Полный текст (241 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وثقْتُ بنُعماهُ ولم تجتمع بها ... يدي ورأيتُ النجحَ قبل سُؤالِه
وتعلَمُ أن السَّيف يكفيكَ حدُّهُ ... مكاثرةَ الأقرانِ قبلَ استلالِه
أبا حسنٍ أنشأتَ في أُفق النَّدَى ... لنا كرماً آمالُنا في ظلالِه
مضى منك وسميُّ فجُدْ بوليِّهِ ... وعوّدَ من نُعماك فضلَ نوالِه
وقال أيضاً:
فتًى لم يُنكِّبهُ الشَّبابُ علَى الحجى ... ولم ينس عهد اللَّهو والشيبُ شامله
إذا سؤددٌ أدنى له مدَّ هِمَّةً ... إلى سؤددٍ نائي المحلّ يُزاوله
توقَّعُ أنْ يحْتلَّها درجَ العُلى ... كما انتظرت أوْبَ الهلال منازله
وقال آخر:
فقدناك فِقدانَ الحياة وأقبلتْ ... تُلاحظنا خُزراً إلينا والقبائلُ
ولو أنك المرجوُّ منا لأصبحتْ ... أعالي الدّنا منها وهنَّ أسافلُ
ردَدنا إليه الأمرَ طوعاً ولم نَقُلْ ... لهُ في الَّذي يأتيه ما أنت فاعلُ
به جُمعَ الشّملُ الشتيتُ وفُرِّقتْ ... عباديدُ في القوم اللُّهى والنوافلُ
ومن يرَ جدوى يوسفَ بن محمدٍ ... يرَ اليمَّ لم يجمعْ جناييه ساحلُ
أغرُّ إذا عُدَّتْ مناقبُ فعله ... توهَّمتَ أنَّ الحقَ منهنَّ باطلُ
تطاطا حدود الزور تحت سكوته ... وتنتظرُ الأسماعُ ما هو قائلُ
وقد حُقِّقَتْ فيه الظنون وصدقت ... علَى ما حكت من قبل هذا الدلائلُ
ولا عجبُ أن رجّم الغيبَ عالمٌ ... فقبل الغيوبِ ما تكون المخايلُ
وقال أبو تمام الطائي:
مقاماتُنا وقفٌ علَى الحلم والحِجى ... وأمرَدُنا كهلٌ وأشيبُنا حَبْرُ
فأعجبْ به يهدي إلى الموتِ نحره ... وأعجبُ منه كيف يبقى له نحرُ
يُشيِّعه أبناءُ موتٍ علَى الوغى ... يُشيِّعهم صبرٌ يُشيِّعهم نصرُ
بخَيلٍ لزيدِ الخيل فيها فوارسٌ ... إذا نطقوا في مجلسٍ خرس الدَّهرُ
وقال آخر:
تعلَّمْ فليس المرء يخلَق عالماً ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغيراً إذا التفَّت عليه المحافلُ
وقال قيس بن عاصم:
خُطباءُ حين يقوم قائلُهم ... بيضُ الوجوه مَصاقِعٌ لُسْنُ
لا يَفْطنونَ لعيبِ جارِهمُ ... وهُمُ بحسن جوارِهمْ فُطْنُ
ولبعضهم في عبد الله بن عباس رحمة الله عليه:
إذا قال لم يَتْرك مقالاً لقائلٍ ... بملتقطاتٍ لا ترى بينها فَصْلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدَعْ ... لذي أربٍ في القولِ جداً ولا هَزْلا
وقال آخر وهو حسان بن ثابت:
وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسمٍ يُعدُّ وذي بَيانِ
كأنَّكَ أيُّها المُعْطى بياناً ... وجِسْماً من بني عبدِ المَدانِ
وقال آخر:
وأحلام عادٍ لا نخاف جليسَهم ... وإن نطق العوراءَ غَربُ لسانِ
إذا حُدِّثوا لم تخشَ سوءَ استماعهم ... وإن حَدَّثوا لَذّوا بحسن بيانِ
وقال البحتري:
صارِمَ العزم حاضِرَ الحزم ساري ال ... فِكْرِ ثبتَ المقامِ صلْبَ العودِ
دقَّ فهماً وجلَّ حلماً فأرضى ال ... لَّهَ فينا والواثقَ بن الرشيدِ
واستوى النَّاسُ فالقريبُ قريبٌ ... عنده والبعيدُ غيرُ بعيدِ
لا يميلُ الهَوَى به حين يُمضي ال ... أمرَ بين المُقلِّ والمورودِ
في نظامٍ من الأمور جميلٍ ماش ... كَّ امرؤ أنَّه نِظامُ فريدِ
مشرقٌ في جوانب السَّمعِ ما يُخْلِ ... قُهُ عَوْدهُ علَى المُستعيدِ
ومعانٍ لو فصَّلتها القوافي ... هجنتْ شعرَ جَرْوَلٍ ولبيدِ
جزن مُستعملَ الكلام اختياراً ... وتجنَّبنَ ظُلمةَ التَّعقيدِ
وركبْنَ اللَّفظَ القريبَ فأدرك ... نَ به غايةَ المُرادِ البعيدِ
وأَرَى الخلق مجمعين علَى فَضْ ... لِكَ ما بين سيدٍ ومسودِ
عرفَ العاملون فضلكَ بالعل ... م وقال الجُهَّال بالتَّقليدِ
وقال أيضاً:
حكمَ يسابحها خلال بنانِه ... متدفقاً وقليبُه في قلبه
كالرّوض مؤتلقاً بحُمرةِ نَوْرهِ ... وبياضِ زهْرتِه وخُضرةِ عشبِه
стр. 177
أنَّه قد خرج هذا الرَّجُل أعني محمد بن عبد الله بن الحسن فقال إنِّي قلت أبياتاً فاحفظها عنِّي:
أَرَى النَّاسَ في أمرٍ سحيلٍ فلا نزل ... علَى حذر حتَّى ترى الأمر مُبرَما
فإنك لا تسطيعُ ردَّ الَّذي مضى ... من القول عن زلاّته فارق الفما
وكائنْ ترى من وافر العِرض سالم ... وآخرَ أردى نفسه فتكلَّما
الباب الثالث والستون
ذكر
التفضيل بالإحسان والمدح بشرف الأنساب
وقال زهير بن أبي سلمى المُزني:
علَى مُكثريهم حقّ من يعْتريهمُ ... وعند المُقلِّينَ السَّماحةُ والبَذْلُ
وما كان من خير أتَوْهُ فإنَّما ... يقدمُهم آباءُ آبائهم قبلُ
وهل يُنبتُ الخطّيّ إلاَّ وشيجُه ... وينبُتُ إلاَّ في منابتها النخلُ
سعى بعدهُم قومٌ لكي يدركوهُم ... فلم يفعلوا ولم يُلاقوا ولم يألوا
وقال آخر:
إنْ يسألوا الخير يُعطوهُ وإن جهدوا ... فالجهد يُخرج منهم طيب إخبارِ
هَيْنون ليْنون أيسارُ ذوو كرمٍ ... سُوّاسُ مكرمةٍ أبناءُ أيارِ
لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ... ولا يُمارَون إنْ ماروا بإكثارِ
من تلقَ منهم تَقُلْ لاقيتُ سيدهُم ... مثلَ النّجومِ الَّتي يسري بها السَّاري
وقال المسيب بن علس:
يبيتُ الملوكُ علَى عَتْبها ... وشَيْبانَ إنْ غضبَتْ تُعتبُ
وكالراح بالماء أحلامُهم ... وأخْلاقهم منهما أعذَبُ
وكالمسكِ تُربُ مقاماتهم ... وتربُ قبورهمُ أطيبُ
وقال بعض العبديين وتروى لزهير:
لو كان يُقعد فوق الشَّمس من أحدٍ ... قومٌ لمجدهمُ أوْ جودهم قَعدوا
قوم أبوهم سِنانٌ حين تَنْسبُهُم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنسٌ إذا أمنوا جنُّ إذا فزعوا ... غرُّ بهاليل في أعناقهم صيَدُ
مُحَسّدون علَى ما كان من نِعَمٍ ... لا ينزع الله منهم ما له حُسدوا
وقال أعشى همدان في خالد بن ورقاء:
رأيتُ ثناءَ النَّاس بالغيب طيباً ... وقالوا فلانُ ماجدٌ وابنُ ماجد
فإن يكُ عَتّابٌ مضى لسبيلِه ... فما مات من أبقى له مثلُ خالد
وقال حسان بن ثابت:
بيض الوجوه كريمة أنسابُهم ... شُمُّ الأنوف من الطِّراز الأوّل
يُعشَوْن حتَّى ما تهرُّ كِلابُهمْ ... لا يسألونَ عن السّوادِ المُقبل
وقال الحطيئة:
هُمُ المتحفزون علَى المنايا ... بمال الجار ذلك والوفاءُ
هُمُ القوم الذين إذا ألمَّت ... من الأيَّام مُظلمةٌ أضاؤا
إذا نزل الشتاء بجار قومٍ ... تجنَّبَ جارَ بيتهمُ الشتاءُ
فابقوا لا أبا لكمُ عليهم ... فإن ملامة المولى شقاءُ
فإن سعاته لكم سُعاة ... وإن نماءهم لكمُ نماءُ
وإن أباهُم الأدنى أبوكم ... وإنَّ صدورهم لكم بِراءُ
وإن بلاءهم ما قدْ علمتُم ... علَى الأيَّام إنْ نفعَ البلاءُ
وثغرٍ لا يُقام به كَفوكم ... ولم يكُ دونهم لكم كِفاءُ
بجمهور يحار الطرف فيه ... يظل مُعظِّلاً فيه الفضاءُ
وقال أيضاً:
إذا قيل أيُّ النَّاس أوفى قبيلةٍ ... وأكرمُ يوماً لا توارى كواكبُه
فإنَّ بني عمرو بن لأم أرومةً ... علتْ يوم صعب لا تُنال مراقبه
أضاءت لهم أحسابُهم ووجوهُهم ... دُجى اللَّيل حتَّى نظَّمَ الجزع ثاقبُه
وقال آخر:
هُمُ الغُرّ الوجوه بني سنان ... لو أنك تَستضيءُ بهم أضاءوا
همُ حلُّوا من الشرف المُعلَّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
فلو أن السَّماءَ دنت لمجدٍ ... ومكرمةٍ دنتْ لهم السَّماءُ
وقال آخر:
وكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفيٍّ بعقد الجار حين يُفارقُه
يكاد الغمام الغرُّ يرعد إن رأى ... وجوه بني لأم وينهلُّ بارقه
وقال أبو دهبل الجُمحي:
إن البيوت معادن فنَجارُهُ ... ذهبٌ وكلُّ بيوته ضَخْمُ
مُتهلّل بنعَمْ ولا متباعِدٌ ... سيَّان منه الوفرُ والعُدْمُ
وقال العجير السلولي:
وإن ابنَ عمّي لابنُ زيد وأمُّه ... لبلاَّلُ أيدي خلة الشّولِ بالدَّمِ
стр. 178
طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غايةٍ من يبتدرها يُقَدّمِ
من النفر المُدلين في كل حُجَّةٍ ... لمستحمد في جولة الرأي محكمِ
جديرون ألاَّ يذكرون بريبةٍ ... ولا يُغرمون الدَّهر ما لم تغرّمِ
وقال آخر:
هو السابق التالي أبوه كما تلى ... أبوه أباه سيد وابن سيد
كأنَّ علَى عرنينه وجبينه ... شعاعين لاجى من شمال وفرقد
وقال آخر:
بنى آباؤه للمجد بيتاً ... توارثَهُ كريمٌ عن كريم
فما اتكل القديم علَى حديث ... ولا اتكل الحديث علَى قديم
وقال الفرزدق:
علَى عهد ذي القَرْنَين كانت سيوفكم ... عَمائمَ هامات الرِّجال البَطارق
أغرّ ترى سيما التقى بجبينهِ ... إذا ما غدا والمسكُ فوق المفارق
وقال أيضاً:
رأيت النَّاس قد خافوك حتَّى ... خَشوك كخشية النَّاس السّحابا
فليس بزايل للحرب منهم ... شِهابُ يطفئون به شِهابا
وقال مروان بن أبي حفصة:
ما كلَّ جارهم الثواء ولا قَلى ... يوماً جوار بني حنيفة جارُ
إن الَّذي سمك السَّماء بنى لنا ... مجداً تقطع دونه الأبصارُ
وقال عبد الله بن الزّبير الأسدي:
إذا مات ابن خارجة بن حِصنٍ ... فلا مطرتْ علَى الأرض السَّماءُ
ولا جاء البشير بغُنم جيشٍ ... ولا حملت علَى الطّهر النِّساءُ
فيوم منكَ خير من رجال ... كثير حولهم نعم وشاءُ
فبورك في بنيك وفي أبيهم ... إذا عدوا ونحنُ لك الفداءُ
وقال آخر:
إن قوماً منهم عُميرٌ وأش ... باه عميرٍ ومنهم لسفاحُ
لجديرون بالوفاء إذا صاح ... أهل النجدة السلاح للسلاحُ
وقال ابن أذينة الكناني:
إذا قريش تولّى أمرَ صاحبها ... فاستَيْقِنَنَّ بأنْ لا خيرَ في أحدِ
رهط النَّبيّ وأولى النَّاسِ منزلةً ... بكل خير وأثرى النَّاس في العددِ
وقال القطامي:
أما قريش فلن تلقاهم أبداً ... إلاَّ وهم خيرُ من يُحفى وينْتعلُ
إلاَّ وهُم جبلُ الله الَّتي قَصُرت ... عنه الجبال فما وازى به جبل
وقال آخر:
آلُ الرسولِ خيارُ النَّاس كُلِّهم ... وخيرُ آلِ رسولِ الله هارون
رضيتُ حكمك لا أبغي به بدلاً ... لأنَّ حكمكَ بالتوفيق مقرونُ
وقال علي بن الجهم:
أغيرَ كتاب الله تَبْغونَ شاهداً ... لكم يا بني العباس بالعُسر واليُسر
كفاكم بأن الله فوَّض أمرَهُ ... إليكم وأوصى أن أطيعوا أولي الأمر
ومن أرسل الله العباد وسبله ... سوى جنب ذي القربى القريبة من أجر
ومن كان مجهول المكان فإنما ... منازلكم بين الحجون إلى الحجر
وقال البحتري:
وإذا أبو الفضل استعار سجيَّةً ... للمكرمات فمن أبي يعقوب
لا يحتذي خلق القصيّ ولا يرى ... متشبهاً في سُؤددٍ بغريب
شرف تتابَع كابرٌ عن كابر ... كالرمح أنبوباً علَى أنبوب
وأَرَى النجابة لا تكون لماهرٍ ... لنجيب قومٍ ليس بابن نجيب
أعيا خطوب الدَّهر حتَّى لفَّها ... والدَّهر سلك حوادث وخطوب
دانٍ علَى أيدي العُفاة وشاسع ... عن كل ندٍّ في النَّدَى وضريب
كالبدر أفرط في العُلو وضوؤه ... للعصبة السارين جِدُّ قريب
وقال أيضاً:
جمال الليالي في بقائك فلْيَدُمْ ... بقاؤك في عُمْر عليهن زائد
ملكتُ به ودَّ العدى وأجدّ لي ... أواصر قربى في الرِّجال الأباعدِ
وإن بطلت مسعاه مجد بعيدة ... ينلها بجدٍ أريحييّ ووالدِ
كما مدَّت الكف المضاف بنانها ... إلى عضد في المكرمات وساعد
ولم أرَ أمثال الرِّجال تفاوتت ... إلى الفضل حتَّى عُدَّ ألفٍ بواحد
ولا خير في أخلاقه غير أنَّه ... غريبُ الأسى فيها قليل المساعد
مكارم هنَّ الغيظ باتَ غليلُه ... يُضرّم في صدر الحسود المكايد
ولن تستبين الدَّهر موضع نعمةٍ ... إذا أنت لم تُدْللْ عليها بحاسد
وقال أيضاً:
لكم بيت الأعاجم حين يُبنى ... ومفتخر المرازبة العظام
يلومك في النَّدَى من لم يورث ... علا الشرف الَّذي عنه تُحامي
стр. 179
وكم من سؤددٍ غلَّستَ فيه ... ولم يرفع عن النفر النيام
وقال أيضاً:
نبهت من نبهان مجداً لم يزل ... قدْماً لمحمود الفعال رفيعا
ولئن تبينت العُلى لهم لما ان ... فكوا أصولاً للعُلى وفروعا
قومٌ إذا لبسوا الدروع لموقفٍ ... لبستهُمُ الأعراض فيه دروعا
في معرك ضنكٍ تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا
كنت السبيل إلى الرَّدى إذْ كنت في ... قبض النفوس إلى الحِمام شفيعا
وقال أيضاً:
يُنسيك جود الغيث جودُهم إذا ... عثرت أكفهُم بعام مُجْدب
حتَّى لو أن المجد خيِّر في الورى ... نسباً لأصبح ينتمي في تغلبِ
مَلِك له في كل يوم كريهةٍ ... إقدام عزٍّ واعتزام مُجرّبِ
وتراه في ظُلم الوغى فتخالُه ... قمراً يشدّ علَى الرِّجال بكوكبِ
إنِّي أتيتك طالباً فبسطت من ... أملي وطُلت بجود كفك مطلبي
وغدوتَ خير حياطة منّي علَى ... نفسي وأرأف بي هنالك من أبي
أعطيتني حتَّى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعةً لم توهبِ
ولقد أحسن الَّذي يقول:
لو أن كفك لم تجدْ لمؤمَلٍ ... لكفاه عاجل وجهك المُتهلّل
ولو أن مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سؤدد عن أول
الباب الرابع والستون
ذكر
من قدم بجسارته ومدح بشجاعته
وقال الأعشى:
وأبصرت بيضاً بالأكفِّ صوارماً ... تزايلَ منهن الرقاب الكواهل
مضاربها من طول ما ضربوا بها ... ومن عضَّ هام الدارعين بواجل
وقال المخبل بن السبيع العنبري:
وكم من أمير قد فككتم قيوده ... وسهل دم هرقتموه علَى سحلِ
إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم ... وإن قتلوا لم يقشعِرّوا من القتلِ
وقال مُعَلّى الطائي:
مشت الهُوينى في العدو سيوفُه ... حتَّى عرفْنَ مسالِكَ الأرواحِ
سخِطتْ جماجمهُمُ علَى أجسادهم ... فتبدلت سخطاً صدورُ رِماحِ
وقال أبو نواس:
وإذا مجَّ الفنا عَلَقاً ... وتراءى الموتُ في صوره
راح في ثِنْي مفاضته ... أسدٌ تدمى شَبا ظُفره
تتأبى الطير غزوته ... ثقةً بالشبع من جَزره
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
سدّ الثغور يزيد بعدما انفرجت ... بقائم السَّيف لا بالختل والحِيَلِ
موف علَى مُهج في يوم ذي رَهجٍ ... كأنَّهُ أجلٌ يسعى إلى أملِ
ينال بالرِّفق ما يعيا الرّجالُ به ... كالموتِ مستعجلاً يأتي علَى مهلِ
وقال أيضاً:
لو أنَّ قوماً يُخْلَقون منيَّةً ... بنفوسهم كانوا بني جبريلا
قوم إذا هجر الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسيوف مَقيلا
وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي لغيره:
عددت أيامك المحجلة الغرّ ... فأعيت وخيرها عدها
وما انتضيت السيوف يوم وغى ... إلاَّ وفي الهام طلت تغمدها
وقال آخر:
يُضحي علَى المجد مأموناً إذا اشتجرت ... سُمْرُ القنا وعلى الأرواح مُتَّهما
قد فُصِّلت راحتاه من حفيظتِه ... فخيل من شدّة التعبيس مُبْتسما
لم يطغ قوم وإن كانوا ذوي رحمٍ ... إلاَّ رأى السَّيف أدنى منهم زَحما
مشت قلوب رجالٍ في صدورهم ... لما رأوك تمشي نحوهم قَدَما
أنظرتهم عزمات لو رميت بها ... يوم الكريهةِ ركن الدَّهر لانهدما
إذا همُ نكِصو كانت لهم عُقُلاً ... وإن همُ حَجموا كانت لهم لُجما
حتَّى انتهكت بحدِّ السَّيف أنفُسهم ... جزاءَ ما انتهكوا من قبلك الحُرما
أضحكت منهم ضِباعَ الجوّ ضاحيةً ... بعد العُبوسِ وأبكيت السيوف دَما
لما مخضتَ الأمانيّ الَّتي اختلفوا ... عادت هموماً وكانت قبلها هِمَما
وقال آخر:
لا تَدْعُوَنْ نوحَ بن عمرو دعوةً ... للخطب إلاَّ أن يكونَ جليلا
ثَبْتُ المقامِ يرى القبيلة واحداً ... ويُرى فيحسبَهُ القبيلُ قبيلا
وقال آخر:
شهدتُه والمنايا غير دافعةٍ ... والمجد يوجدُ والأرواح تفتقدُ
يكاد حين يُلاقي القرن من حنقٍ ... قبل السنان علَى حوبائه يَرِدُ
стр. 180
لا يوم أكبر منه منظراً حسناً ... والمشرفيَّة في هاماتهم تَخِدُ
أنهبت أرواحه الأرماح إذْ شرعت ... ما أن تُردُّ لغيب الدَّهر عنه يدُ
كأنها وهي في الأوداج والغةٌ ... وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الَّذي نجدُ
من كلِّ أزرقَ نظّار بلا نظرٍ ... إلى المقاتلَ ما في متنه أوَدُ
كأنه كان تِربَ الحب مذ زمنٍ ... فليس يُعجزُه قلبٌ ولا كَبِدُ
إنَّ ابن يوسف نجّى الثغرَ من سنةٍ ... أعوامَ يوسفَ عيشٌ عندها رغَدُ
فأفخر فما من سماءٍ للندى رُفعتْ ... إلاَّ وأفعالك الحُسنى لها عَمدُ
واعذرْ حسودَك فيما قد خُصصت به ... إنَّ العُلى حسنُ في مثلها الحسدُ
وقال البحتري:
ركوبُ لأثباجِ المتالفِ عالمٌ ... بأنَّ المعالي دونهنَّ المهالك
مُطِلٌّ علَى الروح المنيع كأنه ... لصرف المنايا في النُّفوس مُشارك
فما تترك الأيَّام من هو آخذٌ ... ولا تأخذ الأيَّام من هو تارك
مَتَى يأتكَ المقدارُ لا تُدْعَ هالِكاً ... ولكن زمانٌ غال مثلك هالك
وقال أيضاً:
وقد جرَّبوا بالأمس منكَ عزيمةً ... فضلْتَ بها السيفَ الحُسام المُجرَّبا
غداةَ لقيتَ الميثَ والليثُ مُخْدِرٌ ... يُجرِّدُ ناباً للِّقاء ومِخْلَبا
فلم أرَ ضِرغامين أصدق منكما ... عِراكاً إذا الهيّابةُ النكس كذَّبا
هزبرٌ مشى يبغي هزبراً وأغلبٌ ... من القوم يغشى باسلَ الوجه أغلبا
أدلّ بشغب ثمَّ هالَتْهُ صوْلةٌ ... رآك لها أمضى جناباً وأشعبا
حملتَ عليه السَّيف لا عزمُك انثنى ... ولا يدُك ارتدَّتْ ولا حدَّه نبا
وكنتَ مَتَى تجمع يمينك تهتك ال ... ضَّريبةَ أوْ لا تُبق للسيف مضْربا
فاحْجَم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدمَ لما لم يجد عنك مهْربا
فلم يغله إن كرَّ نحوكَ مُقبلاً ... ولم يُنجه أن حاد عنك مُنكبّا
وقال أيضاً:
مُدبِّرُ حرب لم يبتْ عند غيره ... ولم يسر في أحشائه وَهَلُ الرعبِ
يُقلقله شوق إلى القرن مُعجلٌ ... لذي الطَّعَن حتَّى تستريحَ إلى الضربِ
أضاءت لنا الدُّنيا به بعد ظُلمةٍ ... وأجلَتْ لنا الأيَّام عن خُلق رطبِ
وما زال عبد الله يُكسي شمائلاً ... يقُمن مقام الروض في ناضر العشبِ
فتى يتعالى بالتواضع جاهداً ... ويُعجب من أهل المخيلة والعُجبِ
أمنتُ به حدَّ الزَّمان ففلَّهُ ... وقد يثلِمُ العضبُ المُهند في العضبِ
فلم أمل إلاَّ من مودته يدي ... ولا قُلتُ إلاَّ من مواهبه حَسبي
وقال النَّابغة الذّبياني:
يصونون أجساداً قديماً نعيمُها ... بخالصة الأردان خُضْرِ المناكبِ
ولا يحسبون الخير لا شرَّ بعدهُ ... ولا يحسبونَ الشرَّ ضربةَ لازبِ
ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهن فُلولُ من قِراع الكتائب
فهمْ يتساقَوْن المنيَّةَ بينهُمْ ... بأيديهم بيضُ رقاقُ المضاربِ
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الضرب أرقالَ الجِمالِ المصاعبِ
قال وأنشدني أحمد بن أبي طاهر قال أنشدني أبو تمام:
يمدُّون بالبيض القواطع أيْدياً ... وهُنَّ سواءٌ والسّيوف القواطعُ
إذا أسروا لم يأسِر البغيُ عفوهم ... ولم يُمسِ عانٍ منهمُ وهو كانعُ
إذا أطلقوا عنه جوامعَ كيده ... تيقن أن المنَّ أيضاً جوامِعُ
الباب الخامس والستون
ذكر
من وصف بصباحته ومدح بسماحته
قال النابغة الذبياني:
ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سورَةً ... ترى كلَّ ملك دونها يتذبذبُ
بأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا ما بدت لم يبدُ منهن كوكبُ
وقال زياد الأعجم:
تراه إذا ما جئته مُتهلِّلاً ... كأنك مُعطيه الَّذي أنتَ سائلُهْ
كريم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحنو عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجادَ بها فليتق الله سائله
وقال الحطيئة فيما أَرَى:
تزور امرأً يؤتى علَى الحمد ما لهُ ... ولم يعطِ أثمانَ المحامدِ تُحمَدِ
стр. 181
يرى البُخْلَ لا يبقى علَى المرء مالَهُ ... ويعلمُ أن الشُّحَّ غير مُخلدِ
