Полный текст (137 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أَعجَزَ الفُصحاءَ مَعَ حِرصِهِم على مُعارَضَتِهِ (١) وقَد تحداهم تَعالَى على أن يَأتُوا بِحديثٍ مِثلِهِ أو عشر سور أو سورة (٢) . الحواشي
(١) أي: أعجز القرآن الفصحاء على أن يأتوا بمثله، مع حرصهم علىمعارضته وإطفاء نوره وإخفاء أمره، ولو كان في مقدرتهم معارضته لصالوا بها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه، بشيء من ذلك، ولا رامه بل عدلوا إلى العناد والاستهزاء.(٢) أي: وقد تحدى تعالى العرب، وكانوا أفصح الفصاء ومصاقع الخطباء على أن يأتوا بحديث مثل القرآن كما قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ثم تحداهم بعشر سور منه، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ ثم تحداهم بسورة كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه، على كثرة الخطباء فيهم، والبلغاء، والحرص على المعارضة نادى عليهم بإظهار العجز، وإعجاز القرآن فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .стр. 72
وَذَكَرَ العُلَماءُ وُجوهاً مِن إعجازِهِ، مِنها: أُسلُوبُهُ، وبلاغته (١) وبيانه وفصاحته (٢) . الحواشي
(١) أي: وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، وجوها كثيرة من دلائل إعجازه وما بلغوا عشر معشارها، منها: أسلوبه الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب، مع قوة فصاحتها، من دليل إعجازه أيضا: بلاغته، الخارقة لعادة العرب، الذين هم فرسان الكلام وارباب هذا الشأن وكل واحد من هذين النوعين الأسلوب الغريب بذاته، والبلاغة الخارقة بذاتها نوع إعجاز لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منها، إذ كل واحد منها خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وقال بعضهم الإيجاز مع البلاغة والإيجاز والإطناب من أعظم أنواع البلاغة.(٢) أي: ومن وجوه إعجازه: بديعه الباهر، وبيانه الظاهر الذي هو في أعلى درجات البيان وفصاحته التي هي في الغاية،
القصوى من الفصاحة واستمرارها فيه، من جميع أنحائها في جميعه، استمرارًا ظاهرًا لا يوجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر وبذلك قامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا ارباب الفصاحة ومظنة المعارضة وقال بعضهم: وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب.стр. 73
وحُسنُ تألِيفِهِ (١) وإِخبارُهُ عَنِ الْمُغَيَّباتِ (٢) والرَّوعَةُ في قلوب السامعين وغير ذلك (٣) . الحواشي
(١) أي: ومن وجوه إعجازه: حسن تأليفه ومخالفته لنظم ما عداه والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم ونبه تعالى: على أن تأليفه، ليس على هيئة ما يتعاطاه البشر، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .(٢) أي: ومن وجوه إعجازه أيضا: ما فيه من الإخبار، عن المغيبات المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن العرب، وما تضمنه أيضا من قصص الأولين، وسائر المتقدمين، حكاية من شاهدها، وحضرها وما تضمنه أيضا: من الإخبار عن الضمائر كقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ ، ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وغير ذلك.(٣) أي: وذكر بعضهم من وجوه إعجازه: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، عند سماعه والتأثير في نفوسهم والهيبة التي
تعتريهم عند تلاوته بل لا تستمع كلاما غير القرآن إذا قرع سمعك خلص إلى قلبك من اللذة والحلاوة ما يخلص منه إليه قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ وقال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ .
... ومنها: كون سامعه، لا يمله، وكونه لم يزل، ولا يزال غضا طريا، في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين.
ومنها: جمعه بين الجزالة، والعذوبة كونه آخر الكتب، غنيا عن غيره وذكروا غير ذلك، من وجوه إعجازه، لما اشتمل عليه، من التركيب المعجز، الذي تحدى به الجن والإنس، والمعاني الصحيحة، الكاملة التي هي من أعظم التحدي عند كثير من العلماء.
... وذكر الشيخ، وغيره أن الحروف المقطعة في أوائل السور، إنما ذكرت بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي، والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن، قال ابن كثير: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته.
... قال الشيخ: فالقرآن معجز بلفظه، ونظمه ومعناه وإعجازه
يعلم من طريقين: إجمالي وتفصيلي، أما الإجمالي فهو أنه: قد علم بالتواتر أنه ﷺ ادعى النبوة، وجاء بهذا القرآن وأن في القرآن آيات التحدي، والتعجيز وأخبر: أن جميع الإنس والجن، لو اجتمعوا لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
... وعلم أنهم كانوا يعارضونه، ولم يأتوا بسورة من مثله، وذلك يدل على عجزهم عن معارضته لأن الإرادة الجازمة، لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة وقد علم بالتواتر، أنهم أشد الناس حرصا ورغبة، على إقامة حجة يكذبونه بها قال: وأما الطرق فكثيرة جدا، متنوعة من وجوه، وليس كما يظنه بعض الناس، أن معجزته من جهة صرف الدواعي، عن معارضته أي: حتى إن من ظهور إعجازه مع شدة حرص البلغاء، على إخفاء أمره، أن قال الوليد، وكان أحد رؤساء قريش ويسمى ريحانة قريش، وكانوا سألوه عما يقول في القرآن، قبل أن يفكر ويقدر.
... كما ذكره الله عنه، وكان جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه كما ذكره أهل التفسير وغيرهم فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، ليعطوكه، لئلا تأتي محمدا لتعرض لما عنده، فقال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ
قومك أنك كاره له قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن
والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة والحلو ضد المر، الطيب، اللذيذ المعجب.стр. 74
حتى قال الوليد: إن لقوله لَحَلاوَةٌ وإنَّ عَلَيهِ لَطَلاوَةٌ (١) ومَن تَأَمَّلَ حُسنَهُ، وَبَديعَهُ، وبَيانُهُ، وَوُجوهَ مُخاطَباتِهِ: عَلِمَ أَنَّهُ مُعْجِزٌ من وجوه كثيرة (٢) . الحواشي
(١) أي: حسن، وبهجة وقال: إنه لمثمر أعلاه، أي يجتنيه من هداه الله، مغدق أسفله خصب عذب، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، يعني: أن القرآن ليعلو كل كلام، ولا يعلى عليه من التركيب المعجز وأنه ليحطم ما تحته وأنه لمن كلام الله.(٢) أي: ومن تأمل حسن كلام الله ، وجلاله وفضله، ففي الخبر: أن فضله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه وتأمل بديعه، وهو أنواع كثيرة، منها التمثيل، والتشبيه، والإيجاز والاتساع والإشارة وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى والوعد والتخويف وغير ذلك.
