← Баляга

Баляга · id 7380

الإيضاح في علوم البلاغة

جلال الدين القزويني

Полный текст (638 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك﴾ أي: فلا تحزن١ واصبر فإنه قد كذبت رسل من قبلك، وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِين﴾ أي فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين. وأدلة الحذف٢ كثيرة٣ منها٤: أن يدل العقل على الحذف والمقصود الأظهر٥ على تعيين المحذوف كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية، فإن العقل يدل على الحذف لما مر٦ والمقصود الأظهر يرشد إلى أن التقدير حرم عليكم تناول الميتة وحرم عليكم نكاح أمهاتكم؛ لأن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها ومن النساء نكاحهن. ومنها أن يدل العقل على الحذف والتعيين.

стр. 597

كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ، أي أمر ربك أو عذابه أو بأسه١ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَام﴾ أي: عذاب الله أو أمره. ومنها: أن يدل العقل على الحذف والعادة٢ على التعيين، كقوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه﴾ دل العقل على الحذف؛ لأن الإنسان إنما يلام على كسبه، فيحتمل أن يكون التقدير في حبه لقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ٣﴾ ، وأن يكون في مراودته لقوله: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِه﴾ ، وأن يكون في شأنه وأمره فيشملهما، والعادة دلت على تعيين: المراودة؛ لأن الحب المفرط لا يلام الإنسان عليه في العادة لقهره صاحبه وغلبته، وإنما يلام على المراودة الداخلة تحت كسبه التي يقدر أن يدفعها عن نفسه. ومنها: أن تدل العادة على الحذف والتعيين كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُم﴾ ، مع أنهم كانوا أخبر الناس بالحروب، فكيف يقولون بأنهم لا يعرفونها؟ فلا بد من حذف قدره مجاهد ﵀ مكان قتال، أي أنكم تقاتلون في موضع لا يصلح للقتال ويخشى عليكم منه، ويدل عليه أنهم أشاروا إلى رسول الله أن لا يخرج من المدينة وأن الحزم البقاء. ومنها الشروع في الفعل٤ كقول المؤمن: "بسم الله الرحمن

стр. 598

الرحيم"، كما إذا قلت عند الشروع في القراءة: "بسم الله" فإنه يفيد أن المراد بسم الله أقرأ وكذا عند الشروع في القيام والقعود أو أي فعل كان فإن المحذوف يقدر ما١ جعلت التسمية مبدأ له٢. ومنها٣: اقتران الكلام بالفعل، فإنه يفيد تقديره كقولك لمن أعرس: بالرفاء٤ والبنين٥ فإنه يفيد: بالرفاء والبنين أعرست. القسم الثالث: الإطناب. وهو إما: ١- الإيضاح بعد الإبهام": أما بالإيضاح بعد الإبهام: ليرى المعنى في صورتين مختلفتين٦: أو ليتمكن في النفس فضل تمكن٧ فإن المعنى إذا ألقى على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح فتتوجه إلى ما يرد بعد ذلك فإذا ألقي كذلك تمكن فيها فضل تمكن وكان شعورها به أتم،

стр. 599

أو لتمكن اللذة بالعلم به١ فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب المعلوم لذة، وبسبب حرمانها من الباقي ألم، ثم إذا حصل لها العلم به حصلت لها لذة أخرى، واللذة عقيب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم أو لتفخيم الأمر وتعظيمه كقوله٢ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ، فإن قوله اشرح لي يفيد طلب شرح لشيء ما له٣، وقوله: ﴿صَدْرِي﴾ يفيد تفسيره وبيانه٤ وكذلك قوله: ويسر لي أمري، والمقام مقتض للتأكيد للإرسال المؤذن بتلقي المكاره والشدائد. وكقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِين﴾ ، ففي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمور وتعظيم له.

стр. 600

ومن الإيضاح بعد الإبهام باب نعم وبئس١ على أحد القولين٢ إذ لو لم يقصد الإطناب لقيل: نعم زيد وبئس عمرو٣ ووجه حسنه٤ سوى الإيضاح بعد الإبهام٥ أمران آخران؛ أحدهما: إبراز الكلام في معرض الاعتدال، نظرا إلى إطنابه من وجه وإلى اختصاره من آخر، وهو حذف المبتدأ في الجواب، والثاني إبهام الجمع بين المتنافيين٦.

