثابتة بالنقل الصحيح المتواتر للمصطفى ﷺ كما أنها ثابتة لغيره، من كل أصحاب الوفاء بامتثال الأوامر، والانتهاء عن الزواجر.(٢) أي: الشفاعة ثابتة لأرباب الوفاء، من عالم عامل بعلمه، معلم
لغيره؛ وهم الربانيون، وهؤلاء هم ورثة الأنبياء، فكما نفعوا الناس
في الدنيا بالتعليم، كذلك ينفعونهم بالشفاعة عند الله، كالرسل، جمع رسول، وهو: من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه؛ وكذا الأنبياء، وهؤلاء هم خواص الخلق عند الله، والأبرار، وهم الأتقياء الأخيار.
فيجب أن يعتقد: أن غير النبي ﷺ من سائر الرسل، والأنبياء، والملائكة، والصحابة والعلماء، والشهداء، والصالحين، والصديقين، والأولياء، والأفراط، وغيرهم يشفعون عند الله بإذنه، لمن رضي قوله وعمله، كما ثبتت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ وأجمع عليه المسلمون.стр. 86
.................................. ... سوى التي خصت بذي الأنوار (١) الحواشي
(١) أي: سوى الشفاعات التي خصت بصاحب الأنوار محمد ﷺ ، فلا يشاركه فيها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا صديق، ولا شهيد، ولا غيرهم.
الشفاعة الأولى: يشفع في أهل الموقف، حتى يقضى بينهم، بعد أن تتراجع الأنبياء آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، الشفاعة، حتى تنتهي إليه ﷺ ، فيقول: أنا لها، وهذا هو المقام المحمود، الذي يحمده فيه الأولون والآخرون.
والشفاعة الثانية: يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ وهاتان الشفاعتان، خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها؛ ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته.стр. 87
فصل
في الكلام على الجنة والنار
وكل إنسان وكل جنة ... في دار نار أو نعيم جنة (١)
هما مصير الخلق من كل الورى (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: وكل "إنسان " من بني آدم، وكل " جنة " بكسر الجيم، طائفة الجن، لا بد أن يكون في أحد الدارين، إما في دار نار، دار البوار، أجارنا الله منها، يقال: إنها دركات بعضها تحت بعض، أعلاها جهنم، فلظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، أو في دار نعيم مقيم، في جنة الخلد درجات بعضها أعلى من بعض؛ أعلاها الفردوس، وسقفها عرش الرحمن، نسأل الله من فضله، وكل واحدة من الجنة والنار، ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ويجب الإيمان بهما، واعتقاد وجودهما.(٢) أي: الجنة والنار مصير الخلق، من الإنس والجن، لا بد لكل واحد منهم أن يصير، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، والملائكة في الجنة، وأهل الأعراف مصيرهم إلى الجنة، قال في الفروع: الجن مكلفون في الجملة إجماعًا، يدخل كافرهم النار إجماعًا، ويدخل مؤمنهم الجنة، وفاقًا لمالك والشافعي؛ قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يخالف أحد من طوائف
المسلمين، في وجود الجن، وليس الجن كالإنس في الحد
والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به، وما نهوا عنه، مساويًا لما على
الإنس في الحد والحقيقة، لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف. بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء.стр. 88
.................................. ... فالنار دار من تعدى وافترى (١)
ومن عصى بذنبه لم يخلد ... وإن دخلها يا بوار المعتدي (٢)
وجنة النعيم للأبرار (٣) ... ................................... الحواشي
(١) أي: فالنار التي هي دار الهوان، دار كل شخص من إنس وجن تعدى طوره فكفر بالله أو بأحد رسله، أو بكتاب من كتبه أو بشرع شرعه، وافترى فيما عبد من دون الله، فكل من كفر بالله كفرًا يخرج عن الملة، ولم يتب، فهو خالد مخلد في النار، بالإجماع.(٢) أي: وكل عبد مؤمن بالله ورسوله -ولو مبتدعاً- لم يحكم الشرع بكفره، عصى ربه وتعدى حدوده بذنبه، ولو كان من أكبر الكبائر غير الشرك، كالقتل والزنا، ومات على الإسلام ولو لم يتب، لم يخلد في النار، وإن دخلها ليطهر من الأوزار، فإنه يخرج منها إما بشفاعة الشافعين، أو رحمة أرحم الراحمين؛ يا بوار، أي: يا هلاك المعتدي، إشارة إلى تقبيح ما ذهبت إليه المعتزلة، من القول بتخليد أهل الكبائر في النار.(٣) للجنة عدة أسماء، باعتبار أوصافها، ومسماها واحد باعتبار الذات، والاسم العام (الجنة) ومن جملة تلك الأسماء (جنة النعيم) سميت بذلك لما اشتملت عليه من أنواع النعيم، واللذة والسرور، وقرة العيون؛ والأبرار جمع بر، أو بار - وتقدم - وهو كثير البر؛ والبر: اسم جامع للخير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] .
