وظائف رمضان
مُلَخَّصَهٌ مِن لَطَائِف المعَارِفِ
للشّيخِ زَينْ الدِّيِن عبد الرحَمن بنِ رَجَبِ الحَنَبَليِّ
مع زيادات
للشَّيخِ عبد الرحمَن بن محمَد بن قاسم
رحمه الله تعالى
١٣١٢هـ - ١٣٩٢ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الذي خصَّ بالفضلِ والتَّشرِيفِ شهرَ رمضانَ، وأَنزلَ فيه القرآنَ هُدى للناسِ وبيِّناتٍ من الهدى والفُرقانِ، وخَصَّهُ بالعفو والغفرانِ، واخْتَصَّ منِ اصطَفاهُ بفضلٍ منه وامتنانٍ، وأيقَظَ بالوعظِ من وفَّقهُ في هذا الموسم العظيمِ الشأنِ.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ذُو الفضلِ والإحسانِ. وأشهدُ أن محمدًَّا عبدهُ ورسُولهُ سيدُ ولدِ عَدنانِ، صلّى اللهُ عليه وعلَى آلِهِ وأصحابِهِ وسلّم تسليمًا كَثيرًا.
أمَّا بعدُ: فهذا مختصرٌ لطيفٌ في وظائفِ هذا الموسمِ الشريف، يبعثُ الهمَمَ إلى التَّعرُّضِ للنَّفَحَاتِ، ويُثيرُ العزمَ إلى أشرفِ الأوقاتِ.
واللهَ أسألُ أن يوفِّقَنَا لما يُحبُّ مِنَ الطاعاتِ، وأن يضاعِفَ لنا الحسناتِ ويغفرَ لنا السيئاتِ، ويستجيبَ لنا الدعواتِ، إِنه جوادٌ كريم.
عبد الرحمَن بن محمَد بن قاسِم
стр. 3
فَضْلُ شَهْرِ رَمضانَ
عن أبي هريرةَ ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ يُبشِّرُ أصحابَهُ، يقولُ: «قد جاءَكم شهر رمضان شهرٌ مباركٌ، كتبَ اللهُ عليكم صيامَهُ، فِيه تُفتَّحُ أبوابُ الجنّةِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغلُّ فيه الشياطينُ، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم» رَواهُ أحمدُ والنسائيُّ. وَرُويَ: «أتاكُم رمضانُ سيدُ الشهورِ، فمرحبًا به وأهلاً» .
جاء شهرُ الصيامِ بالبركاتِ ... فأكرِمْ به مِنْ زائرٍ هُوَ آتِ
وعن عبادَ مرفوعًا: «أتاكمُ رمضانُ، شهر بركةٍ يغشاكُمُ اللهُ فيهِ، فيُنزِّلُ الرَّحمةَ، وَيحُطُّ الخطايَا، ويَستجيبُ فيه الدعاءَ، ينظرُ اللهُ إلى تَنَافُسِكمُ فيهِ، ويُباهِيْ بكمُ ملائِكتَهُ، فأرُوا اللهَ مِنْ أنفُسِكم خيرًا، فإِنَّ الشقيَّ من حُرِمَ فيه رحمةَ اللهِ» رواهُ الطبرانيُّ، ورُوَاتُهُ ثِقاتٌ.
وفي الصحيحينِ عن أبي هُريرَةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا دَخَلَ رمضانُ فُتِّحَت أبوابُ السماءِ، وغُلِّقَتْ
стр. 4
أبوابُ جَنَّم، وسُلسِلتِ الشياطينُ» . ولمسلمٍ: «فُتِّحَتْ أبوابُ الرَّحمةِ» ، وله أيضًا عن أبي هُرَيرةَ ﵁ مرفوعًا: «إذا جاءَ رمضانُ فُتِّحتْ أبوابُ الجنةِ وأغلِقتْ أبوابُ النار، وصُفدِّتِ الشياطينُ» .
وعنهُ ﵁: أنَّ رسول اللهِ ﷺ قالَ: «إِذا كان أوَّلُ ليلةٍ من رمضانَ صُفِّدتِ الشياطينُ ومَردَةُ الجنِّ، وغُلِّقت أبوابُ النيرانِ، فلم يفتح منها بابٌ، وفُتِّحتْ أبوابُ الجنةِ فلم يغلقْ منها باب، ويُنادي منادٍ: يا باغيَ الخير أَقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقصِر، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كل ليلة» رواهُ الترمذيُّ والنِسائيُ والحاكم.
وعن أبي هريرةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال، لم تعطها أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى، ويصير إليك. وتصفد فيه مردة الجن، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» رواه أحمد.
وعن سلمان ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ -
стр. 5
في آخر يوم من شعبان، فقال: «يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه الرزق، ومن فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، قال رسول الله ﷺ : «يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائمًا على مذقة لبنٍ أو تمرةٍ، أو شربةِ ماء.
ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له، وأعتقه من النار حتى يدخل الجنة. وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار» رواه ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما.
стр. 6
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «أظلكم شهركم هذا، بمحلوف رسول الله ﷺ ما مر بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله ﷺ إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخله، ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخله. وذلك أن المؤمن يُعدُّ فيه القوت والنفقة للعبادة، ويعدُّ فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم. فغنم يغتنمه المؤمن» .
وقال بندار في حديثه: «فهو غنم للمؤمنين، يغتنمه الفاجر» رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره.
وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الجنة لتبخَّرُ (١) وَتُزَيَّنُ من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان.
فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة، فتصفق أوراق أشجار
الجنان، وحلق المصاريع. فيسمع لذلك طنين لم
يسمع السامعون أحسن منه. فتبرز الحور العين، حتى
يقفن بين شرف الجنة فينادين: هل من خاطب إلى الله فيزوجُه؟ ثم يقلن الحور العين: يا رضوان الجنة، ما هذه الليلة؟ فيجيبهن بالتلبية. ثم يقول: هذه أول ليلة من شهر
стр. 7
رمضان، فتحت أبواب الجنة على الصائمين من أمة
محمد ﷺ » ، رواه البيهقي وغيره.
