وقد يعارضهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوى والأسباب، ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا، كقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعرَاف: ٥٧] ، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البَقَرَة: ١٦٤] (١) .
عباد الله: جميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم هي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما فما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض الذين ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبيَاء: ٢٧] كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النَّازعَات: ٥] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذّاريَات: ٤] .
وكما دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات.
وجميع المخلوقات عابدة لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين، وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه فإن هذا عام
لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم؛ بل عبادة المخلوقات
وتسبيحها هو من جهة إلهيته وهي الغاية المقصودة
стр. 37
منها وبها قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨، ٥٠] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] وفي الصحيحين من حديث أبي ذر قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غربت الشمس قال: «يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذن لها» وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ثم قرأ: (ذلك مُسْتَقَر لها) في قراءة عبد الله. واتقوا الله عباد الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النُّور: ٤١] .
стр. 38
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد القاهر، يفعل ما يشاء ويختار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فإذا قال له: كن. كان.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار من ولد عدنان. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد: أيها المسلم إن سمعت من يقول بأن وجود الحيوان والنبات والمعادن من فعل الطبيعة، أو حركة الرياح والسحاب والمطر أو غير ذلك من فعل الطبيعة. فقل له: لو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبريني عن هذه الطبيعة: أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة، أم ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة. فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصورة، فلم تسمينه طبيعة؟! فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.
وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلًا وقد شوهد من آثارها ما شوهد. فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والحكم الرفيعة التي
стр. 39
تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بهذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين!!
ثم قل لها بعد ذلك: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك فهي إذًا من أدل الدلائل على خالقها وبارئها وفاطرها وكمال علمه وقدرته وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلكِ رب العالم وجحودكِ لصفاته وأفعاله إلا مخالفتكِ العقل والفطرة.
فإن رجَعَتْ إلى العقل وقالت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤوده. قيل لكَ: فإذا أقررتَ ويحك بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا رب سواه فَدَعْ تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيوم السموات والأرضين، ورب المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لكَ جحدت أسماءه وصفاته وذاته، وأضفت صنيعه إلى غيره وخلقه إلى سواه، مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولابد. والحمد لله رب العالمين.
على أنك لو تأملت معنى هذه اللفظة «طبيعة» لدلك على الخالق البارئ لفظُها، كما دل العقول عليه معناها؛ لأن «طبيعة» فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة؛ لأنها على بناء الغرائز التي ركبت
стр. 40
في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والسليقة. فالطبيعة هي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه، ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال.
والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء، وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته، فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينسى مَنْ طبعها وخلقها ويحيل الصنع والإبداع عليها، ولم يزل سبحانه يسلبها قدرتها ويحيلها ويقلبها إلى ضد ما جعلت له حتى يري عباده أنها خلقه وصنعه مسخرة بأمره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعرَاف: ٥٤] (١) فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحسن الحديث ...
стр. 41
ما اتخذ الله من ولد سبحانه
الأديان الخمسة
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب الدلالة على صحته، وأوضح السبيل إلى معرفته، وادخر لمن وافاه به أجرًا جزيلاً. وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، وأبى أن يقبل دينًا سواه، ولو بَذَلَ في المسير إليه جُهْدَه (١) واستفرغ قواه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفو له، تعالى عن إفك المبطلين، وتنزه عن شرك المشركين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، ابتعثه بخير ملة وأحسن شرعة إلى جميع العالمين. بشرت به الكتب السالفة، وأخبرت به الرسل الماضية، من عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين اختارهم الله له أعوانًا وأنصارًا، فنشروا ألوية الإسلام وأعلامه، وحفظوا من التغيير والتبديل حدوده وأحكامه.
أما بعد فيا عباد الله إن الله جعل الإسلام عصمة لمن لجأ إليه، وحصنا لمن استمسك به وعض بالنواجذ عليه- فهو حرمه
стр. 42
الذي من دخله كان من الآمنين، ومن انقطع دونه كان من الهالكين. أظهره على الدين كله حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها، وتضاءلت له جميع الأديان، وجرت تحته الأمم منقادة بالخضوع والذل والإذعان، حتى بطلت دعوة الشيطان، وتلاشت عبادة الأوثان، واضمحلت عبادة النيران، وذل المثلثة عباد الصلبان، وتقطعت الأمة الغضبية في الأرض كتقطع السراب في القيعان.
عباد الله: إن الله ﵎ لما بعث محمدًا ﷺ كان أهل الأرض صنفين: أهل كتاب، ومن لا كتاب لهم. وأهل الكتاب نوعان: مغضوب عليهم، وضالون.
