Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من رحمة ونحوها كوجهه (١) ... ويده وكل ما من نهجه (٢) الحواشي
(١) أي: فكل وصف جاء في كتاب الله، وصح عن نبيه ﷺ نثبته من غير تمثيل من ذلك: وصفه بالرحمة قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فنصفه بها على ما يليق بجلال الله، وليست كرحمة المخلوق.
وقوله: ونحوها، كالمحبة، والرضا، والغضب، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وقال ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] فهو سبحانه المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، ويغضب، ويرضى، فنصفه بما وصف به نفسه، على ما يليق بجلاله، هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقوله: كوجهه، أي: من الصفات الثابتة له صفة الوجه، بلا كيف، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي الحديث: «أعوذ بنور وجهك. وغير ذلك.(٢) أي: ومن الصفات الثابتة له تعالى بنص الكتاب والسنة صفة اليدين، قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وفي الحديث: «يمين الله ملأى، لم يغض ما في يمينه، وبيمينه الأخرى القبض، يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى وكلتا يدي ربي يمين، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويجعلها في كفه» . وغير ذلك مما ثبت مما لا يحصى، فيداه صفتان من صفات ذاته بإجماع السلف.
وكل شيء ورد من صفات الله من نهج اليد والوجه ونحوهما كالقدم والرجل والساق نثبته كما جاء عن الله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] . وفي الحديث: «حتى يضع رب العزة فيها رجله» . وفي رواية: «فيها قدمه» . ونقر ما أتى عن الله على مراد الله، ونؤمن بذلك ونصدق به، ونعتقد أن له معاني حقيقة، على ما يليق بجلال الله وعظمته.стр. 37
وعينه وصفة النزول ... وخلقه فاحذر من النزول (١) الحواشي
(١) أي: ومن الصفات الثابتة له تعالى من غير تمثيل صفة العينين، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] . ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] فدلت الآيات: أن لله تعالى عينين، والقاعدة: أن المثنى إذا أضيف إلى نون العظمة أتى به بصيغة الجمع، وفي الصحيحين: «فإن الله ليس بأعور» .
ومذهب السلف إثبات العينين لله تعالى حقيقة على ما يليق بذاته وعظمته لا كأعين المخلوقين.
ومن الصفات الثابتة لله تعالى بالسنة المتواترة صفة النزول
ففي الصحيحين وغيرهما من غير وجه: «ينزل ربنا إلى
السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له» ... إلخ؛ والقول فيه كالقول في الاستواء على ما يليق بجلال الله، لا كنزول المخلوقين، وكذلك الإتيان، والمجيء وسائر الصفات الثابتة من غير تكييف ولا تمثيل.
وليس في العقل الصحيح ما يخالف النقل الصريح الصحيح، بل العقل الصحيح يوافقه النقل الصحيح الصريح، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن إدراكه.
وقد قال شيخ الإسلام: اعترف أساطين أهل الكلام بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. ومن الصفات الثابتة له تعالى: صفة الخلق بالكتاب والسنة، والعقل، والحس، والفطرة، وباتفاق الرسل وأتباعهم، بل وسائر أهل الملل: بأن الله خالق كل شيء، ويخلق ما يشاء فاحذر من النزول من ذروة الإيمان وسنام الدين إلى حضيض الابتداع، فإن السلامة في اتباع السلف.стр. 38
فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال (١) الحواشي
(١) أي: فسائر الصفات الذاتية من الحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والكلام، وغيرها، والوجه، واليدين، والقدم، ونحوها، وسائر صفات الأفعال، من الاستواء، والنزول، والإتيان والمجيء، والتكوين، ونحوها الثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة: نؤمن بها، ونصدق بها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير زيادة ولا نقصان، فلا ننفي ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف، ولا نمثل صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فهو أعلم بنفسه، وبغيره.
وقوله: قديمة لله ذي الجلال والإكرام، أجمع السلف على أن الله قديم بجميع صفاته لم يزل ولا يزال، لكن مرادهم: أن صفات الأقوال والأفعال قديمة النوع، حادثة الآحاد، وكلام المصنف فيه إجمال.
وقال: ليس منها شيء محدث، وإلا كان محلا للحوادث، وليس هذا من كلام السلف بل من كلام أهل البدع المخالفين للسلف، وإنما السلف يقولون: لم يزل الله متكلما إذا شاء، فاعلا إذا شاء، ولم تزل الإرادة والكلمات تقوم بذاته، وإلا كان ناقصا عاجزا، تعالى الله عن ذلك.
قال شيخ الإسلام: المبتدعة يريدون بقولهم: ليس منها شيء محدث أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة، ولا يجيء، ولا يغضب بعد أن كان راضيا، ولا يرضى بعد أن كان غضبانا، ولا يقوم به فعل ألبته ولا أمر تجدد بعد أن لم يكن، ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدًا له، فلا يقول له كن حقيقة، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا ينادي عباده يوم القيامة، ونحو ذلك، فإن هذه كلها حوادث عندهم، وهو منزه عن تلك الحوادث، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوا كبيرا.стр. 39
لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغمًا لأهل الزيغ والتعطيل (١) الحواشي
(١) أي: وإثبات الصفات لله بلا كيف كما أنه لا يعلم كيف هو إلا
هو، فذلك صفاته لا يعلم كيف هي إلا هو، ولا تمثيل أي
بشيء من خلقه، رغما لأهل الميل والانحراف عن نهج أهل الحق ورغما لأهل التعطيل من الجمهية وغيرهم فأهل السنة وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة.стр. 40
نمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر (١) الحواشي
(١) أي: نمر آيات الصفات وأخبارها ونجريها على ظاهرها ونقرها على ما دلت عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ونفهم منها ما دلت عليه، ونعتقده حقيقة لا مجازا، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وقوله: من غير تأويل، تقدم أنه لو عدل عنه إلى تحريف لكان أولى، لأن من المعاني التي تسمى تأويلًا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف، ومراد بعض المتأخرين بنفي التأويل: أن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلمها إلا الله وأن الأنبياء والصحابة والعلماء لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه، ولازم قولهم: أنا أمرنا بتلاوتها من غير تدبر ولا فهم لمعانيها.
وقوله: من غير فكر، كما جاء في الأثر: تفكروا في
المخلوق، ولا تفكروا في الخالق، فإن الخالق سبحانه لا شبيه له،
ولا نظير له، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه
تعالى، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد، وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة، لا تنال بمجرد
التفكير والتقدير، وإنما تعلم الذات المقدسة والصفات المعظمة
من حيث الجملة، على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته، ومن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه.стр. 41
ويستحيل الجهل والعجز كما ... قد استحال الموت حقًّا والعمى (١)
فكل نقص قد تعالى الله ... عنه فيا بشرى لمن والاه (٢) الحواشي
(١) أي: لا يتصور في العقل الجهل هو ضد العلم، والعجز الذي هو ضد القدرة في حق الله تعالى، كما أنه لا يتصور في حقه الموت الذي هو ضد الحياة، والعمى الذي هو ضد البصر، وكذا الصمم، والبكم، والفناء، والعدم، والفقر، ومماثلة المخلوقين، وغير ذلك مما هو ضد أوصافه المقدسة، الثابتة بالشرع.(٢) أي: فكل نقص من هذه الأوصاف المذكورة ونحوها قد تنزه الله عنه فله الكمال المطلق من جميع الوجوه باتفاق الكتب والرسل، ونوه بالبشرى لمن والاه الله، أو والى هو الله، أي: اتخذه وليا معتمدا عليه، ومفوضا جميع أموره إليه لعظم ذلك، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢-٦٤] والولي ضد العدو، فاقتبس الناظم من الآية البشارة لأهل الولاية.стр. 42
فصل
في ذكر الخلاف في صحة إيمان المقلد
وكل ما يطلب فيه الجزم ... فمنع تقليد بذاك حتم (١) الحواشي
(١) أي: وكل حكم أو مطلوب مما أنبأ عنه الكلام الخبري، يطلب: يجزم فيه جزما، فمنع التقليد وهو قبول قول الغير بغير دليل عقلي بما يطلب فيه الجزم حتم لازم واجب عند طوائف المتكلمة والفلاسفة.
قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيميه: وإن كانوا يظنون أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما بني عليه صدق المخبر معقولات محضة، فضلوا في ظنهم، أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، مع أن العقل يدل على صدق الرسول دلالة مطلقة.
بل الذي عليه السلف: أن الله بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، كالأمثال المضروبة، والبراهين القاطعة، والاعتقاد الصحيح، لا يثبت بمجرد الأدلة العقلية، بل بالأدلة الشرعية التي يفرق بها بين المؤمن والكافر.стр. 43
لأنه لا يكتفى بالظن ... لذي الحجى في قول أهل الفن (١)
وقيل يكفي الجزم إجماعًا بما ... يطلب فيه عند بعض العلما (٢) الحواشي
(١) علل منع التقليد لأنه لا يكتفى بالظن، الذي هو ترجيح أحد الطرفين على الآخر في أصول الدين، لصاحب الحجى بكسر الحاء، أي: العقل، والفطنة في قول علماء العقول.
قال شيخ الإسلام: وقولهم: إن المسائل الخبرية التي يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعا، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين من العلوم العقلية يعلم كل من تدبره: أنه مخالف لما جاء به الرسول ﷺ متضمن لتجهيل الرسول ﷺ ، أنه لم يبين أصول الدين، مع أن الناس إليها أحوج منهم إلى غيرها.(٢) أي وقيل: يكفي في أصول الدين الجزم ولو تقليداً، إجماعا بكل حكم يطلب فيه ذلك المطلوب من أصول الدين عند بعض العلماء من الحنابلة والشافعية وغيرهم، لأنه ﷺ يكتفي في الإيمان من الأعراب وغيرهم بالتلفظ بالشهادة، وما جاءت به الشريعة من نوعي النظر، هو ما يفيد وينفع، ويحصل به الهدى، وهو بذكر الله، وما نزل من الحق، وليس الرجوع إلى قوله ﷺ تقليداً، بل هو النظر المفيد للعلم.стр. 44
فالجازمون من عوام البشر ... فمسلمون عند أهل الأثر (١) الحواشي
(١) أي: فالجازمون حينئذ ولو تقليدا، وهو الرجوع عندهم إلى الكتاب والسنة من عوام البشر، الذين ليسوا أهلا للنظر والاستدلال، فعلى الصواب: هم مسلمون عند أكثر أهل الأثر وأكثر النظار.
قال النووي: الآتي بالشهادتين مؤمن حقا، وإن كان مقلدا على مذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح، التي يحصل بمجموعها التواتر، والعلم القطعي. اهـ.
ولو كان النظر العقلي واجبا - كما زعمه النظار - لما أهمله المهاجرون والأنصار، وسائر الوفود الذين دخلوا في الدين، وعرفوا الله بتصديق النبي ﷺ وأعلام الرسالة، ودلائلها، وهم ومن اتبعهم من السلف أعظم الناس علما، ويقينا وطمأنينة، وسكينة. وطوائف المتكلمين والمتفلسفة وأضرابهم هم أهل الشك والاضطراب وتشريع دين لم يأذن به الله، غاية ما يقول أحدهم: أنهم جزموا بغير علم وصححوا بغير حجة، حتى اعترف حذاق أهل الكلام الأشعري وغيره: أن طريقتهم ليست طريقة الرسل وأتباعهم، وأنها طريقة باطلة، وأهل السنة والجماعة يعلمون، ويعلمون أنهم يعلمون.стр. 45
الباب الثاني
في الأفعال المخلوقة
وسائر الأشياء غير الذات ... وغير ما الأسماء والصفات
مخلوقة لربنا من العدم (١) ... وضل من أثنى عليها بالقدم (٢) الحواشي
(١) أي: وسائر الأشياء مخلوقة، الله أوجدها من العدم، غير الذات المقدسة، والأسماء الحسنى، والصفات العلى، فإن الله تعالى قديم بجميع صفاته، وقدمه ضروري، وصفات كماله لازمة لذاته، يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة، وكل ما سوى الله محدث، مسبوق بالعدم، باتفاق السلف، فالله خالق كل شيء، وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما دلت عليه الكتب المنزلة، وأخبرت به الرسل، وأقرت به الفطر، وأجمع عليه المسلمون.(٢) أي: وضل عن الصراط المستقيم كل شخص أثنى على سائر الأشياء بالقدم سوى الذات، والأسماء والصفات، وأخطأ المنهج القويم، كأرسطو وأتباعه، وأخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض، وما فيهما، وما بينهما، وقدر مقادير الخلائق، قبل ذلك بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء.
قال شيخ الإسلام: ليس لأرسطو وأتباعه ولا غيرهم حجة واحدة تدل على قدم شيء من العالم أصلاً.стр. 46
وربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة ولا اضطرار (١)
لكنه لا يخلق الخلق سدى ... كما أتى في النص فاتبع الهدى (٢)
أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لاهي (٣) الحواشي
(١) أي: ربنا ﵎ يخلق ما شاء باختيار منه، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] . ولم يزل سبحانه فاعلا لما يشاء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، أوجد المخلوقات بعد أن لم تكن على غير مثال سابق، لا لحاجة إليها، ولا اضطرار ألجأ إليها، بل خلقها بمحض مشيئته لحكمة عظيمة.(٢) أي: لكنه - تعالى وتقدس - لا يخلق الخلق سدى هملا، بلا أمر ولا نهي، ولا حكمة، بل خلقهم لذلك، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . أي: يوحدون وقال بعض السلف: إلا لآمرهم، وأنهاهم كما أتي في النص، أي: القرآني، كقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] . ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] والسنة النبوية كقوله: «وحق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» . وغير ذلك، فاتبع الهدى باقتفاء المأثور وإتباع السلف.
