← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولعل مدى التأثر بمنهج المتكلمين ومقدار المحافظة على منهج السلف في هذه المؤلفات، يظهر بما سيأتي بيانه فيما يتعلق بالكلام على كتاب "الروضة" لابن قدامة (١) ، وكتاب "شرح الكوكب المنير" للفتوحي (٢) . فمن هذه المؤلفات (٣) : ١- "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" للإمام صفي الدين عبد المؤمن الحنبلي، المتوفي سنة (٧٣٩هـ) ، وهو مطبوع. ٢- "أصول الفقه" للإمام شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، المتوفي سنة (٧٦٣هـ) ، وهو مطبوع. ٣- "المختصر في أصول الفقه" للإمام علاء الدين ابن اللحام البعلي الحنبلي (٤) ، المتوفي سنة (٨٠٣هـ) ، وهو مطبوع. ٤- "شرح مختصر ابن اللحام في أصول الفقه" للإمام تقي الدين أبي بكر بن زيد الجراعي الحنبلي، المتوفي سنة (٨٨٣هـ) ، وهو غير مطبوع. ٥- "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" للإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي، المتوفي سنة (٨٨٥هـ) ، وهو غير مطبوع. ٦- "التحبير شرح التحرير" له أيضًا، وهو مطبوع. ٧- "مختصر التحرير" للإمام تقي الدين محمد بن أحمد، ابن النجار الفتوحي الحنبلي، المتوفي سنة (٩٧٢هـ) ، وهو مطبوع. ٨- "شرح مختصر التحرير" المشتهر بـ"شرح الكوكب المنير" له أيضًا، وهو مطبوع.

стр. 37

والملاحظ على هذه الكتب: أن جميعها لعلماء حنبليين وأن بعضها شرح لبعض: فـ"مختصر ابن اللحام" شرحه الجراعي، و"التحرير" للمرداوي اختصره الفتوحي، ثم شرح المختصر. وأن آخرها وقتًا وأوسطها حجمًا كتاب "شرح الكوكب المنير" لذا فقد اجتمعت هذه الكتب في هذا الكتاب وعادت إليه، فأمكن بهذا الاعتبار أن يجعل ختامًا لهذه المرحلة، ولذلك حسن إفراد هذا الكتاب بالدراسة كما سيأتي لاحقًا إن شاء الله (١) . وبذلك يُسدل الستار على هذه المرحلة الزمنية، والتي قصر الكلام فيها على الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم وعلى بعض علماء الحنابلة. - وخلاصة القول: أن هذه المرحلة تميزت بجهد علمي جليل قام على ركيزتين: الأولى: إيضاح وإبراز القواعد الأصولية على منهج السلف الصالح. والثانية: توجيه النقد وتصحيح الخلل لدي المتكلمين في قواعدهم الأصولية، وقد تم هذا الجهد المشكور على يد الإمام ابن تيمية، ومن بعده ابن القيم، وقد بني هذان الإمامان ذلكم الجهد على تلكم الثروة العلمية التي تركها للأمة الإمام الشافعي ومن سار على نهجه من بعده. ويضاف إلى ذلك ظهور مؤلفات لبعض علماء الحنابلة كابن اللحام، والمرداوي، والفتوحي، وكأن هذه المؤلفات امتداد لكتاب الروضة لابن قدامة الذي كان نقلة جديدة ظهر فيها بوضوح التأثر بمنهج المتكلمين، إلا أن المؤلفات في هذه المرحلة استجابت ولا شك، واستفادت ولا ريب من جهود ابن تيمية وابن القيم فظهر تأثر هذه المؤلفات -مع التفاوت في ذلك- بما قرره هذان الإمامان وبيناه جليًا واضحًا.

стр. 38

هذه هي المراحل التي مرت بها المسيرة المباركة لأهل السنة والجماعة في أصول الفقه، وقد ظهرت بعد ذلك مؤلفات أخرى لبعض أئمة أهل السنة، إلا أن هذه المؤلفات ترجع في الجملة إلى المراحل التي سبقتها. فمن هذه المؤلفات: ١- "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (١) ، للشيخ عبد القادر بن بدران الدومي الدمشقي، المتوفي سنة (١٣٤٦هـ) . ٢- "نزهة الخاطر العاطر" (٢) شرح كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، له أيضًا. ٣- "رسالة لطيفة في أصول الفقه" (٣) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٤) ، المتوفي سنة (١٣٧٦هـ) .

стр. 39

٤- "وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول"، للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (١) ، المتوفي سنة (١٣٧٧هـ) . ٥- "مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر" (٢) ، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، المتوفي سنة (١٣٩٣هـ) . ****

стр. 40

المطلب الثاني: دراسة مستقلة للكتب الأربعة: "الرسالة، والفقيه والمتفقه، وروضة الناظر، وشرح الكوكب المنير " أولاً: كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي ، المتوفي سنة (٢٠٤هـ) (١) : "هذا كتاب "الرسالة" للشافعي، وكفى الشافعي مدحًا أنه الشافعي، وكفى "الرسالة" تقريظًا أنها تأليف الشافعي" (٢) . أ- أصل الكتاب: ألف الشافعي كتاب "الرسالة" مرتين، ولذلك يعده العلماء في فهرس مؤلفاته كتابين: "الرسالة القديمة"، و"الرسالة الجديدة". أما "الرسالة القديمة" فالظاهر أنه ألفها في بغداد، إذ كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي (٣) ، وهو شاب أن يضع له كتابًا يذكر فيه: شرائط الاستدلال بالقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ، ومراتب العموم والخصوص. فوضع الشافعي له كتاب "الرسالة"، وأرسله إليه، ولذلك سمي الرسالة. فلما قرأها عبد الرحمن بن مهدي قال: ما ظننت أن الله تعالى خلق مثل هذا الرجل، ثم قال عبد الرحمن: "ما أصلي صلاة، إلا وأدعو للشافعي فيها" (٤) .

