Полный текст (137 стр.). Показаны 106–137 · переход к 111.
стр. 106
وإنما يَعني طائِفةٌ مِن أهلِ الكلامِ، الذين قَرَّروا أُصولَهُم بِطُرُقٍ، مِن جِنسِ ما قَرَّرت به المعتزلة (١) وذكر الذين أخطئوا في الدَّليلِ، مِثلَ كَثيرٍ مِن الصّوفيَّةِ، والوُعَّاظِ، والفقهاء، وغيرهم، يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القُرآن لا يَدلُّ عَلَيها، مِثلَ كثيرٍ مما ذَكَرَهُ أَبو عبدِ الرَّحمن السُّلَميِّ، في حَقائِقِ التفسير (٢) . الحواشي
(١) يَعني: أُصولَهم، وإن كان أهلُ الكلامِ، أَقربُ إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا: من جملة التفسير على المذهب، قال: فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر، لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، صاروا مشاركين للمعتزلة، وغيرهم، من أهل البدع في مثل هذا.(٢) هو محمد بن الحسين، بن محمد، بن موسى، الأزدي، النيسابوري من علماء الصوفية وتفسيره على طريقتهم: يستدل عليها بألفاظ لم يرد بها القرآن، وهو الذي يسمونه الإشارات قال ابن الصلاح: وجدت عن أبي الحسين الواحدي المفسر، أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي، حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر، وقال: الظن بمن يوثق بهم، إذا قال شيئا من ذلك، لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به
مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك، كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية.стр. 107
وَإن كانَ فيما ذَكروهُ ما هو مَعانٍ باطِلَةٍ، فإنَّ ذلكَ يَدخلُ في الخطإِ في الدَّليلِ، والمدلولِ جَميعاً (١) حيث يكون الْمَعنى الذي قَصَدوه فاسِداً (٢) .
وَبِالجُملَةِ: مَن عَدَلَ عَن مَذاهبِ الصَّحابَةِ وَالتَّابعين، وَتَفسيرِهِم، إلى ما يُخالِفِ ذلكَ، كان مخطئا في ذلك (٣) . الحواشي
(١) أي: فإن ما فسروا به الآية، على ما لا يدل على مرادهم وأخطئوا في معنى الآية يدخل ذلك في الخطأ في الدليل، إذ لم يدل على مرادهم، وفي المدلول إذ أخطئوا في المعنى.(٢) ليس المراد بيان معاني كتاب الله، وإيضاح المراد منه، بل تأييد مذاهبهم.(٣) أي: في ذلك التفسير، الذي عدل فيه عن مذاهب الصحابة والتابعين، إلى ما يخالفها وكثير من الناس، لا يعرف حقيقة كلام السلف، والأئمة ومنهم: من يعظمهم ويظن أنه متبع لهم، مع أنه مخالف لهم، من حيث لا يشعر، ومنهم: من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين، ولا تقريرها بالدلائل البرهانية، وذلك لجهلهم بعلمهم، بل لجهلهم بما جاء به الرسول ﷺ من الحق، الذي تدل عليه الدلائل العقلية، مع السمعية،
بل فضلوا طريقة الخلف، على طريقة السلف حيث
ظنوا أن طريقة السلف، هي: مجرد الإيمان، بألفاظ القرآن، والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله، ورسوله منها.
... واعتقدوا: أنهم بمنزلة الأميين، وأن طريقة المتأخرين، هي استخراج معاني النصوص، وظنهم هو الذي أوجب لهم نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والتابعين، وراء ظهورهم فجمعوا بين الجهل، بطريقة السلف، والكذب عليهم، وبين الجهل والضلال، بتصويب طريقة الخلف، وبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى وهذا طريقة السلف عندهم، وبين صرف اللفظ عن حقيقته، وما وضع له، إلى ما لم يوضع له، ولا دل عليه بأنواع من المجازات والتكلفات، التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان والهدى.стр. 108
بل مبتدعا (١) وإن كان مجتهدا مغفور له خطؤه (٢) . الحواشي
(١) قال: لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق، الذي بعث الله به رسول الله ﷺ وأسباب هذا الضلال، التقصير عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ وما كان عليه السلف وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من خلل وريب وغمة.(٢) أي: وإن كان من عدل عن مذاهب الصحابة، وتأول الآيات مجتهدا باذلا وسعه، مغفور له خطؤه، للخبر: «وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» ، وخبر: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» .стр. 109
فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته (١) وطرق الصواب (٢) . الحواشي
(١) أي فالمقصود من ذكر من أخطأ في التفسير، بيان طرق العلم، الذي ينبغي أن تسلك، وأدلة العلم المقبولة، والتنبيه على المردودة.(٢) أي: والمقصود بيان طرق الصواب، من الخطأ والضلال، قال الشيخ: ومن أعظم أسباب البدع الباطلة، التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله، فمن أصول العلم بذلك: أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه، وأنه الحق: وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف: أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة، فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة، على بيان الحق.стр. 110
سَبَبُ الاخْتِلافِ (١)
مِنهُ: ما مُستَنَدُهُ النَّقلُ، أَوِ الاستدلال (٢) والمنقول: إما عن المعصوم أو لا (٣) . الحواشي
(١) أي: ذكر سبب الاختلاف بين الناس، في تفسير القرآن.(٢) أي: من الاختلاف في التفسير كما قال الشيخ وغيره، منه: ما مستنده النقل، والمرجع فيه إلى الصحة، ومن يقبل منه، ومنه: ما يعلم بغير النقل، وهو: ما مستنده الاستدلال والمرجع فيه إلى صحة الاستدلال، وقال: إذ العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق.(٣) أي: والمنقول في التفسير، وغيره: إما عن المعصوم ﷺ أو عن غيره من الصحابة أو التابعين.