وعن عمرو بن مرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال: «من الصديقين والشهداء» رواه ابن خزيمة وابن حبان.
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب، قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان» رواه الطبراني وغيره.
- وقال عبد العزيز بن مروان: كان المسلمون يقولون عند حضور شهر رمضان: اللهم قد أظلنا شهر رمضان، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه، وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، وأعذنا فيه من الفتن.
وقال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر: أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر: أن يتقبله منهم.
وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: «اللهم سلِّمني إلى رمضان وسلم لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلا» .
بلوغ شهر رمضان، وصيامه نعمة عظيمة، ويدل عليه
стр. 8
حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم، ومات الثالث بعدهما على فراشه، فرؤي في المنام سابقًا لهما، فقال النبي ﷺ : «أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه؟ فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض» رواه أحمد وغيره.
وعن عائشة ﵂ قالت: ودخل رمضان، يا رسول الله، فما أقول: قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» .
جاء رمضان، فيه الأمان والعتق والفوز بسكنى الجنان. من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ من لم يقرب فيه لمولاه فهو على بعده لا يبرح، من رحم في هذا الشهر فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم.
أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد
فأدِّ حقوقه قولا وفعلا ... وزادَك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادمًا عند الحصاد
وعن أبي جعفر بن علي ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استهل شهر رمضان استقبله بوجهه، ثم يقول: «اللهم أَهِِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والعافية المجللة، ودفاع الأسقام، والعون على الصلاة والصيام، وتلاوة القرآن. اللهم سلمنا لرمضان وسلمه لنا،
стр. 9
وتسلمهُ منا، حتى يخرج رمضان وقد غفرتَ لنا ورحمتنا وعفوت عنا» أخرجه ابن عساكر.
وروى ابن النجار عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، أنه كان إذا نظر إلى الهلال قال: اللهم إني أسألك خير هذا الشهر، وفتحه ونصره وبركته، ورزقه ونوره وظهوره، وأعوذ بك من شره وشر ما بعده.
فصل
في فضل صوم شهر رمضان
في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» .
وفي رواية: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي» .
وفي رواية للبخاري: «لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به» .
ولأحمد: «كل عمل ابن آدم كفارة إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به» .
стр. 10
فعلى الرواية الأولى: يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة، فتكون الأعمال تضاعفُ بعشر أمثالِها إلى سبعمائَةِ ضعفٍ إلا الصوم، فإنه لا ينحَصرُ تضعيفه، بل يضاعِفه الله أضعافًا كثيرةً. فإن الصيام من الصبر، وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
ولهذا روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «شهر رمضان شهر الصبر» وعنه أنه قال: «الصوم نصف الصبر» رواه الترمذي.
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم. وتقدم في حديث سلمان: «هو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة» وروى الطبراني عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «الصيام لله، لا يعلم ثوابه إلا الله» .
واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب.
منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل، كالحرم، ولذلك تضاعف الصلاة في مسجديْ مكة والمدينة، كما ثبت في الصحيح «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» وفي رواية «فإنه أفضل» ولذلك روي أن الصيام يضاعف بالحرم. وفي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف. عن ابن عباس مرفوعًا: «من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر: كتب الله له مائة
стр. 11
ألف شهر رمضان فيما سواه» وذكر له ثوابًا كثيرًا.
ومنها: شرف الزمان، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة وتقدم في حديث سلمان في فضل شهر رمضان «من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» .
وفي الترمذي عن أنس ﵁، سئل النبي ﷺ : أي الصدقة أفضلُ؟ قال: «صدقة في رمضان» .
وفي الصحيحين عنه ﷺ قال: «عمرة في رمضان، تعدل حجة» أو قال: «حجة معي» ، وروي في حديث «أن عمل الصائم مضاعف» .
وذكر ابن أبي مريم عن أشياخه: أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحةٌ أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
قال النخعي: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحةٌ فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة.
فلما كان الصيام في نفسه مضاعفًا أجره بالنسبة على سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفًا على سائر الصيام،
стр. 12
لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها.
وقد يضاعف الثواب بأسباب أخر، منها: شرف العامل عند الله وقربه منه، وكثرة تقواه، كما ضوعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم. وأما على الرواية الثانية: فاستثناء الصيام يرجع إلى أن سائر الأعمال للعباد، والصيام اختصه الله لنفسه كما يأتي، وأما الرواية الثالثة: فالاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال.
ومن أحسن ما قيل في ذلك: ما قاله سفيان، قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها «إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة» رواه البيهقي وغيره.
وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصيام لله ، فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصيام، بل أجره مدخر لصاحبه عند الله، وحينئذ فقد يقال: إن سائر الأعمال قد يكَّفرُ بها ذنوب صاحبها، فلا يبقى له أجر، فإنه روي: «إنه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات، ويقص بعضها من بعض.
فإن بقي حسنة دخل بها صاحبها الجنة» ، وفيه حديث مرفوع فيحتمل أن يقال في الصوم: إنه لا يسقط ثوابهُ بمقاصة ولا
стр. 13
غيرها، بل يوفَّر أجرهُ لصاحبه حتى يدخل الجنة، فيوفى أجرُه فيها.
وأما قوله: «فإنه لي» فإن الله خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال؛ وذكر في معنى ذلك وجوه، من أحسنها وجهان:
أحدهما: أن الصيام مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية، التي جبلت على الميل إليها لله ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام. فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه، ثم تركته لله في موضع لا يطلع عليه إلا الله: كان ذلك دليلا على صحة الإيمان.
فإن الصائم يعلم أن له ربا يطلع عليه في خلوته، وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة، فأطاع ربه وامتثل أمره، واجتنب نهيه، خوفًا من عقابه ورغبة في ثوابه، فشكر الله له ذلك، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله، ولهذا قال بعد ذلك «إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.
