فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم. فمن كان عالمًا بالله وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه ويخشاه فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانه. ومن آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره، وهذا جهل محض؛ فإنه تعجل الإثم والخزي، ويفوته عز التقوى، وثواب الآخرة، وعلو درجاتها، ولذة الطاعة؛ وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك وقد يعاجله الموت، فهو كجائع أكل طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الحاضر ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب دواء.
وممن أفنى عمره في الغفلة والبطالة ما روى الواحدي في كتاب «قتلى القرآن» أن رجلاً من أشراف أهل البصرة كان منحدرًا إليها في سفينة، ومعه جارية له، فشرب يومًا وغنته جاريته بعود لها، وكان معهم في السفينة فقير صالح، فقال له: يا فتى: تحسن مثل هذا؟ قال: أحسن ما هو أحسن منه- وكان الفقير حسن الصوت- فاستفتح وقرأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧، ٧٨] فرمى الرجل ما بيده من الشراب في الماء، فقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم فتلا عليه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٧] فوقعت في قلبه، فرمى ببقية الشراب في الماء وكسر العود.
ثم قال: يا فتى: هل ههنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ
стр. 247
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَر: ٥٣] فصاح صيحة عظيمة، فنظروا إليه فإذا هو قد مات- ﵀.
وخرج أبو نعيم بسنده عن سعيد الجريري، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد: الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، حتى متى؟ قال: ما أعلم هذا إلا أخلاق المؤمنين.
وبقي هنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها، وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبه على قرب الأجل ليجدّ في التزود. ويتهيأ للرحيل بعمل صالح للقاء، ويكون خاتمة للعمل. قال ابن عباس لما نزلت على النبي ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النّصر: ١- ٣] . نعيت لرسول الله ﷺ نفسه، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة. وقالت أم سلمة: كان النبي ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده» . فذكرت ذلك له. فقال: «إني أمرت بذلك» ، وتلا هذه السورة، وكان من عادته أن يعتكف في كل عام في رمضان عشرًا، ويعرض القرآن على جبريل مرة؛ فاعتكف في ذلك العام عشرين يوما وعرض القرآن مرتين، وكان يقول: «ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي» ثم حج حجة الوداع، وقال: «أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب» ثم أمر بالتمسك بكتاب الله، ثم توفي بعد وصوله إلى المدينة بيسير ﷺ .
إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة، والإحسان فكيف يكون حال المسيء؟ وفي الدعاء المأثور: «اللهم اجعل خير
стр. 248
عملي خواتمه، واجعل خير عمري آخره، وخير أيامي يوم لقاك» .
وكان السلف الصالح مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال يجددون التوبة والاستغفار، ويختمون أعمالهم بالاستغفار وكلمة التوحيد.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عند موته: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت؛ ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحد النظر، فقالوا: إنك تنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين. فقال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض ﵀، وسمع تاليًا يتلوا: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القَصَص: ٨٣] .
فاتقوا الله عباد الله، والتوبة التوبة، قبل أن يصلنا من الموت النوبة، فيحصل المفرط على الندم والخيبة، والإنابة الإنابة، قبل غلق باب الإجابة، والإفاقة الإفاقة قبل وقت الفاقة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] بارك الله ...
стр. 249
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه ...
أما بعد: عباد الله مبادرة الإنسان بالتوبة في حال صحته قبل نزول المرض به هي أفضل أنواع التوبة، حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح، ولذلك قرن الله التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن. فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء. والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت. خرج ابن ماجه من حديث جابر أن النبي ﷺ خطب فقال في خطبته: «أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا» فأمر بالمباردة قبل الموت، وكل ساعة تمر على ابن آدم فإنه يمكن أن تكون ساعة موته، بل كل نَفَس. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة. وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل. وقال بعض السلف: أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين. فمن أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر؛ لأنه يُخْشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحُجرَات: ١١] تأخير التوبة في حال الشباب قبيح، ففي حال المشيب أقبح وأقبح. قال عمر بن هانئ: تقول التوبة للشاب: أهلاً ومرحبًا. وتقول للشيخ: نقبلك على ما كان منك. فاختموا عباد الله أعمالكم اليومية بالتوبة والاستغفار، فإن كان العمل سيئًا كان كفارة له، وإن كان حسنًا كان كالطابع عليه (١) . إن أحسن الحديث ...
стр. 250
ميزان الناس
الحمد لله الذي أوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا، وفاوت بين عباده في منازل العبودية من الإنابة والمحبة والخوف والرجاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد عباد الله: إذا أراد المسلم أن يُقَيِّمَ نفسه ويزنها، ويعرف خسرانها من ربحها، ويطمئن عليها في سيرها إلى ربها، فليعرضها على القرآن الكريم، قال ابن مسعود ﵁: لا يسأل أحدٌ عن نفسه غير القرآن. وهذه يا عباد الله آية منه، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] .
جعل سبحانه القائمين بهذا القرآن علمًا وعملاً ثلاثة أنواع: «ظالم لنفسه» وهو المفرط في بعض الواجبات، أو المرتكب لبعض المحرمات.
الثاني: «المقتصد» وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.
стр. 251
الثالث: «السابق بالخيرات» وهو الفاعل للوجابات والمستحبات، التارك للمحرمات، والمكروهات، وبعض المباحات.
وكل من هؤلاء الثلاثة مسافر إلى ربه، ومدة سفره هو عمره الذي كتب له، ثم جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر.