... قال الشيخ: ومن المنقول، ما يمكن معرفة الصحيح منه، والضعيف، وما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق دليلا، وما لا يمكن، فلا طريق بالجزم بالصدق منه، فالبحث عنه: مما لا فائدة فيه.
... ومثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه، الاختلاف في أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وفي اسم الغلام الذي قتل الخضر، ونحو ذلك، فهذا طريقة العلم به النقل، فما كان منقولا نقلا صحيحا، عن المعصوم، كاسم صاحب موسى، أنه الخضر، فمعلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب، فلا يجوز تصديقه، ولا تكذيبه، إلا بحجة، وكذا: ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون، لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض.стр. 111
فالْمَقصودُ: وَإذا جاء عنهُ مِن جِهتين، أو جهات من غير تواطؤ فَصَحيحٌ (١) وكَذا الْمَراسيلُ إذا تَعَدَّدَت طُرُقُها (٢) وخَبَرُ الواحِدِ، إذا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبولِ، أوجَبَ العِلمَ (٣) . الحواشي
(١) أي: وإذا جاء التفسير عن المعصوم ﷺ من جهتين، من غير تواطؤ فصحيح، لاعتضاد أحدهما بالآخر، أو جاء عن المعصوم من جهات، وقد علم، أن المخبرين لم يتواطئوا على اختلافه وعلم أن ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد، فهو صحيح.(٢) أي: فهي صحيحة، قال الشيخ: المراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعا والمراسيل: جمع مرسل، وهو قول التابعي: قال رسول الله كذا أو فعل كذا.(٣) قال الشيخ: جمهور أهل العلم من جميع الطوائف، على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له، وعملا به، أنه
يوجب العلم إلا فرقة من المتأخرين اتبعوا طائفة من أهل الكلام، أنكروا ذلك، وأكثر أهل الكلام: يوافقون الفقهاء على ذلك وقال ابن القيم: هذا الذي اعتمده نفاة العلم،، عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصحابة، المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا حرمة هذه الأمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم، ومن له إلمام بالسنة، والتفات إليها، يعلم ذلك، وذكر عليه أكثر من عشرين دليلا.стр. 112
والْمُعتَبَرُ في قَبولِ الخَبَرِ: إِجماعُ أَهلِ الحديثِ (١) ولَهُ أدِلَّةٌ يُعرَفُ بِها أنَّهُ صِدقٌ (٢) وعليه أدلّةٌ يُعرَفُ بِها أَنَّهُ كَذِبٌ (٣) كما في تفسير الثعلبي (٤) . الحواشي
(١) كما أن المعتبر في الإجماع على الأحكام: بإجماع أهل العلم بالأمر، والنهي والإباحة، ولا تجتمع الأمة على خطأ فإذا أجمعوا على حكم جزمنا بأنه ثابت.(٢) أي: وللخبر الوارد من طريق، أو طرق أدلة شرعية، يعرف بها أنه صدق لموافقته الأصول الشرعية.(٣) لمناقضته الأصول الشرعية، يعلم ذلك من له إلمام بأصول الشرع، وإطلاع تام، وذهن ثاقب، وفهم قوي، ومعرفة بالقرائن الدالة على ذلك.(٤) أحمد بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمائة له التفسير الكبير، اختصره البغوي، قال الشيخ: هو نفسه فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.стр. 113
والواحدي، والزمخشري وأمثالها (١) وهو قليل في تفاسير السَّلفِ (٢) وما نُقِلَ عَن بَعضِ الصّحابَةِ نَقلاً صَحيحاً،
فالنَّفسُ إِليهِ أَسكَنُ، مِما نُقِلَ عَن بَعضِ التّابعينَ (٣) ،
والإسرائِيلِيّات: تُذكَرُ للإِستِشهادِ، لا للاعتمادِ (٤) ما علمت الحواشي
(١) الواحدي: هو علي بن أحمد بن محمد بن علي، معروف بالواحدي، له البسيط والوسيط والوجيز، في التفسير والزمخشري، هو محمود بن عمر صاحب الكشاف وذكر الشيخ: أن في كتب التفسير، من الموضوعات شيء كثير، وقال: مثل ما يرويه الثعلبي، والواحدي، والزمخشري في فضائل سور القرآن، سورة، سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم.(٢) أي: والخبر الذي عليه أدلة، يعرف بها أنه كذب، قليل في تفاسير السلف، وأكثرهم يوضح ذلك، كابن كثير، ويورده بسنده ليعلم ذلك.(٣) لأن الصحابة ﵃، أخذوا القرآن عن رسول الله ﷺ ألفاظه ومعانيه، وكانت عنايتهم بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ ورأوا من الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه.(٤) ففي شرع محمد ﷺ غنية عنها، وشريعته ناسخة لشريعة من قبله.стр. 114
صِحَّتُهُ مما شَهِدَ لَهُ الشَّرعُ، فَصَحيحٌ (١) .
