← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7373

موضوعات صالحة للخطب والوعظ

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (296 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له (١) . وهذه «الشمس» أكبر من الأرض بأكثر من مائة مرة إذا فكرت في طلوعها وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم؛ فكم في طلوعها من الحكم والمصالح، وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل الليل عليهم سرمدًا والدنيا مظلمة عليهم؛ فبأي نور كانوا يتصرفون ويتقلبون، وكيف كانت تنضج ثمارهم، وتكمل أقواتهم، وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحِكَمُ في طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى. ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرا مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم وإجمام حواسهم. وأيضًا لو دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات، فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليًا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين

стр. 72

متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله (١) . ثم اقتضت حكمته سبحانه أن جعل للشمس ارتفاعًا وانخفاضًا لإقامة الفصول الأربعة من السنة- ففي زمن «الشتاء» تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال والشجر والنبات فيتولد فيها مواد الثمار وغيرها، وتبرد الظواهر، ويغلظ الهواء بسبب البرد فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر والثلج والبَرَد الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات. فإذا جاء «الربيع» تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء، فخرج النبات، وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج، وتحرك الحيوان للتناسل, فإذا جاء «الصيف» سخن الهواء فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن، وتحللت فضلات الأبدان. فإذا جاء «الخريف» انكسر ذلك السموم والحر وصفا الهواء واعتدل، وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل والنبات مرة ثانية. ولو كان الزمان كلُّه فصلاً واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه. وجعل سبحانه «الخريف» برزخًا بين سموم الصيف وبرد الشتاء؛ لئلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد إلى البرد الشديد فيجد إذاه ويعظم ضره. وكذلك «الربيع» برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان من برد هذا إلى حر هذا بتدريج وترتيب، حكمة بالغة، وآية قاهرة، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين.

стр. 73

وجعل سبحانه طلوع الشمس دولاً بين أهل الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه منها. واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة، ويأخذ كل منهما من صاحبه، ومنتهى كل منهما إذا امتد خمسة عشر ساعة، فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلاً أو أكثر اختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات، ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح، ولو استويا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما شهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم، كما قال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧، ٣٨] . وانظر إلى «القمر» وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق، ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئًا فشيئًا كل ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم، مع ما في ذلك من الحكم والآيات والعبر التي لا يحصيها إلا الله. وأما تأثير نور القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وتصليبها ليقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، وتأثيره في المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال، وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر.

стр. 74

ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل إلى حركة ومسير وعمل لا يتهيأ له بالنهار لضيق النهار أو لشدة الحر أو لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان- جعل سبحانه من أضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه أعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك. فسل ﴿الْجَرِيَاتِ يُسْرًا﴾ من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء (١) تدلك على وجود الخالق، وصفات كماله، وربوبيته، وحكمته، ووحدانيته: أعظم دلالة، وكلما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله. فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة (٢) .

стр. 75

فاتقوا الله عباد الله وتفكروا في خلق السموات والأرض يصل بكم إلى ما أوصل أولي الألباب؛ فقالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمرَان: ١٩١] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] بارك الله لي ولكم ...

стр. 76

الخطبة الثانية الحمد لله نحمده ونستعينه ... أما بعد: فقد قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعرَاف: ١٨٥] . عباد الله: النظر في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم وأمثالها نوعان: نظر إليها بالبصر الظاهر- فيرى مثلاً زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها- وهذا نظر يشارك الإنسان فيه غيره من الحيوانات، وليس هو المقصود بالأمر. الثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له أبواب السماء فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته، ويرى السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض فلاة (١) ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبر الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها ينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين، وإسعاد قوم وشقاوة آخرين، وإنشاء مُلك

стр. 77

وسلب مُلك، وتحويل نعمة من محل إلى محل. وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها: من جبر كسير، وإغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورد آبق، وأمان خائف، وغجارة مستجير، ومددٍ لضعيف، وإغاثة لملهوف، وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان- فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقًا لهيبته خاشعًا لعظمته، عان لعزته، فيسجد بين يدي الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة. فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه، فيا له من سفر ما أبركه وأروحه، وأعظم ثمرته وأربحه، وأجل منفعته وأحسن عاقبته، سفر هو حياة الأرواح، ومفتاح السعادة، وغنيمة العقول والألباب؛ لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) [يُونس: ١٠١] . وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] عباد الله إن أحسن الحديث كتاب الله ...