«فالظالم لنفسه» إذا استقبل مرحلة يومه استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها، فإذا زاحهما حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأخذ بالرخصة، ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاونًا ووعدًا بالتوبة؛ فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد، والإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر، والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران، وهو للأغلب منهما؛ فإذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه، وحصر ربحه وحده، وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله من وراء ذلك لا يعدم منه فضله أو عدله. هذا هو عمل الظالم لنفسه ومصيره.
أما «المقتصدون» فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولا نقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار، ولا بخسوا الحق الذي عليهم فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام، والصلاة التامة في وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذن الله فيها، مؤديًا واجب الرب فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار. فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول، فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين
стр. 252
النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الجر فيقوم إلى صلاته ووظيفته. فإذا جاء الصوم الواجب قام بحقه. وكذلك الزكاة الواجبة، والحج الواجب. وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم، ولا يترك حقه لهم. هذه حال المقتصد.
وأما «السابقون بالخيرات» فهم نوعان: أبرار، ومقربون. أما «الأبرار» : فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله، وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه؛ فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال الصالحة، واجتناب الأعمال القبيحة فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء التام والصلاة كما أمره الله في أول وقتها فإذا أدى فرض وقته اشتغل بالتلاوة والأذكار إلى حين تطلع الشمس، فيركع الضحى. ثم يذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب، فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد عن يمين الإمام أو خلف ظهره فأدى فريضته كما أمر، مكملاً لها بشرائطها، وأركانها، وسننها، وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الرب، فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارًا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة على دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء الله، ونفرته عن كل قاطع يقطعه عن الله، وهو مع ذلك مراع لحفظ السنن لا يخل منها بشيء؛ ويأتي بعد الفريضة بالأذكار المشروعة من التسبيح والتحميد والتهليل ثلاثًا
وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله
стр. 253
الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن أراد المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين. فإذا كان قبل غروب الشمس توفر على أذكار المساء الواردة في السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار، لا يخل بذلك أبدًا. فإذا أخذوا مضاجعهم أخذوا بأذكار النوم الواردة في السنة من قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا ثم يمسحون بها رءوسهم ووجوههم وأجسادهم ثلاثًا، ويقرءون آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، ويسبحون ويحمدون ثلاثًا وثلاثين، ويكبرون أربعًا وثلاثين، ثم يقول أحدهم: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فلا يزالون يذكرون الله على فراشهم حتى يأخذهم النوم. وهم مع هذا قائمون بحقوق العباد: من عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإجابة الدعوة، والمعاونة لهم بالجاه والبدن والنفس والمال، وزيارتهم، وتفقدهم، وقائمون بحقوق أهلهم وعيالهم. فإذا وقع من أحدهم تفريط في حق من حقوق الله بادر إلى الاعتذار والتوبة والاستغفار ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره. هؤلاء هم الأبرار.
وأما «السابقون المقربون» فهم قوم امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغُمرَت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته ... فإذا استيقظ أحدكم فأول ما يبدأ به: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم يدعو ويتضرع. ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه.
стр. 254
ثم يصلي ما كتب الله له صلاة محب ناصح لربه، متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها عليه، يرى من أعظم نعم الله عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهلَّه وحرم غيره، يرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعمته ولذته وسروره في تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليله، ويناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية؛ فتجذب قَلْبَه وروحه إليه آياتُ المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم. وتُطَيِّبُ له السِّير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة. وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام، وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه. فإذا صلى ما كتب له جلس مطرقًا بين يدي ربه هيبة له وإجلالاً، واستغفره استغفار من يتيقن أنه هالك إن لم يغفر له ويرحمه. فإذا قضى من الاستغفار وطرًا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجمًا نفسه، مريحًا لها، مقويًا لها على أداء وظيفة الفرض، فإذا طلع الفجر صلى السنة وابتهل إلى الله بينها وبين الفريضة، ويكثر من قول: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدًا الصف الأول عن يمين الإمام أو خلف قفاه، فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن؛ فإن صلاة الفجر يشهدها الله وملائكته شهادة خاصة، وهي شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب ونزوله إلى سماء الدنيا في الشطر الأخير من الليل. فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار التي شرعت أول النهار فيجعلها وردًا له لا يخل بها أبدًا، ثم يزيد عليها ما شاء الله من الأذكار الفاضلة وتلاوة القرآن حتى تطلع الشمس.
стр. 255
فإذا طلعت فإن شاء ركع ركعتي الضحى وزاد ما شاء الله وإن شاء قام من غير ركوع. ثم يذهب متضرًا إلى ربه سائلاً له أن يكون ضامنًا عليه متصرفًا في مرضاته بقية يومه، فلا ينقلب إلا في شيء يظهر له فيه مرضاة ربه، وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية قلبه عبادة بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب. فإذا جاء فرض الظهر بادر إليه مكملاً له ناصحًا فيه لمعبوده، باذلاً مقدروه كله في تحسينه وتزيينه وإصلاحه وإكماله ليقع موقعًا حسنًا من محبوبه، فينال به رضاه وقربه منه. وهكذا صلاة العصر والمغرب، والعشاء. فهذا سلوك أهل النباهة والحزم، وهم أفراد من العالم، وهو طريق سهل قريب موصل طريق آمن، أكثر السالكين في غفلة عنه.