وما خالَفَهُ فَيُعتَقَدُ كَذِبُهُ (٢) ومَا لَم يُعلَم حُكمُهُ في شَرعِنا، لا يُصَدَّقُ، وَلا يُكَذَّبُ (٣) وَغالِبُهُ لا فائدة فيه (٤) والخطأ الواقع في الاستدلال. من جهتين حدثتا عمن تقدم ذكرهم من المبتدعة بعد تفسير الصحابة، والتابعين وتابعيهم اعتقدوا معاني، حَمَلُوا أَلفاظَ القُرآنَ عَلَيها (٥) أَوْ فَسَّرُوهُ بِمُجَرَّدِ ما يَسوغُ أَن يُرِيدُوهُ، مِمَّا لا يَدُلُّ على المراد من كلام الله بحال (٦) . الحواشي
(١) يعرفه من له بصر بشريعة محمد ﷺ .(٢) لما تقرر من تحريفهم وتبديلهم.(٣) إلا بحجة لقوله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» ، قال الشيخ: وكذا ما نقل عن بعض التابعين، ولو لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب.(٤) أي: وغالب ما في الإسرائيليات لا فائدة فيه.(٥) أي: قسم ممن جاء بعد الصحابة والتابعين، اعتقدوا معاني، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليها، وراعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن، من الدلالة والبيان، وهم تارة يسلبون لفظ القرآن، ما دل عليه، وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه، ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا تفسيره أو إثباته من المعنى باطلا.(٦) أي: والقسم الثاني، فسروا القرآن، بمجرد ما يسوغ أن يريدوه بكلامه، ممن كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به، وهو مما لا يدل على المراد من كلام الله بحال، وإنما راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام.стр. 115
وَتَبِعَهُم كَثيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ لِضَعفِ آثارِ النُّبُوَّةِ (١) والعَجزِ، والتَّفريطِ (٢) حتَّى كانوا يَرْوُونَ ما لا يَعلمونَ صِحَّتَهُ.
وقد يكون الاختِلافُ، لِخَفاءِ الدَّليلِ، والذّهولِ عَنهُ (٣) وَقدْ يكونُ: لِعدَمِ سَماعِهِ، وَقد يكونُ للغَلَطِ في فَهمِ النَّصِّ، وَقَد يَكونُ لاعتقاد معارض راجح (٤) . الحواشي
(١) فيهم لضعف الهمم، وتشعبها والاشتغال بما لايجدي.(٢) أي: والعجز عن معرفة معاني القرآن العزيز، والتفريط في التحصيل حتى أخطئوا في الاستدلال.(٣) لما بهم من الوهن، عن التفتيش عليه.(٤) وغير ذلك، مما هو من أسباب الاختلاف، قال الشيخ: وكثير من الكتب المصنفة، في أصول علوم الدين، وغيرها، نجد الرجل المصنف فيها، في المسألة العظيمة، كمسألة القرآن، والرؤية والصفات، والمعاد، وحدوث العالم وغير ذلك، يذكر أقوالا متعددة والقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه سلف الأمة ليس في تلك الكتب، ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به.стр. 116
التفسير (١)
التَّفسيرُ: كَشفُ مَعانِي القُرآنِ، وبَيانُ المرادِ مِنهُ (٢) . الحواشي
(١) أي: ذكر أحكام التفسير وما لا بد للمفسر منه والتفسير: تفصيل من المفسر، وهو البيان والكشف.(٢) هذا المعروف عند العلماء، كما حكاه الأصبهاني، وغيره، وقال الزركشي، وغيره: علم يفهم به كتاب الله المنزل، على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه، واستخراج أحكامه، وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو والتصريف، وعلم البيان،
وأصول الفقه، والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول
والناسخ، والمنسوخ، وغير ذلك، ومن ذكر فضائل القرآن، يذكرها في أول كل سورة، لما فيها من الترغيب والحث على حفظها.
... وقال غيره: يجب أن يتحرى مطابقة المفسر، وأن يتحرز من نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، ويتحرى الغرض الذي سيق له الكلام، وقال أبو حيان: كثيرا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم، عند ذكر الإعراب، بعلل النحو ودلائل أصول الفقه، ومسائله ودلائل أصول الدين
وكل ذلك مقرر في تآليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلما في علم التفسير دون استدلال عليه.
... وكذلك أيضا: ذكروا ما لا يصح من أسباب النزول، وأحاديث في الفضائل، وحكايات، لا تناسب، وتواريخ إسرائيلية ولا ينبغي ذكر هذا في التفسير.стр. 117
قيلَ بَعضُهُ يكون مِن قِبَلِ الألفاظِ الوجيزة، وكشف معانيها (١) وبعضه مِن قِبَلِ ترجيحِ بَعضِ الاحتمالاتِ على بعضٍ (٢) وأجمَعوا: على أنَّ التَّفسيرَ مِن فُروضِ الكِفاياتِ (٣) . الحواشي
(١) وقال الثعلبي وغيره: بيان وضع اللفظ، وإخبار عن دليل المراد، وروى البيهقي وغيره الحث على إعرابه، وهو معرفة معاني ألفاظه، والمرجع في ذلك، إلى كتب أهل الفن في ذلك، كالزجاج، والفراء، والأخفش، وأبي عبيد، وابن الأنباري، وغيرهم.(٢) وقيل هو: التأويل وتقدم بيان التأويل في القرآن، وعند أهل التفسير، أنه يراد به عند بعضهم التفسير.(٣) للحاجة إليه، وما أنزل إلا ليفهم، وقال الشيخ: معرفة معنى كل آية فرض على الكفاية، ولا يجب على كل مسلم، معرفة معنى كل آية، بل معرفة ما لا بد منه.стр. 118
وهُو أجلُّ العلومِ الشَّرعِيَّةِ (١) وأَشرَفُ صِناعَةٍ يَتَعاطاها الإنسانُ (٢) والْمُعتني بِغريبه، لا بُدَّ لَهُ مِن معرفة الحروف (٣) . الحواشي
(١) بالإجماع بل القرآن أصل العلوم، وفضله وفضل حامله مشهور معلوم، فإيضاحه وبيانه، أجل العلوم، وأشرفها وأعلاها بل به عصمتنا، وسعادتنا في الدنيا والآخرة(٢) وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا تعلموا عشر آيات، لم يجاوزوهن حتى يتعلموا معانيهن، والعمل بهن، وفي الخبر: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وشرف كلام الله لا يخفى، فبيانه أشرف بيان وأفضله، وقال ابن عباس: الذي يقرأ القرآن، ولا يحسن تفسيره كالذي يهذ الشعر هذا.(٣) أي: والمعتني بتفسير القرآن، لا بد له من معرفته معنى الكلمة، وصيغتها ومحلها، ومعرفة الحروف، لاختلاف مواقعها، قال ابن عباس: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل: في صلاتهم.