... وتأمل بيانه، وفصاحته ووضوحه، وبلاغته وهي غاية المطلوب، أو غاية الممكن من المعاني، بأتم ما يكون من البيان وتأمل وجوه مخاطباته وقد عدها بعضهم أكثر من ثلاثين وجها، منها: خطاب العام، والمراد به الخصوص وعكسها وخطاب الجنس، والنوع والمدح والذم والتعجيز والتهييج والتحنن، والتحبب وغير ذلك: علم أنه معجز من وجوه كثيرة.
... قال الشيخ: وقد جعل بعضهم الوجوه، وهو اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان، كلفظ الآية، والنظائر وهي الألفاظ المتواطئة من أنواع معجزات القرآن، حيث كانت الكلمة الواحدة، تنصرف إلى عشرين وجها وأكثر وأقل ولا يوجد ذلك في كلام البشر.
... وقال ابن القيم: تأمل خطاب القرآن، تجد ملكا له الملك كله، وله الحمد كله، أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه وموردها إليه، مستويا على العرش، لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عبيده، مطلعا على أسرارهم، وعلانيتهم متفردا بتدبير الممكلة، ويسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي ويقدر ويعفي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
... فتأمل: كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم، وفلاحهم ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه ويحذرهم من نقمته ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
... ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم
أعداءه بسيئ أعمالهم، وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق ويهدي السبيل.
... ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها، وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها، وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غناء لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم غناءه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها، إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته.
... وتشهد من خطابه، عتابه أحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومصلح فسادهم، الدافع عنهم، والحامي عنهم، والناصر لهم والكفيل بمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق وينصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير.
... وذكر غيره وجوها، منها: مواضع نزوله، والناسخ والمنسوخ والعام والخاص، والأمر، والنهي والوعد والوعيد والحدود، والأحكام، والأعذار، والإنذار والحجة، والاحتجاج، والمواعظ، والأمثال.стр. 75
الأمثال (١)
أمثال القرآن: من أعظم علمه (٢) وعدَّه الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته (٣) ضربها الله تذكيرا، ووعظا (٤) وهي: تصور المعاني بصورة الأشخاص (٥) . الحواشي
(١) المثل الشبه ومثل الشيء بالشيء وصفه به، وسواه وشبهه به.(٢) أي: من أعظم علم القرآن، قال الماوردي، والناس في غفلة عنه، لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات، والمثل بلا ممثل، كالفرس بلا لجام.(٣) وقال: ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال، الدوال على طاعته المبينة لاجتناب نواهيه.(٤) مما اشتمل منها على تفاوت في ثواب، أو على مدح، أو ذم ونحوه، وقال غير واحد ضرب الله الأمثال في القرآن، يستفاد منه أمور كثيرة، منها: التذكير والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس.(٥) لأنها أثبت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس، قال إبراهيم: هي تشبيه شيء بشيء، في حكمه وتقريب المعقول
من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر قال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ فامتن تعالى علينا بذلك، لما تضمنه من الفوائد، فإنها تريك المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد، وتؤثر في القلوب، ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه، قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ والأمثال كثيرة في كتاب الله، وهي أقسام، منها: ما هو مصرح به ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ ، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ ، ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ والكامنة كما نقل الماوردي أنها تخرج منها أمثال العرب، نحو: ليس الخبر كالعيان، في نحو ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ والجارية مجرى المثل، نحو ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ﴾ ، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا﴾ الآية: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وغير ذلك.стр. 76
الإقسام (١)
القسم: تَحقيقٌ للخَبَرِ، وتَوكيدٌ لهُ (٢) ولا يَكونُ إلاَّ بمعظم (٣) وهو تعالى: يُقسِمُ بِنَفسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوصُوفَةِ بِصِفاتِهِ (٤) وبِآياتِهِ الْمُستَلزِمةِ لذاته وصفاته (٥) . الحواشي
(١) القسم: اليمين وأقسم بالله حلف به.(٢) والله تعالى ذكر القسم في كتابه، لكمال الحجة، وتأكيدها، وقال ابن القيم: المقسم عليه، يراد بالقسم توكيده، وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه وذلك كالأمور الغائبة، والخفية، إذا أقسم على ثبوتها، فأما الأمور الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار، والسماء والأرض فهذه يقسم بها، ولا يقسم عليها.(٣) أي: بما يعظم المقسم أو يجله ولهذا: نهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله، وقال: «ومن حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك» .(٤) نحو قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ في سبعة مواضع من كتابه.(٥) نحو ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ وهو دليل على أنها من عظيم آياته، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ فما أقسم عليه الرب، فهو من آياته، وهو تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله، وقال ابن القيم: القسم إما على جملة خبرية، وهو الغالب كقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وإما على جملة طلبية كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .стр. 77
تارَةً على التَّوحيدِ (١) وَتارَةً على أنَّ القُرآنَ حَقٌّ (٢) وَتارَةً على أنَّ الرَّسولَ حَقٌّ (٣) وَتارَةً على الجَزاءِ، وَالوَعدِ، والوَعيدِ (٤) وَتارَةً على حالِ الإنسان (٥) . الحواشي
(١) كقوله ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ إلى ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ وعلى أصول الإيمان، التي يجب على الخلق معرفتها، ونحو ذلك.(٢) كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ .(٣) كقوله: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ .(٤) كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ إلى ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ .(٥) كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ إلى ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ إلى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وغيرها.
... وهو سبحانه: يذكر جواب القسم تارة، وهو الغالب ويحذفه أخرى، كما يحذف جواب «لو» كثيرا للعلم به ويختصر فيحذف فعل القسم ويكتفي بالباء، ثم عوض عنه الواو في الأسماء الظاهرة، والتاء في اسم الله، وأكثر ما يحذف الجواب: إذا كان في نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه، نحو ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ .стр. 78
والقسم: إما ظاهر، وَإِمَّا مُضمَرٌ (١) وَهُوَ قِسمان: قِسمٌ دَلَّت عَلَيهِ اللاَّم نَحوُ ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ (٢) وَقِسمٌ دَلَّ عليهِ الْمَعنَى نحو ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ (٣) . الحواشي
(١) فالظاهرة نحو: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وإما أن يكون القسم مضمرا كما مثل.(٢) ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ فاللام موطئة للقسم ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ونحو ذلك.(٣) وتقدير القسم ﴿و﴾ الله ﴿إِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ونحو ذلك.стр. 79
الخبر والإنشاء (١)
الكلام نوعان: خبر وإنشاء (٢) والخبر: دائر بين النفي والإثبات (٣) . الحواشي
(١) الخبر لغة وعرفا: ما ينقل عن الغير، وأنشأ ابتدأ حديثا وهو من أفعال الشروع.(٢) لأن الكلام: إما أن يدخله التصديق، أو التكذيب، أو لا، فالأول: الخبر، والثاني، قيل: إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء وإن لم يقترن بل تأخر عنه فهو الطلب والمحققون على دخول الطلب في الإنشاء، وحذاق النحاة وأهل البيان: على انحصار الكلام في النفي والإثبات وإن ادعى قوم أكثر منهما.(٣) والنفي: هو شطر الكلام كله، والفرق بينه وبين الجحد أن النافي إن كان صادقا سمي كلامه نفيا، وإن كان كاذبا سمي جحدا ونفيا أيضا، نحو ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وأصل أدوات النفي لا، وما والإثبات نحو ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ .
... ونفي العام، يدخل على نفي الخاص، وثبوته لا يدل على
ثبوته، وثبوت الخاص: يدل على ثبوت العام، ونفيه، لا يدل على نفيه، ونفي العام، أحسن من نفي الخاص، وإثبات الخاص: أحسن من إثبات العام، والأول كقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ لم يقل بضوئهم والثاني كقوله ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ ولم يقل طولها لأن العرض أخص.стр. 80
والإنشاء: أمر، أو نهي، أو إباحة (١) والخبر: يدخله التصديق والتكذيب (٢) . الحواشي
(١) أي: ومن أقسام الإنشاء، الأمر؛ وهو: طلب فعل غير كف، وصيغته افعل ولتفعل، وهي حقيقة في الإيجاب نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ومن أقسامه: النهي، وهو: طلب الكف عن فعل وصيغته لا تفعل وهو حقيقة في التحريم، ويرد بمعنى الكراهة، وبمعنى الإرشاد والتسوية والتقليل وغير ذلك والإباحة نحو ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ومن أقسام الإنشاء: الاستفهام وأشهر أدواته، الهمزة ومن أقسامه التمني والترجي والنداء والقسم وغير ذلك.(٢) وقيل الإنشاء: ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه، والقصد به: إفادة المخاطب، وخبر الله لا يكون إلا صدقا وكلامه لا يكون إلا صدقا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ .стр. 81
والإخبارُ: إِمَّا إِخبارٌ عَن الخالِقِ، وإِمّا إخبارٌ عَن الْمَخلوقِ، فالإخبار عَنِ الخالِقِ: هُوَ التَّوحيدُ، وما يَتَضَمَّنُهُ مِن أسماءِ اللهِ وَصِفاتِهِ، وَالإخبارُ عَنْ الْمَخلوقِ: هُوَ القَصَصُ (١) وهُوَ الخَبَرُ عَمَّا كان، وما يكون (٢) ويدخل فيه الخبر عن الرسل وأممهم ومن كذبهم (٣) والإخبار عن الجنة، والنار، والثواب، والعقاب (٤) . الحواشي
(١) والله تعالى: قص علينا في كتابه العزيز، حتى قيل: إنه ثلث القرآن.(٢) أي: عما كان مما مضى تكوينه قبل وجودنا وما يكون في الحياة الدنيا وفي الآخرة.(٣) في غير موضع من كتابه، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم، وما يثني ذكره من القصص ليس المقصود بها أن تكون مكررة بل المقصود بها: أن تكون عبرا كما قال: ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ وليس من التكرار في شيء.(٤) عن الجنة، وما أعد فيها من النعيم، وعن النار، وما أعد فيها من العذاب، وعن الثواب لمن أطاعه، والعقاب لمن عصاه، ولا ريب أنه سبحانه بين في القرآن، كل ما يحتاج إليه في أصول الدين، قرر فيه التوحيد، والنبوة والمعاد بالبراهين، التي لا ينتهي إلى تحقيقها نظر، واحتج فيه بالأمثال الصمدية التي هي المقاييس العقلية، المفيدة لليقين، وإما بالآيات المشهودة من عقوبات مكذبي الرسل، ومن عصاهم ومن نصر الرسل
وأتباعهم على الوجه الذي وقع وما وقع من إكرام الله لأهل طاعته، وجعل العاقبة لهم وانتقامه من أهل معصيته، وجعل الدائرة عليهم لا بمجرد الخبر، كما يظنه طوائف من أهل الكلام بل قرر أمور الآخرة، وضرب الأمثال حتى كأنه مشاهد.стр. 82
طرق التفسير (١)
أصح طرق التفسير، أن يفسر القرآن (٢) فَما أُجمِلََ فِي مَكانٍ، فَإنَّهُ قَد فُسِّرَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ، وَما اُختُصِرَ فِي مَكانٍ، فَقَد بُسِطَ في مَوضِعٍ آخَرَ (٣) فَإنْ لَم تجده فبالسنة (٤) . الحواشي
(١) أي: بيان طرق تفسير القرآن، وأوجه التفسير، وغير ذلك.(٢) قاله الشيخ وغيره، وقالوا أيضا: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن.(٣) وصنف ابن الجوزي، كتابا فيما أجمل من القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه.
والمجمل لغة: المجموع أو المبهم واصطلاحا ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء، وقيل: هو ما لم تتضح دلالته ومنه، الاشتراك نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ و ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾
والحذف: نحو ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ واحتمال اللفظ والاستئناف وغرابة اللفظ وغير ذلك وحكمه: التوقف على البيان الخارجي.(٤) أي: فإن لم تجد تفسير القرآن، فطريقة تفسيره، بالسنة التي رواها الثقات، عن رسول الله ﷺ ففي السنن «لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي فضرب في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي رسول الله ﷺ » .
... ويجب الحذر من رواية الضعفاء، والوضاعين، فإنه كثير، ولهذا قال أحمد: ثلاث كتب لا أصل لها، المغازي والملاحم، والتفسير ومراده، أن الغالب ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم، بالشرك والحساب اليسير بالعرض، وغير ذلك وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .стр. 83
فإنها شارحة للقرآن وموضحة له (١) . الحواشي
(١) قاله الشيخ: وغيره، وقال يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا، وقال: اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عن مجمله وأنها تفسر مجمل القرآن، من الأمر والخبر.
... وقال ابن القيم: تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفا مفصلا وتقرب المراد منه، وتدفع عنه الاحتمالات وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول ﷺ بين ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه
ومعانيه بلاغا مبينا، حصل به العلم اليقني، بلاغا أقام الحجة، وقطع المعذرة، وأوجب العلم، وبينه أحسن البيان، وأوضحه وقال: إنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات، ورثة الأنبياء عن رسول الله ﷺ ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة، والتابعون أئمة الهدى.стр. 84
فَإنْ لم تَجِدهُ فَارجِعْ إِلى أَقوالِ الصَّحابَةِ (١) فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه (٢) . الحواشي
(١) أي: فإن لم تجد تفسير القرآن، فيما تقدم، فارجع إلى أقوال الصحابة ﵃، فقد أخذوا القرآن عن رسول الله ﷺ ألفاظه ومعانيه.