كسوب ومتلافٌ إذا ما سألتَهُ ... تهلَّل واهتزَّ اهتزاز المهندِ
مَتَى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خيرَ نارٍ عندها خير موقدِ
وقال أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيكَ لأنها ... قطَعتْ إليكَ سباسيباً ورِمالا
فإذا وردن بنا وردن مُخِفَّةً ... وإذا صدرن بنا صدرنَ ثِقالا
وقال آخر:
راح السريّ وراح الجود يَتبعه ... وإنَّما النَّاس مذموم ومحمودُ
من كان يضمن للسؤال حاجتهم ... ومن يقول إذا أعطاهم عودوا
وقال آخر:
قد زيَّنوا أحسابهم بسماحهم ... لا خيرَ في حسب بغير سماح
أموالهم مبذولة ونفوسُهم ... للموت عند مجالس الأرواح
وقال آخر:
أناسٌ بما أفنوا من المال أحرزوا ... محامدَ ما يبقى من الحمد والأجر
رأوا أن دُنياهُم تبيد فأنزلوا ... نفوسُهم منها بمنزلةِ السفر
وقال آخر:
نزلتُ علَى آل المهلب شاتياً ... بعيداً عن الأوطان في زمن مَحْلِ
فما زالَ بي إكرامُهم وافتقادُهمْ ... وألطافُهمْ حتَّى حسِبتهُمُ أهلي
البحتري:
جادَ حتَّى أفنى السُّؤال فلمّا ... بادَ منا السؤال جادَ ابتداءَ
فهو يُعطي جزلاً ويُثني عليه ... ثمَّ يُعطي علَى الثناء جزاءَ
وقال علي بن العباس الرومي:
لا يُبذل الرِّفْدَ حين يبذله ... كمشتري الحمد أوْ كمُعتاضهِ
بل يفعل العُرف حين يفعله ... لجوهر العرف لا لأعواضهِ
الباب السادس والستون
ذكر
من أسدى المعروف إليه فشكره وأظهر ما عليه
ذكروا أن القطامي كان يهجو قيساً فأسره زفر بن الحارث فامتن عليه وأمر له بمائة من الإبل فامتدحه بعد ذلك بأشعار كثيرة منها قوله:
منْ مُبلغ زفر القيسي مَدحته ... عن القطامي قولاً غيرَ إفنادِ
إنِّي وإنْ كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلاَّ ضربةُ الهادي
مُثنٍ عليك بما استبقيت معرفه ... وقد تعرض منّي مُقبل بادي
إذْ يعتريك رجال يبتغون دمي ... ولو أطعتهُم أبكيت عوادي
وقال ذو الرُّمَّة:
لولا اختياري أبا حفصٍ وطاعته ... كادَ الهَوَى من غداة البين يعتزمُ
له عليَّ أيادٍ لستُ أكفرها ... فإنما الكفرُ أن لا تشكر النعمُ
إذا هبطت بلاداً لا أراك بها ... تجهمتني وحالت دوننا الظلمُ
أغرّ أروع بهلول أخي ثقةٍ ... حلاحل من يراه اللين والكرمُ
يُريد ذا الشَّيْب منه شيبه كرماً ... ويستبين فتاهم حين يحتلمُ
وقال محمد بن سعيد السعدي:
سأشكر عمرواً إن تراخت منيتي ... أياديَ لم تُمنَن وإنْ هي جلَّت
فتى غيرُ محجوب النَّدَى عن صديقه ... ولا مظهرَ الشكوى إذا النعل زُلَّت
رأى خلة من حيث يُخفى مكانُها ... وكانت قذى عينيه حتَّى تجلَّت
وقال آخر:
شكرتك إن الشكر حظُّ من التُّقى ... وما كلُّ من أوليْتهُ نعمةً يقضي
فأحييتَ لي ذكرى ومن كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبهُ من بعضِ
وقال آخر:
فلو كان للشكر شخصٌ يبين ... إذا ما تأمَّلَهُ النَّاظرُ
لمثَّلتُهُ لكَ حتَّى تراهُ ... فتعلم أنِّي امرؤ شاكر
وهذا الكلام حسن إن ترك على جملته، وقبيح إن كشف عن حقيقته، وذلك أن صاحبه لم يقصد بشكره، وإلى أن يؤدي الحق الَّذي لزمه في نفسه وإنَّما قصد إلى أن ولي النعمة يشكره وفي إظهار الشكر خلال كثيرة كل واحدة منها أجلَّ من هذه الخلة قدراً، وأجمل منها ذكراً، على أن هذه وإن كان غيرها أحسن في الحقيقة منها فإنَّه لاعناً بالمنعم عليه عنها لئلا يقع عنده. أن إمساكه قصدٌ منه إلى كفران نعمته، فيمنعه ذلك من معاودة الأنعام عليه، وعلى مثله كما قال عنترة العبسي:
نبئت عمرو غير شاكر نعمتي ... والكفر مجنية لشكر المنعم
стр. 182
وقد غلط قوم من المتفلسفين غلطاً دخلوا به في جملة جهال المتكبرين فزعموا أن إظهار الشكر وتلقيه بالقبول قبيحان وأنهما جميعاً يدلان من الشاكر والمشكور على صغر النفس، ونقصان الهمة. وليس الأمر كذلك بل تركه يدل على كفران النعمة، والاستكبار عن قبوله يدل على قلة الفهم، وضعف الروية، إذْ الله جلّ ثناؤه وهو خالق الخلق بتفضله وموفق من شاء منهم لطاعته ويسمي نفسه ﵎ شاكراً فإذا جاز أن يكون الله ﵎ شاكراً لمن أطاعه على طاعته إياه وهو الموفق لها وخالق القدرة على فعلها فكيف ينكر على من ابتدأه مخلوق مثله بنعمه أن يظهرها وأن يشكر لموليه إياها على فعلها وإذا كان الله جلّ ثناؤه يحض على شكر نفسه ويقبله من خلقه فكيف ينساغ للمخلوق أن يأباه ويترفع عن قبوله ولقد أحسن الَّذي يقول:
ولو كان يستغني عن الشكر ماجدٌ ... لِعزة مُلك أوْ عُلوِّ مكان
لما ندبَ الله العِبادَ لشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان
الباب السابع والستون
ذكر
ما يجعل من الاستبطاء مقدمة بين يدي الهجاء
حدثني أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب الحارثي قال: حدثنا وهب يعني ابن جرير عن جويرية، حدثنا نافع أنَّه كان تحت منبر ابن الزبير، يوم دعا إلى نفسه، وحدثني أن أبا حُرّة الأسلمي صاحب العبا، كان رجلاً من الموالي شاعراً شجاعاً مقاتلاً فقام إليه فقال: يا ابن الزبير ما سفكنا الدماء، ولا قاتلنا النَّاس إلاَّ في ملكك، قال: فمن تبغون سواي؟ قال: فهل انتظرت حتَّى نكون نحن ندعوك ففارقه ثمَّ أنشأ يقول:
إن الموالي أمست وهي عاتبةٌ ... علَى الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا ... أيُّ الملوك علَى ما حوله غَلبا
نُعاهدُ الله عهداً لا نخيس به ... لا نسأل الدَّهر شورى بعدما ذهبا
وذكروا أن رجلاً من بني ضَبَّة دخل علَى عبد الملك بن مروان فقال: السلام عليك:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلبٌ إليكَ من الَّذي نتطلَّبُ
ولقد طلبنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم يُنسبُ
فاصبر لغادتك الَّتي عوَّدتنا ... أو لا فأرشِدْنا إلى منْ نذهبُ
قال: لا أجد. وأمر له بألف دينار وانصرف. فلما حال عليه الحول رجع وهو يقول:
يؤوب الَّذي يأتي من العرف أنَّه ... إذا فعلَ المعروف زادَ وتمما
وليس كبانٍ حين تمّم مثلها ... تتبعهُ بالنقص حتَّى تهدَّما
فأمر له بألفي دينار فانصرف. ولقد أحسن الَّذي يقول وهو يزيد بن محمد المهلبي:
رأى النَّاس فوق المجد مقدار مجدكم ... فقد سألوكم فوق ما كان يُسألُ
بلغتَ الَّذي قد كنت أمّلتُ فيكمُ ... وإن كنتُ لم أبلغ لكم ما أؤمِلُ
وما لي حقّ واجبٌ غير أنَّني ... إليكم بكم في حاجتي أتوسَّلُ
وقال آخر:
ومن يكُ مفتاحاً لخير يُريدهُ ... فإنك قفلٌ يا سعيدُ بنُ خالدِ
أبيتَ فلا تُعطي ولا أنت مانع ... كأنك منها بين سُخنٍ وباردِ
وقال إبراهيم بن العباس الكاتب:
إن امرءاً ضنَّ بمعروفه ... عنّي لمبذولٌ له عُذري
ما أنا بالراغب في عرفه ... إذْ كان لا يرغبُ في شكري
وأنشدنا أحمد بن طاهر لنفسه:
طوى شيماً كانت تروح وتغتدي ... وسائلَ من أعيت عليه وسائلُهْ
فيا عارضاً للعرف أقلع مُزْنُه ... ويا وارداً للسيل جُفَّت مسايلُهْ
ولكنني أطوي الحسام إذا مضى ... وإن كان يوم الروع غيري حاملُه
وأثني علَى جَيحانَ إنْ غاض ماؤه ... وإنْ كان ذوداً غير ذودي ناهلُهْ
وله أيضاً:
ما ماء كفّك إنْ جادت وإنْ بخلتْ ... من ماء وجهي وإن أفْنيتُه عِوَضُ
إنِّي بأيسرَ ما أدْنيتُ مُنبسطٌ ... كذا بأيسرَ ما أقصيتُ مُنْقَبضُ
من أشتكي وإلى من أعتري وندى ... من أجتدي كلُّ أمر فيك مُنتقضُ
مودَّةٌ ذهب أثمارُها شُبَهُ ... وهمهُ جوهرُ معروفها عَرضُ
وله أيضاً:
نأيتُ فلا مالٌ حويتُ ولم أقم ... فأمتَع إذْ فُجعتُ بالمال والأهلِ
بَخلتُ علَى عرضي بما فيه صونُه ... رجاءَ اجتناءِ الجود من شجر البُخل
стр. 183
عصَيتُ شبا عزمي لطامةِ حيرةٍ ... دعتني إلى أن أفتح القُفل بالقُفلِ
عِدات كرَيْعان السراب إذا جرى ... تُنَسّر عن منعٍ وتُطوى علَى مطلِ
فلو شاء من لو شاءَ لم يثْن أمره ... لصيَّر فضل المال عند ذوي الفضل
ولو أنَّني أعطيتُ يأسي نصيبَهُ ... إذن لأخذتُ الدَّهر من مأخذ سهلِ
ولم يكُ ما جرَّعتُ نفسي من الأسى ... ولم يكُ ما جرَّعت قومي من الثُكلِ
وله أيضاً:
فأين قصائدٌ لي فيك تأبى ... وتأنَفُ أن أهانَ وأن أُذالا
من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أرَ مثلَهُ سحراً حلالا
وله أيضاً:
ما أملي فيك بالضعيف ولا ... ظنِّي في نجْمهِ بمكذوبِ
ولا قبولي ما كنت جُدْتَ به ... عليَّ بالأمس خُلسةَ الذيبِ
أقلُّ إخوانكَ الحميد غِنًى ... وأكثرُ الماء غيرُ مشروبِ
لي أملٌ دائم الوقوفِ علَى ... مُنتظر من جَداك مرقوبِ
وهِمَّةٌ ما تزالُ حائمةً ... حول رواقٍ عليك مضروبِ
فكيف ألجأتني إلى الأمد الأب ... عد من يوسف بن يعقوبِ
المانعي اليأسَ من بخالتِهِ ... والموسعي من عِدات عُرقوبِ
لستُ علَى غِرَّةٍ بمُشْتملٍ ... ولا إلى مطمع بمنسوبِ
ولا لمثلي في القولِ منك رِضاً ... والقول في المجد غيرُ محسوبِ
أما نوالٌ يُدنيكَ من مِدَحي ... أوْ اعتذار يكفيك تأنيبي
وقال علي بن الجهم:
أطاهر إنِّي عن خراسان راحل ... ومُسْتخبَرٌ عنها فما أنا قائل
أأشكوك أم أثني عليك وإنَّما ... تخيَّرتُ أدَّته إليك المحافل
ومن أحسن ما قيل في الاستيطاء لعطاء وألطفه معنى قول البحتري:
أعاتبُ إخواني ولستُ ألومُهمْ ... مُكافحةً أن الملوم المُلَوَّمُ
وما أنت بالثاني عِناناً عن العلى ... ولا أنا بالخلّ الَّذي يتجرَّمُ
سأحملُ نفسي عنك حملَ مُجامل ... وأكرِمُها إن كانتِ النَّفس تُكرمُ
وأبعدُ حتَّى تعرضَ الأرض بيننا ... ويُمسي التلاقي وهو غيبٌ مُرجَّمُ
عليك السّلامُ أقصر الوصل فانطوى ... واجمع توديعاً أخوك المسلّمُ
وما منعَ الفتحُ بن خاقان نَيْلهُ ... ولكنها الأقدارُ تُعطي وتحْرمُ
خلا أن باباً ربما التاثَ دونه ... ووجهاً طليقاً ربما يتجهَّمُ
سحاب خَطاني جودُهُ وهو مُسبلٌ ... وبحر عداني فيضُهُ وهو مُفعمُ
وبدرٌ أضاءَ البدرَ شرقاً ومَغرباً ... وموضعُ رجلي منه أسود مُظلمُ
أأشكو نداه بعدما وسِعَ الورى ... ومن ذا يذم الغيثَ إلاَّ مُذَمّمُ
وله أيضاً:
أمرْتَ بأنْ أُقيمَ علَى انتظار ... لرأيك أنَّه الرأي الأصيلُ
وراقبت الرسولَ وقلتُ يأتي ... بتبيانٍ فما جاءَ الرسولُ
فليس بغير أمركَ لي مُقامٌ ... ولا عن غير إذنك لي رحيلُ
وقد أوقفت عزمي والمطايا ... فقُلْ شيئاً لأفعلَ ما تقولُ
وقال أيضاً:
إذا محاسني اللاتي أُدِلُّ بها ... كانت ذُنوبي فقل لي كيف أعتذرُ
أهزُّ بالشعر أقواماً ذوي وسنٍ ... لو أنهم ضربوا بالسيف ما شعروا
عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ إذا لم تَفْهم البقَرُ
أبَعْدَ عشرين شهراً لا جداً فيرى ... به انصراف ولا وعْدٌ فيُنتظرُ
وله أيضاً:
رأيتُك تهوى اقتناءَ المديح ... وتجهلُ مقدارَ إيجابهِ
وكيف تُرجِّي وصولاً إلي ... هـ ولم تتوصَّلْ بأسبابهِ
لئن كنت أنحله الأكرمي ... ن فما أنت أول أربابه
وأنْ أتطلَّب به نائلاً ... فلستَ مليّاً بأطلابه
وأنْ أتصدق به حِسبةً ... فإن المساكين أوْلى بهِ
وقال أيضاً:
وعدْتَ بِرْذَوْناً فردَّدْتني ... إليكَ حتَّى قام بِرْذَوني
مَنيَّتي الأدْهمَ من بعدما ... فجعتني بالأشهب الجَوْنِ
إن يكذب الميعادَ تظلِمْ وإنْ ... يصدق فبرذون بِبِرذونِ
الباب الثامن والستون
ذكر
من هجي بفعله وعير ببخله
стр. 184
البخلاء على ضروب فبعضهم أقبح من بعض فمنهم من يبخل على غيره بما هو محتاج إليه لمصلحة نفسه، ومنهم من يبخل بما هو مستغن عنه، ومنهم من يبخل بمال غيره وقد جرى على البحتري نوع من البخل طريف.
بلغني أن بعض الكتاب عاتبه على احتشامه فاستقرض منه عشرين ديناراً فمنعه فقال في ذلك:
إن انبسطنا ردنا عن رادتنا ... أوْ احتشمنا فعدلٌ موشكٌ المَضَضِ
ما ضر ملتمس الجدوى إذا لحظت ... عيناه عندكم إخفاقَ مقترضِ
وحدثني أبو بكر بن أبي خيثمة قال: حدثني سليمان بن أبي صالح بن مسلم قال: كان شريك بن عبد الله على قضاء الكوفة فخرج يتلقى الخيزران فبلغ قرية يقال لها شاهي وأبطأت الخيزران فأقام ثلاثاً ينتظرها فيبس خبزه فجعل يبلَّهُ بالماء ويأكل فقال العلاء بن المنهال الغنوي:
فما لك موضعاً في كل يومٍ ... تلقّى من يحجُّ من النّساءِ
مقيمٌ في قرى شاهي ثلاثاً ... بلا زادٍ سوى كِسرٍ وماءِ
قال سليمان فعزله يعني شريكاً موسى بن المهدي، فقال موسى بن عيسى لشريك: يا أبا عبد الله عزلوك عن القضاء ما رأينا قاضياً عزل قال: هم الملوك يعزلون ويخلفون.
وقال أيضاً:
في كلّ يوم وقفةٌ بفنائهِ ... تخزي الشريفَ وردَّةٌ عن بابهِ
أسمع لغضبانٍ تثبت ساعة ... فبَداك قبل هجائه بعتابهِ
تالله يسهرُ في مديحك ليلهُ ... متململاً وتنامُ دونَ ثوابهِ
يعرض أن أباه خلع. وقال أوس بن حجر:
هَممتَ بباعٍ ثمَّ قصرت دونهُ ... كما تنهض الرجزاء شُدَّ عِقالُها
وإن كثيراً أن تكلف مفرقاً ... من القول أعلا سورة لا تنالها
وقال الأعشى:
أعَلقمُ قد حكَّمتني فوجدْتَني ... بكم عالماً علَى الخصومةِ غائصا
كلا أبوَيكم كان فرعاً دِعامةً ... ولكنهمْ زادوا وأصبحْتَ ناقصا
تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم ... وجاراتُكُمْ شعثاً يُبِتْنَ خمائصا
وقال الخليل بن أحمد:
كفّاك لن تُخلقا للنَّدى ... ولم يكُ بخلُهما بدعَهْ
فكفُّ ثلاثة آلافِها ... وتِسعمئيها لها شِرعه
وكفُّ عن الخير مقبوضةٌ ... كما قبضت مائة تِسعَه
وأنشدنا أبو العباس:
فتًى لرغيفهِ شَنْفٌ وقرط ... ومرسلتان من خَزَرٍ وشَذْر
ودون رغيفه لمس الثُّريَّا ... وحربٌ مثل وقعة يوم بدر
وإن ذكر الرَّغيف بكى عليه ... بُكا الخنساء إذْ فُجعت بصخر
وأنشدنا أيضاً:
أَرَى ضيفك في الدَّار ... وكربُ الموت يغشاهُ
علَى خبزك مكتوبٌ ... سيكفيكهم اللهُ
وقال دعبل:
يا تارك الدَّار على الضَّيفِ ... وهارباً منها من الخوفِ
ضيفك قد جاءَ بزادٍ لهُ ... فارجعْ وكن ضيفاً علَى الضَّيفِ
وقال آخر:
قد كنت أحسبُ أنَّ الخبز فاكهة ... حتَّى مررت علَى أوفى بن منصور
يا حابس الرَّوث في أعفاج بغلته ... خوفاً علَى الحبّ من لقطِ العصافير
وقال أبو الشمقمق:
طعامك في السَّحاب إذا التقينا ... وماؤك عند منقطع التُّرابِ
وما روَّحتنا لتذبَّ عنَّا ... ولكنْ خفت مَرْزئَةِ الذُّبابِ
وقال آخر:
نوالك دونه خرطُ القتاد ... وخبزك كالثُّريَّا في البعادِ
ترى الإصلاح صومك لا لنسكٍ ... وكسرك للرَّغيف من الفسادِ
ولو أبصرت ضيفكَ في منامٍ ... لحرَّمتَ المنام إلى التنادِ
وما أهجوكَ أنَّك كفء شعري ... ولكنِّي هجوتكَ للكسادِ
وبلغني أن علي بن العباس الرومي مدح ابن المدبر بأبيات فلما طال تردده في اقتضاء ثوابها دفع لحاجب إليه الأبيات وقال: يقول لك امتدح بها من شئت فاعتزل عن الباب فكتب إليه هذه الأبيات وأنفذها إليه:
رَدَدتَ عليَّ شعري بعد مطلٍ ... وقد دنَّستَ مَلبهُ الجديدا
وقلتَ امدح به من شئتَ غيري ... ومن ذا يقبل المِدَ الرديدا
ولا سيما إذا أعبقت فيه ... فحازيك اللواتي لن تبيدا
وهل للحيِّ في أثواب مَيْتٍ ... لبوس بعدما امتلأتْ صَديدا
وقال علي بن الجهم:
جمعت أمرين ضلّ الحزم بينهما ... تِيه الملوك وأفعال المماليك
стр. 185
أردت شكراً بِلا مَنٍّ ومرزأةٍ ... لقد سلكت سبيلاً غير مسلوك
وقال أبو تمام:
عياش إنك للئيمٌ وإنَّني ... إذْ صرت موضعَ مطلبي للئيم
السحتُ أعذبُ من نوالك مطمعاً ... والمهل والغسلين والزقّوم
لما بدا لي في صميمك ما بدا ... بل لم يصب لك لا أصيب صميم
جددتُ في ذَمِّيك حبلَ قصائد ... جالت به الدُّنيا وأنتَ مقيم
وقال أيضاً:
ليُسوِّدنَّ بقاعَ وَجهك منطقي ... أضعافَ ما سوَّدتَ وجهَ قصيدي
وليفضحنَّك في المحافل كلِّها ... صَدري كما فضحتْ يداكَ ورودي
وله أيضاً:
توهُّمُ آجلِ الطمع المُغيتي ... تيقنُ عاجلِ اليأس المنيل
فأجدى مَوقفي بنداك جَدوَى ... وقوفِ الصَّبِّ في الطلل المُحيل
وكنتُ أعزُّ عزّاً من قنوعٍ ... يعوِّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنَى دقيق ... به فَقْر إلى ذهن جليل
فما أدري عَمَاي عن ارتيادي ... دَهاني أم عَمَاك عن الجَميل
ذخرتك للجزيلِ وأنت لغوٌ ... ظلمتُك لستَ من أهلِ الجزيل
رُويدَك إن لؤمكَ سوف يجلو ... لك الظّلماء عن حُزن طويل
وأقلل إن كبركَ سوف يَصلى ... بنيراني أقلُّ من القَليل
مَراراتُ المُقامِ عليكَ تعفو ... فتذهب في حلاوات الرَّحيل
وله أيضاً:
أضحَوْا بمُستنِّ سيل الذمّ وارتفعتْ ... أموالهم في هضاب المَطل والعِلل
من كلِّ أظمى الثرى والأرض قد نهلتْ ... ومقشعرّ الذّرى والشَّمس في الحمل
وأخرسِ الجود تلقَى الدَّهرَ سائله ... كأنَّهُ واقف منه علَى طَلَل
وله أيضاً:
ستعلم يا عياش إن كنت تعلمُ ... فتندمُ إن خلاَّك جهلُكَ تندمُ
وقفتُ عليكَ الذمّ حتَّى كأنّما ... لديك الغنَى أوْ ليسَ في الأرضِ درهمُ
وكفكفتُ عنكَ الذمّ حتَّى كأنّما ... أجاركَ مجدٌ أوْ كأني مفحَمُ
فلمَّا بدا لي منكَ لؤمٌ تحفّهُ ... حرَّ ميَّةٌ ينشقُّ عنها التَّبظْرُمُ
تركتكَ ما إنْ في أديمكَ ظاهرٌ ... ولا باطن إلاَّ ولي فيه ميسمُ
وأيسَرُ من تَسآلكَ العيُّ والعمَى ... وأعذبُ من إحسانكَ القيحُ والدمُ
رأيتكَ من مالٍ وجود ومحتِدٍ ... لأعدمُ من أن يسْتَريشك مُعدَمُ
وما ليَ أهجو حضرموت كأنَّهمْ ... أضاعوا ذمامي أوْ كأنَّك منهُمُ
وقال البحتري:
خطب المديح فقلتُ خلِّ طريقَهُ ... ليجوز عنك فلستَ من أكفائه
وقد انتمَى فانظُرْ إلى أخلاقه ... صفحاً ولا تنظرْ إلى آبائه
أعطى القليلَ وذاك مبلغُ قدرِهِ ... ثمَّ استردَّ وذاك مبلغُ رائه
ولبعض بني أسد:
وما جاءني من خالد غير خمسةٍ ... وما خمسة من خالد بقليل
ثقيل علَى ظهر الجواد إذا غدا ... وليس علَى أعدائه بثقيل
وقال الأخطل:
ما زالَ فينا رباطُ الخيل مُعلمةً ... وفي كُليب رباطُ الذلِّ والعارِ
قومٌ إذا استنبحَ الأضياف كلبهُمُ ... قالوا لأُمِّهم بولي علَى النَّارِ
وقال أبو تمام الطائي:
أتطمعَ أن تُعَدَّ كريم قومٍ ... وبابُكَ لا يطيفُ به كريمُ
كمن جعلَ الحضيض له مهاداً ... ويزعمُ أن أخوته النُّجومُ
فما أنت اللَّئيمُ أباً ولكن ... زمانٌ سُدتَ فيه هو اللَّئيمُ
وقال البحتري:
وأكثر ما لسائلهم لديهم ... إذا ما جاءَ قولهُمُ تعودُ
ووعد ليس يُعرفُ من عُبوس ان ... قباضِهم أوعدٌ أمْ وَعيدُ
وقال أيضاً:
لو صافحوا المُزن ما ابتلتْ أناملهم ... ولو يَخوضونَ بحر الصِّين ما غَرِقوا
جَفُّوا من اللّؤم حتَّى لو بَدا لهمُ ... ضوءُ السَّنا في سواد اللَّيل لاحترقوا
الباب التاسع والستون
ذكر
من هجي بالفرار من اللقاء
والجزع من مواقعة الأعداء وأول بابه
قال حسان بن ثابت يعير الحارث بن هشام بفراره وتسليمه من معه:
إن كنت كاذبة الَّذي حدثتني ... فنجوتِ منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبَّةَ أن يُقاتل دونهم ... ونجا برأس طِمرَّةٍ ولِجام
وقال الحارث بن هشام معتذراً من ذلك:
стр. 186
الله يعلمُ ما تركتُ قتالهم ... حتَّى علَوْا فرسي بأشقرَ مُزبِدِ
وعلمتُ أنِّي إنْ أُقاتلُ واحداً ... أُقتلْ ولا يضرُرْ عدوِّي مشهدي
فصددتُ عنهمْ والأحبَّةُ فيهمُ ... رَصداً لهمْ بعقاب يوم مَرصدِ
ومن العجائب أن يُعير حسان أحداً بالفرار من اللقاء، ومكانه من الجُبن المكان الَّذي لا يجهله من روى الأشعار، وعلم طرفاً من الأخبار.