... وقال في: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، فالأربعة الأول يملكونها ملكا مطلقا، والأربعة الأخيرة ملكا مراعا، كما هو معروف في موضعه، والحروف يراد بها الاسم، والفعل وحروف المعاني، واسم حروف الهجاء، وكثيرا ما يوجد في كلام المتقدمين هذا حرف من الغريب، يعبرون بذلك عن الاسم
التام فقوله ﷺ : «بكل حرف عشر حسنات» ، مثله بقوله ألف حرف ولام حرف وميم، حرف، والمراد هنا: حروف المعاني، التي هي قسيمة الأسماء، والأفعال، وباعتبار معانيها: إلى حروف استفهام وحروف نفي، وحروف تحضيض وغير ذلك، وحروف الهجاء، تسمى حروفا، وهي أسماء كالحروف المذكورة في أوائل السور، لأن مسماها هو الحرف، الذي هو حرف الكلمة، وسميت حروف الكلام حروفا، لأنها طرف الكلام وحده ومنتهاه.стр. 119
وأكثَرُ مَن تكلَّمَ فيها النُّحاةُ (١) والأَسماءِ، والأَفعالِ (٢) وأَكثَرُ مَن تكلَّمَ فيها اللُّغَوِيّونَ (٣) ومِنهُ: معرفةُ ما وُضِعَ لهُ الضَّميرُ وما يَعودُ عليه (٤) ؛ الحواشي
(١) فيرجع في ذلك إلى كتبهم، وهي كثيرة مشهورة.(٢) أي: ومعرفة الأسماء فنحو ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد: أكمل من واحد والاسم الشريف: علم على ربنا تعالى، ومعرفة الأفعال ومدلولاتها وكذا الظروف.(٣) فيرجع في ذلك، إلى كتب أهل اللغة، كالمحكم لابن سيدة، والتهذيب للأزهري، والصحاح للجوهري، ومجمع البحرين للصاغاني وأمثالها من كتب اللغة.(٤) أي: ومن معرفة غريب القرآن، معرفة ما وضع له الضمير، وأصل وضعه للاختصار قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ قام الضمير مقام [خمسة وعشرين] * كلمة () .
... ومنه: معرفة ما يعود إليه الضمير، فإنه لا بد له من مرجع يعود إليه ويكون ملفوظا به، سابقا، نحو ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ أو متضمنا له نحو ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أو دالا عليه، نحو ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أو متأخرا نحو ﴿أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ أو دل عليه السياق، نحو ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ وإذا اجتمع في الضمائر مراعاة اللفظ والمعنى بدئ باللفظ ثم بالمعنى.стр. 120
والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير (١) . الحواشي
(١) التأنيث الحقيقي: لا تحذف تاؤه غالبا إلا إن وقع فصل، وغير الحقيقي الحذف أحسن نحو ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وكذا الإثبات نحو ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وإن وقع ضمير، وإشارة بين مبتدأ وخبر، جاز.
... وكل أسماء الأجناس: يجوز فيها التذكير، حملا على الجنس، والتأنيث حملا على الجماعة، والتعريف والتنكير، لكل منهما حق لا يليق بالآخر، فللتنكير إرادة الوحدة، كجاء رجل، والنوع نحو ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾ والتعظيم والتكثير، وضدهما وغير ذلك، وللتعريف أل والإضمار، والعلمية، والإشارة والتعريض وغير ذلك.
ــ
*- بهذا العدد في البرهان والإتقان ولعل الصواب: «عشرين» .стр. 121
والخِطابِ بالاسمِ والفِعلِ (١) .
وأولى ما يُرجَعُ في غريبهِ، إلى: تَفسير ابن عباس، وغيره (٢) ودواوين العرب (٣) . الحواشي
(١) الاسم: يدل على الثبوت، والاستمرار، والفعل: يدل على التجدد، والحدوث، ومعرفة ذلك من معرفة غريب القرآن، وكذا السؤال، والجواب، والمصدر، والعطف، وغير ذلك.(٢) من الصحابة، وغيرهم، وورد عن ابن عباس، وأصحابه: ما يستوعب أكثر غريب القرآن، وتقدم: أن أصح الطرق عنه، طريق مجاهد، ولذلك اعتمده البخاري وغيره.(٣) لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وقد احتج الصحابة، والتابعون، على غريب القرآن، ومشكله، بشعر العرب، وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن، الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه، وروي عنه من ذلك كثير، وتقدم: لغة قريش، ثم أهل الحجاز.