وغيرها مما يخص الجنة بأهل البر، الذين هم أهل الإيمان والتقوى والعمل الخالص.стр. 89
.................................. ... مصونة عن سائر الكفار (١)
واجزم بأن النار كالجنة ... في وجودها وأنها لم تتلف (٢) الحواشي
(١) أي: جنة النعيم، محفوظة محمية عن جميع الكفار، فإن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أمر بلالاً ينادي في الناس: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» . وفي لفظ: «مؤمنة» .(٢) أي: واجزم، واعتقد، بأن النار وما فيها من أنواع العذاب، موجود الآن، كالجنة وما فيها من النعيم، فهما موجودتان، ولم يزل الصحابة والتابعون وسائر أهل السنة على اعتقاد ذلك، لما ثبت بالكتاب والسنة، وعلم بالضرورة من أخبار الرسل، وأنكرته طائفة من القدرية، والمعتزلة، فصار السلف يذكرون في عقائدهم: أن الجنة والنار مخلوقتان.
وفي الصحيحين وغيرهما من غير وجه: «أنه ﵇، رأى الجنة في صلاة الكسوف، حتى هم أن يتناول عنقودًا من عنبها، ورأى النار فلم ير منظرًا أفظع من ذلك» ، وفي قصة الإسراء: «دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» .
واجزم أيضًا: أن النار لم تتلف، أي: لم تهلك وتبدل،
بل موجودة الآن، كالجنة وما فيها؛ وأبدية نعيم الجنة مما
علم بالاضطرار من الكتاب والسنة، وكذلك النار، وفي
الصحيحين: «يجاء بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» . وفيه عدة أحاديث.
وأجمع أهل السنة والجماعة على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم الجنة لا ينقطع، لما دل على ذلك من الكتاب والسنة.стр. 90
فنسأل الله النعيم والنظر ... لربنا من غير ما شين غبر (١)
فإنه ينظر بالأبصار ... كما أتى في النص والأخبار (٢) الحواشي
(١) أي: فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم النعيم المقيم، في جنات النعيم، ونسأله النظر إلى وجهه الكريم، من غير سابقة عذاب، ولا مناقشة حساب.(٢) أي: فإنه سبحانه يرى بالأبصار، في الدار الآخرة، باتفاق السلف، كما جاء في النص القرآني في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . وأعلاها النظر إلى وجهه الكريم، وقال: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] . وغيرها.
وكما أتى في الأخبار النبوية، ففي الصحيحين وغيرهما: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» . وفيهما أيضًا: «قالوا: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: نعم، فهل تضارون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟» .
وقد بلغت أحاديث الرؤية حد التواتر، والإيمان بذلك من
أصول أهل السنة والجماعة، فيراه المؤمنون يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب، وكما
يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وهم في عرصات القيامة؛ ثم يرونه بعد دخول الجنة، كما يشاء ﵎.стр. 91
لأنه سبحانه لم يحجب ... إلا عن الكافر والمكذب (١) الحواشي
(١) أي: لأن الله سبحانه لم يحجب - بفتح الياء وكسر الجيم - ذاته المقدسة من رؤيته، إلا عن الكافر بالله، وعن المكذب برؤيته، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥-١٧] . فنؤمن بأن الله يرى يوم القيامة، ولا يحاط به، ولا يدرك، لا نشك في ذلك، ومن زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله، وكذب بالكتاب والسنة.стр. 92
الباب الخامس
في ذكر النبوة وذكر محمد ﷺ وذكر بعض الأنبياء وفضلهم وفضل
أصحابه وأمته ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين وعظم وكرم أعيان البشر
ومن عظيم منة السلام ... ولطفه بسائر الأنام
أن أرشد الخلق إلى الوصول ... مبينًا للحق بالرسول (١) الحواشي
(١) أي: ومن عظيم إحسان " السلام " والسلام: اسم من أسماء الله، لسلامته من النقص والعيب، فهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته؛ ومن عظيم لطفه ورأفته بجميع الأنام، الخلق من الجن والإنس، وجميع ما على وجه الأرض: أن أرشد الخلق من الثقلين، إلى الوصول إلى معرفته تعالى، وعبادته وحده، والقيام بما شرعه، الذي ثمرته الفوز بالسلامة الأبدية، والنعيم المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم.
مبينًا: أي: مظهرًا، وموضحًا لمنهج الحق، بالرسول ﷺ ، وإرسال الرسل أمر ضروري للعباد، لا غناء لهم عنه في معاشهم ومعادهم، وحاجتهم إليه فوق حاجتهم إلى الطعام والشراب، فهم روح العالم وحياته، وهم حجة الله على عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ويجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وتصديقهم فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع على ألسنتهم.стр. 93
وشرط من أكرم بالنبوة ... حرية ذكورة كقوة (١)
ولا تنال رتبة النبوة ... بالكسب والتهذيب والفتوة (٢) الحواشي
(١) أي: وشرط كل إنسان أكرم بالنبوة، من النبأ، أي: الخبر، لأنه يخبر عن الله، أو النبوة، وهو الارتفاع، لارتفاع رتبته، حرية خبر المبتدأ، لأن الرق وصف لا يليق بمقام النبوة؛ ذكورة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣] فأثبتها للرجال دون النساء، لاقتضاء الرسالة الاشتهار بالدعوة؛ كقوة أي: كما يعتبر فيمن أكرمه الله بالنبوة، أن يكون قويا بأعباء ما حمل من ثقل النبوة، والقوة عند الضعف.
