← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة]ـ المؤلف: محمَّد بنْ حسَيْن بن حَسنْ الجيزاني الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة: الطبعة الخامسة، ١٤٢٧ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الطبعة الخامسة - ١٤٢٧ هـ أصل هذا الكتاب رسالة "دكتوراه" نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد تكونت لجنة المناقشة من أصحب الفضيلة: - د. عمر بن عبد العزيز أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة مشرفاً. - د. علي بن عباس الحكمي رئيس قسم الدراسات العليا الشرعية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عضواً. - د. أحمد محمود عبد الوهاب أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عضواً. وقد أجيزت مع مرتبة الشرف الأولى , وكان ذلك في ٢٥ /١/١٤١٥ هـ.

стр. 3

المقدمة (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد: فإن الله سبحانه أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأ به الكون نورًا وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. فلما أكمل الله تعالى به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء. ثم قام بالدين بعده عصابة الإيمان وعسكر القرآن، أولئك أصحابه ﷺ ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان. وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا. وكان سندهم فيه عن نبيهم ﷺ عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم. ثم سلك تابعوا التابعين هذا المسلك الرشيد، وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد.

стр. 4

ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، فدين الله في نفوسهم أعظم وأجل من أن يقدموا عليه قول أحد من الناس، أو يعارضوه برأي أو قياس. ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون؛ حيث استعملوا قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة، وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة. فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، وردوا معاني النصوص التي لم يجدوا إلى ألفاظها سبيلاً. فقابلوا الألفاظ بالتكذيب، والمعاني بالتحريف والتأويل. وملئوا بذلك الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا. وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه، إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل. وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلبٍ إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد. فلا إله إلا الله، كم نُفي بهذه الآراء من حق وأثبت من باطل، وأميت بها من هدى، وأحيي بها من ضلالة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لأجل ذلك فإن تجلية منهج السلف وبيان طريقتهم سبيل النجاة والخلاص، فهم الفرقة الناجية المذكورة، والطائفة الظاهرة المنصورة. وقد أحببت أن أسهم -ولو بجهد المقل- في إيضاح منهج سلفنا الصالح في علم أصول الفقه على وجه الخصوص. وبعد أن استخرت الله ربي، واستشرت بعض أساتذتي اخترت أن يكون موضوع رسالتي في مرحلة الدكتوراه: "منهج أهل السنة والجماعة في تحرير أصول الفقه" (١) .

стр. 5

والمؤمل -بعونه تعالى- أن يحقق هذا الكتاب المقاصد التالية: الأول: التعريف بجهود أهل السنة والجماعة في علم أصول الفقه، وجمع أبحاثهم الأصولية وترتيبها ليسهل الوصول إليها. الثاني: تحرير القواعد الأصولية المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، وبيان القواعد الأصولية المختلف فيها. الثالث: حماية ركن العقيدة، وذلك بالتنبيه على القواعد الأصولية التي بُنيت على أصول عقدية باطلة. أما الخطة التي سرت عليها: فقد تضمنت -بعد المقدمة- تمهيدًا، وبابين، وخاتمة، رسمها كالآتي: التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة. المبحث الثاني: تعريف أصول الفقه، وموضوعه، ومصادره، وفائدته. المبحث الثالث: تاريخ علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة. * الباب الأول: الأدلة الشرعية عند أهل السنة والجماعة. وفيه أربعة فصول: - الفصل الأول: الكلام على الأدلة الشرعية إجمالاً. وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: الأدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها. المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطع والظن. المبحث الثالث: الأدلة الشرعية من حيث النقل والعقل. - الفصل الثاني: الأدلة المتفق عليها. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الكتاب.

стр. 6

المبحث الثاني: السنة. المبحث الثالث: الإجماع. المبحث الرابع: القياس. - الفصل الثالث: الأدلة المختلف فيها. وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: الاستصحاب. المبحث الثاني: قول الصحابي. المبحث الثالث: شرع من قبلنا. المبحث الرابع: الاستحسان. المبحث الخامس: المصالح المرسلة. - الفصل الرابع: النسخ، والتعارض، والترجيح، وترتيب الأدلة. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: النسخ. المبحث الثاني: التعارض. المبحث الثالث: الترجيح. المبحث الرابع: ترتيب الأدلة. * الباب الثاني: القواعد الأصولية عند أهل السنة والجماعة. وفيه ثلاثة فصول: - الفصل الأول: الحكم الشرعي. - وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الحكم الشرعي وأقسامه. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الحكم الشرعي. المطلب الثاني: الحكم التكليفي. المطلب الثالث: الحكم الوضعي.

стр. 7

المبحث الثاني: لوازم الحكم الشرعي. وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحاكم. وفيه مسألة واحدة وهي: التحسين والتقبيح العقليان. المطلب الثاني: التكليف. المبحث الثالث: قواعد في الحكم الشرعي. - الفصل الثاني: دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المبادئ اللغوية. المبحث الثاني: النص، والظاهر، والمؤول، والمجمل، والبيان. المبحث الثالث: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم. - الفصل الثالث: الاجتهاد، والتقليد، والفتوى. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الاجتهاد. المبحث الثاني: التقليد. المبحث الثالث: الفتوى. الخاتمة: وقد ذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات. وتتميمًا للفائدة ذيلت الكتاب بملحق تضمن ثلاث قوائم: ١- قائمة بجهود ابن تيمية في أصول الفقه. ٢- قائمة بجهود ابن القيم في أصول الفقه. ٣- قائمة بالأبحاث الأصولية عند أهل السنة والجماعة. أما المنهج الذي سلكته في هذا الكتاب فهو الآتي: أولاً: الاختصار وعدم التطويل. وذلك لسعة موضوع الكتاب وتشعب أبحاثه وكثرة مسائله، فما لا يدرك كله لا يترك جله، وقد علمت - يقينًا - أن الإتيان على موضوعات هذا الكتاب

