Полный текст (139 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
تأليف:
العالم الأوحَد الشيخ محمد بن أحمَد بن سَالم السفَارِيني
النابُلسي الحنبلي
رحمه الله تعالى
(١١١٤ - ١١٨٨ هـ)
بقلم الفقير إلى ربه
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي النجدي
رحمه الله تعالى
(١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ)
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ترجمة مؤلف العقيدة
هو الإمام الحبر الهمام، الأوحد، الشيخ العلامة: محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، النابلس الحنبلي، صاحب التصانيف المشهورة.
قال في سلك الدرر: ولد بقرية سفارين من قورى نابلس سنة ١١١٤هـ وتلا القرآن العظيم، ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم، فأخذ عن الشيخ عبد الغني، والشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزي، وأبي الفرج عبد الرحمن بن المجلد، وأبي المجد السواري، وأحمد المنيني، والفقه عن عبد القادر التغلبي، وعواد الكوري، ومصطفى اللبدي، وغيرهم، وحصل له ملاحظة ربانية، حتى حصل في الزمن اليسير، ما لم يحصله غيره في الزمن الكثير، ورجع إلى بلده ثم توطن نابلس، واشتهر بالفضل والذكاء، ودرس وأفتى وأجاد.
وألف تآليف عديدة، فمنها: شرح ثلاثيات مسند
أحمد، وشرح نونية الصرصري، وتحبير الوفاء في سيرة
стр. 3
المصطفى، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، والبحور الزاخرة في علوم الآخرة، وكشف اللثام في شرح عمدة
الأحكام، والدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، وشرحها،
وذكر له مصنفات كثيرة، ثم قال، وبالجملة: فقد كان غرة
عصره، وشامة مصره، لم يظهر في بلاده بعده مثله، ذا رأي صائب، وفهم ثاقب، جسورًا على ردع الظالمين؛ توفي
﵀ سنة ١١٨٨هـ، وقد ترجم له جمع من الأعيان.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتوحد في الجلال بكمال الجمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في إلوهيته وربوبيته، ولا ند له ولا مثال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أكمل الله به الدين أصوله وفروعه، وبين الحرام والحلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإنه لما عزم من وفق لبث العلوم الدينية، على نشر هذه العقيدة الجليلة، المتضمنة لجل عقائد الفرقة المرضية، طلب مني أن أكتب عليها حاشية وجيزة عجالة، فأجبته إلى ذلك رجاء المثوبة من الله، والاندراج في سلك أهل السنة والجماعة، ونبهت على ما خالف المصنف فيه مذهب السلف، لتكون خير بضاعة.
وعرضتها على عالم الوقت المجتهد الثبت، الشيخ: محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعلى غيره من العلماء الأفاضل، فجاءت بحمد الله غرة للطالبين - ومحجة واضحة للراغبين، مؤيدة بالبراهين، طبق عقيدة السلف، وأسأل الله السداد، وحسن الطوية، والزلفى لديه في الجنات العلية.
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
стр. 5
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
الحمد لله القديم الباقي (٢) ... ................................... الحواشي
(١) بدأ المصنف بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي ﷺ في مكاتباته وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع» .
والباء متعلقة بمحذوف تقديره: أؤلف، والاسم مشتق من السمو، وهو الارتفاع، أو الوسم، وهو العلامة، والله علم على ربنا ﵎، وهو أعرف المعارف، الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين.
وقال بعض السلف: لا تكتب أمامي الشعر، وجوزه الجمهور، ما لم يكن محرما أو مكروها وأما ما تعلق بالعلوم، فمحل وفاق.
قال الحافظ: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية اهـ.
والشعر المحتوي على علم، أو وعظ لا شك في دخوله في كتب العلم.(٢) الحمد: ذكر محاسن المحمود، مع حبه وإجلاله وتعظيمه.
وقوله: "القديم" لم يجئ في أسماء الله تعالى، وما ليس له أصل في النص والإجماع لم يجز قبوله ولا رده، حتى يعرف معناه.
وفي لغة العرب: هو المتقدم على غيره، فلا يختص بما لا يسبقه عدم، فإن
أريد به الذات التي لا صفة لها، لأنه لو كان لها صفة كانت قد شاركتها في القدم، ونحو ذلك، فباطل، وإن أريد أنه سبحانه القديم الأزلي بجميع صفاته الذي لم يزل ولا يزال، لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له، وأنه لم يسبق وجوده عدم، فهذا حق.
قال الشيخ تقي الدين: وهو مذهب السلف. اهـ.
وقدمه تعالى ضروري، وجاء الشرع باسمه الأول، المشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له.
وقوله: " الباقي" أي: الدائم الأبدي، بلا زوال، ولا فناء، لا يضمحل ولا يتلاشى، ولا يعدم ولا يموت، باتفاق النبوات، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وفي الحديث: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» .стр. 6
.................................. ... مسبب الأسباب والأرزاق (١) الحواشي
(١) وفي نسخة: مقدر الآجال، والسبب ما يتوصل به إلى المطلوب، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع، والاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، والأرزاق جمع رزق، ما ينتفع به من حلال أو حرام.стр. 7
حي عليم قادر موجود (١) ... قامت به الأشياء والوجود (٢) الحواشي
(١) أي: حي دائم، لم يزل ولا يزال عليم بكل شيء، لا تخفى خافية عليه خافية، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان، وما يكون لو كان كيف كان يكون، قادر على كل شيء، لا يعجز شيء موجود بنفسه قائم بنفسه، لم يزل ولا يزل، ويمتنع عدمه، ولا يتغير ولا تعرض له الآفات، ولا تأخذه سنة ولا نوم، وقد دلت ضرورة العقل والفطر على وجوده.
والموجود: إما موجود واجب بنفسه، وإما ممكن مفتقر إلى غيره، وإما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، والقائم بغيره من الصفات والأعراض يكون بحيث يكون غيره، والقائم بنفسه يجب أن يكون مباينًا لغيره، فيكون حيث لا موجود غيره، أو حيث لا قائم بنفسه غيره، وهو المعني بكون الله على العرش، وفوق العالم، لا يحل في شيء من مخلوقاته، ولا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو بائن من خلقه والخلق بائنون عنه باتفاق الكتب والرسل.(٢) أي: وجدت استمرت بأمره وتسخيره الأشياء كلها، وقام بذلك الوجود، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] فهو الذي أنشأه وخلقه وسواه وما من ذرة ولا غيرها في العالم العلوي والسفلي إلا مخلوق مصنوع لله، أوجده بعد أن لم يكن.стр. 8
دلت على وجوده الحوادث (١) ... سبحانه فهو الحكيم الوارث (٢)
ثم الصلاة والسلام سرمدا ... على النبي المصطفى كنز الهدى (٣) الحواشي
(١) أي: دلت الحوادث دلالة عقلية قطعية على وجود الباري ﵎، فإن إيجاد الحوادث أوضح دليل على وجود المحدث لها، والحوادث جمع حادث ضد القديم: ويعلم وجوده تعالى بصدق الرسول ﷺ بالطرق الدالة على ذلك وهي كثيرة.(٢) أي: أنزهه التنزيه اللائق بجلاله وعظمته، فهو الحكيم المتقن لخلق الأشياء، الوارث الدائم الباقي بعد كل شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] .(٣) الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقد أخبر الله أنه أثنى عليه في الملأ الأعلى، وأمرنا بذلك ليجتمع له ﷺ ثناء أهل السماء والأرض.