فالأمة الغضبة هم «اليهود» ، يصفون الله بالنقائص والعيوب (١) ، وهم قتلة الأنبياء، وأكلة الربا والرشا، أخبث الأمم طويه، وأرداهم سجيه، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، لا يرون لمن خالفهم حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة. وهم أهل الكذب، والبهت، والغدر، والمكر، والحيل، والسحر.
والنوع الثاني «المثلثة» أمة الضلال، وعباد الصليب، الذين سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد
стр. 43
الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد؛ بل أصل عقيدتهم: أن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته، وأن المسيح ابنه فدينهم عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا.
ومن دينهم شرب الخمور، وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله القس، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والذنب هو الذي غفره.
ويعتقدون أن أرواح الأنبياء ﵈ كانت في الجحيم في سجن إبليس من عهد آدم إلى زمن المسيح بسبب خيطئة آدم وأكله من الشجرة، وأن كل من مات من بني آدم أخذه إبليس وسجنه في النار بذنب أبيه. قالوا: ثم إن الله لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيل على إبليس بحيلة؛ فنزل عن عرشه، ودخل في رحم مريم، وأقام هناك تسعة أشهر بين الحيض والبول، ثم خرج طفلاً صغيرًا يرضع ويبكي، ويأكل ويشرب، ويبول وينام، ويألم؛ ثم لما كبر وصار رجلاً مَكَّنَ أعداءَه اليهودَ من نفسه حتى صلبوه وسمروا يديه ورجليه وصفعوه ووضعوا الشوك على رأسه، فخلصهم بذلك من الشيطان، ولذلك سموه (المخلص) . قالوا: ومن أنكر صلبه، أو شك فيه، أو قال بأن الإله يجل عن ذلك: فهو في سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك. هذه قصة (الفداء) التي زعموا يرددونها على رأس سنتهم الميلادية، ويُدَرِّسونَها؛ وهي أهم دليل عندهم في الدعوة إلى التنصير؛ وهي كما تسمعون غاية النقص المنافي لكمال الله حتى عند النصارى، ويستحيل في العقول السليمة
стр. 44
التصديق بها؛ إذ نسبوا الإله الحق إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم عقلاً أن يفعله بمملوكه أو خادمه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وآدم ﵇ تاب من الذنب فتاب الله عليه. وإبليس أحقر مما نسبوه إليه.
وأول من ابتدع لهم شارة الصليب الملك قسطنطين، وفي زمنه وضعوا ما يسمونه (الأمانة) وهي عقيدة التثليث عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن» .
ولما كانت هذه أقوال أعداء المسيح من اليهود والغالين فيه من النصارى أنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ ما أزال الشبهة في أمره، وكشف الغمة، وبرأ المسيح وأمه، ونزه رب العالمين عما افتراه عليه عباد الصليب -فآمن محمد بأخيه المسيح، وشهد له بأنه عبد الله ورسوله، وأن جسمه خلق من أنثى بلا ذكر، وأن الله أرسل روحه جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها -وهو الطوق الذي في العنق- فوصلت النفخة إلى الرحم، ولم يكشف بدنها، وكانت تلك النفخة بمنزلة لقاح الأب والأم، فحملت به مريم العذراء الطاهرة الصديقة، ثم نفخت فيه الروح التي تكون بعد مضي أربعة أشهر على خلق البدن كغيره. وقرر النبي معجزات المسيح وآياته، وأخبر بكفر النصارى وتخليدهم في النار إن لم يتوبوا ويستغفروا ربهم، وأن الله أكرم عبده ورسوله أن ينال إخوان القردة منه ما زعمه النصارى أنهم نالوه منه، بل رفعه إليه وأسكنه السماء، وسيعيده إلى الأرض ينتقم به من مسيح الضلال وأتباعه، ويكسر به الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويعلو به الإسلام.
стр. 45
أما صلاة النصارى- فمفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك- يقوم أعبدهم وأزهدهم إليها والبول على ساقه وأفخاذه فيستقبل المشرق ثم يصلب على وجهه (يرسم بين عينيه خطين متخالفين) ويستفتح الصلاة بقوله: يا أبانا أنت الذي في السموات تقدسك أسمك (١) وليأت ملكك، ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض، أعطنا خبزنا الملايم لنا، ثم يدعو تلك الصورة التي هي صنعة يد الإنسان، وهي الإله المصلوب بزعمه (٢) ويقرءون في صلاتهم كلامًا قد لحنه لهم أئمتهم يجري مجرى النوح والأغاني.
