← Баляга

Баляга · id 7380

الإيضاح في علوم البلاغة

جلال الدين القزويني

Полный текст (638 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نقد النثر والمجاز العقلي: وكذلك كتاب "نقد النثر" ضئيل الصلة بالمجاز العقلي. قال: ومن الاستعارة انطاق ما لا ينطق مثل: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ ومثل: امتلأ الحوض وقال قطني -وذكر أيضًا المثال: فللموت ما تلد الوالدة "٦٦ نقد النثر".. ومن المعلوم أن كلامه في هذا قليل جدًّا من ناحية البحث البياني وهو متأثر بخطابه أرسطو، حامل لهذه المثل على الاستعارة، كما صنع عبد القاهر بعد. الآمدي وأسلوب المجاز العقلي: قال الآمدي في موازنته: المصادر قد تجعل أوصافًا في مكان أسماء الفاعلين وإنما تكون أوصافًا على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم إنما زيد دهره أكل ونوم وإنما عمرو أبدًا قيام وقعود، فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه أو تجعل زيدًا نفسه الأكل والنوم وعمرًا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذكل كثير منهما كما قالت: "فإنما هي إقبال وإدبار"، فجعلت الناقة هي الإقبال والإدبار؛ لأن ذلك كثير منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار فأقمت المضاف إليه مقام المضاف فهذه طريقة الوصف بالمصادر على ما ذكرته، فيقال هند الحسن كله ودعد الجمال أجمعه وزيد الهرم أقصاه وعبد الله التيه بعينه: إن شئت كان المعنى هند صاحبة الحسن كله ودعد ذات الجمال أجمعه وزيد أخو الهرم وعبد الله ذو التيه فأقمت المضاف إليه مقام المضاف مثل واسأل القرية، وإن شئت جعلت هندًا هي الحسن ودعد هي الجمال على المبالغة لما كانتا متناهيتين في هذين الوصفين "٧٦ الموازنة طبعة صبيح". ورأى صاحب الموازنة قد حلله أتم تحليل وإن كان لا يخرج عن رأي المبرد في كثير ولا قليل.. فإن هذه الأساليب كلها بعيدة عن

стр. 107

المجاز العقلي إنما هي على الحذف والاختصار، أما ما ذكره في الكامل من الأساليب من مثل: نهارك صائم وليلك قائم فقد حملهما على المبالغة أو على الحذف كما سبق: وسيبويه يحملها كلها على الحذف. ومن تتمة الفائدة: أن ننقل هذا النص عن المبرد وإن لم يكن وثيق الصلة بالمجاز العقلي، قال المبرد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ مجاز مصيره على ذا كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لا يتلقطونه مقدرين فيه ذلك ولكن تقديره: فكان مصيره إلى عداواتهم وحزنهم، ومثله: ودورهم بخراب الموت نبنيها، أي إلى هذا تصير، ومثل قول ابن الزبعري فللموت ما تلد الوالدة، أي أن هذا مصيرهم "٢٦-٢٨ ما اتفق لفظه للمبرد". خطابة أرسطو والمجاز العقلي: وقد ترجمت في القرن الثالث الهجري ولم يتأثر بها أئمة البيان كثيرًا في فهم هذا الأسلوب، وإنما كان جل تأثرهم بآراء علماء العربية كسيبويه والمبرد وابن فارس، وليس فيها إلا كلام قريب الصلة بالمجاز العقلي: قال: "ومن التغيرات الاستعارية اللذيذة أن ينسب الأمر إلى صفة الفاعل مثل الشيخوخة تفعل الخير بدل الشيخ".. وقال: ومن أنواع الاستعارة اللفظية أن تجعل أفعال الأشياء غير المتنفسة كأفعال ذوات الأنفس مثل الغضب لجوج "راجع باب العبارة في فن الخطابة في الشفاء لابن سينا". فهو ها هنا يجعل هذه الأساليب استعارة فقط، لا حذفًا كما ذهب إليه سيبويه. وصنيع الخطابة في هذا هو صنيع عبد القاهر، فقد جعل ما شابه هذه الأساليب مجازًا عقليًّا ورد أن تكون من الحذف بسبيل.

стр. 108

ابن فارس وأسلوب المجاز العقلي: قال ابن فارس: ومن اللامات لام العاقبة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لم يلتقطوه لذلك ولكن صارت العاقبة ذلك "٨٧ الصاحبي لابن فارس". وقال: ومن سنن العرب الحذف والاختصار، ومنه "واسأل القرية" أراد أهلها، وبنو فلان يطؤهم الطريق أي أهله، ومنه نطأ السماء أي مطرها، وعلى خوف من فرعون: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ أي ضعف عذابها "١٧٥ الصاحبي". وقال: ومن سنن العرب إضافة الفعل إلى ما ليس فاعلًا في الحقيقة مثل جدارًا يريد أن ينقض وهو في شعر العرب كثير "١٧٩ و١٨٠ الصاحبي". وقال: باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل، تقول سر كاتم أي مكتوم، وفي القرآن لا عاصم اليوم من أمر الله أي لا معصوم، ومن ماء دافق، وعيشة راضية أي مرضي بها، وحرمًا آمنًا أي مأمونًا فيه.. قيل ويأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . أي آتيا "١٨٧ و١٨٨ الصاحبي". وقال: ومن سنن العرب وصف الشيء بما يقع أو يكون منه كقولهم يوم عاصف أي عاصف الريح؛ لأن عصوف ريحه يكون فيه، ومثله ليل نائم، وليل ساهر؛ لأنه ينام فيه ويسهر، قال أوس: خذلت على ليلة ساهرة، وقال عمرو بن براق: "وليلك من ليل الصعاليك نائم". ومثله، "وما ليل المطي بنائم". ويقولون: لا يرقد وسادة يريدون متوسد الوساد "١٨٨ الصاحبي".. وقال: ومن سنن العرب التوهم والإيهام وهو أن يتوهم أحدهم شيئًا ثم يجعله كالحق كمساءلة الرسوم "١٩٢".. وقال: ومن سنن العرب الإضمار:

стр. 109

إضمار الأسماء، وإضمار الأفعال، وإضمار الحروف "١٩٦-١٩٨ الصباحي"- والعرب تضمر الفعل فيشتبه المعنى حتى يعتبر فيوقف على المراد مثل "فإني لا ألام على دخول" أي على ترك دخول، وقال الأعشى: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا، أي من أجل آل ليلى "ص١٩٨ و١٩٩". وقال: باب إضافة الشيء إلى ما ليس له مثل سرج الفرس وثمرة الشجرة وغنم الراعي "ص٢٠٥". وقال: باب اقتصارهم على ذكر بعض الشيء. وهم يرديون كله ومنه: ويبقى وجه ربك إلخ. "٢١٢ و٢١٣". وبالتأمل فيما ذكره ابن فارس في الصاحبي نجده يفرق بين باب الحذف وباب المبالغة والمجاز، فيذكر مثل الحذف ويجعلها من الحذف، ويذكر مثل المبالغة كليل نائم ويجعلها من وصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه. وابن فارس في هذا جد دقيق متحر للصواب فيما يرى ويقول. ابن الأثير والمجاز العقلي: كذلك لم يعرض ابن الأثير في المثل السائر للمجاز العقلي، وإنما جعل المجاز ثلاثة أقسام: توسع في الكلام وتشبيه واستعارة: فالتوسع يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول والمنقول إليه لطلب التوسع في الكلام، وهو ضربان: ١- ما يرد على وجه الإضافة واستعماله قبيح، لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه، وذلك؛ لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين الطرفين، كان ذلك قبيحًا مثل بح صوت المال وماء الملام.

стр. 110

٢- ما يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه مثل: قالتا أتينا طائعين، فنسبة القول إلى السماء من باب التوسع؛ لأنهما جماد لا ينطق، وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول ... وهذا النوع الثاني قريب من أسلوب المجاز العقلي، وابن الأثير يعده من التوسع الذي هو قسم من أقسام المجاز. عبد القاهر والمجاز العقلي: ليس عبد القاهر أول من تكلم على أسلوب المجاز العقلي، فقد تقدمه كثير من العلماء: كسيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس.. وفي هذا ما يبطل الرأي القائل بأن المجاز الحكمي -العقلي- من ابتداع عبد القاهر وحده، وهو رأي ذهب إليه الدكتور طه حسين في مقدمته لكتاب نقد النثر. وبلاغة المجاز العقلي كما فهمها عبد القاهر سبق إلى بيانها باختصار وفي خفية المبرد والآمدي. وجملة ما ذكره عبد القاهر في كتابيه الأسرار والدلائل عن المجاز العقلي.. هي: ١- إثبات وجود المجاز العقلي وبيان سر الفروق بينه وبين المجاز في الكلمة. ٢- بيان أن المجاز في الإثبات عقلي وفي الكلمة المثبتة لغوي. ٣- بيان حد هذين النوعين من المجاز "المجاز الحكمي والمجاز في المفرد". ٤- بيان القرينة على التجوز في المجاز العقلي والفرق بينه وبين الأحاديث الكاذبة.