والله ، أعلم حيث يجعل رسالته أصلًا وميراثًا، فليس كل أحد أهلًا ولا صالحًا لتحمل رسالته، بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها، والله أعلم بهذه المحال منكم، ولكن جرت عادة الله في إرسال الرسل: أنه لم يبعث نبيًّا ولا رسولًا، إلا رجلًا حرا قويا، في أشرف منسب أمته، حسن الخلق والخلق، ليسهل عليه تحمل الخلق من أشرف أفراد النوع الإنساني، من كمال العقل، والذكاء، والفطنة وقوة الرأي، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .(٢) أي: ولم تعط منزلة النبوة بالكسب والاجتهاد، وتكلف أنواع
العبادة، ولا بالتهذيب: تنقية البدن، وتصفية الأخلاق،
والاتصاف بالفضائل؛ ولا بالفتوة وكرم النفس، وتخليصها من الأوصاف المذمومة، إلى الأوصاف الممدوحة.стр. 94
لكنها فضل من المولى الأجل ... لمن يشا من خلقه إلى الأجل (١)
ولم تزل فيما مضى الأنباء ... من فضله تأتي لمن يشاء
حتى أتى بالخاتم الذي ختم ... به وأعلانًا على كل الأمم (٢) الحواشي
(١) أي: لكن النبوة وكذا الرسالة فضل من الله المولى الأجل ، يؤتيه لمن يشاء، أي يكرم بالنبوة من خلقه من اصطفاه لها ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فلا يبلغها أحد بعلمه، ولا يستحقها بكسبه، ولا ينالها عن استعداد ولايته.
ومن زعم أنها مكتسبة فهو زنديق، مخالف للكتاب والسنة فإن محمدًا ﷺ خاتم النبيين إلى الأجل، أي: أن النبوة فضل من الله، يمن بها على من يشاء، وكان ذلك ممتدا من آدم، إلى أن بعث الله خاتم النبيين محمدًا ﷺ .(٢) أي: ولم تزل الأنباء، في الزمن الذي مضى من الأزمان، من فضل الله ولطفه، تأتي بإبلاغ الشرائع، وإيضاح السبل لمن يشاء من الأمم الماضية، والقرون الخالية، فلم تخل الأرض من داع يدعو إلى الله، من لدن آدم، إلى أن بعث محمد ﷺ الذي ختم الله به النبيين والمرسلين، وأكمل به الدين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وفي الصحيحين عنه قال: «وأنا خاتم النبيين» . فلا نبي بعده ﷺ .
وأعلانا، أي: معشر أمة هذا النبي الكريم، على كل الأمم
الماضية، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
أي: عدلًا خيارًا، وجعل علماءهم، كأنبياء بني إسرائيل، يحفظون ما أتى به هذا النبي الكريم، ويبلغونه أمته، تقوم بهم حجة الله على خلقه؛ وفي الصحيحين: «لا يزال أناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» . يعني: بالحجة واللسان، والسيف والسنان.
ولمسلم، وغيره: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» . وفي الصحيحين: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» . وفيهما أيضًا: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا، ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبرنا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» .
وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته وهم أسبق الأمم خروجًا من الأرض، وإلى ظل العرش، وإلى القضاء، والجواز على الصراط، وعنه ﷺ : «أنتم موفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله» . صححه أحمد وغيره.стр. 95
فصل
في بعض خصائص النبي الكريم والرسول السيد العظيم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي اختصه الحق بها - جل شأنه - من دون سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -
وخصه بذاك كالمقام ... وبعثه لسائر الأنام
ومعجز القرآن كالمعراج ... حقًّا بلا مين ولا اعوجاج (١) الحواشي
(١) أي: خصه دون سائر الأنبياء، بكونه ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي بعده، لقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
فلا تبتدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعده، ونزول عيسى ﵇ لا ينافي ذلك، فإنه لا يتعبد إلا بشريعته، فهو خليفة له ﷺ ، وحاكم من حكامه.
والثانية: ما خصه الله به من المقام المحمود، وهو الشفاعة العظمى، في أهل الموقف، ليقضى بينهم.
والثالث: ما خصه الله به ببعثته نبيا ورسولًا لجميع الأنام من الثقلين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
والرابعة: ما خصه الله به من معجزة القرآن، الذي أذعن له الثقلان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة منه أهل الفصاحة والبلاغة والبيان. والخامسة: المعراج إلى سدرة المنتهى.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . ثم عرج به إلى السماء حتى دنا من الجبار ﷻ ، فكان قاب قوسين أو أدنى.
حقا: أي: حتمًا بلا كذب ولا ريب؛ ولا اعوجاج، أي: غير مستقيم، بل أسرى ببدنه ﷺ وروحه جميعًا، يقظة لا منامًا، باتفاق جمهور أهل السنة، لما دل عليه الكتاب والسنة. وفي الصحيحين، وغيرهما: «بينا أنا نائم في الحطيم -أو قال: في الحجر- إذ أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه: شق ما بين هذه على هذه، من ثغر نحره إلى شعرته، فاستخرج قلبي، فأتيت بطست من ذهب، مملوءًا إيمانًا وحكمة، فغسل قلبي، ثم حشى» . وفي لفظ: «فأفرغه في صدره، وملأه علمًا وحلمًا، ويقينًا وإسلامًا، ثم أطبقه، ثم أتى بدابة دون البغل، وفوق الحمار، وهو البراق يقطع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه. ولما أراد العروج إلى السماء، بعد وصوله إلى بيت المقدس، أتى بالمعراج يشبه السلم» .