стр. 78

(وما بينهما) الهواء، ومنافعه، والرياح والريح خيرها وشرها الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججًا، وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجًا، أسبغ على عباده نعمه الفرادى والتوائم، وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والهواء والمطر والليل والنهار، والعيون والأنهار، والضياء والظلام، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره في دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا سمي له، ولا كفو له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا شبيه له، ولا يحصي أحد ثناءً عليه؛ بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده. أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين. جاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان، فدعا إلى الله على بصيرة، وسار في الأمة بالعدل والإحسان وخُلُقِهِ العظيم أحسن سيرة، إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلامها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وسارت دعوته سير الشمس في الأقطار،

стр. 79

وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى عليه صلاة تبلغ أقطار الأرض والسماء، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فيا عباد الله «الرياح» من أعظم آيات الله الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته. وفيها من العبر: هبوبها، وسكونها، ولينها، وشدتها، واختلاف طبائعها، وصفاتها، ومهابها، وتصريفها، وتنوع منافعها، وشدة الحاجة إليها؛ ولهذا أقسم الله سبحانه بها في قوله ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذّاريَات: ١] وهي الرياح: تذروا المطر، وتذروا التراب، وتذروا النبات إذا تهشم, ثم بما فوقها وهو السحاب ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذّاريَات: ٢] أي ثقلاً من الماء يسوقها الله سبحانه على متون الرياح، فالقسم بها دليل على أنها من أعظم آياته. هذا «الهواء» اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك جسمه بحس اللمس عند هبوبه ولا يرى شخصه، يجري بين السماء والأرض، والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحر, فإذا شاء الله سبحانه حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء، ورحمةً، وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسحاب (١) . وإن شاء حركه بحركة عذاب فجعله عقيمًا، وأودعه عذابًا أليمًا، وجعله نقمة على من شاء من عباده، فجعله صرصرًا، ونحسًا وعاتيًا ومفسدًا لما يمر به ومسببًا للفيضان المدمر.

стр. 80

وهي في قوتها أشد من الحديد والنار والماء، ومع ذلك فهي ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض. تأمل هذا الهواء وما فيه من المصالح؛ فإنه حياة هذه الأبدان، والممسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تِبَاشَرُ به من رَوْحِه، فتتغذى به ظاهرًا وباطنًا. فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح؛ فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوى النبات، ومات الحيوان، وفسدت المطاعم، وأنتن العالم وفسد. فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته، كما قال النبي ﷺ : «الرياح من روح الله تأتي بالرحمة» . الرياح تلقح الشجر والنبات، ولواها لكانت عقيمًا، وكذلك الرياح تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر. ومن منافعها أنها تبرد الماء، وتضرم النار التي يراد إضرامها، وتجفف الأشياء التي يحتاج إلى جفافها. وهو الحامل لهذه الروائح على اختلافها ينقلها من موضع إلى موضع، فيأتي العبد الرائحة من حيث تهب الريح. وهو أيضًا الحامل للحر والبرد اللذين بهما صلاح الحيوان والنبات. وتأملوا الحكمة البالغة في كون الريح في البحر تأتي من وجه واحد لا يعارضها شيء؛ فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها، فإذا اختلف عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك، فالمقصود بها في البحر غير المقصود بها في البر؛ في البر جعل لها ريحًا أخرى تقابلها وتكسر سورتها وحدتها،

стр. 81

فيبقى لينها ورحمتها، فرياح الرحمة متعددة. وأما ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه فلا تقوم لها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها. وجعل سبحانه الريح للسفن بقدر لو زاد عليها لأغرقها، ولو نقص عنه لعاقها. والرياح تحمل الصوت عند اصطكاك الأجرام وتؤديه إلى مسامع الناس فينتفعون به في حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنهار. كالبريد والرسول الذي من شأنه حمل الأخبار. وتَحْدُثُ الحركات العظيمة من حركاتهم فلو كان أثر هذه الحركات والأصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب والقرطاس لامتلأ العالم منه، ولعظم الضرر به، واشتدت مؤنته، واحتاج الناس إلى محوه من الهواء والاستبدال به أعظم من حاجتهم إلى استبدال الكتاب المملوء كتابة فاقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل هذا الهواء قرطاسًا خفيفًا يحمل الكلام بقدر ما يُبَلِِّغُ الحاجة ثم يمحى بإذن ربه فيعود جديدًا نقيًا لا شيء فيه فيحمل ما حمل كل وقت. فسل الرياح من أنشأها بقدرته، وصرفها بحكمته، وسخرها بمشيئته، وأرسلها بشرى بين يدي رحمته. جعلها سببًا لتمام نعمته، وسلطانًا على من شاء بعقوبته، ومن جعلها رُخَاءً، وذارية، ولاقحة، ومثيرة، ومؤلفة، ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات. وجعلها قاصفًا، وعاصفًا ومهلكة، وعاتية، إلى غير ذلك من صفاتها. فهل ذلك لها من نفسها وذاتها، أم بتدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته، وأقرت المصنوعات بوحدانيته، بيده النفع والضر، وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