стр. 601

ومنه١ التوشيع٢ وهو: أن يؤتى في عجز الكلام٣ بمثنى٤ مفسر باسمين أحدهما معطوف على الآخر٥ كما جاء في الخبر: "يشيب ابن آدم ويشب٦ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل٧" وقول الشاعر٨: سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بعير رقيب فما زلت في ليلين: شعر وظلمة ... وشمسين: من خمر ووجه حبيب وقول البحتري:٩ لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدودِ في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربىً ووشي برودِ

стр. 602

٢- ذكر الخاص بعد العام": وأما ذكر الخاص بعد العام١ للتنبيه على فضله٢ حتى كأنه ليس من جنسه٣ تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٤. ٣- التكرير ٥: وأما بالتكرير لنكتة٦: كتأكيد الإنذار في قوله تعالى: ﴿كَلَّا ٧

стр. 603

﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ١﴾ ، وفي ثم٢ دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ وأشد٣، كزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول. في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَن يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا متَاعٌ﴾ وقد يكرر اللفظ لطول في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقد يكرر؛ لتعدد المتعلق كما كرره الله تعالى من قوله٤: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ ؛ لأنه تعالى ذكر نعمة عقيب نعمة غير الغرض من ذكره عقيب نعمة أخرى، فإن قيل: قد عقب بهذا القول ما ليس بنعمة كما في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ ، وقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ، قلنا: العذاب وجهنم وأن لم يكونا من آلاء الله تعالى فإن ذكرهما ووصفهما على طريق الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات من آلائه تعالى: ونحوه قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين﴾ لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه عقب كل قصة: ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة".

стр. 604

٤ الإيغال ١: وإما بالإيغال، واختلف في معناه: ١- فقيل هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها كزيادة المبالغة٢ في قول الخنساء: وأن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار٣ لم ترضَ أن تشبهه بالعلم الذي هو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت في راسه نارًا وقول ذي الرمة:

стр. 605

قف العيس في أطلال مية واسألِ ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسلِ١ أظن الذي يجدي عايك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصل وكتحقيق التشبيه٢ في قول امرئ القيس ٣: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقبِ فإنه: لما أتى على التشبيه قبل ذكر القافية واحتاج إليها جاء بزيادة حسنة في قوله: "لم يثقب" لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون، ومثل قوله زهير:

стр. 606

كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا١ لم يحطم فإن حب الفنا أحمر الظاهر أبيض الباطن فهو لا يشبه الصوف الأحمر إلا ما لم يحطم، وكذا قول امرئ القيس٢: حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان ب- وقيل لا يختص بالنظم٣، ومثل بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤. ٥- التذليل ٥:

стр. 607

وإما بالتذليل، وهو تعقيب الجملة بجملة١ تشتمل٢ على معناها٣ للتوكيد٤: وهو ضربان: ١- ضرب لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بإفادة.

стр. 608

المراد١ وتوقفه على ما قبله كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ، إن قلنا: إن المعنى وهل يجازى ذلك الجزاء٢، وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر: وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة تستعمل تارة في معنى المعاقبة وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بمعنى عاقبناهم بكفرهم، قيل: وهل يجازى إلا الكفور؟ بمعنى وهل يعاقب؟ فعلى هذا يكون من الضرب الثاني٣، وقول الحماسي٤. فدعوا: نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟ وقول أبي الطيب: وما حاجة الأظنان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه٥

стр. 609

وقوله أيضا: تمسي الأماني صرعي دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي١ وقول ابن نباتة السعدي: لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أملِ قيل: نظر فيه إلى قول أبي الطيب وقد أربى عليه في المدح والأدب مع الممدوح؛ حيث لم يجعله في حيز من تمنى شيئا. ب- وضرب يخرج مخرج المثل٢، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ . وقول الذبياني: ولست مبستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب٣

стр. 610

وقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعطَ أثمان المكارم يحمدِ١ وقد اجتمع الضربان في قوله٢: تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ﴾ فإن قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ من الأول٣ وما بعده من الثاني، وكل منهما تذييل على ما قبله. وهو٤ أيضا: إما لتأكيد منطوق كلام كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ﴾ الآية٥ وإما لتأكيد مفهومه٦ كبيت النابغة، فإن صدره دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال فحقق ذلك وقرره بعجزه. ٦- التكميل ٧: وأمابالتكميل -ويسمى الاحتراس أيضا٨- وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه٩.