وصحت الأحاديث أنه نصب له، فارتقى فيه إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وثبت له ﷺ من الخصائص غير هذه، كقوله: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة وغير ذلك، واقتصر المؤلف على بعض المهم، لأنها أفردت بالتأليف» .стр. 96
فكم حباه ربه وفضله ... وخصه سبحانه وخوله (١) الحواشي
(١) أي: فكم حباه الله، أي: أعطاه من مكرمة، وكم فضله على
غيره، بمزية من المزايا التي لا تحصى، وكم خصه بخصوصية؛ وخوله، بمعنى: أعطاه؛ والمعنى: أن الله سبحانه خص نبيه بخصائص كثيرة، ومزايا جليلة، حتى عدها بعض متأخري الحفاظ إلى ثلاثمائة، وقال بعضهم: الحق عدم حصرها.стр. 97
فصل
في التنبيه على بعض معجزاته وهي كثيرة جدًّا
ومعجزات خاتم الأنبياء (١) ... كثيرة تجل عن إحصائي (٢)
منها كلام الله معجز الورى (٣) ... ................................... الحواشي
(١) المعجزة: اسم فاعل، مأخوذة من العجز المقابل للقدرة؛ ومعجزة النبي: ما أعجز به الخصم عند التحدي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يسميها النظار معجزات، وتسمى دلائل النبوة، وأعلام النبوة، ونحو ذلك، وإذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود، من لفظ المعجزات، ولم يكن لفظ المعجزات موجودًا، في الكتاب ولا في السنة.(٢) أي: عن عدي وحفظي، لكثرة أفرادها وتنوعها، من الأقوال والأفعال، التي ما سبقت لنبي من الأنبياء، ولم يبلغ أحد منهم ما بلغه ﷺ من أعلام نبوته، ولم يؤت أحد منهم آية أو فضيلة إلا وله ﷺ مثلها وزيادة، وهو دليل على مزيد التشريف والتكريم، والاهتمام بشأنه.
وبالجملة: فدلائل نبوة نبينا محمد ﷺ لا تحصر، فإن القرآن -وهو معجزة من معجزاته- قد احتوى على الإعجاز على ما لا يحصى كثرة، حتى بلغها العلماء إلى ألوف كثيرة، بل كل آية أو آيات منه، بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات.(٣) أي: من دلائل نبوته ﷺ كلام الله المنزل على النبي ﷺ ، أعجز الخلق جميعهم، إنسهم وجنهم، أولهم وآخرهم، فهو معجز بنفسه، ليس في وسع البشر الإتيان بسورة من مثله.стр. 98
.................................. ... كذا انشقاق البدر من غير امترا (١) الحواشي
(١) أي: وكذا من غرر دلائل نبوته ﷺ انشقاق " البدر" أي: القمر، وهو أحد الكواكب السيارة من غير امتراء، أي: من غير شك، ولا جدال، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] . قال ابن عباس: «اجتمع المشركون إلى الرسول ﷺ فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين؛ فقال: إن فعلت تؤمنوا، قالوا: نعم؛ فسأل الله أن يعطيه ما سألوه، فانشق فرقتين، فقال: اشهدوا، وذلك بمكة قبل الهجرة» .
وفي الصحيحين، من حديث أنس: أن أهل مكة سألوه أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما؛ وفيهما من حديث ابن مسعود: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا فثبت انشقاقه بنص القرآن والسنة، وهذا من خصائصه ﷺ دون النبيين» .
وفي هاتين الآيتين الباهرتين، كفاية عما سواهما، وإلا فدلائل نبوته ﷺ لا تحصى، ونفس صورته الشريفة الباهرة، وطلعته الظاهرة، وسمته ودله، يدل العقلاء على نبوته، قال نفطويه: يكاد زيتها يضيء، هو مثل ضربه الله له، يقول: يكاد منظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنًا، كما قال ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: آياته ﷺ المتعلقة بالقدرة
والفعل والتأثير أنواع؛ منها: ما هو في العالم العلوي،
كانشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب، ومعراجه إلى السماء؛ ومنها ما هو في الجو، كاستسقائه، واستصحائه، وطاعة السحاب له في حصوله وذهابه؛ ومنها تصرفه في الحيوانات الإنس والجن والبهائم، ومنها تصرفه في الأشجار، والأحجار، والخشب.
ومنها تأييده بملائكة السماء، ومنها كفاية الله له أعداءه، وعصمته من الناس؛ ومنها إجابة دعائه، ومنها إعلامه بالمغيبات الماضية والمستقبلية؛ ومنها تأثيره في تكثير الماء والشراب، والطعام والثمار، وغير ذلك من دلائل نبوته، وأعلام رسالته، ومعجزاته الظاهرة، وآياته الباهرة. اهـ.
