المجلد الأول
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكلمة الأولى
أحمده وأسأله التوفيق والسداد، وبعد:
فهذ اشرح جديد مفصل، لكتاب الإيضاح، تأليف العالم الإمام الخطيب القزويني، إمام البلاغة وشيخ البيان، المتوفى عام ٧٣٩هـ.
توخيت فيه عمق البحث، ودقة التحليل، والعناية ببسط المسائل، وحل المشكلات، وأومأت فيه إلى شتى المراجع والمصادر. ليكون جامعًا لمسائل البلاغة ومصدرا للدراسات العالية فيها، ومرجعا للطلاب والدارسين والباحثين. والله يعلم مقدار ما أخذ مني من جهد وبحث ومراجعة، ومع ذلك فقد ثابرت على كتابته وإخراجه، لسد النقص الذي نلمسه في دراسات البلاغة.
وقد ظهرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب عام ١٩٤٩، وها هي ذي الطبعة الثانية منقحة مهذبة. والله أسأله أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به العلم والثقافة ولغة الكتاب العزيز. فهو وليي، نعم المولى ونعم النصير.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
محمد عبد المنعم خفاجي.
стр. 2
مقدمات:
نشأة البلاغة العربية ومراحل التأليف فيها:
١- كان القرن الثاني الهجري أول عصر شهد نشأة آراء كثيرة أصيلة ومترجمة حول البلاغة١ وعناصرها، بعد فساد الملكات، وقد أخذ العلماء في بحث أصول بلاغات العرب، وفي تدوين آرائهم في معنى كلمة البلاغة والفصاحة. وأهم ما يؤثر من ذلك: وصية بشر بن المعتمر -من زعماء المعتزلة وتوفي نحو عام ٢١٠هـ- في البلاغة٢، وتفسير ابن المقفع للبلاغة٣، وتعريف العتابي لها٤، ووصية٥ أبي تمام للبحتري تدخل في هذا الباب، ويقول البحتري خير الكلام ما قل ودل ولم يمل٦، وفي البيان للجاحظ تحديد البلاغة كما يراها حكيم الهند٧، ويقسمها الكندي فيلسوف العرب المتوفى عام٢٦٠هـ إلى ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع بالعكس،
стр. 3
ونوع تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها١، وذكر بزر جمهر حكيم الفرس فضائل الكلام ورذائلة في كلمة مترجمة رواها صاحب الموازنة٢. إلى آخر هذه الكلمات والآراء.
٢- ثم ألفت بعد ذلك كتب تجمع كثيرًا من الآراء والدراسات الموجزة حول البلاغة وبحوثها. ومن هذه الكتب: مجاز القرآن لأبي عبيدة م ٢٠٧هـ والفصاحة للدينوري م ٢٨٠هـ٣ والتشبيه والتمثيل للفضل بن نوبخت٤ وصناعة الكلام للجاحظ٥، ونظم القرآن ٦ والتمثيل ٧ له أيضًا، والبلاغة وقواعد الشعر للمبرد٨.. وفي الكامل إشارات لمسائل كثيرة في البلاغة، وكذلك الرسالة العذراء لابن المدبر، والبلاغة للحراني"٩"، وقواعد الشعر لثعلب، وقد نشرته عام ١٩٤٨ بشروح كثيرة، والبلاغة والخطابة للمروزي ١٠ والمطابق والمجانس لابن الحرون ١١ وتهذيب الفصاحة لأبي سعيد الأصفهاني١٢ وإعجاز القرآن في نظمه وتأليفه للواسطي المعتزلي م ٣٠٦هـ، وصنعة البلاغة للباحث، وللسيرافي م ٣٦٨هـ. ونظم القرآن لابن الأخشيد ١٣، وكذلك لابن أبي داود م ٣١٦هـ ١٤ وكتاب الرد على من نفى المجاز في القرآن للحسن بن جعفر ١٥ ومن هذه الكتب أيضًا المفصل في البيان، والفصاحة للمرزباني م ٣٧٨هـ.