... قال ابن القيم: بل كانت عنايتهم، بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ، يأخذون المعاني أولا، ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني، حتى لا تشذ عنهم، قال عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانا، فنقل معاني القرآن عنهم، كنقل ألفاظه سواء.(٢) أي: فإن الصحابة ﵃، أدرى بمعاني القرآن، لما شاهدوه من التنزيل، والقرائن، والأحوال التي اختصوا بها.
... قال ابن القيم: سمعوا من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده، ودعوته، ما يوجب فهم ما أراد بكلامه، ما يتعذر على من بعدهم
مساواتهم فيه، فليس من سمع وعلم، ورأى حال المتكلم كمن كان غائبا لم ير، ولم يسمع وعلم بواسطة ووسائط.стр. 85
ولِما لَهُم مِن الفَهمِ التَّامِّ، والعِلمِ الصَّحيحِ (١) . لا سيما الحواشي
(١) قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه، وحفظه فالرجوع إليهم متعين قال أحمد: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وقد شهد لهم فقال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ... » .
... وقال البخاري: كانوا إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ولم يكن بينهم رأي، ولا قياس ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين قوم يقرءون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم، ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في علوم أخر، وصنعة اصطلاحية.
... بل كان القرآن عندهم: هو العلم، الذي يعتنون به، حفظا وفهما وعملا وتفقها وكانوا أحرص الناس على ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، وهو يعلم تأويله ويبلغهم إياه كما يبلغهم لفظه فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غير ذلك، ومن الممتنع أن لا تحرك نفوسهم لمعرفته، ومن الممتنع أن لا يعلمهم إياه، وهم أحرص الناس على كل سبب ينال به العلم والهدى، وهو أحرص الناس على تعليمهم وهدايتهم.
... وقال ابن القيم: وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم، كان الرجوع إليهم في ذلك، دون غيرهم متعينا
قطعا وأن الرجوع إليهم في تفسير القرآن هو الطريق المستقيم.стр. 86
كبراؤهم كالخلفاء الرَّاشدينَ (١) والأَئمَّةُ الْمَهديينَ، كَابنِ مَسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ (٢) ، الحواشي
(١) أي: لا سيما كبراء الصحابة كالخلفاء الراشدين، المنوه بذكرهم في قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ» ، وأكثر من روى عنه منهم، علي حتى إنه قال: سلوني عن كتاب الله فما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل وقال: وقد علمت فيما أنزلت.(٢) أي: ولا سيما أيضا، الأئمة المهديين، كعبد الله بن مسعود الذي يقول: ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا، لأتيته وقال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن.
... وكترجمان القرآن عبد الله بن عباس الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» ، وقال فيه ابن مسعود: نعم الترجمان للقرآن وتوفي ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة ومنهم ابن أبي كعب وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأنس وأبو
هريرة وجابر وغيرهم.
... ونص أحمد: على أنه يرجع إلى الواحد من الصحابة في تفسر القرآن ما لم يخالفه غيره منهم، وطائفة من أهل الحديث: يجعلون تفسيره في حكم الحديث المرفوع قال الحاكم: تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع، والبخاري: يدخل قول الصحابي، نزلت هذه الآية في كذا، في المسند، وغيره لا يدخله فيه بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه، فكل العلماء: يدخلون مثله في المسند، وما فسروه من حيث اللغة، فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه.стр. 87
وإِذا لَم تَجِدْهُ فَقَدْ رَجَعَ كَثيرٌ مِن الأَئمَّةِ في ذلكَ إِلى أَقوالِ التّابعينَ (١) كَمُجاهدٍ، وسعيد بن جبير (٢) . الحواشي
(١) أي: وإذا لم تجد معاني القرآن في القرآن، لا فيما رواه الثقات، عن الرسول ﷺ ولا فيما قاله الصحابة ﵃، فقد رجع كثير من الأئمة الأربعة، وغيرهم في تفسير القرآن، إلى أقوال التابعين أئمة الهدى وهم تلقوا التفسير عن الصحابة، وقال ﷺ : «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» فكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع، والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر.(٢) وكان مجاهد بن جبر المكي، مولى ابن مخزوم، آية في التفسير، وقال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، أسأله عنها فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟ وكيف معناها؟ وقال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدا، يسأل ابن عباس، عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله، وقال سفيان: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، واعتمده البخاري وغيره في التفسير.
... وكان سعيد بن جبير: أعلم التابعين بالتفسير، قال قتادة كان أعلم التابعين أربعة؛ وكان سعيد بن جبير: أعلمهم بالتفسير، وقال سفيان: خذوا التفسير عن أربعة عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك.стр. 88
وعِكرِمَةَ وعَطاءٍ (١) والحَسَنِ ومَسروقٍ، وسَعيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ (٢) . الحواشي
(١) قال عكرمة، كل شيء أحدثكم به في القرآن، فهو عن ابن عباس، وعطاء أيضا ممن أخذ عن ابن عباس.
... وقال شيخ الإسلام: أعلم الناس بالتفسير، أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم.(٢) والحسن البصري، وعطاء بن أبي سلمة الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي العالية، والضحاك، وعطية العوفي وقتادة وزيد بن أسلم، ومرة الهمداني، وأبي مالك وغيرهم وغالب أقوالهم تلقوها من الصحابة ﵃، وقال أحمد ⦗١١٣⦘ لا يكاد يجيء شيء عنهم إلا ويوجد فيه شيء عن أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال الشيخ أيضًا: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء، وعكرمة، وكطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وكذا أهل الكوفة، من أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وابن وهب، وذكر أيضا: من لهم لسان صدق في الأمة مثل سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وعلقمة، والأسود والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم من التابعين.
وقال: السلف محتاجون لشيئين معرفة ما أراد الله ورسوله بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ فإن الرسول ﷺ لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا به حروفه.стр. 89
وَكَمالكٍ والثَّوريِّ، والأَوزاعيِّ والحَمَّادَينِ، وأَبي حَنيفَةَ، وغَيرِهِم من تابعي التابعين (١) . الحواشي
(١) فهم تلقوا معانيه عن التابعين، عن الصحابة، وأثنى عليهم رسول الله ﷺ فقال: «خير القرون: قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ، والناس محتاجون لمعرفة معاني ألفاظ القرآن
عنهم، وهم الواسطة بين التابعين وأتباع تابعي التابعين.стр. 90
وكَالشَّافِعي وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبيدٍ، وأَمثالِهِم مِن أتباع تابعي التابعين (١) .