فمن ظهرت المعجزة على يده، وهي: مما لا يقدر عليه البشر، وقارن ظهورها دعوى النبوة، علم بالضرورة: أن الله ما أظهرها إلا تصديقًا لمن ظهرت على يده.стр. 99
فصل
في ذكر فضيلة نبينا وأولي العزم وغيرهم من النبيين والمرسلين
- صلى الله عليهم وسلم أجمعين -
وأفضل العالم من غير امترا ... نبينا المبعوث في أم القرى (١) الحواشي
(١) أي: وأفضل العالم العلوي والسفلي، من ملك، وبشر، وجن. في الدنيا والآخرة، في سائر خلال الخير، وخصال الكمال؛ من غير امتراء أي: شك وريب؛ نبينا محمد ﷺ المبعوث إلى جميع الثقلين الجن والإنس؛ في أم القرى: مكة المشرفة، قال تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢] . سميت أم القرى؛ لأنها أقدمها، أو لأنها قبلة يؤمها جميع الناس، أو
لأنها أعظم القرى شأنا.
وإنما كان أفضل الخلق، لأن الله أيده بأبهر الآيات والدلالات، وأشهر الكرامات، وأمته أزكى الأمم، وشريعته أتم الشرائع، وصفاته أكمل الصفات وأخلاقه أحسن الأخلاق، وأقسم الله بحياته بقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] .
وقرن اسمه باسمه في التشهد والأذان، وقال ﵇: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» . رواه مسلم، والترمذي: «أنا خطيبهم، وأنا مبشرهم، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» .
فالرسول ﷺ أفضل الخلق، بلا خفاء ولا نزاع، ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين.стр. 100
وبعده الأفضل أهل العزم (١) ... فالرسل ثم الأنبياء بالجزم (٢) الحواشي
(١) أي: وبعد النبي ﷺ ، الأفضل من سائر الخلق: أولوا العزم من الرسل، إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وخامسهم نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] ، وأفضلهم الخليل بعد نبينا محمد ﷺ .(٢) أي: فيليهم في الأفضلية، سائر الرسل المكرمين بالرسالة، ثم الأفضل بعد الرسل الأنبياء، -عليهم أفضل الصلاة والسلام-، وهم متفاوتون في الفضيلة، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
فيجب اعتقاده تفضيلًا فيما علم منهم تفصيلًا، وإجمالًا فيما علم منهم إجمالًا، بالجزم السديد، والقطع المفيد للحكم المذكور من غير شك، كما فضل بعضهم
على بعض بالشرائع، والكتب، والأمم.стр. 101
فصل
فيما يجب للأنبياء ﵈ وما يجوز عليهم
وما يستحيل في حقهم
وأن كل واحد منهم سلم ... من كل ما نقص ومن كفر عصم (١) الحواشي
(١) أي: وأن كل واحد من الأنبياء الكرام، والرسل العظام، سلم وتنزه عن كل نقص، يؤدي إلى الإزراء والدناءة، والذي عليه أهل التحقيق: أن الرسل معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، والكتاب والسنة يدلان على ذلك، لكن لا يقرون عليها، بل يوفقون للتوبة منها.
قال شيخ الإسلام: واتفقوا على العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا، لأن وقوع الذنب إذا لم يقر عليه، لم يحصل منه تنفير ولا نقص، فإن التوبة النصوح يرفع بها صاحبها، أكثر مما كان أولًا. اهـ.
وأن كل واحد منهم، من كُفْرٍ عُصِمَ بعد النبوة، باتفاق السلف، والعصمة المنعة، وقال المصنف: عصم قبل النبوة، وبعدها. اهـ.
وقد اتفق السلف على جواز بعثة رسول لم يعرف ما جاءت به الرسل قبله، من أمور النبوة والشرائع، والرسل قبل الوحي لا تعلم هذا فضلًا عن أن تقربه، فعلم: أن عدم العلم والإيمان، لا يقدح في نبوتهم، بل الله إذا نبأهم، علمهم ما لم يكونوا يعلمون، ومن نشأ بين مشركين جهلاء، لم يكن عليه نقص ولا غضاضة، وإذا كان على مثل دينهم، وإذا كان معروفًا عندهم بالصدق والأمانة، وفعل ما يعرفون وجوبه، واجتناب ما يعرفون قبحه.
ولم يذكر عن أحد من المشركين، أنه عد هذا قادحًا في نبوتهم، ولو ذكروه للرسل، لقالوا كنا كغيرنا، لم نعرف إلا ما أوحي به إلينا، وإنما اتفق المسلمون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يستقر في ذلك خطأ، ولكن هل يصير منهم ما يستدركه الله، فينسخ ما يلقي الشيطان؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المأثور عن السلف يوافق القول بذلك.стр. 102
كذا من إفك ومن خيانه ... لوصفهم بالصدق والأمانة (١) الحواشي
(١) أي: كذلك كل واحد من الأنبياء والمرسلين، قد عصم من إفك، أي من كذب، فإن الأنبياء معصومون من الكذب، ومعصومون من الخيانة، لوجوب وصفهم -عليهم الصلاة والسلام- بالصدق الذي هو ضد الكذب، وبالأمانة التي هي ضد الخيانة، والضدان لا يجتمعان، فالصدق واجب في حقهم عقلاًَ وشرعًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] .
