← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7373

موضوعات صالحة للخطب والوعظ

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (296 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

موضوعات صالحة للخطب والوعظ جَمعها ورَتَّبها وطَبعها محمد بن عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين. أما بعد: «فإن أحسن ما أنفقت فيه الأنفاس هو التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته» . «وآيات الرَّب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، ويَعرفون أسماءه، وصفاته، وأفعاله، وتوحيده، وأمره، ونهيه» . هاتان العبارتان مما جادت به قريحة الإمام العلامة محمد بن أبي بكر -ابن قيم الجوزية- ﵀ (ت ٧٥١هـ) وسال به قلمه الذي طال النفع به الخلق الكثير. وقال في الثناء على كتابه «مفتاح دار السعادة» : إن شئت اقتبست منه معرفة الصانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغير استئذان، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره. وإن شئت اقتبست منه معرفة قدر الشريعة وشدة الحاجة إليها؛ ومعرفة جلالتها وحكمتها، وإن شئت

стр. 3

اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الحاجة إليها؛ بل وضرورة الوجود إليها، وأنه يستحيل من أحكم الحاكمين أن يخلي العالم منها. وإن شئت اقتبست منه ما فطر الله عليه العقول من تحسين الحسن وتقبيح القبح، وأن ذلك عقلي وفطري اهـ. ومن هنا انطلقت؛ فاقتبست من هذا الكتاب ومن غيره من مؤلفاته ما يتعلق بمعرفة الله بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإنسان وميزانه ومصيره، إلى غير ذلك مما ستراه مفصلاً بصور خطب. وفيها عدد قليل ليس من كتبه. وبما أن هذه الخطب السبع والثلاثين (٣٧) ليست من إنشائي، وإنما اخترتها، وجمعتها، ورتبتها، واختصرت بعض العبارات، وربطت بينها، وعلقت عليها ببعض العبارات التي رأيت الحاجة داعية إليها من كلام ابن القيم وغيره، وبعضها من عندي، وعزوت كلاَّ إلى صاحبه، وذكرت مراجع كل خطبة بعد نهايتها فقد سميتها (موضوعات صالحة للخطب والوعظ) ليستعمل منها الخطيب والواعظ ما يريدانه. وكان من همي قديمًا التطلع إلى ما يتعلق بإثبات وجود الله ﷻ وتوحيد ربوبيته والرد على الملحدين، فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: «فأما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه» . وقد يسر الله في هذه كثيرًا مما أردت. وقال النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض:

стр. 4

الله، الله» (١) ، وقال: «ولا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» وقال أيضًا: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎» (٢) . وقد كان ما أخبر به النبي ﷺ من عبادة الأوثان في فئام من الأمة، وجَدُّوا في تعظيم القبور وإحياء آثار أصحابها للتبرك بها. ومن ناحية أخرى وجود الزهد في العبادات في فئام أخرى من الأمة هجروا ما جاء به الرسول ﷺ كُلِّيًا واتخذوه وراءهم ظهْريًا أو تخيروا فيما أنزل الله فعملوا ببعض وتركوا بعضًا. فأولئك في طرف. وهؤلاء في طرف. والإسلام وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين. ولا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ على الحق منصورة. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. ومن مبادئ العزوف عن ذكر اسم الله تعالى ما اعتاده بعض الناس في تبادل التحيات بينهم، كقوله: صباح النور. صباح الفل. مساء الخير. مساء النور. لا يقول: صبحكم الله بالخير. مساكم الله بالخير. وبدلاً من أن يقول: في أمان الله. في حفظ الله. يقول: مع السلامة. فهذا يشبه «عِمْ صَبَاحًا» .

стр. 5

وكان شيخنا- ﵀ إذا لاقاه أحد في الطريق فقال: صبحك الله بالخير. رد عليه: «عليكم السلام» ليعلمه السنة. فكيف لو سمع: صباح الفل. صباح الياسمين. اللهم اجعلنا ممن يقدرك حق قدرك، وأعنا على امتثال أمرك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك، وسببًا للنجاة من الجحيم والفوز بدار النعيم، فإنك رحيم كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين. محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ٦/١٤١٩هـ