لما علم المؤمن الصائم أن رضى مولاه في ترك شهواته، قَدَّمَ رضى مولاهُ على هواه، فصرات لذتُه في ترك شهواتِه لله، لإيمانِه باطلاع الله وأن ثوابَه وعقابَه أعظمُ من لذةٍ يتناولُها في
стр. 14
الخلوة، إيثارًا لرضى ربه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب.
ولهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في رمضان لغير عذر لم يفعل، لعلمه بكراهية الله تعالى لفطره في هذا الشهر، وهذا من علامات الإيمان: أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله يكرهه، فتصير لذته فيما يرضي مولاه، وإن كان مخالفًا لهواه.
وإذا كان هذا فيما حُرَّمَ لعارض الصوم: من الطعام والشراب، ومباشرة النساء، فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حُرِّمَ على الإطلاق، كالزنا وشرب الخمر، وأخذ أموال الناس بالباطل، وهتك الأعراض بغير حق، وسفك الدماء المحرمة، فإن هذا يسخط الله على كل حال، وفي كل مكان وزمان.
الوجه الثاني: أن الصيام سرٌّ بين العبد وبين ربه لا يطلعُ عليه غيره، لأنه مركبٌ من نيةٍ باطنةٍ لا يطلعُ عليها إلا الله، وتركٍ لتناولِ الشهوات التي يستخفى بتناولها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء.
وقد يرجع إلى الأول، فإن من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله ، بحيث لا يطلع عليه غير من أمره ونهاه: دلَّ على صحة إيمانه، والله تعالى يحبُّ من عباد أن يعاملوه سرًا بينهم
стр. 15
وبينهُ بحيثُ لا يطلعُ على معاملتهم إياهُ سواهُ.
وقوله: «ترك شهوتهُ وطعامه من أجلي» فيه إشارةٌ إلى ما ذكر من أن الصائمين يتقربون إلى الله تعالى، بترك ما تشتهيه نفوسهم من الطعام والشراب والنكاح، وهذه أعظمُ شهوات النفس.
وفي التقرب إلى الله بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد.
منها: كسرُ النفس، فإن الشبع والرِّيَّ ومباشرة النساء، تحملُ النفس على الأشَر والبطرِ والغفلةِ.
ومنها: تخليِّ القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات يقسَّي القلب ويُعميه، ويحولُ بين القلب والذكر والفكر، ويستدعي الغفلة، وخلوة البطن من الطعام والشراب ينورُ القلب، ويوجبُ رقَّته، ويزيلُ قسوتهُ، ويُخْليهِ للذكر والفكر.
ومنها: أن الغني يعرفُ قدر نعمة الله عليه، بإقداره له على ما منعهُ كثيرًا من الفقراء، من فضول الطعام والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك، يتذكرُ به مَنْ مُنع منْ ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكنُ من ذلك.
стр. 16
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم، التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم. فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكنُ بالصيام وساوسُ الشيطان، وتنكسرُ سورةُ الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي ُّ ﷺ الصوم وجاءً، لقطعه عن شهوة النكاح.
واعلم أنه لا يتمُّ التقربُ إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة، في غير حالة الصيام، إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه في كلِّ حالٍ: من الكذب، والظُّلم، والعُدوان، على الناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولهذا قال ﷺ : «من لم يدَعْ قولَ الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» أخرجه البخاري. وفي حديث آخر: «ليس الصيامُ من الطعام والشراب، إنما الصيامُ من اللغو والرفث» قال ابن المديني: على شرط مسلم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «الصيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يَرْفُثُ ولا يفسق، ولا يجهل، فإن سابَّه أحدٌ فليقل: إني امرؤٌ صائمٌ» . «الجُنةُ» : ما يستر صاحبه، ويحفظه من الوقوع في المعاصي. «والرَّفثُ» : الفُحْشُ، ورديءُ الكلامِ.
ولأحمد والنسائي عن أبي عُبيدة مرفوعًا: «الصيامُ جُنّةٌ ما لم يُخرِّقْها» . وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن
стр. 17
الصيام جُنَّةٌ ما لم يُخرِّقْها، قيل: بم يُخرّقْها؟ قال بكذب أو غيبة» وروي عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصائمُ في عبادة، ما لم يغتب مسلمًا أو يؤذه» وعن أنس: «ما صام من ظلَّ يأكلُ لحوم النَّاس» .
قال بعض السلف: أهونُ الصيام: تركُ الطعام والشراب. وقال جابرٌ: إذا صُمت فليصم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
إذا لم يكنْ في السَّمع مني تصاوُنٌ
وفي بصري غَضٌّ، وفي منطقي صمتُ
فحظِّي إذًا من صومي الجوعُ والظمأ
فإن قلتُ: إني صمتُ يومي فما صمتُ
وقال النبي ﷺ : «رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطشُ، ورب قائمٍ حظهُ من قيامه السهرُ» .
وسرُّ هذا: أن التقربَ إلى الله بتركِ المباحات، لا يكملُ إلاّ بعد التقرب إلى الله بترك المباحات، لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب إلى الله بترك المباحات: كان بمثابة من يتركُ الفرائض، ويتقربُ بالنوافل.
وفي مسند أحمد: أن امرأتين صامتا في عهد رسول الله ﷺ ، فكادتا أن تموتا من العطش، فذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ ،
стр. 18
فأعرض عنهما، ثم ذكرتا له، فدعاهما، فأمرهما، أن تتقيئآ، فقاءتا ملء قدحٍ قيحًا، ودمًا وصديدًا، ولحمًا عبيطًا، فقال النبي ﷺ : «إن هاتين صامتا عمّا أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرَّمَ اللهُ عليهما، جلستْ إحداهُما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس» .
وقولُه ﷺ : «للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحة عند لقاء ربِّه» أمَّا فرحةُ الصائم عند فطره: فإن النفوس مجبولةٌ على الميل إلى ما يلائمُها، من مطعمٍ، ومشرب، ومنكحٍ، فإذا مُنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أُبِّيح لها في وقتٍ آخر، فرحت بإباحة ما مُنعت عنه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه.