والسلام: من السلامة، دعاء له بالسلامة، والبركة، ورفع الدرجة، أي صلى الله على النبي المصطفى، صلاة وسلاما دائمين مستمرين لا ينقطعان، والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه، فرسول.
والمصطفى: المختار من الصفوة، وهي الخالصة من كل شيء.
وصح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار» .
والكنز: المعدن، فهو ﷺ معدن الرشاد والدلالة، ومهبط الوحي، أنزله الله على قلبه، ليكون من المنذرين، ويهدي إلى صراط مستقيم.стр. 9
وآله وصحبه الأبرار (١) ... معادن التقوى مع الأسرار (٢)
وبعد فاعلم أن كل علم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي (٣) الحواشي
(١) آله: أهل بيته، وأتباعه على دينه، وفي الأصل: يرجع إلى الكل، ويقال: أتباعه في مقام الدعوة.
وصحبه: جمع صاحب، والمراد هنا: أصحاب النبي ﷺ وهم من اجتمع به مؤمنا ومات على ذلك.
والأبرار: الأتقياء الأخيار جمع بر، ويقال: جمع بار والبر والبار هو: المتقي الصادق، والكثير التقوى، والبر والصدق.(٢) معادن: جمع معدن وهي: المواضع التي يستخرج منها جواهر الأرض، والمعدن مركز كل شيء، أي: هم مستقر التقوى، والأسرار البديعة، والأحوال الرفيعة.
والتقوى: اسم شامل لفعل الخيرات، وترك المنكرات، باطنا وظاهرًا.(٣) أي: وبعدما تقدم، فاعلم أن سائر العلوم كالفرع لعلم التوحيد، فاسمع نظمي لأمهات مسائله، ومهمات دلائله، سماع فهم وإذعان.
والتوحيد: مصدر وحده يوحده توحيداً، جعله واحدا، أي فردًا وحده.
وأقسامه ثلاثة:
الأول: توحيد الإلهية، وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويتعلق بأعمال العبد الظاهرة والباطنة.
والثاني: توحيد الربوبية: وهو العلم والإقرار بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، والمدبر لأمور خلقه.
والثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال، ونعوت
الجلال، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير زيادة ولا نقصان.стр. 10
لأنه العلم الذي لا ينبغي ... لعاقل لفهمه لم يبتغ (١) الحواشي
(١) أي: لأن علم التوحيد هو العلم العظيم القدر الذي ينبغي ويجمل بل يجب لكل شخص عاقل من ذكر وأنثى أن يدأب في تحصيله، وإدراك معرفته، والاتصاف به، ليكون في دينه على بصيرة.
وصرح المصنف - عفا الله عنه - في شرحه بأن مراده بعلم التوحيد هنا: التمييز بين الجواهر والأجسام والأعراض، والواجب، والممكن، والممتنع، وغيرها، وليس هذا من التوحيد في شيء، ولا مذهبا لأهل السنة والجماعة.
ومعرفة الخالق - جل وعلا -، ضرورية فطرية والمهاجرون والأنصار وسائر السلف يعرفون الله بتصديق الرسول ﷺ وأعلام الرسالة، ودلائلها، لا من باب النظر في الوجود، والأجسام، والأعراض، والحركة، والسكون، وكان، ويكون، ولو كان واجبًا عليهم لما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم، وإنما التوحيد الذي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وتجب معرفته، هو: إفراد الله بالعبادة، ونفي عبادة ما سواه الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ومن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قبله، فلا بد أن يثبت الصفات والأفعال لله تعالى.стр. 11
فيعلم الواجب والمحالا ... كجائز في حقه تعالى (١) الحواشي
(١) أي: يجب على كل مكلف أن يعرف ما يجب لله تعالى، ويأتي.
وقال المصنف: وهو ما لا يتصور في العقل عدمه كوجوده تعالى، ووجوب قدمه، ويعلم المحال وهو: ما لا يتصور في العقل وجوده كالشريك له تعالى. اهـ.
ووجوده تعالى، ووجوب قدمه، ونفي الشريك عنه معلوم بالضرورة من الشرع والعقل الفطرة، وقد أقر به المشركون قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] . وإنما الخلاف بينهم وبين الرسل في توحيد العبادة.
وقال المصنف كما يجب أن يعلم كل جائز في حقه - تعالى وتقدس -، وهو ما يصلح في نظر العقل وجوده وعدمه على السواء، كإرسال الرسل. اهـ. ولله في إرسالهم حكم ومصالح، وعواقب حميدة، وكون العقل أصلا يعتمد في المطالب الإلهية قدح في الشرع، وإنما العقل تابع مصدق للشرع، ودلالته مشروطة بعدم معارضة الشرع.
وتحت هذا البيت من الاحتمالات على أصول المتكلمين ما ينبغي إن يتنبه له ، كقول بعضهم: يجب أن يعلم أن ذات الرب وجوده أو غير وجوده، أو أنه الوجود المطلق، بشرط سلب كل ماهية عنه تعالى، أو أن لا ينعت بنعت، أو أنه علة تامة أزلية، فيلزم أن لا يحدث عنه حادث، لا بواسطة ولا بغير واسطة، كما هو قال ملاحدة الفلاسفة المعلوم البطلان.