أما فروع دينهم وشرائعه فهم مخالفون فيه للمسيح- فالمسيح يتطهر ويغتسل من الجنابة ويوجب غسل الحائض. والمسيح يقرأ في صلاته ما كان الأنبياء وبنو إسرائيل يقرءونه في صلاتهم من التوراة والزبور. والمسيح يصلي إلى بيت المقدس إلى أن رفعه الله وهي قبلة داود والأنبياء قبله وقبلة بني إسرائيل. والمسيح اختتن وأوجب الختان كما أوجبه الأنبياء قبله. والمسيح حرم الخنزير ولعن آكله وبالغ في ذمه. والمسيح لم يشرع لهم هذا الصوم الذي يصمونه ولا صامه
стр. 46
في عمره، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرم فيه ما يحرمونه، ولا عطل السبت، ولا اتخذ الأحد عيدًا. والمسيح سار في الذبائح والمناكح والطلاق والمواريث والحدود بسيرة الأنبياء قبله. والمسيح لم يفوض الأساقفة والبطاركة في التشريع. وكان أصحاب المسيح بعده على نهجه قريبًا من ثلاثمائة سنة، وهم الذين أثنى الله عليهم في القرآن وعلى البقايا الصالحة منهم. ثم أخذوا في التغيير والتبديل والتقريب إلى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة. فهذا دين النصارى بعد البعثة وإلى اليوم باطله أضعاف أضعاف حقه، وحقه منسوخ.
وأما من لا كتاب له فهو بين عابد أوثان، وعابد نيران، وعابد شيطان، وصابئي حيران -يجمعهم الشرك وتكذيب الرسل وتعطيل الشرائع وإنكار المعاد وحشر الأجساد، لا يدينون للخالق بدين، ولا يعبدونه مع العابدين، ولا يوحدونه مع الموحدين. وأمة المجوس منهم تفترش الأمهات والبنات والأخوات، والعمات والخالات، دينهم الزمر، وطعامهم الميتة، وشرابهم الخمر، ومعبودهم النار، ووليهم الشيطان.
الخلاصة: يا عباد الله أن الله لما بعث محمدًا ﷺ رسولاً إلى أهل الأرض كانوا «خمسة أصناف» يهود، ونصارى، ومجوس، وصابئة، ومشركون، ودين الحنفاء لا يعرف فيهم إلا قليلاً. وهذه الأديان الخمسة كلها للشيطان. وهذه الأديان الخمسة مذكورة في آية الفصل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحَجّ: ١٧] ولكل قوم وارث.
стр. 47
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا دائمًا على بصيرة في الاعتقاد في الله ﷻ وتقدست أسماؤه، وفي المسيح رسول الله، واحذوا وحذِروا من دعاة التنصير الذين هذه بضاعتهم، ومع ذلك لم يستحيوا من الدعوة إليها ونشرها والإنفاق في سبيلها حين ظنوا أن الجو قد خلا لهم، وسموا أنفسهم «المبشرون» وهم المضللون، وأكثروا من الدعاية إلى التقريب بين الإسلام والنصرانية، وانخدع بهم كثير من ضعاف الإيمان فظنوا أن اليهودية والنصرانية في هذه الأزمان من الأديان السماوية، واعتبروهم مؤمنين وإخوان، وهم أعداء الله وأولياء الشيطان جمعوا بين الكفر بالله، وتكذيب رسل الله، وعبادة غير الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠- ٣٣] بارك الله.
стр. 48
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أنقذنا بمحمد ﷺ من تلك الظلمات، وفتح باب الهدى فلا يغلق إلى يوم الميقات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرانا أهل الضلال وهم في ضلالهم يتخبطون، وفي سكرتهم يعمهون، وفي جهالتهم يتقلبون، وفي ريبهم يترددون. يؤمنون- ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون. ويعدلون- ولكن بربهم يعدلون، ويعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون ولكن للصليب والوثن يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله إلى الناس كافة، وقال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» أخرجه مسلم. قال الحسن البصري ﵀: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُود: ١٧] وكان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال أطع أبا القاسم، فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» أخرجه البخاري (٣/١٧٦) وأخرجه أبو داود (٣٠٩٥) .
ومر عمر بن الخطاب ﵁ بدير راهب فناداه: يا راهب. فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ *
стр. 49
لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٢- ٧] فذاك الذي أبكاني. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي استجاب له ولخلفائه أكثر الأديان طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا، لما بين لهم الهدى، وأنه رسول الله حقًا. والسيف إنما جاء منفذًا للحجة، مقومًا للمعاند، وحدَّا للجاحد.
أما بعد فيا عباد الله: إن الله تعالى قد نوع خلق آدم وبنيه إظهارًا لقدرته، وأنه يفعل ما يشاء فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عِمرَان: ٥٩] (١) . واتقوا الله عباد إن أحسن الحديث ...