стр. 6

لا تشَكُّكَ في وجود الله ﵎ الحمد لله الذي يسر على الإنسان علم ما هو محتاج إليه في معاشه ومعاده أتم تيسير، وأهَّلَ من شاء لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يستحق العبادة إلا هو؛ لإحسانه إلى عباده، ولجلاله وجماله وكماله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه وإخوانه المرسلين، مذكرين بهذا الحق ومعذرين ومنذرين. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فيا عباد الله: تأملوا حِكمَ اللَّطيف الخبير أن يسر على الإنسان طرق ما هو محتاج إليه من العلم، وكلما كانت حاجته إليه من العلم أعظم كان تيسيره إياه عليه أتم فأعطاه معرفة خالقه وباريه ومبدعه سبحانه والإقرار به؛ ولهذا قالت الرسل لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي أن يخطر له شك مَّا في وجود الله سبحانه، وإنما يكون الشك فيما تخفى أدلته وتشكل براهينه، فأما من له في كل شيء محسوس أو

стр. 7

معقول آية بل آيات مؤدية عنه شاهدة بأنه الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين فكيف يكون فيه شك؟! فالرسل عليهم الصلاة والسلام إنما دعوا أممهم إلى عبادته وحده، لا إلى الإقرار به؛ فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء فهو أظهر للبصائر من الشمس للأبصار، وأبين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده، فما ينكره إلا مكابر بلسانه من كل جحود كفور، وقلبه وعقله وفطرته كلها تكذبه. فقد نصب سبحانه من الأدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله الأدلة على اختلاف أنواعها ما لا يطيق حصرها إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطرة، ووضعه في العقل جملة، فإذا قال الداعي: يا الله! قام بقلبه ربا، قيومًا بنفسه، مستويًا على عرشه، مكلمًا، متكلمًا، سامعًا، رائيًا، قديرًا، مريدًا، فعالًا لما يشاء، يسمع دعاء الداعين، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج عن المكروبين، ترضيه الطاعات، وتغضبه المعاصي، تعرج الملائكة بالأمر إليه، وتنزل بالأمر من عنده، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٠، ٣١] هذه هي الفطرة. واسمعوا عباد الله إلى دلالة العقل، قال تعالى منكرًا على المشركين معه غيره في العبادة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطُّور: ٣٥] ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطُّور: ٣٦] ، يقول تعالى: هؤلاء مخلقون بعد أن لم يكونوا، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق.

стр. 8

ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانًا وقصورًا وعمارات محكمة لم يخالجه شك ولا ريب أن صانعًا صنعها وبانيًا بناها. ثم قال: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطُّور: ٣٥] وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة، ولا أصبعًا واحدًا، ولا ظفرًا، ولا شعرة، كيف يكون خالقًا لنفسه في حال عدمه؟ وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا خلقهم وفاطرًا فطرهم. ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطُّور: ٣٦] وبين بهذا القسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين، وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السموات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه، فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون به إلهًا غيره وهو وحده الخالق لهم؟ ﴿بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطُّور: ٣٦] فعدم إيقانهم هو الذي يحملهم على الشرك به في العبادة. وهذا إبراهيم ﵇ استدل «بأفعال الرب» حين حاجه النمرود، الكافر الجحود، إذ قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته، أوهم الحاضرين أنه يفعل مثل ما يفعله الله فيكون ربًا.

стр. 9

فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فإن كنت صادقًا فافعل مثل فعله في طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها أنت من جهة أخرى. استدل إبراهيم ﵇ بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته ومشيئته لا يقدر أحد سواه على ذلك. فلما علم عدو الله صحة ذلك وأن من هذا شأنه على كل شيء قدير بهت وأمسك وظهر بطلان دعواه وكذبه، وأنه لا يصلح للربوبية وأهلكه الله وجنوده، قال زيد بن أسلم (١) : جمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليهم بابا من البعوض فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت فيه أربعمائة سنة عذبه الله بها حتى أهلكه بها. واقتدى به فرعون حين دعاه موسى إلى ربه وفاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه: جنينًا، وصغيرًا، وكبيرًا، وآتاه الله الملك، فقابل هذا بغاية الكفر والعناد، وادعى أنه رب العالمين، هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى، ولا قدر فهدى، فكذب الخبر، وعصى الأمر، ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر، فحشر جنوده فأجابوه، ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى واستخفهم فأطاعوه، فبطش به جبار السموات والأرض بطش عزيز مقتدر، وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر.

