Полный текст (137 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بقلم
الفقير إلى الله تعالى
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الحنبلي النجدي
رحمه الله تعالى
(١٣١٢-١٣٩٢ هـ)
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسبحان الله رب العرش عما يصفون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق المأمون، صَلَّى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلِهِ وأَصحابِهِ والتَّابعينَ الذين هم بهديه متمسكون وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فحيث إن كتاب الله وبيانه أهم ما يهتم به، فهذه حاشية على المقدمة في تفسيره، توضح المقاصد، وتعين مريد معرفة معانيه، كأصل يتوصل بها إلى المراد منه، على ما كان عليه السلف الصالح، الله ولي التوفيق.
стр. 3
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
الحمدُ للهِ الذي أنزَلَ الكتابَ تِبياناً لِكُلِّ شيء وهدى للمتقين (٢) . الحواشي
(١) ابتدأ بالبسملة: اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي ﷺ في مكاتباته، وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع» ، أي ناقص البركة والاسم مشتق من السمو، والله أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العليا، وهو مشتق أي: دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية ومعناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، والرحمن: رحمة عامة لجميع المخلوقات والرحيم: رحمة خاصة بالمؤمنين، اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة.(٢) الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد؛ وقال الشيخ: الحمد، ذكر محاسن المحمود، مع حبه وإجلاله وتعظيمه وثنى بالحمد له بعد البسملة اقتداء بالقرآن العظيم وبالنبي الكريم، وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» .
وإنزال القرآن على محمد ﷺ لا يمتري فيه مسلم قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وتواترت به السنة وأجمع عليه المسلمون، وسماه تعالى كتابا: لجمعه العلوم، والقصص، والأخبار على أبلغ وجه.
... وجعله تبيانا لكل شيء، بين فيه علم كل شيء، من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دينهم ودنياهم، ومعاشهم ومعادهم؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فقد اشتمل على ما يجري في العالم، وقال ﷺ : «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم» ، وقد أفرد الناس كتبا فيما تضمنه، من جميع فنون العلوم؛ فلا إله إلا الله، ماذا حرمه المعرضون عنه من العلم والهدى؟!
... وجعله تعالى هدى للمتقين قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويطلق الهدى، ويراد به: ما يقر في القلوب من الإيمان، ويراد به بيان الحق، وتوضيحه، والدلالة عليه والإرشاد إليه.стр. 4
وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين (١) . الحواشي
(١) أشهد، أي: أقطع وأجزم أن لا معبود حق، إلا الله وحده لا شريك له، ووحده: حال من الاسم الشريف تأكيد للإثبات ولا شريك له: تأكيد للنفي، تأكيد بعد تأكيد اهتماما بمقام التوحيد.
الملك: حقيقة، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ، وقال ﷺ : «لا مالك إلا الله» الحق، قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ فهو سبحانه الحق المبين، وقوله الحق وكتابه الحق، له الملك لا إله إلا هو، العزيز الحكيم.стр. 5
وأَشهدُ أنَّ محمداً عَبدُهُ ورَسولُهُ الصَّادقُ الأَمينُ (١) صَلَّى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلِهِ وأَصحابِهِ والتَّابعينَ (٢) وسلم تسليمًا كثيرًا (٣) . الحواشي
(١) أي: وأجزم أن محمدا، وهو أشرف أسمائه ﷺ اسم مفعول من حمد فهو محمد إذ كان كثير الخصال التي يحمد عليها فهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره من البشر؛ عبده: أشرف اسم له أيضا فإنه لا أشرف ولا أتم للمؤمن، من وصفه بالعبودية لله تعالى ورسوله، أي: مرسله وسفيره بأداء شريعته الصادق فيما يبلغه عن الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الأمين، وعلى وحيه، وكان ﷺ يسمى الأمين قبل بعثته، وأيده الله بالآيات، والدلالات الواضحات القاطعات بصدقه.(٢) الصلاة من الله عليه ﷺ هو الثناء والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وعلى آله أهل بيته، وقيل أتباعه، وأصحابه: جمع صاحب، وهم: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا ومات على ذلك والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.(٣) سلم: من السلامة بمعنى التحية، أو الأمان أو السلامة من النقائص، طلب السلامة له من الله، أو اسم الله عليه، إذ كان اسم الله يذكر على الأعمال، توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وتسليما مصدر مؤكد، كثيرا: دائما أبدا، والصلاة والسلام عليه ﷺ مستحبة كل وقت، وتتأكد عند ذكر اسمه ﷺ وآله وأصحابه والتابعون لهم، تبع في ذلك.стр. 6
أَمَّا بَعدُ: فَهذهِ مُقدِّمَةٌ في التَّفسيرِ (١) تُعينُ على فهم القرآن العظيم (٢) الحواشي
(١) أما بعد: كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب، والمكاتبات، اقتداء به ﷺ وهي مبنية على الضم، لقطعها عن الإضافة مع نية المضاف إليه، أي: بعد ذكر الله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على رسول الله ﷺ وآله وأصحابه وأتباعه، فهذه إشارة إلى ما تصور في الذهن، وأقيم مقام المكتوب الموجود مقدمة: وهي من الكتاب فصل، يعقد في أوله، ومن كل شيء أوله، أو ما يتوقف عليه الشيء توقفا عقليا، أو عاديا أو جعليا وهذه نبذة مختصرة في أول التفسير الذي هو الكشف والإيضاح والتبيين والتأويل للقرآن العظيم.(٢) تعين: أي تساعد على فهم، أي تصور وإدراك معاني القرآن: اسم علم لكتاب الله، قيل سمي به الكتاب المقروء، وقيل لجمعه ثمرات الكتب السابقة، أو لجمعه أنواع العلوم، أو السور ووصف بالعظيم، والذكر الحكيم والصراط المستقيم وغير ذلك مما يدل على شرفه، ولا ريب: أن كل كلام، المقصود
منه فهم معانيه، لا مجرد ألفاظه، والقرآن أولى بذلك، وقد ندب تعالى إلى ذلك فقال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وتدبره بدون فهم معانيه محال، والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟стр. 7
الجديرِ بأنْ تُصرَفَ لَهُ الهِمَمَ ففيهِ الهُدى والنُّورُ (١) ومَن أَخَذَ بِهِ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مستقيم (٢) . الحواشي
(١) أي: فالقرآن العظيم، هو الجدير أي: الخليق بأن تصرف له الهمم جمع همة، يقال: هممت بالشيء إذا أردته بل وتثنى عليه الخناصر، ويستمسك به ويعتصم به ففيه الهدى والنور والشفاء لما في الصدور، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وتكفل الله لمن اتبعه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.(٢) أي: ومن أخذ بكتاب الله، واعتصم به ودعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ وفي صحيح مسلم: «إني تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» .