على أن أهم الكتب التي تناولت بعض مسائل البلاغة بالبحث،
стр. 4
أو التي ألفت فيها خاصة هي: كتاب جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، ففي مقدمته بحوث موجزة طريفة تتصل بالبلاغة. وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وهو أهم ماألف في هذا الطور من كتب تتصل ببلاغات العرب نثرًا وشعرًا، وتتعرض لتحديد البلاغة بما حولها من آراء كانت ذائعة في عصر الجاحظ، وفيه كثير من بحوث البلاغة، فهو يعرف الاستعارة١ ويتكلم على السجع٢ ويشير إلى التفصيل والتقسيم٣ والاستطراد والكناية٤ والأمثال٥ والاحتراس٦ والقلب٧ والأسلوب الحكيم ٨، والجاحظ أول من تكلم على المذهب الكلامي٩ ويرى البلاغة في النظم لا في المعاني١٠ وهو ماذهب إليه ابن خلدون ١١، والجاحظ يشيد بالإيجاز١٢، كما يدعو في البيان كثيرًا إلى ترك الوحشي والسوقي، ويحث على الإفهام والوضوح، وعلى ترك التعمق والتهذيب في صناعة الكلام، إلى غير ذلك من شتى مادونه في البيان. ولا يضير الجاحظ أن كانت دراساته موجزة مفرقة كما يقول أبو هلال ١٣، فهي على كل حال ذات أثر كبير في نشأة البيان، وهي التي أوحت إلى كثير أن يعدوا الجاحظ الواضع الأول لعلم البيان. ومن الخطأ التهوين بأثر الجاحظ في البيان كما ذهب إليه بعض الباحثين المحدثين.
стр. 5
٣- وقد بدأ التدوين في البلاغة على يد ابن المعتز الذي ألفه كتابه القيم "البديع"١ وثعلب الذي ألف كتابه "قواعد الشعر"، وبعد قليل ظهر نقد النثر كما ظهر نقد الشعر لقدامة بن جعفر المتوفى عام ٣٣٧هـ. ثم كتاب الصناعتين لأبي هلال المتوفى عام ٣٩٥هـ، ثم كتاب الموازنة للآمدي، والوساطة للجرجاني، وإعجاز القرآن للباقلاني، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي، والعمدة لابن رشيق وهما أكثر الكتب اتصالًا بالبلاغة.
٤- ثم جاء بعد ذلك أبو بكر عبد القاهر الجرجاني شيخ البلاغة العربية والمتوفى عام ٤٧١هـ. فألف في البلاغة كتابين جليلين هما:
١- أسرار البلاغة، وفيه دراسات واسعة تتناول بحوث علم البيان من تشبيه ومجاز واستعارة وفيه شرح للسرقات وبعض ألوان البديع.
٢- دلائل الإعجاز، وفيه بحوث كثيرة هي أصول علم المعاني. كماأنه تحدث فيه عن الكناية وعن التمثيل والمجاز والاستعارة والسرقات أيضًا.
٥ - وبعد عصر الجرجاني بحث الزمخشري في تفسيره، والرازي في كتابه "نهاية الإعجاز"، وابن الأثير صاحب المثل٢ السائر، وبدر الدين بن مالك صاحب المصباح، والتنوخي صاحب "الأقصى القريب"، وكثير من العلماء، في البلاغة والفصاحة.
ومن أهم هؤلاء العلماء في هذا الطور أبو يعقوب السكاكي المتوفى عام ٦٢٦هـ تلميذ الحاتمي٣، الذي ألف كتابه "المفتاح"، وجعله
стр. 6
أقسامًا، وخص البلاغة بالقسم الثالث منه، وقسمها إلى ثلاثة أقسام: المعاني -البيان- البديع. وبذلك تميزت علوم البلاغة ومباحث كل علم منها بالتفصيل.
والفلسفة والمنطق تغلب على السكاكي إلى حد كبير، من حيث كان يغلب الذوق والطبع على عبد القاهر.
