← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7374

وظائف رمضان

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الله ﷺ لما قام بهم إلى ثُلُثِ الليل، ومرةً إلى نصفِ الليل قالوا: لو نفَّلتنا بقية ليلتنا؟ فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف: كُتب له بقيةُ ليلته» . فدل: على أن قيام ثُلُثِ الليل أو نصفه يُكتبُ به قيامُ ليلةٍ، لكن مع الإمام. وكان أحمد يأخذ بهذا الحديث، ولا ينصرفُ حتى ينصرف الإمام. وقال بعضُ السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل. وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة يةٍ كُتب من القانتين، ومن قام بألف كُتب من المقنطرين» رواه أبو داود. ويروى من حديث تميمٍ وأنس مرفوعًا: «من قرأ بمائة آيةٍ كتب له قيامُ ليلة» وفيهما ضعف. ومن أراد أن يزيد في القراءة ويُطيل، وكان يصلي لنفسه، فليطول ما شاء، وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته. وكان بعض السلف: يختمُ في قيام رمضان، في كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم في كل سبعٍ، وبعضُهم في كلِّ عشرٍ. فصل والتراويحُ سنةٌ، وفعلها جماعةٌ أفضلُ. وفعلُ الصحابة لها مشهورٌ. وتلقته الأمةُ عنهم خلفًا بعد سلفٍ. روى أبو بكر عبد العزيز عن ابن عباس ﵄: «أنه ﷺ كان

стр. 37

يصلي في شهر رمضان عشرين ركعةً» . قال الشيخ تقي الدين ﵀: له أن يُصلِّي عشرين، كما هو المشهورُ في مذهب أحمد، والشافعي؛ وله أن يصلي ستًا وثلاثين، كما هو مذهب مالك؛ وله أن يصلي إحدى عشرة، وثلاث عشرة وكلٌّ حسنٌ، فيكون تكثيرُ الركعات، أو تقليلُها، بحسب طول القيام وقصره. وعمرُ ﵁ لما جمع الناس على أُبيٍّ: صلى بهم عشرين ركعة؛ والصحابةُ ﵃: منه من يُقلُّ، ومنهم من يكثرُ، والحدُّ المحدود: لا نصَّ عليه من الشارع صحيحٌ. وكثير من الأئمة في الترايوح: يصلُّون صلاةً لا يعقلونها، ولا يطمئون في الركوع ولا في السجود، والطمأنينة ركن؛ والمطلوب في الصلاة: حضور القلب بين يدي الله تعالى، واتعاظه بكلام الله إذا يتلى عليه، وهذا لا يحصل في العجلة، فتقصير القراءة مع الخشوع في الركوع والسجود، أولى من طول القراءة مع العجلة المكروهة. وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة، أولى من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة، لأن لُبَّ الصلاة وروحها: هو إقبالُ القلب على الله ، ورب قليل خير من كثير، وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة والسرعة

стр. 38

المباحة، هي: التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف فإن أسقط بعض الحروف، لأجل السرعة لم يجز ذلك له، وينهى عنه. وأما إذا قرأ قراءة بيِّنة، ينتفع بها المصلون خلفه فحسنٌ. وقد ذم الله الذين يقرؤون القرآن بلا فهم معناه؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي تلاوة بلا فهم، والمراد من إنزال القرآن: فَهْمُ معانيه، والعمل به، لا مجردُ التلاوة. ويستحب تحسينُ صوته بالقراءة، لما روى أبو داود وغيرهُ: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» . كان الزهري ﵀ يقول إذا دخل رمضان: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالكٌ إذا دخل رمضانُ، يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن، من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان الثوريُّ إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على تلاوة القرآن. وقال سفيانُ: كان زيد الياميُّ إذا حضر رمضان، أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه. كان السلف: يقبول على تلاوة القرآن في رمضان، فمنهم من يختم في كل سبع، ومنهم في ثلاثٍ، ومنهم في

стр. 39

ليلتين، ومنهم في العشر الأواخر من كلِّ ليلة، وما ورد من النهي في أقل من ثلاثٍ فهو محمول على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي تطلب فيها ليلةُ القدر، وفي الأماكن الفاضلة: فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان. وهو قول أحمد وغيره. وعليه يدل عمل غيرهم. وقال ﷺ : «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي شفيعًا لأصحابه يوم القيامة» ، وروى الترمذي عن أبي مسعود مرفوعًا: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألفٌ حرف ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرف» فكيف هذا مع المضاعفة في شهر رمضان؟ وعن ابن عمر مرفوعًا: «يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية» رواه الترمذيُّ. ولأحمد نحوه عن أبي سعيد: «ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر آية منه» . واعلم أن المؤمن، يجتمعُ له في شهر رمضان جهادان: جهادٌ لنفسه بالنهار على الصيام، وجهادٌ بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وفِّي أجرُه بغير حساب. قال كعبٌ: ينادي يوم القيامة منادٍ: إن كلَّ حارث يُعطى بحرثه ويزادُ، غير أهل القرآن والصيام، فيعطون أجورهم

стр. 40

بغير حساب. ويشفعان له عند الله ، كما في المسند عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : «الصيام والقيام: يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب، والشهوات المحرمات بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه فيشفعان» . فالصيام يشفع لمن منعه المحرمات كلَّها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، يقول يا رب منعتُه شهواته فشفعني فيه، وأما من ضيَّع صيامهُ، ولم يمنعه مما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يُضرب به وجهُ صاحبه، ويقولُ له: ضيعك الله كما ضيعتني. قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شُمَّ رأسه. قال: أجد في رأسه القرآن. فيقال شم قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصيام. فيقال: شُم قدميه. فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه حفظه الله. وكذلك القرآن: إنما يشفع لمن منعه النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن، وقام به، فقد قام بحقّه، فيشفع له. وقد ذكر النبي ﷺ رجلاً فقال: «ذلك لا يتوسَّدُ القرآن» أي لا ينامُ عليه، فيصير له كالوسادة. وروى أحمد من حديث بُريدة مرفوعًا: «إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشقُّ عنه قبرهُ، كالرجل الشاحب-