... وللترمذي وغيره: «ستكون فتن» ، قيل: فما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .стр. 8
تنزيل القرآن (١)
أَجمَعوا: على أنَّ القُرآنَ كلامُ اللهِ حَقيقَةً منزل غير مخلوق (٢) . الحواشي
(١) أي بيان أن القرآن كلام الله، نزل من الله سمعه منه جبريل وسمعه محمد من جبريل عليهما الصلاة والسلام.(٢) أي: أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم على أن القرآن كلام الله حقيقة قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وغير ذلك وقال شيخ الإسلام وغيره: أجمعوا على أن القرآن كلام الله منزل من الله، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فأخبر أنهم يعلمون ذلك، والعلم لا يكون إلا حقا، فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة، كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه.
... وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولم يخبر عن شيء، أنه منزل من الله، إلا كلامه جل وعلا، وهو غير مخلوق بإجماع المسلمين ومن قال كلام الله مخلوق، فهو ⦗١٤⦘ كافر، قال: واشتهر عن السلف تكفير من قال القرآن مخلوق، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.стр. 9
سَمِعَهُ جِبريلٌ مِن اللهِ (١) وَسَمِعَهُ مُحمَّدٌ مِن جبريل (٢) . الحواشي
(١) جل وعلا، قال شيخ الإسلام: كما نص على ذلك أحمد، وغيره من الأئمة قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس، وهو الروح الأمين كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ وقوله الأمين: دليل على أنه مؤتمن على ما أرسل به، لا يزيد فيه ولا ينقص.
... وهذا بيان لنزول جبريل به من الله، فإنه إذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي، لزم أن يكون نزله من الله، فلا يكون شيء منه، نزل من عين من الأعيان المخلوقة، ولا نزل من نفسه، وإذا كان روح القدس نزل به من الله، علم أنه سمعه من الله ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله: أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين، سمعه روح القدس من الله؛ ولم يقل أحد من السلف أنه سمعه محمد من الله.
... ولو كان جبريل لم يسمعه من الله، وإنما وجده مكتوبا كانت العبارة عبارة جبريل وكان القرآن كلام جبريل، ترجم به عن الله، كما يترجم عن الأخرس الذي أكتب كلاما، ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين.(٢) ﵉ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾
أي: قرأه رسولنا ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نبينه بلسانك، وكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه كما قرأه جبريل وهو كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ونحو ذلك.
... فإنه تعالى أضافه تارة إلى رسول من البشر، وتارة إلى رسول من الملائكة فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والرسول هنا: محمد ﷺ وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ فالرسول هنا جبريل، وأضافه سبحانه إلى كل منهما باسم رسوله لأن ذلك يدل على أنه مبلغ له عن غيره، وأنه رسول فيه لم يحدث هو شيئا منه.
... قال الشيخ: ولم يقل أحد من السلف، إن جبريل أحدث ألفاظه ولا محمدا ﷺ ولا إن الله تعالى خلقه في الهوى أو غيره من المخلوقات، ولا إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، بل هذه الأقوال، هي: من أقوال بعض الملحدين من الفلاسفة وغيرهم.стр. 10
وسَمِعَهُ الصَّحابَةُ مِن مُحمَّدٍ ﷺ (١) . الحواشي
(١) ولا نزاع في ذلك، وقال الشيخ: هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة، من الكتاب والسنة والإجماع؛ وكانوا يقولون: هذا عهده إلينا ونحن عهدناه إليكم وفي السنن أنه ﷺ كان يعرض نفسه على الناس بالمواسم، فيقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي» ، وفي الصحيح: «بلغوا عني ولو آية» ، وقال: «ليبلغ الشاهد الغائب» .стр. 11
وَهُوَ الذي نَتلُوهُ بِأَلسِنَتِنا (١) وفِيما بَينَ الدَّفتَينِ (٢) وما في صدورنا (٣) مسموعا ومكتوبا ومحفوظا (٤) وكل حرف منه، الحواشي
(١) أي: والقرآن العزيز هو الذي نتلوه بألسنتنا ولا يخرج بذلك عن كونه كلام الله حقيقة؛ فإنه إذا أريد بالتلاوة الكلام نفسه، الذي يتلى فالتلاوة هي المتلو.(٢) أي: القرآن الكريم، هو ما بين ضمامتي المصحف، ولا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة، قال الشيخ: ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه مكتوبا في المصاحف، وكلامه غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به كلامه، وغير كلامه مخلوق، وقد فرق تعالى بين كلامه وبين مداد كلماته فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ .(٣) أي: والقرآن العظيم، هو ما في صدورنا حفظناه عن ظهر قلب، ولا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة.(٤) أي: والقرآن الكريم، كلام الله حقيقة، مسموعا حال تلاوتنا له، ومكتوبا فيما بين الدفتين، قال الشيخ: وإذا كتب في المصاحف، كان ما كتب من كلام رب العالمين غير مخلوق، وإن كان المداد وشكله مخلوقا، وأيضا فإذا قرأ الناس كلام الله ⦗١٧⦘ فالكلام في نفسه غير مخلوق، إذا كان الله تكلم به، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا أمرا يأمر به، أو خبرا يخبره، ليس هو كلام المبلغ له عن غيره، وإذا قرأه المبلغ يقال: هذا كلام الله؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا.
... والقرآن كلام الله محفوظا في صدورنا، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق، حيث تصرف.
قال الشيخ: أي: حيث كتب وقرئ، مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه، وكلام غير مخلوق، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرءون ويكتبون بها كلامه، كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار فإنه معلوم أن القرآن واحد، ويقرؤه خلق كثير، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرءون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه، لفظه ومعناه، الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد ﷺ إلى الناس، وأنذر به الأمم قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق.