وبذلك تنتهي مراحل التأليف والابتكار في بحوث البلاغة وتدوينها تدوينًا كاملًا.
٦- وجاء الخطيب القزويني المتوفى عام ٧٣٩ فألف في البلاغة كتابيه: تلخيص١ المفتاح والإيضاح. وقد ألف الإيضاح ليكون كالشرح لتلخيص المفتاح وجمع فيه كثيرًا من آراء عبد القاهر والسكاكي في شيء من التنظيم والشرح.
وعلى متن التلخيص كثرت الشروح والحواشي والتقارير وفي مقدمتها الأطول للعصام، والمطول٢ للسعد وشروح التلخيص وسواها ... وهذه أهم كتب البلاغة وشروحها في هذا العهد. قوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادي م ٦٢٩هـ، والتبيان لابن الزملكاني م٦٥١هـ، والمعيار للزنجاني م٦٥٤هـ، وبديع القرآن لابن أبي الأصبع م٦٥٤هـ، والفوائد الغياثية للعضد م ٧٥٦هـ وشرحها الكرماني م ٧٨٦هـ والتبيان لشرف الدين الطيبي م٧٤٣هـ، والطراز ليحيى ابن حمزة العلوي م ٧٤٩هـ، وعروس الأفراح للسبكي م ٧٧٣هـ، والسمرقندية للسمرقندي وهي رسالة في الاستعارات، وتوفي السمرقندي عام ٨٨٠هـ.
стр. 7
٩- شروح المفتاح للسكاكي.
أ- شرحه بتمامه المولى حسام.
ب- وشرح القسم الثالث منه: الشيرازي م ٧١٠هـ في "مفتاح الفتاح"، والترمذي وهو معاصر للشيرازي، والخلخالي م ٧٤٥هـ، والسعد "٧١٢-٧٩١هـ"، والسيد م ٨١٦هـ في "المصباح" الذي ألفه عام ٨٠٣ "١"هـ، وعماد الدين الكاشي. وله رسالة في حل المتشابهات التي أوردها الخطيب على المفتاح، والأبهري سلطان شاه، وطاشكبري زاده م ٩٦٢هـ، وشيخ زاده م ٩٥١هـ، والشربيني م ٧٦٩هـ، والخوارزمي، وقد فرغ منه عام ٦٤٢هـ، والفناري م٨٣٤، وله على شرحي السعد والسيد تعليقات، وابن كمال باشام ٩٤٠، وسواهم.
ج- واختصر القسم الثالث منه:
المعانيجي م ٩٩٠هـ، والقزويني ٦٦٦-٧٣٩هـ، والأيجي م٧٥٦هـ في الفوائد الغياثية، وبدر الدين ابن مالك م ٦٨٦هـ في "المصباح في اختصار المفتاح" ونظم "المصباح" المراكشي، ثم شرحه وسماه "ضوء المصباح على ترجيز المصباح"، واختصر هذا المختصر ابن النحوية م ٧١٨هـ، وسماه "ضوء الصباح"، ثم شرحه في مجلدين في كتاب أسفار المصباح عن ضوء المصباح، ولمحمد بن خضر "مصباح الزمان في شرح المصباح".
هذا وقد ألف السعد "المطول على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني" وانتهى من تأليفه عام ٧٤٨هـ، كما انتهى من تأليف مختصر المطول عام ٧٥٦هـ.. وفرع ابن يعقوب من تأليف شرحه على مختصر
стр. 8
السعد في مكناسة في المحرم ١١٠٨هـ.. وانتهى ابن السبكي من تأليف شرحه "عروس الأفراح" على مختصر السعد في جمادى الأولى عام ٧٥٨هـ.. وانتهى الدسوقي من كتابة شرحه على مختصر السعد في شوال عام ١٢١٠هـ.