стр. 41

يعني المتغير اللون فيقول: هل تعرفُني؟ فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكلُّ تاجر من وراء تجارته فيعطى المُلْكَ بيمينه، والخلد بشماله، ويوضعُ على رأسه تاجُ الوقار، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذًَّا كان أو ترتيلاً» . وفي حديث عبادة الطويل: «إن القرآن يأتي صاحبه في القبر فيقول له: أنا الذي كنت أسهرُ ليلك، وأظميءُ نهارك، وأمنعُك شهواتك، وسمعك وبصرك، فستجدني من الأخلاء خليل صدقٍ، ثم يصعد، فيسأل له فراشًا ودثارًا، فيؤمر له بفراشٍ من الجنة وياسمين من الجنة، ثم يدفع القرآن في قبلة اللَّحد فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك» . قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن: أن يُعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناسُ يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبحزنه إذا الناس يفرحون؛ وقال وُهيبٌ: قيل لرجل: ألا تنام فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي؛ وصحب رجلٌ رجلاً شهرين فلم يره نائمًا. فقال: ما لي لا أراك نائمًا؟ قال: إن عجائب القرآن أطرْن نومي، ما أخرج من أعجوبةٍ إلا وقعتُ في أخرى. قال أحمد بن أبي الحواري: إني لأقرأ القرآن وأنظرُ فيه آيةً آيةً، فيتحيرُ عقلي وأعجبُ من حفاظ القرآن، كيف يهنيهم

стр. 42

النوم، أو يسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كتاب الله؟ أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واسْتَحْلُّوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم، فرحًا بما رزقوا. فأما من كان معه القرآنُ، فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فإنه ينتصب له خصمًا يوم القيامة، يطالبه بحقوقه التي ضيعها. روى أحمد من حديث سمرة: أن النبي ﷺ : «رأى في منامه رجلاً مستلقيًا على قفاه، ورجلٌ قائم بيده فهرٌ، أو صخرةٌ، فيشدخ بها رأسه، فيتدهده، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك. فسأل عنه فقيل له: هذا رجلٌ آتاه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة» . وفي حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: «يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيتمثل له خصمًا، فيقول: يا رب حمَّلتَهُ إياي، فبئس حامل، تعدَّى حدودي وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي فما يزالُ يقذفُ عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به. فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يكبَّه على منخره في النار. ويؤتى بالرجل الصالح: كان قد حمله، وحفظ أمره، فيتمثل له خصمًا دونه، فيقول: يا رب: حمَّلته إياي فخير

стр. 43

حاملٍ، حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج، حتى يقال له: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يلبسه حلَّة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر» . فصلٌ في قيام رمضان عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر شهر رمضان فقال: «إن رمضان شهر فرض الله صيامه، وإني سننت للمسلمين قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه» أخرجه النسائي، وقال: الصواب عن أبي هريرة. ولنذكر ههنا طرفًا في فضل قيام الليل، قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ومدح قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ . وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام، أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام» .

стр. 44

وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» وللترمذي عن بلالٍ مرفوعًا: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم. وإن قيام الليل مقربة لكم إلى ربكم، مكفرة للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد» . وفي حديث الكفارات، والدرجات قال: «ومن الدرجات: إطعامُ الطعامِ، وطيبُ الكلامِ، وأن تقوم بالليلِ والناسُ نيامٌ» صححه البخاري، والترمذي. وروى الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: «ثلاثة يحبهم الله ويضحكُ إليهم، ويستبشر بهم- فذكر منهم- الذي له امرأة حسناءُ وفراشٌ حسن، فيقومُ من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته، فيذكرني، ولو شاء لرقد» . وفي المسند عن ابن مسعود مرفوعًا: «عجب الله من رجلين: رجلٍ ثار عن وطائهِ ولحافِه بين أهلهِ وحِبِّه، إلى صلاته رغبة فيما عندي» . وفي حديث أبان عن أنس عن ربيعة، عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة مواطن لا ترد فيها الدعوة: رجل يكون في برِّية حيث لا يراه أحد، فيقوم فيصلي، فيقول الله لملائكته: علم عبدي هذا أن له ربًا يغفرُ الذنوب، فانظروا ماذا يطلب؟ فتقول الملائكة: أي رب رضاك ومغفرتك، فيقول الله أشهدُكم أني

стр. 45

قد غفرت له ورضيت عنه. ورجل يقوم من الليل، فيقول الله: أليسَ قد جعلتُ الليل سكنًا، والنوم سُباتًا؟ فقام عبدي هذا يصلِّي، يعلمُ أنَّ له ربّاً يغفرُ الذنب، فيقول الله لملائكته: انظروا ماذا يطلبُ عبدي؟ فتقول الملائكة: أي رب رضاكَ ومغفرتك، فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرت له ورضيت عنه» . وروى أحمد عن عقبة مرفوعًا، قال: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل، يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَدٌ، فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحَّلت عُقدةٌ، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي هذا فهو له» . وفي الأثر المشهور: «كذب من ادعى محبتي، فإذا جنَّه الليل نام عنِّي، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه؟ فها أنا مطلع على أحبابي، إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، فخاطبوني على المشاهدة. وكلَّموني على حضوري، غدًا أقرُّ أعين أحبابي في جناتي» . ينزل الله تعالى كلّ ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر؛ كان بعض السلف يقوم

стр. 46

الليل، فنام ليلة، فأتاه آتٍ في منامه، فقال له: قُمْ؛ أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل خزانها؟ قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل؛ قال: أقعدتكم ذنوبكم وقيل: لبعض المحبين: قد أعجزنا قيام الليل، قال: قيدتكم خطاياكم. وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم قد قيدتك خطيئتك. يا من ضيع عمره في غير طاعة، يا من فرط في شهره بل دهره وأضاعه، يا من بضاعتُه التسويفُ والتفريطُ، وبئس البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة كلُّ قيام لا ينهى صاحبه عن الفحشاء والمنكر، لا يزيد صاحبه إلا بعدًا، وكل صيام لا ينهي عن قول الزور والعمل به، لا يورثُ صاحبه إلا مقتًا وردَّاً. يا قوم: أين آثار الصيام؟ أين أنوارُ القيام؟ عباد الله، هذا شهرُ رمضان، وفي بقيته للعابدين مُسْتَمْتَعْ، وهذا كتابُ الله فيه يتلى ويُسْمَعُ، وهذا القرآنُ لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلبٌ يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان فينفع، ولا قيامٌ استقام فيرجى أن يشفع. قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم يتلى علينا القرآن