... وليس فيه شيء من التراكيب الأعجمية، وقال القرطبي: أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء، من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا على أن فيه أعلاما من الأعجمية، كإبراهيم ونوح ولوط، واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكره بعضهم، وقالوا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية، فهو من باب ما توافقت فهي اللغات.
... وقال غير واحد: ما كان معلوم المعنى، عند غير العرب، ثم استعملته العرب في ذلك المعنى كإبراهيم، وإسماعيل، ونحوهما، فلا ينبغي أن يقع فيه خلاف.
... وأما ما كان من غير الأعلام، فإن العرب استعملت كلمات: أصلها أعجمية ثم عربتها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم، إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية، باعتبار التعريب الطارئ فصادق ومن قال إنها أعجمية، باعتبار أصلها فصادق والجمع بين القولين أن نحو ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ و ﴿مِشْكَاةٍ﴾ و ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ أصلها بغير العربية، ثم عربتها العرب واستعملتها فصارت من لسانها، بتعريبها واستعمالها وإن كان أصلها أعجميا.стр. 122
ويبحث عن كون الآية مكملة لما قبلها أو مستقلة (١) . الحواشي
(١) أي: ويبحث المفسر عن كون الآية من القرآن، مكملة للآية التي قبلها، وظاهرة الارتباط، لتعلق الكلم بعضه ببعض، وعدم تمامه بالأولى، وكذا إذا كانت الثانية للأولى، على وجه التأكيد، أو التفسير، ونحو ذلك، أو كونها مستقلة، غير ظاهرة الارتباط.стр. 123
وما وجه مناسبتها لما قبلها وكذا السور (١) . الحواشي
(١) أي: ويبحث عن وجه مناسبتها لما قبلها، أو كانت مستقلة والمرجع في ذلك، إلى معنى رابط بين الآيات، عام، أو خاص، بأي نوع من أنواع العلاقات، ومنه: أن تكون معطوفة بحرف من حروف العطف، المشركة في الحكم، أو توجد قرائن معنوية تؤذن بالربط كإلحاق النظير بالنظير، أو استطراد أو انتقال من حديث إلى آخر، أو غير ذلك، كما في سورة ص بعد ذكر الأنبياء ذكر المتقين ثم الجنة وأهلها، ثم النار وأهلها قال ابن الأثير: هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل، وهي: علاقة أكيدة بين الخروج من كلام إلى آخر، وقيل: الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات، أن تنظر الغرض، الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض، من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات، في القرب والبعد من المطلق، وتنظر إلى انجرار الكلام، في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع، إلى الأحكام واللوازم التابعة له، التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فإذا عقلته تبين لك وجه النظم.
... وقال ابن العربي: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض، حتى يكون كالكلمة الواحدة، منتسقة المعاني منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد، عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة
ختمنا عليه، وكذا السور، يبحث عن وجه مناسبتها لما قبلها ووجه اتصالها بها، ووجه ما سيقت له.
... وقيل: أول من أظهر علم المناسبة، أبو بكر النيسابوري، وكان يقول على الكرسي، إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه الآية؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة، إلى جنب هذه السورة؟ وذكر الخطابي: أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن وضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بالكناية، في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ الإشارة إلى قوله اقرأ.
... وقال ابن العربي: هذا بديع جدا، ومن المناسبة التي تطلب الحكمة فيها: إيراد الآية تشبه الآية، والقصة تشبه القصة، نحو: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ وفي أخرى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ و ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ والقصص في كل موضع: بلفظ غير الآخر.стр. 124
وعن القراءة المتواترة، المشهورة والآحاد (١) وكَذا: الشَّاذَّةِ فَإنّها تُفسّر المَشهورةِ وتُبيِّن معانيها (٢) . الحواشي
(١) وهي: ما صح سندها ولم تبلغ درجة المتواترة، ولا المشهورة فإنها تفسر معنى الآية وتبين معانيها.(٢) وإن لم يصح سندها نحو: ﴿مَلَك﴾ بصيغة الماضي، ونصب ﴿يَوْمَ﴾ .стр. 125
وإن كان لا تَجوزُ القِراءةُ بالشَّاذةِ إجماعاً (١) . الحواشي
(١) فإنها تعتبر في التفسير، والإيضاح وأما القراءة بها، فحكى ابن عبد البر وغيره: الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذة، وما ذكر موهوب الجزري، من جواز القراءة بها في غير الصلاة، قياسا على رواية الحديث بالمعنى فلا يلتفت إليه.стр. 126
التلاوة (١)
تستحب تلاوة القرآن، على أكمل الأحوال (٢) . الحواشي
(١) أي: ذكر أحكام تلاوة القرآن العزيز، وتحسينها وبيان ما صرف عنه الأكثر، من فهم كتاب الله، والخشوع عند تلاوته، بتكلف المخارج ونحو ذلك وذكر أحكام المصحف.(٢) متطهرا مستقبل القبلة، متحريا أفضل الأوقات، كبعد الفجر، لقوله ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ . قال الشيخ: قراءة القرآن بعد الفجر، أفضل من قراءته آخر النهار، ومتهجدا آخر الليل أفضل لقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ولا بأس بالقراءة في كل حال، قائما، وقاعدا ومضطجعا وراكبا وماشيا، ولا في شيء من الأوقات لمعنى فيه ولا تكره مع حدث أصغر، أو نجاسة بدن، أو ثوب وتكره في المواضع القذرة، والأسواق التي يصيح فيها أهل الأسواق بالنداء، والبيع ويكره الجهر بها مع الجنازة.