فإن واجب الوجود تعالى هو الفعل لكل ما سواه، الذي لا يتوقف فعله على أمر آخر من غيره، بل نفسه هي المستلزمة لفعله، ليس علة تامة أزلية، بل لا بد أن يكون متصفا بأفعال اختيارية تقوم به، يحدث بها ما يحدث على مقتضى إرادته وحكمته.стр. 12
وصار من عادة أهل العلم ... أن يعتنوا بسبر ذا بالنظم (١)
لأنه يسهل للحفظ كما ... يروق للسمع ويشفي من ظما (٢)
فمن هنا نظمت لي عقيده ... أرجوزة وجيزة مفيده (٣) الحواشي
(١) أي: صار من عادة القائمين بنشر العلوم أن يهتموا بتتبع مهمات مسائلها بالنظم، لسهولة حفظه، لأنه كلام متسق مقفى موزون، فيرسخ في الحافظة من غير مزيد مشقة، بخلاف النثر فإنه أصعب.(٢) أي: لأن المنظوم يسهل، أي: يلين للحفظ والعلوق في الحافظة، كما أنه يحسن ويلذ للسمع، لكونه يتبسط له ويلتذ بسماعه، ويشفي، أي يبرئ من شدة عطش، واشتياق إلى معرفة أصول علم التوحيد، ومهمات مسائله.(٣) أي: من أجل ما ذكر من فائدة النظم: ألف عقيدة على مذهب السلف أرجوزة من "الرجز" أحد بحور الشعر، وجيزة، أي: موجزة، والموجز من الكلام ما قل لفظه وكثر معناه، مفيدة: لمن تأملها، وصدق - رحمه - الله -، وإن كان أدخل فيها من آراء المتكلمين ما لعله لم يتفطن لها، مما سننبه عليه - إن شاء الله تعالى - ويقع كثيرا من غيره، يذكرون عبارات لم يتفطنوا لها ولو نهبوا لتنبهوا لذلك.стр. 13
نظمتها في سلكها مقدمه (١) ... وست أبواب كذاك خاتمه (٢)
وسمتها بالدرة المضية (٣) ... في عقد أهل الفرقة المرضية (٤)
على اعتقاد ذي السداد الحنبلي (٥) ... إمام أهل الحق ذي القدر العلي (٦) الحواشي
(١) أي: نظمت مسائلها، ومهماتها، في سلكها: بكسر السين، أي: خيطها: مقدمة: بفتح الدال، وتكسر، أي: طائفة قدمت أمامها.(٢) أبواب: جمع باب، وهو في العرف: اسم لطائفة من العلم، يشتمل على فصول ومسائل غالبا، وكذلك يشتمل على خاتمة، وهي عاقبة الشيء وآخرته.(٣) وسمتها من السمة، وهي العلامة، أي: سمى هذه العقيدة بالدرة، أي: اللؤلؤة، المضيئة: المنيرة، من الإضاءة، وأضاء، أي: استنارت، فصارت مضيئة.(٤) أي: في اعتقاد الطائفة المرضي اعتقادها، المأثور عن النبي ﷺ .(٥) على اعتقاد: متعلق بنظمت، والاعتقاد مصدر اعتقد، وهو يطلق على التصديق مطلقا، وعلى ما يعتقد من أمور الدين، ذي السداد، أي: صاحب القصد في الدين، والاستقامة؛ إمام الأئمة، العالم الرباني، والصديق الثاني، إمامنا: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان البغدادي الحنبلي، نسبة إلى جده، ونسبت أتباعه إليه.(٦) أي: قدوة أهل الحق الذين هم الفرقة الناجية، لاعتصامهم بالكتاب والسنة، ذا القدر، أي: صاحب القدر السامي، لكثرة فضائله، ومناقبه، وآثاره في الإسلام. قال الشافعي: ما خلفت ببغداد أتقى، ولا أورع، ولا أفقه، ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
وقال إسحاق بن راهويه: هو حجة بين الله وبين خلقه.
وقال أحمد الدارمي: ما رأيت أحفظ لحديث رسوله الله ﷺ ولا أعلم بفقه معانيه من أبي عبد الله.стр. 14
حبر الملا فرد العلي الرباني (١) ... رب الحجى ماحي الدجى الشيباني (٢)
فإنه إمام أهل الأثر (٣) ... فمن نحا منحاه فهو الأثري (٤) الحواشي
(١) حبر: بفتح الحاء وكسرها العالم، والملا: أشراف الناس ورؤساؤهم، فرد العلي، أي: واحد في الخصال السامية، الرباني العالم، العامل المعلم للعلم، مربي الناس بالتعليم.(٢) رب، أي: صاحب الحجا، كامل العقل والفطنة، والمقدار العالي، الماحي بنور السنة ظلمة البدعة، ودجا الليل إذا أظلم، ودياجيه حنادسه الشيباني نسبة إلى شيبان بن ذهل، البطن المتسع المشهور، ولد سنة (١٦٤هـ) .(٣) أي: فإن الإمام أحمد ﵁ قدوة أصحاب الأثر، الذين يأخذون عقيدتهم من المأثور عن الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ وما ثبت عن الصحابة والتابعين.(٤) أي: فمن قصد مقصده، ومذهبه، فهو الأثري المنسوب إلى العقيدة الأثرية والفرقة السلفية ويعرف بمذهب السلف وهو مذهب سلف الأمة، وجميع الأئمة المعتبرين والمتبعين، كالأئمة الأربعة، وغيرهم، وإنما نسب هذا المذهب لأحمد ﵀ لأنه هو الذي قاوم أهل البدع، حتى نصر الله به دينه وأظهره.
قال ابن المديني: نصر الله هذا الدين برجلين: أبي بكر يوم الردة، وأحمد يوم المحنة وقال: اتخذت أحمد فيما بيني وبين الله.
وقال غير واحد من أئمة الدين: أحمد إمام أهل السنة.
وما أحسن ما قيل:
أضحى ابن حنبل حجة مبرورة ... وبحب أحمد يعرف المتنسك
ولما انتصر ﵀ للسنة، وقدم نفسه، وصبر على المحنة، صار هو علمها وإمامها، حتى انتسب إليه أبو الحسن والأشعري في كتابه "الإبانة عن أصول الديانة" وغيره، ورأى اتباعه المنهج الأحمد، وقال: قولنا وديننا التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، وبما كان عليه الإمام، نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عن ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين. انتهى كلام الأشعري.