وهل يخلق تعالى لعلة، أو لا؟ رجح الأول شيخ الإسلام، وابن قاضي الجبل، وغيرهما، وحكاه عن إجماع السلف، واحتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وغير ذلك، والإجماع واقع على اشتماله على الحكم والمصالح.(٣) أي: أفعالنا معشر الخلق جميعها مخلوقة مصنوعة لله تعالى، هو
الذي أوجدها من العدم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أي: خلقكم والذي تعملونه، فدلت على أن أعمال العباد مخلوقة لله، وفي حديث حذيفة: «إن الله خلق كل صانع وصنعته. وأيضا: نفس حركاته تدخل في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ فإن أعراضهم داخلة في مسمى أسمائهم، فالله خلق الإنسان بجيمع أعراضه وحركاته، والآيات والأحاديث الدالة على خلق أفعال العباد كثيرة. وجمهور أهل السنة: على أن فعل العبد فعل له حقيقة، لكنه مخلوق لله، مفعول للعبد، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، لكنها أي: لكن أفعالنا التي تصدر عنا كسب لنا معشر الخلق، والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
قال شيخ الإسلام: والفعل هو الكسب، ولا يعقل شيئان في المحل: أحدهما فعل والآخر كسب، والذين جعلوا العبد كاسبا غير فاعل من أتباع جهم، وأبي الحسن وكلامهم متناقض، وقوله يا لا هي، تكملة للبيت.стр. 47
فكل ما يفعله العباد ... من طاعة أو ضدها مراد
لربنا من غير ما اضطرار ... من لنا فافهم ولا تُمَار (١) الحواشي
(١) أي: فكل فعل يفعله العباد من طاعة، وهي ما تعلق بها المدح في العاجل، والثواب في الآجل وما يفعل من معصية وهي ما فيها ذم في العاجل والعقاب أو الذم في الأجل داخل تحت إرادة الله الكونية ومشيئته وقدرته، فإن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه ما
شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وإرادة
ما يفعله العباد من غير اضطرار منه لنا ولا حاجة بل لحكمة باهرة.
فافهم ولا تمار في علمك وكن مع الحق حيث كان. والمراء: الجدال ويقال للمناظرة، مماراة لأن كل واحد يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، وقد كثر المراء في القدر، وقيل: أول من تكلم فيه معبد الجهني.
وأهل السنة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، وتقدم: أن الإرادة إرادتان: فما ذكر هي الإرادة الكونية القدرية المتعلقة بالخلق، والإرادة الثانية هي: الإرادة الشرعية المتعلقة بالأمر وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة.
والمراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا للمريد، ولا مصلحة له فيه بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضائه، وإيصاله إلى مراده، فيجتمع الأمران بغضه وإرادته لا يتنافيان لاختلاف متعلقهما.
وجمهور أهل السنة من جميع الطوائف: يفرقون بين الإرادة، والمحبة، والرضا، فيقولون: إنه إن كان يريد المعاصي فهو سبحانه لا يحبها، ولا يرضاها، بل يبغضها، ويسخطها، وينهى عنها.стр. 48
وجاز للمولى يعذب الورى ... من غير ما ذنب ولا جرم جرى (١) الحواشي
(١) أي: وجاز للرب تعالى يعذب الخلق من غير ذنب، أي: إثم، ولا
جرم، هو: الذنب عطفه عليه للإيضاح، جرى، أي: من العبد، ولا صدر عنه، وليس هذا من قول السلف، ولا من الثناء على الله، والنصوص النافية للظلم، تثبت العدل في الجزاء وأنه لا يبخس عاملا عمله، كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥-٣٦] ويجب تنزيهه عن الظلم، كما نزه نفسه عنه، ومعلوم بالضرورة أن الله حكم عدل، يضع الأشياء في مواضعها، وإن كان وضعها في غير مواضعها غير ممتنع لذاته، لكنه لا يفعله لأنه لا يريده بل يكرهه ويبغضه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس من أهل السنة من يقول: إن الله يعذب نبيا، ولا مطيعا، ولا من يقول: إن الله يثيب إبليس وفرعون، بل: ولا يثيب عاصيًا على معصيته؛ وهو سبحانه القائم على كل نفس بما كسبت، مجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الصادق الذي لا يخلف الميعاد، العدل الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلما، باتفاق جميع الكتب والرسل.стр. 49
فكل ما منه تعالى يجمل ... لأنه عن فعله لا يسأل (١) الحواشي
(١) أي: فكل شيء يحسن من الله، وكل ما خلقه فهو نعمة، وإحسان إلى عباده، يستحق عليه الشكر، وله سبحانه فيه حكمة تعود عليه، يستحق أن يحمد عليها لذاته، لا يسأل عما يفعل، لتمام حكمته وحمده، وهم يسألون؛ بل هو محسن عدل، كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، محسن إلى العبد بلا سبب منه، ولا يعاقبه إلا بذنبه، وإن كان قد خلق الأفعال كلها لحكمة له في ذلك.
فهو أحكم الحاكمين، لا يظلم مثقال حبة من خردل، وإن تك حسنة يضاعفها، فإذا ابتلى أحدا بالذنوب، فهي عقوبة على عدم فعل ما خلق لأجله وفطر عليه: فإنه خلق الخلق لعبادته وحده ودلهم عليه بالفطرة، وجعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، وبعث الرسل لقيام الحجة، فمن لم يفعل ما أمر به بأن زين له الشيطان المعاصي عاقبه.стр. 50
فإن يثب فإنه من فضله ... وإن يعذب فبمحض عدله (١) الحواشي
(١) أي: فإن يثب عباده المطيعين - والثواب: الجزاء - فإن إثابته من فضله وكرمه، وإن كان واجبا بحكم وعده، باتفاق المسلمين، وبما كتبه على نفسه من الرحمة وإن يعذب عباده لعتوهم وعصيانهم فبمحض عدله الخالص من شائبة الظلم باتفاق المسلمين، وهو أرحم الرحمين، فلا يلوم العبد إلا نفسه، ولولا فرط عتوهم وإبائهم عن طاعته، واستحقاقهم للعذاب لما عذبهم، وهو الحكم العدل، وكما أنه منزه عن صفات النقص والعيب فهو منزه عن أفعال النقص والعيب، وأي نقص أفظع من الظلم.
وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه، وإن كان بالنسبة إلى الإنسان هو ظلم، فهو ظلم من الفاعل، الذي قام به الفعل، لا من الخالق - جل وعلا - فإن أفعال عباده نوع آخر، والله تعالى لا تقوم به أفعال
العباد، ولا يتصف بها، ولا تعود إليه أحكامها، التي تعود إلى موصوفاتها، وقد فرق السلف بين فعله سبحانه وبين ما هو
مفعول مخلوق له، فحركات المخلوقات ليست حركات له، ولا
أفعالا له بهذا الاعتبار، لكونها مفعولات هو خلقها، وإنما الظالم من فعل الظلم.
وأجمع السلف: أن العبد مأمور بطاعة الله، منهي عن معصيته، فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه، وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته، وإن عصى كان ظالما لنفسه، مستحقا للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة لأحد على الله، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته، لكنه تعالى يحب الطاعة، ويأمر بها، ويثيب عليها، ويبغض المعصية، وينهى عنها، ويعاقب عليها، وإن شاء عفا عن المذنب من المؤمنين.стр. 51
فلم يجب عليه فعل الأصلح ... ولا الصلاح ويح من لم يفلح (١) الحواشي
(١) أي: فلم يجب على الله فعل الأصلح، أي: الأنفع، ولا فعل الصلاح لعباده وهذا قول المرجئة الجهمية، والذي عليه أهل السنة والجماعة: أنه سبحانه إنما يأمر عباده بما فيه صلاحهم، وينهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور مصلحة عامة لمن فعله، وترك المنهي عنه مصلحة لمن تركه، ونفس الأمر وإرسال الرسل مصلحة عامة، وإن تضمن شرا للبعض.