فإن النفوس تفرح بذلك طبعًا، فإن كان ذلك محبوبًا لله، كان محبوبًا شرعًا، والصائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله حرَّم على الصائم تناوُل هذه الشهوات، في نهار الصيام، فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحبَّ منه المبادرة إلى تناولها، في أول الليل وآخره، بل أحبُّ عباده إليه أعجلُهُم فطرًا، لما في الصحيحين عن سهلٍ مرفوعًا: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر» .
وللترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «قال الله : أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا» وروى أحمد عن أبي ذرّ مرفوعًا:
стр. 19
«لا تزال أمتي بخير ما عجّلوا الفطر، وأخرُوا السّحور» .
وروى الحاكمُ، وابن عساكر عن ابن عمر، وأنسٍ مرفوعًا: «من فقه الرجل تعجيل فطره، وتأخيرُ سحوره، وتسحروا فإنَّه الغذاءُ المُباركُ، واللهُ وملائكتُه يُصلون على المتسحرين» .
فالصائمُ ترك شهواته لله بالنهار، تقرَّبا إليه وطاعةً له، ويبادرُ إليها في الليل تقرُّبًا إلى الله وطاعةً له، فما تركها إلا بأمر ربّه. ولا عاد إليها إلا بأمر ربّه، فهو مطيعٌ له في الحالتين، فإذا بادر الصائمُ إلى الفطر تقرُّبًا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله، فإنه يُرجى له المغفرةُ وبُلوُغُ الرّضوان بذلك.
وفي الحديث: «إن الله ليرضى عن العبد يأكلُ الأكلة فيحمدُه عليها، ويشربُ الشربة فيحمده عليها» ، وربما استجيب دعاؤه عند ذلك، كما في الحديث المرفوع: «إن للصائم عند فطره دعوةً لا تردُّ» .
ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا ترد دعوتُهم: الصائمُ حتى يفطر ... الحديث» وعن ابن عمر مرفوعًا «لكلِّ عبدٍ صائمٍ دعوةٌ مستجابةٌ عند إفطاره، أعطيها في الدنيا، أو ادّخرت له في الآخرة» .
ورُوي عن أنسٍ وابن عباسٍ ﵃: كان
النبي ﷺ إذا أفطر قال: «اللهم لك صمتُ وعلى رزقك
стр. 20
أفطرتُ، فتقبَّل منِّي إنك أنت السمعي العليمُ» ، ورُوي عن ابن عمر مرفوعًا: كان إذا أفطر قال: «ذهب الظَّمأ، وابتلَّت العروقُ، ووجب الأجرُ إن شاء الله تعالى» وروي عنه أنه كان إذا أفطر يقولُ: «اللهم يا واسع المغفرة، اغفر لي» .
وإن نوى بأكله وشُربه تقويةَ بدنه، على القيام والصيام، كان مُبابًا على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار، التقوِّي على العمل كان نومُه عبادةً. وفي حديثٌ مرفوعٌ: «نوم الصائم عبادةٌ، وصمتُه تسبيحٌ، وعملهُ مضاعفٌ، ودعاؤه مستجابٌ، وذنبهُ مغفورٌ» رواه البيهقي.
قال أبو العالية: الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتب أحدًا، وإن كان نامًا على فراشه، رواه عبدُ الرزاق.
فالصائم في ليله ونهاره في عبادةٍ، ويستجابُ دعاؤه في صيامه وعند فطره؛ فهو في نهاره صائمٌ صابرٌ، وفي ليله طاعمٌ شاكرٌ. وفي حديث رواه الترمذي وغيرهُ: «الطاعمُ الشاكرُ بمنزلةِ الصائم الصابر» ، ومن فهم هذا لم يتوقف في معنى: فرح الصائِم عند فطره. فإن فطرهُ على الوجه المشار إليه، من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، ومن شرط ذلك: أن يكون فطره على حلالٍ، فإن كان فطره على حرام كان ممَّن صام عما أحلَّ الله، وأفطر على ما حرَّم اللهُ، ولم يستجب له دعاءٌ.
стр. 21
وأما فرحُهُ عند لقاء ربه: فبما يجدُهُ عند الله من ثواب الصيام مُدَّخرًا، فيجُده أحوج ما كان إليه. كما قال تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ .
ولابن خُزيمة: «فإذا لقي الله ، فرح بصومه» ، وفي المسند عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ليس من عمل يومٍ إلا يختمُ عليهِ» .
وعن عيسى ﵇ قال: إن هذا الليلَ والنَّهار خزانتان، فانظرُوا ماذا تضعون فيهما، فالأيام خزائنُ للناس، ممتلئةٌ بما خزنوه فيها، من خير وشر. وفي يوم القيامة: تُفْتَحُ هذه الخزائنُ لأهلها، فالمتقُون يجدون في خزائنهم: العزة والكرامة، والمذنبُون يجدون في خزائنهم: الحسرة والندامة.
الصائمون على طبقتين:
إحدهما: من ترك طعامهُ وشرابهُ وشهوته لله ، يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يخيبُ معه من عامله، بل يربحُ عليه أعظم الربح.
وقال ﷺ لرجل: «إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله: إلا آتاك الله خيرًا منه» رواه أحمد. فهذا الصائمُ يُعطى في الجنة ما شاء من طعام وشراب ونساء، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا
стр. 22
هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ قال مجاهدٌ وغيره: نزلت في الصائمين.
وقال يعقوبُ بن يوُسف: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي، طالما نظرت إليكم في الدنيا، وقد قَلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخفقت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم، وكلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية.
وقال الحسن: تقول الحوراء لولي الله، وهو متكئ معها على نهر العسل، تعاطيه الكأس: إن الله نظر إليك في يوم صائفٍ بعيد ما بين الطرفين، وأنت في ظمأ هاجرةٍ من جهد العطش، فباهى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي، ترك زوجته وشهوته، وطعامه وشرابه من أجلي، رغبة فيما عندي، أشهدكم أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ، وزوَّجنيك.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «إن في الجنة بابًا يقال له الريانُ، يدخلُ منه الصائمون، لا يدخل منه غيرهم» وفي رواية: «إذا دخلوا أُغلق» وللطبراني عن سهل مرفوعًا: «لكل باب من أبواب البرّ بابٌ من أبوابِ الجنة، وإن باب الصيام يُدعى الريانُ» .