... وتحرم مع الجنابة، لخبر: «لا يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة» ، رواه الخمسة، ولفظ الترمذي: «يقرئنا القرآن، ما لم يكن جنبا» ، وقال الشيخ: تحرم باتفاق الأئمة والجمهور آية فصاعدا وعند الشيخ: تباح قراءته للحائض، إذا خافت نسيانه، وقال: بل تجب وله قول: ما وافق قرآنا لم يقصده، ويمنع الكافر من قراءته، وهو أولى من الجنب، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ورجح البغوي وغيره: جواز تعليمه إن رجي
إسلامه.стр. 127
والإكثار منها (١) وهو أفضلُ من سائِرِ الذكرِ (٢) . الحواشي
(١) أي: ويستحب الإكثار من تلاوة القرآن قال تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ وثبت: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار» ، وأنه: يأتي يوم القيامة شفيعا، ومن قرأه وهو ماهر فيه، فهو مع السفرة الكرام، ومن قرأه وهو يتتعتع فيه، وهو عليه شاق، وفي رواية شديد فله أجران، وللترمذي: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها» .(٢) ففي الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي للسائلين» ، وفي الخبر: «فضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه» ، صحح الترمذي وبعضه أفضل من بعض، فما تكلم به في وصف نفسه المقدسة أفضل مما تكلم به في وصف خلقه، وفي الصحيح: «إنه لم ينزل في القرآن، ولا في غيره أفضل من الفاتحة» ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، تعدل ثلث القرآن، وأعظم آية فيه: آية الكرسي،
ويجب منه ما يجب في الصلاة، ويبدأ الصبي وليه به
قبل العلم، ويستحب حفظه إجماعا، وحفظه فرض كفاية إجماعا.стр. 128
والترتيل أفضل من السرعة، مع تبيين الحروفِ (١) وأشدُّ تأثيراً في القلبِ (٢) وينبغي إعطاء الحروف حقها، وترتيبها (٣) وتلطيف النطق بها (٤) . الحواشي
(١) وأما السرعة، مع عدم تبيين الحروف، فتكره، ومن الناس من إذا حدر كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ ومنهم من لا يحسن الحدر والناس في ذلك على ما يخف عليهم، فيستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه، ويخف عليه، فربما تكلف ما يشق عليه فيقطعه عن القراءة، والإكثار منها، ولا خلاف، أن الأفضل الترتيل لمن تساوى في حالته الأمران.(٢) وأجل قدرا، وأقرب إلى الإجلال، والتوقير، بل قراءة آية بتدبر وتفهم خير من قراءة ختمة، بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاة القرآن وقال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ وهكذا كانت قراءته ﷺ والسلف من بعده، حتى إنه ليردد الآية إلى الصباح، وهذا هو أصل صلاح القلب.(٣) حالة النطق بها، ورد الحرف إلى مخرجه، وأصله.(٤) على كمال الهيئة فإن التجويد حلية القراءة، وفي الحديث: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا، كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» ، يعني ابن مسعود، وكان قد أعطي حظا عظيما في حسن الأداء وكما أن الأمة متعبدة بفهم معاني القرآن، وإقامة حدوده فهي متعبدة بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه.стр. 129
من غيرِ إسرافٍ: ولا تَعسُّفٍ، ولا تكلُّفٍ (١) ويُسنُّ تَحسينُ الصَّوتِ (٢) والتَّرَنُّمُ: بِخشوعٍ، وحُضورِ قلبٍ، وتفكر وتفهم (٣) . الحواشي
(١) ولا إفراط في مخارج الحروف ونحوها.(٢) لقوله ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» ، وقوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، وغير ذلك، قال النووي: والذي يتحصل من الأدلة، أن حسن الصوت بالقراءة مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسينه عن حد القراءة، إلى التمطيط المخرج له عن حدوده، وتحسينه من غير مراعاة قوانين النغم مطلوب بلا نزاع، وقال الحافظ: ما كان طبيعة وسجية، كان محمودا، وما كان تكلفا وتصنعا، كان مذمومًا، وهو الذي كرهه السلف.(٣) أي: ويسن الترنم، وهو تحسين الصوت، وفي الخبر: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن» ، وفي رواية حسن الصوت يترنم بالقرآن، ويسن أن يكون بخشوع وحضور قلب، وتفكر، وتفهم فهو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبه ينشرح الصدر، ويستنير القلب، قال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ، وذلك أن يشغل
قلبه في معنى ما يتلوه، سائلا عند آية الرحمة، مستعيذا
عند آية العذاب، مستغنيا بمعانيه، وحكمه عن غيره، من كلام الناس، وإذا سمع شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن فإن شهد له بالتزكية، قبله، وإلا رده، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد، وقفه، وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه ويستحب البكاء عند القراءة، وهي صفة العارفين وشعار الصالحين وقرأ ابن مسعود، على النبي ﷺ فإذا عيناه تذرفان وروي: «فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» ، وطريقه في تحصيل البكاء، أن يتأمل ما يقرأه من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق، والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها فإن لم يحضره حزن وبكاء، فليبك على فقد ذلك، فإنه من المصائب.стр. 130
يُنفِذ اللفظ إلى الأسماعِ، والمعاني إلى القلوبِ (١) قال الشيخُ في زَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصواتِكُمْ هو التحسين، والترنم بخشوع، وحضور قلب (٢) . الحواشي
(١) وهو المراد منه قال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .(٢) أي: قال شيخ الإسلام، في شرحه الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري، وغيره: أنه ﷺ قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» تزيين القرآن بالأصوات، هو: التحسين، أي تزيين الصوت وجعله حسنا، يقال: فلان يحسن القراءة ويتغنى بها، وفي الحديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، ولابن ماجه، عن جابر مرفوعا: «إن من أحسن الناس صوتا: الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله» ، وقال النووي: يستحب طلب القراءة من حسن الصوت، والإصغاء إليها بالاتفاق.стр. 131
لا صرفُ الهِمَّةِ إلى ما حُجِبَ به أكثر الناس، من الوسوسةِ، في خروجِ الحروفِ (١) وترقيقِها وتفخيمِها وإمالتِها (٢) والنّطقِ بالمدِّ الطّويلِ، والقَصيرِ، والمتوسّطِ (٣) وشَغلهِ بالوصل والفصل (٤) . الحواشي
(١) أي: من مواضعها وظهورها وتميزها.(٢) الترقيق: ضد التفخيم، والتفخيم: فتح الشخص فاه بالحرف وتحريك أوساط الكلم بالضم، والكسر، في المواضع المختلف فيها دون إسكانها، والغالب على أهل الحجاز تفخيم الكلام، والإمالة، أن ينحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء.(٣) أي: ولا صرف الهمة بالنطق، بالمد الطويل، وهو عبارة عن زيادة مط في حرف المد، على المد الطبيعي، ولا النطق بالمد القصير، وهو ترك تلك الزيادة ولا صرف الهمة بالمد المتوسط، وحرف المد: الألف مطلقا، والواو الساكنة، المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها.(٤) الذي قد جعله طوائف أصلا كبيرا في الوقف، وذكروا: أن الوقف على ثلاثة أوجه، تام وحسن وقبيح وأن التام: الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده، وأن الحسن هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، واستغرب بعضهم هذه التسمية، وأما الوقف على رءوس الآي فسنة لخبر أم سلمة: أنه ﷺ كان إذا قرأ قطع آية آية.стр. 132
والإضجاعِ والإرجاعِ (١) والتَّطريبِ وغيرِ ذلكَ، مما هو مُفضٍ إلى تغييرِ كتابِ اللهِ (٢) والتَّلاعُبِ بهِ (٣) . الحواشي
(١) الإضجاع في الحركات كالإمالة، والإرجاع، الإعادة والترديد.(٢) أي: وشغل القارئ باله، بالتطريب، وهو الترجيع، والتمديد ونحو ذلك، مما هو مفض إلى تغيير نظم كتاب الله، الذي أمرنا بتدبره، ولأبي داود، عن جابر ﵁، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: اقرءوا فكل حسن وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح ويتعجلونه ولا يتأجلونه» أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة للرياء، والمباهاة، الشهرة والتأكل ويذهب الخشوع قال الذهبي: القراءة المجودة فيها تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة، إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها، بحيث يشغله ذلك، عن تدبر كتاب الله، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة حتى ذكر أنهم ينظرون إلى حفاظ كتاب الله، بعين المقت.(٣) أي: وشغله بذلك، مفض إلى التلاعب بكتاب الله، والتنطع والوسوسة المستكرهة.стр. 133
حائل للقلوب (١) قاطع لها عن فَهمِ مُرادِ الرِّبِّ من كلامِهِ (٢) ومن تأمَّل هدي رسول الله ﷺ (٣) وإقرارَهُ أهل كُلِّ لِسانٍ على قِراءَتِهِم (٤) تبيَّن له: أنَّ التنطّعَ بالوَسوسةِ في إخراجِ الحروف ليس من سنته (٥) . الحواشي
(١) عن مراد الرب من كتابه، وقال ابن رشد: الواجب أن ينزه القرآن عما يؤدي إلى هيئة تنافي الخشوع، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع منه القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق فيما عند الله.
... وقال الشيخ: الثواب، ورفع الدرجات، والأقدار، على قدر معاملة القلوب، وما يحصل عند تلاوته، من وجل القلب، ودمع العين، واقشعرار الجسم، هو أفضل ذلك.(٢) فينزه كلام الله عن ذلك، وأما التغني بما تقتضيه الطبيعة وتسمح به القريحة، من غير تكلف، ولا تمرين، فممدوح بل إذا خلي وطبعه، واسترسلت طبيعته بفضل تزيين، وتحسين حسن، كما قال أبو موسى، لحبرته لك تحبيرا فإن من هاجه الطرب، والحب والشوق، لا يملك من نفسه، دفع التحزين، والتطريب في القراءة، والنفوس تقبله، وتستحليه.(٣) في تلاوة كتاب الله.(٤) مع تباين نطقهم بالأحرف.(٥) قاله: شيخ الإسلام، وغيره.стр. 134
وقال: يُكرَهُ التَّلحين الذي يُشبهُ الغِناءَ (١) واستحبَّ بَعضُهُم القِراءةَ في المُصحَفِ (٢) ويُستحبُّ الخَتمُ كُلَّ أسبوع (٣) . الحواشي
(١) وكرهها أحمد، وقال: هي بدعة وروي أن النبي ﷺ ذكر في أشراط الساعة: أن يتخذ القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم، ولا أفضلهم، إلا ليغنيهم غناء.
