﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] ١، وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إن النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] ، وقول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء٢
وسلوك هذه الطريقة شبعة من البلاغة فيها دقة وغموض.
روى عن الأصمعي٣ أنه قال:
كان أبو عمرو بن العلاء ٤ وخلف الأحمر٥ يأتيان بشارًا ٦، فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان، فأتياه يومًا فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في
стр. 72
ابن قتيبة١ قال: هي التي بلغتكما، قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب قال: نعم إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ فأنشدهما:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح": بكرا فالنجاح، كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت "إن ذاك النجاح" كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت "بكرا فالنجاح" كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام خلف فقبل بين عينيه.
فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء -وهم من فحولة هذا الفن- إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟
٢- وكذلك بنزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار٢. كقوله٣:
стр. 73
جاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فإن مجيئه هكذا مدلًّا بشجاعته قد وضع رمحه عرضًا لدليل على إعجاب شديد منه، واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بني عمه أحد. كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم رمح.
٣- وكذلك بنزل المنكر١ منزلة غير المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن الإنكار، كما يقال لمنكر الإسلام: الإسلام حق٢. وعليه قوله تعالى في حق القرآن: ﴿لَاْ رَيْبَ فِيْهِ﴾ ٣.
стр. 74
ومما يتفرع على هذين الاعتبارين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٤-١٥] . أكد إثبات الموت تأكيدين وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل "ميتون" دون "تموتون" كما سيأتي الفرق بينهما١. وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرًا بأن لا ينكر، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فينزل المخاطبون منزلة المترددين، تنبيهًا لهم على ظهور أدلته، وحثًّا لهم على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل.
هذا كله اعتبارات الإثبات وقس عليه اعتبارات النفي٢، كقولك: ليس زيد أو ما زيد منطلقًا أو بمنطلق، ووالله ليس زيد
стр. 75
أو ما زيد منطلقًا أو بمنطلق، وما ينطلق أو ما أن ينطلق زيد، وما كان زيد ينطلق، وما كان زيد لينطلق، ولا ينطلق زيد، ولن ينطلق زيد، ووالله ما ينطلق أو ما إن ينطلق زيد.
الحقيقة العقلية والمجاز العقلي:
فصل.
قال الخطيب: الإسناد: منه حقيقة عقلية، ومنه مجاز عقلي.
أما الحقيقة فهي إسناد١ الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر.
стр. 79
والمراد بمعنى الفعل نحو المصدر واسم الفاعل. وقولنا "في الظاهر" ليشمل مالا يطابق اعتقاده مما يطابق الواقع وما لا يطابقه.
فهي أربعة أضرب:
أحدهما: ما يطابق الواقع واعتقاده، كقول المؤمن: "أنبت الله البقل" و"شفى الله المريض".
والثاني: ما يطابق الواقع دون اعتقاده، كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها منه: "خالق الأفعال كلها هو الله تعالى".
стр. 80
والثالث ما يطابق اعتقاده دون الواقع، كقول الجاهل: "شفى الطبيب المريض" معتقدًا شفاء المريض من الطبيب، ومنه قوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ . ولا يجوز أن يكون مجازًا. والإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ لما فيه من إيهام الخطأ، بدليل قوله تعالى عقيبه: ﴿ومَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إن هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] ، والمتجوز المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن، وإنما الظان من يعتقد أن الأمر على ما قاله.
والرابع ما لا يطابق شيئًا منهما، كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل عالمًا بحالها دون المخاطب.
وأما المجاز١ فهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس٢ له غير
ما هو بتأول وللفعل ملابسات شتى ١:
يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب. فإسناده إلى الفاعل إذا كان مبنيًّا له حقيقة كما مر، وكذا إلى المفعول
стр. 85
إذا كان مبنيًّا له، وقولنا "ما هو له" يشملهما. وإسناده إلى غيرهما لمضاهاته لما هو له في ملابسة الفعل مجاز. كقولهم في المفعول به: "عيشة راضية" و"ماء دافق"، وفي عكسه "سبيل مفعم" وفي المصدر "شعر شاعر١"، وفي الزمان "نهاره صائم" و"ليلة قائم"، وفي المكان "طريق سائر" و"نهار جار"، وفي السبب "بنى الأمير المدينة"، وقال:
"فلا تسأليني واسألي عن خليقتي" ... إذا رد عافي القدر من يستعيرها٢
وقولنا بتأول يخرج نحو قول الجاهل: شفى الطبيب المريض، فإن إسناده الشفاء إلى الطبيب ليس بتأول. ولهذا لم يحمل نحو قول الشاعر الحماسي٣.
стр. 86
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
على المجاز ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يرد ظاهره.. كما استدل على أن إسناد "ميز" إلى "جذب الليالي" في قول أبي النجم:
قد أصبحت "أم الخيار" تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي أبطئي أو أسرعي١
مجاز بقوله عقيبه:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي
وسمي الإسناد في هذين القسمين من الكلام عقليًّا لاستناده إلى العقل دون الوضع؛ لأن إسناد الكلمة إلى الكلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة، فلا يصير ضرب خبًرا عن زيد بواضع اللغة بل بمن قصد إثبات الضرب فعلاً له، وإنما الذي يعود إلى واضع اللغة: أن ضرب لإثبات الضرب لا لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماض وليس لإثباته في زمان مستقل، فأما تعيين من ثبت له فإنما يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين ... ولو كان لغويًّا لكان حكمنا أنه مجاز في مثل
стр. 87
قولنا "خط أحسن مما وشى الربيع" من جهة أن الفعل لا يصح إلا من الحي القادر حكمًا بأن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون الجماد، وذلك مما لا يشك في بطلانه.
تعريف السكاكي للحقيقة والمجاز العقليين:
وقال السكاكي:
الحقيقة العقلية: هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه١.
وإنما قلت "ما عند المتكلم"، دون أن أقول "ما عند العقل" ليتناول كلام الجاهل إذا قال "شفي الطبيب المريض"، رائيًا شفاء المريض من الطبيب، حيث عد منه حقيقة مع أنه غير مفيد لما في العقل من الحكم فيه.. وفيه. نظر٢:
١- لأنه غير مطرد٣، لصدقة على ما لم يكن المسند فيه فعلًا
стр. 88
ولا متصلًا به، كقولنا: الإنسان حيوان، مع أنه لا يسمى حقيقة ولا مجازًا.
٢- ولا منعكس، لخروج ما يطابق الواقع دون اعتقاد المتكلم وما لا يطابق شيئًا منهما منه، مع كونهما حقيقتين عقليتين كما سبق.
وقال "السكاكي":
المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل، إفادة للخلاف لا بوساطه وضع، كقولك: أنبت الربيع البقل، وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة.
قال "السكاكي": وإنما قلت "خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه". دون أن أقول خلاف ما عند العقل:
١- لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره: أنبت الربيع البقل، رائيًا إنباته من الربيع، فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازًا، وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، واحتج "السكاكي" ببيت الحماسة وقول أبي النجم على ما تقدم.
٢- ثم قال السكاكي: ولئلا يمتنع عكسه بمثل: كسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند، فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة ولا أن يهزم الأمير وحده الجند، ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي.
وإنما قلت "لضرب من التأول" ليحترز به عن الكذب فإنه لا يسمى مجازًا مع كونه كلامًا مفيدًا خلاف ما عند المتكلم.
وإنما قلت "إفادة للخلاف لا بوساطة وضع" ليحترز به عن المجاز اللغوي في صورة، وهي إذا ادعى أن "أنبت" موضوع لاستعماله في القادر المختار أو وضع لذلك.
стр. 89
وفيه نظر١:
١- لأنا لا نسلم بطلان طرده بما ذكر، لخروجه بقوله: لضرب من التأول.
٢- ولا بطلان عكسه بما ذكر، إذ المراد بخلاف ما عند العقل خلاف ما في نفس الأمر، وفي كلام الشيخ عبد القاهر إشارة إلى ذلك، حيث عرف الحقيقة العقلية بقوله: "كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه" فإن قوله "واقع موقعه" معناه في نفس الأمر وهو بيان لما قبله، وكذا في كلام الزمخشري، حيث عرف المجاز العقلي بقوله: "أن يسند الفعل إلى شيء يلتبس بالذي هو في الحقيقة له"، فإن قوله في الحقيقة معناه في نفس الأمر. ونحو كسا الخليفة الكعبة إذا كان الإسناد فيه مجازًا كذلك.
٣- ثم القول بأن الفعل موضوع لاستعماله في القادر ضعيف، وهو معترف بضعفه، وقد رده في كتابه بوجوه، منها: أن وضع الفعل لاستعماله في القادر قيد لم ينقل عن واحد من رواة اللغة وترك القيد دليل في العرف على الإطلاق فقوله: "إفادة للخلاف لا بوساطة وضع" لا حاجة إليه، وأن ذكر فينبغي أن لا يذكر إلا بعد ذكر الحد على المذهب المختار، على أن تمثيله بقول الجاهل "أنبت الربيع البقل" ينافي هذا الاحتراز.
تنبيه:
قد تبين بما ذكرنا أن المسمى بالحقيقة العقلية والمجاز العقلي على ما ذكره السكاكي هو الكلام لا الإسناد، وهذا يوافق
стр. 90
ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر في مواضع من دلائل الإعجاز، وعلى ما ذكرناه هو الإسناد لا الكلام، وهذا ظاهر ما نقله الشيخ أبو عمرو بن الحاجب١ ﵀ عن الشيخ عبد القاهر٢، وهو قول الزمخشري في الكشاف، وقول وقول غيره، وإنما اخترناه؛ لأن نسبة المسمى حقيقة أو مجازًا إلى العقل على هذا لنفسه بلا وساطة شيء، وعلى الأول لاشتماله على ما ينتسب إلى العقل، أعني الإسناد.
أقسام المجاز العقلي باعتبار طرفيه: حقيقيتهما ومجازيتهما أو أحدهما:
قال الخطيب:
ثم المجاز العقلي باعتبار طرفيه -أعني المسند والمسند إليه- أربعة أقسام لا غير؛ لأنهما إما:
١- حقيقتان، كقولنا أنبت الربيع البقل، وعليه قوله:
فنام ليلي وتجلى همي
وقوله:
وشيب أيام الفراق مفارق ... "وأنشزن نفسي فوق حيث تكون"
وقوله:
"لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى" ... ونمت وما ليل المطي بنائم٣
стр. 91
٢- وأما مجازان كقولنا "أحيا الأرض شباب الزمان".
٣- وأما مختلفان، كقولنا: "أنبت البقل شباب الزمان"، وكقولنا: "أحيا الأرض الربيع"، وعليه قول الرجل لصاحبه: "أحيتني رؤيتك"، أي آنستني وسرتني، فقد جعل الحاصل بالرؤية من الأنس والمسرة حياة ثم جعل الرؤية فاعلة له، ومثله قول أبي الطيب:
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجد١
جعل الزيادة والوفور حياة للمال، وتفريقه في العطاء قتلًا له، ثم أثبت الأحياء فعلًا للصوارم، والقتل فعلًا للتبسم، مع أن الفعل لا يصح منهما. ونحو قولهم: "أهلك الناس الدينار والدرهم": جعلت الفتنة إهلاكًا، ثم أثبت الإهلاك فعلًا للدينار والدرهم.
وهو في القرآن كثير٢.
كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ، نسبت
стр. 92
الزيادة التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا فيها. وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ . ومن هذا الضرب قوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُم﴾ ، الفاعل غيره ونسب الفعل إليه لكونه الآمر به. وكقوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ ، نسب النزع الذي هو فعل الله تعالى إلى إبليس؛ لأن سببه أكل الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياها: أنه لهما لمن الناصحين. وكذا قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ، نسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن سببه كفرهم وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه، كقولهم: "نهاره صائم". وكقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ . [الزلزلة: ٢] .
وهو غير مختص بالخبر، بل يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ، وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] .
وقوله: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ .
أنواع القرينة:
"قال الخطيب":
ولا بد له -أي للمجاز العقلي- من قرينة:
١- أما لفظية كما سبق في قول أبي النجم١.
стр. 93
ب- أو غير لفظية "أي معنوية":
كاستحالة صدور المسند من المسند إليه المذكور أو قيامه به: عقلًا كقولك محبتك جاءت بي إليك، أو عادة كقولك هزم الأمير الجند وكسا الخليفة الكعبة وبنى الوزير القصر، "لاستحالة ذلك في العادة". وكصدور الكلام من الموحد في مثل قوله: "أشاب الصغير"، البيت١.
واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز بسهولة بل تجدك في كثير من الأمر تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه له بشيء تتوخاه في النظم، كقول من يصف جملًا:
تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجه شرب غير ملأى ولا صفر
يريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد الذي لا يجد السائر شيئًا يفرجه به ويجعل لنفسه فيه سبيلًا، فلولا أنه قال: تجوب له، فعلق له بتجوب لما تبين جهة التجوز في جعل الجوب فعلًا للعين كما ينبغي؛ لأنه لم يكن حينئذ في الكلام دليل على أن اهتداء صاحبها في الظلماء ومضيه فيها بنورها، وكذلك لو قال تجوب له الظلماء عينه لم يكن له هذا الموقع ولا نقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به.
стр. 94
واعلم: أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة١ لما يشعر بذلك تعريفه كما سبق، وذلك قد يكون ظاهرًا كما في قوله تعالى:
стр. 95
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم﴾ ، أي فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفيًّا لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل، كما في قولك سرتني رؤيتك أي سرني الله وقت رؤيتك، كما تقول: أصل الحكم في أنبت الربيع البقل أنبت الله البقل وقت الربيع، وفي شفى الطبيب المريض: شفى الله المريض عند علاج الطبيب، وكما في قولك أقدمني بلدك حق لي على فلان أي أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان أي قدمت لذلك، ونظيره محبتك جاءت بي إليك، أي جاءت بين نفسي إليك لمحبتك، أي جئت لمحبتك.. وإنما قلنا أن الحكم فيهما مجاز؛ لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي والداعي لا يكون فاعلًا، وكما في قول الشاعر١:
وصيرني هواك ربي ... لحيني يضرب المثل
أي وصيرني الله لهواك وحالي هذه، أي أهلكني الله ابتلاء بسبب هواك، وكما في قول الآخر وهو أبو نواس٢:
يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرا
стр. 96
أي يزيدك الله حسنًا في وجهه لما أودعه من دقائق الجمال متى تأملت.
وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام، وقال: الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي١ بواسطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبني الاستعارة كما سيأتي، وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة٢.
ويجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند الهازم وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة.
وفيما ذهب إليه "السكاكي" نظر:
١- لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى "فهو في عيشة راضية صاحب العيشة لا العيشة، وبماء في قوله: خلق من ماء دافق فاعل. فاعل الدفق لا المني، لما سيأتي من تفسيره للاستعارة بالكناية.
٢- وأن لا تصح الإضافة في نحو قولهم: فلان نهاره صائم وليله قائم؛ لأن المراد بالنهار على هذا فلان نفسه وإضافة الشيء إلى نفسه لا تصح.
٣- وأن لا يكون الأمر بالإيقاد على الطين في إحدى الآيتين وبالبناء فيهما لهامان، مع أن النداء له.
٤- وأن يتوقف جواز التركيب في نحو قولهم: أنبت الربيع البقل، وسرتني رؤيتك على الإذن الشرعي؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل ذلك منتف ظاهر الانتفاء.
٥- ثم ما ذكره منقوض بنحو قولهم: "فلان نهاره صائم" فإن الإسناد فيه مجاز، ولا يجوز أن يكون النهار استعارة بالكناية عن فلان؛ لأن ذكر طرفي التشبيه يمنع من حمل الكلام على الاستعارة ويوجب حمله على التشبيه، ولهذا عد نحو قولهم "رأيت بفلان أسدًا، ولقيني منه أسد" تشبيها لا استعارة، كما صرح السكاكي أيضًا بذلك في كتابه.
стр. 101
تنبيه:
إنما لم نورد الكلام في الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان كما فعل السكاكي ومن تبعه، لدخوله في تعريف علم المعاني دون تعريف علم البيان.
стр. 102
أسلوب المجاز العقلي وتطور البحث البلاغي عنه
...
البحث البلاغي عن أسلوب المجاز العقلي وأطواره ١:
سيبويه وهل أثبت المجاز العقلي؟.
قال صاحب الكتاب: مطر قومك الليل وبالنهار على الظرف، وإن شئت رفعته على سعة الكلام كما يقال صيد عليه الليل والنهار، كما قال جرير:
ونمت وما ليل المطي بنائم
فكأنه في كل هذا جعل الليل بعض الاسم، وكما قال الشاعر:
أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في قعر منحوت من الساج
فكأنه جعل النهار في قيد والليل في جوف منحوت "راجع ٨٠/ ١ سيبويه في: باب من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول ويجري الاسم كما يجري أجمعون على الاسم ينصب بالفعل؛ لأنه مفعول".
وقال: تقول سرقت الليلة أهل الدار فتجري الليلة في سعة الكلام، ومثل ما أجري مجرى هذا في سعة الكلام والاستخفاف: "بل مكر الليل والنهار" فالليل والنهار لا يمكران ولكن المكر فيهما "٨٩/ ١ الكتاب لسيبويه".
وقال: باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام وللإيجاز والاختصار: فمن ذلك أن نقول: صيد عليه يومان أي صيد عليه الوحش في يومين ولكنه اتسع واختصر، ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار. ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ التِيْ كُنَّا فِيْهَا وَالْعِيْرَ التِيْ
стр. 103
أَقْبَلْنَا فِيْهَا﴾ ، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملًا في الأهل لو كان ها هنا، ومثله بل مكر الليل والنهار المعنى مكركم في الليل والنهار، وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله، أي بر من آمن بالله، وهذا أكثر من أن يحصى، وقال الجعدي:
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
"راجع ١٠٨-١١٠/ ١ من الكتاب".
هذا بعض ما ذكره سيبويه في كتاب عن المجاز العقلي١. وهو يرشدنا إلى رأي شيخ العربية في مثل هذا الأسلوب.. وبالإمعان فيما نقلناه ها هنا عن سيبويه ندرك أنه يحمل هذه الأساليب وما شابهها -مما حمله المتأخرون على المجاز في الكلام أي على المجاز العقلي- يحملها على السعة في الكلام بالإيجاز والحذف والاختصار، وأصلها على تقدير المضاف، وبهذا التقدير تخرج هذه الأساليب عند سيبويه عن معنى المجاز الذي نفهمه من كلام المتأخرين ... فالمجاز العقلي محمول عنده على السعة في الكلام وحذف مضاف.
وسيأتي نبسط رأي عبد القاهر في ذلك ودفاعه عن أسلوب المجاز العقلي ورده على من يرى أنه محمول على السعة والحذف من علماء العربية كسيبويه ومن نهج نهجه في فهم وتحليل هذا الأسلوب.
стр. 104
المبرد وأسلوب المجاز العقلي:
وقال صاحب الكامل: "ليلة مزؤودة" أي ذات زؤد وهو الفزع وجعل الليلة ذات فزع؛ لأنها يفزع فيها، قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي مكركم في الليل والنهار، وقال جرير:
ونمت وما ليل المطي بنائم.
وقال آخر:
فنام ليلى وتجلى همي.
"٦٥/ ١ كامل النسخة القديمة".
وقال: العرب تقول نهارك صائم وليلك قائم أي أنت قائم وصائم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي في الليل والنهار، وقال: ونمت وما ليل المطي بنائم "١٠٤/ ١ كامل المبرد".
وقال: "وأما خلة فثماني"، سماها بالمصدر مثل فإنما هي إقبال وإدبار، نعتها بالمصدر لكثرته منها، ويجوز أن يكون أراد ذات خلة، ومثله: ولكن البر من آمن بالله "١٣٧ جـ١ كامل المبرد الطبعة القديمة".
وقال: "ويمسي ليله غير نائم" أي في ليلة، جعل الفعل لليل على السعة مثل فإنما هي إقبال وإدبار، وفي القرآن بل مكر الليل والنهار "٢٤٨ جـ٢ كامل المبرد طبعة التجارية".
ذلك ما في كلام المبرد من كلام وتحليل لبعض الأساليب التي جعلها المتأخرون من أسلوب المجاز العقلي.
والمبرد في تحليل هذه الأساليب يجمع بين رأي سيبويه السابق ورأي أخر جديد هو المبالغة، والمبالغة من خصائص المجاز كما نعلم -فيقول في "فإنما هي إقبال وإدبار" نعتها بالمصدر لكثرته منها "١٣٧ جـ١ كامل"، فهو إذًا يجوز في أسلوب "فإنما هي إقبال وإدبار" -وما يشابهه مثله طبعًا- أن يكون على المبالغة كما يقول عبد القاهر أي على المجاز، أو على الحذف كما يقول سيبويه، وإذا هو
стр. 105
لم يذهب إلى مذهب سيبويه وحده، وقد يكون المبرد قد أراد من المبالغة التشبيه البليغ، هي إقبال، أي شبيهة به. ولكن ذلك بعيد عن الأسلوب وعن مراد المبرد منه كما يخيل لي.
وفي رسالة أخرى للمبرد هي "ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن" يقول المبرد:
وفي القرآن مختصرات، فإن مجاز كلام العرب يحذف كثيرًا من الكلام إذا كان فيما يبقى دليل على ما يلقى، فمن ذلك: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها، لما كانت القرية والعير لا يسألان ولا يجيبان علم أن المطلوب غيرهما "ص٣٦"، ولا يجوز على هذا جاء زيد وأنت تريد غلامه؛ لأن المجيء يكون له ولا دليل في مثل هذا على المحذوف. ومثل الأول: ولكن البر من آمن بالله، أي بر من آمن بالله؛ لأن البر لا يكون البار. ونظيره قول الجعدي: ".. أصبحت خلالته كأبي مرحب" أي كخلالة أبي مرحب "٣٢ و٣٣".
ومن المختصر في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١] تأويله مثلكم ومثلهم كمثل الناعق بما لا يسمع فاختصر وحذف، كقول النابغة: كأنك من جمال بني أقيش، أي جمل من جمال "٣٥".. والمبرد في ذلك تابع لسيبويه ناقل عنه، ورأيه عندي صحيح.
ابن المدبر والمجاز العقلي:
يرى ابن المدبر أن أسلوب: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ من الحذف والاتساع، وأن الكتاب ينبغي أن يتجنبوه. "راجع ص١٨ الرسالة العذراء لابن المدبر نشر الدكتور مبارك".
стр. 106
نقد النثر والمجاز العقلي:
وكذلك كتاب "نقد النثر" ضئيل الصلة بالمجاز العقلي. قال:
ومن الاستعارة انطاق ما لا ينطق مثل: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ ومثل: امتلأ الحوض وقال قطني -وذكر أيضًا المثال: فللموت ما تلد الوالدة "٦٦ نقد النثر".. ومن المعلوم أن كلامه في هذا قليل جدًّا من ناحية البحث البياني وهو متأثر بخطابه أرسطو، حامل لهذه المثل على الاستعارة، كما صنع عبد القاهر بعد.
الآمدي وأسلوب المجاز العقلي:
قال الآمدي في موازنته: المصادر قد تجعل أوصافًا في مكان أسماء الفاعلين وإنما تكون أوصافًا على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم إنما زيد دهره أكل ونوم وإنما عمرو أبدًا قيام وقعود، فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه أو تجعل زيدًا نفسه الأكل والنوم وعمرًا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذكل كثير منهما كما قالت: "فإنما هي إقبال وإدبار"، فجعلت الناقة هي الإقبال والإدبار؛ لأن ذلك كثير منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار فأقمت المضاف إليه مقام المضاف فهذه طريقة الوصف بالمصادر على ما ذكرته، فيقال هند الحسن كله ودعد الجمال أجمعه وزيد الهرم أقصاه وعبد الله التيه بعينه: إن شئت كان المعنى هند صاحبة الحسن كله ودعد ذات الجمال أجمعه وزيد أخو الهرم وعبد الله ذو التيه فأقمت المضاف إليه مقام المضاف مثل واسأل القرية، وإن شئت جعلت هندًا هي الحسن ودعد هي الجمال على المبالغة لما كانتا متناهيتين في هذين الوصفين "٧٦ الموازنة طبعة صبيح".
ورأى صاحب الموازنة قد حلله أتم تحليل وإن كان لا يخرج عن رأي المبرد في كثير ولا قليل.. فإن هذه الأساليب كلها بعيدة عن
стр. 107
المجاز العقلي إنما هي على الحذف والاختصار، أما ما ذكره في الكامل من الأساليب من مثل: نهارك صائم وليلك قائم فقد حملهما على المبالغة أو على الحذف كما سبق: وسيبويه يحملها كلها على الحذف.
ومن تتمة الفائدة: أن ننقل هذا النص عن المبرد وإن لم يكن وثيق الصلة بالمجاز العقلي، قال المبرد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ مجاز مصيره على ذا كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لا يتلقطونه مقدرين فيه ذلك ولكن تقديره: فكان مصيره إلى عداواتهم وحزنهم، ومثله: ودورهم بخراب الموت نبنيها، أي إلى هذا تصير، ومثل قول ابن الزبعري فللموت ما تلد الوالدة، أي أن هذا مصيرهم "٢٦-٢٨ ما اتفق لفظه للمبرد".
خطابة أرسطو والمجاز العقلي:
وقد ترجمت في القرن الثالث الهجري ولم يتأثر بها أئمة البيان كثيرًا في فهم هذا الأسلوب، وإنما كان جل تأثرهم بآراء علماء العربية كسيبويه والمبرد وابن فارس، وليس فيها إلا كلام قريب الصلة بالمجاز العقلي: قال:
"ومن التغيرات الاستعارية اللذيذة أن ينسب الأمر إلى صفة الفاعل مثل الشيخوخة تفعل الخير بدل الشيخ".. وقال: ومن أنواع الاستعارة اللفظية أن تجعل أفعال الأشياء غير المتنفسة كأفعال ذوات الأنفس مثل الغضب لجوج "راجع باب العبارة في فن الخطابة في الشفاء لابن سينا".
فهو ها هنا يجعل هذه الأساليب استعارة فقط، لا حذفًا كما ذهب إليه سيبويه. وصنيع الخطابة في هذا هو صنيع عبد القاهر، فقد جعل ما شابه هذه الأساليب مجازًا عقليًّا ورد أن تكون من الحذف بسبيل.
стр. 108
ابن فارس وأسلوب المجاز العقلي:
قال ابن فارس: ومن اللامات لام العاقبة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لم يلتقطوه لذلك ولكن صارت العاقبة ذلك "٨٧ الصاحبي لابن فارس".
وقال: ومن سنن العرب الحذف والاختصار، ومنه "واسأل القرية" أراد أهلها، وبنو فلان يطؤهم الطريق أي أهله، ومنه نطأ السماء أي مطرها، وعلى خوف من فرعون: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ أي ضعف عذابها "١٧٥ الصاحبي".
وقال: ومن سنن العرب إضافة الفعل إلى ما ليس فاعلًا في الحقيقة مثل جدارًا يريد أن ينقض وهو في شعر العرب كثير "١٧٩ و١٨٠ الصاحبي".
وقال: باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل، تقول سر كاتم أي مكتوم، وفي القرآن لا عاصم اليوم من أمر الله أي لا معصوم، ومن ماء دافق، وعيشة راضية أي مرضي بها، وحرمًا آمنًا أي مأمونًا فيه.. قيل ويأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . أي آتيا "١٨٧ و١٨٨ الصاحبي".
وقال: ومن سنن العرب وصف الشيء بما يقع أو يكون منه كقولهم يوم عاصف أي عاصف الريح؛ لأن عصوف ريحه يكون فيه، ومثله ليل نائم، وليل ساهر؛ لأنه ينام فيه ويسهر، قال أوس: خذلت على ليلة ساهرة، وقال عمرو بن براق: "وليلك من ليل الصعاليك نائم". ومثله، "وما ليل المطي بنائم". ويقولون: لا يرقد وسادة يريدون متوسد الوساد "١٨٨ الصاحبي".. وقال: ومن سنن العرب التوهم والإيهام وهو أن يتوهم أحدهم شيئًا ثم يجعله كالحق كمساءلة الرسوم "١٩٢".. وقال: ومن سنن العرب الإضمار:
стр. 109
إضمار الأسماء، وإضمار الأفعال، وإضمار الحروف "١٩٦-١٩٨ الصباحي"- والعرب تضمر الفعل فيشتبه المعنى حتى يعتبر فيوقف على المراد مثل "فإني لا ألام على دخول" أي على ترك دخول، وقال الأعشى: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا، أي من أجل آل ليلى "ص١٩٨ و١٩٩". وقال: باب إضافة الشيء إلى ما ليس له مثل سرج الفرس وثمرة الشجرة وغنم الراعي "ص٢٠٥". وقال: باب اقتصارهم على ذكر بعض الشيء. وهم يرديون كله ومنه: ويبقى وجه ربك إلخ. "٢١٢ و٢١٣".
وبالتأمل فيما ذكره ابن فارس في الصاحبي نجده يفرق بين باب الحذف وباب المبالغة والمجاز، فيذكر مثل الحذف ويجعلها من الحذف، ويذكر مثل المبالغة كليل نائم ويجعلها من وصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه.
وابن فارس في هذا جد دقيق متحر للصواب فيما يرى ويقول.
ابن الأثير والمجاز العقلي:
كذلك لم يعرض ابن الأثير في المثل السائر للمجاز العقلي، وإنما جعل المجاز ثلاثة أقسام: توسع في الكلام وتشبيه واستعارة:
فالتوسع يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول والمنقول إليه لطلب التوسع في الكلام، وهو ضربان:
١- ما يرد على وجه الإضافة واستعماله قبيح، لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه، وذلك؛ لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين الطرفين، كان ذلك قبيحًا مثل بح صوت المال وماء الملام.
стр. 110
٢- ما يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه مثل: قالتا أتينا طائعين، فنسبة القول إلى السماء من باب التوسع؛ لأنهما جماد لا ينطق، وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول ... وهذا النوع الثاني قريب من أسلوب المجاز العقلي، وابن الأثير يعده من التوسع الذي هو قسم من أقسام المجاز.
عبد القاهر والمجاز العقلي:
ليس عبد القاهر أول من تكلم على أسلوب المجاز العقلي، فقد تقدمه كثير من العلماء: كسيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس.. وفي هذا ما يبطل الرأي القائل بأن المجاز الحكمي -العقلي- من ابتداع عبد القاهر وحده، وهو رأي ذهب إليه الدكتور طه حسين في مقدمته لكتاب نقد النثر.
وبلاغة المجاز العقلي كما فهمها عبد القاهر سبق إلى بيانها باختصار وفي خفية المبرد والآمدي.
وجملة ما ذكره عبد القاهر في كتابيه الأسرار والدلائل عن المجاز العقلي.. هي:
١- إثبات وجود المجاز العقلي وبيان سر الفروق بينه وبين المجاز في الكلمة.
٢- بيان أن المجاز في الإثبات عقلي وفي الكلمة المثبتة لغوي.
٣- بيان حد هذين النوعين من المجاز "المجاز الحكمي والمجاز في المفرد".
٤- بيان القرينة على التجوز في المجاز العقلي والفرق بينه وبين الأحاديث الكاذبة.