стр. 41

قال الفخر الرازي (١) : "ولما خرج الشافعي إلى مصر أعاد تصنيف كتاب "الرسالة"، وفي كل واحد منهما علم كثير" (٢) وقال الشيخ أحمد شاكر (٣) في تقديمه لكتاب "الرسالة": "وأيا ما كان فقد ذهبت "الرسالة القديمة"، وليست في أيدي الناس الآن إلا "الرسالة الجديدة"، وهي هذا الكتاب (٤) . ب- مميزات الكتاب: ١- أن كتاب "الرسالة" أول كتاب صُنف في أصول الفقه (٥) . قال الفخر الرازي: "اتفق الناس على أن أول من صنف في هذا العلم هو الشافعي، وهو الذي رتب أبوابه، وميز بعض أقسامه عن بعض، وشرح مراتبه في الضعف والقوة" (٦) . وقال أيضًا: "والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه إلا أنهم كلهم عيال على الشافعي فيه؛ لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق. ثم نقول: إن الإنسان الذي يكون واضعًا لعلم من العلوم ابتداءً، لو وقعت له فيه هفوة أو زلة، كانت مغفورة له، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، وذلك يدل على أن كل ما كان من عند الخلق فإنه لا ينفك عن الاختلاف والتناقض، والفاضل من عدت

стр. 42

سقطاته...." (١) . ٢- أن الشافعي حرر كتاب "الرسالة" تحريرًا؛ إذ أنه أعاد تصنيفه كما قال الشيخ أحمد شاكر: "الظاهر عندي – أيضًا – أنه أعاد تأليف كتاب "الرسالة" بعد تأليف أكثر كتبه التي في "الأم"؛ لأنه يشير كثيرًا في "الرسالة" إلى مواضع مما كتب هناك" (٢) . وقال الشافعي: "وكل حديث كتبته منقطعًا فقد سمعته متصلاً، أو مشهورًا عمن روي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه من عامة، ولكني كرهت وضع حديثٍ لا أتقنه حفظًا، وغاب عني بعض كتبي، وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظت، فاختصرت خوف طول الكتاب فأتيت ببعض ما فيه الكفاية، دون تقصي العلم في كل مرة" (٣) . فيؤخذ من هذا الكلام: أن الشافعي لم يُثبت في هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما أتقن حفظه وتحقق من ثبوته. وأنه يكتب من حفظه؛ إذ لم تكن كتبه كلها معه. وأنه أراد الاختصار وعدم التطويل، ولم يقصد الاستقصاء. ٣- أن كتاب "الرسالة" كتاب حديث ورواية، فقد ذكر الشافعي فيه عددًا كبيرًا من الأحاديث بأسانيدها المتصلة (٤) ، وتكلم فيه على مسائل مهمة في علوم الحديث (٥) ، بل قيل: إن كتاب "الرسالة" أول كتاب ألف في أصول الحديث أيضًا (٦) . ٤- أن كتاب "الرسالة" كتاب فقٍه وأحكام، فقد تكلم الشافعي على

стр. 43

آيات كثيرة من كتاب الله، مفسرًا ومستنبطًا (١) ، كما أنه عزز القواعد الأصولية بعدد كبير من الفروع الفقهية من شتى أبواب الفقه (٢) . ٥- أن كتاب "الرسالة" كتاب أدب ولغة، ذلك أن الشافعي لم تدخل على لسانه لكنة، ولم تحفظ عليه لحنة أو سقطة، فكلامه لغة يحتج بها (٣) . ٦- أن الشافعي رتب كتابه – في الغالب – على طريقة المحاورة والسؤال والجواب، وذلك مثل: "قال لي قائل.... فما حجتكم في القياس وتركه؟ ... فقلت له.....، قال.....، قلت....." وأحيانًا يأتي بالكلام على صيغة الاعتراض، وذلك مثل: "فإن قال قائل......قلنا....." "فإن قيل.....قيل له......". ولا شك أن ذلك أدعى للانتباه وأقوى في البيان. جـ- مصادر الكتاب: من خلال النظر في كتاب "الرسالة" يمكن الوقوف على مصادر الإمام الشافعي التي استقى منها مادة الكتاب، وذلك على النحو الآتي: ١- الآيات القرآنية الكريمة (٤) . ٢- الأحاديث النبوية الشريفة (٥) . ٣- عمل الصحابة (٦) . ٤- أقوال التابعين (٧) . ٥- إجماع أهل العلم (٨) .

стр. 44

٦- لغة العرب (١) . ٧- أقوال بعض أهل العلم (٢) . د- موضوعات الكتاب وترتيبها: اشتمل كتاب "الرسالة" على علوم عدة؛ ففيه المسائل الفقهية والأحكام الشرعية، والقضايا الحديثية، والفوائد اللغوية، وفيه - أيضًا - الموضوعات الأصولية، وهي التي كان لها الحظ الأكبر من هذا الكتاب، بل إن أصول الفقه هو المقصود من تأليفه (٣) ، وما عداه فإنما يذكر تبعًا له، ويمكن ترتيب الموضوعات الأصولية في كتاب "الرسالة" على النحو الآتي: ١- حجية السنة عمومًا، وحجية خبر الواحد خصوصًا. ٢- الأخبار "العلم"، الإجماع، القياس، قول الصحابي، الاستحسان. ٣- بيان منزلة السنة من الكتاب، ومنزلة الإجماع والقياس. ٤- الناسخ والمنسوخ. ٥- صفة النهي. ٦- المجمل والمبين، والعام والخاص. ٧- الاجتهاد. ٨- ما يجوز من الاختلاف وما لا يجوز. ٩- الأحاديث التي ظاهرها التعارض ووجه التوفيق بينها، "العلل في الأحاديث". هذا مجمل الموضوعات الأصولية في كتاب "الرسالة"، والملاحظ أن الإمام الشافعي لم يذكرها بهذا الترتيب، ويمكن معرفة ترتيب الشافعي لهذه الموضوعات بالرجوع إلى كتاب "الرسالة" (٤) .