توفي الإمام أحمد ﵀ ببغداد سنة (٢٤١هـ) وقيل: حزر من صلى عليه بثمانمائة ألف وستين ألفا، وأسلم لموته عشرون ألفا من اليهود والنصارى.стр. 15
سقى ضريحا حله صوب الرضا ... والعفو والغفران ما نجم أضا (١) الحواشي
(١) أي: سقي قبرا سكنه غيث الرضا؟
رضوان الله رحمته، وبركته، صوب العفو، والصفح، والتجاوز عنه ما استنار كوكب في السماء.стр. 16
وحله وسائر الأئمة ... منازل الرضوان أعلى الجنة (١) الحواشي
(١) أي: وأحل أحمد، وبقية علماء الأمة، وأعلام الأئمة من الأربعة المتبوعين، وغيرهم من أئمة الدين منازل الرضوان، من الرحيم المنان، أعلى الدرجات العالية من الجنان، والذين جاءوا من بعدهم بإحسان.стр. 17
مقدمة (١)
اعلم هديت أنه جاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشر (٢)
بأن ذي الأمة سوف تفترق ... بضعًا وسبعين اعتقادًا والمحق
ما كان في نهج النبي المصطفى ... وصحبه من غير زيغ وجفا (٣) الحواشي
(١) في ترجيح مذهب السلف، على سائر المذاهب، والفرقة الناجية على سائر الفرق.(٢) بل جميع الخلق، وهديت جملة دعائية من الهداية، وهي: التوفيق والإرشاد؛ والمقتفى: المتبع، ومن أسمائه: المقفى، يعني آخر الأنبياء، فإذا قفي فلا نبي بعده.(٣) أي: جاء الخبر بأن هذه الأمة ستفترق ثلاثة وسبعين فرقة وافتراقهم من أجل الاعتقاد وهذه الفرق كلها زائغة ضالة، منحرفة عن الصراط المستقيم إلا فرقة واحدة، وهي المحقة من جميع تلك الفرق، السالكة في اعتقادها منهج صفوة خلق الله محمد ﷺ وأصحابه، من غير انحراف، ولا تجاف، ولا ميل عن هديهم.
فإن الحق دائما مع سنة رسول الله ﷺ وكل طائفة تضاف إلى
غيره إذا انفردت بقول عن سائر الأئمة، لم يكن القول الذي انفردت به إلا خطأ، بخلاف أهل السنة، فإن الصواب معهم دائما، ومن وافقهم كان الصواب معه، ومن خالفهم فالصواب معهم دونه
في جميع أمور الدين، فإن الحق مع الرسول ﷺ فمن كان أعلم بسنته وأتبع لها، كان الصواب معه، وهؤلاء هم الذين يضافون إليه.
والأثر المشار إليه: ما رواه أهل السنن، وغيرهم: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. ورواه البخاري ومسلم وغيرهما بلفظ: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .стр. 18
وليس هذا النص جزمًا يعتبر ... في فرقة إلا على أهل الأثر (١) الحواشي
(١) أي: وليس هذا الأثر المذكور يجزم به، ويستدل به، ويصدق على فرقة من الثلاث والسبعين، إلا على فرقة أهل الأثر، المتمسكين بالإسلام المحض، الخالص عن الشوب، أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء، ومن أعلام الهدى ومصابيح الدجى وفيهم الأبدال وفيهم أئمة الدين، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة» .
وما عداهم من سائر الفرق قد حكموا العقول، وخالفوا
المنقول، وأكبر أصول أهل البدع المعتزلة - يقولون: بالمنزلة
بين المنزلتين، ونفي الصفات، وغير ذلك، وهم ثنتان وعشرون
فرقة، والشيعة ومنهم: الغلاة، والإمامية والزيدية،
والخوارج: خرجوا على ﵁، والمرجئة، ويرون أنه
لا يضر مع الإيمان معصية، والنجارية، والجبرية، ويقولون: العبد مجبور على أفعاله والمشبهة: يشبهون الله بمخلوقاته، ويتشعب من كل فرقة فرق.стр. 19
فأثبتوا النصوص بالتنزيه (١) ... من غير تعطيل ولا تشبيه (٢)
فكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الأخبار عن ثقات الحواشي
(١) أي: أثبت الفرقة الناجية النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية في الصفات، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، هذا الذي أجمع عليه السلف، وتمسكوا بالتنزيه لله تعالى عن العيوب والنقائص، ولكن تحت لفظة "التنزيه". عند أهل الكلام وإضرابهم من الإلحاد، وتعطيل الرب تعالى وعما يستحقه، ما يجب أن يتنبه له، كتنزيهه عن الأعراض، الذي هو جحد صفاته وأفعاله، كقول المصنف: كلامه قديم، ونحو ذلك.(٢) أي: من غير تعطيل للصفات الواردة في الكتاب والسنة، وهو نفي ما دلت عليه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، ولا تشبيه لله تعالى بخلقه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فرد تعالى على المشبهة بنفي المثل، ورد على المعطلة بقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ولو عدل عن التشبيه إلى التمثيل لكان أولى، لأن الله نفاه بنص كتابه، ونفي التشبيه لم يرد في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، وإن كان يعنى بنفيه معنى صحيح، كما قد يعنى به معنى فاسد، فإن أهل الكلام قد جعلوا نفي بعض الصفات داخلا في نفي التشبيه وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.стр. 20
من الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما (١) الحواشي
(١) أي: فكل ما جاء عن الله في كتابه الكريم من الآيات القرآنية، أو صح مجيئه في الأخبار من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة بالأسانيد الثابتة عن الثقات وهم العدول الضابطون عند أهل الفن.
قال المصنف: مما يوهم تشبيها أو تمثيلا، فهو من المتشابه. اهـ.
ولم يقل أحد من السلف، ولا من الأئمة المتبوعين، لا أحمد ولا غيره، بإدخال أسماء الله وصفاته، أو بعض ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم معانيه، ولا جعلوها بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم بل هي عندهم معلومة المعاني مجهولة الكيف.
وقوله: نمره كما جاء، أي: عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ فلا نحرف الكلم عن مواضعه، بل نجريه على ظاهره، ونقره على ما دل عليه من معناه، ونعتقد أن له معاني حقيقة، ونفسره ونبينه كما فسره السلف، أحمد وغيره، وبينوا معناه بما يخالف تأويل الجهمية وغيرهم.
ومن قال: تفسيره وبيان مراده لا يعلمه إلا الله، فقد خالف الصحابة والتابعين، والذين فسروا القرآن من أوله إلى آخره، ووصفوا الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بجلال الله، من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته.
والمصنف -عفا الله عنه- ذكر في شرحه: أن مذهب السلف
عدم الخوض في هذا وتفويض علمه إلى الله، وهذا من شر أقوال البدع، ولازمه: أنا نتلو آيات الصفات ولا نتدبرها، ولا
نفهم معانيها، بل إنه لا معنى لها
وقوله: واسمع أي: سماع تفهم من منطوق نظامه، ومفهومه، ومحترزاته، ومعلومه، واعلم ذلك علم تحقيق، وتحرير، وتدقيق، واعتقده فإنه نهج السلف، وما خالف مذهب السلف نبهنا عليه، وبينا مذهب السلف فيه.стр. 21
ولا نرد ذاك بالعقول ... بقول مفتر به جهول (١)
فعقدنا الإثبات يا خليلي ... من غير تعطيل ولا تمثيل (٢)
فكل من أول في الصفات ... كذاته من غير ما إثبات (٣) الحواشي
(١) أي: لا نرد الوارد في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بضروب التحريف، لأجل قول مفتر بذلك القول الباطل، الذي رد به الوارد من الكتاب والسنة، ومفتر من الفرية، وهي الكذب، وجهول صفة لمفتر، من صفات المبالغة.(٢) أي: فالذي نعتقده معشر أتباع السلف، ونذهب إليه: الإثبات للأسماء والصفات كما جاء عن الله ورسوله، من غير تعطيل لها عن حقائقها، ولا تمثيل لها بصفات المخلوقين، فالممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والمثبت يعبد إلها واحدًا أحدًا فردا صمدا، هو الله لا إله إلا هو رب الأرض والسماء.(٣) أي: عن الشارع، والتأويل عند السلف يراد به: ما يئول الأمر إليه، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، ويراد به عند بعض المتأخرين صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبا، وإما جوازا، فلو عدل عن لفظ أول إلى حرف، لكان أولى، ولأن التحريف جاء القرآن بذمه.
