قال الشيخ عبد القاهر١: قال الصاحب٢. إياك والإضافات المتداخلة، فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقول القائل:
يا علي بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره
ثم قال الشيخ٣: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف. ومما حسن فيه قول ابن المعتز٤ أيضًا:
وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه، ملاح٥
ومما جاء فيه حسنًا جميلًا قول الخالدي٦ يصف غلامًا له:
ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفي القريض وزان ... دينار المعاني الدقاق، منتقد٧
وأما فصاحة المتكلم:
فهي ملكة "١" يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. فالملكة قسم من مقولة الكيف التي هي هيئة قارة لا تقتضي قسمة ولا نسبة، وهو مختص بذوات الأنفس راسخ في موضوعه.
وقيل: ملكة. ولم يقل صفة، ليشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة، حتى لا يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحًا.
إلا إذا كانت الصفة التي اقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح راسخة فيه.
وقيل يقتدر بها، ولم يقل بعبر بها، ليشمل حالتي النطق وعدمه: وقيل: بلفظ فصيح، ليعم المفرد والمركب٢.
стр. 39
البلاغة.
وأما بلاغة الكلام:
فهي مطابقته لمتقضى الحال١ مع فصاحته.
стр. 40
ومقتضى الحال مختلف. فإن مقامات الكلام متفاوتة١ فمقام التنكير يباين مقام التعريف٢ ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد٣ ومقام التقديم يباين مقام التأخير٤، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافة، ومقام الفصل يباين مقام الوصل،
стр. 41
ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي١.
وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام ٢.. إلى غير ذلك كما سيأتي تفصيل الجميع.
وارتفاع٣ شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب٤، وانحطاطه بعدم مطابقته له.
فمتقضى الحال هو الاعتبار المناسب٥
стр. 42
وهذا -أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال- هو الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم. حيث يقول: النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.
فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى١ عند التركيب٢.
وكثيرًا ما يسمى ذلك٣ فصاحة أيضًا٤. وهو مراد الشيخ
стр. 43
عبد القاهر بما يكرره في دلائل الإعجاز من أن الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى دون اللفظ، كقوله في أثناء فصل منه:
علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها.
وإنما قلنا مراده ذلك؛ لأنه صرح في مواضع من دلائل الإعجاز بأن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه، منها أنه حكى قول من ذهب إلى عكس ذلك فقال: "فأنت تراه لا يقدم شعرًا حتى يكون قد أودع حكمة أو أدبًا أو اشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر". ثم قال: "والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه المحصلون؛ لأنا لا نرى متقدمًا في علم البلاغة مبرزًا في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي"، ثم نقل عن الجاحظ في ذلك كلامًا منه قوله: "والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي١ وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك".. ثم قال: "ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار. فكما أنه محال إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل، كذلك محال إذا أردت أن تعرف كان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، وكما لو فضلنا خاتمًا بأن تكون فضة هذا أجود أو فضه أنفس لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فصلنا بيتًا على بيت من أجل معناه أن لا يكون ذلك تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام".
стр. 44
هذا لفظه، وهو صريح في أن الكلام من حيث هو كلام لا يوصف بالفضيلة باعتبار شرف معناه، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فلا تكون راجعة إلى المعنى، وقد صرح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ.
فالجمع بينهما بما قدمنا بحمل كلامه حيث نفى أنها من صفات اللفظ على نفي أنها من صفات المفردات١ من غير اعتبار التركيب، وحيث أثبت أنها من صفاته على أنها من صفاته باعتبار إفادته المعنى عند التركيب.
وللبلاغة طرفان:
أعلى، إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز٢، وما يقرب منه٣.
стр. 45
وأسفل، منه تبتدئ وهو ما١ إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات٢ وإن كان صحيح الإعراب ... وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة٣:
وإذ قد عرفت معنى البلاغة في الكلام وأقسامها ومرابتها، فاعلم
стр. 46
أنه يتبعها وجوه كثيرة١ غير راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ولا إلى الفصاحة، تورث الكلام حسنًا وقبولًا.
стр. 47
وأما بلاغة المتكلم:
فهي ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ.
وقد علم بما ذكرنا١ أمران:
أحدهما: أن كل بليغ -كلامًا كان أو متكلمًا فصيح٢، وليس كل فصيح بليغًا٣.
الثاني: أن البلاغة في الكلام: مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد٤، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره٥.
стр. 48
والثاني -أعني التمييز١- منه ما يتبين في علم متن٢ اللغة، أو التصريف٣، أو النحو٤، أو يدرك بالحس٥، وهو ٦ ما عدا التعقيد المعنوي٧.
وما يحترز به عن الأول -أعني الخطأ٨- هو علم المعاني. وما يحترز به عن الثاني -أعني التعقيد المعنوى- هو علم البيان٩.
وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته، هو علم البديع.
стр. 49
وكثير من الناس يسمى الجميع علم البيان١.
وبعضهم يسمى الأول علم المعاني، والثاني والثالث علم البيان، والثلاثة علم البديع.
стр. 50
الفن الأول: علم المعاني ١.
تعريف الخطيب:
وهو علم٢ يعرف به أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال٣.
стр. 51
قيل: "يعرف" دون "يعلم"، رعاية لما اعتبره بعض الفضلاء من تخصيص العلم بالكليات والمعرفة بالجزئيات، كما قال صاحب "القانون"١ في تعريف الطب: الطب علم يعرف به أحوال بدن الإنسان، وكما قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله٢: التصريف علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم.
تعريف السكاكي:
وقال السكاكي: "علم المعاني: هو تتبع خواص تراكيب الكلام
стр. 52
في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضي الحال ذكره١".
نقد تعريف السكاكي:
"قال الخطيب": وفيه٢ نظر:
١ إذا التتبع ليس بعلم ولا صادق عليه، فلا يصح تعريف شيء من العلوم٣ به.
٢ ثم قال٤: "وأعني بالتراكيب تراكيب البلغاء"، ولا شك أن معرفة البليغ من حيث هو بليغ متوقفه على معرفة البلاغة، وقد عرفها في كتابه بقوله: "البلاغة: هي بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها٥ وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها".
فإن أريد بالتراكيب في حد البلاغة تراكيب البلغاء، وهو الظاهر، فقد جاء الدور٦، وإن أراد غيرها فلم يبينه.
стр. 53
٣ على أن قوله "وغيره" مبهم لم يبين مراده به١.
المقصود من علم المعاني:
ثم المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب:
أولها: إحوال الإسناد الخبري.
وثانيها: أحوال المسند إليه.
وثالثها: أحوال المسند.
ورابعها: أحوال متعلقات الفعل.
وخامسها: القصر.
وسادسها: الإنشاء.
وسابعها: الفصل والوصل.
وثامنها: الإيجاز والإطناب والمساواة.
ووجه الحصر أن الكلام إما خبر أو إنشاء؛ لأنه أما أن يكون
стр. 54
لنسبته خارج تطابقه، أو لا تطابقه. أو لا يكون لها خارج ١،
стр. 55
الأول الخبر، والثاني الإنشاء. ثم الخبر لا بد له من إسناد ومسند إليه ومسند١. وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى. ثم المسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلًا أو متصلًا به أو في معناه كاسم الفاعل ونحوه ٢، وهذا هو الباب الرابع. ثم الإسناد والتعلق كل واحد منهما يكون إما بقصر أو بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس، والإنشاء هو الباب السادس. ثم الجملة إذا قرنت بأخرى فتكون الثانية إما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع. ولفظ الكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة٣ أو غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن.
تنبيه١:
اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب، فذهب الجمهور إلى أنه منحصر فيهما ثم اختلفوا:
١- فقال الأكثر منهم: صدقه مطابقة حكمه للواقع ٢- هذا هو المشهور وعليه التعويل.
٣- وقال بعض الناس٣: صدقه مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر
стр. 58
صوابًا كان أو خطأ، وكذبه عدم مطابقة حكمه له. واحتج له بوجهين:
أحدهما: أن من اعتقد أمرًا فأخبر به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال: ما كذب ولكنه أخطأ، كما روى عن عائشة ﵂ قالت فيمن شأنه كذلك: ما كذب ولكنه وهم.