стр. 10

ولا يستنكر الجحود يا عباد الله مع ظهور الأدلة، فهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة، تجد الرجل منغمسًا في النعم وقد أحاطت به من كل جانب وهو يشكو حاله ويتسخط مما هو فيه (١) وربما أنكر النعمة، فضلال النفوس وغيها لا حد له تنتهي إليه. ودل الدليل العقلي والشرعي على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى خالق واحد، موصوف بصفات يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها وأشكالها وهيئاتها عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» فقال الأعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الضباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها. قال: «فمن أجرب الأول؟!» وفي لفظ: «أفرأيت الأول من أعداه» (٢) . فكل مخلوق له أول، والخالق سبحانه لا أول له؛ فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن. ومن الأدلة العقلية ما أبقاه الله تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك وآثار ديارهم وما حل بهم، وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم وجعل العاقبة لهم، قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٩] وقال في ثمود ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ

стр. 11

لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٢، ٥٣] وقال عن قوم لوط: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤، ٣٥] . وقال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الله تعالى: فقال: يا سبحان الله! إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! فاستدل الأعرابي بالأثر على المؤثر، كقوله تعالى لمن قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فُصّلَت: ١٥] . وحكي عن أبي حنيفة ﵀: أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه- ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه. فالمخلوقات جميعها وما تضمنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمة للخالق عينًا، فانتقال الذهن منها إلى العلم بالخالق كانتقال الذهن من رؤية الدخان إلى أن تحته نار، ومن رؤية الجسم

стр. 12

المتحرك قسرًا إلى أن له محركًا، ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها، ونظائر ذلك. فعلم العقل بوجود الخالق كجزم الحس بما يشاهده من آياته المشهودة. وآياته سبحانه هي: دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونهيه. فآياته سبحانه وأدلة توحيده وما أخبر به من المعاد وما نصبه من الأدلة لصدق رسله لا تحتاج إلى ما يزعمه كثير من النظار أنه دليل، كقولهم: كل ممكن مفتقر إلى واجب، وكل محدث مفتقر إلى محدث. فإن هذه القضية الكلية بعد تعبهم في تقريرها ودفع ما يعارضها لا تدل على مطلوب معين وخالق معين، وإنما تدل على واجب مَّا ومُحدِث مَّا (١) . فاتقوا الله عباد الله وأحمدوه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، واذكروه يذكركم، وأشكروه يزدكم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .

стр. 13

الخطبة الثانية الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسر كلًا لما خلق له، وربك أعلم وأحكم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الخلق أجمع، ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الأثر. أما بعد: فيا عباد الله حاجة العباد إلى معرفة ربهم وفاطرهم ومعبودهم ﷻ فوق مراتب الحاجات كلها؛ فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعبدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ونهاية مرادهم، وذكره والتقرب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم. فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالًا من الأنعام بكثير، وكانت الأنعام أطيب عيشًا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. ثم إن الله ﷻ كما يسر على الإنسان طرق المعرفة بربه ﵎ فقد يسر عليه معرفة ما يجب عليه من «أفعاله التكليفية» بيَّن بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر الله به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه.

стр. 14

وبهذا يكون دينه كاملاً، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] . وكذلك أعطاهم سبحانه من العلوم المتعلقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقدر حاجتهم: كعلم الطب، والحساب، وعلم الزراعة، وضروب الصنائع، واستنباط المياه، وعقدة الأبنية، وصنعة السفن، واستخراج المعادن، وتهيئتها لما يراد منها، وتركيب الأدوية، وصنعة الأطعمة، ومعرفة ضروب الحيل في صيد الوحش والطير ودواب الماء، والتصرف في وجوه التجارات، ومعرفة وجوه المكاسب، وغير ذلك مما فيه قيام معايشهم. ثم منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك مما ليس من شأنهم؛ ولا فيه مصلحة لهم، ولا نشأتهم قابلة له؛ فجهلهم به لا يضر، وعلمهم به لا ينتفعون به انتفاعًا طائلاً: كعلم الغيب، وعلم ما كان وكل ما يكون، والعلم بعدد القطر، وأمواج البحر، وذرات الرمال، ومساقط الأوراق، وعدد الكواكب ومقاديرها، وعلم ما فوق السموات وما تحت الثرى، وما في لجج البحار، وأقطار العالم، وما يكنه الناس في صدورهم، وما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، إلى سائر ما غرب عنهم علمه. ومنعهم من العلم علم الساعة، ومعرفة آجالهم فإن كان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش وخربت الدنيا لأن عمارتها بالآمال، وإن تحقق طول عمره لم يبال بالانهماك في الشهوات وأنواع الفساد وتأخير التوبة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ

стр. 15

يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨] (١) إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ (٢) .

