مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيتركها. وعن الحسن البصري قال: قالت الجنة: يا رب لمن خلقتني؟ قال: لمن يعبدني وهو يخافني. وقال أبو سليمان الداراني: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله، وكل قلب ليس فيه خوف الله فهو قلب خرب.
عباد الله: وقد دل القرآن الكريم والأحاديث والإجماع على وجود النار وأنها مخلوقة الآن، قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غَافر: ٤٦] .
وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطفّفِين: ٧] وسجين أسفل الأرض.
وجاءت أحاديث مبينة شدة حرها، وبعد قعرها، وسعتها، وتعظيم الكافر فيها، وأهونهم عذابًا- أجارنا الله وإياكم منها برحمته وكرمه.
منها ما رواه أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقدون جزءً من سبعين جزءً من نار جهنم» . قال: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءً كلها مثل حرها» متفق عليه: وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة، قال: كنا عند النبي ﷺ يومًا فسمع وجبة- يعني صوتًا- فقال ﷺ : «أتدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا -يعني سنة- فالآن انتهى إلى قعرها» . وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ضرس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة
стр. 282
ثلاث» وروى مسلم أيضًا عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» (١) وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ قول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمس قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا» .
وقد حذر النبي ﷺ أمته النار، وبالغ في التحذير، وأكثر التعوذ منها، وأمر به فمن ذلك ما روى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا النار، وأشاح. ثم قال: اتقوا النار، ثم أغرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» أخرجاه في الصحيحين. وفي سنن أبي داود وابن ماجه والبزار عن جابر: «أن النبي ﷺ قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أقول: اللَّهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي ﷺ : «وهل أدندن أنا ومعاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذا الدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم هَلُمَّ عن النار، هَلُمَّ عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها» وأخرج البزار
стр. 283
وأبو يعلى من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلانًا استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلانًا سألني فأدخله الجنة» .
والصحابة ﵃ مع فضلهم وكذا التابعون لهم بإحسان يخافون من النار، والخوف منها سبب النجاة، وكانوا يربون أنفسهم على الخوف منها؛ روى ابن المبارك بسنده قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريَم: ٧١] .
ذهب الصحابي عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى، وجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادمة فبكت، ثم جاء أهل البيت فجعلوا يبكون كلهم، فلما انقضت عبرته قال: يا أهلاه! ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنا رأيناك تبكي فبكينا. قال: آية نزلت على رسول الله ﷺ ينبؤني فيها ربي أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن قال: قال رجل لأخيه: قد جاءك عن الله أنك وارد جهنم؟ قال: نعم. قال: فأيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: فأيقنت وصدقت بذلك؟ قال: نعم. وكيف لا أصدق وقد قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريَم: ٧١] قال: فأيقنت أنك صادر عنها؟ قال: والله ما أدري أأصدر عنها، أم لا؟ قال: ففيم التثاقل، وفيم الضحك، وفيم اللعب. قال: فما رؤي ضاحكًا حتى لحق بالله.
وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا فقال: وهل خلقت النار إلا لي
стр. 284
ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس، أما تقرأ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرَّحمن: ٣١] أما تقرأ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرَّحمن: ٣٥] فقرأ إلى قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ﴾ [الرَّحمن: ٤٤] . وقال الحسن: كان عمر بن الخطاب ﵁ ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟! وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح بالليل فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حِسْ، حِسْ. ثم يقول: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا، ما حملك على ما صنعت يوم كذا. وخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار فقام ينظر إليه ويبكي.
هذا تفكير أولئك القوم، ومدى خوفهم من النار التي تقدم وصفها، وإنذار النبي عنها، وتأثرهم الشديد عند ذكرها.
اللهم أجرنا من النار، واغفر لنا ذنوبنا يا غفار، وأدخلنا برحمتك دار النعيم، يا بر، يا رءوف، يا رحيم. واتقوا الله عباد الله واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] ... إلى آخر السورة.
стр. 285
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أعد الجنة لعباده المؤمنين نزلا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نهى عن طاعة من أغفل قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه وكان أمره فرطا.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «عجبت من الجنة كيف نام طالبها؟، وعجبت من النار كيف نام هاربها؟» اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحاب الذين عرفوا الله حق معرفته، وقدروه حق قدره، وجعلوا الجنة والنار نصب أعينهم فاستقامت أعمالهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.
أما بعد: فيا عباد الله روى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين في كل عام: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون من الحر من سَمُومها، وأشد ما تجدون من البر من زمهريرها» وفي رواية لمسلم:: «فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نَفَس جنهم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم» فشدة الحر وشدة البر يذكران بحر النار وزمهريرها لنتقيها عند كل عمل وقول مفروض أو محرم ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقِعَة: ٧٣] وأكثروا عباد الله من الاستعاذة بالله من النار، قال عطاء الخراساني: من استجار بالله من جهنم سبع مرات قالت جهنم: لا حاجة لي فيك.