٨- يمتاز الإيضاح للخطيب القزويني بعدة ميزات ظاهرة: فهو أوفى كتاب في بحوث البلاغة، وهو أوضح الكتب المؤلفة فيها نظامًا وأسلوبًا، وهو كثير البحث والتعمق والاستنباط لأسرار البلاغة العربية، فوق أنه كتاب تطبيقي جميل في البلاغة، وينقد القزويني فيه كثيرًا من آراء السكاكي، وإن كان يعتمد الخطيب فيه على عبد القاهر والسكاكي كثيرًا. ومع ذلك فالخطيب يجمع في كتابه خلاصات لبحوث علماء البلاغة في شتى العصور حتى عصره، والكتاب بعد ذلك غزير المادة، كبير الفائدة في الأدب والنقد والبلاغة والبيان١.
وهناك مؤلفات جديدة ظهرت في البلاغة في عصر الحواشي، ومن بينها عقود الجمان للسيوطي. كما ظهرت في العصر الحديث عدة مؤلفات في البلاغة فيها لون من التهذيب والتنسيق وحسن الأخذ والاختيار.
وبذلك تنتهي مراحل التأليف في البلاغة منذ نشأتهاحتى الآن.
стр. 9
الخطيب وأثره في البلاغة العربية:
والخطيب القزويني١ هو "جمال الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن، ابن خطيب دمشق" كما يقول جورجي زيدان، وبتفصيل أوسع هو "الشيخ الإمام العالم العلامة خطيب الخطباء، مفتي المسلمين، جلال الدين، أبو عبد الله، محمد، ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن إمام الدين أبي حفص عمر، القزويني الشافعي" كما يقول تلاميذه أو هو نفسه في مقدمة كتابه "الإيضاح" فهو من أسرة علمية ودينية كبيرة، كان لها ولاشك أثرها في حياته وتفكيره وروحه.
ولد عام ٦٦٦هـ، وتعلم الفقه، وتولى القضاء، وانتقل إلى دمشق، وتولى الخطابة في مسجدها، ثم تولى القضاء بمصر، وتمكن نفوذه فيها أيام الملك الناصر، اكتسب مالًا طائلًا، ثم جاء إلى دمشق وتوفي فيها. وأشهر مؤلفاته تلخيص المفتاح، والإيضاح في المعاني والبيان٢، وكانت وفاته عام ٧٣٩هـ، كمايقول صاحب الدرر الكامنة.
وتدل مؤلفات الخطيب في البلاغة على ثقافة بلاغية وأدبية واسعة وقراءة مستفيضة لأهم المؤلفات في البلاغة وفي مقدمتها: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" لعبد القاهر، والمفتاح للسكاكي.
ألف الخطيب مختصرًا صغيرًا للمفتاح في البلاغة، أو للقسم
стр. 10
الثالث بعبارة أوضوح، وسماه "تلخيص المفتاح١" لخص فيه ذلك السفر القيم وقدم فيه وأخر، وحذف واختصر، وفيه بعض آراء له لم يرتضها جهابذة هذه الفنون، "ومن العجيب أن يسمي كتابه بهذا الاسم، وهو في رأي أحد الباحثين ليس بالتلخيص له وحده، بل أشبه بأن يكون تلخيصًا لكتابي أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر ولسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي.. وروح التلخيص من الكتاب الأخير واضح كل الوضوح في مقدمته"٢ وقد يكون في هذا الرأي لون من المبالغة، فمتن التلخيص ليس تلخيصًا للأسرار ودلائل وسر الفصاحة في قليل ولا كثير، إنما هو تلخيص للقسم الثالث من المفتاح وحده، وما فيه من روح التأثر بعبد القاهر فمرجعه إلى المفتاح نفسه، الذي اعتمد فيه السكاكي على عبد القاهر إلى حد بعيد. وقد يستساغ ذلك في الإيضاح لا في "تلخيص المفتاح".