... قال أبو حامد الإسفراييني: مذهبي ومذهب الشافعي، وفقهاء الأمصار، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله والنبي ﷺ سمعه
من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا وكل حرف منه كالباء والتاء، كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق: فهو كافر، وعليه لعائن الله والناس أجمعين.стр. 12
كالباءِ والتَّاءِ، كلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ (١) مِنهُ بدأ وإليه يعود (٢) . الحواشي
(١) أي: وكل حرف من القرآن، الذي هو لفظه، قبل أن ينزل به جبريل، وبعدما نزل به، كالباء والتاء، إلى آخر حروف الهجاء الثمانية والعشرين، كلام الله، غير مخلوق، ولم يقل أحد من السلف إنه مخلوق، وإنما قاله الجعد بن درهم، ورد السلف هذا القول، قال الشيخ: كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنف في ذلك مصنفات متعددة، قال: ومن قال إنه مخلوق، فقد خالف إجماع السلف، ومن قال إنه مخلوق، يقول: إنه خلق في بعض المخلوقات القائمة بنفسها، فمن ذلك المخلوق، نزل وبدأ لا من الله وإخباره تعالى إنه نزل من الله، يناقض أن يكون قد نزل من غير الله.(٢) أي: هو تعالى الذي تكلم به، لم يبتدأ من غيره، ومنه نزل كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ﴾ وقال بعضهم: منه خرج قال الشيخ: وليس مقصود السلف، أنه منه خرج، ومنه بدأ أنه فارق ذاته، وحل في غيره، فإن الصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره، وإنما قالوا ذلك: ردًا على المعتزلة والجهمية
الذين يقولون: بدأ من المخلوق الذي خلق فيه، وكيف يجوز أن يفارق ذات الله كلامه، أو غيره من صفاته، وإليه يعود، أي علمه فلا يبقى في المصاحف منه حرف، ولا في الصدور منه آية.
... قال عمرو بن دينار: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة، وقال مرة: أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، وفي الأثر: «إن القرآن يسرى به، حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية» .стр. 13
وهُو كلامُ اللهِ حُروفُهُ ومَعانيهِ ليسَ الحروفُ دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف (١) . الحواشي
(١) ذكره الشيخ وغيره في عقائد السلف، وقال: الذي عليه السلف، أن القرآن كلام الله، تكلم الله بحروفه ومعانيه، ليس شيئا منه كلاما لغيره، لا لجبريل ولا لمحمد، ولا لغيرهما بل كفر الله من جعله قول البشر، فالقرآن كلام الله حروفه ومعانيه والنبي ﷺ إذا تكلم بكلامه تكلم بحروفه ومعانيه بصوته، ثم المبلغ عنه يبلغ كلامه بحركاته وصوته، والمبلغ عنه مبلغ حديثه كما سمعه، لكن بصوت نفسه، لا بصوت الرسول فالقرآن هو كلام الله، تكلم الله به بصوته، والمبلغ عن الله مبلغ كلام الله بصوت نفسه كما أن كلام الرسول تكلم به بصوته والمبلغ عنه بلغ بصوت نفسه.
... وقال ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» فجعل الكلام كلام الباري، وجعل الصوت الذي يقرؤه العبد، صوت القارئ، وأصوات العباد ليست هي الصوت الذي يتكلم الله به، ولا مثله، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فليس كلامه مثل كلامهم، ولا أصواته مثل أصواتهم ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقا، أن يكون كلام الله مخلوقا.стр. 14
وبدعوا من قال: إنه فاض على نفس النبي، مِنَ العَقلِ الفَعَّالِ، أو غَيرِهِ كالفَلاسِفَةِ والصَّابِئِيَّةِ (١) . الحواشي
(١) أي: وبدع السلف من الصحابة والتابعين، مَن قالَ: إنَّ القُرآنَ فاضَ على نَفسِ النبي محمد ﷺ من العقل والفعال، أو غير العقل الفعال، فإن المتفلسفة كابن سينا وأضرابه، والصابئة وهم قوم: يشبه دينهم دين النصارى، زعموا أن كلام الله ليس له وجود، إلا في نفوس الأنبياء، تفاض عليهم المعان، من الروح، الذي هو العقل الفعال أو غير ذلك.
... قال الشيخ: وهذا القول أعظم كفرا وضلالا، من قول الجهمية وغيرهم، وقال: تنازع الناس في كلام الله نزاعا كثيرا، والطوائف الكبار نحو ست فرق، فأبعدها عن الإسلام قول من يقول، من المتفلسفة والصابئة، إن كلام الله إنما يفيض على النفوس، إما من العقل الفعال، وإما من غيره وليس
بكلام الله في الحقيقة، وإنما هذا في الحقيقة كلام النبي، وإنما سمي كلام الله مجازا.
... قال: ورأوا أن الرسول سمى القرآن كلام الله، فقالوا: هذا القرآن كلام الله، ولكن المعنى أنه فاض على نفس النبي من العقل الفعال، وربما قالوا: إن العقل هو جبريل، قال: وقد ضل بكلام ابن سينا وأضرابه، كثير من المشهورين، مثل أبي حامد، ذكر هذا المعنى في بعض كتبه.
... وصنفوا رسائل إخوان الصفا وغيرها، وجمعوا فيها على زعمهم، بين مقالات الصابئة المتأخرين، التي هي الفلسفة المبتدعة، وبين ماجاء به الرسول ﷺ عن الله، فأتوا بما زعموا أنه معقول، ولا دليل على كثير منه، وبما ذكروا أنه منقول، وفيه من الكذب والتحريف، أمر عظيم وإنما يضلون به كثيرا، بما فيه من الأمور الطبيعية والرياضية التي لا تعلق لها بأمر النبوات والرسالات، لا بنفي ولا بإثبات ولكن ينتفع بها في مصالح الدنيا، كالصناعة والحياكة والبناية، والخياطة، ونحو ذلك.стр. 15
أَوْ أنَّهُ مَخلوقٌ في جِسمٍ مِنَ الأَجسامِ كالمعتزلة والجهمية (١) . الحواشي
(١) أي: وبدع السلف من قال، إن كلام الله مخلوق، خلقه الله في جسم من الأجسام المخلوقة، فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله، قال الشيخ: كما هو قول الجهمية، الذين قالوا بخلق
القرآن، من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم، والسلف: يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق
وإن الله لا يرى في الآخرة جهميا فإن جهما أول من ظهرت عنه تلك البدعة، وانتشرت في خلافة هشام بن عبد الملك، وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك، في أوائل المائة الثانية، وهؤلاء هم الذين دعوا من دعوه من الخلفاء إلى مقالتهم حتى امتحن الناس في القرآن بالمحنة المشهورة في إمارة المأمون ورفع الله شأن من ثبت فيها من أئمة السنة كالإمام أحمد بن حنبل وموافقيه وكشفها الله عن الناس في إمارة المتوكل.
... وقال أول من أظهر إنكار التكليم الجعد، وأمر علماء الإسلام كالحسن البصري وغيره، بقتله، وأخذ عنه الجهم بن صفوان فأنكر أن يكون الله يتكلم، ثم نافق المسلمين، فأقر بلفظ الكلام، وقال: كلامه يخلق في محل، كالهواء وورق الشجر.