وقال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
стр. 286
اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥، ٦٦] .
وأخبر أن من دعائهم ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩١، ١٩٢] .
وعن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: «إن المؤمن لا تسكن روعته ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره» (١) .
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أحسن الحديث ...
стр. 287
وصف الجنة
ومن يستحق البشرى بها
الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نُزُلا، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شُغُلا، وسهل لهم طرقها فسلكوا السبل الموصلة إليها ذُلُلاَ، خلقها لهم قبل أن يخلقهم، وحفها بالمكاره وأخرجهم إلى دار الامتحان ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه، وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلا. وبشرهم بأصناف النعيم التي أعد فيها، وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها.
أحمده سبحانه بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وعمر دارين فهذه لمن أجاب الداعي، ولم يبغ سوى ربه الكريم بدلا، وتلك لمن لم يجب دعوته، ولم يرفع بها رأسًا، ولم يعلق بها أملا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من لا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى الله وإلى جنته. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه السالكين على أثره.
أما بعد: فيا عباد الله: إن الله ﵎ لم يخلق الخلق
стр. 288
عبثًا، ولم يتركهم سدى؛ بل خلقهم لأمر عظيم، وخطب جسيم، عرض على السموات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعًا وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك لا نبغي بها بدلا. وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به على جهله وظلمه، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لثقله، ولشدة مؤنته عليهم؛ فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، التي هي معبر وطريق إلى دار القرار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الدار الباقية.
أما الموفقون- يا عباد الله- فلما علموا ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رءوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا بعين البصيرة مُلْكًا كبيرًا لا تعتريه الآفات ولا يلحقه الزوال، ونعيمًا مقيمًا في جوار الكبير المتعال، في روضات الجنات يتقلبون، وعلى أسرتها يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من استبرق يتكئون، وبالحور العين يتنعمون، وبأنواع الثمار يتفكهون؛ وسمعوا الرب الكريم ﵎ يدعو إلى دار السلام التي سلمت من كل بلية ومكروه فأجابوه، والرسول ﷺ يقول: «اطلبوا الجنة جَهْدَكم، واهربوا من النار جَهْدَكم؛ فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها» ويقول: «لا تنسوا العظيمتين. قلنا: وما العظيمتان يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار» .
عباد الله والجنة ذاتها تسأل الله تعالى أن يعجل إليها بسكانها، وتذكر شوقها إليهم، وتشفع فيهم إلى ربهم؛ ففي الحديث المرفوع:
стр. 289
«ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان، تقول الجنة: يا رب قد طاب ثمري، واطردت أنهاري، واشتقت إلى أوليائي، فعجل إلي بأهلي. وتقول النار: اشتد حري، وبعد قعري، وعظم جمري، فعجل إلي بأهلي» . وروى الحسن بن سفيان بسنده، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كثروا من مسألة الله الجنة، واستعيذوا به من النار، فإنهما شافعتان مشفعتان، وإن العبد إذا أكثر مسألة الله الجنة قالت الجنة: يا رب عبدك هذا سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا رب عبدك هذا استعاذ بك مني فأعذه» .
والجنة -يا عباد الله- اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين، والمساكن، والقصور، وجميع ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، ويشنف الأسماع، ويطيب المشام، وهي جنات كثيرة؛ ففي المسند عن النبي ﷺ قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام» . وقال عفان: كما بين السماء والأرض، والفردوس، أعلاها درجة وفي لفظ «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله» (١) . وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁، أن أم حارثة بن سراقة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا نبي الله ألا تحدثْني عن حارثة- وكان قتل يوم بدر- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهد في البكاء؟ قال: «يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» .
والجنة نوعان -في الصحيحين من حديث أبي موسى الأِشعري
стр. 290
رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «جنتان من ذهب آنيتهما وحليهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» وروى ابن ماجه في سننه عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها -أي لا عوض لها ولا مثل- هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في درا سليمة، وفاكهة، وخضرة، وحبرة، ونعمة، في محلة عالية بهية. قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: قولوا: إن شاء الله. قال القوم: إن شاء الله» .
ومن سعة الجنة أن عرض الباب الواحد من أبوابها كما بين مكة والأحساء، قال ﷺ : «والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر» متفق عليه، وفي حديث آخر «وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» .
وريحها يوجد من مسيرة مائة عام.
والجنة بعضها أعلى من بعض، في الصحيحين من حديث أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» .
وبعض الجنان غرسها الله بيده زيادة في كرامتها وتفضيل
стр. 291
أهلها، روى ابن أبي الدنيا بسنده، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، بلاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران» ، ثم قال لها: «انطقي قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فقال الله : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحَشر: ٩] .