قَالَ الشَّيخُ: وقَد يَقَعُ في عِباراتِهِم تَبايُنٌ، في الأَلفاظِ يَحسَبُها مَن لا عِلمَ عِندَهُ اختِلافاً، وليسَ كَذلكَ (٢) فإنَّ مِنهُم مَن يُعَبِّر عَن الشَّيءِ بِلازِمِهِ، أَو نَظيرِهِ ومِنهُم مَن ينص على الشيء بعينه (٣) . الحواشي
(١) فهم أئمة هدى وداخلون في المثنى عليهم، والمسلمون: محتاجون لأخذ معاني القرآن عنهم، وعن غيرهم من أئمة المسلمين وبهم حفظت الشريعة المطهرة.(٢) أي: وليس التباين في الألفاظ، من تفاسير السلف، اختلافًا.(٣) قال: الكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، وقال أيضًا: بعد أن ذكر أن النبي ﷺ بين لهم ألفاظه ومعانيه، ولهذا كان النزاع بين الصحابة، في تفسر القرآن قليل جدا، وهو وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، ومن التابعين من تلقى جميع التفاسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال.
... والخلاف بين السلف قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد، بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى، غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى كتفسيرهم ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بعض بالقرآن أي: اتباعه وبعض بالإسلام فالقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن: كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ: صراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة وقول من قال هو طريق العبودية وقول من قال هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
... الثاني: أن يذكر كل منهم، من الاسم العام، بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه مثاله ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ الآية، فمعلوم: أن الظالم لنفسه، يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات، وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات.
... فالمقتصدون أصحاب اليمين، والسابقون السابقون، أولئك المقربون، ثم كل منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار، ويقول: السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم: مانع الزكاة، قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة، لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، وهو الغالب، في تفسير سلف الأمة، الذي يظن أنه مختلف.
... ومن التنازع الموجود عنهم، ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين، كلفظ: ﴿عَسْعَسَ﴾ الذي يراد به إقبال الليل، وإدباره وإما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ الآية، وكلفظ: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ وأشباه ذلك فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني، التي قالها السلف وقد لا يجوز ذلك، فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك، يجوز أن يراد به معناه، وإما لكون اللفظ متواطئًا فيكون عامًا إذا لم يكن لمخصصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان، كان من الصنف الثاني.
... ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم ﴿تُبْسَلَ﴾ بتحبس وبعضهم: ترتهن لأن كلا منهما قريب من الآخر.стр. 91
ويرجع إلى لغة القرآن (١) . الحواشي
(١) أي: ويرجع فيما احتمل معان، ووقع في عباراتهم تباين إلى
لغة القرآن في ذلك، فإن اللفظ في القرآن، يكون له نظائر، يعرف معناه، باطراد ذلك المعنى، في تلك النظائر، وعموم المعنى لموارد استعمال ذلك اللفظ، ولهذا تسمى تلك الألفاظ النظائر، وفيها صنف ابن الجوزي، وغيره: كتب الوجوه والنظائر فالوجوه: الألفاظ المشتركة والنظائر: الألفاظ المتواطئة، الوجوه فيما اتفق لفظه واختلف معناه، والنظائر: فيما اتفق لفظه ومعناه.стр. 92
أَو السَّنَّةِ أَو لُغَةِ العَرَبِ (١) ومَن تَكَلَّمَ بِما يَعْلَمُ مِن ذلكَ، لغة وشرعا فلا حرج عليه (٢) . الحواشي
(١) أي: ويرجع في تفسير القرآن فيما احتمل معان، ووقع في عبارات السلف فيه تباين: إلى لغة السنة في ذلك، أو يرجع إلى لغة العرب، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، ونص عليه أحمد، وغيره، قال مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله، إذا لم يكن عالما بلغة العرب، وقال مالك: لا أوتي برجل، غير عالم بلغة العرب، يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا فيجوز الرجوع إلى اللغة، لأن بها يعرف شرح الألفاظ، ومدلولاتها واستعمالها بحسب الوضع.(٢) أي: ومن تكلم بما يعلم، من مقتضى لغة القرآن، والسنة ولغة العرب، وبالمقتضى من قوة الشرع، فلا حرج عليه في ذلك، وذلك هو: ما دعا به النبي ﷺ لابن عباس حيث قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ، وهو الذي عناه علي بقوله: إلا فهمًا يؤتاه رجل في القرآن وقد تعبدنا تعالى بتدبر
كتابه وتفهمه واستنباط الأحكام منه وقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ .стр. 93
الحواشي
(١) من غير لغة ولا نقل ولا معرفة لأصول العلم وفروعه، قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ولأبي داود وغيره: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» ، وله أيضًا: «من قال في القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار» .
... ومن أعظم الغلط في كلام الله، وكلام رسوله، أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث فيريد أن يفسر كلام الله، وكلام رسوله، بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها لا بمقتضى اللغة.стр. 94
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: التَّفسيرُ على أَربَعَةِ أَوجُهٍ (١) وَجهٌ: تَعرِفُهُ العَرَبُ مِن كَلامِها (٢) وتَفسيرٌ لا يعذر أحد بجهالته (٣) وتفسير: يعلمه العلماء (٤) . الحواشي
(١) هذا الأثر: رواه ابن جرير، وغيره، عن ابن عباس: من طرق، وروي مرفوعا: بسند ضعيف، بلفظ أنزل القرآن
على أربعة أحرف، حلال وحرام، لا يعذر أحد بجهالته،
وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله.(٢) وهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك اللغة والإعراب أما اللغة: فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى، وجب عليه تعلمه، ليصل به إلى معرفة الحكم، وإلا فلا لوصوله إلى المقصود
بدونه.(٣) وهو ما يتبادر معناه إلى الأفهام، من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ﴾ وأن مقتضى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونحوه: طلب إيجاد المأمور به فما كان من نحو هذا، فلا يعذر أحد بجهله بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل
أحد.(٤) وهو: استنباط الأحكام، وبيان المجمل وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فيرجع في ذلك إلى
اجتهادهم وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي، وإذا كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي.стр. 95
وتفسير: لا يعلمه إلا الله (١) . الحواشي
(١) وهو ما يجري مجرى الغيوب، وهو نحو ما تقدم في المتشابه، الذي لا يعلمه إلا الله، كأشراط الساعة، وأما عدم وصول بعضهم إلى فهم المراد باللفظ فتارة يكون بسبب استعمال لفظ غريب، أو لعدم تمييز المنسوخ، أو معرفة أسباب النزول، أو حذف المضاف، أو الموصوف، أو غيرها، أو إبدال شيء مكان شيء أو حرف بحرف، أو اسم باسم أو فعل بفعل، أو ذكر الجمع موضع المفرد أو بالعكس وغير ذلك مما ينبغي الاطلاع عليه.стр. 96
التفاسير (١)
أَحسَنُ التَّفاسيرِ، مِثلُ تَفسيرُ عَبدِ الرَّزَّاقِ (٢) وَوَكيعٍ، وعبد بن حميد ودحيم (٣) . الحواشي
(١) أي: بيان ذكر بعض التفاسير المقبولة، كتفاسير أئمة الإسلام؛ والمردودة كتفاسير أهل البدع.(٢) أي: أحسن التفاسير التي لا يكاد يوجد فيها الخطأ لا من جهة الدليل ولا من جهة الاستدلال، مثل تفسير عبد الرزاق بن همام، بن نافع الصنعاني، الحافظ الحميري مولاهم.(٣) أي: وأحسن التفاسير، مثل تفسير وكيع بن الجراح، الرواسي، أبي سفيان الحافظ الكوفي، روي عنه أحمد وطبقته، من كبار تابعي التابعين، قال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظ منه، مات سنة مائة وسبع وتسعين.