стр. 16

الله أكبر من كل شيء وأعظم الحمد لله الذي بهرت بدائع صنعه الألباب، وخضعت لجبروته الصعاب، فكل محسوس إلى ربوبيته هاد، وكل موجود إلى وحدانيته داع. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثل له، ولا ولد له، ولا والد له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله وسائر النبيين قبله إلى من شاء من عباده، فجعلهم سفراء بينه وبين خلقه، وأمدهم بعونه، وحبا نبينا من كرامته بالقسم الأفضل، ومن الأصحاب بالحظ الأوفر. والحمد لله الذي كرمنا بتصديقه، وشرفنا باتباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم أزكى صلواته، وأفضل سلامه وأتم تحياته (١) . أما بعد فقد روى الإمام ابن خزيمة ﵀ وغيره، عن عدي بن حاتم الطائي ﵁ في قصة إسلامه، قال: «أتيت النبي ﷺ وهو جالس في المسجد- وكنت نصرانيًا- فقام فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى

стр. 17

حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره، فألقيت له وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما يفرك أن تقول: لا إله إلا الله- أي ما يحملك على الفرار إلا التوحيد- فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا. ثم تكلم ساعة، ثم قال: يا عدي ما يفرك، أيفرك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ قال: قلت: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضُلاّل. قال: قلت: فإني حنيف مسلم. قال فرأيت وجهه ينبسط فرحا» ففي هذا الحديث- يا عباد الله- أعظم دلالة على عظمة الله ﵎، وأنه أكبر من كل شيء: ذاتًا، وصفة، وأفعالاً (١) . والعالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق سبحانه في غاية الصغر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٧] فالأرض، والسماء الدنيا فوقها محيطة بها من كل جانب، وكذا الباقي، والكرسي فوق السموات كلها بين يدي العرش، ونسبة السموات وما فيها إلى الكرسي كحلقة في فلاة، والجملة بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، والعرش فوق جميع المخلوقات مقبب له قوائم وهو سقف الجنة، وتحته بحر.

стр. 18

هذا العرش العظيم الذي هو أعلا المخلوقات خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى عظمة الله وكبريائه، كما في الحديث الذي رواه أبو داود، عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ﷺ : «إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة» . وروي عن ابن عباس قال: ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. وروى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعَام: ٩١] الآية. المعنى ما عظم المشركون الله حق عظمته حين عبدوا معه غيره ونسبوا له الصاحبة والولد، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته. ومن عظمته سبحانه أن الخلق كلهم يرونه من غير خفاء ولا ازدحام، روى أبو داود في سننه، عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله: أكلنا يرى ربه مخليًا به يوم القيمة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا أبا رزين: أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟» قال: بلى. قال: «فإنما هو خلق من خلق الله، فالله أجل وأعظم» .

стр. 19

فكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر، فيقرره بذنوبه. ومن عظمته سبحانه أنه لما تجلى منه ما تجلى للجبل ساخ الجبل في الأرض وتدكدك لعظمة ما رأى، واستغفر موسى من ذلك السؤال، وسبح ربه ﵎. والجبل أكبر من موسى وأعظم خلقًا. قال ابن عباس ﵄: ما تجلى منه للجبل إلا قدر الخنصر فجعل الجبل ترابًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعرَاف: ١٤٣] . وفي الحديث الذي رواه البخاري: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . فإذا كانت سبحات وجهه- وهي جلاله ونوره- لا يقوم لها شيء من خلقه، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجماله. وفي حديث حذيفة في رؤية المؤمنين ربهم في الجنة: «فيكشف الله الحجب فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتون لاحترقوا» (١) .