أما «الأشقياء» فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء، متزودين غضب الرب مصحوبون بالشياطين تسوقهم إلى منازلهم سوقًا حثيثًا، وتزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجًا. نعوذ بالله من حالهم ومصيرهم.
فاتقوا الله عباد الله فتقواه هي النجاة، وأهل التقوى هم أهل لا إله إلا الله، روى الطبراني بسنده عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت، ولا في القبور، ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] » . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...
стр. 256
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من يرد هدايته يشرح صدره للإسلام. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله كما أرسل الرسل من قبله يدعون إلى دار السلام، ويحذرون من المعاصي والآثام. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فيا عباد الله: السائر إلى الله والدار الآخرة لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بعلم وعمل فبالعلم يبصر منازل الطريق، وبالعمل يسير حقيقة، فكلما قطع منزلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر. وكلما كلت نفسه من السير وعدها قرب التلاقي وبرد العيش. والدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمر الإنسان دقائق من دقائق تلك الساعة أو أقل، قال النبي ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم (يعني في البحر) فينظر بم يخرج» .
فالله الله عباد الله لا ننقطع في المفازة، ولنذكِّر أنفسنا ما أمامها من الأحباب، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفنا من الأعداء، وما لديهم من الإهانة والعذاب.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١١] إن أحسن الحديث كتاب
الله ... (١) .
стр. 257
اختلاف فصول السنة
تذكر بالله والدار الآخرة
الحمد لله الذي جعل في اختلاف فصول السنة دليلاً على عظمته الباهرة، ومذكرًا بالدار الآخرة.
أحمده سبحانه على رحمته الواسعة، وأسأله الإعانة على حسن طاعته والاستقامة على أمره والتزود من الأعمال الصالحة. ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فهو المعاذ والملاذ وحده، لا ملجأ منه إلا إليه في الملمات والعظائم القاهرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كل ما في الكون يذكر بعظمته، ويشوق إلى دار كرامته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضًا. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير» .
أخرجه البخاري ومسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين روضوا أنفسهم وطوعوها حتى استقامت على الأمر.
أما بعد: فيا عباد الله ما رأى العارفون بالله شيئًا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله بجنسه في الآخرة، وعلموا أن ذلك دليلاً يعرفهم بخالقهم ﷻ وتقدست أسماؤه قال الحسن البصري
стр. 258
رحمه الله: كان الصحابة يقولون: الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقًا دائمًا لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه، وإن الله قد حادث بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين، وجعل فيها (معاشًا وسراجًا وهاجًا) . ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاء بنى بناء جعل فيه المطر والرعد والبرق والصواعق ما شاء، وإن شاء صرف ذلك الخلق.
وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس، وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بالأنفاس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربًا يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.
وقال خليفة العبدي: ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم حتى أيقنت قلوبهم، وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته، ما رأى العرافون شيئًا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية أو خلاف ذلك.
فكل ما في الدنيا يدل على خالقه ويذكر به، ويدل على صفاته فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه وفضله وإحسانه وجوده ولطفه بأهل طاعته. وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه ممن عصاه فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبًا يابسًا يدل على بعث الموتى
من الأرض. قال أبو رزين العقيلي للنبي ﷺ : كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «هل مررت بواد أُهلك محلاً،
стр. 259
ثم مررت به يهتز خضرًا؟» قال نعم. قال: «كذلك يخرج الله الموتى، وذلك آيته في خلقه» أخرجه الإمام أحمد. وقِصَرُ مدة الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها والشجر إلى حالها الأول كعود ابن آدم بعد كونه حيًا إلى التراب الذي خلق منه.
و «فصول السنة» تذكر بالآخرة فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم وهو من سمومها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها. و «الخريف» يكمل فيه اجتناء الثمرات. وكذلك اجتناء ثمرات الأعمال في الآخرة. وأما «الربيع» فهو أطيب فصول السنة، وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها. وينبغي أن يحث المؤمن على مواصلة الاجتهاد يطلب الجنة بالأعمال الصالحة. وكذلك خلق بعض البلدان الباردة والمطاعم والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة وغير ذلك من نعيم الدنيا يذكر بنعيم الجنة.
كان بعض السلف يخرج في أيام الرياحين والفواكه إلى السوق فيقف وينظر ويعتبر ويسأل الله الجنة. ومر سعيد بن جبير بشباب من أبناء الملوك جلوس في مجالسهم في زينتهم فسلموا عليه، فلما بعد عنهم بكى واشتد بكاؤه، وقال: ذكرني هؤلاء شباب أهل الجنة. تزوج صلة بن أشيم بمعاذة العدوية وكان من كبار الصالحين، فأدخله ابن أخيه الحمام المسخن بالنار، ثم أدخله على زوجته في بيت مطيب منجد، فقاما يصليان إلى الصباح. فسأله ابن أخيه عن حاله؟ فقال: أدخلتني بالأمس بيتًا أذكرتني به النار- يعني الحمام- وأدخلتني الليلة بيتًا أذكرتني به الجنة، فلم يزل فكري في الجنة والنار إلى الصباح.