стр. 611

وهو ضربان: ضرب يتوسط الكلام، كقول طرفة: فسقى ديارك -غير مفسدها- ... صوب الربيع وديمة١ تهمي

стр. 612

وقول الآخر١: لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها إذ التقدير عند حاكم موفق، فقوله: "موفق" تكميل، وقول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيدٍ سراع وأرجلُ٢ وضرب يقع في آخر الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ ٣ فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين لتوهم أن ذلتهم لضعفهم فلما قيل: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ علم أنها منهم تواضع لهم، ولهذا عدي الذل بعلي بتضمينه معنى العطف، كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع، ويجوز أن تكون التعدية بعلي لأن المعنى أنهم مع شرفهم وعلو طبقاتهم

стр. 613

وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم١ ومنه قول ابن الرومي٢ فيما كتب به إلى صديق له: أني وليك الذي لا يزال تنقاد إليك مودته، من غير طمع ولا جزع، وإن كنت لذي الرغبة مطلبا ولذي الرهبة مهربا، وكذا قول الحماسي٣: رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيدُ وكذا قول كعب بن سعد الغنوي٤: حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيبُ فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم لأوهم أن حمله عن عجز فلم يكن صفة مدح فقال: إذا ما الحلم زين أهله، فأزال هذا الوهم وأما بقية البيت فتأكيد للازم ما يفهم من قوله: إذا ما الحلم زين أهله من كونه غير حليم حين لا يكون الحلم زينا لأهله فإن من يكون حليما حين لا يحسن الحلم لأهله لا يكون مهيبا في عين العدو لا محالة فعلم أن بقية البيت ليست تكميلا كما زعم بعض٥ الناس، ومنه قول الحماسي:

стр. 614

وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طلَّ منا حيث كان قتيل١ فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم لأوهم أن ذلك لضعفهم وقلتهم، فأزال هذا الوهم بوصفهم بالانتصار من قاتلهم وكذا قول أبي الطيب: أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا فإنه لو اقتصر على وصفه بشدة البطش لأوهم ذلك أنه عنف كله ولا لطف عنده، فأزال هذا الوهم بوصفه بالسماحة، ولم يتجاوز في ذلك كله صفة الريح التي شبه بها، وقال: إنه أسرع في الندى منها هبوبا كأنه من قول ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان كأنه كالريح المرسلة". "التتميم" ٣: وإما بالتميم وهو أن يؤتى في كلام٣ لا يوهم خلاف المقصود٤

стр. 615

بفضله١ تفيد نكتة، كالمبالغة في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه﴾ ، أي مع حبه والضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه٢، ونحوه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّه﴾ ، وكذا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون ٣﴾ ، وعن الفضل بن عياض: "على حب الله"، فلا يكون مما نحن فيه٤، وفي قول الشاعر: إني على ما ترين من كبري ... أعرف من أين تؤكل الكتفُ٥ وفي قول زهير: من يلق يوما على علاته هرمًا ... يلق السماحة منه والندى خلقا٦

стр. 616

٨- الاعتراض ١: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى٢ بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب٣ لنكتة سوى ما ذكر في تعريف التكميل٤:

стр. 617

كالتنزيه والتعظيم في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ١ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ . والدعاء في قول أبي الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها -وحاشاك- فانيا فإن قوله: "وحاشاك" دعاء حسن في موضعه، ونحوه قول عوف بن محلم الشيباني: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان٢ والتنبيه في قول الشاعر٣: واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا٤

стр. 618

وتخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر علق بهما، كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ١. والمطابقة مع الاستعطاف في قول أبي الطيب: وحقوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما٢ والتنبيه: على سبب أمر فيه غرابة، كما في قول الآخر٣:

стр. 619

فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه فإن قوله: "فلا هجره يبدو" يشعر بأن هجر الحبيب أحد مطلوبيه وغريب أن يكون هجر الحبيب مطلوبًا للمحب، فقال: وفي اليأس راحة، لينبه على سببه، وقوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم﴾ ، اعتراض؛ لأنه اعترض به بين الموصوف والصفة، واعترض بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ، بين القسم والمقسم عليه. ومما جاء بين كلامين متصلين١ معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُم﴾ ٢، فإن قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ بيان لقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني أن المأتي الذي أمركم به هو مكان الحرث، دلالة على أن الغرض

стр. 620

الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهم إلا من حيث يأتي فيه هذا الغرض، وهو مما جاء في أكثر من جملة أيضا. ونحوه في كونه أكثر من جملة قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مرْيَمَ﴾ ، فإن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ليس من قول أم مريم، وكذا قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أوتُوا نصِيبًا منَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا، مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أن جعل ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب؛ لأنهم يهود ونصارى أو لأعدائكم، فإنه على الأول يكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ اعتراضا، وعلى الثاني يكون ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ اعتراضا، ويجوز أن يكون ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ صلة، لـ: ﴿نَصِيرًا﴾ أن ينصركم من الذين هادوا كقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ وأن يكون كلاما مبتدأ على أن: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون، كقوله١: وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى ابتغي العيش أكدح وقد علم مما ذكرنا أن الاعتراض كما يأتي بغير واو ولا فاء قد يأتي بأحدهما ووجه حسن الاعتراض على الإطلاق حسن الإفادة مع أن مجيئه مجيء ما لا معول عيه في الإفادة فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لا ترتقبها. ومن الناس من لا يقيد فائدة الاعتراض بما ذكرنا، بل يجوز أن

стр. 621

تكون دفع توهم ما يخالف المقصود١. وهؤلاء فرقتان: فرقة لا تشترط فيه أن يكون واقعا في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى، بل تجوز أن يقع في آخر كلام٢ أو يليه غير متصل به معنى، وبهذا يشعر كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف فالاعتراض عند هؤلاء١ يشمل التذليل، ومن التكميل ما لا محل له من الإعراب جملة كان أو أكثر من جملة.

стр. 622

وفرقة١ تشترط فيه ذلك٢ لكن لا تشترط أن يكون جملة أو أكثر من جملة٣. فالاعتراض عند هؤلاء يشمل من التتميم ما كان واقعا في أحد الموقعين٤، ومن التكميل ما كان واقعا في أحدهما.

стр. 623

ولا محل لها من الأعراب جملة كان أو أقل من جملة أو أكثر١. ٩- "مواضع أخرى للإطناب غير ماسبق": وأما بغير ذلك، كقولهم: "رأيته بعين"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ ما ليس لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي هذا الإفك ليس إلا قولا يجرى على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم في القلب كما هو شأن المعلوم إذا ترجم عنه اللسان، وكذا قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ لإزالة توهم الإباحة كما في نحو قولنا: جالس الحسن أو ابن سيرين٢، ويعلم العدد جملة كما علم تفصيلا ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم وفي أمثال العرب: علمان خير من

стр. 624

علم، وكذا قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ تأكيدا آخر، وقيل: أريدَ بالتأكيد الكيفية لا الكمية حتى لو وقع صوم العشرة على غير الوجه المذكور لم تكن كاملة، وكذا قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١، فإنه لو لم يقصد الإطناب لم يذكر: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأن إيمانهم ليس مما ينكره أحد من مثبتيهم، وحسن ذكره٢ إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه، وكذا قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فإنه لو اختصر لترك قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ لأن مساق الآية لتكذيبهم في دعوى الإخلاص في الشهادة كما مر وحسنه دفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر٣، ونحوه قول البلغاء: "لا، وأصلحك الله"، وكذا قوله تعالى٤: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ، وحسنه أنه ﵇ فهم أن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله تعالى في العصا، فينبغي أن يتنبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين، وكذا قوله: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِين﴾ ، وحسنه إظهار الابتهاج بعبادتها والافتخار بمواظبتها؛ ليزداد غيظ السائل.

стр. 625

معنى آخر للإيجاز والإطناب ١: وأعلم أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساوٍ له في أصل المعنى، كالشطر الأول من قول أبي تمام: يصد عن الدنيا إذا عنَّ سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد٢ وقول الآخر٢: ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقرِ ومنه قول الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمينِ وقول بشر بن أبي خازم: إذا ما المكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها

стр. 626

وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها١ ويقرب من هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ . وقول الحماسي: وننكر أن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول٣ وكذا ما ورد في الحديث: "الحزم سوء الظن"، وقول العرب: الثقة بكل أحد عجز٤ والله تعالى أعلم. تم الفن الأول وهو علم المعاني.