стр. 20

ومن عظمته سبحانه «سعة سمعه» : يسمع كلام عباده كله مع اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم؛ يسمع دعاءهم سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] . وروى ابن أبي حاتم، عن عائشة ﵂ أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وهي تقول: يا رسول الله أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجَادلة: ١- ٤] . وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين

стр. 21

عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال العبد: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل» فهذا يقوله لكل مصل قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك، وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من لا يحصي عدده إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا. «وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما» فإذا كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل؛ فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم، أو إجابة دعائهم؟ ومن عظمته سبحانه أنه يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم لا يشغله هذا عن هذا. وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. قيل لابن عباس: كيف يحاسبهم في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. ومن عظمته سبحانه أن الخلق كلهم لا يحيطون به روى ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعَام: ١٠٣] .

стр. 22

قال: «لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدا» . ومن صفاته العظيمة: «غناه التام» فإنه ﴿يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعَام: ١٤] ، وفي قراءة ولا يَطْعَمُ بفتح الطاء فهو الغني بذاته عن كل ما سواه. ومن مخلوقاته الملائكة وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون كما ذكر الله ذلك عنهم في قصة ضيف إبراهيم ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هُود: ٧٠] . عباد الله هذه الآيات والأحاديث وما في معناها تدل بداهة على وجود الله ﵎ وعظمته، وأنه محسوس لبعض الخلق ببعض الحواس الخمس؛ فقد أدرك موسى كلامه بحاسة سمعه ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّساء: ١٦٤] وآدم ﴿قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٣٣] وتسمع كلامه الملائكة ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبأ: ٢٣] ، وأنه يمكن الإحساس به فيرى يوم القيامة، ويسمع كلامه. والإنسان يقر بوجود أشياء لا يحس بها هو كوجود بعض الأماكن والأمم وأجداده الذين لم يدركهم؛ بل ومادته التي كُوِّن منها لا يحس بها هو ولا ينكرها عاقل (١) ، لكنه يمكن أن يحس بها غيره.

стр. 23

أما ما لا يحس ولا يمكن الإحساس به فلا يكون موجودًا. عباد الله ولا يكفي الإيمان بأن لهذا الكون خالقًا، ولا الإيمان بأن وراء هذا الكون قوة مدبرة (١) بل لابد من الإيمان بالله بالأوصاف التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله، وأنه هو خالق هذا الكون وحده، والأمر له وحده، والعبادة له وحده، ولابد من وجود العبادة له وحده على وفق ما شرعه سبحانه. عباد الله: إن العلم والإقرار بصفات الله تعالى وعظمته يدعو الإنسان إلى المبادرة بفعل الأوامر، والابتعاد عن المناهي، قال بعض السلف: ما عصى الله إلا جاهل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبيَاء: ١٠٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي سبحت الكائنات بحمده، هو تعالى كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، العالم بالأسرار والخفيات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مبرأة من الإشراك في الأقوال والأعمال والنيات.

стр. 24

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله شهدت برسالته المعجزات، فعليه وعلى آله وأصحابه أكمل السلام والصلوات. أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى؛ فتقواه دلالة على أن المرء قد عظم الله، واعبدوه كأنكم ترونه، ولو رأيتموه في هذه الحياة لبطل التكليف وارتفع الثواب روى الطبراني عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول: ثلاث غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل بسوء أبدًا، لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت أنا: الملك، من ذا الذي له الملك دوني، فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير فيستيقنوها، وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون، وقد بينته لهم» . واعلموا عباد الله أن صفات الله تعالى ثابتة له معلومة المعاني، ولا تماثلها صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشّورى: ١١] وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١٢٨] إن الله وملائكته يصلون على النبي ... (١) .

стр. 25

محاسن ربنا ﷻ (أسماؤه، وصفاته) الحمد لله المتفرد بالعظمة والجلال، الكبير المتعال، حي قيوم لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبرياء رداؤه، والعظمة إزاره. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله» اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، المعظمين لأمر الله ونهيه. أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى، واحمدوه أن عرفكم بنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لتقدروه حق قدره. وتنالوا القرب إليه والفوز بثوابه. أخبركم سبحانه أنه «الأول» بلا بداية، فقال (هو الأول) روى البخاري والترمذي عن عمران بن حصين ﵁، قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من بني تميم، فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» . قالوا: بشرتنا فأعطنا، مرتين. فتغير وجهه. ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» . قالوا: قبلنا يا رسول الله. ثم قالوا: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا

стр. 26

الأمر ما كان. قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» . لما سألوه عن بداية هذا العالم المشاهد أخبرهم أنه تعالى كان قبل كل شيء (١) . وفي الدعاء المشهور الذي رواه مسلم: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فأوليته سبحانه سابقة على أولية ما سواه، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده. و «الظاهر» علوه وعظمته. و «الباطن» قربه ودنوه. وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «كان في عماءٍِ ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء، ثم استوى عليه» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما. والعماء هو السحاب الكثيف المطبق كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] .