... وقال: الجهمية والمعتزلة هم الذين يقولون كلام الله مخلوق، يخلقه في بعض الأجسام، فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله ولا يقوم عندهم بالله كلام ولا إرادة، وبالجملة: فقد اتفق سلف الأمة، وأئمتها: على أن الجهمية من أشر طوائف أهل البدع، حتى أخرجهم كثير من السلف، من الثنتين والسبعين فرقة، قال: وهم أول من عارض الوحي بالرأي.стр. 16
أو في جِبريلَ، أو مُحمّدٍ، أو جِسمٍ آخرَ غيرهما، كالكلابية والأشعرية (١) . الحواشي
(١) فإنهم يقولون: إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وإنماكلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى كما نقله الشيخ وغيره، وقال عنهم: إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهوائية، أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، وألهمه محمد ﷺ فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره فهذه الأقوال التي تقال تفريع على هذا القول، يعني بخلق القرآن.
... وقوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وأمثاله يعلم منه أن القرآن العربي نزل من الله، لا من الهواء، ولا من اللوح المحفوظ، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا محمد، ولا غيرهما، قال: وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس، وغيره من السلف، في تفسير قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أنه أنزل إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك منجما مفرقا، بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، قبل نزوله كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ وقوله: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ وكونه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة، لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه قبل أن يرسل به جبريل أو غير ذلك.
... وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة، جملة واحدة في ليلة القدر، فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله تعالى يعلم ما كان وما يكون، أن لو كان كيف كان يكون، ثم ذكر مقادير
الخلائق وكتب أعمالهم قبل أن يعلموها ثم قال: ومن قال إن جبريل أخذ القرآن عن الكتاب، لم يسمعه من الله، كان هذا باطلا من وجوه، وذكر الآيات الدالة على أنه منزل من الله لا من غيره، وأن الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه من ربه، وذكر أن ابن كلاب وموافقيه، وصفوا الله بالكلام في الأزل، لكن لم يجعلوه قادرا على الكلام، ولا متكلما بمشيئته وأن الحقائق المتنوعة شيء واحد، وذلك معلوم الفساد بالضرورة.
... وذكر هو وابن القيم عن الكلابية، ومن اتبعهم كالقلانسي والأشعري، أن كلام الله معنى قائم بذات الله، هو الأمر بكل مأمور، أمر الله به، والخبر عن كل مخبر، أخبر الله عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، أو بالعبرية كان توراة، أو بالسريانية كان إنجيلا، والأمر والنهي والخبر، ليست أنواعا له، وإنما كلها صفات له إضافية.стр. 17
أَو أنَّهُ حُروفٌ وأَصواتٌ، قَديمةٌ أَزَلِيَّةٌ كَالكَلاميَّةِ (١) الحواشي
(١) من السالمية وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة، وغيرهم قال الشيخ، يقولون: إن كلام الله حروف وأصوات قديمة أزلية وإنها مع ذلك معان تقوم بذلك المتكلم وهم يوافقون الأشعرية والكلابية، في أن تكليم الله، ليس إلا مجرد إدراك للمتكلم ليس هو أمرا منفصلا عن المستمع، وأيضا: قد وافقت ابن كلاب، أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وقالت: بل الكلام القديم هو حروف، أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب، أزلا وأبدا، لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بها شيئا بعد
شيء، وهذا أيضا معلوم الفساد بالضرورة، ومنهم من يزعم، أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات بالقرآن وهو أظهر فسادا مما قبله.стр. 18
أَو أنَّهُ حادِثٌ قائِمٌ بِذاتِ اللهِ، مُمتَنِعٌ في الأزل، كالهاشمية والكرامية (١) . الحواشي
(١) أي: وبدع السلف، قول من قال: إن القرآن حادث، قائم بذات الله، بعد أن لم يكن متكلما بكلام، بل ما زال عندهم قادرا على الكلام، وهو عندهم لم يزل متكلما بمعنى أنه قادر على الكلام، وإلا فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع كوجود الأفعال عندهم وعند من وافقهم، من أهل الكلام، كالمعتزلة وأتباعهم وهم يقولون: إنه حروف وأصوات حادثة بذات الرب، بقدرته ومشيئته ولا يقولون إن الأصوات المسموعة، والمداد الذي في المصحف قديم، بل يقولون: إن ذلك محدث كما قال الشيخ.
... وقال أيضا عنهم: لكنه لم يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أول لها وهؤلاء جعلوا الرب في الأزل غير قادر على الكلام بمشيئته ولا على الفعل.
... وذكر ابن القيم: مذهب الاتحادية وأنهم يقولون: كل كلام في الوجود كلام الله، بناء على أصلهم الفاسد: أن الله سبحانه هو عين هذا الوجود، وذكر المذاهب المتقدم ذكرها ثم قال: والبراهين العقلية والأدلة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلها، وأنها مخالفة لصريح العقل والنقل، والعجب أنها دائرة بين فضلاء العالم لا يكادون يعرفون غيرها.
... قال الشيخ: وكان قد كثر ظهور هؤلاء، في أول المائة الثانية والثالثة في إمارة المأمون بسبب تعريب كتب الروم، المشركين الصابئين الذين كانوا قبل النصارى، ومن أشبههم من فارس والهند، وظهرت هذه المقالة في أهل العلم والكلام، وفي أهل السيف والإمارة وصار في أهلها من الخلفاء والأمراء، والولاة والقضاة والفقهاء، ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، ولم يبدلوا ولم يبتدعوا وذلك لقصور وتفريط من أكثرهم في معرفة حقيقة ما جاء به الرسول ﷺ وأتباعه وإلا فلو كان كثيرا فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة لما يخالف دين الإسلام، من التمكن منهم.
... وقال: ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير، من أهل الفقه، والحديث والتصوف وذكر ابن القيم أنه لما ابتلي الناس بأهل البدع وقام سوقها أقام الله لدينه شيخ الإسلام، فغزاهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وأشفى واشتفى فجزاه الله أحسن الجزاء.стр. 19
ومَن قالَ: لَفظِي بِالقُرآنِ مَخلوقٌ فَجَهمِيٌّ، أَو غير مخلوق فمبتدع (١) . الحواشي
(١) قال الإمام أحمد وغيره: وأن القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله على الحقيقة، وحيث تصرف كلام الله فهو غير مخلوق، وقال الشيخ: أنكر الأئمة قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق، وقالوا: من قال مخلوق، فهو جهمي ومن قال غير مخلوق، فهو مبتدع، وكذلك قالوا في التلاوة والقراءة لأن اللفظ والتلاوة والقراءة يراد بها المصدر الذي هو فعل العبد، وأفعال العباد مخلوقة فمن جعل شيئا من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك من صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع، ويراد باللفظ نفس الكلام الملفوظ كما يراد بالتلاوة والقراءة نفس الكلام وهو القرآن نفسه.