стр. 47

وقلوبُنا كالحجارة أو أشدُّ قسوة؟ كم يتوالى علينا شهرُ رمضان، وحالنا فيه كحال أهل الشِّقْوَة؟ أين نحن من قوم إذا سمعوا داعيَ الله أجابوا، وإذا تليت عليهم آياتُه وجِلَت قلوبهم وأنابوا؟ فصلٌ في العشْرِ الْوُسَط عن أبي سعيد ﵁، قال: «كان رسولُ الله ﷺ يعتكفُ في العشر الوُسَطِ من شهر رمضان» وقد دل الحديث: على أنه كان يعتكف العشر الوُسط لابتغاء ليلة القدر. وفي رواية: «أنه اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الوسط، ثم قال: «إني أتيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناسُ معه» . وقد ورد الأمرُ: بطلب ليلة القدر في النِّصف الآخر من رمضان، وفي أفراد ما بقي من العشر الوسط، وهما: ليلة سبع عشرة، وتسع عشرة، أما الأول: فروى الطبراني عن عبد الله بن أنيس أنه ﷺ سئل عن ليلة القدر؟ فقال: «رأيتُها وأُنْسِيْتُها، فتحرَّوها في النصف الآخر» الحديث. وكلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهار، فإن آخره أفضلُ من أوله. وأما الثاني: فروى أبو داود عن ابن مسعود مرفوعًا: «اطلبوها ليلة سبع عشرة» ، وقالوا: إن صبيحتها كان يوم بدر. والمشهور عند أهل السِّير والمغازي: أن ليلة بدرٍ ليلةُ سبع

стр. 48

عشرة، وكانت ليلة جمعةٍ، وكان زيدٌ بن ثابت لا يحيي ليلةً من رمضان كما يحيى ليلة سبع عشرة، ويقول، إن الله تعالى فرق في صبيحتها بين الحق والباطل، وأذلَّ في صبيحتها أئمة الكفر. وحكى أحمدُ عن أهل المدينة: أن ليلة القدر تطلبُ ليلة سبع عشرة. وأصحُّ ما روي من الحوادث في هذه الليلة: أنها ليلةُ بدر، وصبيحتها هو يوم الفرقان، وسمي يوم الفرقان: لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل، وأظهر الحق وأهله على الباطل وأهله، وعلت كلمةُ الله وتوحيدُه، وذُلَّ أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب. وفي الموطأ عن طلحة بن عبيد الله مرفوعًا: «ما رئِي الشيطانُ أحقر ولا أدحر ولا أصغر منه يوم عرفة، إلا ما رؤي يوم بدر، فقيل: ما رؤي يوم بدر؟ قال: رأى جبريل ﵇ يزُع الملائكة» . وفي ليلة القدر تنتشرُ الملائكةُ في الأرض، فيبطل سلطان الشياطين، كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ . وفي المسند عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «الملائكةُ في الأرض في تلك الليلة، أكثر من عدد الحصى» .

стр. 49

وفي صحيح ابن حبان عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ في ليلة القدر: «لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها» . وفي المسند عن عبادة مرفوعًا: «لا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارَتها: أن الشمس تخرجُ في صبيحتها مستويةً ليس لها شعاع، مثلُ القمر ليلةَ البدر، ولا يحلُّ لشيطانٍ أن يخرج معها يومئذٍ» . وروي عن ابن عباس ﵄ قال: «إن الشيطان يطلعُ مع الشمس كلَّ يومٍ، إلا ليلةَ القدرِ، وذلك أنها تطلُعُ لا شعاعَ لها» وقال مجاهد: (سلامٌ هي) قال: «لا يحدث فيها داءٌ، ولا يستطيع الشيطان العمل فيها» وعنه قال: «ليلةُ القدر ليلةٌ سالمةٌ، لا يحدثُ فيها حدثٌ، ولا يرسل فيها الشيطان» وعنه قال: «سالمةٌ، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سُوءًا، ولا يُحدثُ فيها أذىً» . وعن ابن عباس قال: في تلك الليلة تُصفَّدُ مردةُ الجنِّ وتُغَلُّ عفاريت الجن، وتُفتحُ فيها أبوابُ السماءِ كلُّها، وتُقبلُ فيها التوبةُ من كلِّ تائبٍ، فلذلك قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ . أبشروا يا معشر المسلمين: فهذه أبوابُ الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فُتِّحت، ونسماتُها على قلوب المؤمنين قد تفَتَّحت، وأبوابُ الجحيم كلُّها لأجلكم مغلقة، وأقدامُ

стр. 50

أبليس وذريته من أجلكم موثقة. قَصِّمُوا ظهره بكلمة التوحيد، فهو يشكو ألم الانكسار في كل موسم من مواسمِ الفضل، ففي هذا الشهر يدعو بالويل، لما يرى من تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار، غلب حزبُ الرحمن. وهرب حزبُ الشيطان. عباد الله: هذا شهر رمضان قد انتصف، فمن منكم حاسب نفسه فيه لله وانتصف؟ من منكم قام في هذا الشهر بحقِّهِ الذي عرف؟ ألا إن شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا في العمل، فكأنكم به وقد انصرف، فكلُّ شهر فعسى أن يكون منه خلف، أما شهر رمضان، فمن أين لكم منه خلف؟ تنصف الشهرُ وا لهفاهُ وانصرَما ... واختصَّ بالفوزِ بالجناتِ مَنْ خَدَما وأصبح الغافلُ المسكينُ منكسِرا ... مثلي، فيا ويحَهُ، يا عُظمَ ما حُرما من فاتُه الزرعُ في وقت البذارِ فما ... ترَاهُ يحصُدُ إِلاَّ الهمَّ والنَّدَما طُوبَى لمن كانت التَّقوى بِضاعتَه ... في شهرِه وبحبلِ اللهِ مُعْتَصِما فصلٌ في فَضْلِ العشِرِ الأواخرِ من رمضانَ في الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشرُ شدَّ مئزرَه، وأحيَا ليله، وأيقظَ أهلَه» وفي رواية لمسلم عنها، قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ ما لا يجتهدُ في غيرِه» .