ويثبتون الحكمة في أفعال الله، وأنه يفعل لنفع عباده ومصالحهم،
فقد أمر الخلق على ألسن رسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم،
ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد هو سبحانه أن
يخلق ذلك الفعل، ويجعله فاعلا له: ومنهم من لم يرد أن
يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها غير أمره للعبد على وجه بيان ظاهر مصلحة للعبد أو مفسدة، فإذا أمر العبد بالإيمان، كان قد بين له ما ينفعه ويصلحه إذا فعله، ولا يلزمه تعالى إذا أمره أن يعينه، بل قد يكون في خلقه ذلك الفعل وإعانته عليه نوع مفسدة من حيث هو فعل له، فإنه يخلق سبحانه ما يخلق لحكمة. ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعل أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلا له، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك فإن الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة وما من ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا معنى من المعاني، إلا وهو شاهد لله بتمام العدل والرحمة، وكمال الحكمة.
وما خلق سبحانه الخلق باطلا، ولا فعل شيئا عبثا، بل هو الحكيم في أقواله وأفعاله، يفعل ويخلق ما يشاء لحكمة باهرة، وقد وقع الإجماع عند أهل السنة والجماعة على اشتمال أفعال الله على الحكم والمصالح، كما تقدم.стр. 52
فكل من شاء هداه يهتدي (١) ... ................................... الحواشي
(١) أي: فكل من شاء الله هداه من خلقه يهتدي إلى الصراط المستقيم، والمراد هنا الهداية الخاصة، وهي هداية التوفيق والإلهام، المستلزمة للاهتداء. وأما الهداية العامة، كقوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] .
فإنها لا تستلزم الاهتداء التام، وكذا هداية البيان العام، كقوله: ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] لا تستلزم الاهتداء التام، وكذا الهدى بالبيان والدلالة إن لم يقترن به هدى آخر بعده لم يحصل به الاهتداء، الذي هو هدى التوفيق والإلهام، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] . وهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى، وإضلال من ضل، فلم يطرد عن بابه من يليق به التقريب، بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد.стр. 53
.................................. ... وإن يرد ضلال عبد يعتدي (١) الحواشي
(١) أي: وإن يرد سبحانه ضلال عبد من خلقه، بترك المأمور، وارتكاب المحظور، يعتد، بارتكاب ذلك، واقتحام المحارم، وهذه هي الإرادة القدرية الكونية، وليست هي الإرادة التي هي مدلول الأمر والنهي، فإنها مستلزمة للمحبة والرضا، وقد فرق الله بينهما في كتابه، فقال في الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وفي الثانية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
فيريد سبحانه الخير، ويأمر به، ولم يأمر بالشر، بل نهى عنه، ولم يرضه دينا وشرعا، وإن كان مريدا له خلقا وقدرا، وما يصيب العبد من النعم، فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر، فبذنوبه ومعاصيه، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله، وقدرته وخلقه، ولا بد للعبد أن يؤمن بقضاء الله، وقدره، وبشرعه، وأمره هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.стр. 54
فصل
في الكلام على الرزق (١)
والرزق ما ينفع من حلال ... أو ضده فحل عن المحال (٢)
لأنه رازق كل الخلق ... وليس مخلوق بغير رزق (٣)
ومن يمت بقتله من البشر ... أو غيره فبالقضاء والقدر (٤) الحواشي
(١) وهو: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله، والجمع أرزاق.(٢) أي: الرزق هو: ما ينتفع المرتزق بحصوله، سواء كان من حلال، ضد الحرام - مستعار من حل العقدة - وهو ما انتفى عنه حكم التحريم، أو ضده، أي: ضد الحلال وهو الحرام فحل، أي: زل عن المحال، فإنه لا يبقى أحد بلا رزق.(٣) أي: لأن الله سبحانه رازق جميع الخلق كما في الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة، وعلم بالحس والمشاهدة، وليس يوجد مخلوق من سائر الحيوانات بغير رزق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦](٤) أي: ومن يمت بقتله من سائر أنواع القتل من البشر، أي الإنسان، قدم للاهتمام به، أو غيره من سائر الحيوانات، فموته بقضاء الله وإرادته، وقدره في الأجل المقدر لموته، والقدر: اسم لما صدر مقدرا من الله، وعلم الله السابق محيط بالأشياء على ما هي عليه، ولا محو، ولا تغيير، ولا زيادة، ولا نقص، فإن الله يعلم ما كان، وما يكون، وما جرى به القلم في اللوح المحفوظ، فقيل: يقع فيه محو وإثبات، وكذا ما بيد الملائكة.стр. 55
ولم يفت من رزقه ولا الأجل ... شيء فدع أهل الضلال والخطل (١) الحواشي
(١) أي: ولم يفت على المقتول ولا غيره من رزقه المقسوم له في علم الله شيء وإن قل، ولا فاته أيضا من الأجل المحتوم شيء، ولا لحظة، فاترك أهل الضلال من طوائف الاعتزال، ودع أهل الخطل، أي: الكلام الفاسد، وفي الحديث «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.стр. 56
الباب الثالث
في الأحكام والكلام على الإيمان ومتعلقات ذلك
وواجب على العباد طرا ... أن يعبدوه طاعة وبرًّا (١)
ويفعلوا الفعل الذي به أمر ... حتما ويتركوا الذي عنه زجر (٢) الحواشي
(١) أي: واجب على العباد جميعا أن يوحدوا الله، ويفردوه بالعبادة، ويتبرءوا من عبادة ما سواه.
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومن أنواعها: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] . وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وفي الحديث: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» . طاعة لله، وامتثالا لأمره، وبرا بكسر الباء: الإحسان، والتقرب إلى الله، وطرا بضم الطاء: أي: جميعا، منصوب على الحال.(٢) أي: وأن يفعل العباد ما أمروا به، حتما أي: لازما لا بد من فعله، وإن كان الأمر به على سبيل الوجوب، وإن كان مرغبا فيه فعلى سبيل الندب، وأن يتركوا الشيء الذي زجر عنه، والزجر يفيد التحريم، فإن لم يكن على سبيل الزجر فعلى سبيل الندب والاستحباب، وله سبحانه في تكليف عباده وأمرهم ونهيهم من الحكم البالغة ما يقتضيه ملكه التام، وحكمته وحمده.стр. 57
فصل
في الكلام على القضاء والقدر
وكل ما قدر أو قضاه ... فواقع حتما كما قضاه (١)
وليس واجبًا على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا (٢) الحواشي
(١) أي: وكل شيء قدره الله وقضاه من سائر الأشياء فهو واقع حتما لازما، كما قضاه، أي: كما حكم به وقدره وسبق به علمه، وجرى به القلم، وفي الحديث القدسي: «وإذا قضيت قضاء فإنه لا يرد» . وموسى إنما لام آدم ﵉ على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لكونه أذنب، فتضمن وجوب التسليم للقدر عند المصائب، لا عند الذنوب.(٢) قضاء الله - وهو فعل قائم بذاته - كله خير وعدل وحكمة، يجب الرضا به كله، والرضا هو التسليم، وسكون القلب وطمأنينته، والمقضي وهو: المفعول المنفصل عنه لا يجب الرضا به كله، فإنه إنما شرع الرضا بما يرضى الله به، والمقضي نوعان:
شرعي ديني: فيجب الرضا به كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾
[الإسراء: ٢٣] . وهو أساس الإسلام.