... وعبد -بغير إضافة- بن حميد بن نصر -الكسي -مدينة قرب سمرقند- قيل اسمه عبد الحميد، ثقة حافظ مات سنة
مائتين وتسع وأربعين له مسند كبير وتفسير مشهور،
ودحيم، هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو، العثماني
مولاهم الدمشقي الحافظ المتوفى سنة مائتين وخمس وأربعين وله خمس وسبعون.стр. 97
وتَفسيرُ أَحمدَ، وإِسحاقَ (١) وبَقِيِّ بنِ مَخلَدٍ وابنِ المنذر (٢) وسفيان بن عيينة وسنيد (٣) . الحواشي
(١) أحمد هو الإمام أحمد بن حنبل الشيباني العالم الرباني، ناصر السنة وقامع البدعة، ولد ببغداد وطاف البلاد له المسند والتفسير، وغيرهما توفي سنة مائتين وإحدى وأربعين.
... وإسحاق هو ابن إبراهيم بن مخلد التميمي النيسابوري المعروف بابن راهويه، أحد أئمة التفسير توفي سنة مائتين وتسع وثلاثين.(٢) بقي بن مخلد هو الأندلسي القرطبي الحافظ المفسر له تفسر قال ابن بشكوال: لم يؤلف مثله في الإسلام مات سنة مائتين وست وسبعين.
وابن المنذر هو: محمد بن إبراهيم النيسابوري، الإمام المشهور، صاحب التصانيف المتوفى سنة ثلاث مائة وتسع عشرة.(٣) سفيان بن عيينة هو ابن أبي عمران ميمون الهلالي كوفي ثم مكي ثقة حافظ مشهور في التفسير، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وكذا سفيان بن سعيد، بن مسروق الثوري وسنيد وهو: حسين بن داود المصيصي إمام مشهور مات سنة مائتين وست وعشرين، ومثل تفسير شعبة ويزيد بن هارون، وابن أبي إياس، وروح بن عبادة وابن أبي شيبة وغيرهم، جمعوا فيها أقوال الصحابة والتابعين.стр. 98
وتَفسيرُ ابنِ جَريرٍ، وابنِ أبي حاتمٍ (١) وأَبي سَعيدٍ الأَشجِّ، وابنِ ماجةَ (٢) وابنِ مَردَوَيهِ، والبَغَويِّ، وابن كثير (٣) . الحواشي
(١) أي: ومثل تفسير ابن جرير، الإمام الحافظ، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، صاحب التفسير المشهور، وغيره، قال النووي: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله، توفي سنة ثلاثمائة وعشرة، وابن أبي حاتم، وهو عبد الرحمن بن محمد، بن إدريس الحنظلي له التفسير وغيره مات سنة ثلاثمائة وسبع وعشرون، ومثل تفسير شعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وغيرهم.(٢) أبو سعيد هو عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي، إمام أهل زمانه كوفي ثقة أخذ عنه ابن جرير وغيره مات سنة سبع وخمسين ومائتين.
... وابن ماجه هو محمد بن يزيد الربعي، مولاهم أبو عبد الله بن ماجه القزويني الحافظ صاحب السنة وغيرها توفي سنة مائتين وثلاث وسبعين.(٣) ابن مردويه، هو أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني الحافظ له كتب منها التفسير وغيره، توفي سنة إحدى وأربعمائة والبغوي هو الإمام الجليل محيي السنة أبو محمد الحسين بن سعيد الفراء، المتوفى سنة خمسمائة، وست عشرة قال الشيخ: تفسير البغوي، مختصر من تفسير الثعلبي، لكنه صان تفسيره، عن الأحاديث الموضوعة، والآراء المبتدعة.
وابن كثير هو الحافظ عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن كثير القرشي، الدمشقي، المتوفى سنة سبعمائة، وأربع وسبعين وشيخه: شيخ الإسلام، والمزي، وغيرهما من أهل التحقيق، ولا ريب: أن الأكباب على كتب أهل السنة الذين لا تروج عليهم أحداث المحدثين، وتأويلات الجاهلين، وعلى تفاسيرهم وسيلة إلى سلوك سبيلهم.
... وقال ابن رجب: في زماننا تتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم، إلى زمن الشافعي، وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة وحدث من انتسب إلى متابعة السنة، والحديث من الظاهرية، ونحوهم وهم أشد مخالفة لها لشذوذهم عن الأمة وانفرادهم عنهم بفهم يفهمه، أو مأخذ لم تأخذ به الأمة من قبل، وأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين والفلاسفة فشر محض.стр. 99
وَحَدَثَ طَوائِفٌ مِن أَهلِ البِدَعِ (١) تَأوَّلوا كَلامَ الله على آرائهم (٢) . الحواشي
(١) قال: وهم نوعان، عالم بالحق يتعمد خلافه، يبتدع ما يخالف كتاب الله، ويقول: هو من عند الله، إما أحاديث مفتريات وإما تفسير وتأويل للنصوص باطل، وإما أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، تلاوة غير عارفين بمعناه.(٢) قال: قد أخطئوا في الدليل والمدلول حيث اعتقدوا مذهبا يخالف الحق، الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على
ضلالة كسلف الأمة وأئمتها، عمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم واستخرجوا التأويلات المستكرهة، التي هي بالألغاز أشبه منها بالبيان.стр. 100
تارة يَستَدِلُّونَ بِآياتِ اللهِ على مَذهَبِهِم (١) وَتارَةً يَتَأوَّلونَ ما يخالف مذهبهم (٢) كالخوارج والرافضة، الجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم (٣) . الحواشي
(١) ولا دلالة فيها بل يتعسفون بكل طريق، حتى يجعلوا القرآن تبعا لمذاهبهم وتقوية لقول أئمتهم.(٢) بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، والمبتدع: ليس له قصد إلا تحريف الآيات، وتسويتها على مذهبه الفاسد، بحيث أنه متى لاح له شاذة من بعيد اقتنصها أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه.(٣) وقل في تفاسيرهم: تفسير ما بعث الله به رسله، بل غالب ما فيها حق ملبوس بباطل، وقل من يتصور مرادهم ولما ذكر ابن القيم الاستدلال على معاني القرآن بما جاء عن الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين قال: وهذا خير مما أخذ عن أئمة الضلال، وشيوخ التجهم والاعتزال، كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم.