стр. 260
خرج الطبراني بإسناده أن رجلاً في عهد النبي ﷺ نزع ثيابه ثم تمرغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التّوبَة: ٨١] جيفة بالليل، بطال بالنهار (١) ، فرآه النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله غلبتني نفسي. فقال النبي ﷺ : «لقد فتحت لك أبواب السماء وباهى الله بك الملائكة» . وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون، ويتعوذون بالله من النار. وكان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار؛ فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة، ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. قاله ابن مسعود وتلا قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفُرقان: ٢٤] فينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف؛ فإن الشمس تدنو من رءوس الناس يوم القيامة ويزاد في حرها، وليس هناك ظل إلا بالأعمال الصالحة.
ومما يدل على الجنة والنار أيضًا ما يعجل الله في الدنيا لأهل طاعته وأهل معصيته.
فإن الله تعالى يعجل لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم الجنة وروحها ما يجدونه ويشهدونه بقلوبهم مما لا تحيط به عبارة، ولا تحصره إشارة، حتى قال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب. قال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم.
стр. 261
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النّحل: ٩٧] . قال الحسن: نرزقه طاعة يجد لذته في قلبه. أهل التقوى في نعيم حيث كانوا: في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.
وأما أهل المعاصي والإعراض عن الله فإن الله يعجل لهم في الدنيا من انموذج عقوبات جهنم ما يعرف أيضًا بالتجربة والذوق، فلا تسأل عما هم فيه من ضيق الصدر وحرجه ونكده، ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من ذلك وأضيق، ولذلك يضيق على أحدهم قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه سمومها قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] ثم بعد ذلك إلى جهنم وضيقها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفُرقان: ١٣] .
افتقوا الله عباد الله، واعتبروا بما تشاهدونه على ما غاب عنكم من نعيم أو عذاب، وفي ذلك آية على وجود الخالق وعظمته، وباعث على الاستمرار على القيام بحقه من مفروض ومندوب. واعلموا أن النفس في كثير من الأحيان تحتاج إلى تربية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسرَاء: ١٢] بارك الله لي ولكم.
стр. 262
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي يرجى من كرمه أن يحيي القلوب الميتة بالذنوب وطول الغفلة بسماع الذكر النازل من السماء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في عبادته لا من الأنبياء ولا من الصلحاء ولا من يسمونهم بالأولياء. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير خلق الله من الأولين والآخرين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: لا شك أن الله سبحانه خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين من غير موت، وخلق دارًا معجلة للأعمال، وجعل فيها موتًا وحياة، وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه، وجعل إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم، والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة، وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم؛ فما فيها من نعيم يذكر بنعيم الجنة، وما فيها من ألم يذكر بألم النار فاسألوه- يا عباد الله- الجنة واستعيذوا به من النار. قال النبي ﷺ : «إذا كان يوم شديد الحر فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم. قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته. وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم. اللهم أجرني من زمهرير جهنم. قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي قد استجار بي منك فأجرته» .
стр. 263
روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: «يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن عفا لله أعفاه الله» . وقيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتَشَدَّوُ -يعني: في العبادة- فقال: وكيف لا أتشدد وقد ترصد لي أربعة عشر عدوًا. قيل له: لك خاصة؟ قال: بل لجميع من يعقل. قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال: أما أربعة فمؤمن يحسدوني، ومنافق يبغضني، وكافر يقاتلني، وشيطان يغويني ويضلني. وأما العشرة: فالجوع، والعطش، والحر، والبرد، والعري، والمرض، والفاقة، والهرم، والموت، والنار. ولا أطبقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهن سلاحًا أفضل من التقوى.
فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على أنفسكم من أعدائكم، وجودوا على فقراء المؤمنين., وعليكم بالقدوة الحسنة الصحابة والتابعين لهم بإحسان خير خلق الله بعد النبيين والمرسلين. إن أحسن الحديث ...
стр. 264
حال الناس
في موقف القيامة
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الثقلين الجن والإنس «لغاية تراد منهم» وهي أن يعرفوه ويعبدوه وحده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريَات: ٥٦] و «غاية تراد بهم» وهي الجزاء بالعدل والفضل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النّجْم: ٣١] .
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه. فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فيا عباد الله: روى النسائي، عن عوف بن مالك ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ وبيده عصى، وقد علق رجل قنوًا من حشف، فجعل يطعن في ذلك القنو، فقال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفًا يوم القيامة» أخبر ﷺ أن جزاءه يكون من جنس عمله،
فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها؛ ولهذا سمي يومُ القيامة يومَ الجزاء ويوم المعاد؛ فإن العبد يموت على ما عاش
стр. 265
عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا، أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا: فيورثه علمه الصالح من الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العين والنعيم في قلبه، وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه من سائر المشتهيات، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه؛ فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا، وكان مزيده من تنوعها والابتهاج بها والالتزاز نبيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار فليست لذة من ضرب في كل مرضاة لله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من أنهى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها؛ فلذات أهل الجنة وما فيها من الطيبات أنواع. وكذلك تنوعت آلام أهل النار- فليس ألم من ضرب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم في مساخطه.
فالناس يتفاوتون في أحوال المعاد وما يجري فيه من الأمور المتنوعة- فمنها خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره؛ فإنه بحسب خفة وزره وثقله إن خف خف، وإن ثقل ثقل. ومنها استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للشمس والحر إن كان له من الأعمال الصالحة والخالصة والإيمان ما يظله في هذه الدار من حر الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن. وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحر الشديد.