ورد بأن المنفي تعمد الكذب لا الكذب، بدليل تكذيب الكافر كاليهودي إذا قال: "الإسلام باطل" وتصديقه إذا قال: الإسلام حق. فقولها١: "ما كذب" متأول بما كذب عمدًا.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ، كذبهم في قولهم "إنك لرسول الله" وإن كان مطابقًا للواقع؛ لأنهم لم يعتقدوه. وأجيب عنه بوجوه.
أحدها أن المعنى نشهد شهادة وأطأت فيها قلوبنا ألسنتنا، كما يترجم عنه أن والسلام وكون الجملة اسمية في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُوْلَ اللهِ ... ﴾ فالتكذيب في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾ وادعائهم فيها المواطأة، لا في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُوْلَ اللهِ﴾ ٢.
وثانيهما: أن التكذيب في تسميتهم أخبارهم شهادة؛ لأن الأخبار
стр. 59
إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة.
وثالثها: أن المعنى لكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُوْلَ اللهِ﴾ عند أنفسهم، لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين١، وزعم أنه ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب؛ لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه، وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه:
فالأول -أي المطابق مع الاعتقاد- هو الصادق٢.
والثالث -أي غير المطابق مع الاعتقاد- هو الكاذب٣.
والثاني والرابع -أي المطابق مع عدم الاعتقاد٤، وغير المطابق مع عدم الاعتقاد٥- كل منهما ليس بصادق ولا كاذب.
стр. 60
فالصدق عنده مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده -والكذب عدم مطابقته مع عدم اعتقاده.
وغيرهما ضربان: مطابقته مع عدم اعتقاده، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده.
واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] ١؟ "، فإنهم حصروا دعوى النبي ﷺ الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو، وليس إخباره حال الجنون كذبًا لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صدقًا؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه، فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب٢.. وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد، فهو نوع من الكذب فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبًا أيضًا لجواز أن يكون نوعًا آخر من الكذب وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر مطلقًا، والمعنى "افترى أم لم يفتر؟ "، وعبر عن الثاني بقوله: "أم به جنة"؛ لأن المجنون لا افتراء له.
стр. 61
تنبيه آخر:
وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم١.
قال السكاكي: ليس من الواجب في صناعة وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها، في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات ألفية؟ فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك، إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق.
وكثيرًا ما يشير الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إلى هذا، كما ذكر في موضع ما تلخيصه هذا: اعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولًا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، ومن تحدثه نفسه بأنه لما تومئ إليه من الحسن أصلًا. فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها آخرى، وإذا عجبته تعجب، وإذا نبهته لموضوع المزية انتبه، فأما من كانت الحالات عنده على سواء، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابًا ظاهرًا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر، ويميز به مزاحفة من سالمه في أنك لا تتصدى لتعريفه، لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف ... واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة أيضًا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء مما تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعًا من النفس وحظًّا من القبول، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول.. واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة
стр. 62
الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله١ شاهدًا في غيره أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك وتعودها الكسل والهوينا، قال الجاحظ: وكلام كثير جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة وثمرة مرة. فمن أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئًا٢، فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت العلم مختلًّا ٣.
стр. 63
القول في أحوال الإسناد الخبري ١:
من المعلوم لكل عاقل أن قصد المخبر ٢ بخبره إفادة المخاطب إما.
стр. 64
نفس الحكم١ كقولك زيد قائم لمن لا يعلم أنه قائم، ويسمى هذا فائدة الخبر. أما كون المخبر عالمًا٢ بالحكم، كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: زيد عندك، ويسمى هذا لازم فائدة الخبر٣.
قال السكاكي٤:
стр. 65
"والأولى بدون هذه تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، كما هو حكم اللازم المجهول المساواة١.
أي يمتنع أن لا يحصل العلم الثاني من الخبر نفسه عند حصول الأول منه٢، لامتناع حصول الثاني قبل حصول الأول، مع أن سماع الخبر من المخبر كاف في حصول الثاني منه.
ولا يمتنع أن لا يحصل الأول٣ من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه، لجواز حصول الأول قبل حصول الثاني وامتناع حصول الحاصل.
стр. 66
وقد ينزل العالم١ بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل بأحدهما.. قال السكاكي:
وإن شئت فعليك بكلام رب العزة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي وآخره ينفيه عنهم حيث لم يعلموا بعلمهم. ونظيره في النفي والإثبات: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] ٣، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] .