والنوع الثاني: كوني قدري: ومنه ما لا يسخطه الله، كالمصائب التي يبتلي عبده بها فلا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ومنه ما لا يحبه الله ولا يرضاه كالذنوب، فالعبد مأمور بسخطه، منهي عن الرضا به.стр. 58
لأنه من فعله تعالى (١) ... وذاك من فعل الذي تقالى (٢) الحواشي
(١) أي: لأن القضاء من فعل الله تعالى، فيجب الرضا به، واعتقاد أنه عدل منه سبحانه في عبده، لا بمعنى كونه متصرفا فيه بمجرد القدرة والمشيئة بل بوضع القضاء في موضعه، وإصابة محله، فكل ما قضاه
على عبده فقد وضعه موضعه اللائق به وأصاب محله الذي هو أولى به من غيره.(٢) قلاه: أبغضه أي: وذلك المقضي من فعل الشخص الذي أتى بما يبغضه الله، وفعله الأشياء المبغوضة لله، لا يجوز الرضا بها إجماعا، بل الرضا بالقدر الجاري على العبد باختياره وفعله من أنواع الظلم والفسوق مما يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه، ويعاقب عليه، ولله سبحانه في ظهور المعاصي وترتب آثارها من الحكم ما يشهده أولو الأبصار.
وأما الرضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد كالفقر والمرض فمستحب، ومن أجل الأمور، وأشرف أنواع العبودية، ولم يطالب به العموم لعجزهم ومشقته عليهم، وقيل: يجب، فتستوي النعمة والبلية عنده في الرضا بها وهو من مقامات الصديقين واختار شيخ الإسلام استحبابه، وقال: لم يجئ الأمر به كما جاء بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.
والرضا بالقدر الكوني الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه من
الصحة والغنى ونحو ذلك فأمر لازم بمقتضى الطبيعة وليس
الرضا به عبودية، وعلى العبد أن يوافق ربه، فيبغض الذنوب
ويمقتها، لأن الله يبغضها، ويرضى بالحكمة التي خلقها الله
لأجله، فهي من جهة فعل العبد لها مكروهة مسخوطة، ومن جهة خلق الرب لها محبوبة مرضية.
لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها وهي ضارة له، موجبة له العذاب، فنحن نكرهها وننهى عنها، كما أمرنا الله بذلك، ونعلم أن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، فنرضى بقضائه وقدره، لأنا إذا نظرنا إلى إحداث الرب لذلك، للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضينا لله بما رضية لنفسه، فنرضاه ونحبه مفعولا لله مخلوقا له، ونبغضه ونكرهه فعلًا للمذنب المخالف لأمر الله.стр. 59
فصل
في الكلام على الذنوب ومتعلقاتها
ويفسق المذنب بالكبيره (١) ... كذا إذا أصر بالصغيره (٢) الحواشي
(١) أي: يفسق المسلم المكلف بإتيانه المعصية الكبيرة، وأصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة والجور، وسمي الفاسق فاسقا لخروجه عن أمر الله، والمذنب هو المقترف للذنب، وهو الإثم، وكل إثم عدوان، والعدوان فعل ما نهى عنه، أو ترك ما أمر به.
والكبيرة: كل معصية فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو لعن، أو غضب، أو عذاب، ومن برئ منه الرسول ﷺ أو قال: ليس منا.(٢) أي: كما أن المسلم يفسق بإتيانه الكبيرة، كذلك يفسق إذا أصر على الصغيرة: يقال أصر على الشيء إذا لزمه وداوم عليه، ومن أتبعه بالاستغفار فليس بمصر وإن تكرر منه؛ وفي الحديث: «ما أصر من استغفر» . ومن أصر فإنه يفسق حتى بالصغيرة، لأن الإصرار يصير الصغيرة في حكم الكبيرة.стр. 60
لا يخرج المرء من الإيمان ... بموبقات الذنب والعصيان (١)
وواجب عليه أن يتوبا (٢) ... من كل ما جر عليه حوبا (٣) الحواشي
(١) أي: لا يخرج الإنسان من دائرة الإيمان بمهلكات الذنب والعصيان دون الشرك بالله، والكفر بأي نوع من أنواع المكفرات، فإن ذلك يخرجه من الدين، لا مطلق المعاصي والكبائر، ولا يسلب المرء اسم مطلق الإيمان بذلك، كما أنه لا يعطى اسمه المطلق، بل يقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. والعصيان: ضد الطاعة، وهو يرادف الذنب والإثم، وسميت الكبيرة موبقة، لأنها سبب لإهلاك مرتكبها في الدنيا، بما يترتب عليها من العقاب وفي الآخرة من العذاب، وفي الحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» . وقال ابن عباس هن إلى السبعين أقرب منهن إلى السبع وفي رواية إلى السبعمائة(٢) أي: واجب على المذنب وجوب لزوم لا بد منه أن يتوب، أي: يرجع عن الذنب بأن يقلع عنه، ويندم عليه، ويعزم على أن لا يعود إليه، وإن تعلق بآدمي بأن يرضيه(٣) أي: من كل شيء جر على المذنب حوبا، أي: إثما، وذكر أن مراده ما جر عليه الهلاك والبلاء، واتفق العلماء: على أن التوبة واجبة من كل معصية على الفور، وأن من تاب توبة نصوحا تاب الله عليه، وبدل سيئاته حسنات، كما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .стр. 61
ويقبل المولى بمحض الفضل ... من غير عبد كافر منفصل
ما لم يتب من كفره بضده ... فيرتجع عن شركه وصده (١)
ومن يمت لم يتب من الخطا ... فأمره مفوض لذي العطا
فإن يشأ يعفو وإن شاء انتقم ... وإن يشأ أعطى وأجزل النعم (٢) الحواشي
(١) أي: ويقبل الله بخالص الفضل والكرم من كل عبد مذنب تاب إليه توبة نصوحا، غير كافر بالله ورسوله منفصل عن الدين، إما بردة، أو كفر أصلي فلا تقبل توبته من الذنوب، ما لم يتب من كفره فيشهد الشهادتين، ويتصف من بعد رجوعه عن الكفر، بضده - أي: الإسلام - فإن كان مرتدا بإنكار ما علم من الدين بالضرورة فيرجع عن إنكار ذلك، ويقر ويذعن، وإن كان شركا، فلا يقبل منه، ما لم يرجع عن شركه الذي كان متصفا به وصده، أي: إعراضه عن الدين، وانقياده للشريعة.(٢) أي: وأي امرئ مذنب يدركه الموت وهو مصر على ذنوبه لم يتب من الخطأ الذي ارتكبه لم تحكم عليه بالكفر بارتكابه الذنوب، كما زعمت الخوارج، ونقول: الذي يئول إليه مفوض وموكول لصاحب الكرم والجود، فإنه : إن شاء عفا وتجاوز عنه، وعامله بفضله، وإن شاء عامله بالعدل، وانتقم منه، ولا يخلد في النار إلا من مات على الشرك، وإن شاء أعطى وأجزل، وأعظم له النعم، وللذنوب أسباب أيضا تسقط العقوبة غير التوبة، منها الحسنات الماحية، والعقوبات والمصائب، وغير ذلك.стр. 62
فصل
في ذكر من قيل بعدم قبول إسلامه
من طوائف أهل العناد والزندقة والإلحاد
وقيل في الدروز والزنادقه ... وسائر الطوائف المنافقه (١)
وكل داع لابتداع يقتل (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أي: وقيل في طوائف الدروز من الحمزاوية أتباع حمزة اللباد، المدعو عندهم بهادي المستجيبين، والبرذعي، والدرزي، وغيرهم من الحاكميين، القائلين بإلهية الحاكم العبيدي؛ إسماعيلية من القرامطة النصيرية، أشد كفرا من الغالية، والزنادقة جمع زنديق فارسي معرب من يبطن الكفر، ويظهر الإسلام، أو يقول بالنور والظلمة؛ أو لا يؤمن بالربوبية، واسم المنافق يتناوله.