стр. 51

كان النبي ﷺ يخصُّ العشر الأواخر من رمضان، ما لا يخصُّ غيره، بأعمالٍ يعملُها في بقية الشهر. فمنها إحياء الليل؛ فيحتمل أن المراد إحياء الليل كلِّه، وروي من وجه فيه ضعفٌ بلفظ: «وأحيا الليل كُلَّه» وفي المسند من وجهٍ آخرَ عنها قالت: «كان النبي ﷺ يخلطُ العشرين بصلاةٍ ونومٍ. فإذا كان العشرُ- تعني الأخيرَ- شمَّرَ وشَدَّ المئزر» . وخرَّج أبو نعيم بإسناد فيه ضعف، عن أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل رمضان قام ونام، فإذا كان ليلةُ أربعٍ وعشرين لم يَذُق غمضًا» . ويحتمل أن يراد بإحياء الليل إحياء غالبه؛ وروي عن بعضهم من أحيى نصف الليل فقد أحيى الليل؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما علمتُهُ ﷺ قام ليلة حتى الصباح. ونقل عن ابن عباس ﵄: أن إحياءها يحصلُ بأن يُصلِّيَ العشاء في جماعة، ويعزمَ على أن يصلِّي الصبح في جماعة؛ وقال الشافعي: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها، ونقل مثله مالكٌ عن ابن المسيب، وروي مرفوعًا: من حديث أبي هريرة «من صلى

стр. 52

العشاء في جماعةٍ في رمضان، فقد أدرك ليلة القدر» أخرجه الأصبهاني. ويروى من حديث أبي جعفر، محمد بن علي مرفوعًا: «من أدرك رمضان صحيحًا مسلمًا، فصام نهاره، وصلى وردًا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكر إلى جمعه، فقد صام الشهر واستكمل، الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرب» قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء. رواه ابن أبي الدنيا. ومنها: أنه ﷺ كان يُوقظُ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيرها. وفي حديث أبي ذر ﵁ أنه ﷺ قام بهم ليلة ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبع وعشرين؛ وذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلةَ سبع وعشرين خاصة. وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظُهم في آكد الأوتار، التي ترجى فيها ليلةُ القدر. وروى الطبراني عن علي ﵁ أنه ﷺ : كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يطيق الصلاة؛ قال سفيان الثوري: أحبُّ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر: أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وصح أنه ﷺ : كان يطرق فاطمة، وعليًا ليلا، فيقول «تقومان

стр. 53

فتصليان؟» ، وكان يوقظ عائشة بالليل، إذا قضى تهجُّدَهُ وأراد أن يوتر. وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء على وجهه. وفي الموطأ: أن عمر ﵁، كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية. ومنها: أنه ﷺ : كان يَشُدُّ المئزر، والمرادُ اعتزاله النساء. وورد أنه لم يأو إلى فراشه، حتى ينسلخ رمضان. وفي حديث أنس: «وطوى فراشه، واعتزل النساء» . وقد كان ﷺ : يعتكفُ العشر الأواخر؛ والمعتكفُ ممنوعٌ من قربان النساء بالنصَّ والإجماع؛ وقد قال طائفةٌ من السلف في قوله تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إنه طلبُ ليلةِ القدر. والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباحَ مباشرةَ النساء، في ليالي الصيام، إلى تَبَيُّن الخيطِ الأبيض من الخيط الأسود، أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر، لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر، بالاستمتاع المباح، فيفوتُهم طلبُ ليلةِ

стр. 54

القدر، فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل، خصوصًا في الليالي المرجوَّة فيها، فمن ههنا كان ﷺ يصيبُ من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزلُ نساءهُ، ويتفرغُ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر. ومنها: تأخيره الفطور إلى السحور. روي عن عائشة وأنس أنه ﷺ كان في ليالي العشرة يجعل عشاءه سحورًا. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا قال: «لا تواصلوا. فيأيكم أراد ان يُواصل فليواصل إلى السحر» قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ لي مطعم يطعمني، وساقٍ يسقيني» . وهذا إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه، في صيامه وخلوته بربه، لمناجاته وذكره، من مواد أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية، والمنح الربانية ما يغذيه، ويغنيه عن الطعام والشراب. الذكر، قوت العرافين، يغنيهم عن الطعام والشراب؛ لما جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة، فأُفٍّ: لمن باع لذة المناجاة، بفضل لقمةٍ أو لقيمات. ومنها: اغتسالُه بين العشاءين؛ روى ابن أبي عاصم عن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا كان في رمضان نام وقام، فإذا دخل العشرُ شدَّ المئزر، واجتنب النساء،

стр. 55

واغتسل بين العشاءين يعني المغرب والعشاء. وروي عن علي ﵁: أنه ﷺ كان يغتسلُ بين العشاءين كل ليلةٍ، يعني من العشر الأواخر. وفي إسناده ضعف. وروي عن حذيفة ﵁، أنه: قام مع النبي ﷺ ليلةً في رمضان، فاغتسل، وبقي فضلةٌ، فاغتسل بها حذيفةُ، رواه ابن أبي عاصم. قال ابنُ جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كلَّ ليلةٍ من ليالي العشر الأواخر، ومنهم من كان يغتسل ويتطيبُ، في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر. وروي عن أنس: أنه إذا كان ليلةُ أربع وعشرين اغتسل وتطيَّب، ولبس حُلَّةً وإزارًا ورداءً، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل. وقال حمَّادُ بن سلمةَ: كان ثابتٌ وحميدٌ: يلبسان أحسن ثيابهما، ويتطيبان، ويطيبان المسجد بالنضوح والدُّخنة، في اللِّيلة التي تُرجى فيها ليلة القدر. فيستحبُّ في الليالي التي تُرجى فيها ليلةُ القدر: التنظُّفُ، والتطيُّبُ، والتزيُّن بالغسل والطيب، واللباس الحسن، كما شُرع ذلك في الجمع والأعياد. وكذلك يشرعُ أخذُ الزينة بالثياب، في سائر الصلوات، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له؛ وروي عنه مرفوعًا.