ولفظ التأويل في الصفات له عدة معان، منها ما هو صحيحه منقول عن بعض السلف، فلا يجوز إطلاق نفيه: ويعني بعض المبتدعة بنفي التأويل: أنه لا معنى لها حقيقة، أو أنه لا يفهم منها، ما أراد الله بما وصف به نفسه، فلم يجز إطلاق نفيه.стр. 22
فقد تعدى واستطال واجترى (١) ... وخاض في بحر الهلاك وافترى (٢)
ألم تر اختلاف أصحاب النظر ... فيه وحسن ما نحاه ذو الأثر (٣) الحواشي
(١) أي: فقد اجترأ على الله، فيما لم يأذن به، ولا رسوله، واستطال على السلف، فكأنه استدرك عليهم ما يزعم أنهم أغفلوه واجترأ من الجرأة أي: تسلط عليهم وافتات حده وتعدى طوره.(٢) أي: اقتحم، ورمى بنفسه في بحر يذهب بدينه، ويئول به إلى الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، وافترى على الله الكذب بتحريفه الكلم عن مواضعه، وقد انهمك في ذلك كثير من الخلف، وزعموا أن طريقتهم أعلم، وطريقة السلف أسلم، وحاشا لله، بل طريقة السلف هي: الأسلم، والأعلم، والأحكم.(٣) أي: ألم تر اختلاف المتكلمة؟ ورد بعضهم على بعض في النظر، الذي يزعم كل منهم أنه العلم الحق، وحسن ما نهجه، وذهب إليه أصحاب الأثر، أصحاب النبي ﷺ التابعون لهم، الذين هم العمدة في هذا الباب، وغيره.стр. 23
فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ... وصحبه فاقنع بهذا وكفى (١) الحواشي
(١) أي: فإن أصحاب الأثر قد اقتدوا فيما اعتقدوه بالنبي ﷺ ، واقتدوا من بعده بصحبه الذين صحبوه، فاقنع أي: ارض بهذا البيان المسند إلى الكتاب والسنة، والصحابة، والتابعين، وكفى بهؤلاء مستندا والسلامة فيما نحوه، وأصلوه، لا فيما زخرفه المحرفون.стр. 24
الباب الأول
في معرفة الله تعالى وما يتعلق بذلك
من تعداد الصفات التي يثبتها المتكلمون كالسلف
وأسمائه تعالى وكلامه وغير ذلك
أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد (١) الحواشي
(١) الواجب: ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، ووجب: لزم وثبت، والعبيد: جمع عبد، وأشرف اسم، وأتمه للمؤمن وصفه بالعبودية لله وحده، والإله: هو المألوه المستحق للعبادة، بالتسديد أي: التقويم الصائب.
وقال المصنف: يعني: بالنظر في الوجود والموجود. اهـ.
والذي يجب على العبد معرفة الله ، وما يجب له على عبيده، من توحيده وطاعته، بالسمع بواسطة الرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده، ليبلغوهم دينه الذي شرعه، لا بالتخليط في صفات الله بالعقل.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وقال: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . ففرض على عباده العلم بذلك.
وأخبر أنه ضمن كتابه من الأدلة والبراهين ما يدل على ذلك،
والنظر المفيد للعلم هو ما كان فيه دليل هاد، والدليل
الهادي على العموم والإطلاق هو كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ وغالب نظر أهل الكلام في دليل مضل، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]
ومثبتو النبوات تحصل لهم المعرفة بالله مما جاءت به الرسل، من غير أن يفتقروا إلى النظر في الوجود، والموجود، وفي دلائل العقول، وتقديم الدليل العقلي على السمعي، لازمه تكذيب الرسول فيجب تقديم السمعي بالضرورة، واتفاق العقلاءстр. 25
بأنه واحد لا نظير له ... ولا شبه ولا وزير (١) الحواشي
(١) أي: بأنه سبحانه واحد في ذاته في صفاته، وفرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، لا نظير له، ولا ند له، ولا مثل له ولا شبه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولا شريك له في ملكه ولا وزير له، ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه باتفاق جميع النبوات، والوزير هو الذي يحمل ثقل الملك، ويعينه برأيه؛ وهو سبحانه الغني بذاته عن كل ما سواه.
قال المصنف - عفا الله عنه -: واحد لا يتجزأ، ولا ينقسم. اهـ.
ويقول أهل الكلام أيضًا: ولا يتعدد، ولا يتركب، ولا يتبعض، وغير ذلك من الألفاظ المشتركة المجملة، وإن كان يراد بها معنى صحيح مما هو معروف في لغة العرب، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يجوز عليه أن يتفرق، ولا ينقسم ولا يتركب، وغير ذلك مما يتنزه عنه سبحانه.
بل هو واحد صمد بجميع معاني الصمدانية، فيستحيل
عليه ما يناقض صمديته باتفاق النبوات، ولكن أهل الكلام يدرجون في هذا ونحوه نفي علوه، ومباينته لمخلوقاته، كقولهم: لو كان موصوفا بالصفات من العلم، والقدرة وغيرهما، مباينا للمخلوقات، لكان مركبا من ذات وصفات وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس هذا مرادهم -يعني: أنه لا يتجزأ، ولا ينقسم- وإنما مرادهم: أنه لا يشهد، ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يعلم منه شيء دون شيء أو يرى عباده منه شيئا دون شيء، بحيث إنه إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك عندهم غير ممكن. ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، هذا هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل من ثبت له ذلك كان جسما مركبا عندهم، والباري منزه عندهم عن هذه المعاني.