стр. 266
ومنها طول وقوفه في الموقف، ومشقَّته عليه، وتهوينه عليه. إن طال وقوفه في الصلاة ليلاً ونهارًا لله وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه الوقوف في ذلك اليوم وسهل عليه. وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣- ٢٧] . فمن سبح الله ليلاً طويلاً لم يكن ذلك اليوم ثقيلاً عليه؛ بل كان أخف شيء عليه.
ومنها ثقل ميزانه هناك بحسب تحمله ثقل الحق في هذه الدار، لا بحسب مجرد كثرة الأعمال؛ وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل، كما قال الصديق لعمر ﵄: واعلم أن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفًا.
ومنها أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله ﷺ وشربهم منها- فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع ورَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلع؛
стр. 267
فله ﷺ حوضان عظيمان: حوض في الدنيا، وهو سنته وما جاء به. وحوض في الآخرة فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل ومستكثر.
والذين يذودهم هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها فمن ظمأ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدًا، وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول:
يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله. فيقول: لكني والله ما شربت، وا عطشاه.
ومنها قسمة الأنوار في الظلمة دون الجسر فإن العبد يعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه ويقينه وإخلاصه ومتابعته للرسول في دار الدنيا فمنهم من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءةً، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوته وضعفه، وما بين ذلك.
ومنهم من يعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا (١) ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ولا له مادة من الإيمان أعطى في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له ثم يطفئ عنه أحوج ما كان إليه.
стр. 268
ومنها أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطأُهم هنا أبطأهم هناك، وأشهدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك.؟ ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هنا فناج مسلم، ومخزول أي مقطع بالكلاليب مكردس في النار، كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصّلَت: ١٤٦] .
ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسرَاء: ٧٢] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريَم: ٧٦] .
فأوصيكم وإياي عباد الله بالتقوى، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ونزنها قبل أن نوزن، وأن نتأهب للعرض الأكبر على الله الذي لا تخفى عليه خافية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...
стр. 269
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الشافع المشفع في يوم المحشر. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الأثر.
أما بعد: فيا عباد الله: روى مسلم ففي صحيحه، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يسأل عن الورود في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريَم: ٧١] فقال: «نجيء نحن يوم القيامة على كُوْم فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول، فالأول؛ ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولن: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم فيتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألف لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوء نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويَجْعَلُ أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حُرَاقُهُ، ثم يَسْأَل حتى يَجْعَل لَه الدنيا وعشرة أمثالها معها» .
стр. 270
فتنبهوا عباد الله لما أمامنا: في البرزخ، وفي القيامة، وفي داري الجزاء، وتفكروا في معاني هذا الحديث، وانظروا معاملة الله لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئًا هذه المعاملة، ومعاملته أهل الشرك به حيث ذهبت كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم (١) . إن أحسن الحديث ...
стр. 271
أحوال الإنسان من حين يأتيه الأجل المحتوم
إلى أن يستقر في إحدى الدارين (١)
الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان في أحسن تقويم. أوجده ورباه بنعمه، وهداه إلى الطريق القويم. وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تحول من حال إلى حال ولا قوة على ذلك إلا بالله وهو حسبي ونعم الوكيل. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نقله ربه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، حتى انتهى إلى محل القرب والزلفى من ربه الكريم. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أهل العلم والعبادة والهجرة والجهاد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٦- ١٩] أقسم سبحانه بالشفق الذي يتضمن إدبار النهار وإقبال الليل، وهما آيتان من آيات الله. وأقسم بالقمر واتساقه؛ فالهلال آية، واتساقه- وهو امتلاؤه نورًا- آية، ثم أخذه في النقص آية ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] يعني تنقل الإنسان حالاً بعد حال، ومنزلاً بعد منزل، وأمرًا بعد أمر.
стр. 272
عباد الله هذه الآيات التي حلف الله بها والمحلوف عليه وهو الإنسان أدلة على عظمة ربنا، وتغييره للعالم وتصريفه إياه كيف أراد، ونقله من حال إلى حال، وهي من أعظم الأدلة على توحيده وصفات كماله، وصدقه، وصدق رسله، وعلى المعاد ولذلك قال عقبه بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] .
فأول أطباق الإنسان «نطفة» . ثم «علقة» . ثم «مضغة» . ثم «جنينًا» . ثم «مولودًا» . ثم «رضيعًا» . ثم «فطيمًا» . ثم «مميزًا» . ثم يأخذ في بلوغ الأِشد والشباب إلى الأربعين. ثم بعد الأربعين يأخذ في الكهولة إلى الستين. ثم يأخذ في الشيخوخة. فإذا انحطمت قواه فهو هرم. فإذا تغيرت أحواله وظهر نقصه فقد رد إلى أرذل العمر. وهي في جميع أطواره: إما صحيح أو مريض، غني أو فقير، معافى أو مبتلى إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه.
فإذا بلغ الأجل الذي قدر له واستوفاه جاءته رسل ربه ينقلونه من دار الفناء إلى دار البقاء، فجلسوا منه مد البصر، ثم دنا منه الملك الموكل بقبض الأرواح فاستدعى بالروح، فإن كانت روحًا طيبة قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج من بدنه كما تخرج القطرة من في السقاء، فإذا أخذها لم يدعوها في يديه طرفة عين، فيحنطونها ويكفنونها بحنوط وكفن من الجنة،
ثم يصلون عليها، ويوجد لها كأطيب نفحة مسك وجدت على الأرض، ثم يصعد بها للعرض الأول على أسرع الحاسبين فينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستأذن لها، فتفتح لها أبواب السماء، ويصلي عليها ملائكتها، ويشيعها مقربوها إلى السماء الثانية، فيفعل
стр. 273
بها كذلك، ثم الثالثة، ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ؛ فتحيي ربها ﵎ بتحية الربوبية: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تبارك يا ذا الجلال والإكرام. فإن شاء أذن لها بالسجود، ثم يخرج لها التوقيع بالجنة، فيقول الرب ﷻ : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ثم أعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.