وبلغني أنَّه كان يهاجي قيس بن الخطيم وكان فيما هجاه به قوله:
فلا تجزعنّ يا قيس وأربعْ فإنَّما ... قُصاراك أن تلقَى فألقى محمدا
فلما بلغ هذا البيت قيساً قال: هذا حسان بن ثابت. قالوا: نعم، قال: لم يكن هذا كلامه يوم انهزم من أول السطح إلى آخره، ومن آخره إلى أوله.
وقال جرير يعير الفرزدق بنبوّ السَّيف عن قطع العلج الَّذي ضربه:
بسيف أبي رعوان سيف مُجاشعٍ ... ضربتَ ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربتَ به عند الأمام فأرعَشَتْ ... يَداك وقالوا مُرهف غير صارم
فقال الفرزدق يجيبه ويعتذر من ذلك:
فهل ضربةُ الرُّومي جاعلة لكم ... أباً عن كليب أو أباً مثل دارمِ
فلا نقتل الأسرى ولكن نفكُّهم ... إذا أثقلَ الأعناق حملُ المغارم
وقال أيضاً:
وما نَبَا السيفُ من جُبن ولا دَهشٍ ... عند الأمام ولكنْ أُخِّرَ القَدَرُ
ولو ضربتُ علَى عَمْدٍ مقلَّدُه ... لخرَّ جُثمانه ما فوقهُ شَعَرُ
وما يعجِّل نفساً قبلَ مِيتتِها ... جمعُ اليدين ولا الصّمصامةُ الذكرُ
وقال أيضاً:
فإن يكُ سيفٌ خان أوْ قَدَرٌ أبى ... لتأخير نفس حتفها غيرُ شاهدِ
وقال الطرماح:
لا عزَّ نصرُ امرئ أمسى له فرسٌ ... علَى تميمٍ يريدُ النَّصرَ من أحدِ
لو كانَ وَرد تميم ثمَّ قيل لها ... حوض النَّبيّ عليه الأزد لم ترِدِ
لو أنزلَ اللهُ وحياً أن يُعذّبها ... إن لم تَعد لقتالِ الأزد لم تعدِ
وقال أيضاً:
نُبئت تيماً محتذي حرب طيئٍ ... تَباركت يا ربَّ الخطوب الأوائلِ
وما خلقتْ تيمٌ وزيدُ مناتها ... وضبَّةَ إلاَّ بعد خَلق القبائلِ
لقد زادني حبّاً إليَّ تقبّضي ... بغيضٍ إلى كلِّ امرئ غير طائلِ
إذا ما رآني قطّع الطّرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهلِ
ملأتُ عليه الأرض حتَّى كأنَّها ... من الضّيق في عينيه كِفةُ حابلِ
وقال آخر:
لحا اللهُ أهزلنا جارهُ ... وأسمننا حين نشتو فصالا
والأمنا عند غِبِّ اللّقا ... ء إذا ما دعوتُك عَمّاً وخالا
وأجبنا أسوةً في اللّقا ... ء إذا ما السُّيوف عَلوْن القلالا
وقال الفرزدق:
كأني علَى ذي الطبي عينٌ بَصيرة ... مُفَقّدة أوْ منظر هو ناظره
يحاذرُ حتَّى يحسب النَّاس كلّهم ... من الظنّ لا تخفى عليهم سرائره
وقال آخر:
كأنَّ بلادَ الله وهي عريضةٌ ... علَى الخائف المطلوب كفّة حابلِ
يؤدي إليه أن كلَّ ثنيَّةٍ ... تيمَّمَها ترميه منها بقاتلِ
وقال آخر:
أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ ... رَبداء تفزعُ من صَفيرِ الصَّافرِ
هلاَّ برزت إلى الغزالة في الوغى ... بل كانَ قلبُك في جَناحي طائرِ
صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت مناظره كأمس الدَّابرِ
وقال آخر:
جهلاً علينا وجُبْناً عن عدوّكم ... لبئستِ الخلّتانِ الجهلُ والجُبُنُ
إذا رأوا خلّة طاروا بها فرحاً ... منِّي وما علموا من صالحٍ دَفنوا
وقال أبو تمام:
لو لم تراجعهم لراجعهم ... ما في صدورهم من الأوجالِ
قد أترعتْ منها الجوانح رهبةً ... بَطَلت لديها سورةُ الأبطالِ
لم يُكسَ شخصٌ فيئه حتَّى رمى ... وقت الزَّوال نعيمهم بزوالِ
برزت بهم هفوات علمهمُ وقد ... يُردي الجمال تعسُّف الجمَّالِ
وكأنَّما احتالت عليه نفسُهُ ... إذْ لم تنلْهُ حيلةُ المحتالِ
ترك الأحبَّة سالياً لا ناسياً ... عذرُ النسيِّ خلافُ عذر السَّالي
ما زالَ مغلوبَ العزيمة سادراً ... حتَّى غدا في القيد والأغلالِ
стр. 187
لا كعبَ أسفلُ موضعاً من كعبه ... مع أنَّه عن كلِّ كعب عالِ
سامٍ كأنَّ العزّ يجذبُ ضيعَهُ ... وسُمُوُّه من ذلَّة وسفالِ
مُتفرغ أبداً وليس بفارغٍ ... من لا سبيل له إلى الأشغالِ
وقال أيضاً:
أعطى بكلتا يديه ثمَّ قيل له ... هذا أبو دُلف العجلي قد دَلَفا
جيران تحسب أن النَّقع من دهشٍ ... طوراً......
تركت أجفانه مغموضة أبداً ... ذُلاً يمكن عينيه ولا وَطَفا
برقٌ إذا رقّ غيثٌ باتَ مختطفاً ... للطرف أصبح للهامات مختطفا
وللبحتري:
وقد شاغبَ الإسلام خمسين حجَّةً ... فلا الخوفُ ناهيه ولا الحُلمُ زاجرُه
ولمَّا التقى الجمعان لم تجتمع لهُ ... يَداه ولم ينبت علَى البيض أطرُه
فجاءَ مجيء العير قادتْهُ حَيرةٌ ... إلى أهرت الشّدقين تُدمَى أظافرُه
ومن كانَ في استسلامه لائماً لهُ ... فإنِّي علَى ما كانَ من ذاكَ عاذرُه
وكيفَ يفوتُ اللَّيثَ في قيد لحظهِ ... وكانَ علَى شهرين همٌّ يُحاصرُه
فإن أدركتْهُ بالعراق نيَّةٌ ... فقاتلهُ عند الخليفةِ آسرُه
بتدبيرك الميمون أعلى مكيدة ... وكلَّتْ عليه سمرُهُ وبواترُه
وظنّك سرٌّ لو تكلف ظنّهُ ... دجا اللَّيل عنَّا لم تسعْه ضمائرُه
الباب السبعون
ذكر
من هجي بقبح خلقته وعيب بسوء خليقته
أنشدني بعض أهل الأدب في أبي يعلى الكاتب:
نعمة الله لا تُعاب ولكن ... ربَّما استُقْبحت علَى أقوامِ
لا يليقُ الغنَى بوجه أبي يعلى ... لا ولا نُور بهجةَ الإسلامِ
وسخ الثَّوب والقلانِسِ والبِرْ ... ذونِ والوجه والقَفَا والغُلامِ
لا تمسّوا دواته فتصيبوا ... من دماءِ الحُسين في الأقلامِ
وقال آخر:
خنازير نامُوا عن المكرمات ... فقام بهم قائمٌ لم يَنَمْ
فيا قُبحهُمْ في الَّذي مُلِّكوا ... ويا حُسنهمْ في زَوال النِّعمْ
وقال آخر:
لستُ أدري ما أُسمِّي رجُلاً ... قلَّ منه ملحُهُ حتَّى مَلح
فهو كالقرد إذا استقبحتُهُ ... زادَ في عينيك حُسناً ما قَبح
وقال آخر:
يا مَن تبرَّمتِ الدُّنيا بطلعته ... كما تبرَّمت الأجفان بالسُّهدِ
يمشي علَى الأرضِ مختالاً فأحسبُه ... من بغض طلعته يمشي علَى الكبدِ
لو كانَ للخلق جزءٌ من سماحته ... لم يقدم الموت إشفاقاً علَى أحدِ
وقال آذرست المعلم:
لنا صاحبٌ مُولَع بالمراء ... كثيرُ الجدال قليلُ الصَّواب
ألجّ لجاجاً من الخُنفساء ... وأزهَى إذا ما مشَى من غراب
وقال محمد بن حازم الباهلي:
يطول بقربك اليوم القصيرُ ... ويَرحل إن مررت بنا السُّرورُ
لقاؤك للمبكِّر فأل سوءٍ ... ووجهكَ أربعاءٌ لا تدورُ
وقال آخر:
عذرُك عندي بكَ مبسوطُ ... والذَّنبُ عن مثلك محطوطُ
ليس بمسخُوط فعالُ امرئ ... كلُّ الَّذي يفعل مسخوطُ
قد كانَ حظّاً لك مُسترجحاً ... لو كانَ في أمرك تخليطُ
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:
ويومٍ كنارِ الشَّوق في القلبِ حرَّهُ ... علَى أنَّه منه أحرُّ وأرقَدُ
ظللتُ به عندَ المبرِّدِ قائظاً ... فما زلتُ في ألفاظهِ أتبرَّدُ
وقال آخر:
رأيتكَ قائلاً للشَّاة فرِّي ... وللذِّئب العشا قبل الرَّواحِ
وللرَّكب المُعرى لا تنامُوا ... وللّصّ الوجا قبل الصَّباحِ
وقال آخر يصف شناعة أبي جهل:
وشاعرٍ يهتكُ من عِرضه ... أضعافَ ما يهتكُ من عِرضي
عجبتُ لمَّا جاءني شِعرُهُ ... وبعضُهُ يسخرُ من بعضِ
ومن خبيث الهجاء قول الآخر:
أحسن ما في خالدٍ وجُهُ ... فقِسْ علَى الغائب بالشَّاهدِ
ومثله:
قَبُحتْ مناظرهمْ فحينَ خَبرتُهمْ ... حَسُنتْ مناظِرهم بقُبحِ المخبَرِ
وقال الحطيئة يهجو ابنته:
تنحَّيْ فاجلسِي منِّي بعيداً ... أراحَ اللهُ منكِ العالمينَا
حياتكِ ما علمتُ حياةَ سوءٍ ... وموتُكِ قد يسرُّ الصَّالحينا
أغِربالاً إذا استُودِعتِ سرّاً ... وكانُوناً علَى المتحدِّثينا
стр. 188
وقال أعرابيّ يهجو أباه، وذلك أنَّه دخل على كسرى، فلما نظر إلى حسن مقاصيره وبهاء مملكته أنشأ يقول:
لكسرى كانَ أعقلَ من تميمٍ ... ليالي فرَّ من بلدِ الضَّبابِ
فأسكن أهلَهُ ببلادِ رحبٍ ... وأشجارٍ وأنهارٍ عذابِ
فصارَ بنو أبيه بها ملوكاً ... وصرن نحنُ أشباه الكلابِ
فلا رحم الإله هدى تميمٍ ... لقد أزرى بنا في كلِّ بابِ
وقال آخر يمدح أباه ويهجو نفسه:
ورِثنا المجدَ عن آباء صدقٍ ... أسأنا في ديارهمُ الصَّنيعا
إذا البيتُ الرَّفيع تعاورتهُ ... بُناة السَّوْء أوشك أن يضيعا
وقال آخر:
أبوكَ أبٌ حُرٌّ وأمُّكَ حُرّةٌ ... وهل يلِدُ الحُرّانِ غيرَ نجيبِ
فلا يعجبنَّ النَّاسُ منكَ ومنهما ... فما خبَثٌ من فضة بعجيبِ
الباب الحادي والسبعون
ذكر
من هجي بأصله دون ما يظهر من فضله
أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله بن الأعرابي قال: تمثل عبد الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك وكان في خيله فسبق وكان ابن أمة والشعر لعبد القيس:
نهيتكُمُ أن تحملوا هجناءكم ... علَى خيلكم يوم الرّهان فتدركوا
فتُضعف ساقاه ويفترُ كفُّه ... وتحذرُ فخذاهُ فلا يتحركُ
وما يستوي المرءان هذا ابن حُرَّةٍ ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرّكُ
وأدركنه خالاته فحولنهُ ... ألا إن عِرقَ السوء لا بد مُدركُ
قال: فقال مسلمة، والشعر لمسكين الحنظلي:
وكائن ترى فينا من ابن سبيَّةٍ ... إذا التقت الخيلان يطعنها شزرا
فما زادها فينا السِّباء مذلَّةً ... ولا خبزت خبزاً ولا طبخت قدرا
ولكن خلطناها بخبز نسائنا ... فجاءت بهم بيضاً وجوهُهم زهرا
وقال أبو تمام:
إذا افتخرت يوماً تميمٌ بقَوْسها ... فخاراً علَى ما وطَّنَتْ من مناقبِ
فأنتُمْ بذي قارٍ أمالت سيوفُكمْ ... عُروش الذين استوهبوا قوس حاجبِ
مناعٍ لأقوامٍ مَتَى تَقْرِنونَها ... محاسِنَ أقوامٍ تكنْ كالمعايبِ
وقال الطِرِمَّاح:
تَميمٌ بطُرْقِ اللؤمِ أهدَى من القَطَا ... ولو سلكتْ طُرْقَ المكارمِ ضلَّتِ
أَرَى اللَّيلَ يَجلوه النهار ولا أَرَى ... رجالَ المخازي عن تميمٍ تجلَّتِ
ذبحنا فَسَمَّينا فَحَلَّ ذبيحُنا ... وما ذبحتْ يوماً تميمٌ فسمَّتِ
ولو أنَّ برغوثاً علَى ظهرِ قملةٍ ... يكُرُّ علَى ضيفيْ تَميمٍ لولَّتِ
وقال جرير:
ويُقضَى الأمرُ حينَ تَغيبُ تيْمٌ ... ولا يُستَأذَنون وهم شُهُودُ
وإنَّكَ لو رأيتَ عبيدَ تيْمٍ ... وتَيْماً قلتَ إنّهمُ العبيدُ
وقال آخر:
ولا عدمت امرءاً هالتك هيبته ... حتَّى حسبتَ المنايا تسبق الأجلا
ولا أسنَّة قوم أرشدوك بها ... سُبل الفرار فلم تعدل بها السبلا
وقال الأعشى أوْ الرّاعي:
إلى الله أشكو أنَّني كنتُ نائماً ... فقام سَلوليُّ فبالَ علَى رجلي
فقلتُ لأصحابي اقطعوها فإنني ... كريمٌ وإنِّي غير مُدْخلها رَحلي
وقال عميرة بن جُعيل:
كسا الله حيّى تغلب ابنةَ وائلٍ ... من اللؤم أظفاراً بطيئاً نُصولُها
فما بهمُ أن لا يكونوا طُروقةً ... كراماً ولكنْ غيَّرتها فحولُها
إذا رحلوا عن دارِ عزّ تقاولوا ... عليها وردوا وفدَهُم يستقيلُها
وقال آخر:
وليسوا لعمرو غير تأثيل نسبةٍ ... ولكن عمرواً غيَّبَتْهُ المقابرُ
إذا عُيّروا قالوا مقادير قُدّرتْ ... وما العارُ إلاَّ أن تجود المقادِرُ
وقال زيد بن الحكم الكلابي:
دفعناكم بالقول حتَّى بطرْتُمُ ... وبالراح حتَّى كان دفع الأصابع
فلما رأينا جهلَكمْ غيرَ مُنْتهٍ ... وما غاب من أحلامِكُمْ غير راجع
مسسنا من الإباء شيئاً وكُلنا ... إلى حسَبٍ في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتُمُ ... بنيّ عمكم كانوا كرام المضاجع
وقال آخر:
فإنَّ من غايةِ حرصِ الفَتَى ... طلابَه المعروفَ في باهله
كبيرُهم وغدٌ ومولودهم ... تلعنه من لؤمه القابله
وقال جميل:
стр. 189
أبوك حبابٌ سارق الضيف بُرده ... وجدّي يا حجاج فارس شمّرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكنْ ... بأباء سوءٍ تلقهم حيثُ سيَّرا
فإن تغضبوا من قسمة الله حظكم ... فلله إذْ لم يُرضكم كان أبصرا
وقال الخزرجي:
أيزيد أنك لم تزل بمذلةٍ ... حتَّى لففتَ أباك في الأكفانِ
فاشكرْ بلاء الموت عندك إنَّه ... أودى بلؤم الحيّ في شيبانِ
وقال أبو نواس:
الحمدُ لله هذا أعجبُ العجبِ ... الهيثمُ بن عَديٍّ صار في العربِ
إذا نسبتَ عديّاً في نبي ثُكلٍ ... فقدمْ الدال قبل العين في النسبِ
وقال آخر:
نطقت بنو أسد ولم تتطهَّر ... وتكلمتْ سرّاً ولمّا تجهرِ
وابن الحُبابِ صليبة زعموا هُمُ ... ومن المحال صليبةُ من أشقرِ
وقال آخر:
أيها المدّعي سُليماً سفاها ... لستَ منها ولا قلامةَ ظُفر
إنَّما أنت في سُليم كواوٍ ... ألحقتْ في الهجاء ظلماً بعمرو
وقال آخر:
لو أن موتى تميم كلهم نُشروا ... فأثبتوك لقيل الأمرُ مصنوعُ
إن الجديد إذا ما زيدَ في خَلق ... تبيّن النَّاس أن الثّوبَ مرقوعُ
وقال مَخْلَد الموصلي:
أنظرْ إليه وإلى حُمقهِ ... كيف تَطايا وهو منشورُ
ويلك من ألقاك في دعوةٍ ... قلبُك منها الدَّهرَ مذعورُ
لو ذُكرتْ طيُّ علَى فرسخٍ ... أظلمَ في ناظركَ النُّورُ
وقال بشر بن شبيب:
إذا ما بدا عمرو بدت منه خلقةٌ ... تدل علَى مكنونه حين يُقبل
بياضُ خراسانٍ ولُكنةُ فارس ... ورقَّةُ رومي وشعرٌ مفلفل
وقال مسلم:
أما الهجاء فدقّ عِرضك دونه ... والمدح فيك كما علمتَ جليلُ
فاذهبْ فأنت طليقُ عرضك أنَّه ... عرض عززت به وأنت ذليلُ
وقال محمد بن حماد:
أجارتنا بان الخليط فأبشري ... فما العيشُ إلاَّ أن يبين خليط
أعاتبه في عرضه ليصونَه ... ولا علم لي أن الأمير لقيط
وقال آخر:
لا خيرَ في صاعد فأذكره ... والخير يأتيك من يدي عُمَرِ
ليس له ما خلا اسمه نسبٌ ... كأنه آدمٌ أبو البشرِ
وقال علي بن الجهم:
بني ميتم هل تدرون ما الخبرُ ... وكيف يُستر أمر ليس ينسترُ
حاجيتكم من أبوكم يا بني عُصَبٍ ... شتَّى ولكنما للعاهر الحجرُ
قد كان شيخكم شيخاً له خطرٌ ... لكنَّ أُمكمُ في أمرها نظرُ
ولم تكنْ أمكم والله يحفظُها ... محجوبة دونها الأحراسُ والسُّترُ
كانت مغنية الفتيان إن شربوا ... وغير ممنوعة منهم إذا سَكِروا
وقال أبو الموق المديني:
لم يته قطُّ علَى النَّا ... س شريفٌ يا أبا سعد
فتهْ ما شئتَ إذْ أنت ... بلا أصل ولا جدِّ
وإذ حظكَ في النس ... بة بين الحُرّ والعَبْدِ
وإذ قاذفُك المفحشُ ... في أمنٍ من الحَدِّ
وقال البحتري:
لَردّدتُ العتابَ عليكَ حتَّى ... سئمتُ وآخرُ الودِّ العتابُ
وهان عليك سخطي حين تغدو ... بعرضٍ ليس تأكُلهُ الكلابُ
وهل يشفي السباب من ابن لؤمٍ ... دنيءٍ ليس يؤلمُه السّبابُ
وأنشدني محمد بن المرزبان لنفسه:
أيُّ نغلٍ لزينةٍ وزواني ... علقته يد الهجاء هجاني
كلّ من رام لي هجاء وقذفاً ... بكتابٍ يبديه أوْ بلسانِ
فاللواتي عليه حَرّمهُنَّ الله ... في سورة النِّساء زوانِ
стр. 190
قال أبو بكر: قد كنتُ أكره أن أضمّن هذا الكتاب شيئاً من القذف، أوْ أشوبه بضرب من السفه والسخف، أو أ ذكر فيه هجاءً لقبيلة يجب على كافة المسلمين صونها، أوْ لرجل يكون سبيله في وجوب صيانته سبيلها، ولولا ذلك لكان في نقائض جرير والفرزدق وحدهما أوْ في قصيدتي الكميت ودعبل وحدهما، أوْ في أشعار الحكمي وضربائه دون من تقدمهم ما يملأ هذا الباب، بل ما يفي بجميع هذا الكتاب من أنواع التهاجي والتفاخر، ولولا أن معاني هذه الثلاثة الأبيات من المعاني المفردات الَّتي لا يكاد يقع مثلها سلاسة لفظ، واستيفاء معنى. وأنَّها مع ذلك ليس فيها ذكرٌ لأحد باسمه ولا نسب له بقبيلته، فيشترك فيها هو وغيره ما ذكرتها. ونحن الآن إن شاء الله إذْ أتينا في أبواب الهجاء من الأشعار بما فيه بلاغ. مبتدئون بأبواب الفخار.