стр. 82

ولما كانت الرياح تجول في الأرض وتدخل في تجاويفها وتحدث فيها الأبخرة وتختنق الرياح ويتعذر عليها المنفذ أذن الله سبحانه لها في الأحيان بالتنفس فتحدث لها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة، والإقلاع عن معاصيه، والتضرع إليه، والندم؛ كما قال بعض السلف- وقد زلزلت الأرض- إن ربكم يستعتبكم. وقال عمر بن الخطاب ﵁: وقد زلزلت المدينة فخطبهم ووعظهم وقال: لئن عادت لا أساكنكم فيها. فاتقوا الله عباد الله واعتبروا بخلق الهواء والرياح وما جعل الله فيها من المنافع لعباده، وما جعل فيها من العذاب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٢- ٣٤] بارك الله. الخطبة الثانية الحمد لله ... أما بعد: فتأملوا عباد الله الحكمة البديعة في تيسيره سبحانه على عباده ما هم أحوج إليه وتوسيعه وبذله- فكلما كانوا أحوج إليه كان أكثر وأوسع، وكلما استغنوا عنه كان أقل، وإذا توسطت الحاجة توسط وجوده. واعتبروا هذا بالأصول الأربعة: التراب، والماء، والهواء، والنار. تأملوا سعة ما خلق الله منها وكثرته. تأملوا سعة الهواء وعمومه ووجوده بكل مكان؛ لأن الحيوان مخلوق في البر لا يمكنه الحياة إلا به فهو معه أينما كان وحيث

стр. 83

كان؛ لأنه لا يستغني عنه لحظة واحدة، ولوا سعته وامتداده في أقطار العالم لاختنق العالم من الدخان والبخار المتصاعد المنعقد. فتأمل حكمة ربك في أن سخر له الرياح فإذا تصاعد إلى الجو أحالته سحابًا أو ضبابًا فأذهبت عن العالم شره وأذاه. فسل الجاحدين من الذي دبر هذا التدبير، وقدر هذا التقدير. وهل يقدر العالم كلهم لو اجتمعوا أن يحيلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو ضبابًا أو يذهبوه عن الناس ويكشفوه عنهم؟! ولو شاء ربه تعالى أن يحبس عنه الرياح فاختنق على وجه الأرض فأهلك ما فيها من الحيوان والناس ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النّحل: ٧] فاشكروه تعالى، واتقوه، واعتبروا يا أولي الأبصار. واعلموا عباد الله أن النبي ﷺ أرشد إلى ما يقال عند شدة هبوب الرياح من الدعاء الذي هو عبودية لله، واعتراف بأنها إنما تهب بأمره؛ فهو الذي أوجدها، وأمرها، وصرفها، عن أبي بن كعب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» فهذه حال أهل الإيمان خلافًا لحال أهل الجهل والجفاء والعصيان (١) . إن أحسن الحديث ...

стр. 84

السحاب، والنبات، والثمار الحمد لله الكريم المنان، واسع العطاء جزيل الإحسان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائم بأرزاق خلقه من حيوان وإنس وجان. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان إذ حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وإذا أجدبت الأرض رفع يديه إلى السماء، فما تتخلف إجابة ذلك الدعاء. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه البررة نجوم الدجا. أما بعد: فيا عباد الله: من آيات الله «السحاب» المسخر بين السماء والأرض كيف ترونه يجتمع في جو صاف لا كدرة فيه، وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء، وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى أن يأذن له ربه وخالقه في إرسال ما معه من الماء. روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁، قال: بينما النبي ﷺ جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ : «هل تردون ما هذه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا العنان، هذه روايا الأرض- أي الحاملة للماء- يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه» يعني لسعة رحمته وحلمه سبحانه يسقي به من يطيعه ومن يعصيه. وكان الحسن البصري ﵀ إذا رأى السحاب قال: في هذه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وذنوبكم. وقال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] فالرزق المطر، وما توعدون به الجنة، وكلاهما في السماء.

стр. 85

وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «بينا رجل بفلاة من الأرض إذ سمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا بشرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء، فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان- لاسمك- فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه» وفي رواية: «وأجعل ثلثه لليتامى والمساكين وابن السبيل» أخرجه مسلم. فتأملوا كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطير والذر والنحل يسوقه رزقًا للحيوان الفلاني، في الأرض الفلانية، بجانب الجبل الفلاني، فيصل إليه على شدة من الحاجة والعطش، في وقت كذا وكذا. وتأملوا رحمكم الله: كم سخر سبحانه للسحاب من ريح حتى أمطر: فسخرت له المثيرة أوَّلاً فتثيره بين السماء والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه ثم يجتمع بعضها إلى بعض فتصير طبقًا واحدًا، ثم سخرت له اللاقحة فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الأنثى فيحمل الماء من وقته كما تحمل الأنثى من لقاح الفحل، ولولاها لكان جهامًا لا ماء فيه.