ثم ترجع روحه إلى الأرض، فتشهد غسله وتكفينه وحمله وتجهيزه وتقول: قدموني قدموني.
فإذا وضع في لحده وتولى عنه أصحابه دخلت الروح معه، حتى إنه يسمع قرع نعالهم على الأرض، فأتاه حينئذ فتانا القبر، فيجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. فيصدقانه، ويبشرانه بأن هذا الذي عاش عليه، ومات عليه، وعليه يبعث. ثم يفسح له في قبره مدَّ بصره، ويفرش له خَضِرًا، ويقيض له شاب حسن الوجه والرائحة، فيقول: أبشر بالذي يسرك. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. ثم يَفْتَحُ له طاقةً إلى النار، ويقول: انظر ما صرف الله عنك. ثم يَفْتَح له طاقة إلى الجنة، ويقول: انظر ما وعد الله لك، فيراهما جميعًا.
وأما النفس الفاجرة فبالضد من ذلك كله: إذا أذنت بالرحيل نزل عليها ملائكة سود الوجوه، معهم حنوط من نار وكفن من
نار، فجلسوا منها مدَّ البصر، ثم دنا الملك الموكل بقبض النفوس فاستدعى بها وقال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد
стр. 274
الخبيث أبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فتطاير في بدنه، فيجتذبها من أعماق البدن فتنقع معها العروق والعصب كما ينتزع الشوك من الصوف؛ فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، ويوجد لها كأنتن رائحة جيفة على وجه الأرض، فتحنط بذلك الحنوط، وتلف في ذلك الكفن، ويلعنها كل ملك بين السماء والأرض، ثم يصعد بها إلى السماء فستفتح لها فلا تفتح لها أبواب السماء، ثم يجيء النداء من رب العالمين: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض. فتطرح روحه طرحًا، فتشهد تجهيزه وتكفينه وحمله، وتقول وهي على السرير: يا ويلها إلى أين يذهبوا بها؟ فإذا وضع في اللحد أعيدت عليه، وجاء الملكان فسألاه عن ربه ودينه ونبيه، فيتلجلج ويقول: لا أدري. فيقولان له: لا دريت، ولا تليت، ثم يضربانه ضربة يصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين. ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرش له نار، ويفتح له طاقة إلى الجنة فيقال: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثم يفتح له طاقة إلى النار، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، فيراهما جميعًا؛ ثم يقيض له أعمى أصم أبكم فيقول: من أنت فوجهك الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك السيئ.
ثم ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله، ويعذب الفاجر فيه على حسب أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو فتقرض شفاه المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس
ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتسجر بطون أكلة أموال اليتامى بالنار، وتلقم أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار الدم كما يسبحون في الكسب الخبث. وترضح رءوس النائمين عن
стр. 275
الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد إلى قفاه، ومِنْخُرُه إلى قفاه، وعينيه إلى قفاه، كما شقت كلمته النواحي. ويعلق النساء الزواني بثديهن، وتحبس الزناة والزواني في التنور المحمى عليه، فيعذب محل المعصية منهم ومن هو إلا سافل. وتسلط الهموم والأحزان والآلام النفسانية على النفوس البطالة التي كانت مشغولة باللهو واللعب والبطالة، فتصنع الآلام في نفوسهم كما تصنع الهوام والديدان في جسومهم، حتى يأذن الله تعالى بانقضاء أجل العالم وطي الدنيا.