стр. 27

ولنستمع يا عباد الله إلى ذكر بعض محاسن ربنا جل وعلا المتمثلة في صفاته العليا وأسمائه الحسنى- فمنها أنه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥] الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم. «مالك السماوات والأرض» الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. «العالم بكل شيء» الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب. «البصير» الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضاءها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع. «السميع» الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره، وسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه أصوات الخلق، ولا تشتبه عليه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه كثرة السائلين. قالت عائشة ﵂ وعن أبيها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله ﷺ وإني ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجَادلة: ١] (١) . «القدير» الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، والبر برًا، والفاجر فاجرًا، وهو الذي

стр. 28

جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره، وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه أن يعلمه إياه. ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته. ولكمال «غناه» استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه. ولكمال «عظمته وعلوه» وسع كرسيه السموات والأرض، ولم تسعه أرضه ولا سمواته ولم تحط به مخلوقاته، بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط. ولا تنفد «كلماته» ولا تبدل، ولو أن البحر يمده سبعة أبحر مدادًا (١) وأشجار الأرض أقلامًا فكتب بذلك المداد وبتلك الأقام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته، إذ هي غير مخلوقة، ويستحيل أن يَفْنَى غيرُ المخلوق بالمخلوق. وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين، ويحبونه، بل لا شيء أحب إليهم منه، ولا أشوق إليهم من لقائه، ولا أقر لأعينهم من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه. وأنه سبحانه له «الحكمة البالغة» في خلقه وأمره، وله «النعمة السابغة» على خلقه، وكل نعمه منه فضل، وكل نقمة منه عدل. وأنه أَرحمُ بعباده من الوالدة بولدها، وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقدها واليأس منها. وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو دون طاقتهم. وأنه سبحانه لا يعاقب أحدًا بغير ذنب فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما

стр. 29

لا يقدر على فعله، ولا على ما لا قدرة له على تركه. وأنه حليم، كريم، واجد، محسن، ودود، صبور، شكور، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، ولا أحب إليه المدح منه، ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، جميل يحب الجمال، طيب يحب كل طيب، نظيف يحب النظافة، عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب الكرماء، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، عدل يحب أهل العدل، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، عفو غفور يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم. صادق يحب الصادقين رفيق يحب الرفق، جواد يحب الجود وأهله. رحيم يحب الرحماء، وتر يحب الوتر. [وبالجملة] فكل صفة غليا، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها. وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء عليه وتسبيح وتقديس- فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه لكثرة صفاته وكمالها، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولاً وآخرًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، ورفيع مجده وعلوِّ جَدِّه. فاتقوا الله عباد الله واقدروه حق قدره. أعوذ بالله من الشيطان

стр. 30

الرجيم ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٧] . الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا على نعمائه، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا بإلهيته، واعترافًا بما يجب على الخلق من الأذعان لربوبيته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله أكرم الخلق وأزكاهم، وأعرفهم بالله وأتقاهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه النبيين، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله قد ذم الله من لم يقدره حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم، ولم يقدره حق قدره من عبد معه إلهًا آخر، ولم يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلاله. والإيمان به سبحانه لا يتم إلا بتعظيمه، ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه، وتعظيم الأمر يدل على تعظيم الآمر. وأول مراتب تعظيم الآمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة إليه رغم القواطع والموانع، ثم بذل الجُهْدِ والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأمورًا به سواء ظهرت