стр. 8

يحتاج إلى فريق من الباحثين، وعددٍ -لا أملكه- من السنين. فاكتفيتُ لذلك برسم خطوطٍ عريضة تعينُ الباحثين، ووضع معالم تضيء الطريق للسالكين. ثانيًا: التأصيل مع الدليل. فقد اقتصرت في هذا الكتاب على بيان مذهب أهل السنة والجماعة، مع ذكر أدلتهم، ولم أتعرض لمذاهب المخالفين لهم؛ إذ الغاية المنشودة من هذا الكتاب الإبانة عن الأدلة الشرعية ومنهج الاستدلال بها لدى أهل السنة والجماعة، والإفصاح عن مسلكهم في القواعد الأصولية. ثالثًا: الاقتصار على كتب أهل السنة والجماعة. فجميع ما تم تقريره وتحريره في هذا الكتاب منقول نقلاً مباشرًا من كلام أهل السنة والجماعة فيما كتبوه في أصول الفقه وفي غيره. إن منهج أهل السنة والجماعة لا يؤصل ولا يحصل من كتب مخالفيهم. نعم هناك مسائل كثيرة وافقهم عليها مخالفوهم، إلا أن المقصود بيانه والمطلوب تبيانه - في هذا الكتاب - لا يتأتى إلا بالنهل من معين أهل السنة الصافي والارتواء من موردهم العذب. ويستثنى من ذلك القضايا اللغوية، ونسبة مذاهب المخالفين لأصحابها ونحو ذلك. رابعًا: إيراد كلام أهل العلم بنصه ما أمكن؛ ففي نقله كذلك توثيق للمادة العلمية، وتوضيح للفكرة. وفيه أيضًا دلالة على المصادر، كما أن في ذلك تعرضًا لبيان الدليل وذكرًا للتعليل. وفي الختام أحمد الله على نعمه المتوالية العظيمة وآلائه المتتابعة الجسيمة، وأشكره سبحانه على تيسيره وتوفيقه، فله الحمد في الآخرة والأولى. اللهم لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. ثم أقدم شكري وتقديري إلى فضيلة الأستاذ الدكتور عمر بن عبد العزيز - وفقه الله لما يحب ويرضى - الذي أكرمني بإشرافه وتوجيهه لهذا البحث.

стр. 9

اللهم بارك له في عمره وماله وولده، وعلمه وعمله، واكتب له التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة. كما أقدم شكري وتقديري للمناقشين الكريمين: فضيلة الدكتور علي بن عباس الحكمي، وفضيلة الدكتور أحمد محمود عبد الوهاب الشنقيطي وفقهما الله، وذلك لما بذلاه من وقت وجهد في تقويم هذا البحث وتوجيهه. ثم أشكر كل من أسدى إلي عونًا، أو صنع إلي معروفًا، فجزى الله الجميع خير الجزاء. ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى ذلك الصرح العلمي الشامخ (الجامعة الإسلامية) ، على جهودها العظيمة في مجال توجيه أبناء المسلمين، وبث العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وعلى جهودها في مجال البحث العلمي، ونشر منهج السلف الصالح. هذا جهد فما كان فيه من حق وصواب فهو من الله وحده، وما كان فيه من خطأ وضلالة فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله الكريم وأتوب إليه. اللهم اجعل هذا العمل خالصًا لك وحدك، لا حظ فيه لسواك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ****

стр. 10

التمهيد وفيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة. * المبحث الثاني: تعريف أصول الفقه وموضوعه ومصادره وفائدته. * المبحث الثالث: تاريخ علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة.

стр. 11

المبحث الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة لأهل السنة والجماعة إطلاقان: إطلاق عام وإطلاق خاص (١) ، أما الإطلاق العام فهو مقابل الشيعة، فيدخل فيه جميع الطوائف إلا الرافضة، وأما الإطلاق الخاص فهو مقابل المبتدعة وأهل الأهواء، فلا يدخل فيه سوى أهل الحديث والسنة المحضة الذين يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل السنة، والمراد في هذا المقام الإطلاق الخاص. والمراد بالسنة (٢) ههنا: الطريقة المسلوكة في الدين وهي ما عليه الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وإن كان الغالب تخصيص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم (٣) . والمراد بالجماعة ههنا: الاجتماع الذي هو ضد الفرقة (٤) . فأهل السنة والجماعة هم أهل السنة لأنهم تمسكوا بسنة النبي ﷺ وهديه، واقتفوا طريقته باطنًا وظاهرًا، في الاعتقادات والأقوال والأعمال (٥) . وأهل السنة والجماعة هم الجماعة التي يجب اتباعها (٦) لأنهم اجتمعوا

стр. 12

على الحق وأخذوا به، ولأنهم يجتمعون دائمًا على أئمتهم، وعلى الجهاد، وعلى السنة والاتباع، وترك البدع والأهواء والفرق (١) . وهم أهل الحديث والأثر لشدة عنايتهم بحديث النبي ﷺ رواية ودراية واتباعًا، فهم يقدمون الأثر على النظر (٢) . وهم الفرقة الناجية (٣) المذكورة في قوله ﷺ «والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار» . قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: «الجماعة» (٤) . وهم الطائفة المنصورة (٥) المذكورة في قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (٦) .

стр. 13

وهم السلف، إذ المراد بالسلف الصحابة رضوان الله عليهم، وتابعوهم، وأتباعهم إلى يوم الدين. وقد يراد بالسلف القرون المفضلة الثلاثة المتقدمة (١) . و من خصائص أهل السنة والجماعة: ١- أنه ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها (٢) . ٢- أنهم "جعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم وآرائهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم له، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يكون حقًا وقد يكون باطلاً" (٣) . ٣- أنه ليس لهم لقب يعرفون به ولا نسبة ينتسبون إليها، كما قال بعض الأئمة وقد سئل عن السنة، فقال: السنة ما لا اسم له سوى السنة. وأهل البدع ينتسبون إلى المقالة تارة، وإلى القائل تارة، وأهل السنة بريئون من هذه النسب كلها وإنما نسبتهم إلى الحديث والسنة (٤) . ٤- أنهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ديارهم، تجد أن جميع كتبهم المصنفة من أولها إلى آخرها في باب الاعتقاد، على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافًا ولا تفرقًا، بل لو جمعت ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبينُ من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (٥) .