ثم ألف الخطيب كتابه الإيضاح في البلاغة على ترتيب التلخيص، وبسط القول فيه ليكون كالشرح له، فأوضح مواضعه المشكلة، وفصل معانيه المجملة، واعتمد على المفتاح والأسرار والدلائل وغير هذه المؤلفات في بحوثه ودراساته فيه، كما يشير إليه الخطيب نفسه في مقدمة الإيضاح. والكتاب "فيه أمهات مسائل هذه الفنون بعبارة واضحة فيها روح من أسلوب عبد القاهر الجامع بين التحقيق العلمي والرصانة الأدبية٣.
стр. 11
وعلى "تلخيص المفتاح للخطيب" كثير من الشروح والحواشي والتقارير ممايدل على مدى شهرته العلمية عند الباحثين. ولا يزال منهج الخطيب في البلاغة وفي تلخيصه بالذات هو المنهج العلمي في علوم البلاغة إلى عصرنا الراهن.
وكتاب الإيضاح عمل جليل في البلاغة سواء في ترتيبه وتقسيمه وتنظيم بحوثه، أم في استيعابه واستقصائه وتحليله، أم في جمعه واستمداده من شتى المصادر والمراجع، أم في أسلوبه الأدبي وروحه وكثرة تطبيقاته الأدبية، وهو أهم كتاب دراسي في البلاغة في العصر الحاضر.
وهذا شرح جديد للإيضاح، يتناول بالبحث والتحليل والدراسة والتعليق والشرح جميع مسائله وشواهده، ويشير إلى مصادره ومراجعه التي ألف منهاالخطيب هذا الكتاب. وهو عمل سيكون له أثره في البلاغة العربية، وفي خدمة الإيضاح وتذليل صعوبات البحث فيه بتوفيق الله.
ويمتاز هذا الشرح بدقة البحث. وطول المراجعة، وكثرة الشرح والتفصيل، والإلمام بكل رأي، وتحليل كل مذهب ما عليه وماله، وبعرض آراء جديدة في شتى بحوث البلاغة وعلومها.. كما يمتازا بمقدمته التي هي تأريخ للبلاغة ونشأتها وأطوار التأليف فيها، وغير ذلك مما يحتوي عليه من مميزات، وقد وضعنا للكتاب بعض العناوين المساعدة على فهمه وإيضاحه.
стр. 12
ترجمة الخطيب:
عن الدر الكامنة لابن حجر ١، والعقد المذهب لابن الملقن، وشذرات الذهب٢.
هو قاضي القضاة أبو المعالي جلال الدين محمد بن القاضي سعد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن إمام الدين عمر القزويني الشافعي.
ولد بالموصل سنة ٦٦٦ وسكن بلاد الروم، مع والده وأخيه واشتغل بالعلم وتفقه على والده وولي قضاء نيكسار من بلاد الروم ثم قدم دمشق وسمع من العز الفاروثي وطائفة وحدث وتفقه واشتغل في الفنون وأتقن الأصول والعربية والمعاني والبيان، وكان فهما ذكيا مفوهًا ذا ذوق سليم حسن الإيراد والمحاضرة حلو العبارة فصيحًا جميل الهيئة كبير الذهن جوادًا أديبًا حسن الخط، وناب عن أخيه الأكبر إمام الدين قاضي قضاة الشام إلى أن مات أخوه سنة ٦٩٩ ثم ولي خطابة جامع دمشق فأقام بها مادة طويلة ثم طلبه الملك الناصر إلى القاهرة في سنة ٧٢٤ وكان قدومه على البريد يوم الجمعة فاتفق أنه اجتمع بالناصر ساعة وصوله فأمر به أن يخطب بجامع القلعة فخطب مرتجلًا مع ما هو عليه من التعب وأثر السفر فأعجب به السلطان وشكره وسأله عن حاله وكم عليه من الدين فذكر أن عليه ثلاثين ألف فأمر بوفائها عنه فشافهه بقضاء دمشق فباشرها والخطابة جميعًا إلى أن ولاه قضاء الديار المصرية في سنة ٧٢٧ فعم أمره جدًّا وصرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين وحج مع السلطان فأعانه بمال وأحسن إلى المصريين والشاميين وكان لهم ذخرًا وملجأ ولم يزل على