стр. 45

ثانيًا: كتاب الفقيه والمتفقه (١) للإمام الحافظ الخطيب البغدادي، المتوفي سنة (٤٦٣هـ) (٢) : أ- سبب تأليف الكتاب: صنف الخطيب هذا الكتاب نصيحة لطائفتين، لأهل الحديث، ولأهل الرأي (٣) . ذلك أن أكثر كتبة الحديث في زمانه ابتعدوا عن معرفة فقه ما كتبوه وفهم معنى ما دونوه، ومنعوا أنفسهم عن محاضرة الفقهاء، وذموا مستعملي القياس من العلماء، وذلك لما سمعوه من الأحاديث التي تعلق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه والتحذير منه، فلم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه، بل سبق إلى نفوسهم أنه محظور على عمومه، ثم قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم، وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم، فنقضوا بذلك ما أحلوه، واستحلوا ما حرموه. وحُق لمن كانت حاله هذه أن يطلق فيه القول الفظيع، ويشنع عليه بضروب التشنيع، فهذا طعن أهل الرأي والمتكلمين في أهل الحديث. أما أهل الرأي فجل ما يحتجون به من الأخبار واهية الأصل، ضعيفة عند

стр. 46

العلماء بالنقل، فأظهر أهل الحديث فسادها، فشق عليهم إنكارهم إياها، وهم قد جعلوها عمدتهم، واتخذوها عدتهم، وكان فيها أكثر النصرة لمذاهبهم، فغير مستنكر لذلك أن يطعن أهل الرأي على أهل الحديث، وأن يرفضوا نصيحتهم؛ لأنهم قد هدموا ما شيدوه، وأبطلوا ما راموه وقصدوه (١) . وبعد أن ذكر هذا الواقع قال الخطيب: "فقد ذكرت السبب الموجب لتنافي هذين الفريقين، وتباعد ما بين هاتين الطائفتين، ورسمت في هذا الكتاب لصاحب الحديث خاصة، ولغيره عامة ما أقوله نصيحة مني له، وغيرة عليه" (٢) . ب- موضوعات الكتاب وترتيبها: بالنسبة للمسائل الأصولية فقد رتبها الخطيب في كتابه هذا على الترتيب المعروف عند الأصوليين: ١- فذكر أولاً باختصار شديد أقسام الحكم الشرعي. ٢-ثم فصل القول في الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. ٣- وعند كلامه على الكتاب والسنة ذكر طرق الاستنباط، ودلالات الألفاظ، والناسخ والمنسوخ، لكونها خاصة بهما، فذكر الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ. ٤- وعند كلامه على الإجماع ذكر قول الواحد من الصحابة بعد ذكره لوجوب اتباع ما عليه الصحابة من إجماع وخلاف. ٥- ثم تكلم على استصحاب الحال. ٦- ثم ذكر ترتيب استعمال الأدلة واستخراجها. ٧- ثم تكلم على الاجتهاد والتقليد والفتوى. وكان قد افتتح كتابه بالكلام على التفقه في الدين، ثم بالكلام على المسائل الأصولية على الترتيب السابق، ثم ختم الكتاب بذكر أخلاق الفقيه وآدابه. فالكتاب إذن له موضوعان رئيسان: أدب التفقه، وأصول الفقه.

стр. 47

جـ- مميزات الكتاب: ١- خصص المؤلف ما يقارب ثلث الكتاب للكلام على فضل الفقه والتفقه في الدين، وأخلاق الفقيه وآدابه. ٢- نقل المؤلف في كثير من المسائل الأصولية أقوال الإمام الشافعي واقتفى آراءه. ٣- استشهد المؤلف بالكثير من الآيات والأحاديث والآثار المروية بالإسناد عن الصحابة والتابعين والأئمة في تثبيت القواعد الأصولية، والاحتجاج للأدلة الشرعية، وهذه المزية عزيزة الوجود في الكتب الأصولية. ٤- ساق المؤلف بأسانيده ما استشهد به من أحاديث وآثار -في الغالب- وهذا الصنيع يسهل مهمة التحري لمن أراد ذلك. ٥- حرر المؤلف كثيرًا من المسائل الأصولية وأدلى فيها برأيه، وكثيرًا ما يذكر الرأي المخالف وأدلته ويجيب عنها (١) . ٦- اعتنى المؤلف بالتعريفات والتقاسيم في بداية كل باب. فبذلك يمكن أن يسمى كتاب "الفقيه والمتفقه" بأصول فقه المحدثين، خاصة وأن المؤلف -كما سبق بيانه- أراد بتأليف هذا الكتاب التقريب بين المحدثين والفقهاء، والرفع من قيمة الفقه وشأن الفقهاء، وفي الوقت نفسه الإرشاد إلى أهمية معرفة الحديث وشرف أهله. د- تقويم الكتاب: يحتاج كتاب "الفقيه والمتفقه" إلى عناية من الأوجه الآتية: أولاً: تحقيق ودراسة الأسانيد الواردة، للحكم على الأحاديث والآثار التي احتج بها المؤلف. ثانيًا: إبراز المسائل بعناوين واضحة؛ فإن المؤلف يتكلم على مسائل الباب الواحد، ولا يفصل بين المسألة والأخرى بفاصل يفيد الانتهاء أو الانتقال. ثالثًا: إخراج الكتاب بطبعة جديدة، حسنة التنسيق، جميلة الصف، يعتنى

стр. 48

فيها بعلامات الترقيم، وسلامة الإملاء (١) . أما الطبعة الحالية فإنها كثيرة السقط والأخطاء، سيئة التنظيم، مشوشة العرض (٢) . رابعًا: وضع فهارس متنوعة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والآثار، والأعلام وفهرس دقيق للمسائل الأصولية. ثالثًا: "كتاب روضة الناظر وجنة المناظر" للإمام الموفق ابن قدامة المقدسي ، المتوفي سنة (٦٢٠هـ) (٣) . أ- أصل الكتاب: تبع ابن قدامة في كتابه هذا الإمام الغزالي في "المستصفى"، حتى قال بعض العلماء: إن الروضة مختصر "المستصفى" (٤) . وهذه مزية لكتاب "الروضة"؛ ذلك أن "المستصفى" ترجع أهميته إلى أمور، منها: ١- مكانة الغزالي العلمية. ٢- تأخر الغزالي في الزمان، فاستطاع لذلك الوقوف على أهم الكتب الأصولية (٥) .