стр. 31

له حكمته أو لم تظهر. فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر أو فقهها العقل كانت زيادة في البصيرة والداعية إلى الامتثال وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده ولم يقدح في امتثاله. ولا يغتر المسلم بمن حذق في العلوم الصناعية والرياضية، واستنبطوا بعقولهم وجودة قرائحهم وصحة أفكارهم ما عجز أكثر الناس عن تعلمه واستنباطه، فَيَظُنُّ أن معرفتهم بالعلوم الإلهية والمعارف الربانية كمعرفتهم بهذه العلوم الصناعية والرياضية، فهذا الظن أو هذه البلية جرأت كثيرًا من النفوس على تكذيب الرسل واستجهالهم. وما عرف أصحاب هذه الشبهة أن الله سبحانه قد يعطي أجهل الناس به وبأسمائه وصفاته من الحذق في العلوم الرياضية والصنائع العجيبة ما تعجز عنه عقول أكثر الناس ومعارفهم، وقد قال النبي ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وقال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم وزنه ولا علم له بشيء من دينه. وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) [غافر: ٨٣] إن أحسن الحديث ...

стр. 32

الله الخالق، لا الطبيعة تدبير الملائكة، تسبيح المخلوقات الحمد لله الخالق البارئ المصور، لا يستحق هذه الأسماء الحسنى سواه، برأ الخليقة وأوجدها، وأبدعها على غير مثال سبق لها، وأعطى العبد التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب وبراه، يغيرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا يتعداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب كل شيء ومليكه، لا رب لشيء من الأشياء إلا هو، وهو إله كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزّخرُف: ٨٤] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبيَاء: ٢٢] وسبحان الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه وخبره فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه إلا بواسطة هذا الرسول الذي اصطفاه الله واجتباه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين يضيفون جميع الحوادث إلى مشيئة الله (١) وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا عباد الله- الخلق أعظم الأفعال، فإنه لا يقدر عليه

стр. 33

إلا الله، فالقدرة عليه أعظم من كل قدرة، وليس له نظير في قدر المخلوقين فما خلقه الله من أنواع الحيوان والنبات والمعدن كالإنسان والفرس، والحمار، والأنعام، والطير، والحيتان، فإن بني آدم لا يستطيعون أن يصنعوا مثل هذه الدواب. وكذلك الحنطة والشعير والباقلاء، واللوبيا، والعدس، والعنب، والرطب، وأنواع الحبوب والثمار لا يستطيع الآدميون أن يصنعوا مثلما يخلقه الله . وكذلك المعادن كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، لا يستطيع بنو آدم أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله، وإنما غايتهم أن يشبهوا من بعض الوجوه فيصغرون وينقلون مع اختلاف الحقائق؛ فإن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرّعد: ١٦] وفي الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن المصورين، وقال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» ، ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان. وما يصنعونه فهو لم يخلق لهم مثله؛ فإنه سبحانه أقدرهم على أن يصنعوا طعامًا مطبوخًا، ولباسًا منسوجًا، وبيوتًا مبنية من الفخار والزجاج ونحو ذلك (١) . عباد الله: وليس الطبع خالقًا لشيء؛ لأن كل حركة في

стр. 34

الوجود ناشئة عن الإرادة والاختيار، والطبع لا إرادة له ولا اختيار (١) فبطل أن يضاف خلق شيء من المخلوقات- العَرَضِيَّة فضلاً عن الجوهرية- (٢) إلى الطبع الذي في الأجسام: مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام هو طبع، والخالق للنبات هو طبع؛ بل تضاف هذه الحوادث حتى أفعال الحيوان إلى خلق الله ومشيئته وربوبيته، وهذه طريقة أهل العلم والإيمان وهم أصح عقلاً ودينًا. فأما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، ويرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات، ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة، كما يذكرون في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته الباطنة والظاهرة، وما يذكرونه من القوى التي في الأجسام التي تكون بها الحركة، والقوة الجاذبة، والهاضمة، والغاذية، والدافعة، والمولدة، وغير ذلك، إلى غير ذلك من الأسباب ما هو عبرة لأولي الأبصار. لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم.