الباب الثاني والسبعون
ذكر
من فخر بحسبه وامتدح بنسبه
قال امرؤ القيس:
إنّا وإن أحسابنا كَرُمت ... لسنا علَى الأحساب نتَّكلُ
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعلُ مثل ما فعلوا
وقال آخر:
عادوا مروءتنا فضُلِّل سعيهم ... ولكُلِّ بيت مروءةٍ أعداءُ
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرٍ ... أزرى بفعل أبيهمُ الأبناءُ
وقال رجل من بني نهشل:
إنّا بنو نهشل لا ندَّعي لأبٍ ... عنه ولا هو بالأبناء يَشرينا
إن تُبْتَدرْ غايةٌ يوماً لمكرُمةٍ ... تلقَ السوابقَ منَّا والمُصلّينا
وليسَ يَهلكُ منّا سيدٌ أبداً ... إلاَّ افتلينا غُلاماً سيّداً فينا
إنّا لمن معْشرٍ أفنى أوائلهُمْ ... قولُ الكماة ألا أين المحامونا
لو كان في الألف منّا واحدٌ فدَعوا ... من فارس خالَهُمْ إيّاهُ يعنونا
ولا تراهم وإنْ جلَّتْ مُصيبتُهمْ ... مع البُكاةِ علَى من ماتَ يبكونا
إنّا لنُرخِصُ يوم الرَّوع أنفُسنا ... ولو نُسامُ بها في الأمن أُغلينا
بيض مفارقنا تغلي مراجلُنا ... نأسوا بأموالنا آثار أيدينا
وقال السموأل بن عادياء أوْ عبد الرحمن القيني أوْ عبد الملك الحارثي المعروف باللجلاج:
تعيِّرنا أنَّا قليلٌ عديدُنا ... فقلتُ لها إنَّ الكرامَ قلِيلُ
وما ضرَّنا أنَّا قليلٌ وجارُنا ... عزيزٌ وجارُ الأكرمينَ ذلِيلُ
وما قلَّ منْ كانتْ بقاياهُ مثلنا ... شبابٌ تسامى للعُلى وكهولُ
لنا جبلٌ يحتلُّهُ مَن نجيرهُ ... منيف يردُّ الطَّرفَ وهوَ كلِيلُ
رسا أصلهُ تحتَ الثَّرى وسما بهِ ... إلى النَّجمِ فرعٌ لا ينالُ طوِيلُ
وما ماتَ منَّا ميِّتٌ حتفَ أنفهِ ... ولا طلَّ منَّا حيثُ كانَ قتِيلُ
تسيلُ على حدِّ السّيوفِ دماؤنا ... وليستْ على غيرِ الحديد تسِيلُ
ونحن أناسٌ لا نرى القتلَ سبَّةً ... إذا ما رأتهُ عامرُ وسلُولُ
يقرِّبُ حبَّ الموتِ آجالَنا لنا ... وتكرههُ آجالهمْ فتطُولُ
وننكرُ إنْ شئنا على النَّاسِ قولهمْ ... ولا ينكرونَ القولَ حينَ نقُولُ
إذا سيِّدٌ منَّا خلا قامَ سيِّدٌ ... قؤولٌ بما قالَ الكرامُ فعُولُ
وما أُخمدتْ نارٌ لنا دونَ طارقٍ ... ولا ذمَّنا في النَّازلينَ نزِيلُ
وأسيافنا في كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... بها منْ قراعِ الدَّارعينَ فلُولُ
معودةٌ ألا تسلى نضالها ... فتغمد حتى يستباح قبيلُ
إذا المرءُ لمْ يدنسِ منَ اللُّؤمِ عرضهُ ... فكلُّ راءٍ يرتديهِ جمِيلُ
وإنْ هو لمْ يحملْ على النَّفسِ ضيمَها ... فليسَ إلى حسنِ الثَّناءِ سبِيلُ
وقال لقيط بن زُرارة:
وإنِّي من القوم الذين عرفْتَهُمْ ... إذا مات منهمْ سيّدٌ قام صاحبُ
نجومُ سماء كلما غاب كوكبٌ ... بدا كوكب تأوي إليه الكواكبُ
وقال الخريمي في نحوه:
بقيَّةُ أقمارٍ من الغُرِّ لو خَبَتْ ... لظلَّتْ مَعدٌّ في الدُّجى تتسكّعُ
إذا قمرٌ منها تَغوّر أوْ خبا ... بدا قمرٌ في جانب الأفق يَلْمعُ
وقال البعيث بن حُريث:
دعاني يزيد بعد ما ساءَ ظنُّهُ ... وعيسى وقد كانا علَى حدِّ مَنْكِبِ
стр. 191
وقد علما أن العشيرة كلَّها ... سوى محضري من خاذلين وغُيَّبِ
وكنت أنا الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي
وقال آخر:
أنا إذا مالت دواعي الهَوَى ... وأنْصَتَ السامعُ للقائلِ
واضطرب القوم بأحسابهم ... نقضي بحقٍّ عادلٍ فاصلِ
لا نجعل الباطل حقّاً ولا ... نعرض دون الحق بالباطلِ
نخافُ أن تسفه أحلامُنا ... فنخمل الدَّهر مع الخاملِ
وقال أوس بن مغراء:
وكلُّ من تبع الإسلام تابعنا ... وكلُّ من خالف الإسلام يخشانا
ولا ترى معشراً نبكي لميّتهم ... إذا تولَّى وهم يبكون موتانا
يستأذنون فإن تأذنْ لقائلهم ... ينطق وإن ننه يسكت جِريانا
لا تطلع الشَّمس إلاَّ عند أوَّلنا ... ولا تغيِّب إلاَّ عند أُخرانا
وقال قيس بن عاصم:
إنِّي امرؤ ما يعتري خلقي ... دَنَسٌ يغيِّرهُ ولا أَفْنُ
من مِنْقَرٍ في بيت مكرمةٍ ... والفرعُ ينبُتُ حوله الغصنُ
وقال زبان بن سيار الفزاري:
أبي حملَ الألف الَّذي جرَّ حارثٌ ... علَى قومه إذْ غابَ عنها رجالُها
ولسنا كقومٍ مُحْدثينَ سيادةً ... يُرى مالُها ولا يُحسُّ فَعَالُها
مساعيهُمُ مقصورةٌ في بيوتهمْ ... ومسعاتُنا ذبيان طُرّاً عيالها
وللأسلع بن فضاض الطُّهوي:
فداءٌ لقومي كلَّ معشرِ حارمٍ ... طريد ومخذولٍ بما جرَّ مُسلمِ
همُ ألجموا الخصمَ الَّذي يستفزّني ... وهمْ قصموا حجلي وهمْ حقنوا دمي
بأيدٍ يفرّجنَ المضيقَ وألسنٍ ... سِلاطٍ وجمع ذي زهاءٍ عرمرمِ
وقال جرير:
أبونا خليل الله والله ربُّنا ... رضينا بما أعطى المليك وقدَّرا
لنا قبلة الله الَّتي يُفتدى بها ... فأورثنا ملكاً وعزّاً معمّرا
ومنَّا سليمان الَّذي سأل ربّه ... فأعطاهُ بنياناً ومُلْكاً مُسخّرا
ويعقوب منَّا زاده الله بسطةً ... وكانَ ابنُ يعقوبٍ نبيّاً مُصوّرا
وموسى وعيسى والَّذي خرَّ ساجداً ... فأنبتَ زرعاً دمعُ عينيه أخضرا
وتجمعنا والغرُّ أولادُ سارةٍ ... أبٌ لا نُبالي بعده مَنْ تَعَذّرا
وأبناء إسحاق اللّيوث إذا غدوا ... محاميلُ قودٍ يلبسون السَنَوّرا
فيوماً سرابيل الحديد عليهم ... ويوماً ترَى عَصباً وخزّاً مُنيّرا
إذا افتخروا عَدّا الصبهبذَ منهمُ ... وكسرى وسابور الهمام وقيصرا
وكانَ كتاب الله فينا نبوةً ... وكانوا باصطخر الملوك وتسترا
وقال أيضاً:
مضرٌ أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خُزرَ تغلِبَ من أبٍ كأبينا
إن الَّذي حرم الخلافة تغلباً ... جعل النُّبوَّةَ والخلافة فينا
هذا ابن عمِّي في دمشق خليفة ... لو شئتُ ساقكم إليَّ قطينا
وقال دعبل:
تطهَّر من أفاضلنا رجالٌ ... وحبُّ الله للمتطهِّرينا
وأنزلَ آيةً إنْ قاتلوهم ... يعذّبهم بأيديكم فنونا
فإن قلتمْ رسول الله منَّا ... فإنَّ محمداً للمسلمينا
وقال إسحاق الموصلي:
إذا مضرُ الحمراء كانتْ أرومتي ... وقامَ بنصري خازم وابنُ خازم
عطستُ بأنفي شامخاً وتناولت ... يداي الثُّريَّا قاعداً غير قائم
وقال أبو دلف:
أنا ابن السَّابقين إلى المعالي ... ولو أنِّي سكتُّ لما خفيتُ
وعلَّمني أبي قتل الأعادي ... وضرّاني بهمْ حتَّى ضَريتُ
تجنُّ لأرضَ أن أُدعى باسمي ... وتنهدُّ الجبالُ إذا كنيتُ
قال أبو بكر: قد مضى عظم هذا الباب، ولم نقضِ فيه لأحد من آل رسول الله صلى الله عليه، من الافتخار، ولم نؤخر ذكرهم، لأن غيرهم كان أحق بالتقدمة منهم، غير أنا أحببنا أن نختم الكتاب بذكرهم، ونقطع بالقضية لهم على غيرهم ونحن الآن نذكر قليلاً من كثير ما لهم إذ كان فضلهم أبين من أن يحتاج إلى توكيده بشعرهم، أوْ بشعر غيرهم، والحمد لله على ذلك.
قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه:
محمد النَّبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيّد الشُّهداء عمِّي
وجعفر الَّذي يُضحي ويُمسي ... يطيرُ مع الملائكة ابن أُمي
стр. 192
وبنت محمدٍ سكني وعِرسي ... مسوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابنايَ منها ... فأيَّكم له سهمٌ كسهمي
سبقتكمُ إلى الإسلام طرّاً ... غلاماً ما بلغت أوان حلمي
وأوجب لي ولايته عليكم ... رسول الله يومَ غدير خُمِّ
وقال هارون الرشيد:
ما الفخر أنِّي إمام النَّاس كلّهم ... فخري بنفسي وآبائي من السَّلف
والعقلُ والفضل في مجدي وفي نطقي ... وما تكامل في خلقي من الشَّرف
وقال علي بن محمد العلوي:
إنِّي وقومي في أنساب قومهمُ ... كمسجد الخيف في بحبوحة الخيف
ما عُلِّق السَّيف منَّا بابن عاشرةٍ ... إلاَّ وهمّتُهُ أمضى من السَّيف
وله أيضاً:
لقد فاخرتنا من قريش عصابةٌ ... بمدِّ رؤوس بل بمدِّ الأصابعِ
فلمَّا تنازعنا القضاء قضى لنا ... عليهم بما تهوَى نداءُ الصَّوامعِ
وله أيضاً:
إذا ما علا الأعواد منَّا ابن حرَّةٍ ... فأسفر عن بدرٍ ولاحظ عن صفرِ
رأيت عدوَّ الدّين أخنعَ كاسفاً ... وذا الدِّين والإسلام منبلج الصَّدرِ
لنا سيّداً هادي الأنام أُبوَّةً ... وساداتنا هم في المواقفِ والحشرِ
وما عالنت كفٌّ بإنكار فضلنا ... من النَّاس إلاَّ وهي مُذعنةُ السّرِّ
وإنَّا أُناسٌ ما تزالُ نفوسُنا ... مُحَبَّسةٌ بين المكارمِ والفخرِ
وله أيضاً:
وإن بكم يا آل أحمد أشرقتْ ... وجوهُ قريش لا يوجه من الفخرِ
أُناسٌ هُمُ عِدلُ القران ومأ ... لفُ البيان وأصحاب الحكومة في بدرِ
ومازهم الجبَّار منهم بخلَّةٍ ... يراها ذوو الأقدار ناهية القدرِ
أباحَ لكم إرساخ كلّ مُصدق ... ونزَّه عنه أوجُهَ النَّفَرِ الزُّهرِ
فأعطاهُمُ الخمسَ الَّذي فُضِّلوا به ... بآيةِ ذي القُربَى علَى العسر واليسرِ
وقالَ وأنذر أقربيك فخُلِّصتْ ... بنو هاشمٍ قرباه دون بني فهرِ
إذا قلتُمُ منَّا الرَّسول فقولهمْ ... أبونا رسولُ الله فخرٌ علَى فخرِ
وآخاهم مثلاً بمثلٍ فأصبحتْ ... أُخوَّتُهُ كالشَّمس ضُمَّتْ إلى البدرِ
فآخَى عليّاً دونكم وآصاره ... لكم علماً بين الهداية والكفرِ
الباب الثالث والسبعون
ذكر
ما للشعراء من الافتخار بالسخاء
قال حاتم بن عبد الله الطائي:
أماويَّ قد طالَ التَّجنُّبُ والهجرُ ... وقد عذرتني في طلابكمُ العذرُ
أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ ... ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ
أماويَّ إنِّي لا أقولُ لسائلٍ ... إذا جاءَ يوماً حلَّ في مالنا نذرُ
أماويَّ إمَّا مانعٌ فمبيّنٌ ... وإمَّا عطاءٌ لا ينهنههُ الزَّجرُ
أماويَّ إنْ يصبحْ صدايَ بقفرةٍ ... من الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا خمرُ
ترَي أنَّ ما أهلكتُ لم يكُ ضرَّني ... وأنَّ يدي ممَّا بخلتُ به صفرُ
وقدْ علمَ الأقوامُ لو أنَّ حاتماً ... أرادَ ثراءَ المالِ كانَ لهُ وفرُ
وأنِّي لا آلو بمالي صنيعةً ... فأوَّله زادٌ وآخره ذُخرُ
يفكُّ بهِ العاني ويؤكلُ طيِّباً ... وما إنْ تعرِّيهِ القداحُ ولا الخمرُ
ولا أظلمُ ابنَ العمِّ إنْ كانَ إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوتهِ الدَّهرُ
عنينا زماناً بالتَّصعلكِ والغنى ... وكلاّ سقاناهُ بكأسيهما الدَّهرُ
فما زادَنا بغياً على ذي قرابةٍ ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقرُ
وقال آخر:
ذريني أكن للمالِ ربّاً ولا يكنْ ... لي المال ربي تحمدي غَيّه غدا
أريني جواداً ماتَ هزلاً لعلَّني ... أَرَى ما ترين أو بخيلاً مخلَّدا
وقال آخر:
فلسنا نناجي غيرنا في أُمورنا ... ولا نتَّقي ما تُتَّقى في الَّذي يقْضي
غنينا بعزّ الله لا عزَّ غيرَهُ ... عن النَّاس لما احتاج بعض إلى بعضِ
وقال الحكم الأسدي:
وأُعسرُ أحياناً فتشتدّ عُسرتي ... فأُدركُ ميسورَ الغِنى ومعي عِرضي
وأقضي علَى نفسي إذا الأمرُ نابني ... وفي النَّاس من يُقضى عليه ولا يقضي
وقال ابن حازم:
стр. 193
للنَّاس مال ولي مالان مالُهما ... إذا تحارس أهل المالِ حُرَّاسُ
مالي الرّضا بالَّذي أصبحت أملكه ... ومالي اليأسُ ممَّا يملك النَّاسُ
وقال آخر:
إنِّي أَرَى من لهُ قنوعُ ... يَعدلُ من نالَ أوْ تعنَّى
والرّزق يأتي بلا عناءٍ ... وربَّما فاتَ ما تمنَّى
وقال آخر:
ويمنعني وسوء الحال ليلٌ ... فأكثر ما أقول بك استعنتُ
ويسألني صديقي كيفَ حالِي ... فأوهمه الغنى ولقد جُهدتُ
ولولا أن أذكر الموت يُسلي ... عن الدُّنيا ولذّتها أسفتُ
وأعظمُ من نزول الموت أنِّي ... أُدانُ بما كسبتُ وما اكتسبتُ
وقال آخر:
ناري ونار الجار واحدةٌ ... وإليه قبْلي تنزل القدْرُ
ما ضرَّ جار لي مجاورني ... ألاَّ يكونَ لبابهِ سِتْرُ
وقال جعفر بن أبي طالب:
يا ليت للنَّاسِ رسماً في وجوههُم ... تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا
وليتَ رزق أُناس مثل نائلهم ... قوتاً بقوت وتوسيعاً إذا اتّسعوا
وليتَ ذا الفُحش لاقى فاحشاً أبداً ... وذا التحكّم أهل الحلم فارتدعوا
وليتَ من يمنع المعروف يُحرمهُ ... حتَّى يذوقَ أُناسٌ مثل ما صنعوا
وقال كعب بن زهير:
وعاذلةٍ تخشى الرَّدَى أن يصيبني ... تروح وتغدو بالملامة والهَشَمْ
تقول هلكنا إن هلكتَ وإنَّما ... علَى الله أرزاق العباد كما زعمْ
فإنِّي أُحبُّ الخلد لو أستطيعُهُ ... وكالخلد عندي أن أموتَ ولم أُلَمْ
وقال عروة بن الورد:
إنِّي امرؤ عافي إنائي شِركةٌ ... وأنتَ امرؤ عافي إنائك واحدُ
أتهزأ منِّي إن سمنت وأن ترى ... بجسمي شحوب الحقّ والحقُّ جاهدُ
أُقسِّمُ جسمي في جسوم كثيرةٍ ... وأحسو قُراح الماء والماء باردُ
وقال ابن البرصاء:
ولستَ بذي فضل وإن كنتَ نلتَهُ ... علَى الحيِّ حتَّى لا تضُرَّ وتنفعا
أمن أجلِ أن لم تلقَ عزّاً كعزّنا ... وتستجلب الأدنى إذا خابَ أودعا
غضضتَ بأطرافِ البنان نفاسةً ... علَى المجدِ حتَّى لم تدعْ لك إصبعا
وقال بشر بن المغيرة:
جفاني الأميرُ والمغيرةُ قد جَفَا ... وأمسى يزيدُ لي قد ازورَّ حاجبُهْ
وكلُّهمُ قد نالَ شِبعاً لبطنهِ ... وشِبعُ الفَتَى لؤمٌ إذا جاعَ صاحبُهْ
فيا عَمِّ مهلاً واتَّخذني لنوبةٍ ... تنوبُ فإن الدَّهر جمٌّ نوائبُهْ
أنا السَّيف إلاَّ أنَّ للسَّيف نَبوةً ... ومثليَ لا تنبُو عليك مضاربُهْ
وقال آخر:
فيا بنتَ عبد الله وابنةَ مالكٍ ... ويا بنتَ ذي البُردين والفرس الوردِ
إذا ما صنعتِ الزَّادَ فالتمسي له ... أكيلاً فإنِّي لستُ آكلهُ وحدي
أخاً طارقاً أوْ جارَ بيتٍ فإنني ... أخافُ ذميمات الأحاديث من بعدي
وإنِّي لعبدُ الضَّيف ما دامَ ثاوياً ... وما فيَّ إلاَّ تلك من شيم العبْدِ
وقال عبد الله بن سبرة:
شتَّان عندي من أُصيبَ ببلدةٍ ... يهوى إليَّ ومن أُصيبَ مجاوري
إن المصابَ إذا أُصيب ببلدةٍ ... يهوى إليَّ كجار بيتي الحاضرِ
قالت هوازنُ والخطوب كثيرةٌ ... ما ذنبُ قومك في القتيلِ الزَّائرِ
فكفيت قومك عقله ووديته ... وسننتَ ذلك سُنَّة في عامرِ
وقال عبد العزيز بن زرارة:
لقد علمتْ أُمُّ الحويرث أنَّني ... إذا نزلَ الأضيافُ غير ذميم
فإن لا أكن عينَ الشُّجاع فإنَّني ... أردُّ سنانَ الرُّمح غير سليم
وإن لا أكن عين الجواد فإنَّني ... علَى المالِ في الظّلماءِ غيرُ لئيم
وقال بعض بني عجل:
إذا كنت ذا حظٍّ من المالِ فالتمسْ ... به الأجر وارفعْ ذكرَ مَن في المقابرِ
وإن كثيرَ المال يفنى وفضلَهُ ... كظلِّ مقيل الشَّمس عند الهواجرِ
وقال آخر:
وإنَّا لمشَّاؤون بين رجالنا ... إلى الضَّيف منَّا ملحِفٌ ومُنيمُ
فذو الحلم منَّا جاهلٌ دون ضيفهِ ... وذو الجهلِ منَّا عن أذاهُ حليمُ
وقال آخر:
إذا نحنُ قلنا صَدّق القولَ فِعلُنا ... وكم قائلٍ يُكذِّبهُ الفعلُ
وقال آخر:
стр. 194
ألا تَرَينَ وقد قطَّعتني عَذَلاً ... ماذا من البعدِ بين البُخل والجُودِ
ألاَّ يكن وَرقٌ يوماً أجودُ بها ... للمُعتفينَ فإنِّي ليِّنٌ عودي
لن يعدم المبتغي للخير يسألني ... إما نوالي وإما حُسن مردودي
وقال آخر:
ومُسْتنبح قبل الهُدُوّ دعوتُهُ ... بشقراءَ مثل الفجرِ ذاك وَقودُها
فقلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحباً ... بطارق نارٍ مُحْمد مَن يرودُها
فإن شئت آويناك في الحيِّ مُكرماً ... وإنْ شئت بلغناك أرضاً تُريدُها
وقال آخر:
ومُسْتنبح قال الصَّدي مثلَ قولِهِ ... رفعت له ناراً لها حطبٌ جَزْلُ
وقمتُ إليه مسرعاً فكتمتُهُ ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبلُ
وداويتُهُ من سوءِ ما فعلَ الطّوي ... بتعجيل ما ضمَّ المزادة والرَّحلُ
وأوسعني حمداً وأوسعتهُ قِرًى ... فارتجْ بحمدٍ كانَ كاسبهُ الأكلُ
وقال آخر:
ومُسْتنبح تهوى مساقطُ رأسهِ ... إلى كلِّ شخصٍ وهو للسمع أصورُ
يصفِّقُهُ أنفٌ من الريح باردٌ ... ونكباءُ ليلٍ من جُمادى وصرصرُ
حبيبٌ إلى كلبِ الكريم مُناخُهُ ... بغيضٌ إلى الكوماء والكلبُ أبصَرُ
خَطأتُ له ناري فأبصرَ ضوءها ... وما كانَ لولا خطأة النَّار يُبصرُ
دَعَتهُ بغر اسمٍ هلمّ إلى القرى ... فأسرعَ يبوعُ الأرض والنَّار تزهَرُ
فلما أضاءتْ شخصهُ قلتُ مرحباً ... رَشَدتَ وللصَّالين بالنَّار أبشروا
وقمتُ بنصل السَّيف والبرك جاهد ... لها زورةٌ والموتُ في السَّيف يُنظرُ
فأغضضتُهُ الطُّولى سناماً وخيرَها ... ولاءً وخيرُ الخير ما يُتخيَّرُ
وقال آخر:
أجَلَّكَ قومٌ حين صرتَ إلى الغِنَى ... وكلُّ غنيٍّ في العيونِ جليلُ
وليسَ الغِنَى إلاَّ غنًى زيَّنَ الفَتَى ... عشيَّة يَقري أوْ غداة يُنيلُ
وقال آخر:
رمَى الفقرُ بالفتيان حتَّى كأنَّهم ... بأقطار آفاقِ البلادِ نجومُ
وإن امرءاً لم يُفقرِ العام بيتَهُ ... ولم يتخدَّدْ لحمهُ للئيمُ
وقال الخُريمي:
وإنِّي لسهلُ الوجه للمُبتغي القِرى ... وإنَّ فنائي للقِرى لرحيبُ
أُضاحكُ ضيفي قبل إنزال رَحْله ... ليُخصبَ عندي والمحلُّ جَديبُ
وما الخصبُ للأضياف أن يكثر القِرى ... ولكنَّما وجهُ الكريم خصيبُ
وقال الحسين بن رجاء بن أبي الضحاك:
قد يصبرُ الحرُّ علَى السَّيف ... ويأنفُ الصَّبر علَى الحيفِ
ويؤثر الموت علَى حالةٍ ... يَعجزُ فيها عن قِرى الضَّيفِ
وقال آخر:
اللَّيلُ يا غلامُ ليلٌ قرُّ ... والريحُ يا موقدُ فيها صِرُّ
فأجّج النَّارَ لمن يمُرُّ ... إن جَلَبتَ ضيفاً فأنتَ حُرُّ
قال علي بن الجهم في كلب أهداه إلى بعض إخوانه يوصيه به:
أُوصيك خيراً به فإنَّ ل ... هُ سجيَّةً لا أزال أحمدُها
يدلُّ ضيفي عليَّ في غسق ... اللَّيل إذا النَّار نام موقدها
وقال علي بن محمد العلوي:
يسترسل الضَّيف في أبياتنا أُنساً ... فليسَ يعلمُ خلقٌ أيُّنا الضَّيفُ
والسَّيفُ إن قسته يوماً بنا شبهاً ... في الرَّوع لم يدْر عزماً أيُّنا السَّيفُ
قال أبو بكر محمد بن داود: وهذا أحسن ما قيل في معناه، على أن الافتخار كله عندي يقبح، وأقبحه الافتخار بالسخاء خاصة، لأن الأجمل بأهل الكرم أن تنشر عنهم فضائلهم، وأن يعترفوا هم بالتقصير على أنفسهم، فإن استقلالهم لمعروفهم الَّذي يستكثره غيرهم دلَّ على كرم طباعهم من الشحح بما صنعوا من معروف إلى غيرهم حتَّى إن ذكر مكارمهم بحضرتهم غير جميل من مادحيهم وتلقِّيهم إيَّاه بالقبول غير محمود من فعلهم. وليس يجمل الافتخار في حال من الأحوال إلاَّ بمن كفر نعمه، ونسب إلى غير ما يستحقّه، فيحسن منه حينئذٍ الاعتذار لنفسه بما ينفي عنه ما قرب به كالذي يقول:
يُعيّرني بالدّين قومي وإنَّما ... دُيونيَ في أشياءَ تكسبهمْ حمدا
وعلى كل حال فالافتخار بالسخاء أجمل من الافتخار بضدّه، كما افتخر الَّذي يقول في شعره:
وإنَّا لنجفو الضَّيف من غير عُسرةٍ ... مخافَةَ أن يُعزى بنا فيعود
стр. 195
ولو كان هذا الشاعر صرف همَّته إلى ذكر مكرمة عن نفسه هذا الصرف قد أبرَّ على كلّ من ذكرنا شعره.