стр. 86

فالله سبحانه ينشئ الماء من السحاب إنشاء: تارة بقلب الهواء ما فيلقح به السحاب، وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب. ولهذا تجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الأمطار وإذا بعدت من البحر قل مطرها. ثم تأملوا الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر وفي ذلك فساد، فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها، ثم أنزله إلى الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها، فيرش السحاب الماء على الأرض رشًا، ويرسله قطرات مفصلة لا تختلط منه قطرة بأخرى، ولا يتقدم متأخرها، ولا يتأخر متقدمها، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمتزج بها، بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة، قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره. فلو اجتمع الخلق كلهم أن يخلقوا منها قطرة واحدة أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه. أنزله ومعه رحمته إلى الأرض. ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة، حتى إذا ما أخذت الأرض حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها أقلع عنها وأعقبه بالصحو، فلو توالت الأمطار لأهلكت ما في الأرض، ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوب والثمار وعفنت الزرع والخضراوات وأرخت الأبدان وخثرت الهواء فحدثت ضروب من

стр. 87

الأمراض وفسد أكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل. ولو دام الصحو لجفت الأبدان وغيض الماء وانقطع معين العيون والآبار والأنهار والأودية، وعظم الضرر، واحتدم الهواء فيبس ما على الأرض، وجفت الأبدان، وغلب اليبس، وأحدث ذلك ضروبًا من الأمراض عسرة الزوال. فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الأمر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الآخر، وستقام أمر العالم وصلح. ثم كيف أودعه في الأرض، ثم أخرج أنواع الأغذية والأدوية والأقوات. فهذا النبات يغذي، وهذا يصلح الغذاء، وهذا ينفذه، وهذا يضعف، وهذا سم قاتل، وهذا الشفاء من السم، وهذا يمرض، وهذا دواء من المرض، وهذا يبرد، وهذا يسخن، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق، وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال إليها، وهذا يدفع البلغم والسوداء، وهذا يستحيل إليهما، وهذا يهيج الدم، وهذا يسكنه، وهذا ينوم، وهذا يمنع النوم، وهذا يفرح، وهذا يجلب الغم، وغير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولا عرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الإحاطة بها وتفصيلها. وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه كيف يقوي قسره واجتذابه من مقره ومركزه إلى فوق، ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها، ثم تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر.

стр. 88

ثم انظر إلى تكوين حمل الشجرة ونقلته من حال إلى حال كتنقل أحوال الجنين المغيب عن الأبصار ترى العجب العجاب. فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين. بينا تراها حطبًا قائمًا عاريًا لا كسوة عليها إذ كساها ربها وخالقها من الزهر أحسن كسوة، ثم سلبها تلك الكسوة وكساها من الورق كسوة هي أثبت من الأولى، ثم أطلع فيها حملها ضعيفًا ضئيلاً بعد أن أخرج ورقها صيانة وثوبًا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجن به من الحر والبرد والآفات، ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبن أمه، ثم رباها ونماها شيئًا فشيئًا حتى استوت وكملت وتناهى إدراكها، فأخرج ذلك الجنين اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء. هذا وكم لله من آية فيما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لا يبصرونه. تفنى الأعمار دون الإحاطة بها وبجميع تفاصيلها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٧، ٨] فاعتبروا يا أولي الأبصار، واتقوا الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠، ١١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 89

الخطبة الثانية الحمد لله ... أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعَام:٩٩] . أمر سبحانه بالنظر إليه وقت خروجه وإثماره، ووقت نضجه وإدراكه؛ لأن في خروجه من بين الحطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة، ثم من خروجه من حد العفوصة واليبوسة والمرارة والحموضة إلى ذلك اللون المشرق الناصع والطعم الحلو اللذيذ الشهي لآيات لقوم يؤمنون. قال بعض السلف: حق على الناس أن يخرجوا وقت إدراك الثمار وينعها فينظروا إليها ثم تلا: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعَام: ٩٩] . وتأملوا حكمة الله تعالى في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ما للمساكين قِبَلَهُم من القوت بمنع الله ماء القوت والرزق وحبسه عنهم. فقال لهم بلسان الحال: منعتم الحق فمنعتم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلَكُم. وجاء في الحديث: «ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» (١) . إن أحسن الحديث ...

стр. 90

التفكر في البحر، والاعتبار بأمواجه وتنوع ما فيه، من الجواهر والحيوانات وما في البر منها الحمد لله الذي نوع أدلة ربوبيته وتوحيده وقامت من كل جانب، فعرفه الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانًا وإذعانًا، وجحده المخذولون من خليقته وأشركوا به ظلمًا وكفرانًا، فهلك من هلك عن بينة وحيي من حيي عن بينة، والله سميع عليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من يعلم أنه لا رب له سواه، ولا يعبد إلا إياه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، لم يفارق الأمة حتى تركها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا من كان من الهالكين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١٢٨] . أما بعد: فيا عباد الله- أحسن ما أنفقت فيه الأنفاس هو التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته؛ ولهذا يكرر الله تعالى في القرآن

стр. 91

ذكر آياته ويبديها، ويأمر عباده بالنظر إليها مرة بعد أخرى، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يُونس: ١٠١] . عباد الله من آيات الله وعجائب مصنوعاته «البحار» المكتنفة لأقطار الأرض، حتى إن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب ﵎ له بقدرته ومشيئته وحَبْسُهُ الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها. هذا طبع الماء. ولهذا حار عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الأرض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وإن لم يغمره، ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الأزلية، والحكمة الإلهية، التي اقتضت ذلك ليعيش الحيوان الأرضي في الأرض. وفي مسند الإمام أحمد، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم» وهذا أحد الأقوال في قوله : ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطُّور: ٦] وقيل في «المسجور» : إنه الموقد، وهذا هو المعروف في اللغة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التّكوير: ٦] قال علي وابن عباس: أوقدت، فصارت نارًا. ومن قال: يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة. وكذلك من قال: ملئت. فإنها تملأ نارًا، فإن البحر محبوس بقدرة الله، ومملوء ماء، ويذهب ماؤه يوم القيامة، ويصير نارًا (١) .