стр. 14

قال أبو المظفر ابن السمعاني: "وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين من عقولهم فأورثهم التفرق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما تختلف، وإن اختلفت في لفظة أو كلمة فذلك الاختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه، وأما المعقولات والخواطر والآراء فقلما تتفق، بل عقل كل واحدٍ ورأيه وخاطره يُرِي صاحبه غير ما يُرِي الآخر" (١) . ٥- أنهم وسط بين الفرق، كما أن أهل الإسلام وسط بين الملل (٢) . ****

стр. 15

المبحث الثاني: تعريف أصول الفقه وموضوعه ومصادره وفائدته أولاً: تعريف أصول الفقه: أصول الفقه باعتباره عَلَمًا ولقبًا على الفن المعروف يمكن تعريفه بأنه: "أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد" (١) . وقد اشتمل هذا التعريف على ثلاثة من مباحث علم الأصول الأربعة وهي: الأدلة، وطرق الاستنباط، والاجتهاد، وذلك كما يلي: ١- "أدلة الفقه الإجمالية"، وهي: الأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها. ٢- "كيفية الاستفادة منها"؛ أي: كيفية استفادة الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية، والمقصود بذلك طرق الاستنباط، مثل: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم. ٣- "حال المستفيد"؛ أي: المجتهد. ويدخل في ذلك مباحث التعارض والترجيح، والفتوى؛ لأنها من خصائص المجتهد، وتدخل مباحث التقليد أيضًا لكون المقلد تابعًا له. بقي من مباحث علم الأصول رابعها وهو مبحث الأحكام، وهذا المبحث لا يدخل في هذا التعريف باعتبار أن موضوع أصول الفقه هو الأدلة، فتكون الأحكام بهذا الاعتبار مقدمة من مقدمات علم أصول الفقه غير داخلة في موضوعه. وعلى كل فإن مباحث هذا العلم أربعة: الأدلة، وطرق الاستنباط، والاجتهاد، والأحكام. وعند التأمل نجد مبحث الأحكام من المباحث الثابتة في هذا العلم، سواء ذكر في التعريف أم لم يذكر، وسواء اعتبر موضوعًا لعلم الأصول أم لم يُعتبر.

стр. 16

أما تعريف أصول الفقه باعتباره مركبًا فإن هذا يحتاج إلى تعريف كلمة أصول وكلمة الفقه. أما الأصول: فإنها جمع أصل، والأصل في اللغة: ما يستند وجود الشيء إليه (١) . وفي الاصطلاح: يطلق على الدليل غالبًا، كقولهم: "أصل هذه المسألة الكتاب والسنة"؛ أي: دليلها، ويُطلق على غير ذلك، إلا أن هذا الإطلاق هو المراد في علم الأصول (٢) . وأما الفقه في اللغة: فهو الفهم، ويطلق على العلم، وعلى الفطنة (٣) . وفي الاصطلاح: هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية" (٤) . ثانيًا: موضوع أصول الفقه: هو معرفة الأدلة الشرعية ومراتبها وأحوالها (٥) . ثالثًا: مصادر أصول الفقه: والمقصود بمصادر أصول الفقه الأدلة والأصول التي بُنيت عليها قواعده، وهي (٦) : أ- استقراء نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.

стр. 17

ب- الآثار المروية عن الصحابة والتابعين. ج- إجماع السلف الصالح. د- قواعد اللغة العربية وشواهدها المنقولة عن العرب. هـ- الفطرة السوية والعقل السليم. و اجتهادات أهل العلم واستنباطاتهم وفق الضوابط الشرعية. رابعًا: فائدة أصول الفقه: من فوائد علم أصول الفقه: ١- ضبط أصول الاستدلال، وذلك ببيان الأدلة الصحيحة من الزائفة. ٢- إيضاح الوجه الصحيح للاستدلال، فليس كل دليل صحيح يكون الاستدلال به صحيحًا. ٣- تيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الأحكام. ٤- بيان ضوابط الفتوى، وشروط المفتي، وآدابه. ٥- معرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء، والتماس الأعذار لهم في ذلك. ٦- الدعوة إلى اتباع الدليل حيثما كان، وترك التعصب والتقليد الأعمى. ٧- حفظ العقيدة الإسلامية بحماية أصول الاستدلال والرد على شبه المنحرفين. ٨- صيانة الفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة للتشريع، ومن الجمود المترتب على دعوى إغلاق باب الاجتهاد. ٩- ضبط قواعد الحوار والمناظرة، وذلك بالرجوع إلى الأدلة الصحيحة المعتبرة. ١٠- الوقوف على سماحة الشريعة الإسلامية ويسرها، والاطلاع على محاسن هذا الدين.

стр. 18

المبحث الثالث: تاريخ أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة إن علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة مر بثلاث مراحل رئيسية، تتمثل المرحلة الأولى في تدوين الإمام الشافعي لهذا العلم الجليل، وتتجلى المرحلة الثانية في الاتجاه الحديثي لعلم الأصول وذلك على يد إمامين جليلين هما الخطيب البغدادي وابن عبد البر، وفي المرحلة الثالثة برز جانب الإصلاح وتقويم العوج الطارئ على علم الأصول، وكان ذلك على يد الإمامين العظيمين ابن تيمية وابن القيم. وكان لهؤلاء الأئمة الخمسة ولغيرهم من أئمة أهل السنة والجماعة جهود بارزة ومؤلفات عديدة أوضحت المنهج، ورسمت الطريق، وحددت المعالم. وبالنظر إلى تلك الجهود وهذه المؤلفات نجد أن منها ما هو خاص بأصول الفقه مشتمل على جملة أبحاثه، ومنها ما هو خاص في فن معين غير أصول الفقه، لكنه مشتمل على أبحاث أصولية قلت أو كثرت (١) . وعند النظر إلى المؤلفات الأصولية الخاصة تبرز لنا أربعة مؤلفات، امتاز كل واحد من هذه المؤلفات بما يستأهل لأجله أن يفرد بدراسة مستقلة، وهذه المؤلفات هي: كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي، و "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي، و"روضة الناظر" لابن قدامة، و"شرح الكوكب المنير" لابن النجار الفتوحي. فالمقام إذن يقتضي تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول: المراحل التي مر بها علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة. المطلب الثاني: دراسة مستقلة للكتب الأربعة؛ وهي: الرسالة، والفقيه والمتفقه، وروضة الناظر، وشرح الكوكب المنير.