وله في حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي ﷺ في منامه الطويل: «ورأيت رجلًا من أمتي يلهثُ عطشًا، كلما دنا
стр. 23
من حوضٍ طُرد، فجاءه صيامُ رمضان فسقاه وأرواه» .
وروى ابن أبي الدنيا: أن النبي ﷺ : «بعث أبا موسى على سريةٍ في البحر، فهتف بهم هاتفٌ: يا أهل السفينة، قفوا أخبركم بقضاء الله على نفسه: أن من عطَّش نفسه في يومٍ حارٍّ كان حقًا على الله أن يُرويه يوم القيامة» ، وللبزّار: «في يومٍ صائفٍ، سقاهُ اللهُ يوم العَطشِ» .
وللبيهقيِّ عن عليّ مرفوعًا: «من منعه الصيامُ من الطعام والشراب، أطعمه اللهُ من ثمار الجنة، وسقاهُ من شرابها» . وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس مرفوعًا: «الصائمون ينفحُ من أفواههم ريح المسك، وتوضع لهم مائدة تحت العرش، يأكلون منها والناسُ في الحساب» . وعن أنس موقوفًا: «إن لله مائدةً لم تر مثلها عينٌ، ولم تسمع أُذُنٌ ولا خطر على قلب بشر، لا يقعدُ عليها إلا الصائمون» .
وعن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضعُ لهم مائدةٌ يأكلون منها والناسُ في الحساب، فيقولون: يا ربَّنا نحن نحاسبُ وهؤلاء يأكلون؟ فيقال: إنهم طالما صامُوا وأفطرتُم، وقاموا ونُمتمْ. ورأى بعض العارفين في منامه، كأنه أدخل الجنة، فسمع
قائلاً يقول له: هل تذكر أنك صمت لله يومًا قط؟ فقال: نعم؛ قال: فأخذتني صواني النثار من الجنة. ومن ترك في
الدنيا لله طعامًا وشرابًا مدة يسيرةً، عوضهُ اللهُ عنه
стр. 24
طعامًا وشرابًا لا ينفدُ، وأزواجًا لا تَمُتْنَ أبدًا.
شهرُ رمضان: فيه يُزوجُ الصائمون. في الحديث: «إن الجنة لتزخرف وتُبَخَّرُ من الحول إلى الحول لقدوم شهر رمضان. فتقولُ الحورُ: يا رب اجعل لنا في هذا الشهر، من عبادك أزواجًا، تقرُّ أعيُننا بهم، وتقرُّ أعيُنُهم بنا» وفي حديث آخر: «إن الحور تنادي في شهر رمضان: هل من خاطب إلى الله فيزوجُهُ؟» . مهورُ الحور العين: طولُ التجهد، وهو: حاصل في شهر رمضان أكثر من غيره.
والثانيةُ: من الصائمين من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظُ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، ويريدُ الآخرة ويترك زينة الدنيا، فهذا: عيدُ فطره يوم لقاء ربه، وفرحه برؤيته. يا معشر الصائمين: صوموا اليوم عن شهوات الهوى، لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولنَّ عليكم الأملُ، باستبطاء الأجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.
قوله: «ولخَلُوفُ فم الصائم: أطيب عند الله من ريح المسك» خلُوفُ الفم: رائحةُ ما يتصاعدُ منه من الأبخرة، لخلوِّ المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحةٌ مستكرهةٌ في مشامِّ الناس في الدنيا، لكنَّها أطيبُ عند الله من ريح المسك،
حيث كانت ناشئةً عن طاعته وابتغاء مرضاته. وفيه
стр. 25
معنيان، أحدُهما: أن الصيام لما كان سرًّا بين العبد وبين ربه في الدنيا: أظهره اللهُ في الآخرة علانية للخلق، ليشتهر بذلك أهلُ الصيام، ويعرفُون بصيامهم بين الناس، جزاءً لإخفاء صيامهم في الدنيا.
وعن أنس ﵁ مرفوعًا: «يخرجُ الصائمون من قبورهم يُعرفون بريح أفواههم، ريحُ أفواههم أطيبُ من ريح المسك» رواه الأصبهاني، وفي إسناده ضعف. قال مكحول: يُروَّحُ أهل الجنة برائحةٍ، فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحًا مُنْذُ دخلنا الجنة، أطيب من هذه الرائحة، فيقالُ: هذه رائحةُ أفواه الصائمين.
وقد تفوح رائحةُ الصيام في الدنيا، فتستنشق قبل الآخرة، وهي نوعان، أحدُهما: ما يدركُ بالحواسِّ الظاهرة، كان عبد الله بنُ غالبٍ من العباد المجتهدين في الصلاة والصيام، فلما دُفنَ كان يفوحُ من تراب قبره رائحة المسك، فرُؤي في المنام، فسُئل عن تلك الرائحة التي توجدُ من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ.
والثاني ما تَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ والقلوب، فيوجبُ ذلك للصائمين المخلصين المودَّةَ والمحبةَ في قلوب المؤمنين؛
وفي حديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ : «أن زكريا ﵇، قال لبني إسرائيل: وآمُرُكم بالصيام، فإن مثل ذلك
стр. 26
كمثل رجلٍ في عصابةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فيها مسكٌ، فكلُّهم يعجبُه ريحهُ، وإن ريح الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك» رواه الترمذي وغيرُه. وفي الحديث: «ما أسرَّ عبدٌ سريرة إلا ألبسهُ الله رداءها علانية» .
المعنى الثاني: أنَّ مَنْ عبدَ الله وأطاعه، وطلب رضاه في الدنيا بعملٍ، فنشأ من عمله آثارٌ مكروهةٌ للنفوس في الدنيا، فإن تلك الآثار غيرُ مكروهةٍ عند الله، بل هي مستحبةٌ محبوبةٌ له، وطيِّبةٌ عنده، لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته، فإخبارُه بذلك للعاملين في الدنيا، فيه تَطْييْبٌ لقلوبهم، لئلا يُكره منهم ما وجد في الدنيا. ورد حديثٌ مرسل: «كلُّ شيءٍ ناقصٍ في عرف الناس في الدنيا، إذا انتسب إلى طاعته ورضاهُ، فهو الكاملُ في الحقيقة» .