стр. 49

٣- كون "المستصفى" من آخر كتب الغزالي الأصولية، إذ ألفه بعد كتابيه: "تهذيب الأصول"، و"المنخول"، وجمع فيه بينهما (١) . ٤- أن الغزالي أحسن ترتيب "المستصفى" وأجاد، بحيث يفيد قارئه الإمساك بأطراف هذا الفن وجمع مقاصده (٢) . لذلك لقي كتاب "المستصفى" الاهتمام والقبول والانتشار الواسع (٣) ، بل إن كتاب "المستصفى" يعتبر مرحلة مهمة في تاريخ علم الأصول، إذ به اكتمل بناء هذا العلم واستوى على سوقه بالنسبة للمتكلمين. فما قبل كتاب "المستصفى" من مؤلفات، اجتمعت في "المستصفى" بأحسن عبارة وألطف ترتيب، وما بعده من مؤلفات إنما هي اختصار للمستصفى واقتباس، فالمستصفى عمدة كتب الأصول عند المتكلمين، وركنها الوثيق، وسندها المتين. وقد أحسن ابن قدامة الاختيار حينما جعل كتاب "المستصفى" أصلاً لكتابه. ومما يزيد هذا الاختيار حسنًا أن ابن قدامة لم يقلد الغزالي في آرائه وفي سائر منهجه، بل ظهرت لابن قدامة في "الروضة" لمساته، وبرزت فيه شخصيته المستقلة. ولعل توضيح ذلك يكون بعقد موازنة مختصرة بين الكتابين: ب- موازنة بين "الروضة" و "المستصفى": ومن خلالها تتضح مميزات كتاب "الروضة": ١- أثبت ابن قدامة في أول "الروضة" مقدمة تضمنت مسائل من فن المنطق، وقد تابع ابن قدامة الغزالي في ذلك، مع أن ابن قدامة لم يكن متكلمًا ولا منطقيًا، ولم يكن هذا من عادة الأصوليين.

стр. 50

ولما اطلع بعض الحنابلة على "الروضة" ورأى فيها المقدمة المنطقية عاتب ابن قدامة وأنكر عليه، فأسقطها ابن قدامة من "الروضة" بعد أن انتشرت بين الناس، فلهذا توجد في نسخة دون نسخة (١) . ٢- تابع ابن قدامة الغزالي في ترتيب الأبواب إلا أن الغزلي جعل مسائل كتابه تحت أقطاب، وبين في مقدمة كل قطب ما اشتمل عليه، فيقف الناظر في المقدمة على ما في أثنائه، وهذه طريقة الفلاسفة إذ لا تكاد تجد لهم كتابًا إلا وقد ضبطت مقالاته وأبوابه في أوله. وابن قدامة لم ير الحاجة ماسة إلى الاعتناء بذلك، أو أنه أحب ظهور الامتياز بين الكتابين (٢) . ٣- نقل ابن قدامة في "الروضة" كثيرًا من نصوص ألفاظ الغزالي وبنى كتابه عليها، وتصرف فيها بحسب رأيه (٣) ، وربما قدم وأخر، أو زاد وأنقص. ٤- اعتنى ابن قدامة بآراء الإمام أحمد بن حنبل، وضم إلى "الروضة" أقوال الحنابلة وأثبتها (٤) ، وهذا دليل على أن ابن قدامة رجع إلى كتب الحنابلة في الأصول واستفاد منها. ٥- قرر ابن قدامة مذهب السلف في مسائل عدة وذكر أدلتهم، وأبطل قول المخالفين لهم (٥) . ٦- ظهرت شخصية ابن قدامة المستقلة من خلال ترجيحاته واختياراته التي اعتمد فيها على الحجة والدليل، ولم يكتف برأي الغزالي وترجيحه أو بما ذكره من أدلة، بل أضاف ابن قدامة أدلة لم يتعرض الغزالي لذكرها أيد بها رأيه (٦) ، وربما اعترض على أدلة الغزالي وأجاب عنها (٧) .

стр. 51

٧- حذف ابن قدامة الكثير من الاعتراضات الجدلية (١) واختصر بعض الأدلة العقلية (٢) ، وحذف البعض الآخر (٣) ، وأعرض عن مسائل (٤) وهذب مسائل أخرى (٥) ، فكان هذا تصفية لكتاب "المستصفى"، وصار كتاب "الروضة" بذلك أصغر حُجًا، وأقرب نفعًا، وأسهل مأخذًا. جـ- أثر كتاب الروضة: ممن استفاد (٦) من كتاب الروضة وتأثر به كثيرًا: الإمام صفي الدين عبد المؤمن البغدادي الحنبلي (٧) . في كتاب "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" (٨) ، والإمام علاء الدين ابن اللحام البعلي الحنبلي (٩) في كتابه "المختصر في أصول الفقه" (١٠) .