стр. 19

المطلب الأول: المراحل التي مر بها علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة - المرحلة الأولى: تبدأ هذه المرحلة ب عصر الإمام الشافعي ، وتنتهي بنهاية القرن الرابع تقريبًا. وأهم ما يميز هذه المرحلة هو تدوين الإمام الشافعي لعلم أصول الفقه (١) ، وما يتصل بهذا التدوين من ظروف وأحوال. لقد جاء الشافعي في عصر ظهرت فيه مدرستان، استقامت كل واحدة على منهج واحد معين، وكان الفقهاء إلا قليلاً يسيرون على منهج إحدى المدرستين لا يخالفونه إلى نهج الأخرى، إحدى هاتين المدرستين: مدرسة الحديث وكانت بالمدينة، وشيخها هو مالك بن أنس (٢) صاحب الموطأ. والمدرسة الثانية: مدرسة الرأي، وكانت بالعراق، وشيوخها هم أصحاب أبي حنيفة (٣) من بعده. لقد غلب على مدرسة الحديث جانب الرواية؛ لكون المدينة موطن الصحابة ومكان الوحي، وغلب على مدرسة الرأي جانب الرأي لعدم توافر

стр. 20

أسباب الرواية لديهم، فقد كثرت الفتن والوضع والوضاعون. إن كلتا المدرستين تتفق على وجوب الأخذ بالكتاب والسنة وعدم تقديم الرأي على النص. لقد استطاع الإمام الشافعي الجمع بين هذين المنهجين، والفوز بمحاسن هاتين المدرستين، فاجتمع للشافعي فقه الإمام مالك بالمدينة حيث تلقى عنه، وفقه أبي حنيفة بالعراق إذ تلقاه عن صاحبه محمد بن الحسن (١) ، إضافة إلى فقه أهل الشام وأهل مصر حيث أخذ عن فقهائهما. يضاف إلى ذلك مدرسة مكة التي تُعني بتفسير القرآن الكريم وأسباب نزوله، ولغة العرب وعاداتهم، إذ تلقى العلم بمكة على من كان فيها من الفقهاء والمحدثين حتى بلغ منزلة الإفتاء. كما أن الشافعي خرج إلى البادية ولازم هُذيلاً وكانت من أفصح العرب، فتعلم كلامها وأخذ طبعها، وحفظ الكثير من أشعار الهذليين وأخبار العرب. بهذه المعطيات استطاع الإمام الشافعي أن يضع للفقهاء أصولاً للاستنباط، وقواعد للاستدلال، وضوابط للاجتهاد. وجعل الفقه مبنيًا على أصول ثابتة لا على طائفة من الفتاوى والأقضية. لقد فتح الشافعي بذلك عين الفقه، وسن الطريق لمن جاء بعده من المجتهدين ليسلكوا مثل ما سلك وليتموا ما بدأ (٢) . هكذا صنف الإمام الشافعي كتاب "الرسالة"، فكان أول كتاب في علم أصول الفقه (٣) .

стр. 21

قال الإمام أحمد بن حنبل (١) : "كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله بالشافعي" (٢) . وقال أيضًا: "كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، ولا يشبع صاحب الحديث من كتب الشافعي" (٣) . وقال أيضًا: "لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث" (٤) . وقد اشتمل كتاب "الرسالة" على أكثر مباحث الشافعي الأصولية، لكنه لم يشتمل عليها كلها، بل للشافعي مباحث مستقلة غيرها في الأصول (٥) . فمن ذلك كتاب "جماع العلم" (٦) الذي اشتمل على حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها، وحكاية قول من رد خبر الواحد، ومناظرة في الإجماع، وغير ذلك، وقد كان تأليفه له بعد كتاب "الرسالة" (٧) ، ومن ذلك كتاب "اختلاف الحديث" (٨) فقد ألفه بعد كتاب "جماع العلم" (٩) وبين فيه أنواع الاختلاف الوارد في الأحاديث النبوية وبوبه تبويبًا فقهيًا. وللشافعي أيضًا كتاب"صفة نهي النبي ﷺ " (١٠) ،وكتاب"إبطال الاستحسان" (١١) ، أما الكلام على كتاب "الرسالة" فسيأتي لاحقًا، إن شاء الله تعالى (١٢) .

стр. 22

لقد وضع الشافعي اللبنة الأولى في تدوين علم الأصول، وأوضح معالم هذا الفن وجلَّى صورته. والإمام الشافعي فيما فعل كان مقتفيًا بأثر من قبله، متبعًا لا مبتدعًا، اعتمد فيه على هدي الكتاب والسنة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم وآثار الأئمة المهتدين، واستفاد -أيضًا- من علم العربية وأخبار الناس، والرأي والقياس، ولعل أهم القضايا الأصولية التي قررها الشافعي وسعى إلى بيانها في آثاره التي بين أيدينا: ١- بيان الأدلة الشرعية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وتوضيح مراتبها. ٢- إثبات حجية السنة عمومًا، وتثبيت خبر الواحد خصوصًا، وبيان أنه لا تعارض بين الكتاب والسنة، ولا بين أحاديث النبي ﷺ . ٣- بيان وجوب اتباع سبيل المؤمنين. ٤- تحديد ضوابط الأخذ بالرأي، وشروط استعمال القياس. ٥- إبطال القول على الله بلا علم، دون حجة أو برهان. ٦- التنبيه على أن القرآن نزل بلغة العرب، وأن فيه عددًا من الوجوه الموجودة في اللسان العربي. ٧- بيان الأوامر والنواهي. ٨- ذكر الناسخ والمنسوخ. هذا فيما يتعلق بجهود الإمام الشافعي وآثاره. ثم تتابعت بعد بذلك جهود علماء أهل السنة، وكانت معظم هذه الجهود في هذه المرحلة الزمنية تتركز على الاعتصام بالكتاب والسنة. فمن ذلك: "رسالة الإمام أحمد في طاعة الرسول ﷺ " (١) ، وكتاب "أخبار الآحاد"، وكتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، كلاهما من الجامع الصحيح للإمام