خلوفُ فم الصائمين أطيبُ من ريح المسك. نوحُ المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضلُ من التسبيح، انكسارُ المخبتين لعظمته هو الجبر، ذلُّ الخائفين من سطوته هو العزُّ، جوُع الصائمين لأجله هو الشبع، عطشُهم في طلب مرضاته هو الرِّيُّ، نصبُ المجتهدين في خدمته هو الراحة. لما سُلسِلَتْ الشياطينُ في شهر رمضان وخمدت نيرانُ الشهوات بالصيام انعزل سلطانُ الهوى، وصارت الدولةُ لحاكم العقل، فلم يبق للعاصي عذر.
стр. 27
يا غيومُ الغفلة تَقَشَّعِي، يا شموسُ التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصالحين ارتفعي، يا قلوبُ الصالحين اخشعي، يا أقدامُ المجتهدين اسجدي لربك واركعي، يا عيونُ المتهجدين لا تهجعي، يا ذنوبُ التائبين لا ترجعي.
فصل
في فضل الجودِ في رمضان
وتلاوةِ القرآن
في الصحيحين عن ابن عباسٍ ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان حين يلقاهُ جبرائيلُ، فيدراسهُ القرآن، وكان جبرائيل يلقاه كلَّ ليلةٍ من شهر رمضان فيدارسُهُ القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبرائيل: أجودُ بالخير من الريح المرسلة» ورواه أحمد وزاد «ولا يُسأل شيئًا إلا أعطاه» وللبيهقي عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل رمضانُ أطلق كُلَّ أسيرٍ وأعطى كُلَّ سائل» .
«الجودُ» هو سعة العطاء وكثرتُه. والله تعالى يوصفُ بالجود، فروي الترمذيُّ عن سعد بن أبي وقّاصٍ، ﵁، عن النبي ﷺ : «إن الله جوادٌ يحب الجود، كريمٌ يُحبُّ
الكرم» .
стр. 28
وعن الفضيل: إن الله تعالى يقول كلَّ ليلة: أنا الجوادُ ومني الجودُ، وأنا الكريمُ ومني الكرم.
فالله سبحانه: أجود الأجودين، وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان، وفيه أنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
ولما كان الله تعال جبل نبيَّه ﷺ على أكمل الهيئات وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة ﵁: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» كان رسول الله ﷺ أجود الناس على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جودُه يجمع أنواع الجود، وكان جودُه ﷺ يتضاعف في رمضان على غيره من الشهور. كما أن جود ربَّه يتضاعف فيه أيضًا.
وكان ﷺ يلتقي هو وجبريل في شهر رمضان، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدراسه القرآن الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان هذا الكتاب الكريم له ﷺ خلق، بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه. ويمتنع عمَّا زجر عنه. فلهذا كان يتضاعف جوده، وإفضاله في هذا الشهر، لقرب عهده بمخالطة جبرائيل، وكثرة مدارسته له
стр. 29
هذا الكتاب الكريم، الذي يحث على المكارم والجود. ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقًا من المخالط.
وفي تضاعف جوده ﷺ في رمضان بخصوصه فوائدُ كثيرةٌ، منها: شرف الزمان ومضاعفةُ أجر العمل فيه؛ وفي الترمذي عن أنس مرفوعًا: «أفضلُ الصدقةِ صدقةُ رمضانَ» . ومنها: إعانةُ الصائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجبُ المعينُ لهم مثل أجورهم، كما أن من جَهَّز غازيًا فقد غزا. ومن خلفَه في أهله بخير فقد غزا.
وفي حديث زيد بن خالدٍ عن النبي ﷺ قال: «من فطر صائمًا فله مثلُ أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيءٌ» رواه أحمد والترمذي. ورواه الطبراني عن عائشة ﵂، وزاد: «وما عمل الصائمُ من أعمال البرِّ إلا كان لصاحب الطعام، ما دامت قوةُ الطعام فيه» .
وفي حديث سلمان المتقدم، في فضل شهر رمضان: «وهو شهرُ المواساة، وشهرٌ يزادُفيه: رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنُوبِه، وعقتًا لرقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن يُنقصَ من أجرِ الصائِم شيءٌ» قالوا: يا رسول الله، ليس كلُّنا يجد ما يفطِّرُ الصائم، قال: «يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائمًا، على مذقة لبن، أو تمرةٍ، أو
شربة ماءٍ؛ ومن سقى فيه صائمًا سقاه الله من حوضي
стр. 30
شربةً لا يظمأُ بعدها حتى يدخلَ الجنة» .
ومنها: أن شهرَ رمضان شهرٌ يجودُ اللهُ فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر. والله تعالى يرحمُ من عباده الرحماءُ، كما قال النبي ﷺ : «إنما يرحمُ اللهُ من عباده الرحماءُ» ، فمن جاد على عباد الله، جاد اللهُ عليه بالعطاء والفضل، والجزاءُ من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غُرفًا يُرى ظهورُها من بطونها، وبطونُها من ظهورِها» قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن طَيَّبَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ اصيامَ، وصلَّى بالليلِ والناسُ نيام» .
وهذه الخصالُ كلُّها تكونُ في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة، وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث، والصلاة والصيام والصدقة: توصلُ صاحبها إلى الله .
قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقةُ تأخذُ بيده، فتدخلهُ على الملك.
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكرٍ:
стр. 31
أنا، قال: من تَبعَ منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكرٍ أنا، قال: من تصدقَ بصدقةٍ؟ قال أبو بكرٍ: أنا، قال: من عاد منكم مريضًا؟ قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» .
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغُ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم، والمباعدة عنها، خصوصًا إن ضُمَّ إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الصيامُ جُنةُ أحدِكم من النار، كَجُنَّتِهِ من القتال» ، ولأحمد أيضًا: عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصومُ جُنَّةٌ وحصنٌ حصين من النار» .