стр. 111

٥- الكلام على بلاغة المجاز العقلي ودرجاته في البلاغة -من العامية والخاصية- وأن تقدير الحقيقة في الإسناد المجازي قد لا يتأتى في الأسلوب، وتوضيح سر دقة الأساليب الخاصية في المجاز العقلي، وتأويل نظرية علماء النحو التي يذهبون فيها إلى أن أسلوب المجاز الحكمي على تقدير مضاف، والدفاع عن بلاغة المجاز الحكمي التي يهتضمها مثل هذا التقدير الحائف والتأويل البعيد. وهذه الآراء مبسوطة في كتابي "عبد القاهر، والبلاغة العربية" بسطًا وافيًا، فليرجع إليها من أراد. الراغب الأصفهاني والمجاز العقلي: أكثر الأسباب التي يحتاج الفعل إليها في وجوده كما يقول الراغب عشرة: فاعل يصدر عنه كالنجار وعنصر يعمل فيه كالخشب وعمل كالنجر، وزمان ومكان يعمل فيهما، وآلة يعمل بها كالمنجر، وغرض قريب كاتخاذ النجار، وغرض بعيد كتحصين البيت به، ومثال يعمل عليه ويقتدي به، ومرشد يرشده.. وكل قد ينسب إليه الفعل فيقال أعطاني زيد إذا باشر الإعطاء وأعطاني الله لما كان هو الميسر له وربما جمع بين السببين: البعيد والقريب فيقال: أعطاني الله وزيد، قال الشاعر: حبانا به جدنا والإله ... وضرب لنا أجذم صارم فنسب إلى الأول وهو الله وإلى السبب المتأخر وهو الضرب وإلى المتوسط وهو الجد.. وقال: الله يتوفى الأنفس حين موتها، فأسند إلى الآمر به، قل يتوفاكم ملك الموت، فأسند إلى المباشر له، وقال الشاعر: وألبسنيه الهالكي.. وقال: كساهم محرق١ فنسب

стр. 112

الفعل إلى عاملها وفي الثاني إلى مستعملها، وقال في صفة نبال: كستها ريشها مضرحية، فنسب كسوتها إلى الطائر الذي أخذ ريشه فجعل لها: وقيل يداك أوكتا وفوك نفخ، فنسب الفعل إلى الآلة المتصلة. ويقال سيف قاطع فنسب إلى الآلة المنفصلة. وقيل ضرب قاطع وطعن جائف فنسب إلى الحدث. وسر كاتم وعيشة راضية، فنسب إلى المفعول. وقال تعالى: حرمًا آمنا. فنسب إلى المكان. وقيل يوم صائم وليل ساهر، وما ليل المطي بنائم، فنسب إلى الزمان.. ولما كانت أفعالنا على ذلك صح في الفعل الواحد أن ينسب إلى أحد الأسباب مرة وينفي عنه مرة بنظرين مختلفين. وقال: أعطيت من لم تعطه ولو انقضى ... حسن اللقاء حرمت من لم تحرم فأثبت له الفعل ونفاه عنه بنظرين مختلفين.. وهذا فصل من تأمله لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ فينظر من اللفظ إلى المعنى، بل ينظر في مثل هذا من المعنى إلى اللفظ. ومن أجل هذا قال قوم من المحصلين لا فاعل في الحقيقة لأي شيء من الأفعال إلا الله تعالى فإن فعله يستغني عن الزمان والمكان والمادة، ومن عداه من الفاعلين فإن له من كل ذلك وبعضه، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازًا ويصح أن ينسب فعل الله تعالى إلى كل ما تقدم ذكره "١٨٠-١٨٢ الذريعة إلى مكارم الشريعة". وبهذا نرى أن الراغب ينفي المجاز العقلي كافة، ولكن في نظري أنه إنما ينظر إلى المعاني كما قال في آخر كلمته، ويوجه الألفاظ في دلالتها إلى ما تقتضيه المعاني، ولا ينظر إلى النظم والأسلوب وكيفية أدائه للمعنى من حقيقة أو مجاز، فهو عن هذا في واد بعيد، وشغل شاغل.

стр. 113

صاحب المصباح١ وأسلوب المجاز العقلي: وقد تأثر بدر الدين في كتابه في بحث المجاز العقلي بالسكاكي: قال: المجاز العقلي هو الكلام المزال إسناده عما هو له عند المتكلم إلى غيره بضرب من التأويل والمراد بما الإسناد له عند المتكلم ما يعتقد قيام الفعل به أو صدوره عنه، ولم أقل بغير العقل؛ لأنا لم نرهم يحملون نحو "أشاب الصغير البيت" على المجاز ما لم يعلموا أو يظنوا صدوره عن غير جهل، أوما ترى كيف استدلوا على أن إسناد "ميز" إلى الجذب في قوله: ميز عنا قنزعا عن قنزع ... جذب الليالي أبطئي أو أسرعي مجاز بأن أتبعه قوله: "أفناه قيل الله إلخ" الشاهد لنزاهته أنه يريد الظاهر، وقولي بضرب من التأويل مخرج للكذب. وسمي هذا الضرب مجازًا عقليًّا لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي من غير تغيير للوضع. ومن شرط هذا المجاز أن يكون للمسند إليه شبه بالمتروك في تعلقه بالعامل "٦٩ و٧٠ المصباح". فهو يثبت المجاز العقلي ويفسره ويبين شروطه ويفرق بينه وبين الكذب. "حسن التوسل في صناعة الترسل" والمجاز العقلي: وهذا الكتاب متأثر في بحث أسلوب المجاز العقلي بعبد القاهر، قال: المجاز مفعل من جاز يجوز إذا تعداه. فإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز بمعنى أنهم قد جاوزوا به موضعه الأصلى أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولًا؛ لأنه ليس بموضع أصلي لهذا

стр. 114

اللفظ ولكنه مجازه ومتعداه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعداه إلى مكانه الأصلى١.. وحدهما -الحقيقة والمجاز- في المفرد: أن كل كلمة أريد بها ما وضعت له فهي حقيقة "١١٧ المرجع المذكور" كالأسد للحيوان واليد للجارحة، وإن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهي مجاز كالأسد للشجاع واليد للنعمة أو القوة، وحدهما في الجملة: أن كل جملة كان الحكم الذي دلت عليه كما هو في العقل فهي حقيقة مثل خلق الله الخلق، وكل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل لضرب من التأويل فهي مجاز، كما إذا أضيف الفعل إلى شيء يضاهي الفاعل كالمفعول به في عيشة راضية. أو المصدر في شعر شاعر، أو الزمان في ليلة نائم، أو المكان في طريق سائر، أو المسبب في بنى الأمير المدينة، أو السبب في وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، فمجاز المفرد لغوي ويسمى مجازًا في المثبت ومجاز الجملة عقلي ويسمى مجازًا في الإثبات، فالمجاز قد يكون في المثبت وحده مثل: فأحيينا به الأرض بعد موتها، وقد يكون في الإثبات وهو أن يضيف الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي كما ذكرنا. وقد يكون فيهما جميعا كقولك آنستني رؤيتك أي سرتني فجعل المسرة حياة، وأسندها إلى الرؤية وهو مجاز في الإثبات "١١٨ حسن التوسل".

стр. 115

الزمخشري والمجاز العقلي: قال في الكشاف في تفسير الآية الكريمة: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ما نصه: ويجوز أن يستعار الإسناد نفسه من غير الله لله فيكون الختم مسندًا إلى الله على سبيل المجاز وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا أن للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلا هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة وذلك لمضاهاتها الفاعل في ملابسته الفعل١ كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية وماء دافق وفي عكسه: سيل مفعم وفي المصدر شعر شاعر وذيل ذائل وفي الزمان نهاره صائم وليله قائم، وفي المكان طريق سائر ونهر جار، وأهل مكة يقولون: صلى المقام، وفي المسبب بنى الأمير المدينة، وقال الشاعر: إذا رد عافى القدر من يستعيرها. فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله لما أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب. وقال في الأية الكريمة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تَجَارَتُهُمْ﴾ ما نصه: فإن قلت كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها. قلت: هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين.