стр. 23

البخاري (١) ، وما صنفه خطيب أهل السنة الإمام ابن قتيبة (٢) : كتاب "تأويل مشكل القرآن" (٣) وكتاب "تأويل مختلف الحديث" (٤) . وغير ذلك مما كتبه أئمة السلف (٥) في كتب العقائد والرد على الفرق الضالة حيث قرروا وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وأقاموا لهذا الأصل العظيم الأدلة والشواهد الشرعية. وخلاصة القول: أنه قد تم في هذه المرحلة تدوين علم أصول الفقه، وذلك على يد الإمام الشافعي الذي كان أهلاً للقيام بهذا الدور العظيم لما اجتمع فيه من علم الكتاب والسنة، وفقه الاستنباط، وعلم اللغة، إضافة إلى ما أوتي من عقل وذكاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم بعد ذلك جاءت جهود العلماء متممة لما بدأه الشافعي، خاصة فيما يتعلق بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، فكانت هذه الجهود وتلك بمثابة الخطوط العريضة لمنهج أهل السنة والجماعة، والقواعد العامة لطريقتهم في أصول الفقه، وكان لهذه المرحلة الزمنية الأثر البليغ والتأثير العظيم في جهود العلماء اللاحقة، كما سيظهر ذلك جليًا في المرحلة الثانية والثالثة.

стр. 24

- المرحلة الثانية: تبدأ هذه المرحلة من أوائل القرن الخامس، وحتى نهاية القرن السابع على وجه التقريب، وقد برز في هذه المرحلة إمامان: إمام أهل السنة في المشرق الخطيب البغدادي، صاحب كتاب "تاريخ بغداد". وإمام أهل السنة في المغرب أبو عمر بن عبد البر (١) ، صاحب كتاب "التمهيد". أما حافظ بغداد فقد صنف في أصول الفقه كتاب "الفقيه والمتفقه" الذي جعله نصيحة لأهل الحديث، ويُعد هذا الكتاب امتدادًا لكتاب الرسالة للشافعي، ثم إنه أضاف فيه قضايا جدلية ومباحث متعلقة بأدب الفقه، وسيأتي الكلام لاحقًا على هذا الكتاب (٢) . وأما حافظ الأندلس فقد صنف كتاب "جامع بيان العلم وفضله" استجابة لمن سأله عن معنى العلم، وعن تثبيت الحجاج بالعلم، وتبيين فساد القول في دين الله بغير فهم، وتحريم الحكم بغير حجة، وما الذي أجيز من الاحتجاج والجدل، وما الذي كره منه؟ وما الذي ذم من الرأي، وما حُمد منه؟ وما يجوز من التقليد، وما حرم منه؟ (٣) فأجابه الشيخ إلى ما سأل قائلاً: "ورغبتُ أن أقدم لك قبل هذا من آداب التعلم وما يلزم العالم والمتعلم التخلق به والمواظبة عليه، وكيف وجه الطلب، وما حُمد ومُدح فيه من الاجتهاد والنصب إلى سائر أنواع آداب التعلم والتعليم وفضل ذلك، وتلخيصه

стр. 25

بابًا بابًا مما روي عن سلف هذه الأمة ﵃ أجمعين لتتبع هديهم، وتسلك سبيلهم وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك مجتمعين أو مختلفين في المعنى منه، فأجبتك إلى ما رغبت ... " (١) . ومما مضى تبين أن الكتاب يبحث في موضوعين: الأول: في فضل العلم وآداب أهله. والثاني: في مباحث أصولية. استغرق الموضوع الأول نصف الكتاب الأول تقريبًا. وكان من أبرز المباحث الأصولية التي تكلم عليها في النصف الآخر من الكتاب. * أصول العلم: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. * ما جاء في أن العلم هو ما كان مأخوذًا عن الصحابة، وما لم يؤخذ عنهم فليس بعلم. * الاجتهاد والقياس. * التقليد والاتباع. * الفتوى. * موضع السنة من الكتاب وبيانها له. ويلاحظ: استفادة ابن عبد البر من مروياته الحديثية، ومن النقل عن أئمة المالكية (٢) ، وحرصه على نقل ما عليه سلف الأمة، وهو يعقب -في الغالب- على ما يروي من آثار وأحاديث وعلى ما ينقل بقوله: "قال أبو عمر"، أو "قلت" (٣) .

стр. 26

وقد نقل ابن عبد البر من كتب الشافعي في مواضع (١) ، وعن محمد بن الحسن في مواضع (٢) . وفي الجملة فإن هذا الكتاب مليء بالآثار والنقول المسندة عن عدد كبير من الصحابة ﵃ والتابعين من بعدهم، ومشتمل على أقوال ثلة من أهل العلم المتقدمين. والكتاب بحاجة إلى دراسة حديثية لآثاره وأسانيده (٣) ، وتنظيم طباعي، وتحقيق علمي لمباحثه الأصولية، ومقدمة دراسية عن المؤلف وكتابه، وفهارس دقيقة متنوعة. وقد ظهر في هذه المرحلة أيضًا كتابان: الأول: كتاب "تقويم الأدلة" لأبي زيد الدبوسي (٤) . والثاني: كتاب "المستصفى" للإمام الغزالي (٥) . وكلا هذين الكتابين يمثل اتجاهًا مستقلاً في أصول الفقه. فالأول يقول عنه ابن خلدون (٦) : "أما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرًا،

стр. 27

وكان من أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي" (١) . وقال أيضًا: "وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم -أي الحنفية- فكتب في القياس بأوسع من جميعهم، وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه. وكملت صناعة أصول الفقه بكماله، وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده" (٢) . وأما الثاني وهو كتاب "المستصفى" فإنه يعتبر واسطة العقد في كتب المتكلمين الأصولية، فهو جامع لما سبقه من مؤلفات أصولية، وما بعده لا يخلو من الاستفادة منه، وبه اكتملت أركان علم الأصول، وفيه نضجت مباحثه وتمت مسائله (٣) . وقد أحسن أهل السنة التعامل مع هذين الكتابين المهمين، والاستفادة مما فيهما. أما كتاب "تقويم الأدلة" للدبوسي فقد تصدى له أبو المظفر ابن السمعاني (٤) في كتابه "قواطع الأدلة" (٥) . قال أبو المظفر في مقدمة هذا الكتاب: "وما زلت طول أيامي أطالع تصانيف الأصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم، فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهرٍ من الكلام، ورائقٍ من العبارة، ولم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه.