الباب الرابع والسبعون
ذكر
من أظهر الجزع من الفقر
وقنع به، وافتخر بالصبر
قال حطَّان بن المعلَّى:
أنزلني الدَّهرُ علَى حكمهِ ... من شاهقٍ عالٍ إلى خفضِ
وغالني الدَّهرُ بوفرِ الغِنَى ... فليس لي مالٌ سوى عرضي
أبكاني الدَّهرُ ويا ربَّما ... أضحكني الدَّهرُ بما يُرضي
لولا بنيَّاتٌ كزغبِ القطا ... رُددنَ من بعضٍ إلى بعضِ
لكانَ لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطولِ والعَرضِ
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرضِ
وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي:
والله لولا صبيةٌ صغار ... وجوههمْ كأنَّها أقمار
تجمعهمْ من العتيك دارٌ ... درادق ليس لهمْ دثار
باللَّيل إلاَّ أن تُشبّ نار ... لما رآني ملكٌ جبَّار
ببابهِ ما سطع النَّهار
وقال آخر:
لولا أُميمةُ لم أجْزع من العدمِ ... ولم أُقاسِ الدُّجَى في حِندس الظّلمِ
وزادني رغبةً في العيش معرفتي ... ذلَّ اليتيمة يجْفوها ذوو الرَّحمِ
أحاذرُ الفقر يوماً أن يُلمّ بها ... فيكشفَ السترَ عن لحم علَى وضمِ
تهوى حياتي وأهوَى موتها شغفاً ... والموتُ أكرمُ نزَّالٍ علَى الحُرَمِ
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشَّام أُخرى كيف تلتقيانِ
سأُعملُ نصّ العيس حتَّى يكُفني ... غنَى المال يوماً أوْ غنَى الحدثانِ
وقال نهيك بن أُساف:
أَمّ نهيكٍ ارفعي الظنَّ صاعداً ... ولا تيأسي أنْ يُثريَ اليومَ بائسُ
سيكفيك سيري في البلادِ وبُغيتي ... وبعلُ الَّتي لم يحظ في البيتِ جالسُ
سأكسبُ ملاً أوْ تبيتنَّ ليلةً ... لصدركَ من وجدٍ عليَّ وساوسُ
ومَن يكسبِ المالَ المُمنَّعَ بالقنا ... يعشْ مثرياً أوْ يُودَ فيما يُمارسُ
وقال آخر:
فما طلب المعيشة بالتَّمنِّي ... ولكنْ القِ دلوك في الدّلاءِ
تجيءُ بملئها يوماً ويوماً ... تجيءُ بحمأةٍ وقليل ماءِ
وقال آخر:
فسرْ في بلادِ الله والتمسْ الغِنَى ... تعشْ ذا يسار أوْ تموتَ فتُعذرا
ولا ترضَ من عيشٍ بدونٍ ولا تنمْ ... وكيفَ ينامُ اللَّيل من كانَ مقترا
وأجود من هذه المعاني قول الآخر:
إذا ذهبت نفسي لدنيا أصبتُها ... فقد ذهبتْ نفسي وقد ذهب الثَّمنْ
لها تُطلبُ الدُّنيا فإن أنا بعتُها ... بشيءٍ من الدُّنيا فذلكمُ الغَبَنْ
قال محمود الوراق:
بَخلتُ وليس البخلُ منِّي سجيَّةً ... ولكنْ رأيتُ الفقرَ شرَّ سبيلِ
لَموتُ الفَتَى خيرٌ من البخلِ للفتَى ... وللبخلُ خيرٌ من سؤالِ بخيلِ
وأحسن من ذا قولاً وهو في ضدّ معناه الَّذي يقول:
إنَّ القناعةَ عزٌّ دائم وغنًى ... والذُّلُّ والفقرُ في ذي الحرص والطَّمعِ
لا يمنعنكَ من عَودٍ بعارفةٍ ... خوف الخصاصة أوْ كفران مُصطنعِ
فهؤلاء الذين وصفنا حالهم في صدر هذا الباب إنَّما دعاهم إلى بذل أنفسهم في طلب المال الخوف على عيالهم، ولم يريدوا بذلك مباهاة لغيرهم، ولا مكاثرة لهم بأموالهم فهم لعمري أعذر ممَّن بذل نفسه، واستعمل جاهه، وانصب جسمه في طلب ما لم تدفعه الضرورة إلى طلبه، ويكسب مالاً فقرنه إلى كسب كما قال امرؤ القيس، وهو من جيد كلامه، وهو من الأمثال السائرة من شعره وإن كان غير محمود المعنى في حقيقته:
فلو أن ما أسعى لأدنَى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليلاً من المالِ
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثَّلٍ ... وقد يُدرك المجدَ المؤثل أمثالي
وما المرءُ ما دامت حُشاشة نفسهِ ... بمُدرك أطراف الخطوب ولا آلِ
وكما قال أيضاً:
بكى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دونَهُ ... وأيقنَ أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلتُ لهُ لا تبكِ عينكَ إنَّما ... نحاولُ مُلكاً أوْ نموتُ فنُعذرا
وكما قال يزيد بن خذاق:
ذريني أسير في البلادِ لعلَّني ... أُصيبُ غنًى فيه لذي الحقّ مَحْملُ
стр. 196
فإن نحنُ لم نملك دفاعاً لحادثٍ ... تلِمُّ به الأيَّام فالصَّبر أجملُ
أليسَ كثيراً أن تلمّ مُلمَّةٌ ... وليسَ علينا في الحقوقِ مُعوَّلُ
وكما قال أبو نواس:
تقول الَّتي من بيتها خفَّ مركبي ... يعزّ علينا أن نراكَ تَسيرُ
أما دون مصرٍ للفتَى متطلّبٌ ... بلَى إن أسباب الغِنَى لكثيرُ
فقلتُ لها واستعجلتْها بوادرٌ ... جرتْ فجرى في جَريهن عَبيرُ
ذريني أكثر حاسديك برحلةٍ ... إلى بلدٍ فيه الخصيبُ أميرُ
وقال آخر:
سأبغي الغِنَى إما جليسَ خليفةٍ ... نقومُ سواءً أوْ مخيفَ سبيلِ
لنخمسَ مالَ الله من كلِّ فاجرٍ ... وذي بِطنةٍ للطيّبات أكولِ
وكما قال الأحمر بن سالم:
مقِلٌّ رأى الإقلالَ عاراً فلم يزلْ ... يجوبُ بلادَ الله حتَّى تَمَوَّلا
ولم ينهَهُ عما أرادَ مهابة ... ولكنْ مضى قُدماً وما كانَ مُبْسلا
فلمَّا أفادَ المالَ جادَ بفضلِهِ ... علَى كلِّ مَن يرجو نداهُ مُؤمِّلا
فأعطى جزيلاً من أرادَ عطاءهُ ... وذو البخل مذموم يرى البخلَ أفضلا
قال أبو بكر: وإن هذه الأشعار لفي غاية من جزالة اللفظ، وتوسط من جودة المعنى، ولم نُعب قائليها، لأنهم أساؤوا فيها، وإنَّما أردنا منهم أن تكون رغبتهم في بذلها للمكاسب تأميلاً للرفعة بها في العواقب، إذْ قد استسلفوا مذلَّة السؤال، وليسوا على ثقة ممَّا أمَّلوه من علوّ الحال، ونحن الآن نذكر إن شاء الله من أثر القناعة والصبر، وتجشم مضاضة الإقتار والفقر.
أنشدني بعض أهل الأدب عن الرياشي لعلي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه:
دليلك أن الفقرَ خيرٌ من الغِنَى ... وأن القليلَ المال خيرٌ من المثري
لقاؤك مخلوقاً عصَى الله بالغنَى ... ولم ترَ مخلوقاً عصَى الله بالفقرِ
وأحسن الَّذي يقول:
ما اعتاضَ باذلُ وجههِ بسُؤالهِ ... عِوضاً ولو نالَ الغِنَى بسؤالِ
وإذا النَّوالُ مع السؤالِ وزنْتَهُ ... رجَحَ السؤالُ وخفَّ كلُّ نوالِ
وقال بشر الضبعي:
إذا قلَّ مالي لا ألومُ ذوي الغِنَى ... ولا يتحنَّى للحوادثِ جانبي
ولستُ إذا ما أحدثَ الدَّهر نكبة ... بأخضع ولاّج بيوت الأقاربِ
وقال أيضاً:
إذا قلَّ مالي أوْ أُصبتُ بنكبةٍ ... قَدحتُ حياتي عفَّةً وتكرُّما
وأعرضُ عن ذي المال حتَّى يُقال لي ... قد أحدث هذا نخوَةً وتبرُّما
وما بي جفاءٌ عن صديقٍ ولا أخٍ ... ولكنَّها حالٌ إذا كنتُ مُعدما
وقال ابن أذينة:
لقد علمت لو أن العلم ينفعني ... أن الَّذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعَى له فيُعنِّيني تَطَلُّبُهُ ... ولو قعدتُ أتاني لا يُغنيني
وقال آخر:
وإنْ صفحةُ المعروف ضنَّتْ بوجهه ... بدا لك من معروفنا وجهُهُ السَّهْلُ
وما زالَ مُذ كنَّا ملوكاً وسُوقةً ... يموت بنا جَوْرٌ ويحيا عَدْلُ
وقال آخر:
ملأتُ يَدي من الدُّنيا مراراً ... فما طَمعَ العواذلُ في اقتصادِي
ولا وجبت عليَّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزَّكاةُ علَى جَوادِ
وقال آخر:
لقد علمَ السَّاري طروقاً برحله ... وباغي النَّدَى ما اللّؤم لي بقرينِ
ومُختبطٍ يسعى إليَّ برحله ... فلم أفدْ منه صرمتي بيميني
فنفسك ولِّ اللومَ عاذل وانطحي ... برأسك أركانَ الصَّفا وذريني
وقال آخر:
وإنِّي امرؤ ما تستفيقُ دراهمي ... علَى الكفِّ إلاَّ عابرات سبيلِ
أحكّم فيها الحقّ حتَّى أذلّها ... إذا ذاد عنه الحقّ كلُّ بخيلِ
وقال أبو دلف:
إن نفساً كريمة تألف الصَّب ... ر إذا ما تغيَّرت حالاتي
لو دعتني إلى الدّناة حياتي ... يا ابن عيسى هانتْ عليَّ حياتي
إنَّما يُحمّدُ السَّجايا من الأح ... رار عند النَّوائب المُعضلاتِ
كلُّ حيٍّ يقوى علَى الصبر في السّ ... رِّ وصبرُ الكريم في النَّائباتِ
وأنشدني بعض أهل الأدب:
لا تكثري لم أُقصِّر وَيْك في الطَّلب ... أيّ البلاد وأيّ الأرض لم أجُبِ
стр. 197
هذا وفيَّ خِلالٌ كلُّها سببٌ ... إلى الغِنَى غيرَ أن الرزقَ لم يُجبِ
لا أتهم الله في رزقي فما صَرَفت ... عنِّي المكاسبَ إلاَّ حرفةُ الأدبِ
قال أبو العبر:
ليس لي مالٌ سوى كرمي ... فيه أمنٌ لي من العَدَم
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متَّهم
قَنعت نفسي بما رُزقتْ ... وتمطَّت في العُلى هممي
ولبستُ الصبر سابغةً ... فهي من قرني إلى قدمي
فإذا ما الدَّهر عاتبني ... لم يجدني كافرَ النّعم
وقال آخر:
إذا سُدَّ بابٌ عنك من دون حاجةٍ ... فدعْهُ لأُخرى ليّنٌ لك بابُها
فإن قرابَ البَطن يكفيك مِلؤُهُ ... ويكفيك سوءاتِ الأمور اجتنابُها
وقال آخر:
الدَّهر لا يبقى علَى حالةٍ ... لكنَّه يُقبلُ أوْ يُدبرُ
فإن تلقاك بمكروهةٍ ... فاصْبر فإن الدَّهر لا يصبرُ
وقال بعض الكلابيين:
فإنِّي لصوانٌ لنفسي وإنَّني ... علَى الهول أحياناً بها لرَجومُ
وفرَّق بين الحيِّ بلوي مُشتّتٌ ... ومحتملٌ من ظاعن ومقيمُ
وأقحاط أقوام كأنَّ وليدها ... وإنْ كانَ حي الوالدين يتيمُ
قال بعض الأعراب:
إذا مِتُّ فابكيني بثنتين لا يُقَلْ ... كذبت وشرُّ الباكيات كذوبُها
بعفَّة نفسٍ حين يُ ذكر مَطمعٌ ... وعزَّتها إنْ كانَ أمرٌ يُريبُها
وإن قلتِ سِمْحٌ في النَّدَى لا تكذبي ... فأمَّا تُقى نفسي فربِّي حسيبُها
وأخبرني محمد بن الخطاب الكلابي أن فتى من الأعراب خطب ابنة عم له وكان معسراً، وأبى عمه أن يزوّجه فكتب إلى ابنة عمه هذه الأبيات:
يا هذه كم يكون اللّوم والفَندُ ... لا تعذلي رجلاً أثوابُهُ قِدَدُ
إن يمسِ منفرداً فالبدرُ منفردٌ ... واللَّيث منفردٌ والسَّيف منفردُ
أوْ كنتِ أنكرتِ طِمريه وقد خَلِقا ... فالبحر من فوقه الأقذار والزَّبَدُ
إنْ كانَ صرفُ الليالي رثَّ بزّته ... فبين ثوبيه منها ضيغم لُبَدُ
قال: فدخلت بالأبيات على أبيها فقال لها: ما أُريد لك صداقاً غيرها، فدعاه فزوَّجه إيَّاها.
الباب الخامس والسبعون
ذكر
من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه
قال المتلمّس:
تحلَّمْ عن الأدنين واستبقِ منهُمُ ... ولن تستطيعَ الحلمَ حتَّى تحلَّما
وكنَّا إذا الجبار صعَّر خدَّه ... أقمنا له من مَيله فتقوَّما
فلو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلتُ لهم فوقَ العرانين ميسما
وهلْ كنت إلاَّ مثل قاطع كفّه ... بكفٍّ له أُخرى فأصبح أجذما
يداه أصابتْ هذه حتفَ هذه ... فلم تجدِ الأُخرى عليها مُقدَّما
فلمَّا أقاد الكفّ بالكفّ لم يكنْ ... له دركٌ في أن تَبينا فأحجما
فأطرقَ إطراق الشُّجاع ولو رأَى ... مَساغاً لنابيه الشُّجاعُ لصمّما
وقال آخر:
قومي هُمُ قتلوا أميم أخي ... فإذا رَمَيْتُ أصابني سهمي
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَلَلاً ... ولئن ضربتُ لأُوهننْ عظمي
وقال آخر:
وذي خَطَل في القولِ يَحسب أنَّه ... مُصيبٌ فما يُلممْ به فهو قائله
عَبأت له حلماً وأكرمتُ غيرَهُ ... وأعرضت عنه وهو بادٍ مقاتله
وقال وعلة بن الحرث الجرمي:
ما بالُ من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سَفَاهته كسرِي
أعودُ علَى ذي الجهل والذّنب منهمُ ... بحلمي ولو عاقبتُ غرَّقهم بحرِي
أناةً وحلماً وانتظاراً لهم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضّرعَ الغمرِ
ألم تعلموا أنِّي تُخافُ غَرامتي ... وأنَّ قناتي لا تلينُ علَى الكسرِ
وقال ابن صريم الجرمي:
أردُّ الكتيبةَ مغلولةً ... وقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانب ... أذمُّ العشيرة مُغتابها
ولكن أُطاوع ساداتها ... ولا أتعلَّمُ ألقابَها
وقال آخر:
وإنا لنعطي الضَّيم من لا نضيمُهُ ... يُقرُّ ونأبى نخوة المتظلّم
أناةً وحلماً ثمَّ كانَ لقاؤها ... رهيناً بيومٍ كاسف الشَّمس مظلم
وقال آخر:
إن كنتَ لا ترهبُ ذمِّي لما ... تعلمُ من صَفْحي عن الجاهلِ
стр. 198
فاخشَ سُكوتي إذْ أنا منصتٌ ... فيك لمسموعِ خنَا القائلِ
فسامعُ السُّوء مشيرٌ به ... ومُطعمُ المأكولِ كالآكلِ
مقالة السّوء إلى أهلِه ... أسرعُ من مُنحدرٍ سائلِ
ومن دعا النَّاس إلى ذمّه ... ذمُّوهُ بالحقِّ وبالباطلِ
وفي نحوه:
فإن أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ قائلاً ... ضحكت له كيما يلجُّ ويستشري
وفي نحوه:
بني تميم ألا كفُّوا سفيهكُمُ ... إنَّ السَّفيه إذا لم يُنْهَ مأمور
وفي نحوه يقول عمار بن ياسر:
توخَّ من الطُّرق أوساطها ... وعَدِّ عن الجانبِ المشتبَه
وسمعَكَ صُنْ عن سماع القبي ... ح كصون اللّسان عن اللّفظ به
فإنَّكَ عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه
قال لقيط بن زراة:
أغرَّكُمُ أنِّي بأحسن شيمةٍ ... بصير وأنِّي بالفواحش أخرقُ
وإنك قد شاتمتني فقهرتني ... هنيئاً مريئاً أنت بالشرِّ أحذقُ
وقال طرفة:
وكلام سيّئٍ قد وَقَرتْ ... أُذني عنه وما بي من صَمَم
فتصافحت لكيما لا يرى ... جاهلٌ أنِّي كما كانَ زَعَم
قال لبيد، وهذه تعرف للكميت:
ستذكرنا منكم نفوسٌ وأعين ... ذوارف لم تَضنن بدمع غُروبُها
وهل يعدُوَنْ بين الحبيب فراقُهُ ... نَعَمْ داءُ نفسٍ أن يبينَ حبيبُها
رأيتُ عذاب الماء أن حِيلَ دونها ... كفاك لما لا بدَّ منه شريبُها
وإن لم تكن إلاَّ الأسنَّة مركبٌ ... فلا رأي للمحمول إلاَّ ركوبُها
تعاتبني في النُّصح فهرُ بن مالكٍ ... ولم تدرِ ما يُخفي الضَّميرُ عيوبها
ولو ماتَ من نُصحٍ لقوم أخوهُمُ ... لقد لقيتني بالمنايا شعوبُها
أُطيِّبُ نفسي عن لؤي بن غالبٍ ... وهيهاتَ منِّي ثمَّ هيهاتَ طيبُها
أبوها أبي الأدنى وأُمِّي أُمُّها ... فمن أين رابتني وكيفَ أريبها
ألا بأبي فهرٌ وأُمي ومالك ... وإن كثُرتْ عندي وفيَّ ذنوبها
قال معاوية بن أبي سفيان:
إذا لم أعدْ بالحلم منّي عليكُم ... فمن ذا الَّذي بعْدي يُؤمَّلُ للحلم
خُذيها هنيئاً واذكري فعل ماجدٍ ... حباك علَى حرب العداوة بالسَّلم
ولبعض الأعراب:
وأغضي عن العوراء حتَّى يُقال لي ... بأذنيَ وقرٌ عندها حين أطرقُ
وعندي جوابٌ حاضرٌ لو أردتُهُ ... من الصّاب في فيه أمرُّ وأعلقُ
حياءً وإكراماً لعرضي أصونُهُ ... وما خيرُ عرضٍ لا يزال يُمزَّقُ
إذا بعتُ عرضي لم يُذمَّ مُهذَّباً ... وآخذُ مذموماً به اللؤمُ مُلصقُ
إذا بعتهُ منه أخذتُ ندامةً ... وخسرانَ بيعٍ إذْ علَى الكفِّ يُصفقُ
وقال آخر:
وإنِّي لأُعطي المالَ من ليسَ سائلاً ... وأصفحُ عن بادي السَّفاه سليمِ
وأحمي ذمامَ المرء أعلمُ أنَّني ... عليه بظهر الغيب غير كريمِ
وقال آخر:
فلو بي بدأتُمْ قبلَ من قد دعوتُمُ ... لفرَّجْتُها وحدي ولو بلغت جهدي
إذا المرءُ ذو القربى وذو الرّحم أجحفت ... به سُنَّةٌ سلَّت مصيبته حقدي
ولبعض الأعراب:
قومي إذا فرطت منهم بوادرهُمْ ... لا يقرعون عليها السنَّ من نَدمِ
منّا العفافُ ومنّا العفو عائدةً ... إنّا كذلك عوَّادون بالنعمِ
إنّا إذا ما قدرنا واستعيد لنا ... فالعفوُ فيما نرى أدني إلى الكرمِ
ولأبي هلال الأسدي:
دع عنك مولى السوء والدَّهر إنَّه ... سيكفيكهُ أيامهُ ونوائبُه
ويلقى عدوّاً من سواك يردُّهُ ... إليك فتلقاه وقد لانَ جانبُه
وقال آخر:
وتجزعُ نفسُ المرء من سَبِّ مُرَّةٍ ... فيسمعُ ألفاً مثلها ثمَّ يصبرُ
فلا تعذراني أن أُسيء فإنَّما ... شِرارُ الرّجال من يُسيء ويُعذرُ
وقال آخر:
يا أيُّهاذا الشاتمي ظالماً ... والظُّلمُ مردودٌ علَى الشَّاتمِ
أرحمُ من يبكي بشتمي ومن ... أولى بأن يُرحمَ من آثمِ
ولمحمود الورّاق:
إنِّي شكرتُ لظالمي ظُلمي ... وغفرتُ ذاك له علَى علمي
ورأيتهُ أسدى إليَّ يداً ... لمّا أبانَ بجهله حلمي
стр. 199
ما زال يظلمني وأنصفُه ... حتَّى بكيتُ له من الظُّلمِ
وقال آخر:
وليس يتمُّ الحلمُ للمرء راضياً ... إذا هو عند السُّخطِ لم يتحلَّمِ
كما لا يتمُّ الجودُ للمرء موسراً ... إذا هو عند العُسر لم يتجشَّمِ
وقال معن بن أوس المُزني:
لعمرُكَ ما أدري وإنِّي لأوْجَلُ ... علَى أيّنا تغدُو المنيَّةُ أوَّلُ
وإنِّي أخوكَ الدائمُ العهد لم أحُلْ ... إن آذاك خصمٌ أوْ نبا بك منزلُ
أُحاربُ من حاربتَ من ذي قرابةٍ ... وأحبسُ مالي إن غرمتَ فأعقلُ
وإن سُؤتني يوماً صفحتُ إلى غدٍ ... ليُعْقِبَ يوماً منك آخرُ مقبلُ
ستقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيَّ كفّ تبدَّلُ
إذا أنت لم تُنصفْ أخاكَ وجدتَهُ ... علَى طرف الهجران إنْ كانَ يعقلُ
ويركبُ حدّ السَّيف من أن تضيمَهُ ... إذا لم يكنْ عن شفرةِ السَّيف مَزْحَلُ
وفي النَّاسِ إن رثَّتْ حبالُكَ واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى مُتحوّلُ
إذا انصرفتْ نفسي عن الشَّيء لم تكدْ ... إليه بشيءٍ آخرَ الدَّهر تُقبلُ
وقال آخر:
بلاءٌ ليس يُشبههُ بلاء ... عداوةُ غير ذي حسبٍ ودينِ
يُبيحُكَ منهُ عِرْضاً لم يصنْهُ ... ويرتعُ منك في عِرض مَصونِ
وقال أبو الدّلف:
إذا نطق السفيه فلا تُجبْهُ ... فخير من إجابتهِ السُّكوتُ
سكتُ عن السفيه وظنَّ أنِّي ... عييتُ عن الجواب وما عَييتُ
سفيهُ القوم يشتمني فيحظى ... ولو دمَهُ سفكت لما حظيتُ
أنشدني البحتري لنفسه:
دعاني إلى قول الخنى واستماعه ... أبو نَهْشلٍ بعد المودَّة والحلفِ
وأخطرني للشّاتمين ولم أكُنْ ... لأُشتم إلاَّ بالتكذّب والعَرفِ
فما ثلموا مجدي ولا فتلوا يدي ... ولا ضعضعوا عزّي ولا زعزعوا كهفي
ولما تبارينا فررت من الخنى ... بأشياخِ صدق لم يفرّوا من الزحفِ
وإنَّ جديراً أن تبيت ركائبي ... بديمومةٍ تسفي بها الريح ما تسفي
وأجبُنُ عن تعريض عرضي لجاهلٍ ... وإن كنت في الإقدام أطعنُ في الصّفِّ
وإنِّي لئيمٌ إن تركتُ لأسرتي ... أوابدَ تبقى في القراطيسِ والصّحفِ
وقال آخر:
وإنِّي لأُقصي المرءَ عن غير بِغْضةٍ ... وأُدني أخا البغضاء منّي علَى عَمْدِ
ليُحدثَ ودّاً بعد بغْضاءَ أوْ أَرَى ... له مصرعاً يُردي به الله من يُردي
وقائل هذه الأبيات غير داخل في باب الصفح عن المجرمين بل هو داخل في باب انتظار الفرصة لمعاقبة المذنبين، وليس ذلك لعيب في كل الحالان إذْ في الأحوال ما يكون الصفح عن المجرم جرماً عظيماً، وفساداً كثيراً، لأن العقاب على ثلاثة أضرب، فعقاب يدخل في باب التشفي، وعقاب يدخل في باب التأديب، وعقاب يدخل في باب الحدود. وإنَّما يصلح الصفح فيما يدخل في باب التّشفي وحده. نحو ما قدمنا في صدر هذا الباب ذكره، ولا يصلح في النوعين المذكورين بعده. فأمَّا ترك العقاب الداخل في باب التأديب فداعٍ إلى فساد التدبير، وعائد بالضرر على المعفو عنه وفي نحو ذلك يقول أبو تمام:
كانت لكم أخلاقُهُ معسولةً ... فتركتموها وهي ملحٌ علقَمُ
فقسا لتزدجروا ومن يكُ حازماً ... فليقس أحياناً علَى من يرحمُ
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إن الدمَّ المغترَّ يحبُسهُ الدمُ
وندمْتُم ولو استطاع علَى جوى ... أحشائكم لوقاكم أن تندموا
على أنَّه ينبغي للمعاقب التأديب ألا يزيد على مقدار الاستحقاق فيدخل في باب الظلم كما قال أشجع:
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهُهُ وإن لم تعلم
لا يُصلحُ السلطانَ إلاَّ شدَّة ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
وأمَّا ترك العقاب الَّذي يدخل في باب الحدود فمعصية لله ، ومن أعظم الجهل طلب المكارم بالدخول في باب المحارم كما بلغنا عن عبد الملك بن مروان أنَّه أراد قطع يد رجل سرق فكتب إليه من الحبس:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوكَ أنْ تلقى مكاناً يَشينُها
ولا خير في الدُّنيا وكانت حبيبةً ... إذا ما شمالي فارقتها يمينُها
стр. 200
فأبى إلاَّ قطعها، فدخلت عليه أمُّه فقالت يا أمير المؤمنين: واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب كاسبُك، وهذا حدٌّ من حدود الله لا أُعطّله. فقالت: يا أمير المؤمنين: اجعله من الذنوب الَّتي يستغفر الله منها، فعفا عنه. وهذا الفعل لا يُسمى عفوا، لأن العفو إنَّما هو ترك المرء ماله وترك مال غيره ممَّا قد جُعل هو القيّم عليه باستيفائه. فهو بباب التصنيع والإثم أشبه منه بباب العفو والحلم.
الباب السادس والسبعون
ذكر
الافتخار بالشجاعة والانتصار
أخبرنا الحارث بن أبي أسامة: أن العباس بن الفضل حدثهم قال: حدثنا محمد بن عبد الله التميمي قال: حدثنا الحسين بن عبد الله. قال: حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول: أتيت النَّبيّ صلى الله عليه فأنشدته قولي:
وإنّا لقومٌ لا نُعوّدُ خيلنا ... إذا ما التقينا أنْ نُحيدَ ونَنْفرا
وتُنكرُ يوم الرَّوع ألوانَ خيلنا ... من الطَّعن حتَّى نحسُبَ الجون أشقرا
فليس بمعروف لنا أنْ نردَّها ... صِحاحاً ولا مُستنكراً أن تُعقّرا
وقال عنترة:
لمّا رآني قد نزلتُ أُريدُهُ ... أبدى نواجذَهُ لغير تَبسُّمِ
فطعنتُهُ بالرُّمح ثمَّ علوتُهُ ... بمُهنَّدٍ صافي الحديدةِ مُخْذمِ
فشككتُ بالرمح الطويل ثيابَهُ ... ليس الكريمُ علَى القنا بمُحرَّمِ
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمُها ... قيل الفوارسِ ويك عنترَ أقدمِ
إذْ يتَّقونَ بي الأسنَّةَ لم أصحْ ... عنها ولكني تضايقَ مقدمِ
يدعون عنترَ والرّماحُ كأنها ... أشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأدهمِ
وله أيضاً:
بكرتْ تخوّفي الحتوفَ كأنني ... أمسيتُ عن غرضِ الحُتوفِ بمعزلِ
فأجبتُها أنَّ المنيَّةَ منهلٌ ... لا بدَّ أنْ أُسْقى بذاك المنهلِ
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أنِّي امرؤ سأموتُ إن لم أُقْتلِ
وقال خُفاف حين قتل مالك بن حُباب الشمخي معاوية بن عمرو السلمي:
إن تكُ خيلي قد أُصيبَ صميمها ... فعمداً علَى عيني تيمَّمت مالكا
وقفتُ علَى علوى وقد خام صُحبتي ... لأبني مجداً أوْ لأثأر هالكا
أقول له والرمحُ يأطُرُ متْنهُ ... تأمَّلْ خفافاً إنَّني أنا ذلكا
وقال العباس بن عبد المطلب:
أبا طالب لا ترضَ بالنصف منهُمُ ... وإنْ أنصفوا حتَّى تَعُقّ وتظْلَما
أبى قومنا أن يُنْصفونا فأنصفَتْ ... قواطعُ في أيماننا تقطرُ الدّما
إذا خالطت هام الرّجال رأيتها ... كبيضِ نعام في الوغى قد تحطَّما
تركناهمُ لا يستحلّونَ بعدنا ... لذي رحمٍ يوماً من النَّاس مَحْرما
وقال آخر:
إذا ظلمتْ حكّامُنا وولاتنا ... خصمناهُمُ بالمُرهفات الصّوارمِ
سيوف كأنَّ الموتَ حالف حدَّها ... مشطبةٌ تفري متون الجماجمِ
إذا ما انتضيناها ليومِ كريهةٍ ... ضربنا بها ما استمسكتْ في القوائمِ
وقال أبو سفيان بن الحارث:
نحن وردنا بطن سلعٍ عليكمُ ... بأسيافنا والخيل تدمى نُحورُها
تركنا بني النّجار تعوي كلابهم ... غداة تولت واستمرَّ مريرُها
ونحن تركنا الخزرجي مُجدّلاً ... تمجُّ حياة النَّفس منه زفيرُها
تركناهُ لما غادرَتْه رماحُنا ... ولم يبقَ منه غير عين يُديرها
وقال قيس بن الخطيم:
ثأرت عديّاً والخطيمَ فلم أُضِعْ ... وصيَّةَ أشياخٍ جُعلتُ إزاءها
طعنتُ ابن عبد القيس طعنةَ ثائرٍ ... لها نَفذٌ لولا الشَّعاعُ أضاءها
ملكتُ بها كفَّي فانهرتُ فَتْقها ... يُرى قائماً من دونها ما وراءها
يهونُ عليَّ أن تردَّ جراحُها ... عيونَ الأواسي إذْ حَمِدتُ بلاءها
وكنتُ امرءاً لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةً ... أُسَبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
مَتَى يأتِ هذا الدَّهرَ لا يُبقَ حاجةٌ ... لنفسيَ إلاَّ قد قضيت قضاءها
وذكروا أن معاوية ركب فرسه عازماً للهرب. قال: فذكرت أبياتاً لعمرو ابن الإطنابة فوقفت وهي قوله:
أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمدَ بالثمن الربيحِ
وإجشامي علَى المكروه نفسي ... وضربي هامةَ البطلِ المشيحِ
стр. 201
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أوْ تستريحي
وقال كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرْنَ بخطونا ... قُدُماً ونُلْحقها إذا لم تلحقِ
ما حلَّ بالأعداء مثل لقائنا ... يوم النجاح ويومنا بالخندقِ
وقال مالك بن عوف النصري:
وإذا شكا مُهري إليَّ حرارةً ... عند اختلاف الطعن قُلتُ له اقدم
إنِّي بنفسي في الحروب لتاجرُ ... تلك التجارةُ لا انتقادُ الدرهم
وقال ربيعة بن مقروم الضبّي:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفةِ القوائم هيكل
ودَعَوا نزالِ فكنتُ أوّل نازلٍ ... وعلامَ أركبهُ إذا لم أنزل
وقال سعد بن ناشب:
سأغسلُ عنّي العارَ بالسيف جالبا ... عليَّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهلُ عن داري وأجعلُ هدمها ... لعرضيَ من نطق المذمة حاجبا
ويصغُر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الَّذي كنت طالبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراثُ كريم ما يبالي العواقبا
أخي غمراتٍ لا يزيد علَى الَّذي ... يهمُّ به من مقطع الأمر صاحبا
إذا همّ لم تُردع عزيمةَ همه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمهُ ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
وقال أيضاً:
وإن أسيافنا بيضٌ مُهنَّدةٌ ... بتر لآثارها في هامهم جُددُ
وإن هويتم سللناها وقد غبَرتْ ... دهراً وهامُ بني بكر لها غُمدُ
وقال علي بن محمد العلوي:
وإنّا لتُصبحُ أسيافنا ... إذا ما انتصبنَ بيوم سفوك
منابرُهنَّ بطونُ الأكفِّ ... وإغمادُهنَّ رؤوس الملوك
وقال جعفر بن علبه الحارثي:
إذا ما ابْتَدرنا مأزقاً فرجت لنا ... بأيماننا بيضٌ جلتها الصَّياقلُ
لهمْ صدرُ سيفي يوم صحراء سحبلٍ ... ولي منهُ ما ضُمَّتْ عليه الأناملُ
ولم ندْرِ إن جضْنا من الموت جَيْضَةً ... مَتَى العُمرُ باقٍ والمدى متطاولُ
وقال أيضاً:
ولا يكشف الغمَّاء إلاَّ ابن حُرَّةٍ ... يرى غمرات الموت ثمَّ يزورها
نُقاسمهم أسيافنا شرَّ قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورُها
وقال موسى بن جابر الحنفي:
ولما نأت عنّا العشيرةُ كلُّها ... أنخْنا فحالفنا السُّيوفَ علَى الدَّهرِ
فما أسْلمتنا عند يوم كريهةٍ ... ولا نحن أغضبنا الجُفونَ علَى وتْرِ
وقال أيضاً:
وإنّا لوقَّافون بالثغرةِ الَّتي ... يخاف رداها والنّفوس تطَلّعُ
وإنّا لنُعطي المشرفيَّة حقَّها ... فتقطع في أيماننا وتقطَّعُ
وقال الراعي:
وللحق فينا خصلتان فمنهما ... ذلولٌ وأخرى صعبةٌ للمظالم
وإنّا لقوم نشتري بنفوسنا ... ديار المنايا رغبةً في المكارم
وقال الراعي:
يمسي ضجيعَ خريدةٍ ومضاجعي ... عضبٌ رقيق الشَّفرتين حُسامُ
والحربُ حرفتنا وبئست حرفةٌ ... إلاَّ لمن هو في الوغى مقدامُ
نعري السيوف فلا تزال عريَّةً ... حتَّى تكون جفونهن إلهامُ
والموت يسبقنا إلى أعدائنا ... تهفو به الرّايات والأعلامُ
وقال آخر:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدْ ... لنفسي بقاءً مثل أن أتقدَّما
إذا المرء لم يخشَ المكاره أوشكتْ ... حبال الهوينى بالقنا أن تجذَّما
وقال آخر:
فلا توعدونا بالمناصل إننا ... حظينا وأدركنا المُنى بالمناصلِ
قديماً ضربنا الدَّارعين وأنتمُ ... مشاغيل في تصريف ماء الجداولِ
وقال معبد بن علقمة:
فقُل لزهير إنْ شتمتَ سَراتَنا ... فلسنا بشتَّامين للمُتَشتِّمِ
ولكنَّنا نأبى الظَّلامَ ونعتصي ... بكلِّ رقيق الشَّفرتين مُصمّمِ
وتجهلُ أيدينا ويحلمُ رأيُنا ... ونشتمُ بالأفعالِ لا بالتشتّمِ
وقال أبو عطاء السِّنْدي:
وفارس في غمار الموت مُنغمسٍ ... إذا تألَّى علَى مكروههِ صدقا
غشيتُهُ وهو في جأواء باسلةٍ ... عضباً أصابَ سوادَ القلب فانفلقا
بضربةٍ لم تكن منّي مخالسةً ... ولا تعجلتُها جبناً ولا فرقا
وقال آخر:
стр. 202
يقول أخي لا تنتضي السيفَ واغتنمْ ... من اللَّيث عنَّا بالطَّريق تعرُّضا
فقلتُ وقد سدَّ الطَّريق بوجهه ... وقابلني وجهاً من اللَّيث أعرضا
أموتُ وسيفي مُغْمدٌ في قرابه ... ويوجد بعدي مغمداً غير مُنتضى
فلم طال حملي نصله وقرابه ... إذا أنا لم أضرب به من تعرَّضا
وقال عبد العزيز بن أرطاة الكلابي:
فلم ولدتني أمُّ عمرو وشدّدتْ ... عليَّ حِذار الموت خيط التمائمِ
إذا أنا لم أخلف لها من رجالها ... رجالاً ولم أدفع ظلامة ظالمِ
قال علي بن يحيى الأميني:
لقد طال حملي الرمح حتَّى كأنه ... علَى فرسي غصن من الدوح نابتُ
يطول لساني في العشيرة مصلحاً ... علَى أنَّه يوم الكريهةِ صامتُ
أنشدني محمد بن الخطاب الكلابي:
دع الهَوَى والهجر في النَّار ... وكلَّ بكَّاءٍ علَى الدَّارِ
ما الفخر إلاَّ للكريم الوفي ... في جحفلٍ للموت جرّارِ
والنَّار لا العار فكنْ سيّداً ... فرَّ من العار إلى النّارِ
قال أبو الحسن يحيى بن عمر العلوي يوم قتل:
هوان الحياة وهول الممات ... وكُلاًّ أراه طعاماً وبيلا
فألاَّ يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيراً جميلا
ولا تهلكوا وبكم مِنَّةٌ ... كفى بالحوادثِ للمرءِ غولا
قال علي بن محمد العلوي:
إذا اللَّئيم مطَّ حاجبيه ... وذاد عن حريم درهميه
فأقذف عنان اللؤم في يديه ... وأغدُ إلى السَّيف وشفرتيه
فاستنزل الرزق بمضربيه ... إنْ قعدَ الدَّهرُ فقم عليه
ولعلي أيضاً:
قلبي نظيرُ الجبل الصعب ... وهمتي أوسعُ من قلبي
فاستخر الله وخذ مُرهفاً ... وافتك بأهل الشرق والغربِ
ولا تمت إن حضرت ميتةٌ ... حتَّى تميتَ السَّيف بالضّربِ
الباب السابع والسبعون
ذكر
ما للشعراء في التحذير والإغراء
حدثني إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان بن عمر بن دينار، وأبو أيوب عن عكرمة وداود بن سابور وابن جريج عن مجاهد قالا: كان لرسول الله ﷺ حلف من خزاعة فذكر صدراً من خبر فتح مكة فيه، ودخل النَّبيّ ﷺ من كداء، وقال: اللهم اضرب على أسماعهم وعلى أبصارهم فلا يشعرون بنا حتَّى نهجم عليهم. فأنشأ حسان بن ثابت الأنصاري يقول:
عدمتم خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدُها كداءُ
تظلُّ جيادنا مُتمطراتٍ ... تُلطمهُنَّ بالخمر النّساءُ
قال سفيان: فلقد كانت المرأة تردُّ وجه الفرس بخمارها عن بابها.
قال عدي بن زيد العبادي يحرض ابنه على من حبسه:
ألا هبلتك أمُّك عمرو بعدي ... أتقعد لا تريم ولا تصولُ
ألم يحزُنكَ أن أباك عانٍ ... وأنتَ مُغيَّبٌ غالتك غولُ
تُغنيك ابنة القين بن جسرٍ ... وفي كلب وتُضحكك الشمولُ
فلو كنت الأسير ولا تكنه ... إذاً علمتْ معدٌّ ما أقولُ
فإن أهلك فقد أبليت قومي ... بلاءً كله حسنٌ جميلُ
وقال لقيط بن معبد الأيادي:
يا قومُ إن لكم من إرث والدكم ... مجداً قد أشفقت أن يودي وينقطعا
ما لي أراكم نياماً في بُلهنيةٍ ... وقد ترون شهابَ الحرب قد لمعا
ألا تخافون قوماً لا أبا لكم ... أمسوا لديكم كأرسال الدّبا شرعا
لا تجمعوا المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتّلاد معا
ماذا يردُّ عليكم عزُّ أولكم ... إن ضاعَ آخره أوْ ذلَّ فاتضعا
قال أبو طالب:
خذوا حظّكم من سلمنا إن حربنا ... إذا ضرَّستنا الحرب نارٌ تسعَّرُ
وإنّا وإياكم علَى كل حالةٍ ... كمثلان بل أنتم إلى الصلح أفقرُ
وله أيضاً:
كذبتم وبيت الله يُقتل أحمدُ ... ولما نناضل دونه ونُقاتِلُ
ونُسلمه حتَّى نُصرّعَ حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائلُ
قال النابغة الجعدي:
فأبلغ عِقالاً إنَّ غاية داحسٍ ... بكفيك فاستأخر بها أو تقدَّمِ
تجيرُ علينا وائل بدمائنا ... كأنك ممَّا نال أشياعنا عمي
стр. 203
فإن كليباً كان أكثر ناظراً ... وأيسر جرماً منك ضُرّج بالدّمِ
رمى ضرع نابٍ فاستمر بطعنةٍ ... كحاشية البُرد اليماني المُسهمِ
وقال زُفر بن الحارث:
أفي الحكم إمّا بحدل وابن بحدل ... فيحيا وأمَّا ابنُ الزبير فيُقتلُ
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكنْ يومٌ أغرُّ مُحَجَّلُ
ولمّا يكن للمشرفيّة فوقكم ... شعاع كقرن الشَّمس حين ترحّلُ
وقال الأشتر:
بقّيتُ وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوسِ
إن لم أشنّ علَى ابن حربٍ غارةً ... لم تخلُ يوماً من نهاب نفوسِ
خيلاً دِراكاً كالسعالى شزّباً ... تعدو ببيض في الكريهة شوسِ
حَمِيَ الحديد عليهمُ فكأنهم ... لمعانُ برقٍ أوْ بريق شموسِ
وقال الفضل بن العباس:
مهلاً بني عمّنا عن نحت أثلتنا ... مهلاً بني عمّنا مهلاً موالينا
الله يعلم أنّا لا نُحبُّكمُ ... ولا نلومكمُ ألاّ تحبّونا
وقال آخر:
لا تنصروا اللات إن الله مُهلكها ... وكيف ينصركم من ليس ينتصر
إن الرسول مَتَى يَحْلُلْ بساحتكم ... يظعن وليس بها من أهلها بشر
قال يزيد بن الحكم ليزيد بن المهلب:
أبا خالدٍ قد هجت حرباً مريرةً ... وقد شمّرت حربٌ عوان فشمّر
فإن بني مروان قد زال ملكهم ... فإن كنت لم تشعر بذلك فأشعر
فقال: ما شعرت. فقال:
فعش ملكاً أوْ مت كريماً وإن تمتْ ... وسيفك مشهورٌ بكفِّك تُعْذَرِ
قال الأخطل:
بني أميَّةَ إنِّي ناصح لكمُ ... فلا يبيتنَّ فيكم آمناً زُفَرُ
مفترشاً كافتراش الكلب كلكله ... لشدة كائن فيها له جزرُ
قال عطيَّة الكلبي:
يا ثابتَ بن نعيم هل بكم ثور ... أم بعد عامك هذا تُطلبُ الإحنُ
كم من أخٍ لك أوْ مولى فجعتُ به ... من الوقيعةِ لم يُنشر له كفنُ
ومن يمانية بيضاء موجعةٍ ... ما إن يسوغ لها ماءٌ ولا لبنُ
أنائم أنت أم مغضٍ علَى مضضٍ ... كلا وأنت علَى الأحساب تُؤتمَنُ
قال مُحرز بن المكعبر:
أبلغ عديّاً حيث صارت بها النَّوى ... فليس لدهر الطالبين فناءُ
كسالى إذا لاقيتهم غير مَنْطِقٍ ... يُلهَّى به المحروب وهو عناءُ
وإنِّي لأرجوكم علَى بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاءُ
أخبِّرُ من لاقيتُ إن قد وفيتمُ ... ولو شئت قال المخبرون أساءوا
فهلاّ سعيتم سعي أسرة مازنٍ ... وهل كفلائي في الحروب سواءُ
لهمْ أذرُع بادٍ نواشر لحمها ... وبعض الرِّجال في الحروب غُثاءُ
كأنَّ دنانيراً علَى قسماتِهم ... وإن كان قد شفَّ الوجوه لقاءُ
قال أوس بن بكر:
عصانيَ قومي والرّشاد الَّذي به ... أمرتُ ومن يعصِ المحرّب يندم
فصبراً بني بكر علَى الموت إنَّني ... أَرَى عارضاً ينهلُّ بالموت والدّم
ولا تجزعوا ممَّا جنته أكفكم ... ولا تندموا ماذا يحين التندّم
أقيموا صدور الخيل للموت ساعةً ... وموتوا كراماً لا تبوؤا بمأثم
قال إسماعيل بن عبد الله أبو مريم يحذر بني أمية من بني العباس:
أَرَى خلل الرّماد وميض جمرٍ ... أحاذر أن يكون له ضَرامُ
فإن النّار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلامُ
فإن لم تطفئوها تجنِ حرباً ... مُشمّرة يشيب لها الغلامُ
نأيتم عن بلادٍ عزَّ فيها ... لئام النَّاس واهتضم الكرامُ
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أميَّة أم نيام
قال سديف يُحرّض المنصور:
اقصهم أيُّها الخليفة واقطع ... عنك بالسيف شأفة الأرجاسِ
خوفُها أظهر المودة منهم ... وبها منكم كحد المواسي
فلقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارقٍ وكراسي
قال أبو عاصم الأسلمي يحرّض بني العباس علَى بني أميّة:
إيّاكم أن يقول النَّاس قد قدروا ... عليهمُ ثمَّ ما ضرّوا ولا نفعوا
إياكم أن تلينوا عند ذُلِّهمُ ... فذلك الذل فيه الصّابُ والسلعُ
كانوا عُداةً فلما شبَّ جمعهم ... منّوا إليك بالأرحام الَّتي قطعوا
стр. 204
أليس في مائتي عام لكم عبرٌ ... يسقونكم جُرعاً من بعدها جُرَعُ
هيهات لا بدّ أن يوفوا بصاعِهمُ ... صاعاً وأن يحصدوا غير الَّذي زرعوا
وقال آخر:
لا تقبلوا عقلاً وأمّوا بغارةٍ ... إلى عبد شمسٍ بين دَوْمَة فالهضَبِ
وهزّوا صدور المشرفيّ كأنّما ... يقَعْنَ بهام القوم في حنظلٍ رطبِ
قال طريح بن إسماعيل:
لا تأمننَّ امرءاً أسلمت مهجته ... غيظاً وإنْ قلتَ أن الجرحَ يندملُ
واقبلْ جميل الَّذي يبدي وجازيه ... وليحرسنَّك من أفعاله الوجلُ
وقال آخر:
لا أصلح الله حالي إن أمرتكُمُ ... بالصلح حتَّى تُصيبوا آل شدّادِ
قوم أصابوكُم في غير مظلمةٍ ... إلاَّ لقيلٍ وقال الظّالم العادي
أوْ تجعلوا مضر الحمراء دونهُم ... أوْ تخرجوهم من أحداد وأحدادِ
حتَّى يُقالَ لوادٍ كان مسكنُهمْ ... قد كنت تُسْكَنُ حيناً أيها الوادي
وقال آخر:
ظلمتم فاصبروا للظُّلم إنّا ... سنصبر إنَّها الحسبُ الكريمُ
وشرُّ الجازعين إذا أصيبتْ ... قوادمُ ريشه الجزعُ الظلومُ
وكنّا قاعدين أقمتمونا ... علَى حقدٍ فقد قُمنا فقوموا
قال آخر:
أتظن يا إدريسُ أنك مفلتٌ ... كيدَ ابن أغلب أوْ يَقيكَ فرارُ
فليدركنَّك أوْ تحلّ ببلدةٍ ... لا يهتدي فيها إليك نهارُ
إن السيوف إذا انتضاها سُخطهُ ... طالت وتقصرُ دونها الأعمارُ
ملك كأن الموت يتبع قوله ... حتَّى يقالَ تطيعه الأقدارُ
قال آخر:
وأقدِمْ علَى الأمر الَّذي إن تُلاقِهِ ... يرحْكَ بموت أو يُدانيك من ظفرْ
فما قدّم الأقدام موتاً مؤخراً ... ولا يدفع التأخير ما قدّم الحذرْ
قال رويشد الطائي:
يا أيُّها الرَّاكب المُزجي مطيَّتَهُ ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصوتُ
وقلْ لهمْ بادروا بالعذر والتمسوا ... أمراً ينجيكُمُ إنِّي أنا الموتُ
إنْ تُذنبوا ثمَّ لا يعتب سَراتِكمُ ... فما عليَّ بذنبٍ منكمُ فوتُ
قال البحتري:
نهيتك عن تعرّضٍ عرض حرٍّ ... فإن الذّم من شأنِ الذّميمِ
وقلت توَقَّ محتملاً بودي ... علَى الأضعانِ بالحلم الكريمِ
فما خرق السفيه وإن تعدّى ... بأبلغ فيك من رفق الحليمِ
مَتَى أخرجت ذا كرمٍ تخطّى ... إليك ببعض أخلاق اللئيمِ
وممَّا يدخل في باب التهاون بالتوعيد والاحتقار بالإنذار والتهدد ما بلغنا أن عبد الله بن العباس كان يتمثل إذا رأى عبد الله بن الزبير به:
أطلْ حمل الشناءة لي وبغضي ... بجهدك وانظرَنْ من ذا تضيرُ
فما بيديك خيرٌ أرتجيه ... وغيرُ صدودك الخطبُ الكبيرُ
إذا أبصرتني أعرضتَ عنّي ... كأنَّ الشَّمس من قلبي تدورُ
قال الأعشى في نحو ذلك:
يزيد بغض الطرف دوني كأنَّما ... زوى بين عينيه عليَّ المحاجمُ
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلاَّ وأنفك راغمُ
قال آخر:
وإذا قلتُ ويك للكلب وأخسأ ... لحظتني عيناك لحظة تُهمَه
أترى أنَّني حسبتك كلباً ... أنت عندي من أبعد النَّاس همه
وفي نحوه يقول جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مِربعُ
وفي مثله:
أوْ كلّما طنَّ الذبابُ زجرتُهُ ... إن الذباب إذاً علَى كريمُ
وفي مثله:
نبئتُ كلباً هاب شتمي له ... يَنْبَحُني من موضع نائي
لو كنتَ من شيء هجوناك أوْ ... نثبت للسامع والرائي
فعَدِّ عن شتمي فإنِّي امرؤٌ ... حلَّمني قِلَّةُ أكفائي
قال آخر:
عادات طيٍ في بني أسدٍ ... ريِّ القنا وخضاب كل حسام
لا تكثرن جزعاً فإنِّي واثق ... برماحنا وعواقب الأيَّام
فلو لم نعرف قبيلة هذا القائل، ومقصده من غير شعره لم ندرِ أطيئ المهجوّون أم هم الممدحون، وكذلك الحال في بني أسد.
قال آخر:
وما لي ذنب عند قيس علمتهُ ... سوى أنَّني من رهط بكر بن وائل
من الوائليين الذين سيوفُهمْ ... مجرَّدةُ في كل حق وباطل
قال آخر:
стр. 205
رويدَ بني شيبانِ بعضَ وعيدكم ... تُلاقوا غداً خيلي علَى سَفَوانِ
تُلاقوا جياداً لا تحيدُ عن الوغى ... إذا الخيل جالت في القنا المتداني
تلاقوا جياداً تعرفوا كيف صبركم ... علَى ما جنت فيكم يدُ الحدثانِ
مقاديم وصَّالون في الرّوع خطوهُم ... بكل رقيق الشَّفرتين يمانِ
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهُمُ ... لأيَّةِ حربِ أم بأي مكانِ
قال أبو علي البصير:
لعمرُ أبيكَ ما نُسبَ المُعَلَّى ... إلى كرمٍ وفي الدُّنيا كريمُ
ولكنَّ البلادَ إذا اقشعرَّتْ ... وصوَّحَ نبتُها رُعي الهشيمُ
وفي نحو ذلك:
خلت الديارُ فسدتُ غير مُسوّدِ ... ومن الشقاءِ تفردي بالسؤدد
قال الأخطل لشقيق بن ثور:
وما جذْعُ سوءٍ خرَّق السوس جوفه ... لما حمَّلتهُ وائلٌ بمُطيقِ
فقال شقيق: يا أبا مالك ما تُحسنْ أن تهجو، ولا تمدح. أردت أن تهجوني فمدحتني، وزدتني ما لم أطمع فيه من بني تغلب خاصة فجعلت وائل كلها.
قال مفروق بن عمرو الشيباني:
ولرُبَّ أبطال لقيت بمثلهم ... فسقيتُهم كأسَ الرَّدى وسُقيتُ
فلأطلبنَّ المجد غيرَ مُقصِّرٍ ... إن متُّ متُّ وإن حييتُ حييتُ
قال زُفر بن الحارث:
وكنّا حسبنا كلّ سوداء تمرةً ... لياليَ لاقينا جُذامَ وحمْيرا
فلما قرعنا النّبع بالنّبع بعضه ... ببعضٍ أبت عيدانهُ أن تكسَّرا
سقيناهمُ كأساً سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا علَى الموت أصبرا
قال عبد الوهاب بن الصّباح:
أراك في العُسر تجزيني وفي العَدمِ ... وفي الحديث من الأيَّام والقدمِ
وقست حالك في الفقر القديم بما ... أصبحت في ظلمه من واسع النعمِ
فما رأيتك في حال تكون بها ... أدنى إلى كل خير منك في العدمِ
فلا عدمت وإن لم تهوَ منزلةً ... تدنيكَ حالتها من صالح الشيمِ
وبلغنا أن الزبرقان بن بدر استعدى عمر بن الخطاب على الحطيئة فقال: إنَّه قد هجاني. قال: وما قال لك؟ قال:
دعْ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعدْ فإنَّك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر: أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً؟ قال: لا والله لولا الإسلام لأنكرتني. قال: ما أعلمه هجاك، ولكن أدعو ابن القُريعة. فلما جاءه حسّان. قال له عمر: أهجاه؟ قال: لا. ولكنه سلح عليه.. فقال عمر للحطيئة: لأحبسنَّك أوْ لتكفنَّ عن إعراض المسلمين. قال أمير المؤمنين: لكل مقامٍ مقال. قال: وإنك لتهددني فحبسه. فكتب إليه من الحبس:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبَهم في قعر مُظلمةٍ ... فارحم عليك سلامُ الله يا عمرُ
نفسي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داويّة يعمى لها الخبرُ
فلما قرأها عمر رقَّ له، فخلَّى سبيله. وبيت الحطيئة وإن كان غيره أشدَّ إفصاحاً بالهجاء منه فإن معه ما يوضّح عن مراد صاحبه ويزيل توهم المدح فيه وهو:
ما كان ذنب بغيضٍ أن رأى رجلاً ... ذا حاجةٍ عاش في مستوعر شاسِ
ملّوا قراه وهزَّته كلابهُم ... وجرَّحوه بأنيابٍ وأضراسِ
لما بدا لي منكم خبثُ أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آسي
أزمعتُ يأساً مبيناً من نوالكمُ ... ولن ترى طارداً للحرِّ كالياسِ
وروي أن عمر بن الخطاب ﵀، أنَّه لما سمع قول النجاشي في بني العجلان:
إذا الله عادى أهل لؤمٍ ودقَّةٍ ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قُبيَّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍ ... ولا يظلمون النَّاس حبةَ خردل
قال: يسرني أن ابن الخطاب كذلك، فلما سمع:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيَّةً ... إذا صدر الوراد عن كل منهل
قال: ما أحبّ كل هذه الذلة.
ومع هذين البيتين ما يوضح أنَّها هجاء صحيح غير مشبه لشيء من المديح مع البيت الأول وهو قوله:
أولئك أخوال اليتيم وأسرةُ ... الهجين ورهط الخائن المتبدلِ
تعافُ الكلابُ الضاريات لُحومَهُمْ ... ويأكُلْنَ من كلب وعوف ونهشلِ
وما سمّي العجلان إلاَّ لقولِهمْ ... خُذْ القعب واحلُبْ أيها العبدُ واعجلِ
قال رجل من بني العنبر:
стр. 206
لو كنتُ من مازنٍ لم تستبِح إبلي ... بنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا
إذاً لقام بنصري معشرٌ خُشنٌ ... عند الحفيظة أنْ ذو لوثةٍ لانا
قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهمْ ... لم يرهبوه زرافاتٍ ووحدانا
لا يسألون أخاهُم حين يندبُهمْ ... في النائبات علَى ما قال بُرهانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسوا من الشرِّ في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربَّكَ لم يخلق لخشيته ... سواهمُ من جميع الناسِ إنسانا
قال آخر:
عند الملوك مصائر ومنافعُ ... وأَرَى البرامك لا تضرُّ وتنفع
وإذْ نكرتَ من امرئ أعرافَهُ ... وطباعهُ فانظر إلى ما يصنع
قال المُثلَّم بن رياح بن ظالم:
تصيحُ الرُّدينيات فينا وفيكمُ ... صياحَ بنات الماء أصبحْنَ جُوَّعا
خلطنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بني عمّنا من يرمهم يرمنا معا
قال آخر:
بكُرهِ سراتنا يا آلَ عمرٍو ... نعاديكُمْ بمرهفةِ النصالِ
لها لونٌ من الهامات كابٍ ... وإن كانتْ تُحادثُ بالصّقالِ
نُعدِّيهنَّ يوم الرَّوع عنكمْ ... وإن كانتْ مُثلَّمةَ النِّصالِ
ونبكي حين ن ذكر كم عليكم ... ونقتلكُمْ كأنّا لا نبالي
قال القتّال الكلابي:
نشدتُ زياداً والمقامة بيننا ... وذكرتهُ أرحام سعد وهيثمِ
فلما رأيتُ أنَّه غير مُنتهٍ ... أملت له كفّي بلدنٍ مقوَّمِ
فلما رأيت أنَّني قد قتلته ... ندمتُ عليه أيَّ ساعة مندمِ
قال قيس بن زهير:
شفيتُ النَّفس من حمل بن بدرٍ ... وسيفي من حُذيفةَ قد شفاني
فإنْ أكُ قد بردتُ بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلاَّ بناني
قال الشميذر الحارثي:
بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغُمير القوافيا
فليس كمن كنتم تُصيبون سلمة ... فيقبلَ ضيمٌ أوْ يحكّم قاضيا
ولكنّ حكم السَّيف فيكم مُسلَّطٌ ... فيرضى إذا ما أصبح السَّيف راضيا
وقد ساءني ما جرَّت الحربُ بيننا ... بني عمّنا لو كان أمراً مُدانيا
فإن قُلتم أنّا ظلمنا فلم نكُنْ ... ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
قال البحتري:
أسأتُ لأخوالي ربيعة إذْ عفَتْ ... مصانعها منها وأقوتْ ربوعُها
بكُرهيَ إن كانت خلاءً ديارها ... ووحشاً مغانيها وشتى جميعها
إذا اقترفوا عن وقعة جَمَعتهمُ ... لأخرى دماءً ما يُطلُّ نجيعُها
تذمُّ الفتاةُ الرود شيمة زوجها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
حميَّةَ شغب جاهليّ وعزَّةٍ ... كليبيّة أعيا الرِّجال خُضوعُها
وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتَّى تضيق ذروعها
نُقتّل من وترٍ أعزَّ نفوسها ... عليها بأيدي ما تكاد تُطيعُها
إذا احتربت يوماً تعاصت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضتْ دموعُها
شواجرُ أرماحٍ تُقطَّعُ بينهم ... شواجر أرواحٍ كلومٍ قطوعُها
قال أيضاً:
فضلُ الخلائف بالخلافة واقفٌ ... في الرُّتبة العليا وفضلك أفضلُ
أوفيت عاشرهم فإن نُدبوا إلى ... كرم وإحسان فأنت الأولُ
فهذا إن شاء إنسانٌ يصير به إلى نهاية المدح، وشاء آخر أن يصرفه إلى غاية الذم، وجد كلُّ امرئ منهم مقالا. أي مديح أبلغ من أن يكون ماضي من الخلفاء دون الممدوح بهذا القول. وأي ذم أوكد حجةً على المرء من تشريفه على آبائه وأجداده والأخبار بأنه نجم من بينهم، مخالف في السؤدد لجماعتهم. وهذا النوع من الحلم غير مشاكل لما قدمناه في الباب المتقدم، لأن ذلك الحلم إنَّما وقع من فاعله رغبة منه في المكارم. وهذا الحلم إنَّما وقع احتقاراً للمخاصم، وكلاهما جميل من فاعله إذا كان ذلك يدل على كرم الطبع، وهذا يدل على جلالة القدر.
الباب الثامن والسبعون
ذكر
ما جاء في صفات البحر والفلوات
قال:
ألا هل للهموم من انفراجِ ... وهل لي من ركوبِ البحر ناجِ
أكُلَّ عشية زوراء تهوي ... بنا في مُظلم الغمرات ساجي
стр. 207
كأنَّ قواذفَ التيار منها ... نعاجٌ ترتمين إلى نعاجِ
يشُقُّ الماء كلكلها مُلِحّاً ... علَى سحِّ من الملح الأجاجِ
قال أعرابيّ أغراه الأسود بن بلال في البحر:
أقول وقد راح السفين مُلجَّماً ... وقد بعدت بعد التقرّبِ صورُ
وقد عصفت للموج ريح اضطرابه ... وللبحر من تحت السفين هديرُ
ألا ليت أنِّي والعطاء صعالك ... وحظي حظوظ في الزمام وكورُ
فلله رأيٌ قادني لسفينةٍ ... وأخضر موّار السراب يمورُ
ترى متنه سهلاً إذا الريح أقلعت ... وإن عصفَتْ فالسهل منه وعورُ
فيابن بلالٍ للضلال دعوتني ... وما كان مثلي في الضلال يسيرُ
لئن وقعت رجلاي في الأرض مرة ... وكان لأصحاب السفين كرورُ
وسُلّمت من موج كأن متونه ... حراءٌ بدت أركانه وثبيرُ
ليعرض اسمي عند ذي العرض خلفة ... وذلك إن حاض الإياب يسيرُ
وقال أبو الشيص:
وبحر يحار الطرف فيه قطعتهُ ... بمهنوءةٍ في غير عرّ ولا حربْ
مُقيلةٍ لا تشتكي الأين والوجا ... ولا تشتكي عضَّ النُسوع ولا الدأبْ
يشقُّ حبابَ الماء سُرعةُ جريها ... إذا ما تفرّى عن مناكبها الحبَبْ
إذا اعتلجت والريح في بطن لجةٍ ... رأيت عجاج الموت من خوفها يثبْ
ترامى بها الخُلجانُ من كل جانبٍ ... إلى متن مُغبرِّ المسافة منجذب
قال أحمد بن أبي طاهر:
إلى أبي أحمد أعملتُ راحلتي ... لا تشتكي الأين من حلٍّ ولا رحلِ
تسري بمُلتطم الأمواج تحسبُه ... من هوله جبلاً يعلو علَى جبلِ
كأن راكبها إذْ جدَّ مُرْتحلاً ... بالسير منها مقيمٌ غيرُ مرتحلِ
لجامُها في يد النوتيِّ من دُبُرٍ ... مُقوّم زَيْغُها والميلُ من قُبلِ
ما زال سائقها يجري علَى مهلٍ ... جرياً يفوتُ اجتهادَ الخيل والإبلِ
حتَّى تناهت إلى حيثُ انتهى شرف ... الدُّنيا وأشرف باغيها علَى الأمل
وله أيضاً:
مخضرمة الجنبين صادقة السُّرى ... يُراقب فيها الركب من لا يراقبُهْ
تكادُ نفوسُ القوم تجري بجريها ... إذا غالبت من موجها ما تغالبُه
نصفُّ حُبابَ الماءِ عن جنباتها ... إذا البحر جاشت بالسفين غواربه
قال أبو بكر: هذه بُلغة فيما جاء في الشعر من صفات المراكب والبحار، ولم نمل في ذلك إلى الإطالة لئلا يضيق الباب عما يحتاج إليه وإلى ذكره من صفات المفاوز، لأن شعر العرب بصفات البوادي والقفار أحذق منهم بوصف البحار والسفائن. إذْ بالفلوات يولدون، وفي طرقها يسلكون ثمَّ نحن الآن مبتدئون بإتمام الباب بما يُحضر من صفات البوادي والفلوات يتهيأ ذلك إذا لم نتجاوز العدد الَّذي شرطناه إلاَّ قليلاً من كثير، ومن كان مقصده في هذا الباب التذكرة قنع بالسير.