... ولا ريب أن من حدث عن النبي ﷺ بحديث إذا سمعوه قالوا: هذا كلام النبي لأنهم قد علموا أنه تكلم بذلك الكلام، لفظه ومعناه وتكلم به بصوته، ثم المبلغ له عنه بلغه بصوت نفسه، فمن قال: إن هذا القرآن العزيز المسموع، ليس هو كلام الله، أو هو كلام القارئين كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا، كما أن من قال هذا الصوت المسموع ليس هو صوت العبد، أو هو صوت الله، كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا، وليس لأحد من الوسائط فيه، إلا التبليغ بأفعاله، لم يحدث أحد منهم شيئا من حروفه ولا نظمه ولا معانيه.
... وذكر ابن القيم: أن المنع من أحمد في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة، وتحقيقه لهذا الباب والذي قصده
أن اللفظ يراد به أمران، أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له، والثاني: التلفظ به والأداء له وفعله، فإطلاق الخلق على اللفظ، قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني، وهو خطأ فمنع الإطلاقين.
... وذكر هو وشيخ الإسلام: اضطراب الناس في كلام الله، ثم قال: وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد ﷺ وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغتفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول ﷺ فشاق الرسول، من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص، مذنب ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته.
... فالتكفير يختلف، بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع، ولا جاهل، ولا ضال، يكون كافرا، بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا، لا سيما في مثل مسألة الكلام، قد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين، وغالبهم يقصد وجها من الحق، فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر، لا يحققه فيبقى عارفا بعض الحق جاهلا بعضه، بل منكرا له، ومن هنا نشأ نزاعهم.стр. 20
مواضع نزوله (١) .
أجمعوا على أن القرآن مائة وأربع عشرة سورة (٢) . الحواشي
(١) أي: ذكر مواضع نزول القرآن، من الله ، على محمد ﷺ وأوقاته، ومعرفة علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة وغيرهما: من أشرف علوم القرآن ومن فوائده، العلم بالمتأخر إن كان ناسخا، أو مخصصا أو غير ذلك.(٢) أي: أجمع أصحاب النبي ﷺ في زمن عثمان، على ترتيب سور القرآن في المصحف مائة وأربع عشرة سورة، وقيل الأنفال وبراءة سورة وشبهة من قال ذلك: أنها لم تكتب بينهما البسملة ويرده تسمية النبي ﷺ لهما، وكان في مصحف ابن مسعود مائة واثنتي عشرة سورة، لأنه لم يكتب المعوذتين وفي مصحف أبي: مائة وست عشرة سورة لأنه كتب في آخره سورتي: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد واستقر الأمر على مائة وأربع عشر سورة؛ والسورة قيل، من الإبانة، والارتفاع وقيل: لشرفها وارتفاعها، كسور البلد، وقيل: لكونها قطعة من القرآن، وجزاء منه، وقيل: من الجمع والإحاطة لآياتها.стр. 21
والمشهور: سبع وعشرون مدني (١) وباقيه مكي، واستنثي آيات (٢) . الحواشي
(١) ورد عن ابن عباس، وقتادة، وأبي بن كعب، وغيرهم، أنه نزل في المدينة سبع وعشرون سورة من القرآن، البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة والأنفال، وبراءة والرعد، والنحل، والحج والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح والحجرات، والرحمن والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة والصف، والجمعة، والمنافقون والتغابن والطلاق والتحريم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت وإذا جاء نصر الله وسائر السور بمكة، وروي غير ذلك.
... قال القاضي: وغيره: المرجع في معرفة المكي من المدني، لحفظ الصحابة والتابعين ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم، معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ وكان ابن مسعود وغيره يقول: «ما نزلت آية من كتاب الله، إلا ونحن نعلم فيمن نزلت؟ وأين نزلت» .(٢) أي: وباقي القرآن العزيز، سوى السبع والعشرين سورة على ما تقدم، نزل بمكة ويدخل في ذلك: ما نزل بضواحيها وكذا المدينة وورد عن ابن عباس وغيره: ذكر ما نزل بمكة وما استثني من الآيات، مما نزل بمكة وقيل والمدينة فروى أبو
حاتم وغيره، عن مجاهد، أنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال سورة الأنعام، نزلت بمكة جملة واحدةن، فهي مكية، إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ إلى تمام الآيات الثلاث، وسورة النحل، سوى ثلاث آيات من آخرها، نزلت بالمدينة منصرفة من أحد؛ والحج سوى ثلاث آيات ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ إلى تمام الثلاث، نزلت بالمدينة، وسورة الشعراء، سوى ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ إلى آخرها، ولقمان، سوى ثلاث من ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ والزمر سوى ثلاث من ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ والتغابن إلا آيات من آخرها والمزمل إلا آيتين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ وعدا المدنيات كما تقدم، باقيه مكي، وروي عن قتادة وعكرمة والحسن وغيرهم، نحو ذلك، وقيل: غير ذلك، وذكر ابن كثير وغيره تفصيل المدني والمكي وما استثني.
... والآية من العلامة على انقطاع الكلام، عن الذي قبلها وعن الذي بعدها، وانفصالها وقيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، وقيل: لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها.
... وعدد آيات القرآن الكريم: ستة آلاف قيل: ومائتان وأربعة عشرة وقيل غير ذلك.стр. 22
ومنه: النهاري، والليلي والصيفي والشتائي (١) . الحواشي
(١) أي، ومن القرآن: ما نزل على رسول الله ﷺ بالنهار، وهو أكثر القرآن، ومنه ما نزل بالليل، قيل منه آية تحويل القبلة، قال ابن عمر: أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، ومنه أواخر آل عمران، فروى ابن حبان وغيره من حديث عائشة أنه قال: أنزل عليَّ هذه الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآيات ومنه: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وآية: الثلاثة الذين خلفوا وقيل: وسورة الأنعام، ومريم، وغير ذلك، ومنه ما هو بالليل والنهار كآية التيمم.
... ومنه ما نزل بالصيف كآية الكلالة، وفي الشتاء، كالتي في أول السورة والآيات النازلة في غزوة تبوك، في شدة الحر ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ وآيات الذين جاءوا بالإفك، نزلت في يوم شات وليلة الأحزاب ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ حتى قال شيخ الإسلام: سورة الحج، فيها مكي ومدني، وليلي ونهاري، وسفري وحضري، وشتائي وصيفي.