ويلزم الذين ذكروه بنفي الانقسام أن لا يكون شيء قط من المخلوقات، يقال: إنه واحد إلا الجوهر الفرد، وإذا قيل: الواحد هو الشيء فلا يكون قد خلق شيئا، فاسم الواحد قد جعلوا لله فيه شريكا من الموجودات، وهو: الجوهر الفرد.стр. 26
صفاته كذاته قديمه (١) ... ................................... الحواشي
(١) أي: صفاته الذاتية، والفعلية، والخبرية، كذاته، يحتذى القول فيها القول في الذات، فكما أنا نثبت له ذاتا حقيقة، لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات حقيقة تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه صفات المخلوقين، وإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود، لا إثبات كيفية.
وقوله: قديمة؛ فيه إجمال، وفي شرحه: إذ لو كانت حادثة لاحتاجت إلى محدث انتهى.
فعندهم ما ثم إلا قديم، أو مخلوق، فما كان قديمًا فإنه لازم لذاته، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وما كان محدثا فهو المخلوق المنفصل عنه، فلا يقوم عندهم بذات الله فعل، ولا كلام، ولا إرادة ولا غير ذلك مما يتعلق بمشيئته وقدرته، وليس هذا من عقيدة السلف، ولا من دين الإسلام في شيء بل مذهب السلف: أن الله قديم بجميع صفاته، لم يزل ولا يزال متكلما متى شاء، وفاعلا متى شاء، ولم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته، فكلام الله، وقدرته، وإرادته، وغضبه، ورضاه، وغير ذلك قديمة النوع، حادثة الآحاد كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة وشهدت به العقول الصحيحة، والفطر السليمة، والحس، والمشاهدة.стр. 27
.................................. ... أسماؤه ثابتة عظيمه (١)
لكنها في الحق توقيفيه (٢) ... ................................... الحواشي
(١) ثابتة بالنص، والإجماع، والعقل، معظمة، موصوفة بأنها حسنى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وهي أسماء ونعوت دالة على صفات كماله(٢) أي: لكن أسماء الله الحسنى في القول المعتمد عند أهل الحق
توقيفية بنص الشرع وورود السمع بها، واتفقوا على جواز إطلاق ما ورد به كتاب الله، وصح عن رسول الله ﷺ .стр. 28
.................................. ... لنا بذا أدلة وفيه (١)
له الحياة والكلام والبصر ... سمع إرادة وعلم واقتدر (٢) الحواشي
(١) أي: فلنا -معشر أهل السنة- باعتبار ثبوت التوقيف في أسماء الله من الشارع أدلة عالية تفي بالمقصود، لأن ما لم يثبت منها لم يؤذن فيه، وأجمعوا أنه تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ .
وقال ابن القيم: ما يطلق عليه تعالى في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق في باب الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيا، كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه.(٢) الحياة: صفة ذاتية قديمة أزلية ثابتة بالنص والإجماع، وليست كحياة المخلوق، والكلام صفة له سبحانه ثابتة باتفاق الرسل، قائمة بذاته وليس ككلام المخلوقين ويتكلم ويكلم متى شاء، بلا كيف، باتفاق أهل السنة، وله سبحانه بصر يبصر به جميع المبصرات، وسمع يسمع به جميع المسموعات، كما أخبر به في كتابه واتفقت عليه النبوات.
وله سبحانه إرادة حقيقية بالنص والإجماع، والإرادة إرادتان: إرادة كونية قدرية: وترادفها المشيئة، فما شاء كان من جميع الحوادث، وما لم يشأ لم يكن. وإرادة شرعية دينية: وهي المتضمنة للمحبة والرضا، كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، والأولى كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]
وبين الإرادتين عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في حق المخلص المطيع، وتنفرد الإرادة القدرية في حق العاصي.
وله سبحانه علم بكل شيء، كما قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . وله سبحانه اقتدار على كل شيء قدير بقدرة عامة شاملة بإجماع المسلمين، كما أخبر أنه على كل شيء قدير، فما قدره وعلمه أنه سيكون، هو شيء في التقدير والعلم والكتاب، وإن لم يكن شيئا في الخارج، ويقدر سبحانه على ما لا يفعله، كما قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] والقدرة هي القدرة على الفعل.
والفعل نوعان: لازم ومتعد، فالاستواء، والإتيان، والنزول أفعال لازمة، لا تتعدى إلى مفعول، بل هي قائمة بالفاعل، والخلق والرزق والإحياء، والإماتة والهدى، والنصر، ونحو ذلك يتعدى إلى مفعول. وهذه الصفات السبع المذكورة في البيت يثبتها أهل الكلام من الأشعرية وأضرابهم وينفون ما سواها، والجهمية والمعتزلة ينفونها مطلقا، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله جميع ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ -стр. 29
قدرته تعلقت بممكن ... كذا إرادة فعي واستبن (١) الحواشي
(١) أي: تعلقت قدرة الله بكل ممكن، وهو ما ليس بواجب الوجود، ولا مستحيل الوقوع، قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] وكل ممكن مندرج في هذا بل ليس شيء خارجا عن قدرته ومشيئته.
وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد معدوما موجودا، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب: خلق مثل نفسه - تعالى وتقدس ـ، وكذا الإرادة، أي: وكذا مثل القدرة الإرادة في التعلق بالممكنات، إلا أن القدرة أعم، فإن الإرادة لا تتعلق إلا ببعض الممكنات وهو ما أريد وجوده.
وهي إرادتان: إرادة تتعلق بالأمر، وهي الإرادة الشرعية الدينية، المستلزمة للمحبة والرضا، وإرادة تتعلق بالخلق، وهي الإرادة القدرية الكونية، وهي المشيئة، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله: فعي، من وعاه يعيه، حفظه وجمعه أي: اجمع حواشي هذا الكلام، واستبن، أي: اطلب البيان من مظانه.стр. 30
والعلم والكلام قد تعلقا ... بكل شيء يا خليلي مطلقًا (١) الحواشي
(١) أي: قد تعلق علم الله بكل شيء، بالواجب، والمستحيل، والجائز، والموجود، والمعدوم، فهو سبحانه: يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فهو أعم الصفات تعلقا بمتعلقه، وأوسعها، وأما تعلق الكلام بكل شيء، فالمنصوص في أصول أهل السنة أن الله لم يزل متكلما متى شاء، وكلم، ويكلم، وكلامه لا ينفد، كما أخبر به في كتابه.