هذا لفظه٤.. وفيه إيهام أن الآية الأولى من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما، وليست منها، بل هي من أمثلة تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به لعدم جريه على موجب العلم، والفرق بينهما ظاهر.
стр. 67
وإذا كان غرض المخبر بخبره إفادة المخاطب أحد الأمرين، فينبغي أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة:
١- فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم١ -بأحد طرفي الخبر على الآخر- والتردد فيه استغنى عن مؤكدات الحكم كقولك: جاء زيد، وعمرو ذاهب، فيتمكن في ذهنه، لمصادفته إياه خاليًا.
٢- وإن كان متصورًا لطرفية٢، مترددًا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبًا له، حسن تقويته بمؤكد٣، كقولك لزيد عارف أو أن زيدًا عارف.
стр. 68
٣- وإن كان حاكمًا بخلافه وجب توكيده١ بحسب الإنكار٢، فتقول: "إني صادق" لمن ينكر صدقك ولا يبالغ في إنكاره، "وإني لصادق" لمن يبالغ في إنكاره. وعليه قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ . [يس: ١٣، ١٤، ١٥] .
стр. 69
حيث قال في المرة الأولى: إنا إليكم مرسلون، وفي الثانية: إنا إليكم لمرسلون١.
ويؤيد ما ذكرناه جواب أبي العباس٢ للكندي عن قوله: إني أجد في كلام العرب حشوًا، يقولون: عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم، والمعنى واحد. بأن قال، بل المعاني مختلفة، "فعبد الله قائم" إخبار عن قيامه، و"إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وإن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر.
ويسمى النوع الأول من الخبر ابتدائيًّا٣، والثاني طلبيًّا، والثالث إنكاريًّا، وإخراج الكلام على هذه الوجوه٤ إخراجًا على مقتضى الظاهر٥.
стр. 70
وكثيرًا ما يخرج على خلافة١:
١ فينزل غير السائل منزلة السائل، إذا قدم إلى ما يلوح له بحكم الخبر، فيستشرف له استشراف المتردد الطالب٢ كقوله تعالى:
стр. 71
﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] ١، وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إن النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] ، وقول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء٢
وسلوك هذه الطريقة شبعة من البلاغة فيها دقة وغموض.
روى عن الأصمعي٣ أنه قال:
كان أبو عمرو بن العلاء ٤ وخلف الأحمر٥ يأتيان بشارًا ٦، فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان، فأتياه يومًا فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في
стр. 72
ابن قتيبة١ قال: هي التي بلغتكما، قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب قال: نعم إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ فأنشدهما:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح": بكرا فالنجاح، كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت "إن ذاك النجاح" كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت "بكرا فالنجاح" كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام خلف فقبل بين عينيه.
فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء -وهم من فحولة هذا الفن- إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟
٢- وكذلك بنزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار٢. كقوله٣:
стр. 73
جاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فإن مجيئه هكذا مدلًّا بشجاعته قد وضع رمحه عرضًا لدليل على إعجاب شديد منه، واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بني عمه أحد. كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم رمح.
٣- وكذلك بنزل المنكر١ منزلة غير المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن الإنكار، كما يقال لمنكر الإسلام: الإسلام حق٢. وعليه قوله تعالى في حق القرآن: ﴿لَاْ رَيْبَ فِيْهِ﴾ ٣.
стр. 74
ومما يتفرع على هذين الاعتبارين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٤-١٥] . أكد إثبات الموت تأكيدين وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل "ميتون" دون "تموتون" كما سيأتي الفرق بينهما١. وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرًا بأن لا ينكر، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فينزل المخاطبون منزلة المترددين، تنبيهًا لهم على ظهور أدلته، وحثًّا لهم على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل.
هذا كله اعتبارات الإثبات وقس عليه اعتبارات النفي٢، كقولك: ليس زيد أو ما زيد منطلقًا أو بمنطلق، ووالله ليس زيد
стр. 75
أو ما زيد منطلقًا أو بمنطلق، وما ينطلق أو ما أن ينطلق زيد، وما كان زيد ينطلق، وما كان زيد لينطلق، ولا ينطلق زيد، ولن ينطلق زيد، ووالله ما ينطلق أو ما إن ينطلق زيد.