стр. 50
معجزات الأنبياء
من أعظم الأدلة على الخالق، وصفاته، وصدق رسله،
واليوم الآخر. والقرآن أعظمها
الحمد لله الذي أرسل رسله ودلل على صدقهم بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نوَّع طرق الهداية رحمة منه بعباده ولطفًا، ومحبة منه لإقامة الحجة وعذرًا ونذرًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ميزه بخصائص على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجًا أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقد قال الله ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فُصّلَت: ٥٣] .
عباد الله آيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونهيه أخبر سبحانه أنه يدل بآياته الخلقية (الأفقية) من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان (١) (والنفسية) ما الإنسان مركب منه وفيه
стр. 51
وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة، وما هو مُتَصَرَّف فيه من الأقدار التي لا يجوزها ولا يتعداها- يدل بهذه الآيات على صدق آياته القرآنية وصدق رسوله. ثم ذكر أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء شهد لرسوله بقوله الذي أظهر البراهين على صدقه فيه، وبفعله، وإقراره، وبما فطر عليه عباده من الإقرار له بكماله سبحانه، وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة، ويزيل به العذر، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز والنجاة والظفر والتأييد، ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم به من الخزي والنكال والعقوبات المعجلة. وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقِعَ: ٨٠] . استدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به، وهذا أقوى من الاستدلال بالمعجزات وخوارق العادات.
وكذلك آيات الأنبياء قبله وبراهينهم وأدلتهم شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان، وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله، ففي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» .
وهذه الآيات التي تسمى (المعجزات) مأخوذة من طُرقِ الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضه الخبر لمن غاب عنها.
فلما ثبتت النبوة صارت أصلاً في قبول ما دعا إليه النبي فانقلاب عصا تقلها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما بحضرته من حبال وعصي لا
стр. 52
يحصيها إلا الله ثم تعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الله وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد. فكل قواعد الدين في هذه العصا. وكذلك اليد التي أدخلها صاحب هذه العصا إلى جيبه ثم أخرجها فإذا لها شعاع كشعاع الشمس. وكذلك الكثيب العظيم الذي ضربه بعصاه فاستحال قمَّلاً سلط على أهل بلد عظيم. وفلق بحر من بحار العالم لعسكر عظيم اثنا عشر طريقًا ثم أرسلت عليه الريح فأيبسته في ساعة وقام الماء بين تلك الطرق كالحيطان، فلما جاوزه وسلكه آخرون ضربه بعصاه فالتئم عليهم فلم يفلت منهم إنسان. ونتق الجبل من موضعه ورفعه على قدر العسكر العظيم فوق رءوسهم بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه عيانًا وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما أمرتم به وإلا أطبق عليكم، ثم رد إلى مكانه. وضرب حجر مربع يحمل مع قوم فينفجر منه اثنا عشر نهرًا كل نهر لطائفة عظيمة يختصون بمشربه لا يشاركهم فيه الآخرون. وكذلك سائر آيات الأنبياء: كأمة كذبت نبيها وسألوه آية فانفلقت صخرة بمحضر منهم وتمخضت عن ناقة قائمة من أعظم النوق وأحسنها شكلاً وهيئة، فلما تمادوا في تكذيبه سمعوا صيحة من السماء قطعت أكبادهم وقلوبهم في أجوافهم فماتوا موتة رجل واحد. وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ فيه النبي فينقلب طائرًا ذا لحم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس، والمسح على عين الذي ولد أكمه فإذا به يبصر بعينين كالصحيح، وعلى الأبرص فيبرأ كأن لم يكن به بأس. وكذلك النار العظيمة التي أوقدت برهة من الزمن حتى كان الطير يمر عليها من عال فيقع مشويًا ألقي فيها رجل مكتوف فلم تحرق
стр. 53
منه شيئًا وصارت عليه بردًا وسلامًا وعادت روضة خضراء وماءً جاريًا. وكذلك المدائن التي قلعت من أصولها كما يقلع الشجر ثم رفعت في الهواء، ثم قلبت بمن فيها فماتوا موتة رجل واحد. ورجل دعا على قومه أن لا يدع الله منهم على الأرض دَيَّارًا، فأُرسل الماءُ عليهم وأنبع الماء من تحتهم حتى علا الماء فوق شواهق الجبال علوًا عظيمًا ثم ابتلعته الأرض شيئًا فشيئًا حتى عادت يابسًا. ورجل دعا على قومه وهم أعظم الناس أجسامًا وأشهدهم قوة، فأرسلت عليهم بدعوته ريح عاصف جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم. ونبيٍّ كان يأمر بعسكره فيقعد على بساط ثلاثة أميال في ثلاثة أميال (١) فيأمر الريح فترتفع به بين السماء والأرض فتحمل العسكر على متنها مسيرة شهر مقبلة ومسيرة شهر مدبرة في يوم واحد، وأنه أمر بسرير عظيم لملكة فشق الأرض وصار بين يديه في أسرع من رَدِّ الطرف.