стр. 28

ورأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل، غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير.... فاستخرت الله تعالى عند ذلك، وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه؛ أسلك فيه محض طريقة الفقهاء، من غير زيغ عنه ولا حيد ولا جنف ولا ميل، ولا أرضي بظاهر من الكلام، ومتكلف من العبارة، يهول على السامعين، ويسبي قلوب الأغتام (١) الجاهلين، لكن أقصد لباب اللب، وصفو الفطنة، وزبدة الفهم، وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة، وأذكر من شبه المخالفين بما عوّلوا عليه. وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" بالإيراد، وأتكلم عليه بما تزاح معه الشبهة، وينحل به الإشكال، بعون الله تعالى. وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع عنها لتكون عونًا للناظر ... " (٢) . وقد استفاد أبو المظفر من أبي زيد الدبوسي ونقل عنه عددًا من المباحث، وأورد عليه ورد عليه في مباحث أخرى (٣) . وكتاب "القواطع" امتاز بتوسطه بين طريقتين: طريقة الفقهاء، وطريقة المتكلمين. فهو لم يجرد كتابه عن الفروع الفقهية، بل أورد فيه عددًا من المسائل الفقهية، كما أنه حرر المسائل وأصل القواعد على أدلة الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، وقد أكثر من النقل عن الإمام الشافعي خاصة (٤) ، وعن غيره من أئمة أهل السنة.

стр. 29

وقال ابن السبكي (١) عن هذا الكتاب: "ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب "القواطع" ولا أجمع، كما لا أعرف فيه أجل ولا أفحل من برهان إمام الحرمين (٢) . فبينهما في الحسن عموم وخصوص" (٣) . أما كتاب "المستصفى" للغزالي فقد قام باختصاره وتهذيبه الإمام الموفق ابن قدامة وذلك في كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، وسيأتي الكلام على ذلك لاحقًا (٤) . وخلاصة القول: أن هذه المرحلة اتسمت بغزارة المادة الأصولية المبنية على الأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والتابعين، وذلك يمثله بوضوح كتاب ابن عبد البر وكتاب الخطيب البغدادي، كما أن هذه المرحلة تميزت بالاتجاه الحديثي المتمثل بذكر المرويات بأسانيدها، ولم يكن هذا الاتجاه قاصرًا على الرواية والتحديث بل انضم إلى ذلك الاستنباط والفهم، وإثبات القياس والاجتهاد، والدعوة إلى إعمال الرأي في حدود الشرع، والتحذير من التسرع في الفتيا وإصدار الأحكام، والتنبيه على فضل العلم وأدب أهله. وكانت هذه المرحلة امتدادًا للمرحلة السابقة التي تمثلت في كتاب "الرسالة" للشافعي، فقد استفاد ابن عبد البر، والخطيب والبغدادي وابن السمعاني، استفادة مباشرة واضحة من آثار الشافعي. أما كتاب "الروضة" لابن قدامة فإنه يمثل نقلة

стр. 30

جديدة تتجلى في التأثر بمنهج المتكلمين مع المحافظة على التصور السلفي إجمالاً، ولعل السبب في ذلك هو كثرة كتب المتكلمين الأصوليين (١) في تلك الفترة وانتشارها مع إتقان ترتيبها وحسن عرضها (٢) . - المرحلة الثالثة: بداية هذه المرحلة هي بداية القرن الثامن وتنتهي بنهاية القرن العاشر تقريبًا، وقد برز في هذه المرحلة - في أوائلها - إمامان جليلان، حفظ الله بهما منهج أهل السنة والجماعة، وجدد الله بهما هذا الدين. إنهما شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ، وتلميذه ابن قيم الجوزية (٤) . وقد وافق عصر هذين الإمامين اتساع جهود المتكلمين الأصولية (٥) فقد

стр. 31

توافرت كتبهم، المختصرات منها والمطولات، وتداول الناس هذه الكتب، وعمت مطالعتها ودراستها (١) ، ويمكن تلخيص دور هذين الإمامين إزاء هذا التيار في جانبين: الجانب الأول: تأصيل قواعد أهل السنة والجماعة، وتثبيت دعائم منهج السلف الصالح بالحجة البالغة والبرهان الساطع، والرجوع في كل ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما دل عليه العقل الصريح والفطرة السليمة، وما ورد عن الصحابة والتابعين، وعدم الالتفات إلى مناهج المناطقة ومسالك الفلاسفة. إن القضايا والمطالب التي اشتغل ابن تيمية بإظهارها وبيانها أو ابن القيم، إنما هي قضايا كلية ومطالب أساسية، عليها تبني مسائل كثيرة وفروع عديدة. فمن الأمثلة على ذلك (٢) : أ- وجوب اتباع الكتاب والسنة اتباعًا عامًا، وأنه لا تجوز معارضتهما برأي أو عمل أو ذوق أو غير ذلك، بل يجب أن يجعلا هما الأصل، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد. ب- أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة أصول معصومة، تهدي إلى الحق، لا يقع بينها التعارض، وأن القياس الصحيح موافق للنص أيضًا. جـ- أن للعلماء في اجتهاداتهم أسبابًا وأعذارًا، والواجب في المسائل الاجتهادية بيان الحق بالعلم والعدل. د- أن أحكام الشريعة مشروطة بالقدرة والاستطاعة إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. هـ- أن الرسول ﷺ أتم بيان هذا الدين، فالدين كامل والنصوص محيطة بأفعال المكلفين، وأن رسالته ﷺ عامة للثقلين وهي ضرورية للخلق. الجانب الثاني: الرد على الباطل وكشف زيفه، وبيان بطلانه، وذلك بعد