стр. 116

الشهاب الخفاجي وأسلوب المجاز العقلي: جاء في طراز المجالس للشهاب الخفاجي م سنة ١٠٦٩هـ ما نصه: قال الأبهري في شرح العضد: الفاعل لا بد أن يكن سببًا قابليًّا لفعله ليصح الإسناد إليه لغة، فإذا أسند فعل إلى ما لا يكون سببًا قابليا له يجعل مجازًا عن فعل آخر مناسب١ له يكون الفاعل قابليًّا٣ له، ويكفي في هذا التسبب أن يعد الفاعل سببًا قابليًّا له في عرف العرب وعادتهم ولا يجب أن يكون محلًّا له في الحقيقة، فإنهم لا ينظرون في الإسناد إلى ذلك، ويرون جهة الإسناد -في نحو: سرتني رؤيتك ومات زيد وضرب عمرو- واحدة من حيث أن الفاعل فيها سبب قابل لأفعاله عادة وإن كان موجدها هو الله حقيقة، فقول الشيخ عبد القاهر: "الإسناد في سرتني رؤيتك مجاز إذ فاعله في الحقيقة هو الله والمعنى سرني الله عند رؤيتك، وفي الآخرين حقيقة" بعيد؛ لأن موجد الضرب أيضًا هو الله لما ثبت من قاعدة خلق الأفعال، وكذا محدث الموت اتفاقًا لكن العرب لا يخطر ببالهم عند إسناد الضرب إلى عمرو والمسرة للرؤية أن فاعلها غير المذكور. قال الشهاب: وهذا كلام دقيق، ولكن فيه بحث من وجهين: ١- كيف يتم قوله: إذا أسند فعل إلى ما لا يكون سببًا قابليًّا له يجعل مجازًا عن فعل آخر مناسب له يكون الفاعل قابليًّا له، فإنه يقتضي أنه لو أسند إلى الموجد الحققي كخلق الله السموات والأرض يكون مجازًا، وهذا يأباه العقل والنقل، وكون هذا لا بد فيه من التجوز في

стр. 117

الفعل أيضًا لا وجه له لجواز التجوز في الإسناد، فما وجه الحصر؟. ٢- كيف يشترط في الإسناد الحقيقي أن يكون الفاعل سببًا قابليًّا، دائمًا في اللغة. بناء على أن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي، مع أن اللغة واستعمال العرب يشهد بخلافه في مواضع كثيرة: منها ما ذكر من الإسناد للموحد، ومنها أن الفعل يوضع للإعدام الصرفة كفقد وعدم وقد يسند للرجل حقيقة ما يقبله غيره ويقوم به مثل قطف، وهذا كله يقتضي أن الحقيقة والمجاز. يدوران على اعتبار اللغة وواضعها. والذي تحرر عندي وهو ما رد به الأبهري: أن الفاعل الواقع في التخاطب لا سيما في اللسان العربي هو من تلبس بالفعل وقام به أو كان سببًا قابليًّا عاديًا في الإثبات، أو ما هو في حكمه، وليس هذا على الإطلاق بل إذا كان الشيء موجدًا وفاعلًا حقيقيًّا. وكان له أمر آخر قام به أو نسب له على الوجه المذكور فإنه يسند حقيقة إلى الثاني دون الأول، فإن لم يكن إلا الأول كخلق الله السموات يسند حقيقة إلى الموجد، وإنما الكلام ومحل النزاع هو الأول، ثم السبب القابل ليس المراد به ما هو كذلك حقيقة بل هو وما جرى مجراه، ولذا عول فيه على عادة العرب في عرف تخاطبهم، ومن كان له دراية وطالع أساس البلاغة للعلامة وفقه اللغة للثعالبي وقف على سر هذا "٢٠٤-٢٠٦ طراز المجالس".

стр. 118

والخلاصة: أن أسلوب المجاز العقلي قد اختلف فيه العلماء: ١- فسيبويه ومن تابعه يقولون: هو على تقدير محذوف -نقام ليلي أي نمت في ليلي. ٢- وأناس يقولون: المجاز في الفعل وحده وهو "نام" ... فهو فيه مجاز لغوي لا غير، ويرد عبد القاهر هذا الرأي ردًّا مطولًا في كتابه "الأسرار". ولكن الأبهري اتخذ ذلك مذهبًا في شرحه على العضد، ورد على ذلك الخفاجي في "طراز المجالس". ٣- وأخرون يقولون: المجاز في الفاعل وحده وأنه على تشبيهه بالفاعل الحقيقي، وعبد القاهر يرد على ذلك، ولكن الزمخشري يلوح كلامه باعتقاده هذا الرأي، والسكاكي ذهب إليه وحده، وجعله مذهبًا له في التخلص من المجاز العقلي. ٤- وعبد القاهر يرى أن المجاز في الإسناد، وأن تشبيه الفاعل غير الحقيقي بالفاعل الحقيقي إنما هو عبارة على العلاقة في هذا التجوز العقلي وأن تقدير المضاف في أسلوب المجاز العقلي صار كالشريعة المنسوخة، فهو غير منظور إليه الآن ... ولا شك أن رأي عبد القاهر هو أمثل هذه الآراء في فهم بلاغة هذا الأسلوب.

стр. 119

حول المجاز العقلي ١- الحقيقة العلمية والمجاز العقلي عند الخطيب من صفة الإسناد لا الكلام، حيث قال: "ثم الإسناد منه حقيقة عقلية ومجاز عقلي"؛ لأن المتصف بالحقيقة والمجاز في الواقع هو ما تسلط عليه التصرف

стр. 120

العقلي وهو الإسناد، فاتصاف الكلام بهما بالتبع للأمر العقلي وهو الإسناد، واتصاف الإسناد بهما بطريق الأصالة، فجعل الإسناد معروضًا لهما. وذلك أولى -لكون ذلك بالأصالة- من جعل الكلام معروضًا لهما؛ لأن ذلك بالتبع، وكلام الزمخشري يؤيد الخطيب. أما السكاكي فجعلهما صفتين للكلام حيث قال: "المجاز العقلي هو الكلام المقاد به خلاف ما عند المتكلم إلخ"، والحقيقة العقلية هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم إلخ". أما كلام عبد القاهر من قوله: "مجاز واقع في الإثبات" وقوله "الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل"، فظاهره أن المتصف بذلك هو الإسناد. ولكن قوله في حد الحقيقة في الجملة: "كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه فهو حقيقة"، وفي حد المجاز العقلي فيها: "فكل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل لضرب من التأويل فهو مجاز"، وقوله "لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد الأمرين"، كل ذلك يوهم أنهما عنده صفتان للكلام لا للإسناد. ولكن الحق أن عبد القاهر يجعلهما وصفًا للإسناد بالذات فإذا وصف بهما الكلام فباعتبار اشتماله على الإسناد. فرأيه مؤيد لما سبق عن الخطيب، وهذا ظاهر مما نقله ابن الحاجب في رأي الشيخ، عبد القاهر أيضًا من أنه يجعلهما وصفًا للإسناد، كما أن ذلك هو رأي جمهور علماء البلاغة، ولكن السعد يرى أن عبد القاهر يجعلهما وصفًا للكلام كصاحب المفتاح، والحق أن السعد في ذلك قد وهم بظاهر بعض كلام عبد القاهر، فالحق أن عبد القاهر يرى أنهما وصفان للإسناد. ثم قال السعد: "قال الخطيب: وإنما اخترنا أنهما صفة للإسناد؛ لأن نسبة الشيء الذي يسمى حقيقة أو مجازًا إلى العقل على هذا لنفسه بلا واسطة وعلى قولهما "عبد القاهر والسكاكي" لاشتماله على ما ينسب إلى العقل أعني الإسناد، يعني الخطيب أن

стр. 121

تسمية الإسناد حقيقة عقلية إنما هي باعتبار أنه ثابت في محله ومجاز باعتبار أنه متجاوز إياه والحاكم بذلك هو العقل دون الوضع؛ لأن إسناد كلمة إلى كلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة. فإن ضرب مثلًا لا يصير خبرًا عن زيد بواضع اللغة بل بمن قصد إثبات الضرب فعلًا له وإنما الذي يعود إلى الواضع أنه لإثبات الضرب دون الخروج وفي الزمان الماضي دون المستقبل١ فالإسناد ينسب إلى العقل بلا واسطة والكلام ينسب إليه باعتبار أن إسناده منسوب إليه".. فالسعد يثبت هنا أمرين: ١- أن المجاز في الإسناد عقلي وكذلك الحقيقة في الإسناد عقلية. ٢- أن المجاز والحقيقة العقليين راجعان إلى الإسناد. فالخلاصة أنهما وصفان للإسناد إلا عند السكاكي على أن كلام السكاكي ربما أمكن تأويله، أفلا تراه يقول: المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل والحقيقة هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه فيجعل مناطهما الحكم "وهو الإسناد"، ويسميه -تبعًا لعبد القاهر- أحيانًا مجازًا حكميًّا ومجازًا في الإثبات، أفلا يدل ذلك على أن السكاكي يعتبر التجوز إنما هو أولًا في الإسناد، فيكون على هذا وصفًا له، قال السبكي: بل لا يصح من جهة المعنى إلا ذلك. الحق أن جمهور علماء البلاغة على أن المجاز والحقيقة العقليين إنما هما وصف للإسناد، وما يوهمه كلام السكاكي فمؤول، وتأويل ما يوهمه عبد القاهر في ذلك أظهر في باب التأويل إذ لا يحتاج في تأويله إلى دليل.

