Полный текст (171 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمات
مقدمة الكتاب
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طبيًا طاهرًا مباركًا فيه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك، تباركتَ تعاليتَ، ذا الجلال والإكرام.
لك الحمد الدائم السرمد، حمدًا لا يحصيه العدد، ولا يقطعه الأبد، كما ينبغي لك أن تحمد، وكما أنت له أهل، وكما هو لك علينا حق.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
وبعد ...
فهذا كتاب "العمدة" في مشخية شُهْدَة بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الديِّنَوَرِي الإِبَرِي، وكما قال الذهبي: الجِهَة، المُعَمَّرة، الكاتبة، مسندة العراق فخر النساء١.
وهذا الكتاب -كما يبدو من قراءته- يهدف إلى أمور هامة، بعضها عام، بعضها خاص:
١- فهو في حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جملته وتبليغه، تيمنًا بقول الرسول ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا، فبلغه كما سمع، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع" ٢.
الحواشي
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٢٠/ ٥٤٢" ترجمة رقم "٣٤٤"، ومعنى الجهة: سيدة القوم.
٢ ت "٥/ ٣٤" " ٤٢" كتاب العلم "٧" باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع من طريق محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.стр. 2
٢- وهو -وهذا خاص- في بيان ما روته هذه المحدِّثة الفضلى عن بعض شيوخها، وهذا ما يسمى "بالمشيخة"، وإذا كانت هذه المشيخات كثيرة للرجال؛ كمشيخة ابن طهمان، ومشيخة ابن الجوزي وغيرهما، فمشيخات النساء المحدِّثات قليلة؛ بل نادرة، وهذا الكتاب منها.
والمشيخات تدل على مدى العناية بحديث رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم- وهي تدل كذلك على اتصال الأسانيد في كل عصر؛ في الحديث عامة، وفي الكتب خاصة؛ إذ يُنْقَل هذا وذاك جيلًا عن جيل؛ بحيث تستمر هذه الخصيصة للأمة المحمدية؛ اتصال أسانيد علمها وعلمائها.
والمشيخات مظهر من مظاهر هذا الاتصال، وقد قامت صاحبة هذه المشيخة بجهد وافر في هذين المجالين:
فالشيوخ الذين روت عنهم شُهْدَة هم من أصحاب المصنفات، وقد أعطتنا في هذه المشيخة نماذج من حديث هؤلاء الذي أودعوه في كتبهم.
٣- ومن فوائد هذا الكتاب وأهدافه: تقديم الأسانيد العالية، فشهدة قد عُمِّرت حتى قاربت المائة -كما يقول الذهبي وغيره- حتى ألحقت الصغار بالكبار؛ أي: تساوى الصغار مع الكبار في أخذ الأحاديث عن الشيوخ نتيجة لعلو أسانيدها١.
وما من شيخ من الشيوخ الذين أخذت عنهم إلا وعُمِّر في الغالب الأعم، وكانت تبين هذا في إثبات التاريخ الذي أخذه الشيخ عن الآخر، فهذه زيادة توثيق، وهو أيضًا بيان لعلو الإسناد.
ومن أمثلة علو الإسناد في هذه المشيخة أن إسناد شهدة علا حتى تساوى
الحواشي
(١) ١ وفيات الأعيان لابن خلكان "٢/ ٤٧٧".стр. 3
بمسلم -رحمة الله عليه- وهو في القرن الثالث، وهي في القرن السادس. "انظر رقم ٤٣ من هذه المشيخة".
وكانت تبين ذلك أحيانًا وتترك للقارئ -وهو متخصص غالبًا- أن يتنبه إلى ذلك.
والإسناد العالي إذا كان رواته موثَّقين -ورجال شهدة كذلك- فيه شرف الاقتراب من رسول لله ﷺ وكثير من الفوائد الأخرى التي بينتها كتب علوم الحديث.
٤- ومن أهداف هذه المشيخة وفوائدها: تقديم طائفة من العلم النبوي الشريف، من حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فغالب أحاديث هذا الكتاب صحيحة، وهي إما متفق عليها؛ أخرجها الشيخان أو أخرجها أحدهما، أو هي على شرط أحدهما.
وهي تبين ذلك في آخر كل حديث، وتبين من الفوائد الحديثية التي تكون في الإسناد أو المتن.
ترجمة شُهْدَة:
ويجدر بنا أن نقدم ترجمة لهذه العالمة الفضلى تضفي عليها وعلى كتابها هذا وضوحًا وبيانًا:
هي -كما قال الذهبي- بنت المحدث أبي نصر أحمد بن الفجر الدينوري الإبَرِيّ "نسبة إلى عمل الإبر"١، وهو من مشاهير بغداد ومحدثيها٢، وقد قدمنا له ترجمة في التعليق على الحديث رقم "١٠٢".
وأبوها له تأثير واضح على شهدة؛ فقد أسمعها الحديث وهي بنت ثماني سنوات، فهي تقول في الحديث رقم "١٠٢": إنه أسمعها في سنة تسعين وأربعمائة، وهي قد ولدت ببغداد سنة "٤٨٢هـ"، فتكون سنها حنيئذ ثماني سنوات؛ بل وقد أجيز لها وهي أقل من هذه السن "انظر رقم ٩٦".
الحواشي
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٢٠/ ٥٤٢".
٢ الأنساب للسمعاني "١/ ١١٨".стр. 4
وبفضل دعائه لها، وبركته -كما تقول- وعت في هذه السن، وسجلت كثيرًا من السماعات في مشيختها هذه في تلك السن.
وما زالت تَسْمَعُ وتُسْمِعُ إلى أن توفيت سنة "٥٧٤"١، وقد قاربت المائة.
سمعت من: أبي الْخَطَّابِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ البَطِر٢ القارئ المحدث "٤٩٤هـ"، وأبي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بن طلحة النَّعَّالي، وطِرَاد بن محمد الزينبي -وهو أكثير شيوخها رواية في هذه المشيخة وقد ابتدأت به- وغيرهم مثل: أبي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أيوب، وأبي الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بن يوسف، وفخر الإسلام أبي بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الحسين الشاشي، وطلحة بن محمد الزينبي، وثابت بن بندار، وجعفر السَّرَّاج، وغيرهم كثيرًا، مما هو ثابت في هذه المشيخة وما ليس فيها، وكل هؤلاء من أكابر علماء عصرها.
وحدث عنها: ابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي، وعبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرهاوي، وابن الأخضر - مُخَرِّج هذه المشيخة- والشيخ الموفق، والشيخ العماد، الشهاب بن راجح، والبهاء بن عبد الرحمن، والفخر الإربِلِي، وتاج الدين عبد الله بن حَمُّويه، وأعز بن العُلَّيْق، وإبراهيم بن الخَيِّر، وبهاء الدين بن الجميزي، ومحمد بن المنِّي، وأبو القاسم بن قميرة، وخلق كثير٣، وآخر من رَوى عنها ابن قميرة، وتوفي سنة ستين وخمسمائة؛ أي: بين وفاتيهما ستة وثمانون عامًا٤.
الحواشي
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٢٠/ ٥٤٣".
٢ ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٩/ ٤٦-٤٨" قال: الشيخ المقرئ الفاضل، مسند العراق، أَبُو الْخَطَّابِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَطِرِ البغدادي البزاز القارئ، ولقد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ... قال ابن سُكَّرَة: شيخ مستور ثقة ... وقال السمعاني: وكان صالحًا صدوقًا، صحيح السماع، وهو آخر من حدث عن ابن البَيَّع وابن رِزْقويه وابن بِشْرَان.
مات سنة "٤٩٤" وله ست وتسعون سنة.
٣ سير أعلام النبلاء "٢٠/ ٥٤٢" وابن الدبيثي، انظر هامش تكملة الإكمال "٨٤".
٤ هامش تكملة الإكمال ص٨٤، ٨٥، وقيل: إن آخر من حدَّث عنها بالإجازة محمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي.стр. 5
مكانتها:
وأثنَى عليها العلماء كمحدِّثة عالمة، قال ابن نقطة: سماعها صحيح١.
وقال الشيخ الموفق: انتهى إليها إسناد بغداد، وعُمِّرَت حتى ألحقت الصغار بالكبار "أي: بأسانيدها العالية".
وقال ابن الجوزي: عاشت مخالطة العلماء. وقرئ عليها الحديث سنين٢.
ولقبها الذهبي "بمسندة العراق"، وابن الدبيثي "بأسند أهل زمانها"، وقال: وكان سماعها صحيحًا.
وقال ابن العماد: "المُسْنِدَة، فخر النساء، كانت ديِّنَة عابدة صالحة، سمعها أبوها الكثير، وصارت مسندة العراق"٣.
ومن مكانتها عند العلماء أنهم اعتمدوا عليها في رواية الكتب؛ ومن ذلك كتاب "الأموال لأبي عُبيد"؛ ففي أوله: "قرئ على الشيخة الصالحة الكاتبة فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج عن عمر الإبري الدينوري بمنزلها ببغداد في الحادي عشر من شعبان سنة أربع ستين وخمسمائة، أخبركم النقيب الكامل أَبُو الْفَوَارِسِ طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدِ بن علي الزينبي في ثاني ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعِينَ وأربعمائة"٤.
وهذه هي السنة التي أسمعها أبوها الحديث، وكان عندها ثماني سنوات من عمرها، ثم سُمِعَ منها بعد أربع وسبعين سنة من سماعها له من شيخها طراد، وهذا ما يؤدي إلى العلو في الإسناد، وإلحاق الصغار بالكبار، كما قال العلماء عنها.
كما روت كتبًا لابن أبي الدنيا؛ منها كتاب الشكر له، ففيه: "حدثنا الشيخ الفقيه الإمام الأجل العالم العامل، الصالح المتقن، بقية السلف الصالح،
الحواشي
(١) ١ التقييد "ص٥٠١".
٢ المنتظم "١٠/ ٢٨٨".
٣ شذارت الذهب "٤/ ٢٤٨".
٤ الأموال "ص٩".стр. 6
أبو الحسن علي بن خلف بن معزوز بن فتوح المالكي التلمساني، المعروف بالكومي -أدام الله توفيقه- قراءة مني عليه بمصر ... قال الكومي: وقرئ على الشيخة العالمة فخر النساء شهدة بن أبي نصر أَحْمَد بْن الفرج بْن عمر الإبري ﵂ وأنا أسمع أخبركم أبو الحسن أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ محمد بن يوسف في رمضان سنة تسعين وأربعمائة ... "١.