أما أدنى أهل الجنة منزلة، فروى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ قال: «سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟» وفي رواية: «عن أخس أهل الجنة منها حظًّا. قال: رجل يجيء بعد ما دخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذَاتهم؟ فيقال له: ألا ترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب» الحديث، وروى الطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه» الحديث، وفي الصحيحين عن حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة. قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآ، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملآ. فيقول الله
стр. 292
له: اذهب فادخل الجنة. قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآ، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملآ. فيقول له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشر أمثالها. قال: فيقول: أتسخر بي وتضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه. قال: فكان يقول: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» .
وأهل الجنة يستوعبون كثيرًا مما أعد لهم من النعيم لكمال حياتهم وضخامة أجسامهم، وتوافر قواهم ومع ذلك لا يبلون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يمنون روى الحاكم بسنده في صحيحه قال: أتى النبي ﷺ رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون- ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته- فقال رسول الله ﷺ : «بلى والذي نفس محمد بيده، إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع» . فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. فقال رسول الله ﷺ : «حاجتهم عَرَقٌ يفيض من جلودهم مثل المسك، فإذا البطن قد ضمر» ، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل أهل الجنة الجنة جردًا، مردًا، مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعًا» (١) .
ولأهل الجنة طرب ولذة حين يسمعون غناء الحور العين بالتسبيح والتمجيد والتقديس والثناء على الرب ، وأكملهم فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، روى الترمذي عن علي
стр. 293
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له» وروى ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير: «إن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن: طال ما انتظرناكم، فنحن الراضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نضعن، والخالدات فلا نموت، بأحسن أصوات سمعت. وتقول: أنت حبي وأنا حبك، ليس دونك مَقْصَرْ، ولا وراءك معدل» ، وفي حديث أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعته الإنس والجن، وليس بمزامير الشيطان» ، وروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن محمد بن المنكدر، قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان، أسكنوهم رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم تمجيدي وتحميدي.
ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب ﷻ ، وخطابه، وسلامه عليهم، ومحاضرته لهم، ويقرأ عليهم كلامه، فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه من قبل.
وأهل الجنة يتزاورون فيها ويستزير بعضهم بعضًا، وبذلك تتم لذتهم وسرورهم؛ ولهذا قال حارثة للنبي ﷺ وقد سأله: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحت مؤمنًا حقًا. قال: «إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت
стр. 294
ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذبون فيها. فقال: «عبد نوَّر الله قلبه» وفي حديث أبي أيوب: «أنهم يتزاورون على النجائب» .
ومنتدى أهل الجنة ومتحدثهم تحت شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.
ولهم زيارة أخرى أعلا من هذه وأجل، وذلك حين يزورون ربهم ﵎ فيريهم وجهه، ويسمعهم كلامه، ويحل عليهم رضوانه.
والجنة فوق السموات تحت العرش، عرضها كعرض السماء والأرض لو وصلت إحداهما بالأخرى.
عباد الله هذا وصف الجنة التي جعلها الله مقرًا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص. وأهل البشرى بها هم أهل الإيمان والتقوى والعمل الخالص لله الموافق للسنة إخلاص في طاعة الله، وإحسان إلى خلقه، وهم أربعة أصناف من الرجاء والنساء، ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النٍّساء: ٦٩] . وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله في الجنة. ونساؤكم من أهل الجنة
стр. 295
الودود الولود، التي إذا غضب أو غضبت جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها، ثم تقول: لا أذوق غَمْضًا حتى ترضى» أخرجه النسائي وباقيه على شرطه.
فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من سؤال الله الجنة، واعملوا لها أعمالها من واجب واجتناب محرم، واسألوه الفردوس منها، فإنه أعدل الجنة، وأعلا الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. واسألوه تعالى العون على أعمال أهل الجنة.
أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٣٧] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، أحمده سبحانه أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلا، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة منه وفضلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بشر وأنذر، ودعا وحذر اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد: عباد الله: إن الله ﵎ الذي أخبر عما في الجنة من أنواع الأطعمة، والأشربة، والملاذ المتنوعة قد أِشهد عباده
стр. 296
في هذه الدار من آثار الجنة وأنموذجًا منها: من الرائحة الطيبة، واللذات المشتهاة، والمناظر البهية، والفاكهة الحسنة، والنعيم، والسرور، وقوة العين. وقد روى أبو نعيم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله للجنة: طيبي لأهلك، فتزداد طيبًا، فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك» كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكر بنار الآخرة. وأخبر النبي ﷺ : «أن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم» فلا بد أن يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، مع أنه ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر.
فاشكروه تعالى أن أوضح لكم الجنة وجَلاَهَا، حتى كأنكم ترون نعيمها وحلاها، واجتهدوا في العمل لها رجاء أن تكونوا من أهلها، واعلموا أنه ليس بعد الموت من دار إلا الجنة أو النار (١) ، إن أحسن الحديث كتاب الله ...
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين (١/٧/١٤١٩هـ) .
وكتبه بخطه محمد بن عبد الرحمن بن قاسم