стр. 13
حاله إلى أن أعيد إلى قضاء الشام بسبب أحوال أولاده وفرح به أهل الشام فأقام قليلًا وتعلل وأصابه فالج فمات منه في سنة ٧٣٩ عن ٧٣ سنة فأسفوا عليه كثيرًا وشيعه عالم عظيم، وللشعراء فيه مدائح كثيرة ومراث عددة وكان يرغب الناس في الاشتغال بأصول الفقه وفي المعاني والبيان. وتصنيفه المسمى تلخيص المفتاح مشهور ونظمه السيوطي وسماه عقود الجمان.. وله إيضاح التلخيص أيضًا. وكان يعظم الأرجاني الشاعر ويقول أنه لم يكن للعجم نظيره واختصر ديوانه فسماه "السور المرجاني من شعر الأرجاني". وقال الذهبي: عظم شأنه لماولي قضاء الديار المصرية وبلغ من العز ما لا يوصف بحيث لاترد له شفاعة وربما رمي علي يد السلطان نفسه وكان فصيحًا حلو العبارة، مليح الصورة، سمحًا حليمًا كثيرة التحمل وسيرته تحتمل كراريس، وذكر اليوسفي في سيرة الملك الناصر محمد أن القاضي كان محسنًا إلى الناس كثير التصدق والمكارم والبر لأرباب البيوت، قال: أنه لم يوجد لأحد من القضاة منزلة عند سلطان تركي نظير نزله جلال الدين، وكان الناصر يحتمل ما ينقل إليه من سيرة ولده حتى كان يقول لوالي البلد: أكبس فلانًا ثم يرسل إليه يقول: لا تفعل، نبقى في حياء من والده ... فرحمه الله تعالى عليهم وغفرانه.
وترجم له السيوطي في بغية الوعاة "ص٦٦"، فنسبه إلى أبي دلف العجلي، وذكر ما لايخرج عما سبق، ثم قال: ولا أعلمه نظم شيئًا مع قوة باعه في الأدب، ومات في منتصف جمادى الأولى عام ٧٣٩هـ.
ويقول صاحب الدرر الكامنة: أن له ابنًا اسمه محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني، وهو ابن القاضي جلال الدين خطيب جامع دمشق.. وقد ترجم له١.
стр. 14
أول كتاب الإيضاح
تمهيد
...
أول كتاب الإيضاح للخطيب القزويني:
تمهيد:
قال الشيخ الإمام، العالم العلامة خطيب الخطباء، مفتي المسلمين، جلال الدين: أبو عبد الله محمد، ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن إمام الدين أبي حفص عمر، القزويني الشافعي. متع الله المسلمين بمحياه، وأحسن عقباه:
الحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد وعلى آل محمد أجمعين.
أمابعد: فهذا كتاب في علم البلاغة وتوابعها١، ترجمته ٢ بـ"الإيضاح" وجعلته علي ترتيب مختصري الذي سميته تلخيص المفتاح. وبسطت فيه القول ليكون كالشرح له، فأوضحت مواضعه المشكلة، وفصلت معانيه المجملة وعمدت إلى ماخلاعنه المختصر، مماتضمنه "مفتاح العلوم٣"، وإلى ماخلاعنه المفتاح من كلام الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني٤ ﵀ -في كتابيه: دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما٥، فاستخرجت زبدة٦ ذلك كله، وهذبتها ورتبتها، حتى استقر كل شيء منها في محله، وأضفت إلى ذلك ما أدى إليه فكرى، ولم أجده لغيري. فجاء بحمد الله جامعًا لأشتات هذا العلم. وإليه أرغب في أن يجعله نافعًا لمن نظر فيه من أولى الفهم.
وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 15
مقدمة ١:
في الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة:
وانحصار علم البلاغة في علمي٢ المعاني والبيان للناس في تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة، لم أجد فيما بلغني منها. ما يصلح لتعريفها به، ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم ٣، فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين، فنقول:
كل واحدة منهما١ تقع صفة لمعنيين: أحدهما الكلام كمافي قولك قصيدة فصيحة أو بليغة، ورسالة فصيحة أو بليغة، والثاني المتكلم كما في قولك شاعر فصيح أو بليغ، وكاتب فصيح أو بليغ. والفصاحة خاصة تقع صفة للمفرد فيقال: كلمة فصيحة، ولايقال كلمة٢
стр. 18
بليغة١.
стр. 19
الفصاحة١:
أما فصاحة المفرد٢ فهي خلوصه٣ من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس اللغوي:
стр. 20
فالتنافر١:
منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعسر النطق بها، كما روي أن أعرابيًّا سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهعخع٢.
стр. 21
ومنه ما هو دون ذلك كلفظ مستشزر في قول امرئ القيس:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل١
والغرابة:
أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفته
стр. 22
إلى أن ينقر١ عنها في كتب اللغة المبسوطة، كما روي عن عيسي بن عمر٢ النحوي أنه سقط عن حماره، فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني، أي اجتمعتم تنحوا.
أو يخرج لها وجه بعيد٣ كما في قول العجاج٤:
ومقلة وحاجبًا مزججا ... وفاحما ومرسنا مسرجا
стр. 23
فإنه لم يعرف ما أراد بقوله "مسرجًا"، حتى اختلف في تخريجه: فقيل هو من قولهم للسيوف: سريجية، أي منسوبة إلى قين١ يقال له "سريج"، يريد أنه في الاستواء والدقة كالسيف السريجي، وقيل: من السراج، يريد أنه في البريق كالسراج٢. وهذا يقرب من قولهم: سرج وجهه أي حسن، وسرج الله وجهه أي بهجه وحسنه٣.
стр. 24
ومخالفة القياس١:
كما في قول الشاعر٢:
الحمد لله العلي الأجلل ... "أنت مليك الناس ربا فاقبل"
قإن القياس الأجل بالإدغام.
وقيل هي:٣ خلوصه مما ذكر٤، ومن الكراهة في السمع٥
стр. 25
بأن تمج الكلمة ويتبرأ من سماعها كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة. فإن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس سماعه ومنها ما تكره سماعه، كلفظ الجرشي في قول أبي الطيب:
"مبارك الاسم أغر اللقب" ... كريم الجرشي شريف النسب١
أي كريم النفس، وفيه٢ نظر.
ثم علامة كون الكلمة فصيحة، أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرًا، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها٣.
стр. 26
وأما فصاحة الكلام:
فهي خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحتها.
فالضعف١:
كما في قولنا ضرب غلامه زيدًا، فإن رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظًا ممتنع عند الجمهور، لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظًا ورتبة.
стр. 27
وقيل يجوز١، كقول الشاعر٢:
جزى ربه عنه عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل٣
وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر جزى، أي "جزى"، رب الجزاء٤ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، أي العدل.
стр. 28
والتنافر١:
منه ما تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على لسان وعسر النطق بها متتابعة، كما في البيت الذي أنشده الجاحظ٢:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر٣
ومنه ما هو دون ذلك كما في قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه والورى معي ... "وإذا ما لمته لمته وحدي٤".
стр. 29
فإن في قوله: أمدحه "أمدحه" ثقلًا لما بين الحاء والهاء من التنافر١.
والتعقيد٢:
أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به وله٣ سببان: أحدهما ما يرجع إلى اللفظ وهو أن يختل نظم٤ الكلام. ولا يدري
стр. 30
السامع كيف يتوصل منه إلى معناه١، كقول الفرزدق٢:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
إلا مملك أبو أمه أبوه، فإنه مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي٣ خال هشام بن عبد الملك بن مروان، فقال وما مثله -يعني إبراهيم الممدوح- في الناس، حي يقاربه -أي أحد يشبهه في الفضائل- إلا مملكًا يعني هشامًا، أبو أمه -أي أبو أم هشام- أبوه -أي أبو الممدوح- فالضمير في أمه للملك، وفي أبوه للممدوح، ففصل بين أبو أمه -وهو مبتدأ- وأبوه -وهو خبره- بحي -وهو أجنبي-، وكذا فصل بين حي ويقاربه وهو نعت حي -بأبوه- وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه٤، فهو كما تراه في غاية التعقيد.