ويلاحظ أنها سمعت هذا الكتاب أيضًا وهي بنت ثماني سنوات تقريبًا، وهي السنة نفسها التي سمعت فيها من أبيها، والتي سمعت فيها كتاب الأموال لأبي عبيد.
وروت أيضًا كتاب الصمت وآداب اللسان له. ففي إسناده: "أخبرنا الشيخ الصالح المُعَمَّر أبو الحسن بن أبي عبد الله بن المقَيِّر البغدادي الحنبلي، قراءة عليه، وأنا أسمع، قيل له: أخبرتكم الشيخة الكاتبة فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن أبي الفرج الإبري قراءة عليها وأنت تسمع"٢.
ويقول ابن نقطة: ولها رواية في مسند مُسدَّد عن ثابت بن بندار٣.
وروت أيضًا مصارع العشاق لابن السراج، وذم المسكر، واليقين، وكتاب محاسبة النفس والإزراء، والفرج بعد الشدة، وكلها لابن أبي الدنيا.
وروت وسمعت من أبي الْفَوَارِسِ طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي الزينبي كتاب الوجد والوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنيا، وستة مجالس من أمالي أبي جعفر البختري، والجزء الأول من الفوائد المنتقاة والغرائب الحسان العوالي تخريج أبي الفتح بن أبي الفوارس.
وروت وسمعت من الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي الجزء الثاني والرابع من أمالي الحسين بن إسماعيل المحاملي، والجزء الثالث من كتاب الديباج لإسحاق بن إبراهيم الختلي، والجزء الأول من كتاب الجامع عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وروت عن الحسين بن أحمد الباقلاني الجزء الثاني والخامس من
الحواشي
(١) ١ كتاب الشكر "ص٦١، ٦٣، ٦٤".
٢ كتاب الصمت، وآداب اللسان "ص١٧١".
٣ التقييد "ص٥٠١".стр. 7
منتقى حديث الحسين بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ.
وسمعت من الحسن بن أحمد الدقاق الجزء الأول من غرائب حديث مالك بن أنس. وروت عن جعفر بن أحمد السراج جزءًا من كرامات الأولياء للحسن الخلال، وحضرت على إبراهيم بن عثمان بن يوسف الكاشغري الجزء الثالث والرابع من مشيخة يعقوب بن سفيان.
وروت وسمعت من أبي المعالي ثابت بن بندار البقال جزءًا فيه قراءات النَّبِيُّ ﷺ وقطعة من كتاب الخيل. وسمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد البطرواني الجزء السادس من أمالي المحاملي.
وروت الجزء الرابع من حديث أبي سهل أحمد القطان عن الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن شاذان عن العلاف كتاب التصديق بالنظر إلى الله وما أعد لأوليائه لمحمد الآجري، وعن عبد الرحمن بن نجم الحنبلي الجزء الثاني من حديث المحاملي.
وروى عنها ابن الجوزي كتاب التصديق بالنظر إلى الله -عز جل- وما أعد لأوليائه لمحمد الآجري، وسمع منها علي بن هبة الله الشافعي الجزء الأول من غرائب حديث مالك بن أنس، وعبد الله بن عمر بن أبي بكر المقدسي الجزء الخامس من المنتقى من حديث ابن شاذان، والحسن بن عمر بن نصر الجزء الأول والرابع من أمالي المحاملي، وروى عنها عبد الرحمن بن عبد الوهاب الحنبلي الجزء الرابع من أمالي المحاملي. وسمع عليها يونس بن سعيد بن مسافر بن جميل القطان المقري كتاب محاسبة النفس لابن أبي الدنيا. ويحيى بن أبي السعود بن القميرة التاجر كتاب الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا. وروى عنها عبد اللطيف بن محمد سبط التعاويذي ستة مجالس من أمالي البختري وضوء الصباح عجيبة بنت الباقداري كتاب الوجد والوجل لابن أبي الدنيا. وسمع منها بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي كتاب ذم المسكر لابن أبي الدنيا، وعثمان بن أبي نصر بن منصور الواعظ المسعودي، ومحمد بن إبراهيم الإربلي جزءًا من حديث القطان، وأبو بكر عبد الله الرياني المتوفَّى سنة ٦٢٧هـ.
وروت كتاب المحبة لله لإبراهيم بن عبد لله بن الجنيد
стр. 8
الختلي، والجزء التاسع من فوائد عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الله الدقاق، والجزء الثاني من حديث محمد بن عبد بن خلف الدقاق عن شيوخه، وحديث الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ القطان عن شيوخه.
كما روت مشيخة ابن شاذان الكبرى، وهو الحافظ أبو علي الحسين بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شاذان البزاز، وهي ترويها عن أبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني، عن أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بن إبراهيم بن شاذان، وقد سجلت منها بعض هذه المرويات في هذا الكتاب "٦٧-٧٠"١.
وكل هذا وغيره يعطينا مدى إسهامها في أداء حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كما يعطينا هنا مدى ثقة العلماء بها، وبما عندها من العلم، فنقلوه عنها.
ونلحظ هنا أنها لقبت بالكاتبة، وكما يقول ابن الجوزي: كان لها خط حسن٢، وتحلت مع ذلك بالدين والصلاح والأخلاق الفاضلة والأعمال البارَّة الخيِّرة. قال ابن الجوزي: كان لها بِرٌّ وخير٣. وقال ابن الدبيثي: امرأة جليلة صالحة، ذات دين وورع وعبادة٤.
وظلت كذلك إلا أن توفيت ببغداد سنة أربع وسبعين وخمسمائة، في ليلة الإثنين رابع عشر المحرم كما أرَّخ ذلك لها تلميذها أبو الفرج بن الجوزي، وقال: وصلى عليها بجامع القصر، وأزيل شباك المقصورة لأجلها، وحضرها خلق كثير، وعامة العلماء، ودفنت بمقبرة باب أبرز٥.
والمُحَدِّثة العالمة شهدة وغيرها يعطين مثلًا رائعًا وقدوة حسنة صالحة للسيدات المسلمات؛ كي يسهمن في رواية الحديث النبوي، ونقل العلم الإلهي، مثلهن في ذلك مثل الرجال سواء بسواء؛ كي تستقيم الحياة بما يحملن من هدى
الحواشي
(١) ١ أعلام النساء "٢/ ٣٠٩-٣١٢".
٢ فهرس الفهارس "٢/ ٦٢٦".
٣ المنتظم "١٠/ ٢٨٨"، ومشيخة ابن الجوزي "٢٠٢".
٤ هامش تكملة الإكمال "ص٨٤".
٥ المنتظم "١٠/ ٢٨٨"، ومشيخة ابن الجوزي، وفيه "بيرز" بدل "أبرز".стр. 9
نبوي كريم للنشء والأجيال، فتأثيرهن كبير في هذا الشأن.
تعريف بالكتاب:
والكتاب -كما قلنا- هو في مشيختها، خرَّجه في حياتها تلميذها عبد العزيز بن محمود بن المبارك بن الأخضر أبو محمد الحافظ، وهو من الحفاظ المكثرين الأثبات المأمونين، وهو واسع الرواية، صحيح الأصول، بيَّن ذلك ابن نُقْطَة، ثم قال: منه تعلمنا واستفدنا وما رأينا مثله١.
وكان مولده سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وتوفي في سادس شوال من سنة إحدى عشرة وستمائة.
وكان هذا التخريج في حياة شهدة بدليل أن الكتاب سمع عليها ونقله غير ابن الأخضر -كما يتضح من الإسناد- ومن صفحة العنوان: رواية شمس الدين عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّشِيدِ بْنِ علي بن بُنيمان "٥٤٨-٦٢٤" فقد قرأه عليها في حياتها، وكما يتضح من السماع بآخر هذه المشيخة.
وتبلغ هذه المشيخة "١١٤" رواية، جُلُّها أحاديث مرفوعة، والقليل منها موقوف على الصحابة، أو بعض التابعين، أو تابعي التابعين.
وتأتي لكل شيخ من شيوخها بروايات تختلف قلة وكثرة من شيخ إلى شيخ، وأكثر الروايات عن طِرَاد الزينبي التي ابتدأت به؛ إذ بلغت الروايات عنه إحدى عشرة رواية.
ومجموع شيوخها هنا "٢٧" شيخًا.
وغالبًا ما تعقب على الحديث بذكر من أخرجه من الصحيحين، أو تبين درجته وعلو إسناده.
والمخطوط الذي اعتمدت عليه في تحقيق الكتاب هو في مكتبة كوبريلي
الحواشي
(١) ١ التقييد "ص٣٦٤".стр. 10
بتركيا، ويتكون من "٣٦" لوحة ومسطرته "١٧" سطرًا، وفي كل سطر ثنتا عشرة كلمة تقريبًا، وهو بخط النسخ.
وفي الصفحة الأولى من المخطوط بعد العنوان ما يبين أن هذه النسخة هي ملك لأبي محمد عبد الرحيم بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الزجاج المقري عفيف الدين١، وكانت قراءته لها على أبي مظفر النهراوني بحضور جماعة في يوم الأحد ثالث عشر من جمادى الآخرة من سنة سبع وأربعين وستمائة بمسجد الشيخ بالمأمونية.
هذا يوضح أن هذه النسخة كُتبت في حياة هذا الشيخ أو قبله، وهو عاش ما بين "٦١٢-٦٨٥"، ولا يستبعد أنها كتبت في حياة شهدة نفسها. والله أعلم.
وفي هذا المخطوط ما يدل على صحة نسبته إلى شهدة، فقد روت شهدة معظم نسخة جعفر بن نسطور الرومي في هذه المشيخة "أرقام ٩٦-١٠١". وقال ابن حجر في الإصابة عندما تكلم عن هذه النسخة: "وسمعت من حديثه أيضًا -أي: حديث جعفر بن نسطور- في آخر مشيخة شهدة بنت الإبري" "الإصابة ١/ ٥٥١". وكذلك ذكرها في لسان الميزان، وساق حديث جعفر الذي يرويه منها.