وسائر، أي: بقية الطوائف جمع طائفة، أي الجماعة المنافقة، من النفاق، وهو: إبطان الكفر، وإظهار الإيمان، كمبتدع الرفض، والتجهم، الجميع كفار يقتلون ولا يستتابون، وإن أتوا بالشهادتين وبقية شرائع الإسلام، واختار شيخ الإسلام وغيره قبول توبتهم لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦](٢) أي: وكل داع لابتداع مكفر من بدع الضلال يقتل، لعدم قبول
توبته ظاهرا، وقل أن يوفق للتوبة، لأن الاعتقاد الفاسد يدعوه إلى
أن لا ينظر إلى خلافه، فلا يعرف الحق. وقال شيخ الإسلام ابن
تيمية: قد بين الله أنه يتوب على أئمة الكفر، الذين هم أعظم من أئمة البدع، وظاهر مذهب أحمد مع سائر أئمة المسلمين: أنها تقبل توبة الداعية.стр. 63
.................................. ... كمن تكرر نكثه لا يقبل (١)
لأنه لم يبد من إيمانه ... إلا الذي أذاع من لسانه (٢)
كملحد وساحر وساحره (٣) ... وهم على نياتهم في الآخره (٤) الحواشي
(١) أي: كمن تكرر نقضه للإسلام، بأن تكررت ردته لا يقبل منه الإسلام، لظاهر قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] واختار شيخ الإسلام وجمع: قبولها، لأن التائب راجع عن الكفر.(٢) أي: لأنه لم يبد، أي: يظهر للعيان من إيمانه الذي زعم أنه دخل به الإسلام إلا الذي أظهر ونشر قبل توبته من لسانه، مع عدم اعتقاده للإسلام، فلم يزد على ما كان يقوله، ويأتي به ويذيعه في حال كفره، فلا يكون لما قاله حكم، لأن الظاهر من حاله: أنه إنما يستدفع عنه القتل بإظهار التوبة إذا بدا منه ما يؤاخذ به.(٣) الإلحاد: الميل، والعدول عن الشيء، والملاحدة: الذين يسبون الله، أو أحدا من أنبيائه، وكذلك من ذكر الله، أو رسوله بسوء، وكساحر وساحرة ممن يكفر بسحره، لحديث جندب: «حد الساحر ضربة بالسيف» وكتب عمر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.(٤) أي: والزنادقة والدروز والمنافقة ونحوهم يبعثون على
نياتهم في الدار الآخرة، فمن صدق في توبته قبلت باطنا، ونفعه ذلك في الآخرة واختار شيخ الإسلام وجمهور الأمة قبول الإسلام والتوبة من كل من ذكر، ولأن الزندقة ونحوها نوع كفر، فجاز أن تقبل توبتهم، كسائر أنواع الكفر، فإذا بان لنا في الظاهر حسن طريقته وتوبته، وجب قبولها.
واختلفوا في قبول توبة من سب الرسول ﷺ فذكر أبو المظفر، والقاضي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم: أن المشهور من مذهب مالك وأحمد عدم قبول توبته في الدنيا، وهو المشهور من قول السلف، وجمهور العلماء، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، ووجهه شيخ الإسلام في الصارم، وذكر: أن مذهب أبى حنيفة والشافعي قبولها مطلقا، وهو رواية عن مالك وأحمد، وقول طوائف من السلف، ووجهوا: أن سبه ليس بأعظم من سب الله ، ولم ينعقد الإجماع على قتله حدا فالله أعلم.
وقال الشيخ: والإمام إذا رأى قتل الزنديق لسعيه في الأرض بالفساد، ساغ له ذلك.стр. 64
قلت وإن دلت دلائل الهدى ... كما جرى للعيلبوني اهتدى (١) الحواشي
(١) أي: قال المصنف ﵀ وإن دلت من الشخص التائب دلائل الهدى، وقرائن الأحوال، كما جرى للرجل الصالح " العيلبوني " نسبة إلى بلدة " عيلبون من أعمال صفد، ارتحل إلى مصر، وأخذ عن علمائها، ثم ذهب إلى الشام وكان درزيا ثم تاب، ورجع عن كفره وإلحاده، وحسنت حاله، وأقبل على الإسلام، ورفض ما كان عليه من الكفر، فمن ظهرت منه قرائن الأحوال واتباع الهدى -كما جرى لهذا الرجل الصالح - فقد اهتدى.стр. 65
فإنه أذاع من أسرارهم ... ما كان فيه الهتك عن أستارهم (١)
وكان للدين القويم ناصرًا ... فصار منا باطنًا وظاهرًا (٢)
فكل زنديق وكل مارق ... وجاحد وملحد منافق
إذا استبان نصحه للدين ... فإنه يقبل عن يقين (٣) الحواشي
(١) أي: فإن العيلبوني نشر من أسرار الدروز، وفضحهم، وأظهر ما هم عليه من الكفر، مما لا يجوز عند أحد من سائر أهل الملل، وأذاع شيئا كثيرا كان فيه الهتك - أي: الكشف - عن أستارهم التي كانوا يكتمونها، ويستترون بإظهارهم الإسلام تقية مع عكوفهم على الكفر، ومن اعتقادهم: أن كل ما حرمته الشريعة فهو مباح، وألف كتابا في الرد عليهم، وكان شاعرا أديبا، وقال قصيدة نونية في الرد على الدروز نحوا من ثلاثمائة بيت، وتوفي بعكا سنة (١٠٨٥هـ)(٢) أي: وكان العيلبوني - وكذا كل من نحا منحاه للدين القويم، والهدى المستقيم - ناصرا باتباعه والعكوف عليه، وذم من خالفه، فصار منا معشر المسلمين أهل السنة والجماعة باطنا وظاهرا، مسلما مقبول الإسلام في الباطن والظاهر.(٣) أي: فالذي نختاره وندين الله به: أن كل زنديق لا يتدين بدين، أو يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وكل مارق من أهل البدع والضلالات، وكل جاحد من درزي ودهري، وفيلسوف ومعطل، وعابد وثن، وكل ملحد في آيات الله، ومنكر للشرائع، وكافر بالله ورسوله،
إذا تاب مما هو عليه من الكفر والإلحاد والضلال، وظهر صحة
إيمانه ونصحه للدين القويم، فإنه تقبل منه التوبة، والرجوع
إلى الله الذي يقبل التوبة عن عباده، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠] وقال فيمن قال: إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] واليقين ضد الشك.стр. 66
فصل
في الكلام على الإيمان
واختلاف الناس فيه وتحقيق مذهب السلف في ذلك
إيماننا قول وقصد وعمل (١) ... تزيده التقوى وينقص بالزلل (٢) الحواشي
(١) أي: إيماننا معشر السلف: قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان فإن من لم يقر بلسانه مع القدرة فليس بمؤمن، ومن أقر بلسانه ولم يعتقد بقلبه، فهو منافق، وليس بمؤمن ومن لم يعمل بالقلب والجوارح، فليس بمؤمن، فمذهب السلف: أن الإيمان قول بالسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، ويقولون الإيمان قول وعمل ونية وبعضهم يزيد: واتباع السنة.(٢) أي: ومذهب السلف: أن الإيمان تزيده التقوى - أي: العمل الصالح - وينقص بارتكاب الزلل -أي: المعاصي- فيعبر السلف من الصحابة وغيرهم: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويتفاضل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] . ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] . وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا قرنا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة.стр. 67