стр. 92

وإذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها حتى إن فيها حيوانات أمثال الجبال لا يقوم له شيء، وحتى إن فيه من الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن أنها جزيرة فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنه حيوان. وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله، وفيه أجناس لا يعهد لها نظير في البر أصلاً. هذا مع ما فيه من الجواهر، واللؤلؤ، والمرجان، فترى اللؤلؤة كيف أودعت في كن كالبيت لها وهي الصدفة تكنها وتحفظها. ومنه ﴿اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقِعَة: ٢٣] وهو الذي في صدفه لم تمسه الأيدي. وتأمل كيف نبت (المَرْجَان) في قعره في الصخرة الصماء تحت الماء على هيئة الشجر. هذا مع ما فيه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه. ثم انظر إلى عجائب السفن وسيرها في البحر تشقه وتمخره بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها وإنما قائدها وسائقها الرياح التي يسخرها الله لإجرائها، فإذا حبس عنها القائد والسائق ظلت راكدة على وجه الماء، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١) [الشورى: ٣٣] .

стр. 93

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النّحل: ١٤] . فما أعظمها من آية وما أبينها من دلالة؛ ولهذا يكرر الله سبحانه ذكرها في كتابه كثيرًا. وعجائب البحر وآياته أعظم وأكثر من أن يحصيها إلا الله سبحانه. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] . ومن آياته سبحانه في الأرض خلق الحيوان على اختلاف صفاته وأجناسه، وأشكاله، ومنافعه، وألوانه، وعجائبه المودعة فيه فمنه الماشي على بطنه، ومنه الماشي على رجلين، ومنه الماشي على أربع. ومنه ما جعل سلاحه في رجليه- وهو ذو المخالب- ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما سلاحه الأسنان، ومنه ما سلاحه الصياصي وهي القرون يدافع بها عن نفسه من يروم أخذه، ومنه ما أُعطي قوة يدفع بها عن نفسه فلم يحتج إلى سلاح كالأسد، ومنه ما سلاحه في ذرقه وهو نوع من الطير إذا دنا منه من يريد أخذه ذرق عليه فأهلكه، ومنه ما تشبه أعضاؤه جميع أعضاء الحيوان وهو «الزرافة» فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق بعير، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر فهي خلق عجيب ووضع بديع من خلق الله الذي أبدعه آية ودلالة على قدرته وحكمته التي لا يعجزها شيء؛ ليري عباده أنه خالق أصناف الحيوان كلها كما يشاء، وفي أي لون شاء.

стр. 94

كما يري عباده قدرته التامة على خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة منه: ما خلق من غير أب ولا أم، وهو أبو النوع الإنساني. ومنه ما خلق من ذكر بلا أنثى وهي أمهم التي خلقت من ضلع آدم، ومنهم من خلق من أنثى بلا ذكر، وهو المسيح ابن مريم، ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع الإنساني. فيري عباده آياته، ويتعرف إليهم بآلائه وقدرته، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعَام: ٧٣] فتنوع أفعاله ومفعولاته، وفعله الشيء وضده، والشيء وخلافه: من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه. فاتقوا الله عباد الله بفعل ما أمر وترك ما حظر. فالخالق لهذه الأشياء المتنوعة في هذا الكون العظيم هو المستحق للعبادة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .

стр. 95

الخطبة الثانية الحمد لله الواحد القهار، يفعل ما يريد ويختار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يعجزه شيء، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق المأمون. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فيا عباد الله. إن التفكر في آيات الله ينبه القلب من رقدته. ولنستمع إلى ما رواه أبو نعيم في الحُلْية عن ثلاثة عباد باتوا على ساحل البحر وتفكروا فيه. روى بسنده عن مسمع بن عاصم، قال: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان وكلاب بن جري وسلمان الأعرج على ساحل من بعض السواحل، فبكى كلاب حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد العزيز لبكائه، ثم بكى سلمان لبكائهما، وبكيت أنا أيضًا لبكائهم، ثم لا أدري ما أبكاهم. فلما كان بعدُ سألت عبد العزيز فقلت: أبا محمد ما الذي أبكاك ليلتك؟ قال: إني نظرت والله إلى أمواج البحر تموج وتحيك فذكرت أطباق النيران وزفراتها فذاك الذي أبكاني. ثم سألت كلابًا وسلمان فقالا لي نحوًا من ذلك. قال: فما كان في القوم شر مني ما كان بكائي إلا لبكائهم رحمة لما كانوا يصنعون بأنفسهم (١) .