... وقال: أفيجوز الرجوع إلى تحريفات جهم، وشيعته وتأويلات العلاف، والنظام، والجبائي، والمريسي، وعبد الجبار، وأتباعهم من أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان؟
... وقال الطبري: من شرط المفسر صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى ولأنه لا يؤمن أن يكون متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة، ويغري الناس بليه وخداعه كدأب الباطنية وغلاة الرافضة.
... وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه، على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه إيضاح الساكن ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.
... وقال التفتازاني: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنة، لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك: نفي الشريعة بالكلية.стр. 101
قال الشيخ: وأعظمهم جدالاً المعتزلة (١) . الحواشي
(١) ولهم عبارات مزخرفة تتضمن الداء العضال، قال: وكثير من المتأخرين غلب عليهم مذهب الأشاعرة، الذي حاصله نفي العلو وتأويل الآيات بالتأويلات الموروثة عن بشر، وأضرابه وبعضهم يذكر ما عليه السلف، وما عليه المتكلمون ويختاره ويقرره ولا خير في تكبير حجم تفسير بمذهب أهل البدع.стр. 102
وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم (١) ومثل تَفسيرِ ابنِ كَيسانَ الأَصَمِّ والجُبَّائِيِّ (٢) وعَبدُ الجَبَّارِ الهمداني، والرماني والكشاف (٣) . الحواشي
(١) فصنفت الرافضة وتأولت آيات من كتاب الله على مذهبها كما يأتي وكذا الجهمية تأولت آيات الصفات والأسماء، وأنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات، ولا معاني والمعتزلة كما تقدم عنهم، والقدرية كنفيهم علم الله بما هو كائن، وكذا غيرهم من أهل البدع.
... قال الشيخ: وتأويلاتهم هي بعينها التأويلات، التي ذكرها بشر المريسي، وأضرابه، وقد أجمع أئمة الهدى على ذمهم وأكثرهم كفروهم وضللوهم.(٢) ابن كيسان، هو محمد بن أحمد المعروف بابن كيسان، له كتب منها: معاني القرآن وتوفي سنة مائتين وتسع وتسعين والجبائي هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية مات سنة ثلاث وثلاث مائة.(٣) عبد الجبار هو ابن أحمد بن عبد الجبار شيخ المعتزلة في عصره له تنزيه القرآن عن المطاعن والرماني هو: علي بن عيسى النحوي البغدادي له كتاب التفسير وغيره توفي سنة ثلاثمائة، وأربع وسبعين، والكشاف للزمخشري محمود بن عمر الخوارزمي المتوفى سنة خمسمائة وثمان وثلاثين وأشهر كتبه الكشاف في تفسير القرآن.стр. 103
ووافقهم متأخرو الشِّيعَةِ، كالمفيدِ، وأبي جَعفَرِ الطُّوسيِّ (١) اعتقَدوا رَأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه (٢) . الحواشي
(١) أي: ووافق المعتزلة، متأخرو الشيعة، وصنفوا تفاسير على أصول مذهبهم وتأولوا آيات الصفات، وحرفوها عن مواضعها، وألحدوا فيها والمفيد هو محمد بن النعمان رئيس الإمامية في وقته، له مصنفات منها: الكلام في وجوه إعجاز القرآن توفي سنة أربعمائة وثلاث عشرة وأبو جعفر الطوسي هو: محمد بن الحسن بن علي، من أكابر فقهاء الشيعة، له التبيان الجامع لعلوم القرآن المتوفى سنة أربعمائة وستين.(٢) وذكر أيضًا: أنهم ابتدعوا ألفاظا ومعاني، وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة فما أمكنهم أن يتأولوه على قولهم، تأولوه وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أريد بها فجعلوا بدعتهم أصلا محكما وما جاء به الرسول ﷺ فرعا له ومشكلا إذا لم يوافقه.
... والواجب: أن يجعل ما أنزل الله من الكتاب، والحكمة أصلا ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، قال: وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة، إلا وبطلانه يظهر، من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين، من العلم بفساد قولهم، ومن العلم بفساد ما فسروا به القرآن.стр. 104
ومِنهم حسنُ العبارةِ، يَدُسُّ البِدَعَ في كَلامِهِ، كَصاحبِ الكَشَّافِ (١) حتَّى إِنَّهُ يَروجُ على خَلقٍ
كثير (٢) . الحواشي
(١) أي: ومن أهل البدع، من يكون حسن العبارة، فصيحا، ويدس البدع في كلامه، كما يدس البدع، وغيرها، صاحب الكشاف، يعني: الزمخشري ونحوه وأكثر الناس لا يعلمون.(٢) ممن لا يعتقد الباطل، من تفاسيرهم الباطلة، قال ولسبب تطرفهم، وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم، فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة، والقرامطة، والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ هما أبو بكر وعمر ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ هي: عائشة ﴿قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ طلحة والزبير ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ الحسن والحسين ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ علي.
... قال: ومما يقاربه من بعض الوجوه، ما يذكره كثير من المفسرين مثل قوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ رسول الله ﴿الصَّادِقِينَ﴾ أبو بكر و ﴿الْقَانِتِينَ﴾ عمر، و ﴿الْمُنْفِقِينَ﴾ عثمان و ﴿الْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ علي، وأمثال هذه الخرافات، التي تتضمن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال.