... وقال ابن العربي: من القرآن ما نزل سمائيا وأرضيا، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض في الغار، يعني سورة المرسلات، ولمسلم: انتهى إلى سدرة المنتهى، وفيه فأعطي خواتيم سورة البقرة.стр. 23
وأَوَّل ما أُنزِلَ: اقْرَأ ثُمَّ الْمُدَّثِّرْ (١) وآخِرُهُ: المائدة وبراءة الحواشي
(١) أي: وأول ما أنزل من القرآن، على رسول الله ﷺ صدر سورة اقرأ يوم الاثنين بلا خلاف ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة، قالت: حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وللحاكم وغيره عنها: أول سورة نزلت،
من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وروي نحوه عن أبي موسى وغيره.
... ثم أنزل عليه صدر سورة ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بعد فترة الوحي ولما جاءه الملك، فرق منه فقال: دثروني فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ثم حمي الوحي، وتتابع ويدل على ذلك ما في الصحيحين، من حديث جابر، بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي، بين السماء والأرض فرجعت فقلت زملوني، فدثروني فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ولأن نزولها بعد سبب التدثر.стр. 24
والفتح وآية الكلالة، والربا والدين (١) . الحواشي
(١) أي: وآخر ما نزل من القرآن، سورة المائدة، قاله: عبد الله بن عمرو حسنه الترمذي، وللنسائي وغيره، عن عائشة: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه صححه الحاكم، وفي الصحيح عن البراء آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر سورة نزلت: براءة وأولها نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزو تبوك وهم بالحج فأردف بها عليا.
... ولمسلم عن ابن عباس، آخر سورة نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ وفي الصحيح عنه، آخر ما نزل على رسول الله ﷺ آية الربا، ورواه أحمد عن عمر وروي عن ابن عباس من طرق
إن آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وقال ابن جريج: عاش بعدها تسع ليال، ولعل الآيات، نزلت دفعة واحدة وكل أخبر بما بلغه، و ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ آخر ما يتعلق بالمواريث وقيل ومنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآيتين وقيل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فالله أعلم.стр. 25
إنزاله (١)
أُنزِلَ القُرآن جُملةً في لَيلَةِ القَدرِ، إلى بيتِ العِزَّةِ، في السَّماءِ الدّنيا (٢) وأُنزِلَ مُنَجَّماً بحسب الوقائع (٣) . الحواشي
(١) أي: إنزال القرآن العظيم، من الله تعالى، على رسوله ﷺ وصفة ما يصيبه عن ذلك وكتابته وجمعه.(٢) أي: إنزال القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ولا نزاع في ذلك، وحكي الإجماع، على أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة، في السماء الدنيا، كما قاله ابن عباس، وغيره وتقدم، أنه لا ينافي كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل نزوله كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ .(٣) أي: وأنزل القرآن من الله تعالى، نزل به جبريل على رسول الله ﷺ منجما، أي: مفرقا، يتلو بعضه بعضا، بحسب الوقائع قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قال ابن عباس، وغيره: أنزل القرآن في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا، جملة واحدة ثم أنزل بعد ذلك وقرأ الآية.
... وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ .
... وتقدم قول الشيخ: إن كون جبريل نزل به من الله على محمد ﷺ كما قال تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ لا ينافي كونه تعالى: كتبه قبل أن يرسل به، ولا كونه قد أنزل مكتوبا إلى بيت العزة، جملة واحدة، وأنه تعالى: كتب أعمال الخلائق، قبل أن يعملوها، ومن قال: إن جبريل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله، فقوله باطل، مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
... وفي الصحيح: إذا تكلم الله بالوحي، أخذت السموات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة خوفا من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، وكلما مر بسماء سأله ملائكتها، ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير وغير ذلك من الأحاديث.стр. 26
يُلقيهِ جِبريلُ، إلى النَّبي ﷺ في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه (١) . الحواشي
(١) أي: أشد كيفيات تلقي الوحي، على رسول الله ﷺ من جبريل أن يأتيه الملك به في مثل صلصلة الجرس، كما في الصحيح عن ابن عمر، أنه ﷺ قال: «أسمع صلاصل، ثم أسكت عن ذلك فما من مرة يوحى إلي، إلا ظننت أن نفسي
تقبض» ، وفيه: أنه أشد حالات الوحي ﷺ وقال ابن عباس كان ﷺ يعالج من الوحي شدة، وكان مما يحرك شفتيه فأنزل الله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ نجمعه لك في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: تقرؤه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: قرأه جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .стр. 27
ويأتيه في مثل صورة الرجل يكلمه (١) وثبت أنه أنزل على سبعة أحرف (٢) . الحواشي
(١) أي: ويأتيه جبريل بالوحي، أحيانا، في مثل صورة الرجل، فيكلمه جبريل به، وفي الصحيح، «وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول» ، زاد أبو عوانة، «وهو أهونه علي» وأحيانا ينفث في روعه نفثا، كما رواه الحاكم وغيره: «أن روح القدس نفث في روعي» .(٢) أي: وثبت عن النبي ﷺ من غير وجه: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، من حديث أنس، وأبي وحذيفة وغيرهم أكثر من عشرين صحابيا قال أبو عبيدة وغيره: تواتر عن رسول الله ﷺ أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ومر عمر بهشام بن حكيم، وهو يقرأ سورة الفرقان، فانطلق به إلى رسول الله ﷺ فقال: سمعته يقرؤها على حروف لم تقرئنيها فقال له: اقرأها ثم قال لعمر: اقرأها وقال لكل واحد منهما، هكذا أنزلت ثم قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه.