стр. 56

ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزيين الباطن، بالإنابة والتوبة وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها، فإنَّ زينةَ الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا. إذا المرءُ لم يلبس ثيابًا من التقى ... تقلَّب عُريانا، وإِن كانَ كاسيا والله سبحانه: لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنَّما ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه، فليزين ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التقوى، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . ومنها: الاعتكافُ، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يعتكفُ العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله» . وإنما كان ﷺ يعتكفُ في هذه العشر، التي تطلب فيها ليلةُ القدر. قطعًا لأشغاله، وتفريغً لباله، وتخلّيًا لمناجاةِ ربه، وذكره ودعائه. وذهب أحمدُ: أنَّ المعتكف لا يستحبُ له مخالطةُ الناس، حتى ولا تعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضلُ له: الانفرادُ بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه، وذكره ودعائه. وهذا الاعتكاف، هو: الخلوةُ الشرعية، وإنما يكون في المساجد، لئلا يُترك به الجمعُ والجماعات، فإنَّ الخلوة

стр. 57

القاطعة عن الجمع والجماعات منهيٌّ عنها؛ وسئل ابنُ عباس ﵄: عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يشهدُ الجمعة ولا الجماعة؟ قال: هو في النار. فالخلوة المشروعة لهذه الأمة: هي الاعتكافُ في المساجد، خصوصًا في شهر رمضان، وخصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله. فالمتعكفُ قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كُلَّ شاغلٍ يشغلهُ عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه. ومعنى الاعتكاف وحقيقتُه: قطعُ العلائق عن كُلِّ الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق. وكلَّما قويت المعرفة والمحبّةُ له، والأنسُ به: أورثت صاحبها الانقطاع إليه بالكلية على كُلِّ حال. كان بعضهم لا يزالُ منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ فقالك كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليسُ من ذكرني؟» . يا من أضاع عمرهُ في لا شيء: استدرك ما فاتك في ليلة القدر. فإنها تحسب من العمر؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ . قال مالكٌ: بلغني أن النبيَّ ﷺ أُريَ أعمارَ الناس قبلَه، أو

стр. 58

ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أُمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. وروي عن مجاهد: أن النبي ﷺ «ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر» فتعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه السورة: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر. وقال النخعي: العملُ فيها خبرٌ من العمل في ألف شهر سواها. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي المسند عن عبادة مرفوعًا: «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» . وفي المسند والنسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: في شهر رمضان: «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» . قال جويبرٌ، قلتُ للضّحَّاكِ: أرأيتَ النُّفساءوالحائض، والمسافر والنائم، لهم في ليلة القدر نصيبٌ؟ قال: نعم؛ كُلُّ من تقبل الله عمله، سيعطيه نصيبه من ليلة القدر. المعوَّلُ على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبارُ ببر القلوب وطهارتها، لا بعمل الأبدان، رُبَّ قائمٍ حظَّهُ من قيامه

стр. 59

التعبُ والسهرُ، كم من قائم محروم، ونائم مرحوم، هذا نائم وقلبه ذاكر، وهذا قائم وقلبه فاجرٌ، لكن العبدُ مأمورٌ بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الأعمال الصالحات، والانزجار عن المكروهات، وأعمال السيئات، وكُلٌّ ميسرٌ لما خلق له، أما أهلُ السعادة فيُيَسرُن لعمل أهل السعادة، وأما أهلُ الشقاوة فيُيَسَّرُون لعمل أهل الشقاوة، فالمبادرة المبادرة، إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن تُدرك ما فات من ضياع العمر. فَصْلُ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ في الصحيحين: عن ابن عمر ﵄، أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلةَ القدرِ في المنام، في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» . وروى مسلم عن النبي ﷺ قال: «التمسوهَا في العشْرِ الأواخر، فإن ضعُف أحدُكم أو عجز، فلا يُغلبْ على السبع البَوَاقي» . وكان رسولُ الله ﷺ : يأمُر بالتماسها في أوتار العشر الأواخر من رمضان. ففي صحيح البخاري، عن النبي ﷺ قال: «التمسوها في

стр. 60

العشر الأواخر من رمضان: في تاسعةٍ تبقى، في سابعة تبقى، في خامسةٍ تبقى» . وفي رواية: «هي في العشر، سبع يمضين، أو سبع يبقين» . قال أبو بكرة: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: «التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمسٍ يبقين، أو آخر ليلة» . وروى أحمد والنسائي عن أبي ذر ﵁، قال: كنت أسأل الناس عنها- يعني ليلة القدر- فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر: أفي رمضان هي أم في غيره؟ قال: «بلى هي في رمضان» قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» قلت: في أي رمضان؟ قال: «التمسوها في العشر الأول. والعشر الأواخر» قلت: في أي العشرين؟ قال: «في العشر الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها» . ثم حدَّث رسول الله ﷺ ، ثم اهتبلتُ غفلته، فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك بحقي لما أخبرتني، في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبًا لم يغضب مثله منذ صحبته، قال: «التمسوها في السبع الأواخر. لا تسألني عن شيء بعدها» ، ورواه ابن حبان والحاكم.

стр. 61

وفي رواية لهما أنه قال له: «ألم أنهك أن تسألني عنها؟ إن الله لو أذن لي أن أخبركم بها لأخبرتكم، لا آمن أن تكون في السبع الأواخر» . ولمسلم وأبي داود عن عبد الله بن أنيس، أنه قال يا رسول الله، إني أكون ببادية، وإني أصلي بهم، فمرني بليلة في هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصلي فيه، قال: «انزل في ليلة ثلاث وعشرين» لفظ أبي داود. كانت طائفة تجتهد ليلة أربع وعشرين، روي عن أنس والحسن، وروي عنه قال: راقبتُ الشمس عشرين سنة ليلة أربع وعشرين. فكانت تطلع لا شعاع لها، وروي عن ابن عباس، ذكره البخاري عنه. وقيل: إن المحفوظ عنه: أنها ليلة ثلاثٍ وعشرين. وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمس طيبًا ليلة أربع وعشرين، ويقول: ليلةُ ثلاث وعشرين ليلةُ أهل المدينة، وليلةُ أربع وعشرين، ليلتنا أهل البصرة. وقد اختلف الناس في ليلة القدر، والجمهور: أنها في العشر الأواخر، كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة. واختلفوا في أيِّ ليالي العشر أرجى؟ وحكي عن الحسن ومالك: أنها تُطْلَبُ في جميع ليالي العشر، ورجّحَهُ بعضُ أصحابنا.