وفي حديث معاذٍ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ. وقيامُ الرجلِ في جوفِ الليل» يعني: أنه يطفئ الخطيئة أيضًا، صرح به أحمد. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «اتقوا النار ولو بِشقِّ تمرةٍ» كان أبو الدرداء ﵁ يقول: صلُّو في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يومًا شديدًا حرَّهُ لحرِّ يوم النشور، تصدقوا بصدقة السرِّ لهول يوم عسير.
ومنها: أن الصيام لا بدّ أن يقع فيه خللٌ ونقصٌ، وتكفيرُ الصيام للذنوب، مشروطٌ بالتحفظ مما ينبغي أن يُتحفَّظَ منه، كما في حديث أخرجه ابنُ حبان، وعامةُ صيام الناس: لا
يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي، ولذا نهى أن يقول
стр. 32
الرجلُ: «صمتُ رمضان كلُّه، أو قمتُه كلُّه» فالصدقةُ تجبر ما كان فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب في آخر رمضان زكاةُ الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث.
ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه، فإذا أعان الصائمين على التقوِّي على طعامهم وشرابهم، كان بمنزلة من ترك شهوته لله، وآثر بها وواسى منها، ولهذا يشرع له تفطير الصوَّام معه إذا أفطر؛ لأن الطعام يكون محبوبًا له حينئذٍ، فيواسي منه حتى يكون ممن أطعم الطعام على حُبّه، فيكون في ذلك شاكرًا لله، على نعمة إباحة الطعام والشراب له،
وردِّه له بعد منعه إياه، فإن هذه النعمة إنما يُعرف قدرُها عند المنع منها.
وسئل بعضُ العرافين: لم شُرع الصيامُ؟ قال: ليذوق الغنيُّ طعم الجوع فلا ينسى الجائع؛ وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده. وتقدم في حديث سلمان: «وهو شهرُ المواساة» فمن لم يقدر على درجة الإيثار على نفسه، فلا يعجز عن درجة أهل المواساة.
كان كثير من السلف: يواسون من إفطارهم، ويؤثرون ويطوون. فقد كان ابن عمر: يصوم ولا يفطر إلا مع
المساكين، فإذا منعه أهله عنهم، لم يتعشَّ تلك الليلة، وكان
إذا جاءهُ وهو على الطعام، أخذ نصيبهُ من الطعام،
стр. 33
وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا.
واشتهى بعض الصالحين طعامًا، وكان صائمًا فوضع بين يديه وهو صائمٌ، فسمع قائلاً يقول: من يقرضُ المليء الوفيَّ؟ فقال: عبده المعدمُ من الحسنات، وأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاويًا.
وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد: فدفع إليه رغيفين كان يعدُّهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائمًا. وكان الحسن يُطعمُ إخوانه وهو صائمٌ، ويجلسُ يروِّحُهمُ، وهمُ يأكلون.
وله فوائدُ أخرُ. قال الشافعيُّ ﵀: أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في رمضان، اقتداءً برسول الله ﷺ ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ، منهم، بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
ودل الحديث أيضًا: على دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له منه. وفيه دليلٌ على استحباب الإكثار، من تلاوة القرآن، في شهر رمضان.
وفي حديث فاطمة: أنه أخبرها: «أن جبرائيل كان يعارضه القرآن كُلَّ عامٍ مرَّةً، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين» ، وفي حديث ابن عباس: «أن المدارسة بينه وبين جبرائيل: كانت ليلاً» .
стр. 34
فدلَّ على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً، فإن الليل تنقطعُ فيه الشواغلُ، وتجتمعُ فيه الهممُ، ويتواطأ فيه القلبُ واللسانُ على التدبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ .
وشهرُ رمضان: له خصوصيةٌ بالقرآن، كما قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ وقال ابنُ عباسٍ ﵄: إنه أُنزل جُملةً واحدةً من اللوح المحفوظ، إلى بيت العزة في ليلة القدر.
ويشهدُ لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقولهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ والنبيُّ ﷺ بُديءَ بالوحي، ونزل عليه القرآن في شهر رمضان؛ وقد كان النبيُّ ﷺ يُطيلُ القراءة في قيام رمضان بالليل، أكثر من غيره.
وقد صلَّى معه حذيفة ليلة في رمضان «فقرأ بالبقرة، ثم النِّساء، ثم آل عمران، لا يمرُّ بآية تخويفٍ إلا وقف وتعوذ، ولا بآية رحمةٍ إلا وقف وسأل، فما صلى ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة» رواه أحمد والنسائي. وعنه: أنه «ما صلى إلا أربع ركعات» .
وكان عُمر ﵁: أمر أبيَّ بن كعب، وتميمًا الداريَّ، أن يقوما بالناسِ في شهر رمضان، فكان القارئ
стр. 35
يقرأ بالمائتين في الركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر؛ وفي رواية: أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري، ثم يتعلقون بها.
وروي أن عمر جمع ثلاثة قراء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس بثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين.
ثم كان في زمن التابعين: يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان، في ثمان ركعات. فإن قرأها في اثنتي عشرة، رأوا أنه قد خفف.
وسئل أحمدُ: عما روي عن عمر، في السريع في القراءة، والبطئ؟ فقال: في هذا مشقَّةٌ على الناس، ولا سيما في هذه الليالي القصار، وإنما الأمرُ على ما يحتملهُ الناسُ.
وقال أحمدُ لبعض أصحابه، وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاءِ قوم ضعفاءُ، اقرأ خسمًا، ستًا، سبعًا، قال: فقرأتُ، فختمت ليلة سبع وعشرين.
روي عن الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس: كان يقرأ خمس آيات، ست آياتٍ.
فكلامُ أحمد يدل على أنه في القراءة: يراعي حال المأمومين، فلا يشق عليهم، وقاله غيره من الفقهاء.
وروى أهل السنن عن أبي ذر ﵁ أن رسول
стр. 36
الله ﷺ لما قام بهم إلى ثُلُثِ الليل، ومرةً إلى نصفِ الليل قالوا: لو نفَّلتنا بقية ليلتنا؟ فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف: كُتب له بقيةُ ليلته» .