قال الشيخ: ولا نزاع بين العلماء المعتبرين، أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست هي قراءات السبعة أو تمام العشرة أو غير ذلك، كقول السلف إنها حرف من الأحرف السبعة، وليست هي مجموعها، وقيل: مجموع الأحرف السبعة، وهم مجمعون على أن الأحرف السبعة، لا يخالف بعضها بعضا، خلافا يتضاد فيه المعنى.стр. 28
قيل: المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة كهلم وأقبل (١) وكتب في الرقاع وغيرها في عهد النبوة (٢) . الحواشي
(١) وتعال، كما قاله ابن مسعود، ولا تتضمن تناقض المعنى، قال الشيخ: بلا نزاع، وقد يكون معنى أحدها، ليس هو معنى الآخر، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع، وتغاير، كما في الحديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف إن قلت غفورا رحيما، أو قلت عزيزا حكيما، فإنه كذلك، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، وكما في القراءات المشهورة كلتزول وليزول وعَجبتَ وعَجبتُ ويخَدعون ويخُادعون.(٢) أي: وكتب القرآن العظيم، في الرقاع، جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد وكتب في غير الرقاع، كاللخاف والعسب والقتب والأظلاع وصدور الرجال وغير ذلك قال زيد بن ثابت، قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء قال الخطابي: إنما لم يجمع النبي ﷺ القرآن في المصحف
لما كان يترقبه من ورود ناسخ، لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين لذلك، وفاء بوعده الصادق، بضمان حفظه على هذه الأمة.стр. 29
ثُمَّ في الصُّحُفِ، في عَهدِ أَبي بَكرٍ (١) . الحواشي
(١) أي: ثم بعد وفاة النبي ﷺ جمع القرآن العظيم في الصحف، في عهد أبي بكر ﵁؛ ففي الصحيح: أن زيد بن ثابت، قال: أرسل إليَّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر في اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا، لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني، حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي، لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن، اجمعه فوالله: لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به، من جمع القرآن قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري، للذي شرح له صدر أبي بكر، وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال قال: فكانت الصحف، عند أبي بكر، حتى توفاه الله
ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، وجاء نحوه من غير وجه، وقال علي: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله، وكان زيد بن ثابت: لا يكتب آية، إلا بشاهدي عدل مع وجدانه مكتوبا وحفظه له، مبالغة في الاحتياط.
... وقال البغوي: يقال: إن زيد بن ثابت، شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ، وما بقي وكتبها لرسول الله ﷺ وقرأها عليه وكان يقرئ الناس بها، حتى مات ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر لجمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف، ووقعت الثقة لكونهم يبدون عن تأليف معجز، ونظم معروف، قد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ عشرين سنة، ولا ريب أنهم كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقر في العرضة الأخيرة، وكذا قال غير واحد: القراءة التي عرضت على النبي ﷺ في العام الذي قبض فيه، هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم.стр. 30
ثُمَّ جُمَعَ عُثمانَ النَّاسَ على مُصحَفٍ واحِدٍ (١) . الحواشي
(١) أي ثم لما كثر اختلاف القراء في وجوه القراءة وخشيت الفتنة جمع عثمان بن عفان ﵁ الناس، في خلافته على مصحف واحد، وأجمع الصحابة عليه، وترك ما سواه ففي الصحيح، أن حذيفة قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في وجوه القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا، اختلاف اليهود والنصارى،
فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
... قال الحافظ: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، قال علي: إنما فعل ذلك في المصاحف، على ملأ منا، وذلك، أنه بلغ عثمان أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا: فنعم ما رأيت.
... وروي عن أنس أنه قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان، فقال: عندي تكذبون، وتلحنون فيه، فمن نأى عني، كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد: اجتمعوا فاكتبوا للناس إمام فاجتمعوا فكتبوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانا فيرسل إليه فيقال له كيف
أقرأك؟ فيقول: كذا وكذا فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكانا قال ابن سيرين: إنما كانوا يؤخرونه، لينظروا أحدثهم بالعرضة الأخيرة فيكتبون على قوله.стр. 31
والجُمهورُ: أَنَّهُ مُشتَمِلٌ على ما يَحتَمِلُهُ رَسْمُها (١) ومتضمنتها العرضة الأخيرة (٢) . الحواشي
(١) أي: ومذهب جمهور أهل العلم، من السلف، والخلف على أن مصحف عثمان، مشتمل على ما يحتمله رسم سبعة الأحرف، وذكر ابن جرير: أن القراءة على الأحرف السبعة، لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزا لهم، ومرخصا لهم فيها، فلما رأى الصحابة، أن الأمة تفترق، وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك، إجماعا شائعا، وهم معصومون من الضلالة.(٢) أي: ومذهب الجمهور، أن الأحرف السبعة، التي قال فيها ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف متضمنتها العرضة الأخيرة التي عارض جبريل بها النبي ﷺ وقال الشيخ: هذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وسائر أئمة المسلمين فإنه ثبت في الصحاح، أنه كان يعارضه في كل عام مرة، وفي العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، والآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي: التي أمر الخلفاء الراشدون بكتابتها في المصاحف، وجمع عثمان عليها الناس باتفاق من الصحابة.
... وقال القاضي عياض: قد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار المكتوب في المصحف، الذي بأيدي المسلمين ما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ كلام الله ووحيه المنزل على رسوله محمد ﷺ وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو أبدله بحرف آخر، مما لم يشتمل عليه المصحف، الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع عليه أنه ليس بقرآن عامدا لكل هذا فهو كافر.стр. 32
وترتيب الآيات بالنص والسور بالاجتهاد (١) . الحواشي
(١) أي: وترتيب الآيات القرآنية بالنص إجماعا حكاه غير واحد، وجزموا بأنه واقع بتوقيف النبي ﷺ وأمره، من غير خلاف بين المسلمين، ودلت السنة على ذلك فإنه قد ثبت من قراءته سورا في صلواته، وثبت من قوله: ضعوا هذه الآية، في موضع كذا من هذه السورة، وقوله: في آية الصيف، التي في آخر سورة النساء، وخواتيم سورة البقرة، وعشر آيات من أول سورة الكهف، ومن آخرها، وغير ذلك مما يدل على أن ترتيب الآيات عنه ﷺ توقيفي، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه.
... وقال القاضي: ترتيب الآيات، أمر واجب، وحكم لازم، والذي نذهب إليه، أن جميع القرآن الذي أنزله الله، وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخ، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت، على ما
نظمه الله، ورتبه عليه رسول الله ﷺ من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر، ولا أخر مقدم، وأن الأمة ضبطت عن رسول الله ﷺ ترتيب آي كل سورة، ومواضعها كما ضبطت عنه نفس القراءات، وذات التلاوة وكذا قال البغوي وغيره، وأنه ثبت: أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، على هذا الترتيب، وأنه حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب عن تلاوته ﷺ ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف، فإن عثمان: أمرهم أن يتابعوا الطوال فجعلت الأنفال والتوبة فيها، ولم يفصل بينهما بالبسملة ولما قيل له: قال: كانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، ولم يبين لنا النبي ﷺ أنها منها، فمن أجل ذلك، قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال، ولا يمتنع أن يكون بعض السور توقيفا علم ترتيبه في حياته ﷺ .стр. 33
أسباب نزوله (١)
مَعرِفَةُ سَبَبِ نُزولِ القُرآنِ، يُعينُ على فَهمِ الآية (٢) . الحواشي
(١) أي: ذكر أسباب نزول القرآن، المعين على الوقوف على المعنى المتعين على المفسر معرفته.(٢) قال ابن دقيق: بيان سبب النزول، طريق قوي في فهم معاني القرآن، وقال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية بدون الوقوف على قصة أو بيان نزولها، وقال شيخ الإسلام، -قدس الله روحه-: العلم بالسبب، يورث العلم بالمسبب وذلك: أن العلم بسبب نزول الآية، هو الطريق إلى العلم بالمسبب من ذلك قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ قال مروان: لئن كان امرؤ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل، معذبا لتعذبن أجمعون فقال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب، حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه.