стр. 62

وقال الأكثرون: بل بعض لياليه أرجى من بعض، ثم قالوا: أوتاره أرجى في الجملة. ولم يرد نصٌّ صريحٌ عن النبي ﷺ : أنها في ليلة معينة. والحكمة في ذلك- والله أعلم- ليجتهد المؤمن في هذه الليالي الشريفة، كل ليلة يقول: هذه ليلة القدر، واجتهاده في هذه الليالي العشر، واعتكافه فيها لأجل هذه الليلة: يدلُّ على ذلك، والله أعلم. فَصْلٌ في أرْجَى ليلة لها وأرجاها ليلةُ سبعٍ وعشرين، لما روى مسلم عن أبيّ بن كعب ﵁، قال: «والله إني أعلم أيَّ ليلةٍ هي، هي الليلة التي أمرنا رسولُ الله ﷺ بقيامها؛ وهي ليلة سبع وعشرين» . وفي لفظ: «كان يحلف على ذلك، ويقولُ: بالآيةِ والعلامةِ التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ ، أن الشمس تطلُع صبيحتها لا شُعاع لها» . وخرجه أيضًا بلفظ آخر عن أبيٍّ، قال: «والله إني لأعلمُ أيَّ ليلةٍ هي؟ هي الليلةُ التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبعٍ وعشرين» . وروى أحمد عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا قال: يا رسول الله: إني شيخٌ كبيرٌ عليلٌ يشقُّ عليَّ القيامُ،

стр. 63

فمرني بليلة يوفقني الله فيها لليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة» وإسنادُه على شرط البخاري. وروي أيضًا، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان متحريًا فليتحرَّها ليلةَ سبع وعشرين» أو قال: «تحرَّوها ليلةَ سبعٍ وعشرين» . وعن معاوية مرفوعًا: «ليلةُ القدر ليلةُ سبع وعشرين» . والصحيحُ عند أحمد وقفه. ومما يدلُّ على ذلك: حديث أبي ذر في قيام النبي ﷺ بهم، في أفراد السبع الأواخر، وأنه «قام بهم في الثالثة والعشرين إلى ثلث الليل. وفي الخامسة إلى نصف الليل، وفي السابعة إلى آخر الليل، حتى خشوا أن يفوتهم الفلاحُ» وجمع أهله ليلتئذ، وجمع الناس. و «الفلاحُ» : السحور. ومما استدلَّ به بعضُهم من الآيات، والعلامات: ما تقدم عن أبيِّ بن كعب، أنه استدل على ذلك بطلوع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها؛ وطاف بعضُ السلف بالبيت الحرام، ليلةَ سبع وعشرين، فرأى الملائكة في الهواء طائفين فوق رؤوس الناس. ورجلٌ بالسواد ينظرُ، فقال له آخر: أيُّ شيءٍ تنظر؟ فقال: إلى ليلة القدر. فقال: نم فسأخبرك؛ فلما كانت ليلةُ سبع وعشرين، ذهب به إلى النخل، فإذا النخلُ واضعٌ سعفه

стр. 64

بالأرض، وقال: لسنا نرى هذا في السنة كلِّها إلا في هذه الليلة. ومُقْعَدٌ دعا الله فيها فأطلقه، ومقعدةٌ كذلك، وأخرسُ ثلاثين سنة دعا الله فأطلق لسانه وتكلَّم. وذكر الوزير أبو المظفر: أنَّهُ رأى ليلةَ سبع وعشرين-وكانت ليلة جمعةٍ- بابًا في السماء مفتوحًا شاميَّ الكعبة، ظنه حيال الحجرة النبوية، ولم يزل كذلك إلى طلوع الشمس. وإن وقع في ليلةٍ من أوتار العشر ليلةُ جمعةٍ، فهي أرجى من غيرها. فصل في العمل في ليلة القدر ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي المسند عن عبادة: «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» . وللنسائي في حديث قتيبة بن سعيد عن سفيان: «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» قال الحافظ: وإسناده على شرط الصحيح. وقيامُها: إنما هو بالتهجد فيها والصلاة. وقد أمر ﷺ عائشة بالدعاء فيها. قال سفيان: الدعاءُ في الليلة أحبُّ إليَّ من الصلاة. وإذا كان يقرأُ ويدعُو، ويرغبُ إلى الله في الدعاء والمسألةِ، لعله يوافق.

стр. 65

وقد كان ﷺ يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأُ قراءةً مُرتَّلة، لا يمرُّ بآية فيها رحمةٌ إلاَّ سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ. فجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر. وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها. قال الشعبي في ليلة القدر: ليلُها كنهارها. وقال الشافعي: أستحب أن يكون اجتهادُه في نهارها كاجتهاده في ليلها. قالت عائشة ﵂ «يا رسول الله، إن وافقتُ ليلةَ القدر ما أقول؟ قال: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعفُ عنِّي» . وروي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «إنَّ الله ينظرُ ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمد ﷺ ، فيعفو عنهم، ويرحمهم، إلَّا أربعةً: مدمنُ خمرٍ، وعاقٌ، ومشاحنٌ، وقاطعُ رحم» . لما عرف العارفون بجلاله خضعُوا، ولما سمع المذنبون بعفوه طمعُوا ما ثمَّ إلا عفوُ الله أو النارُ، إنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها، وفي ليالي العشر: لأنَّ العارفين يجتهدون في الأعمال الصالحة، ثم لا يرون لأنفسهم عملاً، ولا حالاً، ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المعترف. كان مطرِّفُ يقولُ في دعائه: اللهم ارض عنّا، فإن لم ترض عنّا، فاعفُ عنَّا.

стр. 66

يا ربِّ، عبدُك قد أتا ... كَ وقد أساءَ، وقد هفا يَكْفيهِ منكَ حياؤه ... من سوء ما قدْ أسلفا حملَ الذُّنوبَ على الذُّنو ... ب الموبقاتِ، وأسرَفا وقد استجارَ بذيلِ عفْـ ... ـوكَ من عقابك مُلْحِفا فصْلٌ في: ودَاعِ رَمضانَ تقدم: ما ثبتَ في الصحيحين عن النبي ِّ ﷺ أنه قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر لهُ ما تقدم من ذنبه» ولأحمد «وما تأخر» وإسنادهُ حسن؛ و «من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا: غُفر لهُ ما تقدم من ذنبه. ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا: غفر له ما تقدم من ذنبه» زاد النسائي «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» . ولأحمد عن عبادة مرفوعًا في ليلة القدر: «من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» . ولابن حبان والبيهقي، عن أبي سعيد مرفوعًا: «من صام رمضان، وعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفَّظ منه كفّر ما قبله» . وعن أبي هريرة مرفوعًا: «شهر رمضان، يكفِّرُ ما بين يديه إلى شهر رمضان المقبل» رواه ابن أبي الدنيا. والتكفيرُ مشروطٌ: بالتحفظ مما ينبغي أن يُتحفَّظ منه؛