وذكر شيخ الإسلام عموم تعلق العلم، والقدرة، وقال:
بخلاف الإرادة، والكلام، فإنه لا عموم لهما، لأنه سبحانه
لا يتكلم بكل شيء ولا يريد إلا ما سبق علمه به، ولا يريد كل
شيء، بخلاف العلم والقدرة، فإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، يا خليلي، أي: يا صديقي ومحبي، والخلة: أعلى
مراتب المحبة ولهذا اختص بها الخليلان: إبراهيم، ومحمد ﵉، مطلقا أي: عن التقييد بشيء.стр. 31
وسمعه سبحانه كالبصر ... بكل مسموع وكل مبصر (١)
فصل:
في مبحث القرآن
وأن ما قد جاء مع جبريل ... من محكم القرآن والتنزيل
كلامه سبحانه قديم (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: وسمعه متعلق بكل مسموع، وبصره متعلق بكل مبصر، ولا تخفى عليه خافية، قال تعالى: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] . ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] يسمع بسمع، ويبصر ببصر حقيقة.(٢) أي: وأن نجزم ونعتقد: أن الكلام الذي جاء من الله مع جبرائيل أمينه أوحاه إليه من محكم القرآن العظيم، ومحكم التنزيل الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ بواسطة جبرائيل هو: كلام الله سبحانه، تكلم به حقيقة، كما صرح به في كتابه، وأجمع عليه السلف، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقوله: قديم، ليس من قول السلف، وإنما هو قول ابن كلاب ومن تبعه، أي: أنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الله يتكلم كيف شاء، ومتى شاء.
قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀: لم يقل أحد من السلف إن القرآن قديم، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] .
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٦٣] . ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ [يونس: ١٣] . ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ١] . ولا يكون ذلك إلا بعد وجود المخبر عنه، وإلا كان كذبا، تعالى الله عن ذلك.стр. 32
.................................. ... أعيى الورى بالنص يا عليم (١)
وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورة من مثله (٢)
****** الحواشي
(١) أي: أعجز الخلق من الجن والإنس بالنص القرآني، وقد تحدى سبحانه الخلق أن يأتوا بمثله، أو عشر سور، أو سورة، فعجزوا مع بلاغتهم، وشدة عدواتهم، يا عليم: صيغة مبالغة أي: العالم البالغ في العلم.(٢) أي: ليس في وسع الخلق من أولهم إلى آخرهم أن يأتوا بأقصر سورة من مثل القرآن كما تحداهم الله تعالى، فاعترفوا بالعجز، وقد تحداهم بذلك في مكة والمدينة، وعدم قدرة البشر على مثله مع قيام الداعي، ومهارة البلاغة أكبر معجزة، وأبهر آية، وأظهر دلالة، ونفس نظمه وأسلوبه، ودليله ومعانيه، وفصاحته وبلاغته وغير ذلك عجيب خارق للعادة.стр. 33
فصل
في ذكر الصفات التي يثبتها لله تعالى أئمة السلف وعلماء
الأثر دون غيرهم من علماء الخلف وأهل الكلام
وليس ربنا بجوهر ولا عرض ... ولا جسم تعالى ذو العلى (١) الحواشي
(١) وتقدس عما يتضمنه قوله من الباطل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: لفظ الجسم، والجوهر، والعرض في أسماء الله تعالى وصفاته بدعة لم ينطق بها كتاب، ولا سنة ولا قالها أحد من سلف الأئمة، وأئمتها، ولم يقل أحد منهم إن الله جسم، ولا ليس بجسم، ولا جوهر ولا ليس بجوهر، ولا عرض ولا ليس بعرض وذموا الكلام في ذلك، لا لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه. اهـ.
وتقدم: أن ما يراد به نفي الجوهر نفي حقيقة الله تعالى، وبنفي العرض نفي بعض صفاته ككلامه، وكذلك المراد من نفي الجسم نفي أنه كلم، ويكلم وأراد، ويريد، وفعل، ويفعل، ونحو ذلك مما هو صفة كمال سلبها نقص في حق المخلوق.
وكل كمال ثبت للمحدث، فالواجب القديم أولى به، وكل
نقص وعيب وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات، فإنه يجب نفيه عن الله بطريق الأولى؛ بل هو سبحانه المبرأ من كل عيب، ونقص، وآفة، له الكمال المطلق من جميع الوجوه، باتفاق النبوات.стр. 34
سبحانه قد استوى كما ورد (١) ... من غير كيف قد تعالى أن يحد (٢) الحواشي
(١) أي: قد استوى سبحانه على عرشه من فوق سماواته استواء حقيقة، يليق بجلاله وعظمته، لا يشوبه حصر، ولا حاجة إلى عرش، ولا حملة، كما ورد في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والنصوص السلفية، مما يتعذر استقصاؤه، ودلالة اللفظ عليه كدلالة لفظ العلم والإرادة على معانيها.(٢) أي: استوى سبحانه على عرشه بلا كيف، إذ كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، وقد ثبت عن أم سلمة، ومالك: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " وتبعهما السلف فإن استواءه سبحانه، الذي هو علوه وارتفاعه على عرشه، معلوم بطريق القطع، الثابت بالتواتر، وكيفية ذلك لا سبيل لنا إلى العلم به، وليس كاستواء المخلوقين، فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين.
وقوله: قد تعالى أن يحد، أراد: نفي إحاطة علم الخلق به أن يحدوه، أو يصفوه بغير ما أخبر به عن نفسه، ليتبين أن العقول لا تحيط بصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .
قال أحمد: وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] أي: استوى كيف شاء، ليس
كمثله شيء، ولا ينافي ما نص عليه هو وغيره من الأئمة، كابن المبارك، قالوا: على العرش بحد. قال أحمد: هكذا هو عندنا، يعني: أنه عال على عرشه، بائن من خلقه.
وقد يريد المبتدعة بنفي الحد معنى باطلا.
قال ابن القيم: يقولون: ننزه الله عن الحدود، والجهات، إنه ليس فوق السماوات، ولا على العرش ولا يشارك إليه، ونحو ذلك. انتهى.
فنفي الحد بهذا المعنى نفي لوجود الرب - تعالى وتقدس ـ.стр. 35
فلا يحيط علمنا بذاته (١) ... كذاك لا ينفك عن صفاته (٢)
فكل ما قد جاء في الدليل ... فثابت من غير ما تمثيل (٣) الحواشي
(١) أي: لا يحيط علم الخلق من الملائكة والإنس والجن بذات الله المقدسة فلا يعلم كيف هو إلا هو، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .(٢) أي: كما أن علمنا لا يحيط بذاته المقدسة، لا ينفك أي: لا يخلص ولا يزول عن صفاته وأفعاله، بل لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال، متنزها عن جميع صفات النقص والعيب، لم يحدث فيه صفة، ولا تزول عنه صفة.(٣) أي: فكل وصف جاء في كتاب الله، وصح عن نبيه ﷺ ، فهو ثابت له تعالى، وموصوف به، من غير تمثيل بشيء من خلقه، ومن غير تكييف، نمره كما جاء، ولا نحرفه عن مواضعه، ونصدق به، ونقر على ما دل عليه من معناه، ونفهمه على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته.стр. 36
من رحمة ونحوها كوجهه (١) ... ويده وكل ما من نهجه (٢) الحواشي
(١) أي: فكل وصف جاء في كتاب الله، وصح عن نبيه ﷺ نثبته من غير تمثيل من ذلك: وصفه بالرحمة قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فنصفه بها على ما يليق بجلال الله، وليست كرحمة المخلوق.