فدل: على أن قيام ثُلُثِ الليل أو نصفه يُكتبُ به قيامُ ليلةٍ، لكن مع الإمام. وكان أحمد يأخذ بهذا الحديث، ولا ينصرفُ حتى ينصرف الإمام. وقال بعضُ السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل.
وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة يةٍ كُتب من القانتين، ومن قام بألف كُتب من المقنطرين» رواه أبو داود. ويروى من حديث تميمٍ وأنس مرفوعًا: «من قرأ بمائة آيةٍ كتب له قيامُ ليلة» وفيهما ضعف.
ومن أراد أن يزيد في القراءة ويُطيل، وكان يصلي لنفسه، فليطول ما شاء، وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته. وكان بعض السلف: يختمُ في قيام رمضان، في كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم في كل سبعٍ، وبعضُهم في كلِّ عشرٍ.
فصل
والتراويحُ سنةٌ، وفعلها جماعةٌ أفضلُ. وفعلُ الصحابة لها مشهورٌ. وتلقته الأمةُ عنهم خلفًا بعد سلفٍ. روى أبو بكر عبد العزيز عن ابن عباس ﵄: «أنه ﷺ كان
стр. 37
يصلي في شهر رمضان عشرين ركعةً» .
قال الشيخ تقي الدين ﵀: له أن يُصلِّي عشرين، كما هو المشهورُ في مذهب أحمد، والشافعي؛ وله أن يصلي ستًا وثلاثين، كما هو مذهب مالك؛ وله أن يصلي إحدى عشرة، وثلاث عشرة وكلٌّ حسنٌ، فيكون تكثيرُ الركعات، أو تقليلُها، بحسب طول القيام وقصره.
وعمرُ ﵁ لما جمع الناس على أُبيٍّ: صلى بهم عشرين ركعة؛ والصحابةُ ﵃: منه من يُقلُّ، ومنهم من يكثرُ، والحدُّ المحدود: لا نصَّ عليه من الشارع صحيحٌ.
وكثير من الأئمة في الترايوح: يصلُّون صلاةً لا يعقلونها، ولا يطمئون في الركوع ولا في السجود، والطمأنينة ركن؛ والمطلوب في الصلاة: حضور القلب بين يدي الله تعالى، واتعاظه بكلام الله إذا يتلى عليه، وهذا لا يحصل في العجلة، فتقصير القراءة مع الخشوع في الركوع والسجود، أولى من طول القراءة مع العجلة المكروهة.
وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة، أولى من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة، لأن لُبَّ الصلاة وروحها: هو إقبالُ القلب على الله ، ورب قليل خير من كثير، وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة والسرعة
стр. 38
المباحة، هي: التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف فإن أسقط بعض الحروف، لأجل السرعة لم يجز ذلك له،
وينهى عنه. وأما إذا قرأ قراءة بيِّنة، ينتفع بها المصلون خلفه فحسنٌ.
وقد ذم الله الذين يقرؤون القرآن بلا فهم معناه؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي تلاوة بلا فهم، والمراد من إنزال القرآن: فَهْمُ معانيه، والعمل به، لا مجردُ التلاوة.
ويستحب تحسينُ صوته بالقراءة، لما روى أبو داود وغيرهُ: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» .
كان الزهري ﵀ يقول إذا دخل رمضان: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
قال ابن عبد الحكم: كان مالكٌ إذا دخل رمضانُ، يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن، من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان الثوريُّ إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على تلاوة القرآن. وقال سفيانُ: كان زيد الياميُّ إذا حضر رمضان، أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه.
كان السلف: يقبول على تلاوة القرآن في رمضان،
فمنهم من يختم في كل سبع، ومنهم في ثلاثٍ، ومنهم في
стр. 39
ليلتين، ومنهم في العشر الأواخر من كلِّ ليلة، وما ورد من النهي في أقل من ثلاثٍ فهو محمول على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي تطلب فيها ليلةُ القدر، وفي الأماكن الفاضلة: فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان. وهو قول أحمد وغيره. وعليه يدل عمل غيرهم.
وقال ﷺ : «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي شفيعًا لأصحابه يوم القيامة» ، وروى الترمذي عن أبي مسعود مرفوعًا: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألفٌ حرف ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرف» فكيف هذا مع المضاعفة في شهر رمضان؟
وعن ابن عمر مرفوعًا: «يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية» رواه الترمذيُّ. ولأحمد نحوه عن أبي سعيد: «ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر آية منه» .
واعلم أن المؤمن، يجتمعُ له في شهر رمضان جهادان: جهادٌ لنفسه بالنهار على الصيام، وجهادٌ بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وفِّي أجرُه بغير حساب.
قال كعبٌ: ينادي يوم القيامة منادٍ: إن كلَّ حارث يُعطى بحرثه ويزادُ، غير أهل القرآن والصيام، فيعطون أجورهم
стр. 40
بغير حساب. ويشفعان له عند الله ، كما في المسند عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : «الصيام والقيام: يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب، والشهوات المحرمات بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه فيشفعان» .
فالصيام يشفع لمن منعه المحرمات كلَّها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، يقول يا رب منعتُه شهواته فشفعني فيه، وأما من ضيَّع صيامهُ، ولم يمنعه مما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يُضرب به وجهُ صاحبه، ويقولُ له: ضيعك الله كما ضيعتني.
قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شُمَّ رأسه. قال: أجد في رأسه القرآن.
فيقال شم قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصيام. فيقال: شُم قدميه. فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه حفظه الله.
وكذلك القرآن: إنما يشفع لمن منعه النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن، وقام به، فقد قام بحقّه، فيشفع له. وقد ذكر النبي ﷺ رجلاً فقال: «ذلك لا يتوسَّدُ القرآن» أي لا ينامُ عليه، فيصير له كالوسادة.
وروى أحمد من حديث بُريدة مرفوعًا: «إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشقُّ عنه قبرهُ، كالرجل الشاحب-