стр. 627

ملحق للجزء الثالث: أهم كتب البلاغة في مختلف العصور: مجاز القرآن لأبي عبيدة م٢٠٨هـ. صنعة البلاغة للسيرافي م ٣٦٨هـ. البديع لابن المعتز م ٢٩٦هـ. أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر م ٤٧١هـ. سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي ٤٦٦هـ. العمدة لابن رشيق م ٤٦٠. الصناعتين للعسكري م ٣٩٥. المفصل في البيان والفصاحة للمزرباني م ٢٧٨هـ. البديع لابن منقذ م ٥٨٤هـ. نهاية الإيجاز للرازي م ٦٠٦هـ. المفتاح للسكاكي م ٦٢٦هـ١. قوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادي م ٦٢٩هـ. المثل السائر لابن الأثير م ٦٣٧هـ٢. التبيان لابن الزملكاني م ٦٥١هـ. المعيار للزنجاني م ٦٥٤هـ.

стр. 628

المصباح لبدر الدين ابن ابن مالك م ٨٦٨٦هـ١. الأقصى القريب للتنوخي ٦٩٨هـ. بديع القرآن لابن أبي الأصبع م ٦٥٤هـ. الإيضاح للخطيب٢ القزويني م ٧٣٩. تلخيص المفتاح٢ له أيضا. الفوائد الغياثية للعضد م ٧٥٦هـ، وشرحها الكرماني م ٧٨٦هـ. التبيان لشرف الدين الطيبي م ٧٤٣هـ. الطراز ليحيى بن حمزة العلوي م ٧٤٩هـ. عروس الأفراح للسبكي م ٧٧٣هـ. السمرقندية للسمرقندي وهي رسالة في الاستعارات، وتوفي السمرقندي عام ٨٨٠هـ٤. المطول للسعد م ٧٩٢هـ٥. عقود الجمان للسيوطي م ٩١١هـ.

стр. 629

الجوهر المكنون لعبد الرحمن الأخضري م ٩٥٠هـ١، وقد شرحه الشيخ أحمد الدمنهوري م ١١٩٢هـ. الأعواز في علاقات المجاز للسجاعي م ١١٩٧هـ. تحفة الإخوان في علم البيان لدردير م ١٢٠١هـ. الرسالة البيانية للصبان م ١٠٢٦هـ وله حاشية على السعد. التجريد للبناني م ١٢١١هـ. حسن الصنيع للشيخ البسيوني م ١٣١٣هـ. زهر الربيع للحملاني م ١٣٥٢هـ. البلاغة الواضحة للمرحوم الجارم بك م ٨ فبراير سنة ١٩٤٩. هذا وأهم الشروح على متن التلخيص للخطيب القزويني المطول ومختصره السعد والأطول للعصام.