... وتارة جعل اللفظ المطلق العام، منحصرا في شخص واحد نحو ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أريد بها علي
وحده ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك.стр. 105
وذَكَرَ: أنَّ تَفسيرَ ابنِ عَطِيَّةَ وأَمثالِهِ (١) وَإن كانَ أَسلَمَ مِن تَفسيرِ الزَّمخشَريِّ (٢) لَكِنَّه يَذكُرُ ما يزعم أنه من قول المحققين (٣) . الحواشي
(١) أي: وذكر شيخ الإسلام، أن تفسير ابن عطية، عبد الحق بن غالب بن عبد الرحيم، الغرناطي صاحب المحرر، والوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وأمثاله من أهل البدع.(٢) وأتبع للسنة والجماعة قال البلقيني، في تفسير الزمخشري، استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش، من قوله، في تفسير: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ وأي فوز أعظم من دخول الجنة، أشار به إلى عدم الرؤية، والملحد فلا تسأل عن كفره، وإلحاده في آيات الله، وافترائه على الله ما لم يقل، وذكر قول الرافضة في: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وغيره، ثم قال: وعلى هذا وأمثاله يحمل خبر: «إن في أمتي قومًا يقرءون القرآن، ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله» .(٣) ولو ذكر كلام السلف، الموجود في التفاسير، المأثور عنهم على وجهه، لكان أحسن، وأجمل فإنه كثير ما ينقل من تفسير محمد ابن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير، وأعظمها قدرا ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف، لا يحكيه بحال ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين.стр. 106
وإنما يَعني طائِفةٌ مِن أهلِ الكلامِ، الذين قَرَّروا أُصولَهُم بِطُرُقٍ، مِن جِنسِ ما قَرَّرت به المعتزلة (١) وذكر الذين أخطئوا في الدَّليلِ، مِثلَ كَثيرٍ مِن الصّوفيَّةِ، والوُعَّاظِ، والفقهاء، وغيرهم، يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القُرآن لا يَدلُّ عَلَيها، مِثلَ كثيرٍ مما ذَكَرَهُ أَبو عبدِ الرَّحمن السُّلَميِّ، في حَقائِقِ التفسير (٢) . الحواشي
(١) يَعني: أُصولَهم، وإن كان أهلُ الكلامِ، أَقربُ إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا: من جملة التفسير على المذهب، قال: فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر، لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، صاروا مشاركين للمعتزلة، وغيرهم، من أهل البدع في مثل هذا.(٢) هو محمد بن الحسين، بن محمد، بن موسى، الأزدي، النيسابوري من علماء الصوفية وتفسيره على طريقتهم: يستدل عليها بألفاظ لم يرد بها القرآن، وهو الذي يسمونه الإشارات قال ابن الصلاح: وجدت عن أبي الحسين الواحدي المفسر، أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي، حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر، وقال: الظن بمن يوثق بهم، إذا قال شيئا من ذلك، لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به
مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك، كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية.стр. 107
وَإن كانَ فيما ذَكروهُ ما هو مَعانٍ باطِلَةٍ، فإنَّ ذلكَ يَدخلُ في الخطإِ في الدَّليلِ، والمدلولِ جَميعاً (١) حيث يكون الْمَعنى الذي قَصَدوه فاسِداً (٢) .
وَبِالجُملَةِ: مَن عَدَلَ عَن مَذاهبِ الصَّحابَةِ وَالتَّابعين، وَتَفسيرِهِم، إلى ما يُخالِفِ ذلكَ، كان مخطئا في ذلك (٣) . الحواشي
(١) أي: فإن ما فسروا به الآية، على ما لا يدل على مرادهم وأخطئوا في معنى الآية يدخل ذلك في الخطأ في الدليل، إذ لم يدل على مرادهم، وفي المدلول إذ أخطئوا في المعنى.(٢) ليس المراد بيان معاني كتاب الله، وإيضاح المراد منه، بل تأييد مذاهبهم.(٣) أي: في ذلك التفسير، الذي عدل فيه عن مذاهب الصحابة والتابعين، إلى ما يخالفها وكثير من الناس، لا يعرف حقيقة كلام السلف، والأئمة ومنهم: من يعظمهم ويظن أنه متبع لهم، مع أنه مخالف لهم، من حيث لا يشعر، ومنهم: من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين، ولا تقريرها بالدلائل البرهانية، وذلك لجهلهم بعلمهم، بل لجهلهم بما جاء به الرسول ﷺ من الحق، الذي تدل عليه الدلائل العقلية، مع السمعية،
بل فضلوا طريقة الخلف، على طريقة السلف حيث
ظنوا أن طريقة السلف، هي: مجرد الإيمان، بألفاظ القرآن، والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله، ورسوله منها.
... واعتقدوا: أنهم بمنزلة الأميين، وأن طريقة المتأخرين، هي استخراج معاني النصوص، وظنهم هو الذي أوجب لهم نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والتابعين، وراء ظهورهم فجمعوا بين الجهل، بطريقة السلف، والكذب عليهم، وبين الجهل والضلال، بتصويب طريقة الخلف، وبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى وهذا طريقة السلف عندهم، وبين صرف اللفظ عن حقيقته، وما وضع له، إلى ما لم يوضع له، ولا دل عليه بأنواع من المجازات والتكلفات، التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان والهدى.стр. 108
بل مبتدعا (١) وإن كان مجتهدا مغفور له خطؤه (٢) . الحواشي
(١) قال: لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق، الذي بعث الله به رسول الله ﷺ وأسباب هذا الضلال، التقصير عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ وما كان عليه السلف وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من خلل وريب وغمة.(٢) أي: وإن كان من عدل عن مذاهب الصحابة، وتأول الآيات مجتهدا باذلا وسعه، مغفور له خطؤه، للخبر: «وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» ، وخبر: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» .стр. 109
فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته (١) وطرق الصواب (٢) . الحواشي
(١) أي فالمقصود من ذكر من أخطأ في التفسير، بيان طرق العلم، الذي ينبغي أن تسلك، وأدلة العلم المقبولة، والتنبيه على المردودة.(٢) أي: والمقصود بيان طرق الصواب، من الخطأ والضلال، قال الشيخ: ومن أعظم أسباب البدع الباطلة، التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله، فمن أصول العلم بذلك: أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه، وأنه الحق: وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف: أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة، فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة، على بيان الحق.стр. 110
سَبَبُ الاخْتِلافِ (١)
مِنهُ: ما مُستَنَدُهُ النَّقلُ، أَوِ الاستدلال (٢) والمنقول: إما عن المعصوم أو لا (٣) . الحواشي
(١) أي: ذكر سبب الاختلاف بين الناس، في تفسير القرآن.(٢) أي: من الاختلاف في التفسير كما قال الشيخ وغيره، منه: ما مستنده النقل، والمرجع فيه إلى الصحة، ومن يقبل منه، ومنه: ما يعلم بغير النقل، وهو: ما مستنده الاستدلال والمرجع فيه إلى صحة الاستدلال، وقال: إذ العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق.(٣) أي: والمنقول في التفسير، وغيره: إما عن المعصوم ﷺ أو عن غيره من الصحابة أو التابعين.
... قال الشيخ: ومن المنقول، ما يمكن معرفة الصحيح منه، والضعيف، وما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق دليلا، وما لا يمكن، فلا طريق بالجزم بالصدق منه، فالبحث عنه: مما لا فائدة فيه.
... ومثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه، الاختلاف في أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وفي اسم الغلام الذي قتل الخضر، ونحو ذلك، فهذا طريقة العلم به النقل، فما كان منقولا نقلا صحيحا، عن المعصوم، كاسم صاحب موسى، أنه الخضر، فمعلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب، فلا يجوز تصديقه، ولا تكذيبه، إلا بحجة، وكذا: ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون، لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض.следующие страницы →