... ومنه قصة عثمان بن مظعون، وعمرو بن عدي، في استدلالهما على حل الخمر بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية ولأن نزولها في أناس قالوا لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله؟ وكانوا يشربونها وهي رجس؟стр. 34
فقد يكون اللفظ عاما، والسبب خاص (١) ومنه ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ (٢) . الحواشي
(١) فإذا عرف السبب قصر التخصيص، على ما عدا صورته لأن صورة السبب قطعي، وإخراجها بالاجتهاد، حكى القاضي وغيره: الإجماع على منعه، وقال الشيخ: والآية التي لها سبب معين، إن كانت أمرا ونهيا، فهي متناولة لذلك الشخص، ولغيره ممن كان بمنزلته، لم يقصدوا أن حكم الآية مختص به دون غيره فإن هذا لا يقوله مسلم عاقل، على الإطلاق ولم يقل أحد من علماء المسلمين، إن عمومات الكتاب والسنة، يختص بالشخص المعين.
... وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة، أنه سبب النزول ويراد به تارة: أن هذا داخل في الآية، وإن لم يكن السبب كما يقال عنى بهذه الآية كذا وقول أحدهم: نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في كذا إذا كان اللفظ يتناولها.(٢) أي: ومن اللفظ العام، وسببه خاص قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فإن من الناس من قال: الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، ووضح ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية في
سورة البقرة، في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن الصغار والكبار فنزلت هذه الآية، وعلم أنها خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن في العدة، وارتاب هل عليهن عدة أو لا فمعنى ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.стр. 35
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة] (١) . الحواشي
(١) أي: ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ فإن ظاهر اللفظ يقتضي أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة، حضرا ولا سفرا، وهو خلاف الإجماع وهي إنما نزلت في نافلة السفر، أو فيمن صلى باجتهاد فبان له الخطأ.стр. 36
عامه وخاصه (١)
العام: أقسام (٢) منه: الباقي على عمومه، كـ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٣) . الحواشي
(١) أي: ذكر عام القرآن، وخاصه، وما يتعلق بذلك .(٢) العام: لفظ يستغرق الصالح له، من غير حصر؛ وتدخل النادرة، وغير المقصودة تحته، مطابقة إثباتا أو سلبا ودلالته على أصل المعنى قطعية وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال، والأزمنة والبقاع، وكل والذي والتي وأي وما، ومتى وحيثما ونحوها: للعموم، والجمع المعرف باللام، والإضافة، ما لم يتحقق عهد والنكرة في سياق النفي والنهي، والشرط وغير ذلك وينقسم العام إلى ثلاثة أقسام.(٣) أي: من أقسام العام، القسم الباقي على عمومه، نحو ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ونحو ذلك من الأحكام الفرعية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وهو عزيز إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص فنحو ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قد يخص منه غير المكلف و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ خص منه حالة الاضطرار والسمك، والجراد، ومن الربا: العرايا، وغير ذلك.стр. 37
والعام المراد به الخصوص كـ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (١) والثالث: العامُّ الْمَخصوصُ (٢) وهُو كَثيرٌ إِذْ ما مِن عام إلا وقد خص (٣) . الحواشي
(١) أي: والقسم الثاني، من أقسام العام، العام المراد به الخصوص، وليس عمومه مرادا، بل كلي استعمل في جزئي ويصح أن يراد به واحد، ولا يراد به شموله لجميع الأفراد بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها، مثاله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ والقائل واحد ويقوي ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ وقعت الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إلى واحد بعينه، ومن ذلك قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ أي رسول الله ﷺ وقوله: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ والمراد جبرائيل وغير ذلك.(٢) أي والثالث من أقسام العام المخصوص، وهو مراد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها، وتناوله للبعض الباقي بعد التخصيص، كتناوله لها بلا تخصيص.(٣) أي: والمخصوص من العام، أمثلته كثيرة إذ ما من لفظ في القرآن عام، إلا وقد خص بالقرآن، أو بالسنة أو بالقياس والمطلق مع المقيد، كالعام مع الخاص، فمتى وجد دليل على تقييده، صير إليه، وإلا فلا.стр. 38
والمخصص: إما متصل وهو: خمسة أحدها الاستثناء (١) والمنفصل كآية أخرى (٢) الحواشي
(١) أي: والمخصص قسمان، إما متصل بالمخصص منه، وإما منفصل والمتصل خمسة أشياء، أحدها الاستثناء، وهو الإخراج بإلا، أو إحدى أخواتها نحو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ونحو ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ .
... والثاني: الوصف، نحو ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ والثالث: الشرط نحو ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ والرابع: الغاية، نحو ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ الآية، والخامس بدل البعض من الكل نحو ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ .(٢) أي والقسم الثاني، المنفصل من المخصص منه كآية أخرى في محل آخر من القرآن نحو قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ خص بقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ وبقوله: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ونحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ خص من الميتة السمك، بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ومن الدم الجامد، بقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ خص بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ خص بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ .стр. 39
الحواشي
(١) أي: أو خص بحديث، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ خص منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة بالسنة، وقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ خص منه العرايا؛ وآيات المواريث، خص منها: القاتل، والمخالف في الدين؛ وآية تحريم الميتة، خص منها: الجراد بالسنة. وآية: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، خص منها: الأمة، بالسنة، ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ خص منه المتغير بالسنة؛ أو خص بإجماع، كآية المواريث، خص منها الرقيق، بالإجماع؛ وخص بالقياس: آية الزنا: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ خص منها العبد بالقياس على الأمة، المنصوصة في قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ المخصص لعموم الآية المتقدمة.стр. 40
وَمِن خاصِّ القُرآنِ: «ما كان مخصصا لعموم السنة كـ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ خص: «أُمِرتُ أَن أُقاتِلُ النَّاسَ، حتَّى يَقُولُوا لا إله إلا الله» (١) . الحواشي
(١) وكذا قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ خص عموم نهيه ﷺ عن الصلاة، في الأوقات المكروهة، بإخراج الفرائض وقوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ الأية خص عموم قوله: «ما أبين من حي فهو كميتته» وقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ خص عموم: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ خص عموم قوله: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» .следующие страницы →