стр. 122

٢- ذكر الخطيب المجاز العقلي في علم المعاني وذكره السكاكي في علم البيان. أما حجة الخطيب فهي أن المجاز العقلي داخل في تعريف علم المعاني لا البيان فكأنه مبني على أنه من الأحوال المذكورة في تعريف المعاني كالتأكيد والتجريد عن المؤكدات، فهو من أحوال اللفظ -بواسطة أنه من أحوال الإسناد- التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، قال السعد: "وفيه نظر؛ لأن علم المعاني إنما يبحث عن الأحوال المذكورة من حيث إنها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال وظاهر أن البحث في الحقيقة والمجاز العقليين ليس من هذه الحيثية -وإلا لو كانا من الأحوال المعهودة لذكر المصنف الحال التي تقتضي الحقيقة والمجاز كما ذكر في غيره من المباحث الآتية- فلا يكون داخلًا في علم المعاني وإلا فالحقيقة والمجاز اللغويان أيضًا من أحوال المسند أو المسند إليه"، هذا اعتراض قوي من السعد، تخلص منه بعض العلماء بحجة واهية وهي أن الخطيب إنما ذكر المجاز والحقيقة العقليين هنا على طريق الاستطراد لا غير أي لا لمناسبة. أما حجة السكاكي في ذكرهما في علم البيان فقوية، قالوا: لما كان علم البيان موضوعًا لبيان ما يعرف به كيفية إيراد المعنى الواحد بطريق مختلفة في وضوح الدلالة واختلاف الطرق يكون بالحقيقة والمجازية في الجملة، أوردهما في علم البيان، ولكن الخطيب -كما سبق- راعى أنهما من أحوال الكلام المفيد، باعتبار عروضهما لإسناده الذي به صار مفيدًا، والكلام المفيد تراعى فيه المعاني الزائدة على أصل المراد ليطابق بها الكلام مقتضى الحال، بخلاف الحقيقة والمجاز اللغويين فليسا من أحوال الكلام المفيد بل من أحوال أجزائه، والمفيد من حيث أنه مفيد بالإسناد هو المعروض للمعاني الزائدة على أصل المعنى المراد ليطابق بها مقتضى الحال كما تقدم. قال ابن يعقوب: لكن يرد على هذا أنهما يكونان من علم المعاني أن ذكرا فيه من حيث المطابقة لمقتضى الحال، ولم يذكرا فيه

стр. 123

من تلك الجهة والحيثية بل من حيث تفسيرهما وذكر أقسامهما، وقد يجاب عن هذا بأن تصور حقيقتهما يدرك معه بسهولة ما يذكر في علم المعاني من كيفية الاستعمال للمطابقة لمقتضى الحال؛ لأنه إذا علم أن المجاز يفيد تأكيد الملابسة علم أنه لا يعدل إليه عند اقتضاء المقام لذلك التأكيد مثلًا فكأنه ذكر ولم يصرح به لوضوحه. الحق مع السكاكي في عدهما من علم البيان، وما قيل عن عدهما في المعاني تكلف محض، ولابن السبكي رأي غريب في توجيه حجة السكاكي في عدهما من البيان، قال: جعلهما السكاكي في علم البيان؛ لأنه كان ينكر هذه الحقيقة وهذا المجاز فلذلك ذكرهما ثم. ٣- المجاز والحقيقة العقليان وصف للإسناد مطلقًا سواء كان خبريًّا أو إنشائيًّا ولهذا قال الخطيب "ثم الإسناد منه حقيقة عقلية إلخ" فأتي بالاسم الظاهر دون الضمير -وإن كان المحل للضمير حيث كان السياق أن يقول ثم منه- لئلا يتوهم عوده على الإسناد المقيد بالخبرى في قوله "أحوال الإسناد الخبري، وارتكاب الاستخدام في الكلام خلاف الأصل"، ولا يرد أن المعرفة إذا أعيدت بلفظ المعرفة كانت عين الأولى فما لزم على الإتيان بالضمير لازم على الإتيان بالاسم الظاهر؛ لأنا نقول ليس هذا كليا بل مقيد بما إذا خلا عن قرينة المغايرة. ومما يدل على أن المراد الإسناد مطلقًا الأمثلة الآتية من نحو: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ . وليس المراد خصوص الخبري كما قد يتوهم من كون البحث في الإسناد الخبري. والحقيقة والمجاز العقليان يقتضي ذكرهما في الإسناد الخبرى وجعلهما وصفًا للإسناد مطلقًا -إنشائيًّا كان أو خبريًّا- اختصاصهما بالإسناد التام؛ لأن الإنشاء والإخبار وصفان له. مع أنهما لا يختصان بالإسناد التام بل يكونان في الإسناد الناقص كما في إسناد المصدر للفاعل وللمفعول به مثل أعجبني ضرب زيد وجري النهر وأعجبني إنبات الله البقل أو إنبات الربيع البقل.

стр. 124

وأجاب الحفيد بأن المراد بالإنشائي والإخباري الإسناد في الجملة الإنشائية والإخبارية سواء كان تامًّا أو ناقصًا فتناول ما ذكر، فالمراد بالإسناد مطلق النسبة مجازًا مرسلًا من إطلاق المقيد على المطلق فإن الإسناد هو النسبة التامة واستعمل في مطلق النسبة: تامة كالإسنادية أم غير تامة مثل الإضافية والإيقاعية. وأجاب المطول بأن المراد بالإسناد أعم من أن يكون صريحًا أو مستلزمًا. قال الخطيب: والمجاز العقلي غير مختص بالخبر بل يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ وقد سبق إلى ذلك السكاكي "١٦٩ المفتاح". وقال السعد نقلًا عن السكاكي: لما كان تقييده بالمجاز في الإثبات وإيراده في أحوال الإسناد الخبرى يوهم اختصاصه بالخبر؛ لأن الإثبات لا يتحقق في الإنشاء إذ الإثبات يقابل الانتزاع، وكل منهما حكم، ولا حكم في الإنشاء؛ لأنه من قبيل التصورات، قال الخطيب وهو غير مختص بالخبر بل يجري في الإنشاء كما في ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أي قصرًا عاليًا. فالمجاز العقلي يدخل في الخبر، ويدخل في الإنشاء ويظهر ذلك في دخوله في أنواع الإنشاء الآتية: ١- الأمر ٢- النهي ٣- الاستفهام عند ابن يعقوب لا السبكي ٤- أما النداء فلا تقدر على دخول المجاز العقلي فيه كما قال السبكي ٥- وأما غير الإنشاء الطلبي: فالقسم لا تكاد تقدر عليه كما ذكره السبكي، والعلاقة في المجاز العقلي في الإنشاء كما هي في الخبر، فقد تكون السببية مثل ابن لي صرحًا أو المكانية مثل ليت النهر جار أو الزمانية مثل ليصم ليلك أو الآلة مثل لتقطع السكين إلخ.

стр. 125

٤- ومما سبق الإشارة إليه في الملاحظة السابقة نعلم أن المجاز العقلي أعم من أن يكون في النسبة الإسنادية أو غيرها، فكما أن إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه مجاز، فكذا إيقاعه على غير ما حقه أن يوقع عليه، وإضافة المضاف إلى غير ما حقه أن يضاف إليه؛ لأنه جاز موضعه الأصلي، فالمذكور في الخطيب إما تعريف للمجاز العقلي في الإسناد خاصة أو لمطلقه باعتبار أن يجعل الإسناد المذكور في التعريف أعم من أن يدل عليه الكلام بصريحه كما مر أو يكون مستلزمًا له كما في: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ فإنه جعل البين شقاقًا في الآية، وكما في ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ حيث جعل الليل والنهار ماكرين، وكما في يا سارق الليلة أهل الدار فإنه جعل الليل مسروقة، وكما في ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ، حيث جعل الأمر مطاعًا ... وكذا فيما جعل فيه الفاعل المجازي تمييزًا كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] ؛ لأن التمييز في الأصل فاعل، قال السعد: واعلم أن المجاز العقلي قد يدل عليه صريحًا كم مر، وقد يكون كناية كما ذكروا في قولهم "سل الهموم" أنه من المجاز العقلي حيث جعل الهموم مخزونة بقرينة إضافة التسلية إليها، فافهم ولا تقصر المجاز العقلي على ما يفهم من ظاهر كلام السكاكي والخطيب، وقال الدسوقي: المجاز العقلي والحقيقة العقلية يجريان في الإضافة مثل أعجبني جري الماء في النهر وجري النهر، وفي الإيقاعية مثل نومت ابني في الليل ونومت الليل أي أوقعت النوم عليه، فلا تختص الحقيقة والمجاز بالنسبة الإسنادية كما يوهمه كلام الخطيب؛ لأنهما كما يجريان في الإسنادية يجريان في الإضافة وهي النسبة الواقعة بين المضاف والمضاف إليه، وفي الإيقاعية وهي نسبة الفعل للمفعول فإن الفعل المتعدي واقع على المفعول أي متعلق به -ولكن يلاحظ أن ظاهر هذا يقتضي أن الايقاعية غير تامة مع أن نسبة الفعل للمفعول إنما تعتبر بعد التمام فكان الأولى الاقتصار على الإضافية إلا أن يقال إنهم التفتوا إلى نسبة الفعل للمفعول في حد ذاته بقطع النظر عن نسبته