وأجمعت الأمة: على أن ما كان طريقه الإبلاغ، فالأنبياء معصومون فيه، من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما أمرهم الله به، فيجب على الخلق الإقرار بما جاءوا به، جملة وتفصيلًا، وهو موجب تحقيق الشهادتين، فمن شهد أن محمدًا رسول الله، شهد أنه صادق فيما يخبر عن الله، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذب به، ومعلوم بالضرورة: أنهم معصومون من الكتمان، كما أنهم معصومون من الكذب.стр. 103
وجائز في حق كل الرسل ... النوم والنكاح مثل الأكل (١) الحواشي
(١) أي: وجائز عقلًا وشرعًا، في حق كل الأنبياء والرسل، - عليهم الصلاة والسلام - النوم؛ والنوم رحمة من الله لعباده، لتستريح أبدانهم عن تعبهم، وهو: غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنع معرفة الأشياء، لكن نبينا محمد ﷺ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه؛ ومثل النوم: الجلوس، والمشي والبكاء، والضحك، وما هو من خواص البشرية المباحة، والنكاح، والتسري، ونحو ذلك، مثل الأكل والشرب قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] .
وقال ﵇ لما أخبر عن أولئك النفر، والذين قال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام؛ وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أنا لا آكل اللحم، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، قال ﷺ : «ولكني أنام، وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .стр. 104
فصل
في ذكر الصحابة الكرام ﵃
وليس في الأمة بالتحقيق ... في الفضل والمعروف كالصديق (١) الحواشي
(١) أل للعهد الذهني؛ أي: ليس في هذه الأمة بالتحقيق الثابت، المنصوص في الفضل بجميع أنواع الفضائل، والشجاعة، والعلم، وكمال العقل، وبذل المعروف، وغير ذلك من مكارم الأخلاق، كأبي بكر بن عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق ﵁؛ أول الناس إيمانًا بالنبي ﷺ ، وتصديقًا له، صحبه من حين أسلم إلى أن توفي، وشهد معه المشاهد كلها، وكان خليفته الراشد، ومناقبه أشهر من أن تذكر.
أفضل الناس بعد الأنبياء، بإجماع أهل السنة والجماعة، قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧- ١٨] . وحكى ابن الجوزي الإجماع، أنها نزلت في حقه؛ وأنفق ماله على رسول الله ﷺ ؛ ولما قيل له: «من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر» . وقال: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» . توفي ﵁، وله ثلاث وستون، وكانت خلافته سنتين وأشهرًا، ودفن بجنب النبي ﷺ .стр. 105
وبعده الفاروق من غير افترا (١) ... وبعد عثمان فاترك المرا (٢) الحواشي
(١) أي: وبعد أبي بكر في الأفضلية، المحدث الملهم: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب الفاروق ﵁ سمي فاروقًا: لأن الله فرق به بين الحق والباطل، أو لأنه أعلن بالإسلام، والناس يخفونه، أسلم في السادسة من البعثة، وله سبع وعشرون سنة، قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر؛ وفي الصحيحين: أنه ﵇ قال: «إن يكن في أمتي محدثون فعمر» . وقال: «لو لم أبعث فيكم لبعث عمر» . وفي فضله أحاديث كثيرة.
ولي الخلافة بعد الصديق، سنة ثلاث عشرة، وقام أتم قيام، وفي أيامه كانت فتوح الأمصار، وكان أفضل هذه الأمة بعد الصديق، بإجماع السلف من غير افتراء، أي: كذب؛ مات شهيدًا، طعنه أبو لؤلؤة في المسجد، سنة ثلاث وعشرين، ودفن في الحجة النبوية، بجنب أبى بكر، مع النبي ﷺ .(٢) أي: وبعد أمير المؤمنين عمر، في الأفضلية، عثمان بن عفان بن الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد في السادسة من الفيل؛ وأسلم قديمًا؛ وهاجر الهجرتين؛ وتزوج بنتي رسول الله ﷺ ، فسمي ذا النورين؛ وجمع القرآن؛ وجهز جيش العسرة.
ولي الخلافة بعد عمر بإجماع الصحابة؛ فاترك المراء أي: الجدل؛ وفضائله أكثر من أن تحصر، استشهد في داره سنة خمس وثلاثين، وله بضع وثمانون.стр. 106
وبعد فالفضل حقيقاًً فاسمع ... نظامي هذا للبطين الأنزع
مجدل الأبطال ماضي العزم ... مفرج الأوجال وافي الحزم (١)
وافي الندى مبدي الهدى مردي العدى ... مجلي الصدى يا ويل من فيه اعتدى (٢) الحواشي
(١) أي: وبعد عثمان، فالفضل الشامخ باتفاق السلف، حقيقًا، أي: في حقيقة الأمر، لعلي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء؛ فاسمع نظامي هذا، الذي أدرجت في عقيدة السلف؛ للبطين، أي: العظيم البطن؛ الأنزع، المنحسر شعر رأسه مما فوق الجبين. وكان ﵁ أنزع الشعر، له بطن؛ مجدل الأبطال، جدله صرعه، أي: ملقي الأبطال على الأرض، جمع بطل الشجاع، وكان قتل من الأبطال عدة، منهم الوليد، ومرحب وغيرهما، ماضي العزم: إشارة إلى شدة قوته؛ ومضى في الأمر نفذ، والعزم الجد والصبر؛ مفرج أي: كاشف؛ الأوجال الهموم، والغموم في المواقف الصعبة، وافي الحزم، إشارة على وفور عقله، والحزم ضبط الرجل أمره.(٢) أي: كثير السخاء مظهر العلوم، والفهوم، مهلك أعدائه ومتلفهم، ومزيل الصدى، أي: العطش، والأولى "جالي" والمراد: كاشف الكرب؛ يا ويل، دعاء بالحزن والهلاك، لإنسان في أمير المؤمنين علي ﵁، اعتدى: بانتقاصه، وهضم حقوقه، أو غلا فيه، ومناقبه وفضائله شهيرة.