فتمطر الأرض مطرًا غليظًا أبيض كمني الرجال أربعين صباحًا، فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب، فإذا تكاملت الأجنة واقربت الأم وكان وقت الولادة أمر الله سبحانه إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث وهي الثالثة وقبلها نفخة الموت، وقبلها نفخة البعث وهي الثالثة وقبلها وقبلها نفخة الموت، وقبلها نفخة الفزع فتشققت الأرض عنهم، فإذا هم قيام ينظرون، يقول المؤمن: الحمد لله الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النشور. ويقول الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. فيساقون إلى المحشر حفاة، عراة، غرلاً، بهما، مع كل نفس سائق يسوقها، وشهيد عليها. وهم بين مسرور ومثبور، وضاحك وباكٍ، حتى إذا تكاملت عدتهم وصاروا جميعًا على وجه الأرض تشققت السماء، وانتثرت الكواكب، ونزلت ملائكة السماء الثانية فأحاطت بملائكة السماء الدنيا، ثم كل سماء كذلك؛ فبينما هم كذلك إذ جاء الله رب العالمين لفصل القضاء، فأشرقت الأرض بنوره، وتميز المجرمون من المؤمنين، ونصب الميزان، وأحضر الديوان، واستدعي بالشهود، وشهدت يومئذ الأيدي والألسن والأرجل والجلود، ولا تزال الخصومة بين يدي الله سبحانه حتى
стр. 276
يختصم الروح والجسد، فيقول الجسد: إنما كنت ميتًا لا أعقل ولا أسمع ولا أبصر، وأنتِ كنت السميعة المبصرة العاقلة، وكنتِ تصرفينني حيث أردت. فتقول الروح: وأنت الذي فعلت، وباشرت المعصية، وبطشت. فيرسل الله إليهما ملكًا يحكم بينهما فيقول: مثلكما مثل بصير مقعد، وأعمى صحيح دخلا بستانًا، فقال المقعد: أنا أرى الثمار ولا أستطيع أن أقوم إليها، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام، ولكن لا أرى شيئًا، فقال المقعد: احملني حتى أتناول لي ولك ففعلا، فعلى من تكون العقوبة؟ فيقولان: عليهما. فيقول: فذلك أنتما. فيحكم الله سبحانه بين عباده بحكمه الذي يحمده عليه جميع أهل السموات والأرض وكل بر وفاجر ومؤمن وكافر. ثم ينادي مناد: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. فيذهب أهل الأوثان مع أوثانهم، وأهل الصليب من صليبهم، وكل مشرك مع إلهه الذي كان يعبد لا يستطيع التخلف عنه فيتساقطون في النار. ويبقى الموحدون، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم،
وإن لنا ربًا ننتظره، فيقال: وهل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون نعم: إنه لا مثل له، فيتجلى لهم سبحانه في غير الصورة التي يعرفونه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا
مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيتجلى لهم سبحانه في صورته التي رويء فيها أول مرة ضاحكًا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم أنت ربنا، ويخرون لله سجدًا ألا من كان لا يصلي في الدنيا أو يصلي رياء فإنه يحال بينه وبين السجود. ثم ينطلق سبحانه
ويتبعونه، ويضرب الجسر على وسط جهنم، ويساق الخلق عليه، وهو دحض مزلة، مظلم لا يمكن عبوره إلا بنور. فإذا انتهوا
стр. 277
إليه قسمت بينهم الأنوار على حسب نور إيمانهم وإخلاصهم وأعمالهم في الدنيا؛ فنور كالشمس، ونور كالنجم، ونور كالسراج في قوته وضعفه. وترسل الأمانة والرحم على جنبي الصراط فلا يجوزه خائن ولا قاطع. ويختلف مرورهم عليه بحسب اختلاف استقامتهم على الصراط المستقيم في الدنيا فمارٌّ كالبرق، وكالريح، وكالطير وكأجاويد الخيل، وساع، وماش، وزاحف، وحاب حبوًا. وينصب على جنبه كلاليب لا يعلم قد عظمها إلا الله تعوق من علقت به عن العبور على حسب ما كانت تعوقه الدنيا عن طاعة الله ومرضاته وعبوديته، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومقطع بتلك الكلاليب ومكردس في النار. وقد طفأ نور المنافقين على الجسر أحوج ما كانوا إليه.
فإذ جاوز المؤمنون الصراط -ولا يجوزه إلا مؤمن- أمنوا من دخول النار، فيحبسون هناك على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في دار الدنيا، حتى إذا هذبوا إذن لهم في دخول الجنة. فإذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار أتي بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون وجلين. ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، وكلهم قد عرفه. فيقال: هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٨١] بارك
الله ...
стр. 278
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ...
أما بعد: فيا عباد الله: هذه أحوال النطفة التي هي مبدأ الإنسان، وما بين هذا المبدأ وهذه الغاية أحوال وأطباق قدر العزيز العليم تنقل الإنسان فيها وركوبه لها طبقًا بعد طبق حتى يصل إلى غايته من السعادة والشقاوة، وهي نتيجة الابتلاء والاختبار في هذه الدار. هذا الاختبار العظيم، والنتيجة الأعظم ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ١-٣] . ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦- ١١] .
فنسأل الله العظيم الجليل الرحيم أن يجعلنا من الذين سبقت لهم منه الحسنى، ولا يجعلنا من الذين غلبت عليهم الشقاوة فخسروا الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل. إن أحسن الحديث ...
стр. 279
التحذير من النار
الحمد لله ذي العز المجيد، المبدئ المعيد، المكرم لمن خافه واتقاه بدار لا يفنى نعيمها ولا يبيد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإنذار بها والوعيد ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصّلَت: ٤٦] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا كفو، ولا ضد، ولا نديد.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الساعي بالنصح للقريب والبعيد، المحذر للعصاة من نار تلظى بدوام الوقيد. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة لا تزال على كر الجديدين في تجديد، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويحبوه، ويخافوه خوف إجلال، ونصب لهم الأدلة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال؛ ولهذا كرر في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه.
стр. 280
عباد الله: من تأمل القرآن الكريم وأدار فكره فيه، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي هي مفسرة للكتاب وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك سير السلف الصالح من أهل العلم والإيمان، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان- من تأملهم علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخشية والخوف والإخبات، وأن ذلك هو الذي رقَّاهم المقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات، والانكفاف عن دقائق الأعمال المكروهات، فضلاً عن المحرمات. ولهذا قال بعض السلف: خوف الله حجب قلوب الخائفين عن زهرة الدنيا وعوارض الشهوات.