стр. 630

الموازنة للأمدي والبلاغة العربية: أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي البصري المتوفي عام ٣٧١هـ من أعلام الأدب والنقد والبيان في القرن الرابع. وكتابه الموازنة سجل حافل لشتى مناهج النقد، ومذاهب النقد في تحليل شاعرية أبي تمام والبحتري وإن كان الآمدي ينصر البحتري في مواقف كثيرة. والصلة بين الآمدي والقاضي أبي الحسن الجرجاني صاحب الوساطة م ٣٩٢هـ كبيرة، اتفقا في كثير من الآراء في النقد والأدب والبيان، وكثيرا ما نرى أسلوبهما في شرح الأبيات واحدًا، أو متقاربا. على أن اتجاه الرجلين في النقد واحد أيضا، فاتجاه الجرجاني في نقد شعر المتنبي هو اتجاه الآمدي في نقد شعر الطائيين فهو يحصى ما أخذ على المتنبي من سرقات، وما أخذ عليه من أخطاء ترجع إلى التكلف والتعقيد، أو إلى الإفراط والمبالغة، أو إلى بعد الاستعارة وعدم وضوحها، أو غموض المعنى والتعثر في أدائه، أو إلى اللحن في الأداء والخطأ في التركيب، وهذا هو الاتجاه الذي اتجهه الآمدي في موازنته مع فوارق ضئيلة، وهو رجوع بالنقد إلى النهج العربي والذوق الأدبي دون ما عداهما، وكل ذلك يدلنا على وجود صلة أدبية بين الرجلين رغم تباين موطنيهما "البصرة وجرجان". ومن المرجح عندي أن صاحب الوساطة قد تأثر بالموازنة دون العكس، وأن الموازنة كانت خطوة أولى في النقد الادبي كعلم، ثم تلتها الوساطة كخطوة ثانية في مضماره يرشدنا إلى ذلك دراسة فن التأليف في كلا الكتابين، فالرقي التأليفي في كتاب الوساطة المتجلي في جمال عرضها وتهذيب تأليفها وحسن أسلوبها أكبر دليل على ما أذهب إليه، ويصعب علينا أن نفسر ما بين الرجلين من تقارب كثير بأنهما عاشا في عصر واحد وتثقفا بثقافة عصرهما المتحدة؛ فإن اختلاف بيئة الرجلين وحياتهما مما لا يجعل لذلك التفسير قوته ولا وجاهته. أثر الموازنة في كتب البيان: وأثر الموازنة في النقد، وكيف كانت أصلا عظيما من أصول الموازنة والنقد الأدبي أثر كبير، وكذلك كان الكتاب مرجعا لعلماء البيان، ومصدرا من مصادرهم العلمية:

стр. 631

أ- فعبد القاهر الجرجاني "م سنة ٤٧١" ينهج نهج صاحب الموازنة ويقتبس منه في الشرح الأدبي للنصوص، وينقل عنه كثيرا، ويستدل بآرائه في كتبه١، وقد ينقده أحيانا٢. ب- وابن سنان الخفاجي "م سنة ٤٦٦" يأخذ عنه كثيرًا، ويشيد بعلمه ورأيه ودقة نظره وسعة علمه في مواضع كثيرة من كتابه، وقد ينقده في بعض الأحيان، وقد يرد على من نقده كالمرتضي في أحيان أخرى، وسر الفصاحة للخفاجي أكبر شاهد عند من يطالعه على مدي تأثر صاحبهابعيد بالموازنة ومؤلفها، وعلي أن الموازنة كان مصدرا لابن سنان. جـ- وابن رشيق "م سنة ٤٥٦" ينوه في عمدته بالموازنة أعظم تنويه٢، وإن كان لم يتأثر به في بحوث البلاغة كثرا كما تأثر بقدامة بن جعفر وكتابه نقد الشعر. د- أما ابن الأثير "م سنة ٦٣٧" فقد نوه في أول مثله السائر بالموازنة ككتاب بيان، وبصاحبها كعالم من علماء البيان. وعلي كل حال فأثر الموازنة في علم البيان لا يُجحد، وهو أظهر من أن يحتاج إلى دليل. البديع والبيان عند الآمدي: تكلم الآمدي على كثير من مباحث علم البيان وأصوله إجمالا وفرضا، وذلك حين كان يعرض لنقد بيت أو شرح معنى إلى غير ذلك، فلنعرض آراءه في البيان لنقف على قيمة الكتاب من هذه الناحية العلمية. أ- تكلم الآمدي "في ص٦، ٧" على نشأة البديع وتطوره، وكيف كان يقع نادرا في الشعر العربي عن غير عمد وكيف فطن المحدثون لجماله فطلبوه وتكلفوه وكيف بالغ أبو تمام في طلبه وتكلفه. ب- وتكلم على البلاغة وتحدث عنها وعن عناصرها في إيجاز، وأقامها على أساس الجمال اللفظي وسحر الأسلوب ورقة الطبع، وإيراد الألفاظ في مواضعها، وإيراد المعنى بالعبارة المألوفة فيه، مع السلامة من التكلف والهذر والإخلال، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعانيها "١٨١ موازنة"، وجعل صحة التأليف في الشعر والنثر