وقد ذكر الشيخ عبد الحي الكتاني هذا الكتاب وسنده إليه، فقال: "مشيخة شهدة الكاتبة: هي ست الكتبة بنت أحمد، تخريج أبي محمد بن الأخضر، به -أي: بسنده الذي ذكره في أول كتاب فهرس الفهارس- إلى السيوطي، عن البُلْقِيني، عن أبي إسحاق التنوخي، عن المزي، عن ست الأهل بنت علوان، عن البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، عن شهدة بنت أحمد بن عمر. "ح" وبأسانيدنا إلى الحجار، عن أبي الفضل عبد العزيز بن داود الزاهد عنها "فهرس الفهارس ٢/ ٦٥٥".
أقول: أروي عن الشيخ عبد الحي الكتاني هذا الكتاب وغيره بالإجازة عن
الحواشي
(١) ١ شذرات الذهب "٥/ ٣٩١" وفيه: "فقيه حنبلي زاهد، سني، أثري، عارف بمذهب أحمد، ولد سنة اثنتي عشرة وستمائة، وتوفي سنة ٦٨٥".стр. 11
شيخي محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عنه، وعن غيره عنه. والله الموفق.
عملي في هذا المخطوط:
واتبعتُ في تحقيق هذا المخطوط الخطوات التالية:
١- نسخت المخطوط ورقَّمت رواياته، وقد بلغت "١١٤" رواية كما ذكرت.
٢- خرجت هذه الروايات بقدر الطاقة، وقد روعي في هذا التخريج أن يتبين منه ما إذا كان الحديث صحيحًا أو غير صحيح، وبحمد الله تعالى فإن معظم الأحاديث في البخاري ومسلم أو في أحدهما.
٣- قد تكون الرواية التي ساقتها شهدة مختصرة، فأجتهد في إثباتها كاملة من كتب التخريج، وأثبت ذلك في الهامش بطبيعة الحال.
٤- أُعقِّب بشرح للحديث أو بيان أحكامه بقدر الطاقة تتميمًا لفائدة الكتاب -إن شاء الله تعالى- وذلك من كتب شروح الحديث وغيرها.
هذا وقد ساق الله نسخة أخرى لهذه المشيخة؛ ولكنها منقولة عن أصل لا أعرف مصدره وكثيرة الأخطاء وناقصة قليلًا من أولها وكثيرًا من آخرها؛ ولكنها أفادت في التنبيه على بعض ما أبهم في النسخة الأصل، ورمزت لها بـ"ب".
نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما فيه رضاه، وأن يغفر زلاتنا، ويقيل عثراتنا، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
القاهرة في: ٢٥ من ربيع أول ١٤١٤هـ
١٢ من سبتمبر ١٩٩٣م
الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب
أبو شهبة
стр. 12
المخطوطات:
стр. 13
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١] أخبرنا القاضي الإمام العالم أَقْضَى الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّشِيدِ بن علي بُنَيْمَان١ بِالْمَوْصِلِ، قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلاةِ سَلْخَ شهر الله رجب من سنة ستمائة، قراءة عليه هو يَسْمَعُ، قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَتْكُمْ شُهدة بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الإِبَرِيُّ.
[الشيخ الأول] :
قَالَتْ: أنا الشَّرِيفُ أَبُو الْفَوَارِسِ طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدِ بن علي الزَّيْنَبي٢ بقراءة
الحواشي
(١) [١] خ "٢/ ٤٢٤" "٥٩" كتاب بدء الخلق - "٦" باب ذكر الملائكة - من طريق الحسن بن الربيع عن أبي الأحوص عن الأعمش به.
م "٤/ ٢٠٣٦" "٤٦" كتاب القدر - "١" باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاته وسعادته - من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وغيره، عن أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش به.
١ انظر ترجمته في التكملة لوفيات النقلة (٣/ ١١٧، ١١٨) وفيه: "الهمذاني المقرئ الحداد سبط الحافظ أبي العلاء الهمذاني، بتُسْتَر، ودفن بها، قرأ القرآن الكريم على جده لأمه الحافظ أبي العلاء بهمذان، وسمع بها من أبي الخير محمد بن أحمد الباغبان، وجده أبي العلاء، وحضر أبا الوقت عبد الأول بن عيسى السِّجْزِي، ودخل بغداد في صباه وتفقه بها بالمدرسة النظامية على مذهب الإمام الشافعي ﵁ على أبي الخير أحمد بن إسماعيل القَزْوِيني، وسمع منه، واستملى عليه. وسمع أيضًا من أبي الفرج محمد بن أحمد بن نبهان، وأبي الفتح عبيد الله بن شاتيل، وأبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزَّاز، وأبي حفص عمر بن أبي بكر بن التبان، وجماعة كبيرة. ومضى إلى الشام، وإلى ديار مصر، وكتب في سفره هذا عن جماعة، وعاد إلى همذان، وتولى القضاء بها من الديوان العزيز -مجده الله تعالى- وقدم بغداد وتولى أيضًا قضاء الجانب الغربي منها، ثم توجه إلى تستر وولي القضاء بها سكنها إلى حين وفاته".
وحدَّث ببغداد، وغيرها.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بهمذان، وتوفي سنة ٦٢١ في التاسع والعشرين من صفر منها.
٢ هو طراد بن محمد بن علي بن حسن بن محمد، قال الذهبي: الإمام الأنبل، مسند العراق، نقيب النقباء، الكاملُ، أبو الفوارس بن أبي الحسن القرشي، الهاشمي، العباسي، الزينبي، البغدادي.
ولد سنة ثمان وتسعين، وسمع أبا نصر بن حسنُون النَّرْسي، وأبا الحسن بن رِزْقويه، وهلالًا الحفار، وأبا الحسين بن بِشْران، والحسين بن بَرْهان، وأبا الفرج بن المسلمة، وأبا الحسن بن الحمَّامي، وطائفة، وأملى مجالس عدة، وخُرِّج له "العوالي" المشهورة، و"فضائل الصحابة". =стр. 14
الْبَلْخِيِّ، وَأَجَازَ لِي فِي سَنَةِ تسعين وأربعمائة، وَأَنَا أَسْمَعُ، أنا الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قِرَاءَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ثنا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الدَّقَّاقُ إِمْلاءً، نا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ، سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، ثنا الأَعْمَشُ، نا زَيْدُ١ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه سلم- وهو الصادق المصدوق٢:
الحواشي
(١) = حدث عنه ولداه: علي الوزير، ومحمد، وابن ناصر، وعمر بن عبد الله الحربي، وأحمد بن المقرب، ويحيى بن ثابت، وشهدة الكاتبة، وكمال بنت أبي محمد السمرقندي، وعمها إسماعيل، وهبة الله بن طاوس، وتَجَنِّي الوهبانية، وأبو الكرام الشَّهْرَزُوري، وعبد الله بن علي الطامَذِي الأصبهاني، وخلق، آخرهم موتًا خطيب الموصل أبو الفضل الطوسي.
قال السمعاني: ساد الدهر رتبة، وعلوًّا، وفضلًا، ورأيًا، وشهامة، ولي نقابة البصرة، ثم بغداد، ومُتِّعَ بسمعه وبصره وقوته، وترسل عن الديوان، فحدث بأصبهان، وكان يحضر مجلس إملائه جميع أهل العلم، لم يُرَ ببغداد مثل مجالسه بعد القَطيعي. وقد أملى بمكة سنة تسع وثمانين وبالمدينة، وألحق الصغار بالكبار.
قال أبو علي بن سُكَّرة: كان أعلى أهل بغداد منزلة عند الخليفة.
وقال السلفي: كان حنفيًّا من جِلَّة الناس وكبرائهم، ثقة، ثبتًا، لم ألحقه.
مات في سلخ شوال، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ودفن بداره حولًا، ثم نُقل. "سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٧-٣٩".
وقال السلفي في الوجيز "ص٧٧": ولم أرَ ببغداد من أهل العلم أجل رتبة منه، ولم يكن يتقدم عليه أحد في مجلس الخليفة. وكان جليل القدر والخطر متواضعًا إلى غاية.
١ في الأصل: يزيد، وهو خطأ، والتصحيح من كتب التخريج ومن كتب الرواة.
٢ الصادق المصدوق معناه: الصادق في قوله، المصدوق فيما يأتي من الوحي الكريم.
قال في شرح المشكاة: الأولى أن تجعل الجملة اعتراضية لا حالية؛ لتعم الأحوال كلها، وأن يكون من عادته ودأبه ذلك، فما أحسن موقعها! وقال الحافظ في الفتح: الصادق معناه: المخبر بالقول الحق، وتطلق على الفعل، يقال: صدق القتال، وهو صادق فيه، والمصدوق معناه: الذي يُصدق له في القول، يقال: صدقته الحديث، إذا أخبرته به إخبارًا جازمًا، أو معناه: الذي صدقه الله تعالى وعده.стр. 15
"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجمع خلقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا -أَوْ قَالَ: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً- ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرسِل اللَّهُ الملَك، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ".
قَالَ: "فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ، وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فيُختم لَهُ بِعَمَلِ النَّارِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فيُختم لَهُ بِعَمَلِ الْجَنَّةِ، فيكون من أهلها"١.
الحواشي
(١) ١ في الحديث أن الأعمال -حسنها وسيئها- أمارات، وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر في الابتداء، وفيه القسم على الخبر الصدق تأكيدًا في نفس السامع.
وفيه التنبيه على صدق البعث بعد الموت؛ لأن مَن قدر على خلق الشخص من ماء مهين، ثم نقله إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم ينفخ فيه الروح، قادر على نفخ الروح بعد أن يصير ترابًا، ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها. ولقد كان قادرًا على أن يخلقه دَفْعَةً واحدة؛ ولكن اقتضت الحكمة بنقله في الأطوار رفقًا بالأم؛ لأنها لم تكن معتادة، فكانت المشقة تعظم عليها، فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل. وإذا تأمل الإنسان في أصل خلقه من نطفة، وتنقله في تلك الأطوار إلى أن صار إنسانًا جميل الصورة، مفضلًا بالعقل والفَهْم والنطق كان حقًّا عليه أن يشكر من أنشأه وهيأه، ويعبده حق عبادته، ويطيعه ولا يعصيه.