стр. 126

للفاعل ولا شك أنها غير تامة.. فنحو أعجبني جري الأنهار من النسب الإضافية وهو مجاز عقلي وكذلك أعجبني إنبات الربيع البقل، فهما مجازان في النسبة الإضافية لكن هذا إذا جعلت الإضافة بمعنى اللام وأما لو جعلت بمعنى في فلا يكون مجازًا بل حقيقة، فلا بد من النظر لقصد المتكلم ونفس الأمر فإن كان ما قصده مناسبًا بحسب نفس الأمر فحقيقة وإلا فمجاز. ومجرد مناسبة نوع من الإضافة لا يقتضي أن تكون حقيقة ما لم يقصده. ٥- حديث المجاز العقلي أنه تجوز في الإسناد كما قال الخطيب أو تجوز في النسبة أعم من أن تكون إسنادًا أو إضافة أو إيقاعًا مصرحًا بها أو مكنية عنها كما رأى السعد، فما الحكم إذا في: أ- وصف الفاعل أو المفعول بالمصدر نحو رجل عدل، فإنما هي إقبال. ب- وصف الشيء بوصف محدثه وصاحبه مثل الكتاب الحكيم والأسلوب الحكيم، فإن المبني للفاعل قد أسند إلى المفعول لكن لا إلى المفعول الذي يلابسه ذلك المسند بل فعل آخر من أفعاله مثل أنشأت الكتاب.. فإن كلامه ظاهر في أن المفعول الذي يكون الإسناد إليه مجازًا يجب أن يكون بما يلابسه ذلك المسند. وكذا ما أسند إلى المصدر الذي يلابسه فعل آخر من أفعال فاعله نحو الضلال البعيد فإن البعيد إنما هو الضال وكذا العذاب الأليم فالأليم هو المعذب فوصف به فعله مثل جد جده، كذا في الكشاف وظاهر أن هذا المصدر مما يلابسه ذلك المسند. أما الجواب عن الأول فقد قالوا: أنه ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأنه إسناد إلى المبتدأ -والإسناد إليه ليس بحقيقة ولا مجاز عند الخطيب- هذا بعيد، والحق أنه مجاز، كما ذهب إليه عبد القاهر

стр. 127

ومن سبقه، وكما يمليه الذوق السليم، قال عبد القاهر في الدلائل: "لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة وإنما المجاز في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر كأنها تجسمت من الإقبال والإدبار، فليس المراد تشبيهها بالإقبال حتى يكون تشبيها بليغًا، ولا المراد ذات إقبال ولو كان صحيح المعنى؛ لأن ذلك يفيت المبالغة المقصودة للشاعر وهي كونها لكثرة وقوع الإقبال والإدبار منها صارت نفس كل منهما". وأما الجواب عن الثاني فهو أن الملابسة أعم من أن تكون بواسطة حرف أو بدونها، وهذه الصورة من قبيل الأول؛ لأن المعنى هو حكيم في أسلوبه وكتابه وبعيد في ضلاله وأليم في عذابه فيكون مما بني للفاعل وأسند إلى المفعول بواسطة، فهو داخل في المفعول ليكون إسناد ما للفاعل له مجازًا؛ لأنه لا يتوصل إليه ذلك المسند إلا بحرف فالمراد بالمفعول ما يتوصل إليه فعل الفاعل بنفسه أو بحرف، فهو مجاز عقلي علاقته المفعولية. فالخلاصة أن الإسناد في: أ- الإنسان حيوان ليس بحقيقة ولا مجاز عند الخطيب. ب- هي إقبال وإدبار مجاز عند عبد القاهر والسكاكي وعند السعد. جـ- كتاب حكيم رده السعد إلى المجاز. د- نام ليلي أو ليلي نائم الإسناد فيه مجاز قطعًا عند الجميع. فالخطيب أخرج الإسناد الذي بين المبتدأ والخبر عن أن يكون حقيقة أو مجازًا، ولذلك قال ثم الإسناد منه حقيقة ومنه مجاز ولم يقل إما حقيقة وإما مجاز، وذلك؛ لأن المتبادر من هذه العبارة في تقاسيم الأشياء هو الانفصال الحقيقي "مانعة جمع وخلو معا" أو المانع من الخلو إذ بأحدهما تصير الأقسام مضبوطة، دون المانع.

стр. 128

من الجمع إذ لا يعلم به عدة الأقسام قطعًا، فلو أوردت إما هنا لدلت على انحصار الإسناد في الحقيقة والمجاز والمصنف لا يقول به. قال السبكي: قال الخطيب: إسناد ما ليس فعلًا ولا متصلًا به لا يسمى حقيقة ولا مجازًا مثل الإنسان جسم، وليس كما قال بل كل خبر ففيه الإسناد وما ذكر يؤدي إلى نفي الإسناد؛ لأن من أثبت الحقيقة والمجاز العقليين فتقسيمه الإسناد إليهما منفصلة حقيقية مانعة جمع وخلو فكل إسناد ليس حقيقة ولا مجازًا لا وجود له، ومن وقف على حدي الإسناد الحقيقي والمجازي عرف ذلك، ثم نقول: الإنسان جسم فيه معنى الفعل باعتبار رجوعه إلى الإسناد المعنوي كما قدروا في زيد أسد زيد جريء، وكذلك يقدر في الجميع. هذا ويجعل ابن قتيبة مثل نبت البقل وطالت الشجرة من المجاز، ومثل قوله في الغرابة كلام صاحب الذريعة من أنه ينفي المجاز العقلي كافة، قال السبكي: وهما قولان غريبان آخذان بطرفي الإفراط والتفريط والحق بينهما. وقال الدسوقي: الظاهرية يزعمون عدم وقوع المجاز العقلي في القرآن كاللغوي لا يهام المجاز الكذب والقرآن منزه عنه.. والرد عليهم أنه لا إيهام مع القرينة. وقال ابن السبكي: في أنبت الربيع البقل إذا لم يكن من كافر ولا كذبًا أقوال: أ- المجاز لغوي في أنبت وهو رأي ابن الحاجب. ب- المجاز لغوي في الربيع وهو رأي السكاكي. جـ- المجاز عقلي في الإسناد وهذا رأي عبد القاهر والمصنف. د- أنه تمثيل فلا مجاز فيه لا في الإسناد ولا في الأفراد بل هو كلام أورد ليتصور معناه فينتقل الذهن فيه إلى إنبات الله تعالى وهو اختيار الإمام فخر الدين. انتهى كلام السبكي، ونضيف إليه رأيًا خامسًا وهو أنه حقيقة، وهو رأي صاحب الذريعة.

стр. 129

نشأة البيان العربي مدخل ... نشأة البيان العربي: ١- كان للعرب في حياتهم الأولى ذوق وفيهم طبق، كانوا بهما في غنى عن الشرح والتحليل والتوجيه والتعليل لأحكام النقد ولأصول البيان العربي ومذاهبه، وكذلك كانت أصول البيان بعيدة عن البحث والدراسة والتقرير. وفي ظلال الحياة الإسلامية اختلطت العناصر، وتمازجت الثقافات، فلقحت العقول، وأصابت الألسنة آثار من اللكنة واللحن، وأخذ أئمة العربية يعملون في صبر وعزيمة في وضع أصول النحو العربي، وجمع مواد اللغة العزيزة.. وصحب ذلك وتلاه دراسات أخرى تتناول البيان العربي وأصوله ومذاهبه بالبحث والتحليل، وأخذت تتكون من تلك الدراسات النواة الأولى للبيان العربي، وظل التقدم الفكري والنضوج الأدبي والعلمي يسير بهذه البحوث والدراسات نحو الكمال المنشود بخطوات كبيرة.. وكانت الثقافة البيانية تنمو حين ذاك بجهود ثلاث طبقات: ١- الأولي طبقة رواة وعلماء الأدب من البصريين والكوفيين والبغداديين، من أمثال: خلف والأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة ويحيى بن نجيم وعمرو بن كركرة، وأستاذهم أبو عمر بن العلاء أعلم الناس بالعرب والعربية١، ومن عامة الرواة الذين لا يقفون إلا على البليغ الساحر من الأساليب كما يقول الجاحظ دون النحويين واللغويين والإخباريين الذين لم يتجهوا هذا الإتجاه٢.. وبجوار هؤلاء أئمة الشعراء٣ وغيرهم من الخطباء ورجال الأدب الذين تثقفوا بالثقافة العربية.