وكذلك إيماء الرسول إلى القمر في السماء لما سأله قومه آية فانشق فلقتين وهم يشاهدونهما، ثم عاد والتئم، وقدم السفار فأخبروا برؤية ذلك عيانًا، وحُمِلَ من مكة إلى بيت المقدس ثم رفع حتى جاوز السموات السبع ثم عاد إلى فراشه في ليلته. وقبض قبضة من تراب ثم رمى بها في وجوه عسكر لا يلتقي طرفاه فلم يبق منهم أحد إلا ملئت علينه.
وكذلك وضعه يده في ماء لا يغمرها فتفجر الماء من بين أصابعه وصار كأمثال العيون حتى رَوْيَ منه عسكر عظيم جَرَّار وملئوا
стр. 54
منه كل قربة ولك إناء معهم. وأن جماعة شبعت من بُرْمَةِ بقدر جسم القطا. وأن جِذْعًا حن حنين الناقة العشار إلى ولدها. وأن الحصا كان يسبح في كفه وكف أصحابه تسبيحًا يسمعه الحاضرون، وأن الحجر كان يسلم عليه سلامًا يسمعه بأذنه، وأن بطنه شق من ثغرة نحره إلى أسفله ثم استخرج قلبه فغسل ثم أعيد وهو حي ينظر، وأن شجرتين دعا بهما فأقبلتا تجران الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتاه، ثم رجعت كل واحدة منهما إلى مكانها.
إلى أمثال ذلك من المعجزات التي هي من أعظم الأدلة على الخالق سبحانه، وصفاته، وأفعاله، وصدق رسله، واليوم الآخر.
هذا وإن القرآن وحده لمن جعل الله له نورًا أعظم آية ودليل وبرهان على هذه المطالب، قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العَنكبوت: ٥١] ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله، وعلى أن الله سبحانه أرسل به رسوله، وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علمًا وعملاً ومعرفة، فيه ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجيه من العذاب. فاتقوا الله واعتبروا يا أولي الألباب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا
стр. 55
هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥] بارك الله ...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، قيوم السموات والأرضين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص، وعن كل شبيه أو مثيل في كماله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وفق من شاء من عباده نعمة منه وفضلا، وخذل من أعرض عنه. حكمة وعدلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، المصدق بالآيات التي لا تحصى، صلى الله عليه وعلى آله وجميع أصحابه، ومن سار على نهجهم واقتفى.
أما بعد: فإن الله جل وعلا نَوَّع طرق الهداية رحمة منه بعباده ولطفًا بهم لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به الرسول ودعا إليه من غير أن يَطْلُبَ منه برهانًا خارجًا عن ذلك كحال الكمّل من الصحابة كالصديق ﵁، ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله ﷺ وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، كما قالت أم المؤمنين خديجة ﵂ له ﷺ : أبشر فوالله لن يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الآيات وخوارق العادات. وأضعف الناس إيمانًا من كان إيمانه
стр. 56
صادرًا عن المظهر ورؤية غلبته ﷺ للناس على صحة الرسالة، وأضعف من هؤلاء إيمانًا من إيمانه أيمان العادة والمربأ والمنشأ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقارب وجيران وأصحاب كذلك. والله سبحانه قد فاوت بين البشر؛ فبعضهم أفضل من الملائكة وبعضهم لا يرضي به الشيطان وليًا. فاسألوا الله عباد الله أن يقوي إيمانكم بربكم، وتصديقكم برسله؛ فالإيمان بالرسول هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفَال: ٢٤] (١) إن أصدق الحديث كتاب الله ...
стр. 57
آيات الله في الأرض
الحمد لله الذي نصب الكائنات على وحدانيته دليلا، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حث على التفكر في آياته المسموعة وعلى التفكر في آياته المشهودة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتفكرين، وقدوة العاملين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله أكثر الله تعالى في كتابه الكريم من ذكر (الأرض) ودعا عباده إلى النظر فيها والتفكر في خلقها- والنظر هو التفات القلب إلى المنظور فيه- فقال سبحانه ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذّاريَات: ٢٠] .
فآيات الأرض أنواع كثيرة جدًا. منها: خلقها وحدوثها بعد عدمها، وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد؛ فإنها شواهد قائمة بها. ومنها: بروز هذا الجانب من الأرض فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورًا به. ومنها: سعتها وكبر خلقها. ومنها: تسطيحها، كما قال تعالى ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغَاشِيَة: ٢٠] . ولا ينافي ذلك كونها كروية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان. ومنها أنه جعلها فراشًا لتكون مقرًا للحيوان ومساكنه.
стр. 58
وجعلها مهادًا ذلولاً توطأ بالأقدام، وتضرب بالمعاول والفؤوس، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها. وجعلها بساطًا. وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها، وللأموات تضمهم في بطنها. وطحاها فمدها وبسطها ووسعها. ودحاها فهيئها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومراعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل والفجاج.
ونبه بجعلها مهادًا وفراشًا على حكمته في جعلها ساكنة واقفة، وذلك آية أخرى، إذ لا دعامة تحتها تمسكها، ولا علاقة فوقها، ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام والحيوان والنبات والأمتعة، وتمكين الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم والنوم لهدوئهم، والتمكن من أعمالهم (١) .
стр. 59
ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطعوا على ظهرها قرارًا ولا هدوءًا ولا ثبت لهم عليها بناء ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف يضطرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها، وقد نبه الله تعالى على ذلك
стр. 60
بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غَافر: ٦٤] وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم: الريح. قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يخفيها عن
شماله» .
ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة: فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها، وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت، وهذه تربة وتلاصقها رمال، وهذه صلبة ويلاصقها أرض رخوة، وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء، وهذه حصا كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر، وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره، وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها، وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال، وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه
الماء على الأرض البعيدة ويسوق الماء إليها على وجه الأرض.
стр. 61
وانظر قطعها المتجاورات، وكيف ينزل عليها ماء واحد فتنبت الأزواج المختلفة المتباينة في الشكل واللون والرائحة والطعم والمنفعة كما قال سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] .
فكيف كانت هذه الأجنة المختلفة مودعة في بطن هذه الأم وكيف حملها من لقاح واحد صنع الله الذي اتقن كل شيء لا إله إلا هو، ولولا أن هذا من أعظم آياته لما نبه عليه عباده ودعاهم إلى التفكير فيه.
وقال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ميتة: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ فتحركت ﴿وَرَبَتْ﴾ ارتفعت واخضرت ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحَجّ: ٥] فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر «بهيج» للناظرين «كريم» للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها وألوانها ومنافعها، والفواكه والثمار وأنواع الأدوية، ومراعي الدواب والطير.
وجعلها ذلولاً على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد والحجر فيمتنع حفرها وشقها وشق أنهارها والبناء فيها والغرس والزرع، وبعث النوم عليها والمشي فيها.
ونبه بكونها «قرارًا» على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة والطين فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة، وكذلك لم يجعلها شفافة لا يستقر عليها النور ولا تقبل السخونة فتبقى في غاية البرد فلا يستقر عليها الحيوان ولا يتأتى فيه النبات، وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها
стр. 62
بسبب انعكاس أشعة الشمس بل جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرًا للحيوان والأنام والنبات.
فلو سألتها: من نوعها هذا التنوع، ومن فوق أجزاءها هذا التفريق، ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به، ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى، ومن أمسكها عن الزوال، ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها، وأنشأ منها ماءها وحيوانها ونباتها، ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها، ومن هيأها مستقرًا للأنام، ومن يبدأ الخلق ثم يعيده إليها ثم يخرج منها، ومن جعلها ذلولاً غير مستعصية ولا ممتنعة، ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها، ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات، ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها، ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور.
ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات؛ بل أنشأ منها آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا ﷺ وعليهم أجمعين، وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين، ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان، ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا المقدار من المسافة؛ فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك، ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة- كما
стр. 63
نشاهده في الصيف- فاحترقت أبدان الحيوان والنبات.
وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم.
ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون، ومن الذي جعل باطنها بيوتًا للأموات وظاهرها بيوتًا للأحياء.
ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج فسبحان من جعل الماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهي الشجرة وساق من تحتها وهو العرق، ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه، ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة، كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم.
فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وصدق رسله فيما أخبروا به بإخراج من في القبور، ليوم البعث والنشور.
فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفعال بعضها ببعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال، ولا يستقل الآخر بالتأثير،
стр. 64
ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة، مربوبة، مدبرة، حادثة بعد عدمها، فقير إلى موجد غني عنها مؤثر فيها غير متأثر، قديم غير محدث، تنقاد المخلوقات كلها لقدرته، وتجيب داعي مشيئته، وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته، وتشهد بعلمه وحكمته، وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته، وتحذرهم من بأسه ونقمته، وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته.
فإذا كان يوم الوقت المعلوم وقد ثقلها حملها وحان وقت الولادة ودنو المخاض أوحى إليها ربها وفاطرها أن تضع حملها وتخرج أثقالها، فتخرج الناس من بطنها إلى ظهرها، وتقول: يا رب: هذا ما استودعتني، وتخرج كنوزها بإذنه تعالى، ثم تحدث أخبارها وتشهد على بنيها بما عملوا على ظهرها من خير وشر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزّلزَلة: ١] ... إلى آخر السورة.
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستيعنه ونستغفره ونتوب إليه ...
وبعد: فقد قال سبحانه: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازعَات: ٣٢] وقال بعد ذكر الأمر بالنظر إلى الإبل والسماء ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغَاشِيَة: ١٩] .
ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ
стр. 65
الصم الصلاب، وكيف نصبها فأحسن نصبها، وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لئلا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح.
هذه الجبال التي يحسبها الجاهل فضلة في الأرض لا حاجة إليها وفيها من المنافع ما لا يحصيه إلا خالقها وناصبها.
وفي حديث ضمام بن ثعلبة قوله للنبي ﷺ : «بالذي نصب الجبال وأودع فيها المنافع آلله أمرك بكذا وكذا؟ قال: اللَّهم نعم» .
فمن فمنافعها أن الثلج يسقط عليها فيبقى في قللها حاملاً لشراب الناس إلى حين نفاده (١) .
ومن منافعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل التي بمنزلة الحصون والقلاع أكنان للناس والحيوان. ومن منافعها ما ينحت من أحجارها للأبنية على اختلاف أصنافعها والأرحية وغيرها.
ومنافعها ما يوجد فيها من المعادن على اختلاف أصنافعها من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزبرجد والزمرد وأضعاف ذلك من أنواع المعادن التي يعجز البشر عن معرفتها على التفصيل، ثم هدى تعالى الناس إلى استخراج تلك المعاد منها وألهمهم كيف يصنعون منها النقود والحلي والزينة واللباس والسلاح
стр. 66
وآلة المعاش على اختلافها، ولولا هدايته سبحانه لهم إلى ذلك لما كان لهم علم شيء منه.
ومن منافعها أيضًا أنها ترد الرياح العاصفة وتكسر حدتها فلا تدعها تصدم ما تحتها. ومن منافعها أيضًا أنها ترد عنهم السيول إذا كانت في مجاريها فتصرفها عنهم ذات اليمين وذات الشمال، ولولاها خربت السيول في مجاريها ما مرت به فتكون لهم بمنزلة السد. ومن منافعها أنها أعلام يستدل بها في الطرقات، ولهذا سماها الله أعلامًا، فقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشّورى: ٣٢] فالجواري السفن، والأعلام الجبال. ومن منافعها ما ينبت فيها من العقاقير والأدوية التي لا تكون في السهول والرمال، كما أن ما ينبت في السهول والرمال لا ينبت مثله في الجبال.
وفيها من المنافع ما لا يعلمه إلا خالقها ومبدعها سبحانه.
وإذا تأملت خلقتها العجيبة البديعة وجدتها في غاية المطابقة للحكمة؛ فإنها لو طالت واستدقت كالحائط لتعذر الصعود عليها والانتفاع بها وسترت عن الناس الشمس والهواء فلم يتمكنوا من الانتفاع بها، ولو بسطت على وجه الأرض لضيقت عليهم المزارع والمساكن ولملئت السهل، ولو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لهم بها الانتفاع التام.
فخلقها ومنافعها من أكبر الشواهد على قدرة بارئها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته.
стр. 67
هذا مع أنها تسبح بحمده، وتخشع له، وتتشقق وتهبط من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الأمانة التي عرضها عليها وأشفقت من حملها.
هذا وإنها لتعلم أن لها موعدًا ويومًا تنسف فيه نسفًا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فهي مشفقة من هول ذلك الموعد منتظرة له، وكانت أم الدرداء ﵂ إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لمن معها: أسمعت الجبال ما وعدها ربها؟ فيقال: ما أسمعها؟ فتقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (١) [طه: ١٠٥- ١٠٧] .
فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرها وبارئها أنه لو أنزل عليها كلامه لخشعت وتصدعت من خشية الله.
فيا عجبًا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويذكر الرب تعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فليس بمستنكر على الله ولا يخالف حكمته أن يخلق لها نارًا تذيبها إذا لم تلن بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه، فمن لم يلن الله في هذه الدار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خشيته فليتمتع قليلاً فإن أمامه الملين الأعظم، وسيرد إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم. إن أحسن.
стр. 68
السموات، والشمس، والقمر، والكواكب
ودلالتها على خالقها العظيم
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو العزيز الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين.