عباد الله ذكر العلماء أن النفوس ولا سيما في هذه الأزمان وقبلها بأزمان قد غلب على كثير منها الكسل والتواني، واسترسلت في شهواتها وأهوائها وتمنت على الله الأماني. والشهوات المحرمة لا يذهبها من القلوب إلا أحد أمرين: إما خوف مزعج محرق، أو شوق مبهج مقلق، فذلك بمشيئة الله هو القامع للنفوس عن غيها وفسادها، والباعث لها على المسارعة إلى فلاحها ورشادها. والخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل. والقَدْرُ الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإذا زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول المباحات: كان ذلك فضلاً محمودًا.
وقد ضمن الله سبحانه الجنة لمن خافه من أهل الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحمن: ٤٦] قال
стр. 281
مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيتركها. وعن الحسن البصري قال: قالت الجنة: يا رب لمن خلقتني؟ قال: لمن يعبدني وهو يخافني. وقال أبو سليمان الداراني: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله، وكل قلب ليس فيه خوف الله فهو قلب خرب.
عباد الله: وقد دل القرآن الكريم والأحاديث والإجماع على وجود النار وأنها مخلوقة الآن، قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غَافر: ٤٦] .
وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطفّفِين: ٧] وسجين أسفل الأرض.
وجاءت أحاديث مبينة شدة حرها، وبعد قعرها، وسعتها، وتعظيم الكافر فيها، وأهونهم عذابًا- أجارنا الله وإياكم منها برحمته وكرمه.
منها ما رواه أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقدون جزءً من سبعين جزءً من نار جهنم» . قال: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءً كلها مثل حرها» متفق عليه: وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة، قال: كنا عند النبي ﷺ يومًا فسمع وجبة- يعني صوتًا- فقال ﷺ : «أتدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا -يعني سنة- فالآن انتهى إلى قعرها» . وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ضرس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة
стр. 282
ثلاث» وروى مسلم أيضًا عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» (١) وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ قول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمس قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا» .
وقد حذر النبي ﷺ أمته النار، وبالغ في التحذير، وأكثر التعوذ منها، وأمر به فمن ذلك ما روى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا النار، وأشاح. ثم قال: اتقوا النار، ثم أغرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» أخرجاه في الصحيحين. وفي سنن أبي داود وابن ماجه والبزار عن جابر: «أن النبي ﷺ قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أقول: اللَّهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي ﷺ : «وهل أدندن أنا ومعاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذا الدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم هَلُمَّ عن النار، هَلُمَّ عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها» وأخرج البزار
стр. 283
وأبو يعلى من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلانًا استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلانًا سألني فأدخله الجنة» .
والصحابة ﵃ مع فضلهم وكذا التابعون لهم بإحسان يخافون من النار، والخوف منها سبب النجاة، وكانوا يربون أنفسهم على الخوف منها؛ روى ابن المبارك بسنده قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريَم: ٧١] .
ذهب الصحابي عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى، وجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادمة فبكت، ثم جاء أهل البيت فجعلوا يبكون كلهم، فلما انقضت عبرته قال: يا أهلاه! ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنا رأيناك تبكي فبكينا. قال: آية نزلت على رسول الله ﷺ ينبؤني فيها ربي أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن قال: قال رجل لأخيه: قد جاءك عن الله أنك وارد جهنم؟ قال: نعم. قال: فأيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: فأيقنت وصدقت بذلك؟ قال: نعم. وكيف لا أصدق وقد قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريَم: ٧١] قال: فأيقنت أنك صادر عنها؟ قال: والله ما أدري أأصدر عنها، أم لا؟ قال: ففيم التثاقل، وفيم الضحك، وفيم اللعب. قال: فما رؤي ضاحكًا حتى لحق بالله.
وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا فقال: وهل خلقت النار إلا لي
стр. 284
ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس، أما تقرأ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرَّحمن: ٣١] أما تقرأ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرَّحمن: ٣٥] فقرأ إلى قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ﴾ [الرَّحمن: ٤٤] . وقال الحسن: كان عمر بن الخطاب ﵁ ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟! وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح بالليل فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حِسْ، حِسْ. ثم يقول: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا، ما حملك على ما صنعت يوم كذا. وخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار فقام ينظر إليه ويبكي.
هذا تفكير أولئك القوم، ومدى خوفهم من النار التي تقدم وصفها، وإنذار النبي عنها، وتأثرهم الشديد عند ذكرها.
اللهم أجرنا من النار، واغفر لنا ذنوبنا يا غفار، وأدخلنا برحمتك دار النعيم، يا بر، يا رءوف، يا رحيم. واتقوا الله عباد الله واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] ... إلى آخر السورة.
стр. 285
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أعد الجنة لعباده المؤمنين نزلا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نهى عن طاعة من أغفل قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه وكان أمره فرطا.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «عجبت من الجنة كيف نام طالبها؟، وعجبت من النار كيف نام هاربها؟» اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحاب الذين عرفوا الله حق معرفته، وقدروه حق قدره، وجعلوا الجنة والنار نصب أعينهم فاستقامت أعمالهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.
أما بعد: فيا عباد الله روى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين في كل عام: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون من الحر من سَمُومها، وأشد ما تجدون من البر من زمهريرها» وفي رواية لمسلم:: «فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نَفَس جنهم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم» فشدة الحر وشدة البر يذكران بحر النار وزمهريرها لنتقيها عند كل عمل وقول مفروض أو محرم ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقِعَة: ٧٣] وأكثروا عباد الله من الاستعاذة بالله من النار، قال عطاء الخراساني: من استجار بالله من جهنم سبع مرات قالت جهنم: لا حاجة لي فيك.
وقال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا