أ- فعبد القاهر الجرجاني "م سنة ٤٧١" ينهج نهج صاحب الموازنة ويقتبس منه في الشرح الأدبي للنصوص، وينقل عنه كثيرا، ويستدل بآرائه في كتبه١، وقد ينقده أحيانا٢.
ب- وابن سنان الخفاجي "م سنة ٤٦٦" يأخذ عنه كثيرًا، ويشيد بعلمه ورأيه ودقة نظره وسعة علمه في مواضع كثيرة من كتابه، وقد ينقده في بعض الأحيان، وقد يرد على من نقده كالمرتضي في أحيان أخرى، وسر الفصاحة للخفاجي أكبر شاهد عند من يطالعه على مدي تأثر صاحبهابعيد بالموازنة ومؤلفها، وعلي أن الموازنة كان مصدرا لابن سنان.
جـ- وابن رشيق "م سنة ٤٥٦" ينوه في عمدته بالموازنة أعظم تنويه٢، وإن كان لم يتأثر به في بحوث البلاغة كثرا كما تأثر بقدامة بن جعفر وكتابه نقد الشعر.
د- أما ابن الأثير "م سنة ٦٣٧" فقد نوه في أول مثله السائر بالموازنة ككتاب بيان، وبصاحبها كعالم من علماء البيان.
وعلي كل حال فأثر الموازنة في علم البيان لا يُجحد، وهو أظهر من أن يحتاج إلى دليل.
البديع والبيان عند الآمدي:
تكلم الآمدي على كثير من مباحث علم البيان وأصوله إجمالا وفرضا، وذلك حين كان يعرض لنقد بيت أو شرح معنى إلى غير ذلك، فلنعرض آراءه في البيان لنقف على قيمة الكتاب من هذه الناحية العلمية.
أ- تكلم الآمدي "في ص٦، ٧" على نشأة البديع وتطوره، وكيف كان يقع نادرا في الشعر العربي عن غير عمد وكيف فطن المحدثون لجماله فطلبوه وتكلفوه وكيف بالغ أبو تمام في طلبه وتكلفه.
ب- وتكلم على البلاغة وتحدث عنها وعن عناصرها في إيجاز، وأقامها على أساس الجمال اللفظي وسحر الأسلوب ورقة الطبع، وإيراد الألفاظ في مواضعها، وإيراد المعنى بالعبارة المألوفة فيه، مع السلامة من التكلف والهذر والإخلال، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعانيها "١٨١ موازنة"، وجعل صحة التأليف في الشعر والنثر
стр. 632
أقوى عناصر البلاغة. واستدل على ذلك برأي الفلاسفة ورأي يزر جمهر الحكيم الفارسي في عناصر البلاغة: من صدق الكلام، ووقوعه موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة، ثم طبق الآمدي ذلك الرأي على الشعر "١٨١-١٨٣ موازنة ".
جـ- كما تكلم الآمدي على سوء النظم وفساد التعقيد، وعلي المعاظلة والحوشية في أكثر من موضع "ص١٢٥ موزانة".
د - وتكلم على أسلوب القلب وحلل ما ورد منه، ورأى أن ما جاء على أسلوب القلب في القرآن صحيح لا قلب فيه وهو جارٍ على التأليف الصحيح، وعرض لما ورد منه في الشعر العربي فزعم أن بعضه لا قلب فيه، وأن الآخر قبيح في ذلك الأسلوب، ولم يجز القلب لمتأخر بحجة أن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر وإن احتذاهم فلا ينبغي أن يهم فيما سهوا فيه، ويناقش رأي المبرد في جواز القلب للاختصار "٩٦ و٩٧ موازنة".
فلنقف مع الآمدي وقفة قصيرة نناقشه وننقد رأيه. لقد جعل سبب القلب هو السهو ومن ثم لم يجزه المتأخر، ونحن لا نسلم له الأمرين جميعا، فليس صحيحا أن سبب القلب هو السهو، بل إن له سببا آخر غير ما ذكره وهو المبالغة في أداء المعنى وإظهار فضل كمال الأمر فيه، فقول أبي تمام:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
مثلا، لم يكن هذا القلب فيه عن سهو ونسيان، إنما قصده أبو تمام وطلبه، والقلب في ذلك البيت هو سر روعته وجماله، وهو الذي أعطاك من المبالغة في المعنى ما لا يعطيك إياه لو جرى الكلام على سننه المألوف. وكيف أذن نمنع المتأخرين عنه والعرب قد استعملته لتؤدي به فضل المبالغة في المعنى على أكل وجه وأتمه، وإن ضل الشعراء أحيانا النهج الصحيح في القلب فأحالوا وأخطأوا.
هـ- وحلل الأسلوب الذي يقع فيه المصدر نفسه وصفا الأسماء الذوات مثل هند الحسن كله. ودعد الجمال أجمعه "٧٦ موازنة"، وتكلم على أسلوب التشبيه البليغ عرضًا في بعض المواضع "٦٩، ٧٢".
و كما بحث المجاز المرسل وذكر بعض علاقاته وأفاض في ذكر أمثلته "١٥، ١٦٥".
ز- وتكلم على الاستعارة حين كان بصدد بيان ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات "١١٢-١٢٠ موازنة" فذكر قبيح استعاراته وبين سبب كثرتها في شعره بأنه احتذى القدماء فيما رآه من بعيد استعاراتهم اليسيرة حبا للإبداع "١١٧" والإغراق، ولا شك أن هذا تعليل غريب،
стр. 633
فنحن لا نشك أن في شعر الرجل استعارات بعيدة غريبة على الذوق العربي، ولكنا نثق أن باعثها عند أبي تمام هو أنه كان في شغل بالمعاني والإغراق في استنباطها وتدقيق النظر في أجزائها وحواشيها والإلمام بأصولها، فكان كثيرا ما تجيء من أجل ذلك في شعره استعارات بعيدة المعنى لا يستسيغها الطبع المطبوع.
ثم بين الآمدي النهج العربي في أسلوب الاستعارة وأن العرب إنما تستعير لمعنى ما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشئ الذي استعيرت له وملائمة لمعناه "١١٤ موازنة "، وهو بهذا يشرح الاستعارة ويبين الحد الفاصل بين جميلها وقبيحها، وقد ذكر الآمدي عقب ذلك نصوصا ونماذج يتجلى فيها النهج العربي في أسلوب الاستعارة شارحًا أسباب الجمال فيها بأسلوب تتجلى روحه في كتابة عبد القاهر فيها في كتابه دلائل الإعجاز.
ومن المناسب أن نبحث رأي الآمدي في الاستعارة ونعرف ما فيه من تجديد:
أهم شيء ذكره الآمدي عن الاستعارة هو أن للعرب نهجا خاصا في أسلوبها، وأنها تراعي قرب الشبه وظهور المشاكلة والمناسبة بين المستعار له ومنه، وأن على البليغ أن يحافظ على هذا النهج ولا يتعداه حتى تكون استعاراته جميلة غير قبيحة ومفهومة غير غامضة.
وأساس هذه الفكرة قديم، فقد ورد في خطابة أرسطو: "أنه ينبغي إذا أراد الخطيب أن يستعير أن يأخذ الاستعارة من جنس مناسب لذلك الجنس مُحاكٍ َله غير بعيد منه ولا خارج عنه"١، ونقل هذه الفكرة قدامة في نقد الشعر، فتكلم على حسن الاستعارة وقبيحها وسبب الحسن والقبيح بما لا يخرج عن هذا الرأي٣ ثم أخذها عنه الآمدي في موازنته٢ حيث جعل جمال الاستعارة بقرب معناها من الحقيقة وأن بعد الاستعارة يجعلها قبيحة، وعلي نهج الآمدي سار صاحب الوساطة، فملاك الاستعارة عنده "تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه٤ وإنما تحسن بأن تجيء على وجه من المناسبة وطرف من الشبه والمقاربة"٥، وعلى هذا مشى ابن رشيق٦، وعبد القاهر٧ وابن سنان الذي أخذ الفكرة ووافق.
стр. 634
عليها وإن كان قد ضم إليها شطرا آخر وهو ألا تكون الاستعارة مبنية على غيرها، فقد قرأ في المقالة الرابعة من الفن الثامن من كتاب الشفاء عن أرسطو ما نصه: "أما الاستعارة فيجب أن تكون غير كثيرة التداخل وهو أن "تدخل الاستعارة في الاستعارة" فضم هذا إلى الفكرة، وأوجب في الاستعارة أن تكون قريبة من الحقيقة وغير مبنية على استعارة أخرى، وبهذا يتم حسنها وإلا كانت قبيحة، فالاستعارة القبيحة عنده نوعان: استعارة بعيدة عن الحقيقة واستعارة مبنية على أخرى، ولذلك جعل ابن سنان بيت امرئ القيس: فقلت له لما تمطي بصلبه ... إلخ" ليس من جيد الاستعارات بل من وسطها١ لأن الاستعارة فيه مبنية على استعارة أخرى، وهو لذلك ينقد الآمدي الذي استحسن هذه الاستعارة، وماذا على ابن سنان لو ترك هذا القيد الثاني الذي اقتبسه من سواه؟ ولكنه عرض نفسه لنقد لاذع من رجل كابن الأثير٢، وإن كان ابن الأثير يخلط في رده عليه الإساءة بالإحسان، كما فعل ابن سنان حين نقد رأي الآمدي في بيت امرئ القيس.
وبعد فماذا يريد الآمدي من كلمة استعارة؟
يطلق الآمدي هذه الكلمة مريدا في بعض الأحيان مجرد معناها اللغوي، وهو مطلق النقل لا لعلاقة التشبيه٣ وهو بذلك يجاري أهل اللغة فيها، ولكنه حين يذكرها في معرض الكلام العلمي يريد منها معناها الاصطلاحي الخاص المعروف٤، ولكن الآمدي يجعل من الاستعارة الآية الكريمة: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب﴾ ويقول في شرح الاستعارة فيها: لما كان الضرب بالسوط من العذاب استعير للعذاب سوط٥، وذلك عند المتأخرين من المجاز المرسل.
ح- وتكلم الآمدي على الجناس وعرفه بأنه ما اشتق بعضه من بعضه، وذكر نماذج له من الشعر العربي وأن أبا تمام احتذى هذه الأمثلة فأتى بالجيد والساقط من الجناس "١٢٠-١٢٣ موازنة.
стр. 635
ط- وتكلم على الطباق فذكر حقيقته وحده وبعض ما وقع لأبي تمام من جيده ورديئه، ونقد رأي قدامة في تسمية الطباق تكافؤ وفي خلطه بين الجناس والطباق "١٢٣ و١٢٤ موازنة".
ي- كما تكلم على السرقات الشعرية وأنها لا تكون إلا في المعاني الخاصية وفي البديع المخترع منها مما يظهر فيه فضل شاعر على شاعر، لا في المعاني العامية التي هي مشتركة بين الناس "١٤٩ موازنة".
هذه خلاصة لأهم آراء الآمدي في البيان، وبالإطلاع عليها نرى أن الآمدي كان له ولكتابه الأثر البليغ في البيان العربي.
стр. 636
كلمات الاساتذة:
الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني "٦٦٦-٧٣٩":
كتاب الخطيب: "الإيضاح" أهم كتب البلاغة، وأحفلها بالبحوث والدارسات والآراء والمذاهب.
وهو فوق ذلك أمثل كتب البلاغة أسلوبا، وأجملها بيانا، وأوفاها بحثا، وقد جمع فيه المؤلف كثيرا من آراء ونظريات المتقدمين في البلاغة، وخاصة: عبد القاهر الجرجاني أمام البلاغة م ٧٤١هـ، والسكاكي فيلسوفها المتوفى عام ٦٢٦هـ.
وكتاب الإيضاح هو الكتاب الدراسي المقرر في شتى كليات اللغة والأدب في الشرق العربي.
وقد قام الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي بعمل جليل، وهو شرح الكتاب شرحا جديدا صافيا، في ستة أجزاء كبيرة.
وقد حرص في شرحه على تلخيص آراء المتقدمين وتوضحيها ودراستها ونقدها. وأعظم عمل في هذا الكتاب فوق ذلك هو ذكر جميع المصادر والمراجع وشرح الشواهد وذكر مصادرها وموضع الشاهد فيها فوق ما فيه من تحقيقات علمية واسعة وتعليقات في غاية الأهمية لعلماء البلاغة ودارسيها
وفي آخر كل جزء من أجزاء هذا الشرح بحوث إضافية ودراسات جديدة في البلاغة ومؤلفاتها وعلمائها، مما لم يسبق إليه أحد.
عبد الله الشربيني.
الأستاذ بكلية اللغة العربية.
стр. 637
الإيضاح في البلاغة:
أهدى إلى صفي الصبا، وصديق الشباب، وعضد الكهولة والشيخوخة أن شاء الله، فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي فيما أهدى إلي من كتبه النفيسة شرحه القيم للإيضاح، فوجدته كجميع كتبه صورة بينه لهذه النفس الفاصلة التي أعرف من مواهبها العلمية أو الأدبية في أكثر من عشرين عاما ما لا يعرف كثير من الناس وهي تبدو لنظارها في مظهرين: أولهما راجع إلى عبارته التأليفية، والثاني إلى مداركه العقلية والعلمية.
أما الأول فآيته هذه البساطة الآخذه بسياق لفظه، المشرقة بوضوح أسلوبه واتساق نظمه، إلى حد يقرب البعيد ويوضح الغامض ويهون المصاعب ويحل المشاكل، مما ينبئ عن ملكة مسيطرة آخذه بعنان الكلم مهيمنة على ضروب القول وجأش رابط، وجنان ثابت جريء على ما يقتحم من مفاوز وما يعالج من معضلات.
وأما الثاني فآيته هو هذا العجب العجاب الآخذ بمجامع الأفئدة والألباب من هذه الحافظة الواعية والذاكرة اليقظة التي جمعت الأخبار والآثار إلى المذاهب والأفكار إلى التحصيل والنقد والابتكار جميعًا، لا يزال يتزايد وينمو وينتظم ويتسق إلى الحد الذي جعله لا يجد ما يجده كثير من محاولي التأليف من وعورة التأليف ومشقة التوضيح والتلخيص، ومما جعله آية من آيات المواهب الإلهية العليا وسبحان الفتاح العليم الذي يهب بفضله ما يشاء لمن يشاء.
محمود فرج العقدة.
الأستاذ في كلية اللغة العربية.
стр. 638
فهرست الجزء الثالث:
الموضوع الصفحة
الكلمة الأولى ٣
أسلوب القصر ٤
أسلوب الإنشاء ٣٣
أسلوب الوصل والفصل ٩٣
الجامع بين الجملتين ١٣٢
الجملة الحالية ١٤١
الإيجاز والإطناب والمساواة ١٦٧
مصادر البلاغة ٢٢٥
الموازنة للآمدي ٢٢٨
كلمات الأساتذة ٢٣٤، ٢٣٥