بايعه الناس بالمدينة، بعد قتل عثمان ﵄؛ واتفق
السلف على فضله، وخلافته بعد عثمان، وأقروا بأن معاوية
رضى الله عنه، ليس كفؤًا لعلي في الخلافة.
ولا يجوز: أن يكون معاوية خليفة، مع إمكان استخلاف علي، لسابقته وعلمه، ودينه وشجاعته، وسائر فضائله، ولما قتل عثمان لم يبق لها معين إلا علي.
وإنما وقع ما وقع بسب قتل عثمان، فرأى علي: أن لهؤلاء شوكة، وهم خارجون عن طاعته، فقام ليردوا إلى الواجب، وهم رأوا: أن عثمان قتل مظلومًا، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة؛ وعلي يحلف -وهو البار الراشد، بلا يمين- أنه لم يقتله، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ على قتله، وهذا معلوم بلا ريب.
ثم إن طلحة والزبير ﵄ خرجا إلى مكة وسارا بعائشة ﵂ إلى البصرة فخرج علي ﵁ إلى العراق، ولم يقصدوا القتال ابتداء، وإنما صارت وقعة الجمل بغير اختيار؛ وكانوا قد اتفقوا على المصالحة، وإقامة الحدود على قتلة عثمان ﵁.
فتواطأت القتلة، على إقامة الفتنة، فحملوا على طلحة والزبير
وأصحابهما، فحملوا هم دفعًا عنهم؛ وأشعروا عليًا إنما حمل عليه، فحمل علي دفعًا عن نفسه؛ وكان كل منهم قصده: دفع الصيال، لا ابتداء القتال.
وكذلك خرج معاوية ﵁، ومن معه من أهل الشام،
فالتقوا بصفين، وقتل عمار وكان مع علي، وقد قال فيه ﷺ «تقتلك الفئة الباغية. وإن كانوا لم يقصدوا القتال ابتداء، وإنما أثاره أهل الفتنة؛ وعلي ومعاوية ﵄، أطلب لكف الدماء، من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع؛ والفتنة إذا ثارت، عجز الحكماء عن إطفاء نارها» .
واتفق السلف: أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃؛ ومعاوية ﵁ مجتهد مخطئ، وسابقته وفضائله مشهورة.стр. 107
فحبه كحبهم حتمًا وجب ... ومن تعدى أو قلى فقد كذب (١)
وبعد فالأفضل باقي العشرة (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: فحب أمير المؤمنين علي ﵁، كحب الخلفاء الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، حتمًا وجب على جميع الأمة باتفاق الأئمة، ومن تعدى في حبه، أو لم يقل بفضل الخلفاء، على ترتيب الخلافة، أو قلاهم، أي:: أبغضهم، أو واحدًا منهم، فقد كذب في كل واحدة من الخصلتين، من تعديه في الحب، أو بغضه لهم أو لأحدهم، ﵃ أجمعين -.(٢) أي: وبعد الخلفاء الراشدين، فالأفضل من سائر الصحابة، باقي العشرة المشهود لهم بالجنة، وتوفي رسول الله ﷺ ، وهو عنهم راض؛ وروى الترمذي، وأبو داود، وغيرهما: أنه ﷺ قال: «أبكر بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة» .
وأحد الستة: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر، وثبت مع النبي ﷺ يوم أحد ووقاه بيده، وشلت إصبعه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة، وسماه النبي صلى الله عليه سلم: "طلحة الخير"، وقتل في وقعة الجمل، وله أربع وستون.
الثاني: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، حواري رسول الله ﷺ وأمه صفية عمة رسول الله ﷺ ، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، أول من سل السيف في سبيل الله، وثبت يوم أحد، وقتل في وقعة الجمل، وله أربع وستون.
الثالث: سعد بن أبى وقاص، مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة أسلم قديمًا، أول من رمى بسهم في سبيل الله وشهد المشاهد كلها، قال له النبي ﷺ يوم أحد: «ارم ارم فداك أبي وأمي. مات بقصره في العقيق، ودفن بالبقيع سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون» .
الرابع: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر، فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عير قريش، وضرب لهما بسهميهما، مات بالعقيق، ودفن بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون.
الخامس: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، وعرج، ومات سنة اثنتين وثلاثين، وله اثنتان وسبعون.