стр. 32

الوقوف على مآخذه لدي أهله؛ لمقارعة الحجة بالحجة. كل ذلك بأدلة المنقول والمعقول، مع النصيحة والبيان، فكان هذا الصنيع تصحيحًا للخطأ وتقويمًا للاعوجاج، وتوضيحًا للحق ودعوة إليه، وفضحًا للباطل وتحذيرًا منه. ومن الأمثلة على ذلك (١) : أ- مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وبيان طرفي الانحراف في هذه المسألة. ب- جناية التأويل وخطورته، وبيان الصحيح منه والباطل. جـ- الرد على من زعم أن النصوص تفيد الظن ولا تفيد اليقين، وذكر الأدلة على ذلك. د- درء التعارض بين العقل والنقل، وإقامة الأدلة والشواهد على ذلك. إن جهود ابن تيمية وابن القيم وآثارهما الجليلة امتداد لآثار من سبقهم من أئمة أهل السنة والجماعة، فقد استفاد هذان الإمامان من جهود ابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وابن السمعاني، ومن قبلهم الإمام الشافعي وغير هؤلاء من الأئمة. يضاف إلى ذلك أن جهود هذين الإمامين تمثل دراسة تقويمية لكتب المتكلمين الأصولية، ونقدًا لقواعد المتكلمين ومناهجهم، وبيانًا لما لها وعليها انطلاقًا من منهج السلف الصالح. وإذا أردنا الوقوف على آثار هذين الإمامين في أصول الفقه فإنه من الصعوبة الإحاطة بهذه الآثار على وجه الدقة، ذلك لضخامة تراثهم وسعة امتداده من جهة، ومن جهة أخرى فإن تآليفهما تتصف بالاستطراد والتشعب، فما أن يبتدئ الواحد منهما بموضوع حتى يفرع الكلام على غيره، وهذا يجره إلى غيره وهكذا، ولعل صفة الاستطراد عند ابن تيمية أظهر وأقوى منها بالنسبة إلى ابن القيم. لذا حَسُنَ جَمْعُ ما لهذين الإمامين من أبحاث أصولية في قائمتين خاصتين (٢) .

стр. 33

وفي هذا المقام يمكن الإشارة إلى كتابين مستقلين في أصول الفقه لهذين الإمامين، الأول كتاب "المسودة" لآل تيمية ، والثاني كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، على أن الأخير من هذين الكتابين ليس خاصًا في أصول الفقه إلا أن معظم مباحثه تتعلق بالأصول. أما كتاب "المسودة" فإنه في الأصل نقول (١) جمعها مجد الدين عبد السلام (٢) بن تيمية الحراني، جد شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، وتركها دون أن يبيضها، فعلق على بعضها ابنه شهاب الدين عبد الحليم (٣) ، والد شيخ الإسلام، وتركها أيضًا مسودة دون أن يبيضها، ثم جاء شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فعلق على بعضها وتركها أيضًا مسودة دون أن يبيضها، ثم قيض الله لهذه المسودات أحد تلاميذ (٤) شيخ الإسلام فجمعها ورتبها وبيضها وميز بعضها عن بعض، فما كان لشيخه قال فيه: "قال شيخنا"، وما كان لوالد شيخه قال فيه: "قال والد شيخنا"، وما كان لصاحب الأصل مجد الدين تركه مهملاً (٥) . والكتاب ضم جملة من النقول عن أئمة الحنابلة الأصوليين، وهذا هو الغالب فيه، لذا فهو مجمع لكثير من أقوال الحنابلة، ومرجع لتحرير مذهب الإمام

стр. 34

أحمد في عدد من المسائل الأصولية. والكتاب بحاجة إلى تنقيح وتهذيب لوجود تكرار في بعض مباحثه، وإلى ترتيب، إذ هو عبارة عن مسائل وفصول لا يجمعها باب ولا يضمها عنوان، فالكتاب إذن يحتاج إلى فهرسة دقيقة، إضافة إلى أن الكتاب لا يطمأن إليه في نسبة ما فيه إلى مؤلفيه؛ إذ تركوه دون تحرير ولا تحقيق فهو مسودة (١) . أما كتاب "إعلام الموقعين" فقد ذكر فيه ابن القيم مباحث أصولية مهمة أفاض الكلام عليها، فمن هذه المباحث (٢) : * القياس. * الاستصحاب. * التقليد. * الزيادة على النص. * قول الصحابي. * الفتوى. * دلالة الألفاظ على الظاهر. * سد الذرائع وتحريم الحيل. * ليس في الشريعة ما يخالف القياس. وهناك مباحث أخرى نفيسة ازدان بها هذا الكتاب، فمن ذلك: * ذكر أئمة الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. * شرح خطاب عمر ﵁ في القضاء. * أنواع الرأي المحمود والمذموم.

стр. 35

* مسائل في الطلاق والإيمان. * فتاوى النبي ﷺ في العقيدة وفي الأبواب الفقهية. * أمثلة على الحيل المباحة والباطلة. * أمثلة على رد المحكم بالمتشابه. * أمثلة على رد السنن بظاهر القرآن. وقد امتاز هذا الكتاب بكثرة الأمثلة الفقهية على عدد من المسائل الأصولية (١) ، وامتاز أيضًا ببيان حكمة التشريع ومقاصد الشريعة (٢) ، إضافة إلى حسن البيان وجمال الأسلوب، كما أن الكتاب جامع لكثير من الأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والتابعين (٣) ، وفيه نقول مطولة مهمة عن بعض الأئمة (٤) . فهو بذلك غاية في منهج أهل السنة والجماعة وعمدة في بيان طريقة السلف، والكتاب يحتاج إلى تخريج آثاره وفهرسة مباحثه ومطالبه، وحقيق بدراسة تبرز محاسنه وتفصح عن منهج مؤلفه ومصادره فيه ومقاصده منه (٥) . وفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت لبعض علماء أهل السنة مؤلفات أصولية إلا أنها على وجه العموم تأثرت بمنهج المتكلمين جملة. وهذا التأثر يختلف من كتاب إلى آخر. وفي المقابل فقد حافظت هذه المؤلفات في الجملة على منهج السلف، وهذه المحافظة أيضًا تختلف من كتاب إلى آخر.