стр. 96

خلق آدم أبي البشر وفضله، وما في إيجاده وذريته من الحكم الحمد لله الذي افتتح خلق هذا العالم بالقلم ليكتب المقادير قبل كونها ثم خلق الأرض والسموات، مهد الدار قبل الساكن وجعل آدم آخر المخلوقات، وأظهر فضله وشرفه بأنه خلقه بيديه، وعلمه أسماء كل شيء، وأباحه جنته يسكن منها حيث شاء، ويأكل منها ما شاء، وأسجد له الملائكة المقربة لديه. وأظهر ما في قلب عدوه من الكبر والحسد والشر الكامن لديه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق خلقه أصنافًا وأطوارًا، وسبق في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا. وجعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم يخشون ربهم بالغيب، ويأتون بالطاعات طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كُتُبَ نبيًا وآدم بين الروح والجسد، ونهى عن الحرص والحسد. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وجميع أصحابه وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

стр. 97

أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٣٠] . عباد الله ذكر الله جل وعلا بداية خلق «الإنسان الأول» آدم أبي البشر ﵇، ومادته التي خلق منها، وفضائله، وسكناه الجنة، وما جرى عليه وعلى عدوه من شؤم المعصية ومخالفة الأمر ذكر الله حالهما ومآلهما؛ ليكون عظة وعبرة لأولادهما. ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَة: ٣٠] يخبر عن امتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم ﴿خَلِيفَةً﴾ قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلاً بعد جيل (١) . ولما اعترضت الملائكة على خلق هذا الخليفة و ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البَقَرَة: ٣٠] . أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه. وأظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذه الخليفة ما لم يكونوا يعلمونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبابه ورسله وأنبيائه من يتقربون إليه بأنواع القرب، ويبذلون أنفسهم في محبته ومرضاته يسبحون بحمده آناء الليل وأطراف النهار، ويذكرونه قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم، ويعبدونه

стр. 98

ويشكرونه في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والعافية والبلاء، ويعبدونه مع معارضة الشهوة وغلبة الهوى، ومعادات بني جنسهم وغيرهم، فلا يصدهم عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه صاد فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل. وأظهر لهم سبحانه من علمه ما لم يكونوا يعلمون من شرف آدم وفضله؛ فإن الملائكة لما رأته مصورًا فزعت منه، وقالت: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منا. فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر بذلك فضله وشرفه عليهم. وذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇ قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا. فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، قال الله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصّلَت: ١١] . ثم أظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البَقَرَة: ٣١] وكان ذلك بعد سجودهم له علمه الأِشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها (١) ثم ﴿عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البَقَرَة: ٣١] عرض الخلق على الملائكة ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه وأكرم.

стр. 99

﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٣١- ٣٣] عرفوا أن الله فضل عليهم آدم بالعلم. فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة إن ذلك الفضل قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنة، فلما تاب إلى ربه وأتى بتلك العبودية علمت الملائكة أن لله في خلقه سرًا لا يعلمه سواه. وأظهر لهم سبحانه من علمه ما خفي عليهم من شأن من كانوا يعظمونه ويجلُّونه ما لم يكونوا يعلمون؛ فإن الرب تعالى لما أمر الملائكة بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فأبى واستكبر وكان من الكافرين، و ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعرَاف: ١٢] فاللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابًا ممزوجًا بماء فاحتقره، ولم يعلم أن الطين مركب من الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، والتراب الذي هو خزانة المنافع والنعم، ثم لم يتجاوز نظره محل المادة إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خَلْقًا وخُلُقًا، ثم لم يدر اللعين أن المادة التي خلق منها هو فيها الإحراق والعلو والفساد ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجر: ٢٧] (١) . عباد الله! ولما سبق في حكم الله وحكمته بأن يجعل في

стр. 100

الأرض خليفة لم يكن بد من إخراج آدم من الجنة فكان من أسباب إخراجه النهي عن تلك الشجرة، وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل، وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية، قال الله تعالى: ﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٩- ٢٣] (١) . ومن الحكمة في إخراجه من الجنة إظهارُ كمال أسماء الله الحسنى وإن كان لم يزل كاملاً فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره. فإنه الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهي ويكرم

стр. 101

ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحمن: ٢٩] . فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام. أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم فيها تامًا، فإن الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال، فكان إخراجهم من الجنة تكميلاً لهم وإتمامًا لنعمته عليهم ليزدادوا من الدار التي خلقوا منها وفيها إلى الدار التي خلقوا لها، وليعرفوا قدر تلك الدار التي أخرجوا منها. فآدم أخرج من جنة الخلد التي في السماء ليعود إليها على أحسن أحواله. فما قدر أحكم الحاكمين ذلك باطلاً، ولا دبره عبثًا، ولا أخلاه من حكمته البالغة، وحمده التام. وخلق بنيه من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن كان وجودهم مستلزمًا لشر فهو شر مغمور فيما في إيجادهم من الخير (١) . فاشكروه عباد الله على أن كرَّمَ أباكم، وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلا، واعتبروا بما قصه الله عن ابتلاء أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأبَ عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه. فأشبهوا أباكُم، وأطيعوا مولاكم، واحذروا عدو أبيكم، فهو وذريته أعداكم. واحذروا الذنوب كلها فقد هبط آدم بلقمة تناولها، وطرد إبليس ولعن من أجل سجدة لأبيكم استكبر عنها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