стр. 67

والجمهور على أن ذلك إنما يكفِّرُ الصغائر؛ لما روى مسلمٌ: أن النبي ﷺ قال: «الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهنَّ، ما اجتنبت الكبائر» . وفي تأويله قولان: أحدهما: أن التكفير مشروطٌ باجتناب الكبائر. الثاني: أن المراد: أنّ هذه الفرائض: تكفِّرُ الصغائر خاصة؛ وقال ابن المنذر في ليلة القدر: يرجى بها مفغرةُ الذنوب كبائرها وصغائرها؛ وقال غيره: مثل ذلك في الصوم. والجمهور: على أن الكبائر لا بدّ لها من توبة نصوح؛ وحديث أبي هريرة: يدلُّ على أن هذه الأسباب الثلاثة، كلُّ واحدٍ منها مكفرٌ لما سلف من الذنوب، فقيامُ ليلةِ القدر يقع التكفير به إذا وافقها ولو لم يشعر بها، وأما صيامُ رمضان وقيامُه: فيتوقفُ التكفيرُ بهما على تمام الشهر. وقيل: يغفر لهم آخر ليلة من رمضان، ويدلُّ عليه: ما رواه أحمد عن أبي هريرة قال: «ويغفر لهم في آخر ليلة، فقيل: يا رسول الله، أهي ليلةُ القدر؟ قال: لا، ولكنَّ العامل إنما يوفَّى أجره إذا قضى عمله» . وروي: «أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفورًا لهم، وأن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز» . وأخرج البزّارُ عن معاذ مرفوعًا:

стр. 68

«من صام رمضان وصلَّى الصوات الخمس، وحجَّ البيت، كان حقًا على الله أن يغفر له» . قال الزهري: إذا كان يومُ الفطر وخرج الناس إلى الصلاة اطلع الله عليهم، فقال: يا عبادي، لي صُمْتُم، ولي قمتم، ارجعوا مغفورًا لكم. وقال مورِّق: يرجعُ هذا اليوم قومٌ كما ولدتهم أمهاتهم. روي عن ابن عباس مرفوعًا: «إذا كان يومُ الفطر هبطت الملائكةُ إلى الأرض، فيقفون على أفواه السِّكك، ينادون بصوت يسمعُه مَنْ خلق الله، إلا الجنَ والإنس، يقولون يا أمة محمد، أخرجوا إلى ربّ كريم، يعطي الجزيل، ويغفر الذنب العظيم. فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله لملائكته: ما جزاءُ الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن يوفّى أجره. فيقولُ: إني أشهدكم أنِّي جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، ارجعوا مغفورًا لكم» خرّجه سلمة بن شبيب. زاد البيهقي: «يا عبادي، فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئًا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزّتي وجلالي لا أخزيكم، ولا أفضحكم بين

стр. 69

أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورًا لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرحُ الملائكةُ وتستبشرُ بما يعطي اللهُ هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان» . الصيامُ وسائر الأعمال: من وفَّاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفّف فيها فويل للمطففين، إذا كان الويلُ لمن طفَّف ميكال الدنيا. فكيف حالُ من طفّفَ ميكال الدِّين؟ غدًا توفّى النفوسُ ما عَمِلت ... ويحصدُ الزَّارعُونَ ما زرعوا إِن أحسنوا أحسنوا لأنفسِهمُ ... وإن أساءُوا، فبئْسَما صنعوا كان السلفُ الصالحُ: يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعدَ ذلك بقبوله: ويخافون من ردِّه، وهؤلاء الذين يُؤتُون ما آتو وقلوبهم وجلة، رُوي عن عليٍّ ﵁: «كُونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعُوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ » . وعن فضالةَ: لأن أعلم أن الله تقبّل مني مثقال حبةِ خردلٍ، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ . وقال مالك بنُ دينار: الخوفُ على العمل أن لا يُقبل أشدُّ من العمل. وقال عطاءٌ السلميُّ: الحذر الاتقاء على العمل الصالح أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: أدركتُهم يجتهدُون في

стр. 70

العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمُّ: أتُقُبِّلَ منهم أم لا؟ قال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهرٍ أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم. وكان بعض السلف يظهرُ عليه الحزنُ يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يومُ فرح وسرور فيقول: صدقتم. ولكني عبدٌ أمرني مولاي أن أعمل له عملاً، فلا أدري أيقبله مني أم لا؟ رأى وهيبٌ قومًا يصحكون يوم عيدٍ، فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامُهم، فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يُتقبل منهم فما هذا فعل الخائفين. وعن الحسن قال: إن الله جعل رمضانَ مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبقَ قومٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجبُ من اللاّعب الضاحك في اليوم الذي يفوزُ فيه المحسنون، ويخسرُ فيه المبطلون. روي عن علي ﵁: أنه كان ينادي في آخر ليلةٍ من رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبولُ فنهنيه، ومن هذا المحرومُ فنعزِّيه؟ أيُّها المقبولُ: هنيئًا لك، أيُّهَا المردودُ: جبر اللهُ مصيبتك. شهرُ رمضان تكثر فيه أسبابُ المغفرة والغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامُه وقيامُه؛ وقيامُ ليلة القدر. ومنها:

стр. 71

تفطيرُ الصّوامِ، والتخفيف عن المملوك. ومنها: الذكرُ. وفي حديث مرفوع «ذاكرُ الله فيه مغفورُ له. وسائلُ الله فيه لا يخيبُ» . ومنها: الاستغفار، وطلبُ المغفرةِ، ودعاءُ الصائم مستجابٌ في صيامه وعند فطره. وفي حديث أبي هريرة: ويغفر فيه إلا لمن أبى. قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله. ومنها: استغفارُ الملائكة للصائمين حتى يفطروا. لما كثرت أسبابُ المغفرة في رمضانَ، كان الذي تفوتُه فيه المغفرة محرومًا غاية الحرمان. صعدَ النبيُّ ﷺ المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين. فقيل له. فقال: إن جبرائيل أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فمات، فدخل النار، فأبعده الله. قل: آمين فقلت: آمين» الحديث. رواه ابن حبان. وقال قتادة: كان يقالُ من لم يغفرْ لَه في رمضان فلن يغفر له فيما سواه؛ وفي حديث آخر «من لم يغفرْ له في رمضان، فمتى يُغفرْ له؟» . متى يغفر لمن لم يغفر له في هذا الشهر؟ متى يُقبل من رُدَّ في ليلة القدر؟ متى يصلُح من لا يصلحُ في رمضان؟ متى يصلحْ من كان فيه من داء الجهالة والغفلةِ مرْضان؟