стр. 31
فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك، إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة، لفظية أو معنوية، كما سيأتي تفصيل ذلك كله وأمثلته اللائقة به١.
والثاني ما يرجع إلى المعنى، وهو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني -الذي هو لازمه والمراد به- ظاهرًا٢ كقول العباس بن الأحنف:
стр. 32
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا١
كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن، وأصاب؛ لأن من شأن البكاء أن يكون كناية عنه، كقولهم: أبكاني وأضحكني أي ساءني وسرني، وكما قال الحماسي٢:
стр. 33
أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضى
ثم طرد ذلك في نقيضه، فأراد أن يكنى عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود، لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقًا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ١:
لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها، فلا يكون كناية عن المسرة، وإنما يكون كناية عن البخل كما قال الشاعر٢:
ألا إن عينًا لم تجد يوم "واسط" ... عليك بجاري دمعها لجمود
ولو كان الجمود يلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك. وذلك مما لا يشك في بطلانه.
وعلى ذلك قول أهل اللغة: سنة "جماد" لا مطر فيها، وناقة جماد: لا لبن لها، فكما لا تجعل السنة والناقة جمادًا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، لا تجعل العين جمودًا.
стр. 34
ألا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت، وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بأنها قد ضنت.
فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني -الذي هو المراد به- ظاهرًا، حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه من حاق اللفظ، كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية.
وقيل فصاحة الكلام هو خلوصه مما ذكر١ ومن كثرة التكرار٢ وتتابع الإضافات. كما في قول أبي الطيب "المتنبي":
"وتسعدني في غمرة بعد غمرة" ... سبوح لها منها عليها شواهد٣
وكما في قول ابن بابك٤:
стр. 35
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ... "فأنت بمرأى من سعاد ومسمع"١
وفيه نظر ٢؛ لأن ذلك ٣ أن أفضي باللفظ إلى الثقل على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بما تقدم٤، وإلا فلا يخل بالفصاحة، وقد قال النبي ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ٥.
стр. 36
قال الشيخ عبد القاهر١: قال الصاحب٢. إياك والإضافات المتداخلة، فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقول القائل:
يا علي بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره
ثم قال الشيخ٣: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف. ومما حسن فيه قول ابن المعتز٤ أيضًا:
وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه، ملاح٥
ومما جاء فيه حسنًا جميلًا قول الخالدي٦ يصف غلامًا له:
ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفي القريض وزان ... دينار المعاني الدقاق، منتقد٧
وأما فصاحة المتكلم:
فهي ملكة "١" يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. فالملكة قسم من مقولة الكيف التي هي هيئة قارة لا تقتضي قسمة ولا نسبة، وهو مختص بذوات الأنفس راسخ في موضوعه.
وقيل: ملكة. ولم يقل صفة، ليشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة، حتى لا يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحًا.
إلا إذا كانت الصفة التي اقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح راسخة فيه.
وقيل يقتدر بها، ولم يقل بعبر بها، ليشمل حالتي النطق وعدمه: وقيل: بلفظ فصيح، ليعم المفرد والمركب٢.
стр. 39
البلاغة.
وأما بلاغة الكلام:
فهي مطابقته لمتقضى الحال١ مع فصاحته.
стр. 40
ومقتضى الحال مختلف. فإن مقامات الكلام متفاوتة١ فمقام التنكير يباين مقام التعريف٢ ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد٣ ومقام التقديم يباين مقام التأخير٤، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافة، ومقام الفصل يباين مقام الوصل،