стр. 35

وتجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض مثل حركة الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة، ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة وكذلك إضافة الزلزلة إلى احتقان البخار، وإضافة حركة الرعد إلى مجرد اصطكاك أجرام السحاب إلى غير ذلك من الأسباب -فشهدوا بعض اٍلأسباب- المرئية، وجهلوا أكثر الأسباب، وأعرضوا عن الخالق المسبب لذلك كله، فضلوا في ذلك ضلالاً مبينًا؛ فإن خلق الله سبحانه للسحاب بما فيه من المطر من هذا البحر وبخار الأرض كخلقه للحيوان من المني، وخلق الشجر من الحب والنوى؛ ومعلوم أن المني جسم صغير لا يشبه الذي للحيوان من الأعضاء المكسوة والمتنوعة في أقدارها وصفاتها وحكمها وغاياتها هل يقول عاقل إن هذا مضاف إلى عرض وصفة حالٍ في جسم صغير، أو يضاف هذا إلى ذلك الجسم الصغير؟! هذا من أفسد الأمور في بديهة العقل. ومعلوم أنه لا نسبة إلى خلق هذا من هذا وإلى ما يصنعه بنو آدم من الصور التي يصنعونها من المداد: مثل الكتابة بالمداد، ونسيج الثياب من الغزل، وصنع الأطعمة والبنيان من موادها، وهم مع ذلك لم يخلقوا المواد، وإنما غايتهم حركة خاصة تعين على تلك الصورة. ثم لو أضاف مضيف هذه الكتابة إلى المداد لكان الناس جميعًا يستجهلونه ويستحمقونه فالذي يضيف خلق الحيوان والنبات إلى مادتها أو ما في مادتها من الطبع أليس هو أحمق وأجهل وأظلم وأكفر؟!!

стр. 36

وقد يعارضهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوى والأسباب، ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا، كقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعرَاف: ٥٧] ، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البَقَرَة: ١٦٤] (١) . عباد الله: جميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم هي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما فما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض الذين ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبيَاء: ٢٧] كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النَّازعَات: ٥] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذّاريَات: ٤] . وكما دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات. وجميع المخلوقات عابدة لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين، وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم؛ بل عبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلهيته وهي الغاية المقصودة

стр. 37

منها وبها قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨، ٥٠] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] وفي الصحيحين من حديث أبي ذر قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غربت الشمس قال: «يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذن لها» وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ثم قرأ: (ذلك مُسْتَقَر لها) في قراءة عبد الله. واتقوا الله عباد الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النُّور: ٤١] .

стр. 38

الخطبة الثانية الحمد لله الواحد القاهر، يفعل ما يشاء ويختار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فإذا قال له: كن. كان. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار من ولد عدنان. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: أيها المسلم إن سمعت من يقول بأن وجود الحيوان والنبات والمعادن من فعل الطبيعة، أو حركة الرياح والسحاب والمطر أو غير ذلك من فعل الطبيعة. فقل له: لو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبريني عن هذه الطبيعة: أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة، أم ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة. فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصورة، فلم تسمينه طبيعة؟! فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى. وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلًا وقد شوهد من آثارها ما شوهد. فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والحكم الرفيعة التي

стр. 39

تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بهذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين!! ثم قل لها بعد ذلك: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك فهي إذًا من أدل الدلائل على خالقها وبارئها وفاطرها وكمال علمه وقدرته وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلكِ رب العالم وجحودكِ لصفاته وأفعاله إلا مخالفتكِ العقل والفطرة. فإن رجَعَتْ إلى العقل وقالت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤوده. قيل لكَ: فإذا أقررتَ ويحك بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا رب سواه فَدَعْ تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيوم السموات والأرضين، ورب المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لكَ جحدت أسماءه وصفاته وذاته، وأضفت صنيعه إلى غيره وخلقه إلى سواه، مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولابد. والحمد لله رب العالمين. على أنك لو تأملت معنى هذه اللفظة «طبيعة» لدلك على الخالق البارئ لفظُها، كما دل العقول عليه معناها؛ لأن «طبيعة» فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة؛ لأنها على بناء الغرائز التي ركبت

стр. 40

في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والسليقة. فالطبيعة هي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه، ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال. والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء، وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته، فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينسى مَنْ طبعها وخلقها ويحيل الصنع والإبداع عليها، ولم يزل سبحانه يسلبها قدرتها ويحيلها ويقلبها إلى ضد ما جعلت له حتى يري عباده أنها خلقه وصنعه مسخرة بأمره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعرَاف: ٥٤] (١) فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحسن الحديث ...
следующие страницы →