السادس: أمين الأمة، أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله ﷺ من حلق المغفر، فوقعت ثناياه، مات في طاعون عمواس بالأردن، سنة ثماني عشرة.стр. 108
.................................. ... فأهل بدر ثم أهل الشجره (١) الحواشي
(١) أي: وبعد العشرة، الذين يلونهم في الأفضلية: أهل غزوة بدر العظمى، وهي البطشة الكبرى، ويوم الفرقان، لأن الله فرق فيها بين الحق والباطل، وأعز فيها أهل الإسلام، وقمع عبدة الأصنام، و"بدر" قرية مشهورة، على نحو أربع مراحل من المدينة، وكانت وقعة بدر نهار الجمعة، لسبع عشرة خلت من رمضان، ومن السنة الثانية من الهجرة.
وكان عدة المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ألف وزيادة، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، وقتل من الكفار سبعون، وأسر سبعون، وفي الصحيح: «إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» . وأخرج أحمد بسند صحيح، من حديث جابر: «لن يدخل النار رجل شهد بدرًا أو الحديبية» .
وقوله: ثم أهل الشجرة؛ أي: ثم بعد أهل بدر في الأفضلية، أهل بيعة الرضوان تحت "الشجرة" سمرة بالحديبية، سميت ببئر هناك، على مرحلة من مكة، وأمر عمر ﵁ بقطع تلك الشجرة، وإخفاء مكانها، خشية الافتتان بها، لما بلغه أن أناسًا يذهبون إليها، فيصلون تحتها، ويتبركون بها، وقال: كان رحمة من الله، يعني إخفاؤها.
وسبب البيعة: أن قريشًا لما منعت رسول الله ﷺ من دخول المسجد الحرام، بعث عثمان لهم ليخبرهم، أنهم إنما جاءوا للعمرة، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ثم بلغه أنهم قتلوه فدعا الناس إلى البيعة؛ وقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم.
فبايعوه وكانوا ألفًا وأربعمائة، ثم تبين كذب الخبر؛ وقدم عليه عثمان، ووقع الصلح على أن يرجع، ويعتمر من العام المقبل، وذلك سنة ست، فرجع ثم اعتمر عمرة القضية.стр. 109
وقيل أهل أحد المقدمه ... والأول أولى للنصوص المحكمه (١) الحواشي
(١) أي: وقيل: أهل غزوة جبل أحد المقدمة في الزمن، وفي الأفضلية على أهل البيعة؛ والأول: وهو تقديم أهل البيعة في الأفضلية، على أهل غزوة أحد، أولى وأحق، لورود النصوص المحكمة، من الكتاب والسنة؛ وكانت غزوة أحد سنة ثلاث؛ سمي أحدًا لتوحده عن الجبال؛ بينه وبين المدينة أقل من فرسخ، في شماليها إلى الشرق، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة: «أحد جبل يحبنا ونحبه» .
وسبب الغزوة: لما قتل الله من قتل الكفار يوم بدر،
سارت قريش ومن تابعها، حتى وصلوا إلى أحد؛ وخرج عليهم رسول الله ﷺ واقتتل الفريقان، وهزم المشركون، ثم وقع في المسلمين هزيمة، بسبب مخالفة أمر رسول الله ﷺ لبعضهم أن لا يبرحوا، وقد عفا الله عنهم بنص القرآن. واستشهد من المسلمين سبعون، منهم حمزة، وفيهم أنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . وفي صحيح مسلم: أنه ﵇ إذا زارهم يقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون.
وأما أهل الشجرة، فقد وردت النصوص المحكمة في فضلهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . وبذلك حصل الفتح، والخير الكثير، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، والذين بايعوه هم الذين فتحوا خيبر، ثم حصل فتح مكة في السنة الثامنة.стр. 110
و عائشه في العلم مع خديجه ... في السبق فافهم نكتَةَ النتيجه (١) الحواشي
(١) أي: وعائشة الصديقة، بنت الصديق، أم المؤمنين، وحبيبة رسول رب العالمين عقد عليها بنت ست أو سبع، وبنى بها وهي بنت تسع، وتوفيت بالمدينة، سنة ثمان وخمسين، ﵂ وأرضاها -، أفضل نسائه ﷺ في العلم، والفقه، وحمل الدين، وتبليغه إلى
الأمة، فلها من الفضل في ذلك، ما ليس لغيرها من سائر
أزواجه؛ مع أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى،
تزوجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين، وآمنت به وصدقته ونصرته، وكانت له وزير صدق؛ وتأثيرها في أول الإسلام، وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين؛ فهي أفضل نساء النبي ﷺ في السبق في الإسلام، وموازرة رسول الله ﷺ . فافهم: فهم تحقيق وإذعان، نكتة النتيجة؛ أي: أثر فائدة الخلاف؛ والناتج: أن خديجة أفضل بحسب السبق، والموازرة؛ وعائشة: بالعلم ومحبة الرسول ﷺ ، وتفضيلها على سائر أزواجه؛ وفي الصحيحين: «إن الله بعث إلى خديجة بالسلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» .
وعائشة: سلم عليها جبرائيل، على لسان رسول الله ﷺ ولم يتزوج بكرًا غيرها، وقال: «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» .
وأنزل في برائتها آيات تتلى إلى يوم القيامة، وشهد بأنها من الطيبات ومناقبهما، وسائر أزواج النبي ﷺ كثيرة شهيرة.следующие страницы →