стр. 130

ب- والثانية طبقة الكتاب الذين لم ير الجاحظ قومًا أمثل طريقة في البلاغة منهم والذين التمسوا من الألفاظ ما لم يكن وحشيًّا ولا سوقيًّا١، ورأى الجاحظ البصر بهذا الجوهر من الكلام فيهم أعم٢، وحكم مذهبهم في النقد٣، ومثلهم المعتزلة وفرق المتكلمين الذين رآهم الجاحظ فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء٤ وكان بعضهم من عناصر عربية وتثقفوا بثقافة أجنبية، والآخرون من عناصر أجنبية تثقفت بالثقافة العربية، مما كان له أثره في فهم أصول البيان وفي توجيه دراسته وبحوثه وفي الدعوة إلى آراء في الأدب توائم ثقافتهم وعقليتهم، وكان بعضهم يلقن مذاهبه الأدبية العامة للتلاميذ وشداة الأدب، كما ترى في محاضرة بشر بن المعتمر المعتزلي م ٢١٠هـ في أصول البلاغة٥، والتي يقول الجاحظ عنها أن بشرًا مر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة٦ وهو يعلم الفتيان الخطابة فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد فقال بشر: اضربوا عما قال صفحًا ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه في أصول البلاغة وعناصر البيان٧، ومن رجال هذه الطبقة: أبو العلاء سالم مولى هشام وعبد الحميد الكاتب أو الأكبر كما يقول الجاحظ٨ وابن المقفع وسهل ابن هرون٩ والحسن والفضل١٠ ابنا سهل ويحيى البرمكي وأخوه

стр. 131

جعفر١ وأيوب بن جعفر وأحمد بن يوسف وعمر بن مسعدة٢ وابن الزيات وسواهم. وكان لهذه الطبقة أثرها في بحث عناصر البيان وبلاغة الكلام. ونستطيع أن نعرف آثار هاتين الطبقتين في دراسات البيان بالرجوع إلى آرائهم المبثوثة في شتى أصول الأدب، والتي يمكننا أن نذكر لك هنا طرفًا منها، وإن شئت فاقرأ جواب صحار لمعاوية حين سأله عن البلاغة٣، ويروى قبل هذا بكثير أن عامر بن الظرب سأل حممة بن رافع من أبلغ الناس؟. فقال، من حلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز وطبق المفصل قبل التحزيز٤ واقرأ تحديد المفضل الضبي للإيجاز٥، وتفسير ابن المقفع للبلاغة٦، وحوار الشمري لعمرو بن عبيد في البلاغة٧، وتعريف الأصمعي للبليغ٨، ورأي إبراهيم بن محمد في البلاغة٩، وتعريف جعفر البرمكي للبيان١٠، وتعريف العتابي للبلاغة ١١، وتفضيل الجاحظ لرأيه ١٢، ووصف الرشيد للبلاغة ١٣، ورأي شبيب بن شيبة في تفضيل بلاغة جودة القطع أو القافية على جودة الابتداء١٤، ووصف ابن المقفع كلام الأعراب ١٥، الذين أعجب

стр. 132

الجاحظ ببلاغتهم١ ووصف الحسن بن وهب بلاغة أبي تمام٢، وتعريف المأمون للبليغ بأنه من كان كلامه في مقدار حاجته ولا يجيل الفكرة في اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ ولا يتعمد الغريب الوحشي ولا الساقط السوقي٣، وقول خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى الكلام إلخ٤، وتعريفه للبلاغة بأنها التقريب من المعنى البعيد أو التباعد عن خسيس الكلام والدلالة بالكبير على الكثير، وتعريف ابن عتبة لها: بأنها دنو المأخذ وقرع الحجة والاستغناء بالقليل عن الكثير، وعرفها الخليل: بأنها ما قرب طرفاه وبعد منتهاه، وعرفها إبراهيم الإمام: بأنها الجزالة والإصابة وعرفها ابن المقفع: بأنها قلة الحصر والجراءة على البشر، إلى غير ذلك من شتى هذه التحديدات٥، ويقول أبو داود الإيادي: رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب٦ إلخ، ويقول الخليل: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة فإن استطعت أن يكون لفظ لمعناك طبقًا ولتلك الحال وفقًا وآخر كلامك لأوله مشابهًا وموارده لمصادره موازنة فافعل واحرص أن تكون لكلامك متهمًا وإن ظرف٧، ووصية أبي تمام للبحتري تدخل في هذا الباب٨، ويقول عبد الملك بن صالح ١٩٩هـ: البلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه٩، وقال ابن الرومي: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة عند الأصالة١٠، ويقول البحتري: خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل١١،

стр. 133

ويقول الثعالبي بعد: خير الكلام ما قل وجل ولم يمل١، ويقول ابن الأعرابي: البلاغة التقرب من البغية ودلالة قليل على كثير٢. جـ- وأما الطبقة الثالثة فهي طبقة المفكرين والمثقفين الذين تثقفوا بثقافة أجنبية واسعة، وتأثروا كل التأثر بآداب الأمم الأخرى، وترجموا آراءهم في البيان ومناهجه إلى اللغة العربية، أو ألفوا كتبًا تبحث في هذه الاتجاهات، وهؤلاء قد عاشوا في البيئة الإسلامية وأثروا في النقد والأدب والبيان ودراساته وتطوره تأثيرًا واضحًا كبيرًا، يمكننا أن نذكر شيئًا عن مجهود هذه الطبقة في خدمة البيان. أهم عمل علمي قامت به هذه الطبقة: هو ترجمة كتابي الخطابة والشعر لأرسطو إلى العربية، فأما الخطابة فهو أصل البلاغة ودراساتها، وقد "أصيب بنقل قديم ونقله إسحاق بن حنين م ٢٩٨هـ وكذلك نقله إبراهيم بن عبد الله وفسره الفارابي ٣٣٩هـ" ٣، وأما كتاب الشعر فقد اختصره الكندي م ٢٥٣هـ، ونقله يحيى بن عدي ومتى في القرن الرابع من السريانية إلى العربية٤ ... وقد ألفوا في صناعة الشعر وللكندي رسالة في صناعة الشعر٥، ولأبي زيد البلخي كتاب بعنوان "صناعة الشعر" أيضًا٦، وكذلك لأبي هفان٧.

стр. 134

وهناك آراء كثيرة مأثورة عن هذه الطريقة في البلاغة وعناصرها وهي متفرقة في شتى كتب الأدب ومصادره، وتجد في البيان والعمدة وسواهما أن صاحب اليونانيين عرف البلاغة بأنها تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وعرفها الرومي بأنها وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة، وعرفها الفارسي بأنها معرفة الوصل من الفصل، وعرفها الهندي بأنها البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة إلخ، وعرفها أرسطو بأنها حسن الاستعارة، ويعرفها جالينوس بأنها إيضاح المفصل وفك المشكل، واقرأ البلاغة كما يراها حكيم الهند١، ويقول حكيم: البلاغة معرفة السليم من المعتل وفرق ما بين المضمن والمطلق وفصل ما بين المشترك والمفرد٢، ويعرفها سقراط بأنها استشكاف الحقائق٣، ويقسمها الكندي ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع بالعكس، ونوع تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها٤، ويقول: يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ كثير المعاني٥، وذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله فقال: فضائله أن يكون صدقًا وأن يقع موقع الانتفاع به وأن يتكلم به في حينه وأن يحسن تأليفه وأن يستعمل منه مقدار الحاجة، ورذائله بالضد٦ إلخ، وقال أبرويز لكاتبه: الكلام أربعة: سؤالك الشيء وسؤالك عن الشيء وأمرك بالشيء وخبرك عنه، فإذا طلبت فأسجع وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فأحكم وإذا أخبرت فحقق، وقال أيضًا: واجمع الكثر مما تريد في القليل٧، ولعل ثعلبًا حين ذكر في صدر كتابه "قواعد الشعر" أقسام الشعر وأنها أمر ونهي وخبر واستخبار ٨ قد تأثر بذلك الرأي.