وفيه الحث على الاستعاذة من سوء الخاتمة، وقد عمل به جمع جم من السلف وأئمة الخلف.
وفيه أن الله يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة.
وفيه أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات بمعنى أنه خالقها ومقدرها لا أنه يحبها يرضاها.
وفيه أن الأقدار غالبة، فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال؛ ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وبحسن الخاتمة.
وقال ابن رجب في شرح الجزء الأخير من الحديث:
وقد رُوي هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه سلم- من وجوه متعددة، وخرَّجه الطبراني من حديث علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ وزاد فيه: "صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، وقد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم فتستنقذهم، وقد يسلك بأهل الشقاوة طريق أهل السعادة =стр. 16
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدٍ أَبِي سُلَيْمَانَ الجهني.
الحواشي
(١) = حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم الشقاة، من كتبه الله سعيدًا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يسعده قبل موته ولو بفواق ناقة"، ثم قال: "الأعمال بخواتيمها، الأعمال بخواتيهما".
وخرج البزار في مسنده بهذا المعنى أيضًا من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ .
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يدع شاذة وفاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ : "هو من أهل النار"، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه فاتبعه، فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستجعل الموت، فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله، وقص عليه القصة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة". زاد البخاري رواية: "إنما الأعمال بالخواتيم".
وقوله: "فيما يبدو للناس" إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره فتوجب له حسن الخاتمة.
قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلًا عن الموت يلقن الشهادة "لا إله إلا الله"، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعته.
وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق، فكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق، وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟ وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟
وبكى بعض الصحابة عند موته فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى قبض خلقه قبضتين فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، ولا أدري في أي القبضتين كنت؟ "، فقال بعض السلف: ما أبكى العيون وما أبكاها الكتاب السابق.
وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا أفرح أبدًا. وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًّا، ويبكي ويقول: أخاف أن أسلَب الإيمان عند الموت.
وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضًا على لحيته ويقول: يا رب، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدراين منزل مالك؟
وقال حاتم الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء:
الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان.
والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملَك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء.
والثالث: ذكر هول المطلع، فلا يدري أيُبَشَّر برضا الله أم بسخطه.
والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتًا، فلا يدري أي الطريقين يسلك به.
وقال سهل التستري: المريد يخاف أن يبتلى المعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر. ومن هنا كان =стр. 17
[٢] أَخْبَرَنَا طِرَاد، نا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَان السُّكَّرِي المُعَدِّل، أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّار قِرَاءَةً في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، أنا أحمد بن منصور، ونا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إني بَنِي أَبِي سَلَمَةَ فِي حَجْرِي١، ليس لَهُمْ شَيْءٌ إِلا مَا أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ، أَفَلِي أَجْرٌ إِنْ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ لَكِ أَجْرَ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ".
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَنْ عَبْدِ الرزاق.
الحواشي
(١) = الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة، وقدكان النَّبِيُّ ﷺ يكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، ققيل له: يا نبي الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقبلها كيف شاء" خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس.
وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله، أوإن القلوب لتنقلب؟ قال: "نعم، ما من خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله فإن شاء الله أقامه وإن شاء أزاغه"، فنسأل الله ربنا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد ﷺ اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، واؤجرني من مضلات الفتن ما أحييتني"، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
وخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك".
"جامع العلوم والحكم ٦٩-٧١".
[٢] م "٢/ ٦٩٥" "١٢" كتاب الزكاة - "١٤" باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مُشْرِكِينَ - من طريق أبي أسامة، عن هشام به.
ومن طريق إسحاق بن إبراهيم وعبد الرزاق عن معمر به.
خ "٣/ ٤٢٨" "٦٩" كتاب النفقات - "١٤" باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وهل على المرأة من شيء - من طريق موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن هشام به.
١ حَجْرِي: أي كنفي وحمايتي.стр. 18
[٣] أَخْبَرَنَا طَرَّادُ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ١ قَالَ: أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، نا عَلِيُّ بن حرب، نا سفيان ابن عُيَيْنَةَ٢، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن جبير بن مُعْطِم، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمحى بِي الكفر، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي أَحْشُرُ النَّاسَ، وأنا العاقب ٣ الذي ليس بعده نَبِيٌّ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ.
[٤] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رزق البزاز٤ في شهر
الحواشي
(١) [٣] خ "٢/ ٥١٢" "٦١" كتاب المناقب - "٧" باب ما جاء في أسماء الرسول ﷺ مِنْ طريق إبراهيم من المنذر، عن معن، عن مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ محمد بن جبير به، رقم "٣٥٣٢".
م "٤/ ١٨٢٨" "٤٣" كتاب الفضائل - "٣٤" باب في أسماء النَّبِيُّ ﷺ من طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن محمد بن جبير به، رقم "١٢٤/ ٢٣٥٤".
١ له ترجمة في تاريخ بغداد "١/ ٣٥١" قال الخطيب البغدادي فيها: "كان ثقة صدوقًا كثير السماع والكتابة، وحسن الاعتقاد جميل المذهب ... وهو أول شيخ كتبت عنه".
٢ في الأصل: سفيان بن عيينة، عن محمد بن جبير بن مطعم، وسقط بينهما "الزهري"، من الكاتب كما يتبين من كتب التخريج، ومن نسخة "ب".
٣ العاقب: قال أبو عبيد: كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب؛ ولذا قيل لولد الرجل بعده: هو عقبه، وكذا آخر كل شيء. ورواه ابن وهب عن مالك قال: معنى العاقب: ختم الله به الأنبياء، وختم بمسجده هذه المساجد؛ يعني: مساجد الأنبياء.
[٤] خ "١/ ٢٠٩" "١٠" كتاب الأذان - "١١" باب أذان الأعمى - من طريق عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب به، وفيه:"ثم قال: كان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت". رقم "٦١٧".
م "٢/ ٧٦٦" "١٣" كتاب الصيام - "٨" باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام، من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وغير ذلك - من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به، رقم "٣٧/ ١٠٩٢".
وفي بعض روايات مسلم: "ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا".
قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن أم مكتوم للطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر.
٤ هو ابن رزقويه الذي سبقت ترجمته في التعليق على الحديث السابق.стр. 19
رمضان سنة إحدى عشرة وأربعمائة، نا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، نا جَدِّي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، نا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا آذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.
[٥] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ، أنا أَبُو الْفَتْحِ هِلالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سَعْدَانَ بن
الحواشي
(١) [٥] خ "١/ ٢٩٤" "١١" وكتاب الجمعة - "٣٢" باب إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين - من طريق أبي النعمان، عن حماد بن زيد به. رقم "٩٣٠".
وفي الباب الذي بعده "٣٣" باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين - من طريق علي بن عبد الله، عن سفيان، عن عمرو به. رقم "٩٣١".
م "٢/ ٥٩٦" "٧" كتاب الجمعة، "١٤" باب التحية والإمام يخطب - من طريق أبي الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد، عن حماد به. رقم "٥٤/ ٨٧٥".
كما روى مسلم عن طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي ﷺ : "أركعت ركعتين؟ " قال: لا. قال: "قم فاركعهما". رقم "٥٨/ ٨٧٥".
وروى الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح: "أن أبا سعيد الخدري دخل يوم الجمعة ومروانُ يخطب، فقام يصلي، فجاء الحرس ليُجلسوه، فأبَى حتى صلى، فلما انصرف أتيناه، فقلنا: رحمك الله، إن كادوا ليقعوا بك! إن كادوا ليقعوا بك! فقال: ما كنت لأتركهما بعد شيء رأيتُه من رسول الله ﷺ ثم ذكر أن رجلًا جاء يوم الجمعة في هيئة بذة والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فأمره فصلى ركعتين، والنبي ﷺ يخطب".
قال ابن أبي عمر: كان سفيان بن عيينة يصلي ركعتين إذا جاء والإمام يخطب، وكان يأمر به، وكان أبو عبد الرحمن المقري يراه.
قال أبو عيسى: وسمعت ابن أبي عمر يقول: قال سفيان بن عيينة: كان محمد بن عجلان ثقة مأمونًا في الحديث.
قال: وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة، وسهل بن سعد. =стр. 20
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاهَوَيْهِ بْنِ مِهْيَارِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ الكَسْكَرِي١، قِرَاءَةً، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ قِرَاءَةً، فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وثلاثين وثلاثمائة، ثنا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لَسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا أَتَى الْمَسْجِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ " قَالَ: لا، قال: "قم فَارْكَعْ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَمْرٍو.
الحواشي
(١) = قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.
وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعضهم: إذا دخل والإمام يخطب فإنه يجلس ولا يصلي.
وهوقول سفيان الثوري، وأهل الكوفة.
والقول الأول أصح.
حدثنا قتيبة، حدثنا العلاء بن خالد القرشي قال: رأيت الحسن البصري دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، فصلى ركعتين، ثم جلس.
إنما فعل الحسن اتباعًا للحديث، وهو رَوى عن جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هذا الحديث. "الترمذي" "٢/ ٣٨٥-٣٨٧".
قال البغوي ﵀ في فقه هذا الحديث: في الحديث دليل على أن الإمام إذا تكلم في أثناء الخطبة لا يعيدها، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يعيد الخطبة.
وفيه دليل على أن مَن دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين، وهو قول كثير من أهل العلم، وإليه ذهب الحسن، وبه قال ابن عيينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعضهم: يجلس ولا يصلي، وهو قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وفيه: أن التطوع ركعتان ليلًا ونهارًا. "شرح السنة ٤/ ٢٦٦".
١ له ترجمة في تاريخ بغداد "١٤/ ٧٥". وقال الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقًا ... وسألته عن مولده، فقال: ولد في شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ... ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة.стр. 21
[٦] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ، أنا هِلالٌ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ الله بن الحارث،
الحواشي
(١) [٦] خ "٢/ ٨٢" "٣٤" كتاب البيوع - "١٩" باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا - عن طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن قتادة به. رقم "٢٠٧٩".
"أطرافه في: ٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤".
م "٣/ ١١٦٤" "٢١" كتاب البيوع - "١١" باب الصدق في البيع - من طريق محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمر بن علي، عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن قتادة به. رقم "٤٧/ ١٥٣٢".