وقوله: ونحوها، كالمحبة، والرضا، والغضب، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وقال ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] فهو سبحانه المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، ويغضب، ويرضى، فنصفه بما وصف به نفسه، على ما يليق بجلاله، هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقوله: كوجهه، أي: من الصفات الثابتة له صفة الوجه، بلا كيف، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي الحديث: «أعوذ بنور وجهك. وغير ذلك.(٢) أي: ومن الصفات الثابتة له تعالى بنص الكتاب والسنة صفة اليدين، قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وفي الحديث: «يمين الله ملأى، لم يغض ما في يمينه، وبيمينه الأخرى القبض، يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى وكلتا يدي ربي يمين، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويجعلها في كفه» . وغير ذلك مما ثبت مما لا يحصى، فيداه صفتان من صفات ذاته بإجماع السلف.
وكل شيء ورد من صفات الله من نهج اليد والوجه ونحوهما كالقدم والرجل والساق نثبته كما جاء عن الله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] . وفي الحديث: «حتى يضع رب العزة فيها رجله» . وفي رواية: «فيها قدمه» . ونقر ما أتى عن الله على مراد الله، ونؤمن بذلك ونصدق به، ونعتقد أن له معاني حقيقة، على ما يليق بجلال الله وعظمته.стр. 37
وعينه وصفة النزول ... وخلقه فاحذر من النزول (١) الحواشي
(١) أي: ومن الصفات الثابتة له تعالى من غير تمثيل صفة العينين، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] . ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] فدلت الآيات: أن لله تعالى عينين، والقاعدة: أن المثنى إذا أضيف إلى نون العظمة أتى به بصيغة الجمع، وفي الصحيحين: «فإن الله ليس بأعور» .
ومذهب السلف إثبات العينين لله تعالى حقيقة على ما يليق بذاته وعظمته لا كأعين المخلوقين.
ومن الصفات الثابتة لله تعالى بالسنة المتواترة صفة النزول
ففي الصحيحين وغيرهما من غير وجه: «ينزل ربنا إلى
السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له» ... إلخ؛ والقول فيه كالقول في الاستواء على ما يليق بجلال الله، لا كنزول المخلوقين، وكذلك الإتيان، والمجيء وسائر الصفات الثابتة من غير تكييف ولا تمثيل.
وليس في العقل الصحيح ما يخالف النقل الصريح الصحيح، بل العقل الصحيح يوافقه النقل الصحيح الصريح، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن إدراكه.
وقد قال شيخ الإسلام: اعترف أساطين أهل الكلام بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. ومن الصفات الثابتة له تعالى: صفة الخلق بالكتاب والسنة، والعقل، والحس، والفطرة، وباتفاق الرسل وأتباعهم، بل وسائر أهل الملل: بأن الله خالق كل شيء، ويخلق ما يشاء فاحذر من النزول من ذروة الإيمان وسنام الدين إلى حضيض الابتداع، فإن السلامة في اتباع السلف.стр. 38
فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال (١) الحواشي
(١) أي: فسائر الصفات الذاتية من الحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والكلام، وغيرها، والوجه، واليدين، والقدم، ونحوها، وسائر صفات الأفعال، من الاستواء، والنزول، والإتيان والمجيء، والتكوين، ونحوها الثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة: نؤمن بها، ونصدق بها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير زيادة ولا نقصان، فلا ننفي ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف، ولا نمثل صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فهو أعلم بنفسه، وبغيره.
وقوله: قديمة لله ذي الجلال والإكرام، أجمع السلف على أن الله قديم بجميع صفاته لم يزل ولا يزال، لكن مرادهم: أن صفات الأقوال والأفعال قديمة النوع، حادثة الآحاد، وكلام المصنف فيه إجمال.
وقال: ليس منها شيء محدث، وإلا كان محلا للحوادث، وليس هذا من كلام السلف بل من كلام أهل البدع المخالفين للسلف، وإنما السلف يقولون: لم يزل الله متكلما إذا شاء، فاعلا إذا شاء، ولم تزل الإرادة والكلمات تقوم بذاته، وإلا كان ناقصا عاجزا، تعالى الله عن ذلك.
قال شيخ الإسلام: المبتدعة يريدون بقولهم: ليس منها شيء محدث أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة، ولا يجيء، ولا يغضب بعد أن كان راضيا، ولا يرضى بعد أن كان غضبانا، ولا يقوم به فعل ألبته ولا أمر تجدد بعد أن لم يكن، ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدًا له، فلا يقول له كن حقيقة، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا ينادي عباده يوم القيامة، ونحو ذلك، فإن هذه كلها حوادث عندهم، وهو منزه عن تلك الحوادث، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوا كبيرا.стр. 39
لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغمًا لأهل الزيغ والتعطيل (١) الحواشي
(١) أي: وإثبات الصفات لله بلا كيف كما أنه لا يعلم كيف هو إلا
هو، فذلك صفاته لا يعلم كيف هي إلا هو، ولا تمثيل أي
بشيء من خلقه، رغما لأهل الميل والانحراف عن نهج أهل الحق ورغما لأهل التعطيل من الجمهية وغيرهم فأهل السنة وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة.стр. 40
نمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر (١) الحواشي
(١) أي: نمر آيات الصفات وأخبارها ونجريها على ظاهرها ونقرها على ما دلت عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ونفهم منها ما دلت عليه، ونعتقده حقيقة لا مجازا، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وقوله: من غير تأويل، تقدم أنه لو عدل عنه إلى تحريف لكان أولى، لأن من المعاني التي تسمى تأويلًا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف، ومراد بعض المتأخرين بنفي التأويل: أن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلمها إلا الله وأن الأنبياء والصحابة والعلماء لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه، ولازم قولهم: أنا أمرنا بتلاوتها من غير تدبر ولا فهم لمعانيها.
وقوله: من غير فكر، كما جاء في الأثر: تفكروا في
المخلوق، ولا تفكروا في الخالق، فإن الخالق سبحانه لا شبيه له،
ولا نظير له، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه
تعالى، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد، وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة، لا تنال بمجرد
التفكير والتقدير، وإنما تعلم الذات المقدسة والصفات المعظمة
من حيث الجملة، على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته، ومن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه.следующие страницы →