стр. 632

أقوى عناصر البلاغة. واستدل على ذلك برأي الفلاسفة ورأي يزر جمهر الحكيم الفارسي في عناصر البلاغة: من صدق الكلام، ووقوعه موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة، ثم طبق الآمدي ذلك الرأي على الشعر "١٨١-١٨٣ موازنة ". جـ- كما تكلم الآمدي على سوء النظم وفساد التعقيد، وعلي المعاظلة والحوشية في أكثر من موضع "ص١٢٥ موزانة". د - وتكلم على أسلوب القلب وحلل ما ورد منه، ورأى أن ما جاء على أسلوب القلب في القرآن صحيح لا قلب فيه وهو جارٍ على التأليف الصحيح، وعرض لما ورد منه في الشعر العربي فزعم أن بعضه لا قلب فيه، وأن الآخر قبيح في ذلك الأسلوب، ولم يجز القلب لمتأخر بحجة أن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر وإن احتذاهم فلا ينبغي أن يهم فيما سهوا فيه، ويناقش رأي المبرد في جواز القلب للاختصار "٩٦ و٩٧ موازنة". فلنقف مع الآمدي وقفة قصيرة نناقشه وننقد رأيه. لقد جعل سبب القلب هو السهو ومن ثم لم يجزه المتأخر، ونحن لا نسلم له الأمرين جميعا، فليس صحيحا أن سبب القلب هو السهو، بل إن له سببا آخر غير ما ذكره وهو المبالغة في أداء المعنى وإظهار فضل كمال الأمر فيه، فقول أبي تمام: لعاب الأفاعي القاتلات لعابه مثلا، لم يكن هذا القلب فيه عن سهو ونسيان، إنما قصده أبو تمام وطلبه، والقلب في ذلك البيت هو سر روعته وجماله، وهو الذي أعطاك من المبالغة في المعنى ما لا يعطيك إياه لو جرى الكلام على سننه المألوف. وكيف أذن نمنع المتأخرين عنه والعرب قد استعملته لتؤدي به فضل المبالغة في المعنى على أكل وجه وأتمه، وإن ضل الشعراء أحيانا النهج الصحيح في القلب فأحالوا وأخطأوا. هـ- وحلل الأسلوب الذي يقع فيه المصدر نفسه وصفا الأسماء الذوات مثل هند الحسن كله. ودعد الجمال أجمعه "٧٦ موازنة"، وتكلم على أسلوب التشبيه البليغ عرضًا في بعض المواضع "٦٩، ٧٢". و كما بحث المجاز المرسل وذكر بعض علاقاته وأفاض في ذكر أمثلته "١٥، ١٦٥". ز- وتكلم على الاستعارة حين كان بصدد بيان ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات "١١٢-١٢٠ موازنة" فذكر قبيح استعاراته وبين سبب كثرتها في شعره بأنه احتذى القدماء فيما رآه من بعيد استعاراتهم اليسيرة حبا للإبداع "١١٧" والإغراق، ولا شك أن هذا تعليل غريب،

стр. 633

فنحن لا نشك أن في شعر الرجل استعارات بعيدة غريبة على الذوق العربي، ولكنا نثق أن باعثها عند أبي تمام هو أنه كان في شغل بالمعاني والإغراق في استنباطها وتدقيق النظر في أجزائها وحواشيها والإلمام بأصولها، فكان كثيرا ما تجيء من أجل ذلك في شعره استعارات بعيدة المعنى لا يستسيغها الطبع المطبوع. ثم بين الآمدي النهج العربي في أسلوب الاستعارة وأن العرب إنما تستعير لمعنى ما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشئ الذي استعيرت له وملائمة لمعناه "١١٤ موازنة "، وهو بهذا يشرح الاستعارة ويبين الحد الفاصل بين جميلها وقبيحها، وقد ذكر الآمدي عقب ذلك نصوصا ونماذج يتجلى فيها النهج العربي في أسلوب الاستعارة شارحًا أسباب الجمال فيها بأسلوب تتجلى روحه في كتابة عبد القاهر فيها في كتابه دلائل الإعجاز. ومن المناسب أن نبحث رأي الآمدي في الاستعارة ونعرف ما فيه من تجديد: أهم شيء ذكره الآمدي عن الاستعارة هو أن للعرب نهجا خاصا في أسلوبها، وأنها تراعي قرب الشبه وظهور المشاكلة والمناسبة بين المستعار له ومنه، وأن على البليغ أن يحافظ على هذا النهج ولا يتعداه حتى تكون استعاراته جميلة غير قبيحة ومفهومة غير غامضة. وأساس هذه الفكرة قديم، فقد ورد في خطابة أرسطو: "أنه ينبغي إذا أراد الخطيب أن يستعير أن يأخذ الاستعارة من جنس مناسب لذلك الجنس مُحاكٍ َله غير بعيد منه ولا خارج عنه"١، ونقل هذه الفكرة قدامة في نقد الشعر، فتكلم على حسن الاستعارة وقبيحها وسبب الحسن والقبيح بما لا يخرج عن هذا الرأي٣ ثم أخذها عنه الآمدي في موازنته٢ حيث جعل جمال الاستعارة بقرب معناها من الحقيقة وأن بعد الاستعارة يجعلها قبيحة، وعلي نهج الآمدي سار صاحب الوساطة، فملاك الاستعارة عنده "تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه٤ وإنما تحسن بأن تجيء على وجه من المناسبة وطرف من الشبه والمقاربة"٥، وعلى هذا مشى ابن رشيق٦، وعبد القاهر٧ وابن سنان الذي أخذ الفكرة ووافق.