والحديث بظاهره يدل على خيار المجلس.
قال الإمام البغوي مبينًا آراء العلماء في ذلك:
اختلف أهل العلم في ثبوت خيار المكان للمتبايعين؛ فذهب أكثرهم إلى أنهما بالخيار بين فسخ البيع وإمضائه ما لم يتفرقا بالأبدان، يُروى فيه عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وحكيم بن حزام، وهو قول عبد الله بن عمر، وأبي بَرْزَة الأسلمي، وإليه ذهب شريح، وسعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، والشعبي، وطاوس، وعطاء بن أبي رباح، وبه قال الزهري والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقال النخعي: لا يثبت خيار المكان، ويلزم اليبع بنفس التواجب وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وحملوا التفرقَ المذكور في الحديث على التفرق في الرأي والكلام.
والأول أصح؛ لأن العلم قد استقر بين العامة على أن ملك البائع لا يزال إلا بقبول من جهة المشتري، فتأويل الحديث على أمر معلوم عند العامة إخلاء الحديث عن الفائدة، والدليل على أن المراد منه هو التفرق بالأبدان ما رُوي أن ابن عمر كان إذا ابتاع الشيء يعجبه أن يجب له، فارق صاحبه، فمشى قليلًا، ثم رجع فحمل التفرق على التفرق بالأبدان، وراوي الحديث أعلم بالحديث من غيره.
وروي عن أبي الوضيء قال: كنا في غزاة، فباع صاحب لنا فرسًا له من رجل، وباتا ليلة، فلما أردنا الرحيل خاصمه إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: لا أراكما تفرقتما، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا".
ورُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". ففيه دليل على أن المراد من التفرق الأبدان، وقوله: "خشية أن يستقيله" أراد: خشية أن يفسخ العقد، فيكون بمنزلة الاستقالة؛ لأن الإقالة لا تعلق لها بمجلس العقد؛ بل يجوز بعد التفرق كما يجوز قبله، وقوله في الحديث: "إلا بيع الخيار" معناه: أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فقول: اخترت، فيكون هذا إلزامًا للبيع منهما، وإن كان المجلس قائمًا، ويسقط خيارهما، وتأوَّله بعضهم على خيار الشرط، وقال: هذا استثناء يرجع إلى مفهوم مدة الخيار، معناه: كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا لزم البيع إلا أن يتبايعا بشرط خيار ثلاثة أيام، فيبقى خيار الشرط بعد التفرق، وهذا تأويل بعيد؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما ظهر من الكلام، وظاهر الكلام إثبات الخيار، والاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات. وفي الحديث بيان أن على البائع إذا علم بما باع عيبًا ألا يكتمه. "شرح السنة ٨/ ٣٩-٤١، ٤٥".стр. 22
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالبَّيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وبيَّنا بُورك لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا مُحق بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ.
[٧] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بَرْهَان الغزَّال١ الشَّيْخُ الصَّالِحُ، ثنا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ إِمْلاءً، نا أَبُو قِلابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، ثنا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ، ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ٢، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" ٣.
وَلا أَدْرِي أَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
[٨] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ، ثنا أَبُو الْفَرَجِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بن
الحواشي
(١) [٧] خ "٢/ ٢٥١" "٥٢" كتاب الشهادات - "٩" باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد - من طريق محمد بن كثير، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم به. رقم "٢٦٥٢". "أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨] .
م "٤/ ١٩٦٣" "٤٤" كتاب فضائل الصحابة - "٥٢" باب فضل الصحابة، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم - من طريق الحسن بن علي الحلواني، عن أزهر بن سعد السمان به. رقم "٢١٢/ ٢٥٣٣".
١ له ترجمة في تاريخ بغداد "٨/ ٨٢، ٨٣" قال الخطيب: وكان شيخًا ثقة صالحًا كثير البكاء عن الذكر. توفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
٢ المراد بقرنه ﷺ أصحابه، ثم الذين يلونهم: يعني أتباعهم، ثم الذين يلونهم: يعني أتباع التابعين، وهذا يقتضي أن الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين.
والقرن مأخوذ من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، قيل: والقرن ثمانون سنة، أو أربعون، أو مائة، أو غير ذلك.
٣ في الأصل: "ثم الذين يلونهم" الثالثة، وهي ليست في "ب" وليست في كتب التخريج.
[٨] م "٤/ ٢١١٩" "٤٩" كتاب التوبة - "٨" باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله - من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان بن مسلم به. "٥٠/ ٢٧٦٦". =стр. 23
الْمُسْلِمَة الْمُعَدِّل١ قِرَاءَةً فِي سَنَةِ اثنتي عشرة وأربعمائة، ثنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يوسف بن خَلادٌ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، ثنا عَفَّانُ، ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَوْنًا وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي بُرْدة حدثاه أَنَّهُمَا شَهِدَا أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلا أَدْخَلَ اللَّهُ ﵎ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا".
قَالَ: فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ٢ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ. فَلَمْ يُحَدِّثْنِي سَعِيدٌ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَهُ، وَلَمْ ينكر على عون قوله.
الحواشي
(١) = قال ابن حجر: "ورواه البخاري في تاريخه عن طريق محمد بن إسحاق بن طلحة التيمي، وعمارة القرشي، وعبد الملك بن عمير، وعمرو بن قيس السكوني - كلهم عن أبي بردة به.
"ثم ذكر علله والاختلاف فيه على أبي بردة، قال: والحديث في الشفاعة وأن قومًا يعذبون، ثم يخرجون أكثر وأبين".
قلت -أي ابن حجر: يجوز تخصيص هذا بحديث الشفاعة، فيحتمل أن الطائفة المعذبة من العصاة لا يحصل لهم هذا النداء ابتداء. والله أعلم. "الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع ص٢٨٧، ٢٨٨".
وروى القطيعي في جزء الألف دينار "ص١٤٤" ما يبين فكاك المؤمن من أمة محمد بغيره من أهل الأديان -روى من طريق بشر "بن موسى الأسدي" عن عبد الرحمن القرى، عن سعيد بن أبي بن أيوب، عن أبي القاسم -رجل من أهل حمص، عن عمرو بن قيس السكوني، عن أبي بردة الأشعري، عن أبيه، عن النبي- ﷺ أنه قال: "أمتي مرحومة، مغفور لها، جعل عذابها بينها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة أعطي كل رجل من أمتي رجلًا من أهل الأديان، فقثيل: هذا فداؤك من النار".
أقول: إن كثيرًا من النكبات التي يصاب بها المسلمون من كيد بعض اليهود والنصارى من الأجانب غير المصريين، فلعل الله يعوض المسلمين خيرًا في الآخرة بما جاء في هذا الحديث الشريف. والله أعلم.
١ له ترجمة في تاريخ بغداد "٥/ ٦٧، ٦٨" قال الخطيب: كتبت عنه وكان ثقة، وبلغني أنه ولد في آخر ذي القعدة من سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ... مات سنة خمس عشرة وأربعمائة.
٢ "فاستحلفه عمر بن عبد العزيز" إنما استحلفه لزيادة الاستيثاق والطمأنينة، ولما حصل له من السرور بهذه البشارة العظيمة للمسلمين أجمعين، ولأنه إذا كان عنده فيه شك وخوف غلط، أو نسيان أو اشتباه، أو نحو ذلك، أمسك عن اليمين، فإذا حلف تحقق انتفاء هذه الأمور، وعرف صحة الحديث.
وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز والشافعي -رحمهما الله- أنهما قالا: هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين.стр. 24
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَفَّانَ، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ هَمَّامٍ.
[٩] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ قِرَاءَةً، أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصفَّار، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادي، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى رِجَالا، وَلَمْ يعطِ رِجَالا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلانًا، وَتَرَكْتَ فُلانًا، فَلَمْ تُعْطِهِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ ﷺ : "أَوَ مُسْلِمٌ؟ ". فَأَعَدْتُهَا ثَلاثًا، وَهُوَ يَقُولُ: "أَوَ مُسْلِمٌ؟ ". قَالَ: "إِنِّي لأُعْطِي رجالًا وأدع من أهو أَحَبُّ إليَّ مِنْهُمْ ١ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ"، أو قال: "على مناخرهم" ٢.
الحواشي
(١) [٩] خ "١/ ٢٥" "١" كتاب الإيمان - "١٩" باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل - من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به. رقم "٢٧". "طرفه: ١٤٧٨".
م "١/ ١٣٢" "١١" كتاب الإيمان - "٦٦" باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع - من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، عن الزهري به. رقم "٢٣٦".
ومن طريق زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن شهاب به. رقم "٢٣٧".
١ "إني لأعطي رجلًا، وأدع ... " إلخ، معناه: أعطي مَن أخاف عليه لضعف إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إليَّ منه؛ لما أعلمه من طمأنينة قلبه وصلابة إيمانه.
٢ قال الإمام النووي في فقه هذا الحديث:
وأما فقهه ومعانيه ففيه الفرق بين الإسلام والإيمان، وفي هذه المسألة خلاف وكلام طويل، وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع المسلمين والنصوص في إكفار المنافقين وهذه صفتهم، وفيه الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم، وفيه مراجعة المسئول في الأمر الواحد، وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يراه مصلحة، وفيه أن الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقًا بل يتأمله؛ فإن لم تظهر مصلحته لم يعمل به، وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه، وفيه أن الإمام يصرف المال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم، وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين إلا من ثبت فيه نص كالعَشَرة وأشباههم، وهذا مجمع عليه عند أهل السنة، وأما قوله ﷺ : "أو مسلم؟ " فليس فيه إنكار كونه مؤمنًا؛ بل معناه النهي عن القطع بالإيمان وأن لفظة الإسلام أولى به؛ فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد زعم صاحب التحرير أن هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمنًا، وليس كما زعم؛ بل فيه إشارة إلى إيمانه؛ فإن النبي ﷺ قال في جواب سعد ...
"شرح النووي على مسلم ١/ ٥٤٠، ٥٤١".стр. 25
الشَّيْخُ الصَّالِحُ قِرَاءَةً، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ البَخْتَرِي الرَّزَّاز١ إِمْلاءً....