стр. 135

وبعد فقد تعاونت هذه الطبقات في خدمة البيان، ولها جميعًا أثرها في نشأته وتطوره. ٢- ومن الكتب الأولى التي ألفت في دراسات البيان وموضوعاته: مجاز القرآن لأبي عبيدة، وكتاب البيان لابن السكيت١ وكتاب الفصاحة للدينوري٢، وكتاب التشبيه والتمثيل للفضل بن نوبخت٣، وصناعة الكلام للجاحظ٤، وكتاب التمثيل له٥، ونظم القرآن أيضًا٦ وقواعد الشعر وكتاب البلاغة للمبرد٧، وللحراني كتاب في البلاغة٨، ولثعلب قوا عد الشعر، ولابن مقسم تلميذه كتاب المدخل إلى صناعة الشعر٩، وللمروزي كتاب البلاغة والخطابة١٠ ولابن الحرون كتاب المطابق والمجانس ١١، ولأبي سعيد الأصفهاني كتاب تهذيب الفصاحة١٢، وللباحث كتاب صنعة البلاغة ١٣ ولمحمد بن يزيد الواسطي المعتزلي م ٣٠٦هـ كتاب إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه ولابن الأخشيد كتاب نظم القرآن١٤ وكذلك لابن أبي داود ٣١٦هـ ١٥ وللحسن بن جعفر كتاب في الرد على من نفى المجاز في القرآن١٦. ٣- وبعد فقد كان البيان العربي في القرن الثالث مزيجًا من

стр. 136

ثقافات وآراء مختلفة عربية وغير عربية مؤلفة ومترجمة، ومن حيث كاد في القرن الثاني أن يكون عربيًّا خالصًا. وهنا سؤالان لابد من الجواب عليهما وهما: متى نشأ البيان العربي، وهل تأثر بثقافة أجنبية؟ أما نشأة البلاغة والبيان فالآراء فيها كثير ة. فالدكتور طه حسين يرى أن البلاغة نشأت في عهد متأخر والجاحظ في رأيه أول من اهتم بها وهو مؤسس البيان العربي حقًّا١، ويرى آخر أن نشأة البلاغة قديمة قد سبقت القرآن وتطورت بعده٢ وأكثر الفنون الأدبية أخذت شواهدها من القرآن٣ وينقد باحث هذا الرأي٤.. ومن الضروري أن نفرق بين أمرين، نطق العرب في آثارهم الأدبية بأساليب لغتهم المختلفة من استعارة وتشبيه وكناية ومجاز وقصر وفصل ووصل وطباق وتجنيس إلخ، ومعرفتهم العلمية بأوضاع هذه الأساليب ونواحيها البلاغية، فالأول كان موجودًا عند العرب قبل القرآن وفي عصر القرآن وبعده، والثاني لم يوجد إلا في القرن الثالث الهجري كما ذهب إليه أكثر الباحثين، فقواعد البلاغة قد سنها الفكر أولًا ليجري عليها الأدب بل إن طبيعة الأدب موجودة من قبل سواء بحثت أو لم تبحث٥، فالأدب وخواصه الأدبية موجودان من قديم وأما معرفة هذه الخصائص ودراستها وبحثها على أنها علم وأصول وقواعد فلم يوجد إلا بعد القرن الثاني الهجري، "فعلم البلاغة إسلامي لا عهد للجاهليين به"٦، والبلاغة باعتبارها فنًّا مدروسًا أي التحليل العلمي للأساليب البلاغية ليست من علوم العصر الجاهلي إنما هي دراسة متأخرة في نشأتها على أنه لا شك كان هناك في العصر.

стр. 137

الجاهلي وصدر الإسلام بعض الخصائص والأساليب البلاغية المتعارف عليها١، وهذا كله مما لا سبيل إلى الشك فيه. وأما الأمر الثاني وهو هل تأثرت البلاغة العربية في نشأتها الأولى ببلاغة الأمم الأخرى؟ فيمكننا بسط الحديث فيه: يذكر ابن الأثير أن الشعر والخطابة في الأدب العربي لم يتأثرا بثقافة اليونانية البيانية "فهذا شيء لم يكن ولا علم أبو نواس شيئًا منه ولا مسلم ولا أبو تمام ولا البحتري ولا المتنبي ولا غيرهم وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد وابن العميد"، ثم ينفي أن يكون هو قد تأثر في رسائله ومكاتباته بما ذكره علماء اليونان في حصر المعاني ويذكر أنه اطلع على ما كتبه ابن سينا في الخطابة والشعر فلم يوافق ذوقه واستجهله ورأى أن ما ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا٢، ويرى باحث محدث أنه كان للبلاغة اليونانية أثر في علم البلاغة العربي٣، ويرى باحث آخر أن أرسطو المعلم الأول للمسلمين في علم البيان٤، وأن الكتاب والمتكلمين الذين عاشوا في القرن الثاني وأثروا في البيان وتطوره جلهم من الأعاجم٥ وأن متكلمي المعتزلة كانوا بتضلعهم في الفلسفة اليونانية من مؤسسي البيان العربي٦ وأنه حتى منتصف القرن الثالث لم يوجد إلا بيان عربي واحد كان لا يزال في دور الطفولة وكان خصبًا جامعًا للروح العربي والفارسي واليوناني ثم وجد من ذلك الوقت بيانان: عربي بحت، ويوناني يجهر بالأخذ عن أرسطو، على أن البيان العربي الصرف قد تأثر باليونان٧. وترجم كتاب الخطابة في النصف الثاني من القرن.

стр. 138

الثالث، وجاء قدامة فاستفاد من كتاب الخطابة وفهم منه كل ما يمكن أن ينتفع به وطبقة على الشعر العربي وكان يجهل كتاب الشعر١ وقد درس قدامة الفلسفة وخاصة المنطق٢، على أن تشريع الفلسفة للأدب في رأي الدكتور يظهر أول مرة في "نقد الشعر"٣ ثم في "نقد النثر" الذي هو مستمد من آراء أرسطو في الجدل والقياس والخطابة٤. على أننا قد بسطنا القول في ذلك فيما سبق ورأينا أن المشتغلين بالفلسفة قد اشتركوا مع الجماعات الأخرى في خدمة البيان العربي وإنشائه والتأليف فيه وكان اتجاههم الأول إلى البيان اليوناني فأخذوا يدأبون على الإفادة منه في بحوث البيان العربي ودراساته وتلقيحه بما يمكن أن يلقح به من عناصر ومناهج علمية سلكها ومهد سبيلها اليونان، فهم قد استعانوا بطرقهم في دراسة البيان على فهم وتحليل أصول البيان العربي والتأليف فيه. ٤- ونحن الآن نعرض عليك خلاصة وافية لأهم الكتب التي تناولت بعض مسائل البلاغة بالبحث والتي ألفت فيها خاصة. ١- جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي: وفي مقدمتها نجد آراء متفرقة في البلاغة والبيان، فهو يعرف الالتفات ويشير إلى أن العرب تخاطب الشاهد مخاطبة الغائب٥، ويعرف مجاز الحذف ويفيض في شرحه٦. ب- الجاحظ وكتابه "البيان والتبيين": والجاحظ إمام الكتاب وشيخ البيان وعلم من أعلام الأدب

стр. 139

والنقد، وهو من أئمة المعتزلة، تتلمذ على النظام وسواه من فحول عصره فخرج واسع الثقافة عميق التفكير كثير الإحاطة والإطلاع على شتى المؤلفات والتراجم المنقولة من جميع اللغات إلى العربي. اتصل الجاحظ باليونان وثقافتهم من كتبهم المترجمة وعن طريق المتكلمين وبمجالسته لكثير من المثقفين باليونانية١، كما أنه حذق الثقافة الفارسية من كتب ابن المقفع وسواه، وتوسع في الثقافات كلها بما كان يقرؤه من الكتب٢، وتأثر بخطابة أرسطو إلى حد بعيد ومن المشابهة بينه وبين أصحاب الخطابة في الأسلوب استعماله القياس المضمر وهو المذهب الكلامي عند البديعيين٣، ونقد الجاحظ التراجم والمترجمين من اليونانية وخاصة كتاب المنطق بأنه في أسلوب سقيم، فالجاحظ ولاشك قد تأثر "بالخطابة" لأرسطو كثيًرا٤، وأنكر باحث آخر أن يكون كتاب البيان متأثرًا بخطابة أرسطو أو صدى له؛ لأن الجاحظ لم يره٥ ولم ما يؤيده الدكتور طه حسين٦. ومن البدهي أن الجاحظ ألم بالثقافة الفارسية المترجمة إلمامًا واسعًا، ويبدو لي أنه كان يعرف اللغة الفارسية، ففي البخلاء يحكي الجاحظ كلام بخيل من أهل مرو تجاهل رجلًا زاره من أهل العراق: لو خرجت من جلدك لم أعرفك، قال الجاحظ: وترجمة هذا الكلام بالفارسية "كراز بوستت بارون ببائي نشناسيم"٧:

стр. 140

وأثر ثقافته الفارسية واضح في كتبه وفي مؤلفه "البيان"، أما أثر ثقافته اليونانية فواضح أيضًا في الحيوان وفي كتابه البيان١، قرأ الجاحظ من كتب أرسطو المترجمة كتاب الحيوان واستدل برأي لأرسطو فيه"٢" وكان مصدرًا كبيًرا له في كتابه "الحيوان"، والجاحظ يذكر تعريف صاحب المنطق للإنسان كثيًرا٣ ويذكر صاحب المنطق وأنه كان بكئ اللسان مع علمه بتمييز الكلام وتفضيله ومعانيه وبخصائصه، ٤ ويذكر تعاريف البلاغة عند الأمم المختلفة ومنها اليونان٥ ويذكر كتب اليونان في المنطق وأن الحكماء جعلتها معيارًا للتفكير٦، ويذكر نوادر ريسموس اليوناني٧ ويرى أن لليونان فلسفة وصناعة منطق وليس لفلاسفتهم في الخطابة ذكر٨، وأقسام الدالة عند الجاحظ٩ هي من تفكير أرسطو، ويذكر أن للفرس رسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها ولليونان رسائلها وخطبها وعللها وحكمها وكتبها في المنطق وللهند حكمها وسيرها وعللها ويرى أنها لا توازن بما للعرب من بيان وبلاغة وصناعة وخطابة١٠، وللجاحظ رسالة في نقد الكندي١١. ويذكر الجاحظ في البيان "صناعة الكلام" ويعني بها حينًا علم الكلام١٢، وحينًا آخر البيان١٣، ويذكر اصطلاحات أخرى كصناعة المنطق١٤ وصناعة الخطابة ويذكر أحيانًا "أصحاب الخطابة والبلاغة"١٥.