أما بعد: فيا عباد الله: قد أثنى الله في كتابه على المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٠- ١٩٤] .
стр. 69
وذم المعرضين عن ذلك فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبيَاء: ٣٢] ذلك أن التفكر فيها يدل على عظمة خالقها وبانيها، ويدعو إلى تعظيم أمره وشرعه، ويثمر زيادة الإيمان في قلوب ذوي الألباب.
عباد الله لنتأمل ولنتفكر في صنعه في ملكوت «السموات» وعلوها، وسعتها، واستدارتها، وعظم خلقها، وحسن بنائها ولونها. وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها، فهي أحكم خلقًا، وأتقن صنعًا، وأجمع للعجائب من بدن الإنسان، قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧- ٢٩] والأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر، قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٦٤] فبدأ بذكر خلق السموات؛ ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها: إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالاً منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالاً منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالاً منه بحسنها
стр. 70
واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور والشقوق فيها على تمام حكمته وقدرته. وكذلك ما فيها من الشمس والقمر والكواكب والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها، ثم هي مع ذلك مقر ملائكته الرب، وحل دار جزائه؛ ومهبط ملائكته ووحيه، وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
بدأ سبحانه خلقها من بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض وهو الدخان، قال تعالى (١) : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصّلَت: ١١] . فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في ارتفاعها وسعتها، وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها تقلها أو علاقة ترفعها؛ بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.
ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن
стр. 71
الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له (١) .
وهذه «الشمس» أكبر من الأرض بأكثر من مائة مرة إذا فكرت في طلوعها وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم؛ فكم في طلوعها من الحكم والمصالح، وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل الليل عليهم سرمدًا والدنيا مظلمة عليهم؛ فبأي نور كانوا يتصرفون ويتقلبون، وكيف كانت تنضج ثمارهم، وتكمل أقواتهم، وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحِكَمُ في طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى.
ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن
للحيوان هدوء ولا قرا مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم وإجمام حواسهم. وأيضًا لو دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات، فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في
وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليًا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين
стр. 72
متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله (١) .
ثم اقتضت حكمته سبحانه أن جعل للشمس ارتفاعًا وانخفاضًا لإقامة الفصول الأربعة من السنة- ففي زمن «الشتاء» تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال والشجر والنبات فيتولد فيها مواد الثمار وغيرها، وتبرد الظواهر، ويغلظ الهواء بسبب البرد فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر والثلج والبَرَد الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات. فإذا جاء «الربيع» تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء، فخرج النبات، وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج، وتحرك الحيوان للتناسل, فإذا جاء «الصيف» سخن الهواء فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن، وتحللت فضلات الأبدان. فإذا جاء «الخريف» انكسر ذلك السموم والحر وصفا الهواء واعتدل، وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل والنبات مرة ثانية. ولو كان الزمان كلُّه فصلاً واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه.
وجعل سبحانه «الخريف» برزخًا بين سموم الصيف وبرد الشتاء؛ لئلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد إلى البرد الشديد فيجد إذاه ويعظم ضره. وكذلك «الربيع» برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان من برد هذا إلى حر هذا بتدريج وترتيب، حكمة بالغة، وآية قاهرة، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين.
стр. 73
وجعل سبحانه طلوع الشمس دولاً بين أهل الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه منها.
واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة، ويأخذ كل منهما من صاحبه، ومنتهى كل منهما إذا امتد خمسة عشر ساعة، فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلاً أو أكثر اختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات، ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح، ولو استويا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما شهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم، كما قال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧، ٣٨] .
وانظر إلى «القمر» وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق، ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئًا فشيئًا كل ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم، مع ما في ذلك من الحكم والآيات والعبر التي لا يحصيها إلا الله. وأما تأثير نور القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وتصليبها ليقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، وتأثيره في المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال، وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر.
стр. 74
ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل إلى حركة ومسير وعمل لا يتهيأ له بالنهار لضيق النهار أو لشدة الحر أو لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان- جعل سبحانه من أضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه أعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك.
فسل ﴿الْجَرِيَاتِ يُسْرًا﴾ من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء (١) تدلك على وجود الخالق، وصفات كماله، وربوبيته، وحكمته، ووحدانيته: أعظم دلالة، وكلما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله. فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة (٢) .
стр. 75
فاتقوا الله عباد الله وتفكروا في خلق السموات والأرض يصل بكم إلى ما أوصل أولي الألباب؛ فقالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمرَان: ١٩١] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] بارك الله لي ولكم ...