"ح" وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبُنْدَارُ قِرَاءَةً فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وتسعين وأربعمائة، أَنْبَأَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ٢ قِرَاءَةً فِي رَبِيعِ الأَوَّلِ سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَالِحٍ الصفَّار فِي الْمُحَرَّمِ سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة قَالا: ثنا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَزَّازُ.
"ح" وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ قراءة في سنة تسعين وأربعمائة، أَنْبَأَ أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ المؤدِّب بِقِرَاءَةِ ابْنِ النَّحْوِيِّ فِي سَنَةَ ثمان وعشرين وأربعمائة، أنبا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن الحسن بن إسحاق الصواف قراءة في منزله، ثنا أَبُو عَلِيٍّ بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحِ بْنِ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ٣، ثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، ثنا سُفْيَانُ، عَنِ
الحواشي
(١) = وأما النسائي فأخرجه في التفسير "الكبرى ٦/ ٣٩١، ٣٩٢ رقم ١١٣١١" عن عبيد الله بن سعيد "عن سفيان".
وأما ابن ماجه فأخرجه في الفتن "٣٩٥٣" من حديث أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ به.
وخالف هؤلاء مالك بن إسماعيل وعمرو الناقد، فروياه عن سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بإسقاط حبيبة.
وطريق مالك خرجها البخاري "٧٠٥٩"، وطريق الناقد خرجها مسلم "٢٨٨٠"، وخالف سفيان بن عيينة جمهور الرواة عن الزهري، فرواه عقيل وابن أبي عتيق وشعيب -وهذه الثلاثة في البخاري- ويونس وصالح -وهاتان في مسلم- ليس في شيء منها ذكر حبيبة "هامش الرباعي ص٢٤، ٢٥".
١ له ترجمة في تاريخ بغداد "٣/ ١٣٢"، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. مات سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وفي المخطوط: "البزاز" وما أثبتناه هو الصواب. انظر: تاريخ بغداد، وسير أعلام النبلاء "١٥/ ٣٨٥"، وتوضيح المشتبه ٤/ ١٦٦، ١٦٧.
٢ له ترجمة في تاريخ بغداد "١٠/ ١٩٩" "قال الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقًا، مات سنة سبع عشرة وأربعمائة".
٣ له ترجمة في تاريخ بغداد "٧/ ٨٦-٨٨"، وفيه قال الدراقطني:.... ولد سنة ١٩١، ومات سنة ٢٨٨.стр. 26
الشَّيْخُ الصَّالِحُ قِرَاءَةً، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ البَخْتَرِي الرَّزَّاز١ إِمْلاءً....
"ح" وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبُنْدَارُ قِرَاءَةً فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وتسعين وأربعمائة، أَنْبَأَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ٢ قِرَاءَةً فِي رَبِيعِ الأَوَّلِ سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَالِحٍ الصفَّار فِي الْمُحَرَّمِ سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة قَالا: ثنا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَزَّازُ.
"ح" وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ قراءة في سنة تسعين وأربعمائة، أَنْبَأَ أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ المؤدِّب بِقِرَاءَةِ ابْنِ النَّحْوِيِّ فِي سَنَةَ ثمان وعشرين وأربعمائة، أنبا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن الحسن بن إسحاق الصواف قراءة في منزله، ثنا أَبُو عَلِيٍّ بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحِ بْنِ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ٣، ثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، ثنا سُفْيَانُ، عَنِ
الحواشي
(١) = وأما النسائي فأخرجه في التفسير "الكبرى ٦/ ٣٩١، ٣٩٢ رقم ١١٣١١" عن عبيد الله بن سعيد "عن سفيان".
وأما ابن ماجه فأخرجه في الفتن "٣٩٥٣" من حديث أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ به.
وخالف هؤلاء مالك بن إسماعيل وعمرو الناقد، فروياه عن سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بإسقاط حبيبة.
وطريق مالك خرجها البخاري "٧٠٥٩"، وطريق الناقد خرجها مسلم "٢٨٨٠"، وخالف سفيان بن عيينة جمهور الرواة عن الزهري، فرواه عقيل وابن أبي عتيق وشعيب -وهذه الثلاثة في البخاري- ويونس وصالح -وهاتان في مسلم- ليس في شيء منها ذكر حبيبة "هامش الرباعي ص٢٤، ٢٥".
١ له ترجمة في تاريخ بغداد "٣/ ١٣٢"، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. مات سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وفي المخطوط: "البزاز" وما أثبتناه هو الصواب. انظر: تاريخ بغداد، وسير أعلام النبلاء "١٥/ ٣٨٥"، وتوضيح المشتبه ٤/ ١٦٦، ١٦٧.
٢ له ترجمة في تاريخ بغداد "١٠/ ١٩٩" "قال الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقًا، مات سنة سبع عشرة وأربعمائة".
٣ له ترجمة في تاريخ بغداد "٧/ ٨٦-٨٨"، وفيه قال الدراقطني:.... ولد سنة ١٩١، ومات سنة ٢٨٨.стр. 27
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زينب زوج النبي قالت: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وهو يقول: "لا إلله إِلا اللَّهُ" ثَلاثَ مَرَّاتٍ "وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ١، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ٢ مِثْلَ هَذِهِ"، وَحَلَّقَ حَلَقَةً٣. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ٤ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" ٥.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مِنْ عزيز المُدَبَّج٦ ومحاسنه، وأربع صَحَابِيَّاتٍ: رَبِيبَتَانِ وَزَوْجَتَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَرْوِي بَعْضُهُنَّ عَنْ بَعْضٍ٧.
[١١] أَخْبَرَنَا طَرَّادٌ بِانْتِقَاءِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَرَدَانِيُّ ﵏، أنا
الحواشي
(١) ١ "وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقترب": خص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم. والمراد بالشر: ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة. قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة: "ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا أنزل من الخزائن"، فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التنافس الذي جر إلى الفتن، وكذا التنافس على الإمارة، فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك إلى قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر.
١ "فتح اليم من ردم يأجوج": المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين.
٣ حلق حلقة: أي حلق بإصبعه الإبهام والتي تليها.
٤ "أنهلك وفينا الصالحون": كأنها أخذت ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ .
٥ قال: "نعم إذا كثر الخبث": فسروه بالزنا أو بأولاد الزنا، وبالفسوق والفجور، وهو أولى؛ لأنه قابله بالصلاح. قال النووي: "ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون".
٦ التدبيج: رواية الأقران كل واحد عن صاحبه، وهو واضح في هذا الحديث.
٧ قال الإمام النووي: ولا يعلم حديث اجتمع أربع صحابيات بعضهن عن بعض غيره. شرح مسلم "١٨/ ٢١٩".
[١١] خ "١/ ١٩٠" "٩" كتاب مواقيت الصلاة "١٦" باب فضل صلاة العصر - من طريق الحميدي، عن مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير به.
وفيه: "فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ قال إسماعيل: افعلوا، ولا تفوتنكم. رقم "٥٥٤".
"أطرافه في: ٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦".
م "١/ ٤٣٩" "٥" كتاب المساجد ومواضع الصلاة - "٣٧" باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما - من طريق زهير بن حرب، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير به.
وفيه ما في رواية البخاري من الزيادة.
والحديث في جزء الحسن بن عرفة رقم "٦٨"، ص"٨٠".стр. 28
أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَطَّانُ "ح".
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أحمد بن محمد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ النَّعَّالي بقراء إِسْمَاعِيلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سنة تسعين وأربعمائة، أنا الشَّيْخَانِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ.
"ح" وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ خُشَيْش قِرَاءَةً، وَأَنْبَأَ أَبُو الْحَسَنِ١ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ؛ أَرْبَعَتُهُمْ قَالُوا: أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصفَّار٢ قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: فِي مَنْزِلِهِ قَطِيعَةَ بَنِي خُزَيْمَةَ سنة أربعين وثلاثمائة مِنْ آخِرِهَا، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ الْعَبْدِيُّ٣ أَبُو عَلِيٍّ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله بن الْبَجَلِيِّ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَلَعَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لا تُضَامُون ٤ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ قَدرتُم أَلا تُغْلَبوا ٥ عَنْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ.
الحواشي
(١) ١ كذا في الأصل، وفي سير أعلام النبلاء "أبو الحسين" "١٥/ ٤٤٠".
٢ له ترجمة في تاريخ بغداد "٦/ ٣٠٢"، وسير أعلام النبلاء "٥/ ٤٤٠"، وفي الثاني قال الدراقطني: كان ثقة متعصبًا للسنة. وقال الذهبي: انتهى إليه علو الإسناد. مات سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
٣ انظر ترجمته في مقدمة جزئه، ومصادرها للمحقق الفريوائي "١٥٠-٢٥٧هـ".
٤ "لا تضامون": روي: "لا تُضَامُون" أي: لا ينالكم ضيم في رؤيته؛ أي: تعب أو ظلم فيراه بعضكم دون بعض بأن يدفعه عن الرؤية ويستأثر بها؛ بل تشتركون في الرؤية، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، وروي: "لا تُضَامُّون" أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض وقت النظر لإشكاله وخفائه، كما تفعلون عند النظر إلى الهلال ونحوه.
٥ "فإن قدرتم ألا تغلبوا": بأن تستعدوا لقطع أسباب الغلبة النافية للاستطاعة كنوم وشغل مانع. وجواب الشرط محذوف تقديره: فافعلوا.стр. 29
[الشيخ الثاني] :
[١٢] أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الأَنْصَارِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ من سنة تسع وتسعين وأربعمائة، أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ، قِرَاءَةً، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاتِي٢ فِي مَنْزِلِهِ برَبَضِ حُمَيْدٍ سَنَةَ أربع وأربعين وثلثمائة يَوْمَ الاثْنَيْنِ لأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ٣، ثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُدعى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَتْ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فيُدعى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بلَّغكم؟، فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ"، قَالَ: "فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَن يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ"، قَالَ: "فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ "، قال: "والوسط العدل ٤ ".
الحواشي
(١) ١ "فإن قدرتم ألا تغلبوا": بأن تستعدوا لقطع أسباب الغلبة النافية للاستطاعة كنوم وشغل مانع. وجواب الشرط محذوف تقديره: فافعلوا.
[١٢] نسخة وكيع عن الأعمش "ص٨٤، ٨٥ رقم ٢٦" بهذا الإسناد واللفظ.