стр. 72

ترحَّلَ الشَّهرُ وَا لهْفَاهُ وانصرمَا ... واختصَّ بالفوزِ بالجنات مَنْ خَدَما وأصبح الغافلُ المسكينُ منكسرا ... مثلي، فيا ويْحهُ، ياعُظْمَ ما حُرِما من فاته الزرعُ في وقت البذارِ فما ... تراهُ يحصد إلاّ الهمّ والنَّدَمَا شهرُ رمضانَ: أولُه رحمةٌ، وأوسطُه مغفرةٌ، وآخرُه عتق من النار. وفي الحديث الصحيح: «أنه تفتَّحُ فيه أبوابُ الرحمة» وفي الترمذي «إِن للهِ عتقاءَ من النار، وذلك كلَّ ليلة» . الأغلب على أوله: الرحمة، وأوسطه: المغفرة، وآخره: العتقُ فيه من النار لمن أوبقته الأوزار، واستوجب النار، بالذنوب الكبار. وفي حديث ابن عباس المرفوع: «إن لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألفَ ألفَ عتيقٍ من النار، فإذا كان يومُ الجمعة أعتق الله في كل ساعة منها ألفَ ألفَ عتيقٍ من النار، كلُّهم قد استوجب العذاب. فإذا كان آخرُ ليلة من شهر رمضان: أعتق اللهُ في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهرِ إلى آخره» أخرجه سلمةُ بنُ شبيب وغيرُه. ورَوى البزّارُ عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن لله ﵎ عُتقاء كلَّ يومٍ وليلة، يعني في رمضان، وإنَّ لكل مسلم في كلِّ يومٍ وليلةٍ دعوةً مستجابة» .

стр. 73

وإنما كان يومُ الفطر من رمضان عيدًا لجميع الأمة: لأنه يعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار، كما أنَّ يوم النحر هو العيدُ الأكبر، لأنّ قبله يوم عرفة، وهو: اليوم الذي لا يرى في يوم من أيام الدنيا، أكثر عتقاء من النار منه، فمن أعتق من النار في اليومين، فله يومُ عيد، ومن فاته العتقُ في اليومين، فله يومُ وعيد. لما كانت المغفرةُ والعتقُ كلُّ منهما مرتبٌ، على صيام رمضان وقيامه: أمر الله سبحانه عند إكمال العدة بتكبيره وشكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فشكْرُ من أنعم على عبده بتوفيقهم للصيام والقيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم وعتقهم من النار: أن يذكروه ويشكروه، ويتَّقوه حقَّ تقاته. يا من أعتقهُ مولاهُ من النَّار، إياك أن تعودَ بعد أن صرت حرًّا، إلى رقِّ الأوزار، أيبعدُك مولاك من النّار، وأنت تقربُ منها؟ وينقذُك منها، وأنت توقعُ نفسك فيها، ولا تحيدُ عنها؟ إن كانت الرحمةُ للمحسنين فالمسيءُ لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة للمتقين، فالظالم لنفسه غيرُ محجوب عنها. إن كانَ لا يرجوكَ إلا مُحسنٌ ... فمن الذي الذي يرجوُ ويدعو المذنبُ؟ لم لا يُرجَى العفوُ من ربِّنا؟ وكيف لا يُطمع في حلمه؟

стр. 74

وفي الصحيح: «أنه تعالى بعبده أرحمُ من أمه» ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ . فيا أيُّها العاصي- وكلُّنا كذلك- لا تقنط من رحمة الله لسوء أفعالك، فكم في هذه الأيام من معتق من النار، من أمثالك؟ فأحسن الظن بمولاك وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك. إذا أوجعتْك الذنوب فداوِها ... برفع يَدٍ بالليل والليلُ مظلمُ ولا تقنطن من رحمة الله، إنما ... قنوطك منها من ذنوبك أعظم ينبغي لمن يرجو العتق في رمضان من النار: أن يأتي بأسبابٍ توجبُ العتق من النار؛ كان أبو قلابةَ يُعتقُ في آخر الشهر جارية حسناء مزينةً، يرجو بعتقها العتق من النار. وتقدم في حديث سلمان: «من فطر فيه صائمًا، كان مغفرةً لذنوبه، وعتقًا لرقبته من النار، ومن خفّف عن مملوكه، كان له عتقًا من النار» وفيه: «فاستكثروا فيه من أربع خصالٍ: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء لكم عنهما، فأمَّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربَّكم: فشهادةُ أن لا إله إلا الله، والاستغفار؛ وأما اللتان لا غناءَ لكم عنهما: فتسألون الله الجنةَ وتستعيذون به من النّار» فهذه الخصالُ كلٌ منها سببٌ للعتق والمغفرة.

стр. 75

فأما كلمةُ التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها، ولا تُبقي ذنبًا ولا يسبقُها عمل، وهي تعدلُ عتق الرِّقاب الذي يوجب العتق من النار، ومن أتى بها أربع مرات- حين يصبح وحين يمسي- أعتقه الله من النار، ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار. وأما كلمة الاستغفار: فمن أعظم أسباب المغفرة، فإن الاستغفار دعاءٌ بالمغفرة، ودعاءُ الصائم مستجابٌ في حال صيامه وعند فطره. قال الحسن: أكثروا من الاستغفار. فإنكم لا تدرُون متى تنزلُ الرَّحمةُ؛ وقال لقمان لابنه: يا بنيَّ عوِّد لسانك الاستغفار. فإن لله ساعاتٍ لا يردُ فيها سائلًا؛ وفي الأثر: إن إبليس قال: أهلكتُ الناس بالذُّنوبِ، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار. والاستغفارُ: ختامُ الأعمال الصالحة كلِّها، فتختم به الصلاة والحج وقيامُ الليل، وتختم به المجالسُ، فإن كانت ذكرًا، كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفارةً لها؛ فكذلك ينبغي أن يُختم صيامُ رمضان بالاستغفار؛ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: يأمرُهم بختم رمضان بالاستغفار، والصدقة، صدقةِ الفطر؛ فإن صدقة الفطر طُهرةٌ للصائم من
следующие страницы →