ونحن في إيماننا نستثني ... من غير شك فاستمع واستبن (١)
نتابع الأخيار من أهل الأثر ... ونقتفي الآثار لا أهل الأشر (٢)
ولا تقل إيماننا مخلوق ... ولا قديم هكذا مطلوق (٣) الحواشي
(١) أي: فنحن معشر السلف يقول أحدنا: أنا مؤمن إن شاء الله من غير شك منا في ذلك بل للتقصير في بعض خصال الإيمان، والشك التردد بين أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، فاستمع، أي: أصغ لما أوردته، واطلب بيانه وإظهاره بأدلته النقلية والعقلية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كان السلف يستثنون في الإيمان، لأن الإيمان يتضمن فعل جميع الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لهم بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه، وهو تزكية لأنفسهم.(٢) أي: نتابع في اعتقادنا الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة أهل الأثر الذين هم على نهج الرسول ﷺ وعلى مقتضى القرآن، ونتبع ونقتدي بالآثار المأثورة عن الكتاب المنزل، والنبي المرسل، والصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين من أهل التحقيق والعرفان، فهم أهل الدراية والرواية، لا نتابع أهل الأشر من كل متحذلق ومتعمق من فروخ الجهمية، والمرجئة، والكرامية والفلاسفة، والملاحدة وغيرهم.(٣) أي: ولا تقل أيها الأثري: إيماننا مخلوق، لدخول الأعمال فيه، التي من جملتها الصلاة، ولا تقل قديم، قال أحمد: من قال: الإيمان مخلوق فقد كفر ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع، ومن قال: قديم فهو مبتدع، هكذا مطلق عن القيود.стр. 68
فإنه يشمل للصلاة ونحوها ... من سائر الطاعات (١)
ففعلنا نحو الركوع محدث ... وكل قرآن قديم فابحثوا (٢)
ووكل الله من الكرام اثنين ... حافظين للأنام (٣)
فيكتبان كل أفعال الورى ... كما أتى في النص من غير امترا (٤) الحواشي
(١) أي: فإن الإيمان يشمل للصلاة المشروعة، ويشمل نحو الصلاة من بقية الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى الله، وسائر العبادات التي يأتي بها لغفران ذنبه.(٢) أي: ففعلنا معشر الخلق نحو الركوع، والسجود، والقعود، وسائر أفعال الخلق، محدث، لأنه مسند إليهم، والله خالق أفعال العباد، وقوله: وكل قرآن قديم، أي: وكل ما كان من قرآن، فهو قديم، وتقدم: أنه قول ابن كلاب، ولم يقل به أحد من السلف، وان الله يتكلم متى شاء باتفاق النبوات، وقوله: فابحثوا، أتى به لتتمة البيت، والبحث هو التفتيش والتقصي عن دقائق المعاني.(٣) أي: وكل الله سبحانه من الملائكة الكرام اثنين، مفعول وكل، حافظين للأنام من الأنام، وصفهم بالكرام، لما جاء في وصفهم بذلك في الكتاب والسنة، وهم ذوات قائمة بأنفسها، قادرة على التشكل بالقدرة الإلهية، لا يأكلون ولا يشربون، ولا ينكحون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون.(٤) أي: فيكتب الملكان الحافظان جميع أفعال الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢] . وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] من غير امتراء، أي من غير شك، بل نؤمن بها ونصدق بهما، يكتبان أفعال العبد، وأقواله، بإجماع المسلمين.стр. 69
الباب الرابع
في ذكر بعض السمعيات من ذكر البرزخ
والقبور وأشراط الساعة والحشر والنشر (١)
وكل ما صح من الأخبار ... أو جاء في التنزيل والآثار (٢)
من فتنة البرزخ والقبور ... وما أتى في ذا من الأمور (٣) الحواشي
(١) المراد بالسمعيات: ما كان طريق العلم به السمع الوارد في الكتاب والسنة والآثار مما ليس للعقل فيه مجال، ويقابله: ما يثبت بالعقل، ويسمى العقليات والنظريات.(٢) أي: وكل حكم من الأحكام، أو خبر صح من الأخبار عن النبي ﷺ قدمه لمزيد الاهتمام به، ولئلا يظن ظان: أن ما لم يثبت في التنزيل ليس عليه مزيد تعويل، أو جاء في القرآن المنزل على النبي ﷺ ، أو صح في الآثار السلفية عن الصحابة، مما ليس لعقل فيه مرام، فإنه يشعر أنهم تلقوه عن النبي ﷺ(٣) الفتنة: الامتحان والاختبار، والبرزخ: الحاجز بين الشيئين، وسمي البرزخ برزخا، لكونه حاجزا بين الدنيا والآخرة، من وقت الموت إلى القيامة، ومن مات دخله، وفتنة القبور، من عطف الخاص على العام، لأن أحوال البرزخ تشتمل على ذلك، والذي أتى عن الصادق المصدوق ﷺ في فتنة البرزخ، والقبور، وغيرها من الأمور المهولة، حق لا يرد، بل يجب الإيمان به واعتقاده.
من ذلك: سؤال الملكين منكر ونكير فيجب الإيمان به شرعا، لثبوته عن النبي ﷺ وإنهما يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟
ومن نبيك؟ فيقول المؤمن: الله ربى، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، ويقول المرتاب: هاه، هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا
فقلته.
ومن ذلك عذاب القبر، وقد ورد التعوذ بالله منه، وهو على الروح والبدن جميعا، وقد ينفرد أحدهما، وهكذا نعيمه باتفاق أهل السنة.стр. 70
وأن أرواح الورى لم تعدم ... مع كونها مخلوقة فاستفهم (١) الحواشي
(١) أي: ومما ينبغي أن يعلم أن أرواح بني آدم لم تعدم بموت الأبدان التي كانت فيها، ولا تموت، ولا تفنى، لأنها خلقت للبقاء، مع كون الأرواح مخلوقة لله، مبتدعة محدثة، مربوبة بالاضطرار من دين الرسل، وباتفاق الأئمة، فاستفهم، أي: اطلب علم ذلك من مظانه.
والروح: قد اختلف في حقيقتها.
قال ابن القيم: والصحيح أنها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف، حي متحرك، وينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكا بهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار، ومن الحس، والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن، قال: وهذا القول هو الصواب، وعليه دل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة. اهـ.
والأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في عليين. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة.