خ "٣/ ١٩٣، ١٩٤" "٦٥" كتاب التفسير - "١٣" باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]- من طريق يوسف بن راشد، عن جرير، وأبي أسامة واللفظ لجرير، عن الأعمش به. رقم "٤٤٨٧".
٢ له ترجمة في تاريخ بغداد "١٢/ ٣٢". قال الخطيب: كان ثقة "٢٤٩-٣٤٧هـ".
٣ قال الحافظ المزي: هو آخر مَن رَوى عن وكيع. وله ترجمة في ثقات ابن حبان "٨/ ٨٨" وهو إبراهيم بن عبد الله بن عمر القصار.
٤ يقول الأستاذ سيد قطب في هذا المعنى "ظلال ١/ ١٣٠-١٣٢":
إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها. وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم ... وبينما هي تشهد على الناس =стр. 30
.......................................................................
الحواشي
(١) = هكذا، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها؛ فيقرر لها موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها، ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة، وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها.. لتعرفها، ولتشعر بضخامتها، ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعدادًا لائقًا..
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط، سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي..
"أمة وسطًا" ... في التصور والاعتقاد ... لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال.
"أمة وسطًا" ... في التفكير والشعور ... لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ... ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج الفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها في تثبت ويقين.
"أمة وسطًا".. في التنظيم والتنسيق.. لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب.. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل المجتمع بالتشريع والتأديب، وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان.. ولكن مزاج من هذا وذاك.
"أمة وسطًا".. في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة، ولا تطلقه كذلك فردًا أثرًا جشعًا لا هم له إلا ذاته.. إنما تطلق من الدوافع والطاقات.. ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه. ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة، وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادمًا للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق.
"أمة وسطًا".. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها، وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعًا، وتشهد على الناس جميعًا، وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.
"أمة وسطًا".. في الزمان.. تنهي عهد الطفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء؛ وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك. =стр. 31
[١٣] وَبِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَسُبُّوا أصحابي، فواللذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُد ذَهَبًا مَا أدرك مُدَّ أحدهم وَلا نَصِيفَهُ" ١.
أَخْرَجَهُ٢ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
[١٤] أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أنا الْحَسَنُ، أنا عَلِيٌّ، ثنا إبراهيم، ثنا وكيع، عن
الحواشي
(١) = وما يعوق هذه الأمة عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصبطغ بصبغته وحدها.
وأمة تلك وظيفتها، وذلك دورها، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية، فللقيادة تكاليفها، وللقوامة تبعاتها، ولا بُدَّ أن تفتن قبل ذلك وتبتلى؛ ليتأكد خلوصها لله وتجردها، واستعدادها للطاعة الملطقة للقيادة الراشدة.
[١٣] نسخة وكيع بن الجراح عن الأعمش "ص٨١، ٨٢ رقم ٢٤" بهذا الإسناد واللفظ.
خ "٣/ ١٢" "٦٢" كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ "٥" باب قول النبي ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا" - من طريق آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن الأعمش به. رقم "٣٦٨٣".
م "٤/ ١٩٦٧" "٤٤" كتاب فضائل الصحابة - "٥٤" باب تحريم سب الصحابة ﵃ من طريق يحيى بن يحيى التميمي وأبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. رقم "٢٢١/ ٢٥٤٠".
١ "ولا نصيفه" قال أهل اللغة: النصيف النِّصْف. وفيه أربع لغات: نِصْف ونُصْف ونَصْف ونَصِيف. حكاهن القاضي عياض في المشارق عن الخطابي.
وفي رواية لهذا الحديث ما يبين سببه؛ وهو أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء. فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدًا من أصحابي ... " إلى آخره.
ومعنى الحديث: أن جهد المقل واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه -أوفَى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم.
٢ هذا الحديث هو الذي أخرجه البخاري ومسلم، أما الذي قبله فلم يخرجه إلا البخاري، وفي الأصل "أخرجه" ولكن أصلحت إلي "أخرجهما"، وهو وهم كما قد رأيت. والله تعالى أعلم.
[١٤] نسخة وكيع عن الأعمش "ص٦٣، ٦٤ رقم ١٠" بهذا الإسناد واللفظ. =стр. 32
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ١ وَمَنْ أَطَاعَ الإِمَامَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عصى ال له وَمَنْ عَصَى الإِمَامَ فقد عصاني".
الحواشي
(١) = خ "٤/ ٣٢٨" "٩٣" كتاب الأحكام - "١" باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . من طريق عبدان، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به. رقم "٧١٣٧".
وفيه: "أميري" بدل "الإمام".
م "٣/ ١٤٦٦، ١٤٦٧" "٣٣" كتاب الإمارة - "٨" باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية - من طريق يحيى بن يحيى عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. رقم "٣٢/ ١٨٣٥".
ومن طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به.
ومن طريق محمد بن حاتم، عن مكي بن إبراهيم، عن ابن جريج، عن زياد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به.
ومن طريق أبي كامل الجحدري، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، ومن طريق عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء به.
ومن طريق محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة به. رقم "٣٣/ ١٨٣٥".
ومن طريق أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن حيوة، عن أبي يونس، عن أبي هريرة به. رقم "٣٤/ ١٨٣٥".
١ "من أطاعني فقد أطاع الله....": وقال في المعصية مثله؛ لأن الله تعالى أمر بطاعة رسول الله ﷺ وأمر هو ﷺ بطاعة الأمير، فتلازمت الطاعة، وهذا تأكيد لقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وقد ذكر الخطابي سبب اهتمام النبي ﷺ بشأن الأمراء، حتى قرن طاعتهم إلى طاعته فقال: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلما كان الإسلام، وولي عليهم الأمراء، أنكرت ذلك نفوسهم، وامتنع بعضهم عن الطاعة، فأعلمهم أن طاعتهم مربوطة بطاعته ومعصيتهم بمعصيته؛ حثًّا لهم على طاعة أمرائهم؛ لئلا تتفرق الكلمة. =стр. 33
[١٥] وَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا" ١.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
الحواشي
(١) = وبَيَّن الإمام النووي أن هذه الطاعة ليست على عمومها، وكذلك المعصية، وأن ذلك إنما في غير المعصية للخالق جل وعلا. قال: "قال العلماء: معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما صرح في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرِّحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية".
ويؤيد ذلك أن الله تعالى قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يقل: أطيعوا أولي الأمر منكم؛ ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلا طاعة لهم؛ لقوله ﵊: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
كما بين الإمام البغوي اختلاف العلماء فيما يأمر به الولاة من العقوبات فقال: اختلف الناس فيما يأمر به الولاة من العقوبات؛ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كانت ولايته إليهم. وقال محمد بن الحسن: لا يسع المأمور أن يفعله حتى يكون الذي يأمره عدلًا، وحتى يشهد عدل سواه على أن على المأمور ذلك، وفي الزنا حتى يشهد معه ثلاثة سواه.
وحكي أن عمر بن هبيرة كان على العراق قال لعدة من الفقهاء منهم الحسن والشعبي: إن أمير المؤمنين يكتب إليَّ في أمور أعمل بها، فما تريان؟ قال الشعبي: أنت مأمور، والتبعة على آمرك، فقال للحسن: ما تقول؟ قال: قد قال هذا. قال: قل. قال: اتق الله يا عمر، فكأنك بملَك قد أتاك، فاستنزلك عن سريرك هذا، فأخرجك من سَعَة قصرك إلى ضيق قبرك، فإياك أن تعرض لله بالمعاصي؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ورُوي عن أبي برزة أنه مر على أبي بكر وهو يتغيظ على رجل من أصحابه، وقيل: إن الرجل كان يسب أبا بكر، فقال أبو برزة: قلت: يا خليفة رسول لله، مَن هذا الذي تتغيظ عليه؟ قال: فلِمَ تسأل عنه؟ قلت: لأضرب عنقه. وفي رواية: قال أبو بكر لأبي برزة: لو قلت لك ذلك أكنت تقتله؟ قال: نعم. قال: ما كان ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ .
ويعقب البغوي على هذا بقوله: "فهذا يؤيد ما قلنا؛ وهو أن أحدًا لا تجب طاعته في قتل مسلم إلا بعد أن يعلم أنه حق إلا رسول الله ﷺ ؛ فإنه لا يأمر إلا بحق، ولا يحكم إلا بعدل، وقد يتأول هذا أيضًا على أنه لا يجب القتل في سب أحد إلا في سب رسول الله ﷺ .
[١٥] نسخة وكيع بن الجراح عن الأعمش "ص٦٥ رقم ١١" بهذا الإسناد واللفظ.
خ "١/ ٢١٨" "١٠" كتاب الأذان - "٣٤" باب فضل العشاء في الجماعة - من طريق عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش به. رقم "٦٥٧".
م "١/ ٤٥١" "٥" كتاب المساجد ومواضع الصلاة - "٤٢" باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها - من طريق ابن نمير، عن أبيه، عن الأعمش به، ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، عن أبي معاوية. رقم "٢٥٢/ ٦٥٠".
١ وقد روى أبو داود وغيره ما يبين سبب هذا الحديث: عن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح، فقال: "أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين ... " إلخ "أبو داود" رقم "٤٥٤".стр. 34
[الشيخ الثالث] :
[١٦] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قِرَاءَةً، أَنْبَأَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ دَوَسْتَ الْعَلافُ٢، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، أنا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيمَا خَلا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلى مَغِيبِ الشَّمْسِ".
وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلْ لِي إِلَى نَصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النهار على قيراط قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صلاة العصر على قيراط، قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ، قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ صلاة
الحواشي
(١) ١ وقد روى أبو داود وغيره ما يبين سبب هذا الحديث: عن أبي بن كعب قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الصبح، فقال: "أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين ... " إلخ "أبو داود" رقم "٤٥٤".
[١٦] خ "٢/ ٤٩٣" "٦٠" كتاب الأنبياء - "٥٠" باب ما ذكر عن بني إسرائيل - من طريق قتيبة بن سعيد، عن ليث، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به. رقم "٣٤٥٩".
ومن طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مالك به.
م "٢/ ١٣٢" "٣٧" كتاب الإجارة - "٩" باب الإجارة إلى صلاة العصر - من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر به. رقم "٢٢٩٦".