وقال الشيخ: الألحان التي كره العلماء قراءة القرآن بها، هي التي تتضمن قصر الحرف الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن، وتسكين المتحرك ونحو ذلك، يفعلون ذلك، لموافقة نغمات الأغاني المطربة، فإن حصل مع ذلك تغيير نظم القرآن، وجعل الحركات حروفا، فهو حرام.(٢) لأن النظر إليه عبادة، وقال النووي: لم أر فيه خلافا، ولعله: ما لم يكن من الحفظ أحضر وأخشع.(٣) أي: ويستحب ختم القرآن كل أسبوع، لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن كل أسبوع، ولا تزد على ذلك» ، وإن قرأه في ثلاث فحسن، لقوله لابن عمرو، وقد قال أجد بي قوة، قال: «اقرأه في ثلاث» ، وللترمذي وصححه، لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، ولا بأس فيما دونه أحيانا، وفي الأزمنة والأمكنة الفاضلة، كرمضان خصوصًا الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، وكمكة، واغتناما للزمان، والمكان، ويتقدر بالنشاط وعدم المشقة، فمن السلف من يختمه في ليلة، ويكره تأخير الختم فوق أربعين بلا عذر، ويحرم إن خاف نسيانه.стр. 135
والدعاء بعده (١) وتحسين كتابة المصحف (٢) . الحواشي
(١) أي: ويستحب الدعاء عند ختم القرآن، وجمع أهله وعياله وكان أنس إذا ختم جمع أهله، وعياله ودعا، وقال الحكم بن عتبة أرسل إلي مجاهد، وعنده ابن أبي أمامة.
وقال: إنا أرسلنا إليك، لأنا أردنا أن نختم القرآن، والدعاء يستجاب عند ختم القرآن، واستحبه أحمد وغيره، ونقله عن عثمان وغيره وللطبراني عن العرباض مرفوعا: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» .
وقال مجاهد: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، ويقول: عنده تنزل الرحمة، وكان بعض السلف يقول: أدركت أهل الخير، من صدر هذه الأمة، يستحبون الختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار، يقولون: إذا ختم أول النهار، صلت عليه الملائكة حتى يمسي وإذا ختم أول الليل، صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وينبغي أن يشرع في أخرى لما روى الترمذي: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل» .(٢) أي ويستحب تحسين كتابة المصحف الشريف، وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط، فروى أبو عبيد عن عمر ﵁ أنه وجد مع رجل مصحفا، قد كتب بقلم دقيق فكره ذلك وضربه، وقال: عظموا كتاب الله وكان إذا رأى مصحفًا
عظيما سر به وكره أن يكتب في الشيء الصغير، وكره علي أن تتخذ المصاحف صغارا.стр. 136
ولا يُخالِفُ خَطَّ مُصحَفِ عُثمانَ في واوٍ، أو ياءٍ، أو ألفٍ أو غيرِ ذلكَ (١) ويحرم على المحدث مسه (٢) . الحواشي
(١) وقاله: أحمد وغيره، وسل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، وقال الدارمي: لا مخالف له من علماء الأمة، وقال البيهقي: من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم كانوا أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم.(٢) أي: ويحرم على المحدث حدثا أكبر، أو أصغر: مس المصحف الشريف من أصحف بالضم، أي: جمعت فيه الصحف، لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: من الجنابة والحدث وقول ابن عباس وغيره: ﴿إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ يعني الملائكة لا ينفي القول الأول، وكتب ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» ، وقال ابن عبد البر: أشبه التواتر، وقال أحمد: لا شك أن النبي ﷺ كتبه له.
... وقال الشيخ: مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، وذكره الوزير، إجماعا، وقال الزركشي: إذا كتب بعض القرآن مفردا عن تفسير وغيره، فإنه لا يجوز للمحدث مسه
وإن لم يسم مصحفا، وسواء حصل المس بيد، أو غيرها من أعضائه بلا حائل، ولو بصدره، اتفاقا.стр. 137
وسفر به لدار حرب (١) ويجب احترامه (٢) . الحواشي
(١) أي: ويحرم سفر بالمصحف لدار حرب، لما في الصحيحين نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لأنه عرضة إلى استيلاء الكفار عليه، واستهانتهم به.(٢) أي: ويجب احترام المصحف، وحيث كتب كلام الله قال النووي: أجمعوا على وجوب صيانة المصحف واحترامه فلو ألقاه والعياذ بالله، في قاذورة كفر، ولكن لو خلف المحدث على المصحف، من حرق أو غرق، أو وقوع نجاسة عليه، أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث، وصرح به الدارمي وغيره بل يجب ذلك صيانة له.
... ويحرم أن يكتب القرآن، بحيث يهان، كأن يكتب ببول حيوان، ونحوه، حكاه الشيخ إجماعًا، وتجب إزالته، وفي الفنون: إن قصد بكتبه بنجاسة إهانته، وجب قتله وكذلك دوسه، وتكره: كتابته على الحيطان والجدران ونحوها: لأنه يوطأ قال عمر بن عبد العزيز: لا تكتبوا القرآن حيث يوطأ ويحرم توسده، واستناد إليه وجلوس عليه إجماعا ويكره: مد رجل إليه إذا لم يقصد إهانته، وإلا حرم وذكر بعضهم أنه يكفر بذلك.
ويكره استدباره، وتخطيه ورميه إلى الأرض بلا وضع، قال الشيخ، وجعله عند القبر منهي عنه، ومذهب الجمهور: أنه يكره تحليته، بذهب أو فضة وجزم الشيخ بالتحريم، ككتب علم، ويكره، استفتاح الفأل فيه، اختاره الشيخ، وحكى ابن العربي تحريمه.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.