стр. 102

﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧١- ٨٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد ولا معين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر أجمعين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! إن الله سبحانه لما أراد خلق آدم ﵇ أخذ من جميع الأرض قبضة من التراب، ثم ألقى عليها الماء فصارت طينًا أملس، ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت ترابًا يابسًا، ثم قدر لها الأعضاء، والمنافذ، والأوصال، والرطوبات، وصورها فأبدع في تصويرها، وأظهرها في أحسن الأشكال، وهيأ

стр. 103

كل جزء منها لما يراد له، وقدره لما خلق له على أبلغ الوجوه، وألقاها على باب الجنة أربعين سنة (١) والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها، وإبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول: خلقتَ لأمر عظيم؛ ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. ولم يعلم أن هلاكه على يده. فلما تكامل تصويرها وصارت جسدًا مصورًا مشكلاً كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل الله إليه روحه (جبريل) فنفخ فيه نفخة، وانقلب ذلك الطين لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وسمعًا وبصرًا وشمَّاً ولُمْسًا وحركة وكلامًا، فأول شيء بدأ به أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقال له خالقه وباريه ومصوره: يرحمك الله يا آدم. فاستوى جالسًا أجمل شيء وأحسنه منظرًا، وأتمه خلقًا، وأبدعه صورة. فقال الرب تعالى لجميع ملائكته: ﴿اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤] فبادروا بالسجود، تعظيمًا وطاعة لأمر الواحد المعبود (٢) . ثم قال لهم: لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون، وجمال باطنٍ أحسنُ مما تبصرون، فلنزين باطنه أحسن من زينة ظاهره، ولنجعلنه من أعظم آياتنا، نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة. ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال (حواء) ليسكن إليها وتقر نفسه، وليخرج من بينهما من لا يحصي عدده سواه من الرجال والنساء. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن

стр. 104

رسول الله ﷺ قال: «خلق الله آدم ﵇ وطوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» وروى الترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأِشعري ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض: منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب» . كما أن المادة التي خلق منها الجن فيها الإحراق والعلو والفساد، وفيها الإشراق والإضاءة والنور، فأخرج منها سبحانه هذا وهذا، حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، وآية دالة على أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١) . إن أحسن الحديث ...

стр. 105

وفي أنفسكم أفلا تبصرون الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل وجوده من الأدلة على موجده ومصوره العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلق ما يشاء ويختار، ويصور خلقه في الأرحام كيف يشاء بأسباب قدرها، وحكم دبرها. أعطى الذكر الذكورية والأنثى الأنوثية والماء واحد، والجوهر واحد، والوعاء واحد، واللقاح واحد ﴿الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عِمرَان: ٦] . وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر عن المرسوم الإلهي الذي يلقيه إلى ملك التصوير، حين يقول: «يا رب أذَكَر، أم أُنثى، شقي، أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيوحي ربك ما يشاء، ويكتب الملك الكريم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين» . أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذّاريَات: ٢١] . عباد الله لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسُه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماءٍ إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر في نفسه استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات

стр. 106

الجهل فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة لمدبره، دالةٌ عليه، مرشدةٌ إليه، إذ يجده مكونًا من قَطرة ماءٍ: لحومًا منضده، وعظامًا مركبه، وأوصالاً متعددة، مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب جمعت بجلد متين، مشتملاً على ثلاثمائة وستين مفصلاً: ما بين كبير وصغير، وثخين، ودقيق، ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن، وشد هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا (أعصاب) للاتصال والانفصال، والقبض والبسط، والمد والضم، والصنائع والكتابة. وجعل فيه عشرة أبواب: فبابان للسمع وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها. عباد الله لننظر في هذه الأعضاء ومنافعها بالتفصيل. ابدأ: «بالرأس» : تأمل هذه القبة العظيمة التي ركبت على المنكبين، وما أودع فيها من العجائب، وما ركب فيها من الخزائن، وما أودع في تلك الخزائن من المنافع، وما اشتملت عليه من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع، ومن الرطوبات، والأعصاب، والطرق والمجاري، والدماغ، والمنافذ والقوى الباطنة: من الذكر، والفكر، والتخيل، وقوة الحفظ (١) . وذلك من أعظم آيات الله وأدلته وحكمته كيف ترتسم صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك

стр. 107

والأمم في هذا المحل الصغير، والإنسان يحفظ كتبًا كثيرة، وعلومًا شتى متعددة، وصنائع مختلفة من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض. ثم انزل إلى «العين» وتأمل عجائبها وشكلها وإيداع النور الباصر فيها، وتركيبها من عشر طبقات، ركبها سبحانه في أعلا مكان من الرأس بمنزلة طليعته والكاشف والرائد له، وجعل سبحانه موضع الإبصار في قدر العدسة، ثم أظهر في تلك العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر، وجعل داخل ماء العين مالحًا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعلها مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذار عنها، وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سببًا لاجتماع النور الذي به الإبصار، وأبلغ في الحسن والجمال. وخلق سبحانه لتحرك الحدقة ستة عضلات لو نقصت واحدة منها لاختل أمر العين. ومع ذلك فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته. ثم اعدل إلى «الأذنين» وهما رسولا القلب، وتأمل شقهما في جانبي الوجه، وخلقهما، وإيداعهما القوة السمعية، يدركان بها المعاني الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلفه وعن جانبيه، وإيداع الرطوبة فيهما، وجعلها مرة لتمتنع الهوام عن الدخول فيهما، وحوَّطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ، وجعل في الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتكسر حدة الصوت، ولئلا يفاجئهما الداخل إليهما من الدواب والحشرات.

стр. 108

ثم أنزل إلى «الأنف» وتأمل شكله وخلقه، وكيف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائمًا معتدلاً في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة، وفتح فيه بابين، وأودع فيهما حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها، ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها، ويعين أيضًا على تقطيع الحروف (١) . وجعله مصبًا للفضلات النازلة من الدماغ لتستريح منها، وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي. وأيضًا فإنه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد والرطب فيستغني بذلك عن فتح الفم (٢) والهواء الذي يستنشقه ينزل إلى المنخرين فينكسر برده فيهما، ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك، ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون، فإذا أخذت الرئة ما تحتاجه من الهواء عاد من الرئتين إلى الحلقوم، ثم إلى المنخرين. ولم يضيع أحكم الحاكمين ذلك «النَّفَس» بل جعل إخراجه سببًا لحدوث الصوت، ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك باختلاف الصوت فيحدث الحرف، ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة، ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام الدال على أنواع المعاني.

стр. 109

ثم إنه سبحانه جعل «الحناجر» مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملامسة لتختلف الأصوات باختلافها، فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان. فميز سبحانه بين الأِشخاص بما يدركه السمع والبصر. فتأمل هذه الحكم الباهرة في اتصال النّفس إلى القلب لحفظ حياته، ثم عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة. وأما «الفم» فمحل العجائب، وباب الطعام والشراب والنفس والكلام، ومَكَنُّ اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم، وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه، وفيه منفعة الذوق والإدراك وتحريك الطعام (١) والدليل على اعتدال مزاج القلب وانحرافه، وعلى استقامته واعوجاجه، وعلى أحوال المعدة والأمعاء، وجعله سبحانه عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب ليسهل عليه القبض والبسط والحركة الكثيرة في أقاصي الفم وجوانبه. وأما «الأسنان» فلما كان الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طحنه جعل الرب ﵎ آلة للتقطيع والتفصيل، وآلة الطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرأس ليسهل بها القطع. وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرءوس عريضة ليتأتى بها الطحن، ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك، أنبتها سبحانه من نفس اللحم، وتخرج من خلاله كما ينبت الزرع في الأرض (٢) .

стр. 110

وزين «الوجه» أيضًا بما أنبت فيه من الشعور المختلفة الأشكال والمقادير. تأمل حال الشعر ومنبته. والغايةَ التي خلق من أجلها، وهي شيئان: أحدهما: عام وهو: تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة كشعر العانة والإبط والأنف؛ والآخر خاص وهو: إما للزينة، أو للوقاية ففي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض، ومنها الزينة والحسن. وفي شعر الحاجبين مع الحسن والجمال والزينة وقاية العين مما ينحدر من الرأس. ولو نقص عن هذا المقدار لزالت منفعة الجمال والوقاية، ولو زاد عليه لغطى العين وأضرَّ بها وحال بينها وبين ما تدركه. وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة، ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها التمييز بين الرجال والنساء. والنساء لما كنَّ محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى خلوهن عن اللحى، وزين الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب وتحتهما من العنفقة، وزين الجبهة بالحاجبين وقوسهما وأحسن خطهما. ثم انزل إلى «الصدر» ترى معدن العقل والعلم والحلم والرضا والغضب والشجاعة والكرم والصبر والاحتمال والحب والإرادة والوقار والسكينة، والبر وسائر صفات الكمال، وأضدادها فتجد صدور العلِّية تعلو بالبر والخير والعلم والإحسان، وصدور السفلة تغلي بالفجور والشرور والإساءة والحسد والكبر. وفي الصدر «القلب» الذي هو أشرف ما في الإنسان، وهو قوام الحياة، وهو منبع الروح الحيواني والحرارة الغريزية، وهو محل نظر الرب تعالى ومعرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة
следующие страницы →