٢ له ترجمة في تاريخ بغداد "١١/ ٣١٤". قال الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقًا. ولد سنة ٣٤٢ أو ٣٤٣، وتوفي سنة ٤٢٨.стр. 35
الْعَصْرِ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ عَلَى قيراطين قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلا وَأَقَلُّ حَظًّا، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنَّ فضلي أوتيه من أشاء"١.
الحواشي
(١) ١ وقد روى البخاري من حديث أبي موسى ﵁ في هذا المعنى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا؛ ولكن الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا. فاستجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم، حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما. فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور".
قال ابن حجر في شرح حديث أبي موسى ومقارنته بحديث ابن عمر:
هذا مغاير لحديث ابن عمر؛ لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار، وقد تقدم ذكر التوفيق بينهما في المواقيت، وأنهما حديثان سيقا في قصتين، نعم وقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في المواقيت الآتية في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى، فرجحها الخطابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار؛ لكن يحتمل أن تكون القصتان جميعًا كانتا عند ابن عمر فحدث بهما في وقتين وجمع بينهما ابن التين باحتمال أن يكونوا غضبوا أولًا فقالوا ما قالوا إشارة إلى طلب الزيادة، فلما لم يعطوا قدرًا زائدًا تركوا فقالوا: لك ما عملنا باطل. انتهى.
وفيه مع بعده مخالفة لصريح ما وقع في رواية الزهري في المواقيت وفي التوحيد؛ ففيها: "قالوا ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا". ففيه التصريح بأنهم أعطوا ذلك، إلا أن يحمل قولهم: "أعطيتنا" أي: أمرت لنا أو وعدتنا، ولا يستلزم ذلك أنهم أخذوه، ولا يخفى أن الجمع بكونهما قصتين أوضح.
وظاهر المثل الذي في حديث أبي موسى: أن الله تعالى قال لليهود آمنوا بي وبرسلي إلى يوم القيامة، فآمنوا بموسى إلى أن بعث عيسى فكفروا به، وذلك في قدر نصف المدة التي من مبعث موسى إلى قيام الساعة.
فقولهم: "لا حاجة لنا إلى أجرك" إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم، وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه؛ لأن لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان.
وقولهم: "وما عملنا باطل" إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى؛ إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى، وكذلك القول في النصارى إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار.
وقوله: "ولكم الذي شرطت" زاد في رواية الإسماعيلي: "الذي شرطت لهؤلاء من الأجر" يعني: الذين قبلهم.
وقوله: "فإنما تبقى من النهار شيء يسير" أي: بالنسبة لما مضى منه، والمراد ما بقي من الدنيا.
وقوله: "واستكملوا أجر الفريقين" أي: بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة، وتضمن الحديث الإشارة إلى قصر المدة التي بقيت من الدنيا "فتح الباري ٤/ ٥٢٤".стр. 36
[١٧] وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، أنا عُثْمَانُ، أَنْبَأَ مُحَمَّدٌ، نا إِسْحَاقُ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلا كُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ راعٍ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ راعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهَا، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ راعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، فَكُلُّكُمْ راعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ١.
أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ من حديث مالك.
الحواشي
(١) [١٧] خ "٤/ ٣٢٨" "٩٣" كتاب الأحكام - "١" باب قوله الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ - من طريق إسماعيل، عن مالك به.
م "٣/ ١٤٥٩" "٣٣" كتاب الإمارة - "٥" باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم - من طريق قتيبة بن سعيد، عن ليث، ومن طريق محمد بن رمح، عن الليث، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به. رقم "٢٠/ ١٨٢٩".
١ معنى الراعي هاهنا: الحافظ المؤتمن على ما يليه، وأمرهم النبي ﷺ بالنصيحة فيما يلونه، وحذرهم الخيانة فيه بإخباره أنهم مسئولون عنه، فالرعاية: حفظ الشيء، وحسن التعهد، فقد استوى هؤلاء في الاسم؛ ولكن معانيهم مختلفة، فرعاية الإمام: ولاية أمور الرعية، والحياطة من ورائهم، وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: بالقيام عليهم بالحق في النفقة, وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها: بحسن التدبير في أمر بيته، والتعهد لخدمه وأضيافه، ورعاية الخادم: حفظ ما في يده من مال سيده، والقيام بشغله. والله أعلم "شرح السنة ١٠/ ٦٢".стр. 37
[الشيخ الرابع] :
[١٨] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بن محمد بن طلحة
الحواشي
(١) [١٨] خ "٢/ ٣٥١" "٥٦" كتاب الجهاد والسير - "١١٩" باب الجعائل والحملان في السبيل - من طريق مسدد، عن يحيى بن سعيد نحوه. رقم "٢٩٧٢".
م "٣/ ١٤٩٧" "٣٣" كتاب الإمارة - "٢٨" باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله - من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، وعن ابن أبي عمر، عن مروان بن معاوية، عن يحيى بن سعيد به. رقم "١٠٦/ ١٨٧٦". =стр. 38
النِّعَالِيُّ١ قِرَاءَةً، أنبا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وأربعمائة، ثنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ٢ إِمْلاءً يَوْمَ الأَحَدِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وعشرين وثلاثمائة، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَحْبَبْتُ أَلا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّة تخرج في سبيل الل هـ وَلَكِنْ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَشَقُّ عليَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي، ووَدِدْت أَنِي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فأُقتل، ثُمَّ أَحْيَا فأُقتل، ثُمَّ أَحْيَا فأُقتل".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حديث يحيى.
الحواشي
(١) = هذا وقد رواه قاضي القضاة ابن جماعة من طريق شهدة بهذا السند المذكور، ثم قال: هذا حديث صحيح من حديث أبي سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي عن أبي صالح ذكوان السمان الزيات. أخرجه البخاري عن مسدد، عن يحيى بن سعيد القطان، وأخرجه مسلم عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، وعن أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عن أبي معاوية الضرير، وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك، كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ووقع لنا عاليًا "مشيخة قاضي القضاة ١/ ١٨٣، ١٨٤".
قال النووي: في هذا الحديث الحض على حسن النية، وبيان شدة شفقة النَّبِيُّ ﷺ على أمته ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول: وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل. وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أو أرجح أو لدفع مفسدة، وفيه جواز تمني ما يمتنع في العادة، والسعي في إزال المكروه عن المسلمين، وفيه أن الجهاد على الكفاية؛ إذ لو كان على الأعيان ما تخلف عنه أحد.
"فتح الباري" "٦/ ٢١".
١ ذكره الحافظ السلفي في كتابه الوجيز "ص٧٤، ٧٥" على أنه ممن أجازوا له. قال: أجاز لي جميع ما يرويه سنة إحدى وتسعين وقبلها أيضًا ... وتوفي في صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.
وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٩/ ١٠١، ١٠٣".
٢ انظر ترجمة موسعة في مقدمة كتاب أمالي المحاملي، وولد في سنة ٢٣٥، وتوفي سنة ٣٣٠. من ص"١٦-٢٩".стр. 39
[١٩] وَبِهِ ثنا الْمَحَامِلِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، ثنا مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوْسَطِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ ١ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنسيتُها، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْر".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فوَكَف، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ٢ وَالطِّينِ، من صبيحة إحدى وعشرين.
الحواشي
(١) [١٩] خ "٢/ ٦٣" "٣٢" كتاب فضل ليلة القدر - "٣" باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر - من طريق إبراهيم بن حمزة، عن ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد، عن محمد بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ به. رقم "٢٠١٨".
م "٢/ ٨٤٢" "١٣" كتاب الصيام" - "٤٠" باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها - من طريق قتيبة بن سعيد، عن بكر، عن ابن الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن به. رقم "٢١٣/ ١١٦٧".
١ كذا في الأصل، وفي "ب": أريت.
٢ قال الإمام البغوي في شرح السنة: فيه دليل على وجوب السجود على الجبهة، ولولا ذلك لصانها عن الطين.
وفيه: استحباب ترك النفض بما علق بجبهته من الأرض في السجود.
وفيه: أن ما رآه في النوم فقد يكون تأويله أن يرى مثله في اليقظة.
وقال الترمذي: وأكثر الرويات عن النبي ﷺ أنه قال: "التمسوها في العشر الأواخر من كل وتر".
ورُوي عن النبي ﷺ في ليلة القدر: "أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان".
قال أبو عيسى: قال الشافعي: كأن هذا عندي -والله أعلم- أن النبي ﷺ كان يجيب على ما يُسأل عنه. يقال له: نلتمسها في ليلة كذا، فيقول: "التمسوها في ليلة كذا".
قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين.
قال أبو عيسى: وقد رُوي عن أبي بن كعب أنه كان يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، ويقول: أخبرنا رسول الله ﷺ بعلامتها، فعددنا وحفظنا.
ورُوي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر، حدثنا بذلك عبد بن حميد. أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة بهذا.
السنن "٣/ ١٥٠".стр. 40
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
[٢٠] وَبِهِ نا الْمَحَامِلِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ نا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ١ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ -أَوْ نَقُومَ- بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا، لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ٢، ٣.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حديث الوليد.
الحواشي
(١) [٢٠] الموطأ "٢/ ٤٤٥" "٢١" كتاب الجهاد - "١" باب الترغيب في الجهاد - من طريق يحيى بن سعيد به. رقم "١٠".
خ "٤/ ٣٤٣" "٩٣" كتاب الأحكام - "٤٣" باب كيف يبايع الإمام الناس - من طريق إسماعيل، عن مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ به. رقم "٧١٩٩، ٧٢٠٠".
م "٣/ ١٤٧٠" "٣٣" كتاب الإمارة - "٨" باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية - من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عن عبد الله بن إدريس، عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة به. رقم "٤١/ ١٧٠٩".
وفي بعض روايات الحديث: "وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان".
ومعناه: كفرًا ظاهرًا، والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى عندكم من الله فيه برهان: أي تعلمونه من دين الله تعالى.
١ قوله: "بايعنا على السمع" المراد بالمبايعة: المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع؛ لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية. "شرح مسلم ١٢/ ٤٧١".
٢ قوله: "أن نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم" معناه: نأمر =следующие страницы →