стр. 52

وقد شرح كتاب "الروضة" الشيخ ابن بدران، الدومي، الدمشقي (١) ، وسماه: "نزهة الخاطر العاطر" (٢) ، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٣) ، وسماه:

стр. 53

"مذكرة أصول الفقه" (١) . وقد طبع كتاب "الروضة" طبعات كثيرة، مع شرحه: "نزهة الخاطر العاطر"، ومستقلاً بدون الشرح (٢) . رابعًا: كتاب "شرح الكوكب المنير" للشيخ تقي الدين ابن النجار الفتوحي ، المتوفي سنة (٩٧٢هـ) (٣) . أ- أصل الكتاب: كتاب "الكوكب المنير" (٤) جعله مؤلفه شرحًا على "مختصر التحرير"

стр. 54

له (١) ، وكتاب (مختصر التحرير) اختصر فيه المؤلف كتاب "التحرير" (٢) للمرداوي الحنبلي، المتوفي سنة (٨٨٥هـ) (٣) ،، ثم إن المرداوي شرحه في كتاب التحبير (٤) . ب- مميزات الكتاب: ١- أن حجمه متوسط بين الصغير والكبير. ٢- أثبت المؤلف في هذا الكتاب الكثير من أقوال العلماء، وأرجع كل قول إلى مصدره، ونسب القول إلى قائله (٥) ، وهو بذلك يفصل ما أجمله في المختصر، ويوضح ما أبهمه فيه، والناظر في هذا الكتاب يلاحظ الدقة في النقل، والأمانة في التوثيق، والاعتراف بالفضل لأهله. ٣- أضاف المؤلف في هذا الكتاب عددًا من الفوائد والتنابيه والتذانيب (٦) ، كل ذلك بعبارة سلسلة وأسلوب سهل واضح، وهو بذلك يبث روح المتعة

стр. 55

والفائدة في ثنايا المسائل الأصولية (١) . ٤- أكثر المؤلف من الاستشهاد بالآيات القرآنية الكريمة (٢) والأحاديث النبوية الشريفة (٣) في معرض الاحتجاج والاستدلال، وكذلك في سياق التمثيل والتوضيح. ٥- اعتنى المؤلف بتقرير مذهب السلف في مواضع عدة (٤) ، وأكثر من النقل عن أئمة أهل السنة والجماعة، كالإمام الشافعي، وأحمد، وابن قدامة، وابن تيمية، وغيرهم (٥) . ٦- تابع المؤلف في ترتيب الكتاب ابن الحاجب (٦) في مختصره، وذلك تبعًا لترتيب المرداوي في تحريره. أما ترتيب ابن الحاجب فإنه قد اتبع فيه الآمدي (٧) ، وهو على النحو الآتي: أ- المقدمة، وفيها تعريف أصول الفقه ومبادؤه.

стр. 56

والكلام على المبادئ اللغوية. والكلام على مسائل الأحكام: الحاكم، والحكم الشرعي وأقسامه، والتكليف. ب- الأدلة وما يتعلق بها: الكتاب، السنة "أفعال رسول الله ﷺ "، الإجماع، الأخبار (المتواتر والآحاد) ، الأمر والنهي، العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين، الظاهر والتأويل، المنطوق والمفهوم، النسخ، القياس، الأدلة المختلف فيها. جـ- الاجتهاد، والتقليد، والفتوى. د- التعارض والترجيح. ٧- امتاز هذا الكتاب أيضًا بكثرة مصادره، فقد رجع المؤلف في هذا الكتاب إلى أشهر الكتب الأصولية (١) ، فبذلك يكون مرجعًا لمعرفة أقوال الأصوليين في جميع المذاهب. ٨- وهو – في الوقت ذاته – مرجع لمذهب الحنابلة في المسائل الأصولية، فقد اعتمد المؤلف على أهم كتب الحنابلة ونهل منها (٢) . ٩- وقد طبع هذا الكتاب في أربعة مجلدات طبعة جيدة مع فهرسة دقيقة، قام بذلك الدكتور محمد الزحيلي، والدكتور نزيه حماد. وهو من مطبوعات جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

стр. 57

الباب الأول: الأدلة الشرعية عند أهل السنة والجماعة وفي هذا الباب أربعة فصول: الفصل الأول: الكلام على الأدلة الشرعية إجمالاً. الفصل الثاني: الأدلة المتفق عليها. الفصل الثالث: الأدلة المختلف فيها. الفصل الرابع: النسخ، والتعارض، والترجيح، وترتيب الأدلة

стр. 58

توطئة يمكننا ابتداءً تقسيم الأدلة الشرعية - باعتبارات مختلفة - إلى: متفق عليها ومختلف فيها، وقطعية وظنية، ونقلية وعقلية. وسنتعرض في الفصل الأول من هذا الباب إلى الكلام على الأدلة الشرعية إجمالاً من خلال هذه التقسيمات، وذلك في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الأدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها. المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطع والظن. المبحث الثالث: الأدلة الشرعية من حيث النقل والعقل. أما الكلام بالتفصيل على كل واحد من الأدلة الشرعية -المتفق عليها والمختلف فيها- فسيكون ضمن فصلين اثنين هما: الفصل الثاني: وفيه الكلام على الأدلة المتفق عليها. والفصل الثالث: وفيه الكلام على الأدلة المختلف فيها. وأما الفصل الرابع: فسيكون الكلام فيه على أمور أربعة تتعلق بالأدلة، وهي: النسخ، والتعارض، والترجيح، وترتيب الأدلة، وذلك من خلال أربعة مباحث، لكل أمر مبحث مستقل، والله الموفق. ****

стр. 59

الفصل الأول: الكلام على الأدلة الشرعية إجمالا وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الأدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها. المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطع والظن. المبحث الثالث: الأدلة الشرعية من حيث النقل والعقل.

стр. 60

المبحث الأول: الأدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها

стр. 61

اتفق أهل السنة على أن الأدلة المعتبرة شرعًا أربعة وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وذلك من حيث الجملة (١) . قال الشافعي: ".....وجهة العلم الخبر في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس" (٢) . واتفقوا أيضًا على أن هذه الأدلة الأربعة ترجع إلى أصل واحد، هو الكتاب والسنة، إذ هما ملاك الدين وقوام الإسلام (٣) . قال الشافعي: ".....وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، وأن ما سواهما تبع لهما" (٤) . وهذه الأدلة الأربعة متفقة لا تختلف، إذ يوافق بعضها بعضًا ويصدق بعضها بعضًا؛ لأن الجميع حق والحق لا يتناقض (٥) ، وهي كذلك متلازمة لا تفترق، فجميع هذه الأدلة يرجع إلى الكتاب (٦) ، والكتاب قد دل على حجية السنة، والكتاب والسنة دلا على حجية الإجماع، وهذه الأدلة الثلاثة دلت على حجية القياس (٧) . لذلك صح أن يقال: مصدر هذه الأدلة هو القرآن، باعتبار أنه الأصل، وأن ما عداه بيان له، وفرع عنه، ومستند إليه. ويصح أيضًا أن يقال: مصدر هذه الأدلة هو الرسول ﷺ ؛ لأن الكتاب إنما سمع منه تبليغًا، والسنة تصدر عنه تبيينًا، والإجماع والقياس مستندان في إثباتهما

стр. 62

إلى الكتاب والسنة (١) . قال ابن تيمية: "....... وكذلك إذا قلنا: الكتاب والسنة والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد؛ فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنه الرسول ﷺ فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك. وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقًا موافقًا لما في الكتاب والسنة (٢) . ومما مضى يتبين أن الكتاب والسنة هما أصل الأدلة الأربعة المتفق عليها، وهذا الأصل قد يسمى بالنقل، أو الوحي، أو السمع، أو الشرع، أو النص، أو الخبر، أو الأثر، يقابله العقل، أو الرأي، أو النظر، أو الاجتهاد، أو الاستنباط. وقد امتاز هذا الأصل العظيم - أعني الكتاب والسنة - بخصائص، وتفرد بفضائل، واقترنت به آداب، أظهرها أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى. إنها قواعد مهمة للتعامل مع النصوص الشرعية، ومقدمات ضرورية للنظر في الكتاب والسنة، وهي أصول للاستنباط وضوابط للتفكير. خصائص أصل الأدلة "الكتاب والسنة": ١- أن هذا الأصل وحي من الله، فالقرآن الكريم كلامه سبحانه، والسنة النبوية بيانه ووحيه إلى رسوله ﷺ (٣) ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . ٢- أن هذا الأصل إنما بلغنا عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا سماع لنا من الله

стр. 63

تعالى، ولا من جبريل ﵇، فالكتاب سُمع منه تبليغً، والسنة تصدر عنه تبيينًا (١) ، وقد قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] . ٣- أن الله قد تكفل بحفظ هذا الأصل، كما قال سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] (٢) ، قال ابن القيم: "والله تعالى قد ضمن حفظ ما أوحاه إليه ﷺ وأنزل عليه؛ ليقيم به حجته على العباد إلى آخر الدهر" (٣) . ٤- أن هذا الأصل هو حجة الله التي أنزلها على خلقه. قال الشافعي: ".........لأن الله جل ثناؤه أقام على خلقه الحجة من وجهين، أصلهما في الكتاب: كتابه ثم سنة نبيه" (٤) . وقال ابن القيم: "إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله، فقال: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا﴾ [الفرقان: ١] . وقال: ﴿وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] . فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به" (٥) . ٥- أن هذا الأصل هو جهة العلم عن الله وطريق الإخبار عنه سبحانه. قال ابن عبد البر: "وأما أصول العلم فالكتاب والسنة (٦) يوضحه". ٦- أن هذا الأصل هو طريق التحليل، والتحريم، ومعرفة أحكام الله، وشرعه. قال ابن تيمية: "وأوجب عليهم الإيمان به، وبما جاء به، وطاعته، وأن

стр. 64

يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله...." (١) . ٧- وجوب الاتباع لهذا الأصل، ولزوم التمسك بما فيه (٢) . قال الشافعي: ".......وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله، أو سنة رسول ﷺ " (٣) . ٨- أن وجوب اتباع هذا الأصل عام، فلا يجوز ترك شيء مما دل عليه هذا الأصل، أبدًا، وتحرم مخالفته على كل حال. قال ابن عبد البر: ".....وقد أمر الله بطاعته ﷺ واتباعه أمرًا مطلقًا مجملاً، لم يقيد بشيء - كما أمرنا باتباع كتاب الله - ولم يقل وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ" (٤) . وقال ابن تيمية: "......فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: الكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع، لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحدً الخروج عن شيء مما دلت عليه، وهي مبنية على أصلين: أحدهما: أن هذا جاء به الرسول. والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه. وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق" (٥) . ٩- وجوب التسليم التام لهذا الأصل وعدم الاعتراض عليه. خصص الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتاب "الفقيه والمتفقه"، فقال: "باب تعظيم السنن، والحث على التمسك بها، والتسليم لها، والانقياد إليها، وترك الاعتراض عليها" (٦) . ١٠- أن معارضة هذا الأصل قادح في الإيمان.

стр. 65

قال ابن القيم: "إن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقًا، ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة، وليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة" (١) . ١١- أن هذا الأصل به تفض المنازعات، وإليه ترد الخلافات، كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] ، وقال جل شأنه: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠] . قال الشافعي: "ومن تنازع ممن بعد رسول الله رد الأمر إلى قضاء الله ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسًا على أحدهما" (٢) . وقال ابن تيمية: "فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فأي القولين دل عليه الكتاب والسنة وجب اتباعه" (٣) . ١٢- أن هذا الأصل تمتنع معه الاستشارة. قال البخاري: "وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها. فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداءً بالنبي ﷺ " (٤) . ١٣- أن هذا الأصل يوجب تغيير الفتوى لمن أفتى بخلافه. وقد بوب الدارمي (٥) لذلك في سننه، فقال: "باب الرجل يفتي بشيء، ثم يبلغه عن النبي ﷺ ، فرجع إلى قول النبي ﷺ " (٦) .

стр. 66

١٤- أن هذا الأصل يوجب الرجوع عن الرأي وطرحه إذا كان مخالفًا له. وقد خصص الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه "الفقيه والمتفقه" فقال: "ذكر ما روي من رجوع الصحابة عن آرائهم التي رأوها إلى أحاديث النبي ﷺ إذا سمعوها ووعوها" (١) . ١٥-أن هذا الأصل هو الإمام المقدم، فهو الميزان لمعرفة صحيح الآراء من سقيمها. قال الشافعي: "..... وأن يجعل قول كل أحد وفعله أبدًا تبعًا لكتاب الله ثم سنة رسوله" (٢) . وقال ابن عبد البر: "واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة؛ بل السنة عيار عليه" (٣) . وقال ابن القيم: "وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ذلك" (٤) . ١٦-أن هذا الأصل إذا وجد سقط معه الاجتهاد وبطل به الرأي، وأنه لا يصار إلى الاجتهاد والرأي إلا عند عدمه، كما لا يصار إلى التيمم إلا عند عدم الماء (٥) . ١٧- أن إجماع المسلمين لا ينعقد على خلاف هذا الأصل أبدًا قال الشافعي: "..أو إجماع علماء المسلمين، الذين لا يمكن أن يجمعوا على خلاف سنة له" (٦) . وقال أيضًا:"أما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط" (٧) . ١٨- أن القياس موافق لهذا الأصل، فلا يختلفان أبدًا (٨) .

стр. 67

١٩- أن هذا الأصل لا يُعارض العقل، بل إن صريح العقل موافق لصحيح النقل دائمًا (١) . ٢٠- أن هذا الأصل يقدم على العقل إن وجد بينهما تعارض في الظاهر (٢) . ٢١- أن هذا الأصل كله حق لا باطل فيه. قال ابن تيمية: ".....وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع" (٣) . ٢٢- أن هذا الأصل لا يمكن الاستدلال به على إقامة باطل أبدًا؛ من وجهٍ صحيح (٤) . ٢٣- أن هذا الأصل يحصل به العلم واليقين، خلافًا لمن قال: إن الأدلة السمعية لا تفيد إلا الظن (٥) . ٢٤- أن في هذا الأصل الجواب عن كل شيء، إذ هو مشتمل على بيان جميع الدين أصوله وفروعه (٦) . قال الشافعي: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (٧) . ٢٥- أن هذا الأصل واضح المعاني ظاهر المراد، لا لبس في فهمه ولا غموض. قال ابن القيم: "وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم قطعًا مراد الله ورسوله منها. كما نعلم قطعًا أن الرسول بلغها عن الله، فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد الله خبرًا كانت أو طلبًا، بل العلم بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم بمراد كل متكلم من كلامه، لكمال علم المتكلم وكمال بيانه، وكمال هداه

стр. 68

وإرشاده، وكمال تيسيره للقرآن، حفظًا وفهمًا، عملاً وتلاوة. فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلغهم معانيه، بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه" (١) . ٢٦- أن في التمسك بهذا الأصل الخير والسعادة والفلاح، وفي مخالفته والإعراض عنه الشقاء والضلال (٢) . قال ابن تيمية: "أصل جامع في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه، وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم، وأن النجاة والسعادة في اتباعه والشقاء في مخالفته" (٣) . وقال أيضًا: "قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة وبيان أن السعادة والهدي في متابعة الرسول ﷺ ، وأن الضلال والشقاء في مخالفته، وأن كل خير في الوجود -إما عام وإما خاص- فمنشؤه من جهة الرسول، وأن كل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة" (٤) . ٢٧- أن هذا الأصل ضروري لصلاح العباد في الدنيا والآخرة. قال ابن تيمية: "والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، فإن الإنسان مضطر إلى الشرع" (٥) . وقال أيضًا: "والرسالة ضرورية للعباد، لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟. والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة.

стр. 69

وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات. قال تعالى: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلامت ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢] " (١) . ٢٨- أن هذا الأصل لابد له من تعظيم وتوقير وإجلال. وقد بوب الدارمي في سننه لذلك بقوله: "باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي ﷺ حديث فلم يعظمه ولم يوقره" (٢) . وكذلك صنع الخطيب البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه"، فقال: "باب تعظيم السنن...." (٣) . وبوب ابن عبد البر في جامعه قائلاً: "باب ذكر بعض من كان لا يحدث عن رسول الله إلا وهو على وضوء" (٤) . ٢٩- أن هذا الأصل ترجع إليه جميع الأدلة: المتفق عليها والمختلف فيها كذلك (٥) . ****

стр. 70

المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطع والظن وفي هذا المبحث النقاط الآتية: ١- معنى القطع والظن. ٢- العمل بالظن نوعان. ٣- العمل بالعلم نوعان. ٤- القطع والظن من الأمور النسبية. ٥- انقسام الأدلة الشرعية إلى قطعية وظنية. ٦- إفادة نصوص الكتاب والسنة القطع. ٧- بطلان القول بأن نصوص الكتاب والسنة لا تفيد اليقين. ٨- بطلان القول بأن الفقه كله أو أكثره ظنون. ٩- العوامل التي ساعدت على انتشار القول بأن الفقه أكثره ظنون. ١٠- بيان أن الأدلة الظنية متفاوتة فيما بينها. ١١- هل يكفي في مسائل أصول الدين الظن؟

стр. 71

١- معنى القطع والظن (١) : القطع: بمعنى الجزم، والعلم، واليقين. وهو: اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقًا للواقع. والظن: خلاف اليقين، وقد يستعمل بمعنى اليقين. وهو: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض. ٢- العمل بالظن نوعان (٢) : اتباع الظن قد يكون مذمومًا، وقد يكون حسنًا. ذلك أن اتباع الظن المجرد الخالي عن العلم هو الذي ورد في القرآن الكريم ذمه، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ، ﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] ، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩] ، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، ففي هذه الآيات ذم لمن عمل بغير علم وعمل بالظن. أما اتباع الظن المستند إلى علم فإنه لا يدخل في الظن المذموم في الآيات السابقة. إذ إن اتباع الظن المستند إلى علم اتباع للعلم لا للظن؛ لأن ترجيح ظن على ظن لا بد له من دليل، فيكون ترجيحه مستندًا إلى علم ودليل، فاتباعه لهذا الظن الراجح اتباع لما عُلم رجحانه فيكون متبعًا للعلم لا للظن وهو اتباع

стр. 72

الأحسن، لأنه إذا كان أحد الدليلين هو الراجح فاتباعه هو الأحسن وهذا معلوم. قال تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] ، وقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] . ٣- العمل بالعلم نوعان (١) : الواجب على المجتهدين العمل بالعلم، لكن هذا العلم إما ألا يحتمل النقيض، وهذا فيما إذا كان الدليل المتبع دليلاً قاطعًا، فهذا عمل باعتقاد الرجحان، لا برجحان الاعتقاد، وهو اعتقاد رجحان هذا على هذا. وإما أن يحتمل النقيض، وهو أن يكون الدليل المتبع خلاف الثابت في نفس الأمر، وهذا فيما إذا كان الدليل المتبع ظنيًا، لكن عمل به لكونه استند إلى دليل أفاد ترجيحه. والمقصود أن الذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس وما يوجد في جميع العلوم والصناعات، كالطب والتجارة، العمل بالعلم، فلا يعملون إلا بالعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادًا عمليًا، لكن لا يلزم إذ كان أرجح ألا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر. وذلك مثل الحكم بالبينة، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة ولم يأت الآخر بشيء، كان الحاكم عالمًا بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم، مع أن الآخر قد تكون له حجة لا يعلمها أو لا يحسن أن يبينها، فيكون مضيعًا لحقه حيث لم يبين حجته، والحاكم لم يحكم إلا بعلم وعدل. وهكذا أدلة الأحكام فإذا تعارض خبران قدم الأقوى منهما، وإن جاز أن يكون في نفس الأمر الخبر المرجوح هو الحق، لكونه هو الأقوى في الحقيقة إلا أن المجتهد لم يعلم بذلك، فالمجتهد إنما عمل بعلم، وهو علمه برجحان هذا على هذا، فهو إذن ليس ممن لا يتبع إلا الظن. وليس للمجتهد أن يترك ما يعلمه إلى ما لا يعلمه لإمكان ثبوته في نفس

стр. 73

الأمر، فإذا كان لابد من ترجيح أحد القولين وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، وإن لم يعلم انتفاءه من جهته، والواجب قطعًا ترجيح المعلوم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، فهذا من رجحان الاعتقاد لا من اعتقاد الرجحان، إذ أنه رجح هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد وهو الظن لكن ليس من الظن الذي قال الله فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] ، بل هو ظن راجح، ورجحانه معلوم، فحكم المجتهد بما علمه من الظن الراجح والدليل الراجح، وهذا معلوم له لا مظنون عنده. قال ابن تيمية: "فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه، وأن العالم إنما يعمل بما يوجب العلم بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه. وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز اتباعه، وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] ، فهم لا يتبعون إلا الظن، ليس عندهم علم، ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علمًا لم يكونوا ممن لا يتبع (١) إلا الظن. والله أعلم (٢) . ٤- القطع والظن من الأمور النسبية (٣) : كون الشيء قطعيًا أو ظنيًا أمر إضافي، فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو النقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعًا ولا ظنًا، وقد يحصل القطع لإنسانٍ، ولا يحصل لغيره سوى الظن. وإنما اختلف الناس في ذلك بسبب اختلافهم في الاطلاع على الأدلة، والقدرة على الاستدلال، وتفاوتهم في الذكاء وقوة الذهن وسرعة الإدراك. قال ابن تيمية: "وقد تبين أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم، وأن الفقه من أجل العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر.

стр. 74

إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر. وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] (١) . ٥- انقسام الأدلة الشرعية إلى قطعية وظنية (٢) : الأدلة الشرعية منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني: فالدليل القطعي: ما كان قطعي السند والثبوت، وقطعي الدلالة أيضًا. وحكم هذا النوع من الأدلة وجوب اعتقاد موجبه علمًا وعملاً، وأنه لا يسوغ فيه الاختلاف، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة (٣) . قال الإمام الشافعي: "أما ما كان نص كتاب بين، أو سنة مجتمع عليها، فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منها، ومن امتنع من قبوله اسُتتيب" (٤) . وقال أيضًا: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه" (٥) . فقوله: (لمن علمه) يفيد أن الخلاف في هذا النوع يمكن أن يقع من جهة تحقيق المناط. يوضح ذلك ما قاله ابن تيمية: "وإنما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي؟ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي؟ " (٦) . وقال أيضًا: "....... وكل من كان بالأخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس مثله. وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرًا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا؟ وهذا أيضًا باب واسع، فقد يقطع قوم من العلماء

стр. 75

بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم، إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه، أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع" (١) . أما النوع الثاني وهو الدليل الظني: فهو ما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية، أو كان ثبوته غير قطعي. وحكم هذا النوع: وجوب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين، أما إن تضمن حكمًا علميًا عقديًا، فمذهب السلف أنه لا فرق بين الأمور العلمية والعملية وأن العقائد تثبت بالأدلة الظنية (٢) . قال ابن تيمية: "وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد. فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة. وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم. وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي تثبت بالأدلة الظاهرة تارة، وبالأدلة القطعية تارة أخرى. ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا، وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من حيث إن كلاً منهما إخبار عن الله، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل فكذلك الإخبار عنه بالثاني، بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك، فإن كان ذلك الوعيد حقًا كان الإنسان قد نجا، وإن لم يكن الوعيد حقًا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك
следующие страницы →