ومنهم: من يكون مقره باب الجنة. ومنهم: من يكون محبوسا على باب الجنة. ومنهم: من يكون محبوسا في قبره، ومنهم: من يكون محبوسا في الأرض.
ومنهم: من يكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتلقم الحجارة.
ومنهم: من يعرض على جهنم غدوة وعشية، كما جاءت بذلك الآثار، والروح أسرع شيء حركة وانتقالا، وصعودا وهبوطا، ولها لذة ونعيم وعذاب عظيم.стр. 71
فكل ما عن سيد الخلق ورد ... من أمر هذا الباب حق لا يرد (١) الحواشي
(١) أي: فكل الذي ورد عن سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه بالأسانيد المقبولة، ودونه أهل العلم من أي أمر من أمور هذا الباب وغيره حق يجب اعتقاده والإيمان به لا يرد من ذلك شيء ثبت عن المعصوم ﷺ ، فمن تصدى لرد شيء من ذلك، فقد خاب وخسر.
فإن الرسل جعلهم الله واسطة بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم، وما يضرهم، وإذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها، مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا، وشقي شقاوة لا سعادة معها أبداً، فلا فلاح إلا باتباع الرسول ﷺ والإيمان بما جاء به.стр. 72
فصل في أشراط الساعة
وعلاماتها الدالة على اقترابها ومجيئها (١)
وما أتى في النص من أشراط (٢) ... ................................... الحواشي
(١) أشراطها: أماراتها، وعلاماتها، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] .
وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] .
وقال ﵇: «بعثت أن والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والتي تليها» .
وأماراتها ثلاثة أقسام:
قسم ظهر وانقضى: كبعثة النبي ﷺ ووقعة الجمل، وصفين، ونحوهما، وملك بني أمية، والعبابسة، ونار الحجاز التي أضاءت منها أعناق الإبل ببصرى، وخروج الكذابين المدعين النبوة وكثرة المال والزلازل.
وقسم متوسط: ككون أسعد الناس بالدنيا: لكع بن لكع، وإماتة الصلاة، وإضاعة الأمانة والتباهي في المساجد، وأكل الربا، ونحو ذلك، كرفع العلم وكثرة الجهل، وكثرة الزنا وشرب الخمر، وقلة الرجال وكثرة النساء وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، ولحوق حي من الأمور بالمشركين، وعبادة فئام من الأمة الأوثان وغير ذلك.
والقسم الثالث: العلامات العظام التي تعقبها الساعة: وهي المقصود بالنظم.(٢) أي: وما ورد في النص القرآني، والحديث النبوي من أشراط الساعة يجب اعتقاده، والمراد يوم القيامة، سمي بالساعة لقربها، أو لأنها تأتي بغتة في ساعة.стр. 73
.................................. ... فكله حق بلا شطاط (١)
منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح (٢) الحواشي
(١) أي: فكل الذي أتى في النص من أشراط الساعة حق واقع يقين، يجب اعتقاده بلا شطاط، أي: من غير طول وبعد.(٢) أي: من أشراط الساعة، التي وردت بها الأخبار، ظهور الإمام المقتدى به، الخاتم للإمامة، فلا إمام بعده، الفصيح اللسان، لأنه من صميم العرب، أهل الفصاحة والبلاغة، والفصاحة: خلوص الكلام من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحة مفرداته، والفصاحة والبيان في المتكلم ملكة يقتدر معها على التعبير بالمقصود بلفظ فصيح.
ومحمد المهدي اسمه وأشهر أوصافه، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه أسم أبي» .
وفي رواية: «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما» ، وأخرجه الترمذي، وصححه بلفظ: «حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي» .
وأخرجه أبو داود وغيره، وتسميته محمد، أو محمد بن عبد الله، ووصفه بالمهدي، ورد في عدة أخبار، تدل على خروجه، وحكمه بالقسط والعدل، والله اعلم.
والمسيح هو عيسى ابن مريم ﵇، سمي مسيحا: لأنه
يمسح ذا العاهة فيبرأ، أو لمسحه في الأرض، ذهابه فيها، أو لكونه ممسوح القدمين، أو لحسن خلقه، والمسحة: الجمال، أو الصديق، خلقه الله من أنثى بلا ذكر ثم قال له: كن فكان بكن، بعثه الله إلى بني إسرائيل، وكان آخر أنبيائهم، وله حواريون وأنصار، ولما أجمع أولئك الملأ على قتله، رفعه الله إليه، كما قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء ١٥٨] .
وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وليس المراد الموت المعهود بل كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] . فإنه حي.
ونزوله ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] . وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، وفي صحيح مسلم: «بينما الدجال كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه» .
وفي الصحيحين: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فليكسر الصليب، وليقتل الخنزير، وليضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، ويتحد الدين فلا يعبد إلا الله وحده» .
وأجمع السلف: أنه ينزل، ويحكم بهذه الشريعة
المحمدية، وتنبت الأرض نبتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، كما ثبت ذلك.стр. 74
وأنه يقتل للدجال ... بباب لد خل عن جدال (١) الحواشي
(١) أي: وإن المسح عيسى ابن مريم يقتل الدجال بأمر الله وتأييده، وسمي دجالا لتمويهه على الناس، وتلبيسه، وسمي أيضا مسيحا، لأنه ممسوح العين قال ﵇: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» . وأمر بالتعوذ منه، قال: «وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» وقال: «إنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار» . وأخرجه مسلم، ولهما عنه ﷺ : «إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فإنه ماء عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب» .
وأخبر أن لبثه في الأرض: «أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم» ، وسئل: عن الصلاة في اليوم الذي كسنة؟ قال: «قدروا له» .
وقوله: بباب؛ متعلق بيقتل؛ أي: يقتل الدجال بباب لد، بوزن مد، بلدة مشهورة، بينها وبين رملة فلسطين فرسخ، إلى جهة الشمال، ينزل مع الفجر بدمشق، على المنارة البيضاء ويهرب أصحاب الدجال، فيدركه بباب لد فيقتله، خل، أي: اترك وتنح عند جدال في ذلك، فإنه أخبر به المعصوم ﷺ فوجب اعتقاده.стр. 75
وأمر يأجوج ومأجوج اثبت (١) ... ................................... الحواشي
(١) أي: اعتقد خروج يأجوج ومأجوج، فإنه حق ثابت بالكتاب، والسنة وإجماع الأمة، سموا بذلك: لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: اسمان أعجميان، وهم من ولد يافث بن نوح باتفاق النسابين قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦-٩٧] وفي صحيح مسلم: «إن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم، بعد قتله الدجال، إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقاتلهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون» .
وفيه أيضا: «إنها لن تقوم الساعة، حتى تروا عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
وقد كفهم الله بردم ذي القرنين، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ
وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف٩٧-٩٨] فيخرجون، ويحرز عيسى عباد الله إلى الطور كما ثبت، «ويرغب عيسى وأصحابه
إلى الله فيرسل الله عليهم النغف، فيصبحون موتى ويخرج
المسلمون من مدائنهم وحصونهم، ويهبطون إلى الأرض، وقد
امتلأت بنتنهم، فيرغبون إلى الله، فيرسل الله مطرا فيغسل الأرض حتى يدعها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك، فبينا عيسى وأصحابه في ذلك العيش الرغد وقد هلك عودهم، إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» .следующие страницы →