стр. 634

عليها وإن كان قد ضم إليها شطرا آخر وهو ألا تكون الاستعارة مبنية على غيرها، فقد قرأ في المقالة الرابعة من الفن الثامن من كتاب الشفاء عن أرسطو ما نصه: "أما الاستعارة فيجب أن تكون غير كثيرة التداخل وهو أن "تدخل الاستعارة في الاستعارة" فضم هذا إلى الفكرة، وأوجب في الاستعارة أن تكون قريبة من الحقيقة وغير مبنية على استعارة أخرى، وبهذا يتم حسنها وإلا كانت قبيحة، فالاستعارة القبيحة عنده نوعان: استعارة بعيدة عن الحقيقة واستعارة مبنية على أخرى، ولذلك جعل ابن سنان بيت امرئ القيس: فقلت له لما تمطي بصلبه ... إلخ" ليس من جيد الاستعارات بل من وسطها١ لأن الاستعارة فيه مبنية على استعارة أخرى، وهو لذلك ينقد الآمدي الذي استحسن هذه الاستعارة، وماذا على ابن سنان لو ترك هذا القيد الثاني الذي اقتبسه من سواه؟ ولكنه عرض نفسه لنقد لاذع من رجل كابن الأثير٢، وإن كان ابن الأثير يخلط في رده عليه الإساءة بالإحسان، كما فعل ابن سنان حين نقد رأي الآمدي في بيت امرئ القيس. وبعد فماذا يريد الآمدي من كلمة استعارة؟ يطلق الآمدي هذه الكلمة مريدا في بعض الأحيان مجرد معناها اللغوي، وهو مطلق النقل لا لعلاقة التشبيه٣ وهو بذلك يجاري أهل اللغة فيها، ولكنه حين يذكرها في معرض الكلام العلمي يريد منها معناها الاصطلاحي الخاص المعروف٤، ولكن الآمدي يجعل من الاستعارة الآية الكريمة: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب﴾ ويقول في شرح الاستعارة فيها: لما كان الضرب بالسوط من العذاب استعير للعذاب سوط٥، وذلك عند المتأخرين من المجاز المرسل. ح- وتكلم الآمدي على الجناس وعرفه بأنه ما اشتق بعضه من بعضه، وذكر نماذج له من الشعر العربي وأن أبا تمام احتذى هذه الأمثلة فأتى بالجيد والساقط من الجناس "١٢٠-١٢٣ موازنة.

стр. 635

ط- وتكلم على الطباق فذكر حقيقته وحده وبعض ما وقع لأبي تمام من جيده ورديئه، ونقد رأي قدامة في تسمية الطباق تكافؤ وفي خلطه بين الجناس والطباق "١٢٣ و١٢٤ موازنة". ي- كما تكلم على السرقات الشعرية وأنها لا تكون إلا في المعاني الخاصية وفي البديع المخترع منها مما يظهر فيه فضل شاعر على شاعر، لا في المعاني العامية التي هي مشتركة بين الناس "١٤٩ موازنة". هذه خلاصة لأهم آراء الآمدي في البيان، وبالإطلاع عليها نرى أن الآمدي كان له ولكتابه الأثر البليغ في البيان العربي.
следующие страницы →