стр. 141

ومهما يكن فالجاحظ فيما ذكره من أصول البلاغة العربية قريب من روح أرسطو، فدعوته إلى ترك الوحشي والسوقي١ له نظير عند أرسطو الذي دعا إلى "هجر الألفاظ الخسيسة التي لا يستعملها إلا العامة٢ وقال "ينبغي ألا تكون الألفاظ سفسافة ولا مجاوزة الحد في المتانة مبلغ الأمر الذي يدل عليه فلا تبلغ درجة العامية ولا تحوج إلى الكلفة المنشوءة"، ودعوة الجاحظ إلى الوضوح٣ لها نظير عند أرسطو حيث يذكر "حسن الدلالة ووضوح العبارة وأن الأغراب مستنكره وأنه يجب ألا تمعن في الإغرابات بل يجب أن تكون العبارة بحيث يفهمها الأماثل دون أسقاط الجمهور"، واللحن وخروجه عن حد البلاغة٤ موجود في خطابة أرسطو حيث يوجب أن "يكون اللفظ فصيحًا لا لحن فيه"، ويذكر الجاحظ استعمال المبسوط في مواضعه والمقصور "المحذوف الموجز" في مواضعه٥، والإيجاز والإطناب يوم الإطناب٦، وأرسطو أول من أشار إلى ذلك كله فذكر الإيجاز والإسهاب وأشار إلى أن لكل منهما مقامًا، وعلى أي حال فمرجع هذا التشابه في الأفكار أرجح إن سببه نقل الجاحظ كثيرًا عن الذين ألموا بثقافة اليونان وكتب أرسطو في النقد وعلى الأخص الخطابة والشعر. ومع ذلك فالجاحظ يجهل كثيرًا من النظريات التي شرحها أرسطو في كتابيه، فأنواع البيان والأساليب البلاغية الأنيقة التي ألم بها.

стр. 142

أرسطو١ لا يشير إليها الجاحظ في بيانه، وهو على العموم لم يطلع على كتابي أرسطو، ولا نشك في أنه أفاد من أستاذه النظام ومن علوم الفلسفة والمنطق التي شاعت في عصره كثيرًا، ونقل عمن اطلعوا على خطابه أرسطو، ويكفينا ذلك التحقيق في هذا المقام. وبعد فللجاحظ في البيان العربي آثار كثيرة: كرسالته في تفضيل النطق على الصمت٢، وكتابه البيان والتبيين. والبيان "أول كتاب ظهر في الأدب جامعًا لفنون كثيرة من ضروبه٣"، ويشيد به أبو هلال٤، ويعده ابن خلدون من أركان الأدب٥، والكتاب يبحث في فنون الأدب والبلاغة ويتناول النقد واللغة ويأتي على ذكر الخطباء والأدباء والشعراء والمنشئين وآثارهم الأدبية وهو من أجل وثائق الأدب في الجاهلية والإسلام٦، ويذكر ابن رشيق أنه لا يبلغ جودة وفضلًا٧، ويذكر أبو أحمد العسكري مثلًا من تصحيف الجاحظ فيه٨، وينقد ابن شهيد الكتاب٩ ورد عليه بعض المعاصرين١٠ والكتاب يجمع بين دفتيه الكثير من بلاغة العرب وسحرهم في البيان كما يجمع آراء كثيرة في أصول النقد الأدبي

стр. 143

وقوانين البلاغة العربية وأنواعها وعناصرها ومذاهبها واتجاهاتها وأثرها، سواء كانت هذه الآراء من جمع الجاحظ وروايته أم من رأيه وتفكيره، وحسبك أن تقرأ فيه البلاغة كما تتحدث عنها صحيفة هندية مكتوبة١، أو كما يصورها بشر بن المعتمر٢، أو كما يراها ابن المقفع٣، ولهذه النصوص قيمة كبيرة، وقد عد بعض الباحثين الجاحظ مؤسس البيان العربي لما جمعه من النصوص التي توضح لنا كيف كان العرب إلى منتصف القرن الثالث يتصورون البيان العربي وتعطينا صورة مجملة لنشأته٤. وفي الكتاب كثير من بحوث البلاغة، فهو يعرف الاستعارة٥، ويتكلم على السجع٦، ويشير إلى التفصيل والتقسيم٧، والاستطراد، والكناية٨، والأمثال٩، والاحتراس١٠ والقلب ١١ والأسلوب الحكيم١٢، والجاحظ فوق ذلك هو أول من لقب المذهب الكلامي بهذا الاصطلاح١٣، ويرى الجاحظ أن البلاغة في النظم لا في المعاني قال: والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحيز اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك ١٤، وهو ما ذهب إليه.

стр. 144

ابن خلدون١، ويقول شيلر، في الفن الشكل هو كل شيء والمعني ليس شيئًا مذكورًا.. وفي البيان نصوص كثيرة استغلها علماء البيان والبديع في اختيار شواهد أساليب البلاغة منها، مما لا داعي إلى ذكره هنا خوفًا من كثرة الإسهاب، والجاحظ يشيد بالإيجاز ويدعو إليه كثيرًا في بيانه٢، وفي الحديث عن رسول الله: إذا قلت فأوجز وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف٣، ويحث على ترك الوحشي والسوقي وعلى الإفهام والوضوح، وعلى ترك التعمق والتهذيب في صناعة الكلام، وعلى أي حال فالبيان والتبيين أثر أدبي وعلمي نفيس، والجاحظ يده على البيان العربي لا تجحد، ويعده ابن خلدون من السابقين في التأليف فيه٤. وبعد فالجاحظ أظهر من خص البيان بالتأليف وهو أعظم السابقين إلى جمع وتدوين آراء رجال البيان والبلاغة، وله مع ذلك آراء كثيرة وصل إليها بفكرة وذوقه وملكته البيانية الدقيقة الإحساس بالأساليب البلاغية ودقائقها، ولا يضير الجاحظ أن كانت دراساته في كتاب البيان موجزة مفرقة كما يقول أبو هلال٥، فهي على كل حال ذات أثر كبير في نشأة البيان. جـ- وقد كتب بعد الجاحظ كثير من العلماء في مسائل تتصل بالبلاغة والبيان: كالمبرد في كامله، وإبراهيم بن المدبر في الرسالة العذراء، وثعلب في قواعد الشعر، وابن عبد ربه في العقد، وسوى هؤلاء مما يطول الحديث لو فصلنا القول فيه.

стр. 145

الجاحظ والبيان العربي: ١- كان الجاحظ أستاذ الثقافة الإسلامية في الصنف الأول من القرن الثالث، وكان مجده الأدبي الذائع يعصف بمجد كل أديب، ويدوي في كل أفق، ويرن صداه في سمع كل كاتب وشاعر وخطيب. وعاش الناس في عصره وبعد عصره عيالًا عليه في البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة كما يقول ابن العميد، وعدوا التلمذة عليه شرفًا لا يعدله شرف ومجدًا يدنيهم من بلاط الملوك وتعصب له كثير من رجالات الثقافة الإسلامية في شتى عصورها، فألفوا الكتب في الإشادة به -كما فعل أبو حيان التوحيدي في كتابه تقريظ الجاحظ-، وبالغوا في الإشادة به والثناء عليه حتى حسد ثابت بن قرة الأمة العربية عليه، وحتى كان الخلفاء يهشون عند ذكره ونهج كبار الكتاب نهجه في الثقافة والبيان، وكان فخر الرجل في أن يلقب بلقبه، وأقبلوا على كتبه وأدبه يتثقفون بثقافتها ويرونها تعلم العقل أولًا والأدب ثانيًا وبلغ من اهتمام خاصة رجال الفكر الإسلامي بها أن كانوا يسألون الناس عن المفقود منها في البيت الحرام وعرفات، وكان معاصروه يحذرون خصومته حتى لا يسمهم بميسم الخزي والهوان إلى الأبد، ومن ساء جده منهم فكان هدفًا لسخريته اللاذعة سار على الأجيال صورة مشوهة وإساءة لا يغفرها الزمن كما فعل الجاحظ مع أحمد بن عبد الوهاب بطل رسالته الساخرة المتهكمة "التربيع والتدوير".. وحسبك أن المأمون كان يقرأ تآليف الجاحظ ويثني عليها ويستجديها١.
следующие страницы →