стр. 36

ولعل مدى التأثر بمنهج المتكلمين ومقدار المحافظة على منهج السلف في هذه المؤلفات، يظهر بما سيأتي بيانه فيما يتعلق بالكلام على كتاب "الروضة" لابن قدامة (١) ، وكتاب "شرح الكوكب المنير" للفتوحي (٢) . فمن هذه المؤلفات (٣) : ١- "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" للإمام صفي الدين عبد المؤمن الحنبلي، المتوفي سنة (٧٣٩هـ) ، وهو مطبوع. ٢- "أصول الفقه" للإمام شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، المتوفي سنة (٧٦٣هـ) ، وهو مطبوع. ٣- "المختصر في أصول الفقه" للإمام علاء الدين ابن اللحام البعلي الحنبلي (٤) ، المتوفي سنة (٨٠٣هـ) ، وهو مطبوع. ٤- "شرح مختصر ابن اللحام في أصول الفقه" للإمام تقي الدين أبي بكر بن زيد الجراعي الحنبلي، المتوفي سنة (٨٨٣هـ) ، وهو غير مطبوع. ٥- "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" للإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي، المتوفي سنة (٨٨٥هـ) ، وهو غير مطبوع. ٦- "التحبير شرح التحرير" له أيضًا، وهو مطبوع. ٧- "مختصر التحرير" للإمام تقي الدين محمد بن أحمد، ابن النجار الفتوحي الحنبلي، المتوفي سنة (٩٧٢هـ) ، وهو مطبوع. ٨- "شرح مختصر التحرير" المشتهر بـ"شرح الكوكب المنير" له أيضًا، وهو مطبوع.

стр. 37

والملاحظ على هذه الكتب: أن جميعها لعلماء حنبليين وأن بعضها شرح لبعض: فـ"مختصر ابن اللحام" شرحه الجراعي، و"التحرير" للمرداوي اختصره الفتوحي، ثم شرح المختصر. وأن آخرها وقتًا وأوسطها حجمًا كتاب "شرح الكوكب المنير" لذا فقد اجتمعت هذه الكتب في هذا الكتاب وعادت إليه، فأمكن بهذا الاعتبار أن يجعل ختامًا لهذه المرحلة، ولذلك حسن إفراد هذا الكتاب بالدراسة كما سيأتي لاحقًا إن شاء الله (١) . وبذلك يُسدل الستار على هذه المرحلة الزمنية، والتي قصر الكلام فيها على الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم وعلى بعض علماء الحنابلة. - وخلاصة القول: أن هذه المرحلة تميزت بجهد علمي جليل قام على ركيزتين: الأولى: إيضاح وإبراز القواعد الأصولية على منهج السلف الصالح. والثانية: توجيه النقد وتصحيح الخلل لدي المتكلمين في قواعدهم الأصولية، وقد تم هذا الجهد المشكور على يد الإمام ابن تيمية، ومن بعده ابن القيم، وقد بني هذان الإمامان ذلكم الجهد على تلكم الثروة العلمية التي تركها للأمة الإمام الشافعي ومن سار على نهجه من بعده. ويضاف إلى ذلك ظهور مؤلفات لبعض علماء الحنابلة كابن اللحام، والمرداوي، والفتوحي، وكأن هذه المؤلفات امتداد لكتاب الروضة لابن قدامة الذي كان نقلة جديدة ظهر فيها بوضوح التأثر بمنهج المتكلمين، إلا أن المؤلفات في هذه المرحلة استجابت ولا شك، واستفادت ولا ريب من جهود ابن تيمية وابن القيم فظهر تأثر هذه المؤلفات -مع التفاوت في ذلك- بما قرره هذان الإمامان وبيناه جليًا واضحًا.

стр. 38

هذه هي المراحل التي مرت بها المسيرة المباركة لأهل السنة والجماعة في أصول الفقه، وقد ظهرت بعد ذلك مؤلفات أخرى لبعض أئمة أهل السنة، إلا أن هذه المؤلفات ترجع في الجملة إلى المراحل التي سبقتها. فمن هذه المؤلفات: ١- "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (١) ، للشيخ عبد القادر بن بدران الدومي الدمشقي، المتوفي سنة (١٣٤٦هـ) . ٢- "نزهة الخاطر العاطر" (٢) شرح كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، له أيضًا. ٣- "رسالة لطيفة في أصول الفقه" (٣) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٤) ، المتوفي سنة (١٣٧٦هـ) .

стр. 39

٤- "وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول"، للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (١) ، المتوفي سنة (١٣٧٧هـ) . ٥- "مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر" (٢) ، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، المتوفي سنة (١٣٩٣هـ) . ****

стр. 40

المطلب الثاني: دراسة مستقلة للكتب الأربعة: "الرسالة، والفقيه والمتفقه، وروضة الناظر، وشرح الكوكب المنير " أولاً: كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي ، المتوفي سنة (٢٠٤هـ) (١) : "هذا كتاب "الرسالة" للشافعي، وكفى الشافعي مدحًا أنه الشافعي، وكفى "الرسالة" تقريظًا أنها تأليف الشافعي" (٢) . أ- أصل الكتاب: ألف الشافعي كتاب "الرسالة" مرتين، ولذلك يعده العلماء في فهرس مؤلفاته كتابين: "الرسالة القديمة"، و"الرسالة الجديدة". أما "الرسالة القديمة" فالظاهر أنه ألفها في بغداد، إذ كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي (٣) ، وهو شاب أن يضع له كتابًا يذكر فيه: شرائط الاستدلال بالقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ، ومراتب العموم والخصوص. فوضع الشافعي له كتاب "الرسالة"، وأرسله إليه، ولذلك سمي الرسالة. فلما قرأها عبد الرحمن بن مهدي قال: ما ظننت أن الله تعالى خلق مثل هذا الرجل، ثم قال عبد الرحمن: "ما أصلي صلاة، إلا وأدعو للشافعي فيها" (٤) .
следующие страницы →