قال المتلمس الضبعي:
كم دونَ ميَّة من داويّة قَذفٍ ... ومن فلاة بها تُستودعُ العيسُ
ومن ذُرى علمٍ ناءٍ مسافتهُ ... كأنهُ في حَبابِ الماء مَغْموسُ
جاوزتهُ بأمونٍ ذات مَعْجمةٍ ... تنجو بكلكلها والرأسُ معكوسُ
وقال امرؤ القيس:
وداويّة لا يُهتدى لفلاتها ... بعرفان أعلام ولا ضوء كوكبِ
تلافيتها والبومُ يدعو بها الصدى ... وقد أُلبستْ إفراطها ثنيَ غيهبِ
بمجفرةٍ جسرٍ كأن قتودَها ... علَى أبلقِ الكشحين ليس بمغربِ
وله أيضاً:
فدعها وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍ ... ذمولٍ إذا صام النَّهارُ وهجّرا
تُقطَّعُ غيطاناً كأن متونها ... إذا أظهرت تُكسى مُلاءً منشرا
قال الأعشى:
رُبَّ خرق من دونها يُخرسُ السَّف ... رُ وميلٍ يُفضي إلى أميالِ
وسقاءٍ يوَلي علَى تأقِ المل ... ءِ وسيرٍ ومُستقى أوشالِ
وادّلاجٍ بعد المنام وتهجي ... رٍ وقُفٍّ وسبسب ورمالِ
وقليب آجنٍ كأنَّ من الري ... شِ بأرجائهِ سقوط نِصالِ
قد تعاللتُها علَى نَكظِ المي ... طِ وقد خَبَّ لامعات الآلِ
فوق ديمومةٍ تميّلُ بالسف ... ر قفار إلاَّ من الآجالِ
وإذا ما الضلال خيف وكان ال ... ورَدُ خِمساً يرجونه عن ليالِ
стр. 208
واستحثَّ المغيرون من القو ... مِ وكان النطافُ ما في العزالي
مرحَتْ حرَّةٌ كقنطرة الرُّوم ... يِّ تَفْري الهجيرَ بالإرقالِ
تقطع الأمعز المكوكبَ وخداً ... بنواجٍ سريعة الإيغالِ
وله أيضاً:
وجَزور أيْسارٍ دعوتُ إلى النَّدَى ... ونياط مُقْفرةٍ أخافُ ضِلالَها
يهماء مقفرةٍ رفعتُ لعرضها ... طرفي لأقدرَ بينها أميالها
بجُلالةٍ سُرُحٍ كأن بغَرْزِها ... هِرّاً إذا انتعلَ المطيُّ ظِلالَها
وله أيضاً:
ويهماءَ قَفْرٍ تخرجُ العينُ وسطها ... وتلقى بها بيضَ النَّعام ترائكا
يقولُ بها ذو قوَّة القوم إذْ دنا ... لصاحبه إذْ خاف منها المهالكا
لك الويلُ أفش الطرف بالعين حولنا ... علَى حذرٍ واستبقِ ما في سقائكا
وخرق مخوفٍ قد قطعتُ بجسرةٍ ... إذا الجبس أعيي أن يرومَ المسالكا
قال المرار الفقعسي:
إذا نظر القوم ما ميلُها ... رأى القومُ دويَّةً كالسَّماءِ
كأن قلوب أدلائها ... معلَّقة بقرون الظِّباءِ
يظلّ الشجاع الشديد الجنان ... محافظةً معصماً بالدُّعاءِ
إذا هو أنكر أسماءها ... وغنّى وحقّ له بالغناءِ
وخلَّى الركابَ وأهوالها ... وأسلمهن بتيهٍ مواءِ
له نظرتان فمرفوعة ... وأخرى تلاحظ ما في السقاءِ
وثالثة بعد طول الصُّ ... مات إليَّ وفي صوته كالبكاءِ
فقلتُ التزم عند ظهر القعود ... جزى الله مثلك شرُّ الجزاءِ
قال الرّاعي:
وكم جشمنا إليكم من مُؤدِّيةٍ ... كأنَّ أعلامها في آلها القَزَعُ
حمّاء غبراء يخشى المدلجون بها ... زيغ الهُداة بأرض أهلها شِيَعُ
فإن تجودوا فقد حاولت جودكم ... وإنْ تضنوا فلا لوم ولا قذعُ
قال ذو الرُّمَّة:
كم دون ميَّة من خرقٍ ومن عَلَمٍ ... كأنه لامع عريانُ مسلوبُ
ومن مُلمعة غبراء مظلمةٍ ... سرابُها بالشِّعاف الغُبْر معصوبُ
كأنَّ حرباءها في كلّ هاجرةٍ ... ذو شيبةٍ من رجال الهند مصلوبُ
قال ابن هرمة:
وهاجرة تنجي عن الصب جاره ... قطعتُ حشاها بالمغربدة الصهبِ
إليك ومسودُّ من اللَّيل دامسٌ ... إذا انتزع النوم العميِّ من الركبِ
وممَّا يشاكل هذا في وصف غلبة النوم على السفار قول أبي نواس:
قوم تساقوا علَى الأكوار بينهم ... كأسَ الكرى فانتشى المشفيّ والساقي
كأنَّ هامهمُ والنَّوم واضعها ... علَى المناكب لم يعقد بأعناقِ
قال عمر بن أبي ربيعة:
وماءٍ بموماة دليل أنيسه ... بسابس لم يحدث بها الصيف محضرُ
به مبتنى للعنكبوت كأنَّه ... علَى شرف الأرحام خامٌ مُنشّرُ
وردت وما أدري وما بعد موردي ... من اللَّيل أوْ ما قد مضى منه أكثرُ
وطافت به مُقلاةُ أرضٍ كأنها ... إذا التفتت مجنونة حين تنظرُ
تنازعُني حرصاً علَى الماء رأسها ... ومن دون ما تهوى قليبٌ مُعوّرُ
محاولة للورد لولا زمامُها ... وجذبي لها كادت مراراً تكسَّرُ
فلما رأيت الصبر منها وأنَّني ... ببلدة أرض ليس فيها مُقصَّرُ
قصرتُ لها من جانب الحوض مستقى ... صغيراً كقيد الشبر بل هو أصغر
ولا دلو إلاَّ القعب كان رشاؤه ... إلى الماء نسعٌ والجديل المضفرُ
فسافت دماً عافت وما صدّ شربُها ... عن الريّ مطروق من الماء أكدرُ
قال:
نأتْ دار ليلَى فشط المزا ... رُ فعيناك لا تطعمان الكرى
وأضحت ببغداد في منزلٍ ... له شُرفاتٌ دوين السّما
ومن دونها بلدٌ نازحٌ ... يجيب بها البوم رجع الصدى
ومن منهل آجن ماؤه ... شدى لا يُعاج به قد طمى
وكم دون بيتك من صفصف ... ومن أسد خادر في وغى
ومن حنشِ لا يجيب الرُّقا ... ة أرقشَ ذي حِمَّةٍ كالرّشا
الباب التاسع والسبعون
ذكر
ما يختار من القول في صفات الإبل والخيل
أنشدني عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري لزهير بن أبي سلمى:
كأنَّ الرَّحْلَ منها فوق صَعْلٍ ... من الظِّلمانِ جُؤجؤه هواءُ
стр. 209
أصكّ مُصلَّم الأذنينِ أجنًى ... له بالسِّيِّ تنوم وآءُ
أذلكَ أم أقبُّ البطن جأبٌ ... عليه من عقيقته عِفاءُ
وقال القطامي:
يمشين رهواً فلا الإعجاز خاذلةٌ ... ولا الصدور علَى الإعجاز تتكلُ
فهُنَّ معتدلات والحصى رمضٌ ... والريح ساكنةٌ والظل معتدلُ
يتبعن سامية العينين يحسبُها ... مجنونة وترى ما لا ترى الإبلُ
وقال كعب بن زهير:
حرف أخوها أبوها من مُهجَّنةٍ ... وعمُّها خالُها قَوْداء شِمْليلُ
تحفي التراب بأظلاف ثمانيةٍ ... بأربع وقعها في الأرض تحليلُ
ولخلف الأحمر يصف الفرس:
رحبُ الفروج كأن قنطرةً ... حيث التقى في الصُّلب أضلعُهُ
مستقبل وجه الشمال لها ... زجلٌ علَى روقيه تقرعُهُ
وكأنما جهِدت أليَّتُهُ ... ألا تمسَّ الأرض أربعُهُ
وهذا مأخوذ من قول الأعشى:
ما زلت أرمُقهمْ وآملُهمْ ... حتَّى أجدّوا السير فامتنعوا
بجلالةٍ أُجدٍ مُداخلةٍ ... ما إن تكادُ خفافها تقعُ
وللحطيئة:
ترى بين لحييها إذا ما ترغَّمتْ ... لُعاباً كبيت العنكبوت المُمدَّدِ
وتشربُ في القعب الصَّغير وإن تُقد ... بمشفرها يوماً إلى اللَّيل تنقدِ
وإن نظرتْ يوماً بمؤخر عينها ... إلى عَلَم بالغور قالتْ لهُ ابعدِ
وللشماخ:
فَسَلِّ الهمَّ عنك بذات لوثٍ ... عذافرةٍ مُضبَّرةٍ أمون
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
فلعمري ما أنصفها ولا أحسن صحبتها إذ جعل مكافأتها على تبليغها إيَّاه لمنيته أن يفجعها بمهجتها. ولعمري لأحسن منه قول الحسن بن هانئ حيث يقول:
أقولُ لناقتي إذْ بلَّغتني ... لقد أصبحت عندي باليمينِ
فلم أجعلك للغربان نهباً ... ولم أقلْ اشرقي بدم الوتين
قال الراعي:
وذات هِبابٍ صموت السُّرى ... بأعطافها العرقُ الأصفرُ
وهي إذا قام في غرزها ... كمثل السَّفينة أوْ أوقرُ
قال ذو الرمة:
تُصغي إذا شدَّها بالرَّحل جانحةً ... حتَّى إذا ما استوى في غَرْزها تَبَبُ
يعلو الحُزون بها عمداً ليتبعَها ... شبهَ الضّرار فما يُزري بها التعبُ
لشامة بن الغدير:
كأنَّ يديها إذا أرقلتْ ... وقد جُرْنَ ثمَّ اهتدينَ السَّبيلا
يدا سابحٍ خرَّ في غمرةٍ ... قد أدركه الموت إلاَّ قليلا
ولآخر:
إذا بركتْ خوَّتْ علَى ثَفَناتها ... مجافيةً صُلباً كقنطرةِ الجسرِ
كأنَّ يديها حين تجري صُفُورها ... طريدان والرجلان طالبتا وترِ
تجوبُ بها الظّلماء عَين كأنَّها ... زجاجةُ شرْبٍ غيرُ ملأى ولا صفرِ
تناسى طلاب السَّامريَّة إذْ نأتْ ... بأسحج مرقال الضحى قلق الضفْرِ
ومن جيد ما قيل في جياد الخيل قول أبي دؤاد:
وقد أغتدي في بياض الصَّبا ... ح وإعجاز ليلٍ موليِّ الذَّنَبْ
بطرف ينازعني مرسناً ... سلوف المقادة مَحض النَّسبْ
إذا قيد قحّم من قاده ... وولَّى علابيُّهُ واجلعبْ
كظهر الردينيّ بين الأكف جر ... ى في الأنابيب ثم اضطربْ
ومن المختار قول امرئ القيس:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مُدبرٍ معاً ... كجلمود صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ
كُميت يزلُّ اللِّبدُ عن حال متنه ... كما زلَّت الصَّفواء بالمتنزّلِ
علَى الذّيل جياش كأنَّ اهتزامَهُ ... إذا جاشَ فيه حميمُهُ غَليُ مِرجلِ
مِسَحٍّ إذا ما السابحات علَى الونى ... أثرْنَ الغبارَ بالكديد المُركلِ
يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقلِ
دَريرٍ كخذروف الوليد أمرّهُ ... تتابع كفَّيه بخيط مُوَصّلِ
له أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفلِ
ضليع إذا استدبرته سدّ فرجةً ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزلِ
كأنَّ سراته لدى البيتِ قائماً ... مداك عروس أوْ صراية حنظلِ
كأنَّ دماء الهاديات بنحرِهِ ... عصارة حِنَّاءٍ بشيبٍ مرجَّلِ
قال أُبي بن أبي سلمى بن ربيعة بن ريَّان:
стр. 210
سبوحٌ إذا اعترمت في العنا ... ن مَروحٌ ململة كالحَجَرْ
ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنَّه لم يطرْ
قال الرقاد بن المنذر الضبِّيّ:
إذا المُهرة الشَّقراء أركبُ ظهرُها ... فشبَّ الإله الحربَ بين القبائلِ
وأوقد ناراً بينهم بضرامها ... لها وَهَجٌ للمصطلي غيرُ طائلِ
فدًى لفتًى ألقى إليَّ برأسها ... تلادي وأهلي من طريف وجامِلِ
قال أبو البيداء الأعرابي أوْ خلف أوْ ابن جهم المازني:
ألم ترني أغتدي في الصَّبا ... ح بأجردَ كالسِّيد عبلِ الشّوى
كأنَّ بمنكبه إذْ جَرَى ... جناحاً يقلِّبُهُ في الهَوَى
طويل الذّراعين أطمى الكعو ... ب ناتي الحماتين عاري النسا
له كَفَلٌ أيّد مشرفٌ ... وأعمدةٌ لا تشكَّى الوجى
له تسعة طُلنَ من بعد أن ... قصُرْنَ له تسعة في الشّوى
يعني عنقه وخديه وبطنه وذراعيه وفخذيه وذنبه، هذه كلها يستحب طولها وممَّا يستحب قصره أربعة: أرساغه ووظيفا يديه وعسيبه وساقاه.
وسبع عَرينَ وسبع كُسين ... وخمسٌ رِواء وخمس ظِما
سبعة عرين: الخدَّان والجبهة والوجه والقوائم، وسبع كسين: الفخذان وحماتاه ووركاه وحصيرا جنبه.
وسبعٌ غِلاظ وسبع رقا ... ق وصهوةُ عَيْرٍ ومتنٌ خَظَا
وسبعٌ بعُدنَ وسبعٌ قرب ... ن منَّا فما فيه عيبٌ يُرى
دقيق الثَّمان عريض الثَّما ... ن شديد الصّفاق شديد المَطَا
الثمان الدقاق: عرقوباه وقلبه ومنكباه، وأذناه. والثمان العراض: الجبهة والمحزم والصدر والصهوة والفخذان والوظيفان.
وفيه من الطَّير خمس فمن ... رأى فرساً مثله يُقتنى
غرابان فوق قطاة له ... ونسرُ ويعسوبه قد بدا
جعلنا له من خيار اللّقا ... حِ خمساً مجاليج كوم الذرى
ويؤثر بالزَّاد دون العيا ... لِ فكلّ مسير به يقتفى
فقاظ صنيعاً فلمَّا شتا ... أخذناه بالقَوْد حتَّى انطوى
قال أُنيف بن جبلة الضبّي:
أما إذا استقبلته فكأنه ... في العين جذع من أُوالَ مُشذَّبُ
وإذا عرضت له استوت أقيادُهُ ... وكأنه مُسْتَدْبرٌ مُتصوِّبُ
ولعلي بن جبلة:
وأذعرُ الربرب عن أطفاله ... بأعوجيٍّ دُلفي المُنْتَهبْ
كأنه من مرحِ العدو به ... مُستنفرٌ لروعةٍ أوْ مُلْتهبْ
مطرَّدٌ يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريحٌ فاضطربْ
تحسبهُ أقعدَ في استقبالهِ ... حتَّى إذا استدبرته قلتُ أكبْ
وهو علَى إرهافه وطيِّه ... يقصر عنه المحزمان واللببْ
تقول فيه جنبٌ إذا انتحى ... وهو كمتن القدح ما فيه جَنَبْ
يخطو علَى عُوج تناهبن الثَّرى ... لم تتواكل عن شظى ولا عَصَبْ
تحسبها بائنة إذا خطتْ ... كأنَّما وظيفُهُ علَى نكبْ
يرتابهُ الصّيد فَرادينا به ... أوابدَ الوحشِ فأجدى واكتسبْ
ينحط في الحربِ يباري ظلّه ... ويعرق الأحقب في شوط الخببْ
إذا تبطَّنا به صَدَّفَه ... وإنْ بطنّى فوقه العين كذبْ
لا يبلغ الجهدَ به راكبه ... ويبلغ الرُّمحَ به حيث طلبْ
قال آخر:
في كلِّ منبت شَعرةٍ من جسمه ... خطٌّ ينمّقهُ الحسامُ المخذم
ما يدرك الأبصار أدنى جريه ... حتَّى يفوت الرُّمح وهو مُقدَّم
وكأنَّما عقد النُّجوم بطرفِهِ ... وكأنَّه بعُرَى المجرَّةِ مُلجم
وللبحتري:
وأغرَّني الزَّمنُ البهيمُ مُحجَّلٌ ... قد رحتُ منه علَى أغرَّ مُحجَّل
كالهيكل المبني إلاَّ أنَّه ... في الحسنِ جاء كصورةٍ في هيكلِ
تتوهمُ الجوزاء في أرساغِهِ ... والبدر غُرَّة وجهه المُتهلل
هزج الصَّهيل كأنَّ في نغماتِهِ ... نبرات معبد في الثَّقيل الأوَّل
ملأ العيون فإن بدا أعطيتَه ... نظر المحبِّ إلى الحبيبِ المقبلِ
وقال أيضاً:
وعريض أعلى المتن لو علّيتهُ ... بالزِّئبق المُنهال لم يترجرجِ
جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عَبَّا بأحسن حلَّةٍ لم تنسجِ
خفيت مواقع وطئه فلو أنَّه ... يجري برملةِ عالجٍ لم يُرهجِ
وله أيضاً:
стр. 211
أما الجواد فقد بلونا يومُهُ ... وكفى بيومٍ مخبراً عن عامه
جارى الجياد فطار عن أوهامه ... سبقاً وكادَ يطيرُ عن أوهامه
جذلان تلطمه جوانب غرَّةٍ ... جاءت مجيءَ البدر عند تمامه
واسودَّ ثمَّ صَفَت لعيني ناظرٍ ... جنباتُهُ وأضاءَ في إظلامه
يختال في استعراضه ويكبُّ في ... استدباره ويشبُّ في استقدامه
فكأنَّ فارسَهُ وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قُدَّامه
لانتْ معاطفه فخيّل أنَّه ... للخيزران مناشب بعظامه
وكأنَّ صهلته إذا استغلى بها ... رعدٌ تقعقع في ازدحام غمامه
الباب الثمانون
ذكر
الوحوش الَّتي تصاد والجوارح الَّتي تصطاد
قال امرؤ القيس:
وقد أغتدي والطَّير في وكراتها ... لغيثٍ من الوسميِّ رائده خالِ
تحاماه أطراف الرِّماح تحامياً ... وجاد عليه كلَّ أسحم هطَّالِ
بعجلزةٍ قد أترز الغزو لحمَهَا ... كُميت كأنَّها هراوةُ منوالِ
ذعرتْ بها سرباً نقيّاً جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخالِ
فخرَّ لروقيه وأمضيتُ مقدماً ... طوال القرى والرّوق أخنسُ ذيالِ
وعاديت منه بين ثور ونعجةٍ ... وكانَ عداء الوحش منِّي علَى بالِ
كأنِّي بفتخاء الجناحين لِقْوَةً ... طلوب من العقبان طأطأت شملالِ
كأنَّ قلوب الطَّير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العُنّاب والحشف البالي
وله أيضاً:
فعنَّ لنا سرب كأنَّ نعاجَهُ ... عذارى دُوار في مُلاءٍ مُذيَّلِ
فأدبرنَ كالجزع المفصَّل بينَهُ ... بجيد مُعَمٍّ في العشيرةِ مخوَل
فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرَّةٍ لم تزيَّلِ
فعادى عِداءً بين ثور ونعجةٍ ... دِراكاً ولم يُنضحْ بماء فيغسلِ
فظلَّ طهاة اللَّحم من بين مُنضجٍ ... صفيفٍ شِواءٍ أوْ قديرٍ معجَّلِ
ورُحنا يكاد الطَّرف يقصرُ دونه ... مَتَى ما ترقُّ العين فيه تَسَهَّلِ
فباتَ عليه سرجُهُ ولجامهُ ... وباتَ بعيني قائماً غير مرسلِ
قال الأخطل:
هل تعرف اليوم من ماويَّةَ الطللا ... تحملت أنْسهُ منه وما احتملا
فما به غيرُ موشيّ أكارِعُهُ ... إذا أحسَّ بشخص نابئٍ مثلا
ما زالَ في حِقْفِ أرطاةٍ يلوذُ بها ... إذا أحسَّ مسيلاً تحته انتقلا
كأنَّما القطر مرجانٌ يُساقطه ... إذا علا الرَّوق والمتنين والكفلا
يُشلي سلوقيَّةً غضفاً إذا اندفعتْ ... حاكى جَديلةَ في الآثارِ أو ثُعلا
مُكَلبين إذا اصطادوا كأنَّهم ... يسقونها بدماءِ الأيِّد العَسَلا
فانصاعَ كالكوكب الدُّريّ جرَّدهُ ... غيث تقسّع عنه طالما هطلا
كأنَّهنَّ وقد سُربلنَ من عَلَقٍ ... يَغشينَ مُوقدَ نارٍ يقذفُ الشُّعلا
إذا أتاهنَّ مظلومٌ عكفنَ به ... عكف الفوارسِ خافوا الدَّارع البطلا
قال أبو البيداء الأعرابي:
مطوَّقةٍ كُسيتْ زينةً ... بدعوةِ نوحٍ لها إذ دعَا
فلم أرَ باكيةً مثلَها ... تُبكِّي ودمعتُها لا تُرى
أضلَّتْ فُريخاً فطافتْ به ... وقد علِقتهُ حبالُ الرَّدى
فلمَّا بدا اليأسُ منهُ بكتْ ... عليهِ وماذا يردُّ البُكا
وقدْ صادهُ ضرمٌ مُلجمٌ ... خفوقُ الجناحِ حثيثُ النَّجا
وحتَّ بمخلبهِ قارتاً ... على خطمهِ منْ دماءِ القطَا
فآنسن سربَ قطَا قاربٍ ... جبَى منهلٍ لم تهجه الدَّلى
وصعَّدَ في الجوِّ ثم اسْتدا ... رَ طار حثيثاً إذا ما انْصمى
يُبارينَ ورداً فلمْ يرعو ... ينَ على ما تذكرَ أو ما دنا
بهِ رفقةٌ من قطاً واردٍ ... وأُخرى صوادرَ عنهُ رِوا
فملأنَ أسقيةً لم تُشدْ ... بخرزٍ وقد شُدَّ منها العرَا
فأقعصَ منهنَّ كدريَّةً ... ومزَّقَ حيزومَها والحشَى
فطار وغادر أشباهها ... تطيرُ الحتوف بها والضّنا
قال أبو نواس:
سودُ المآقي صفرُ الحمالق ... كأنَّما يصْفرن في ملاعق
صرصرة الأقلام في المهارق ... غاديتها قبل الصَّباح الفائق
وقال أيضاً:
стр. 212
أنعَتُ كلباً أهلُهُ في كدِّه ... قد سعِدَتْ حدودهمْ بجدّه
فكلُّ خير عندهم من عندهِ ... يظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحب من مَهده ... وإن غدا جلَّله ببردِه
تلذُّ منه العين حسن قدّه ... يا لك من كلبٍ نسيج وحدِه
وقال أيضاً:
لمَّا تبدَّى الصُّبحُ من حجابِهِ ... كطلعة الأشمط من جلبابه
هِجْنا بكلبٍ طالَ ما هجنا به ... ينتسفُ المِقودَ من جذَّابه
تراهُ في الحُضرِ إذا ماها به ... يكادُ أن يخرجَ من إهابه
وقال أيضاً:
قد أغتدي والصُّبحُ مشهورُ ... قد طلعتْ منهُ التَّباشيرُ
بمخطفِ الأيطل في خطمه ... طوى وفي شدقيه تأخيرُ
كأنَّه سهمٌ إلى غايةٍ ... أوْ كوكبٌ في الأرضِ محدودرُ
رُحنا به تنفخ أعطافه ... وهو بما أولاه مشكورُ
وقال أيضاً:
قد أغتدي في فلقِ الصَّباحِ ... بمُصعمٍ يرجُرُ في سراحِ
مؤيّد بالنَّصرِ والنَّجاحِ ... فهو كميشٌ ذرب السّلاحِ
يفتِرُ عن مثل شَبَا الرِّماحِ ... يطيرُ في الجوِّ بلا جناحِ
قال أيضاً:
قد أغتدي والشَّمسُ في حجابها ... مستورةً لم تبدُ من جلبابها
بفهدةٍ بورك في حلاَّبها ... شقياً لها وللَّذي غَدَا بها
كأنَّما النمرةُ في أقرابها ... رقم ديابح علَى أثوابها
فخطفت الكشحين في اضطرابها ... كأنَّها القناةُ في انتصابها
والحيَّة الرَّقطاء في انسكابها ... وسرعة العقاب في انسيابها
فأبصرتُ من حيث يَممنا بها ... عُفْر الظِّباء وهي في أسرابها
فأقبلت تمرحُ في جذابها ... حتَّى إذا ما أكثرت رمى بها
فلو ترى الفهدة في التهابها ... في نأيها عنهنَّ واقترابها
تكاد أن تخرج من إهابها ... فالويل منهنَّ لمن يصلى بها
قال أيضاً:
وقانصٍ محتفزٍ دميم ... كُدْريّ لونٍ أغبرٍ شيتمِ
فلا عن الحيلة بالسؤوم ... أسرع من لحظةِ طرف بومِ
فلا عن الحيلة بالسؤوم ... أسمع من ذي لبدة صميمِ
إذا اجتلا عالية النميم ... كأنَّما يُلهب من جحيمِ
الباب الحادي والثمانون
ذكر
ما جاء في الشعر من صفات الخمر
стр. 213
قال أبو بكر: قد أكثر الشعراء المتقدمون والمتأخرون في مدح الخمر وذمها، وفي وصف طيبها ورقتها، ولم يقل أحد في ذمها ولا في مدحها إلاَّ دون ما تستحقه هي في هذه الدَّار من الذم في الغاية، وهي في الدَّار الآخرة من المدح في النهاية، فأمَّا فضلها في تلك الدَّار فيغني عن الإطناب فيه ما ذكره الله جل وعلا في كتابه من تحبيب الجنة بها، وبما شاكلها إلى أوليائه، وأمَّا ذمها في هذه الدَّار فإنها توقع العداوة والبغضاء، وتدعو إلى الإثم والفحشاء، وتشغل عن أداء المفترضات، وتجرئ عن ارتكاب المحرمات. ولو لم يكن في ذمها غير نهي الله جل وعز عن شربها لكان مغنياً عن غيره. فكيف وقد بين الله جل وعلا من قبيح أفعالها ما يدعو ذوو التمييز، وإن لم تكن محرمة إلى اجتنابها فلعل بعض الخلفاء أن يغلب على عقله سكرة الأهواء. فيقول كيف تكون محرمة مذمومة وممدوحة، وعينها واحدة، ولم تأتي الشريعة بتحريمها. فيقال له: الخمر المذمومة في هذه الدَّار غير الخمر الممدوحة في تلك الدار، لأن أصحاب تلك الدَّار لا يصدعون عنها، ولا ينزفون منها، وتلك لا توقع العداوة والبغضاء، ولا تصدُّ عن ذكر الله وعن فرضه. وهذه الخمر تفعل جميع ذلك، فلهذه العلل صارت الخمر في الدُّنيا مذمومة، وفي الآخرة ممدوحة. ولقد أحسن نصيب في قوله، وقد سامه بعض بني مروان شربها فقال: يا أمير المؤمنين. إنَّه لم يدنني منك جمالي، ولا نسبي، وإنَّما أدناني منك عقلي ولساني. فنشدتك الله أن تدخل عليَّ ما يسلبنيهما فأعفاه حينئذ من شربها. وممَّا في الخمر من المقابح الَّتي يعتدّ بها من لا يفهم من المدائح أنَّها تنفي الأحزان، وتشجّع الجبان، وتسهّل على البخلاء الدّخول في جملة الأسخياء. ولو لم يكن في الخمر عيب غير هذا لكفى، لأن الَّذي توجبه الخمر من هذا الفعل إنَّما هو بزوال التمييز، ونقصان العقل، فإن جاء في تلك العمرات فعل يشبه أفعال السادات لم يكن فاعله محموداً، ولا كان ذلك الفعل إليه منسوباً، لأنه يندم عليه، ويعتذر منه بأن عقله لو كان حاضراً لنهاه عنه، وإن جاء في تلك الحال ما يخرج عن حدّ الاعتدال، وكان ذلك ممَّا يتعذّر تلافيه، ويصعب طريق العذر فيه، كما أنَّها تشجّع الجبناء، وتسمّح البخلاء، فإنها تسفّه الحلماء، وتسخّف العقلاء، وقد كان صنف من القدماء يتركون الخمر والزنا تكرُّماً، وإن لم يكن ذلك في ملّتهم محرّماً. ولقد أحسن زهير حيث يقول:
غدوتُ عليه غُدوةً فوجدتهُ ... قعوداً لديه بالصَّريم عواذلهْ
يُفدّينه طوراً وطوراً يلُمْنهُ ... وأعيا فما يدرين أين مخاتلهْ
فاعرض منه عن كريم مُرزءٍ ... غلوبٍ علَى الأمرِ الَّذي هو فاعلهْ
أخي ثقةٍ لا تهلك الخمر ماله ... ولكنَّه قد يهلك المال نائلهْ
فهذا أحسن من قول طرفة:
أُسدُ غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كلَّ أمونٍ وطمرْ
ثمَّ راحوا عَبَقُ المسك بهم ... يُلحفون الأرض هُدَّاب الأزرْ
وفي هذا النحو يقول حسان بن ثابت:
نوليها الملامة والمنايا ... إذا ما كانَ مغْثٌ أوْ لحاءُ
ونشربُها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما يُنهنها اللّقاءُ
وهذا قبيح كله لأنهم صيروا سبب السماحة والشجاعة زوال التمييز والمعرفة. وصاحب هذه الحال والمجنون سواءٌ بمنزلة، لأنه يأتي الشيء بغير معرفة، وأمثل من هذا قول عنترة:
فإذا شربت فإنَّني مستهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يُكلمِ
وإذا صحوتُ فما أقصّر عن ندى ... وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي
وأحسن من هذا قول البحتري:
وما زلتُ خلاًّ للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدوراً يستحثون أنجما
تكرَّمتُ من قبل الكؤوس عليهمُ ... فما اسطعن أن يُحدثن فيك تكرّما
ولسنا مع ما ذكرنا من عيبها ندع أن نذكر طرفاً من الأشعار المستحسنة في وصفها فإنها وإن لم تكن موضعاً للمدح لما قدمناه من ذمها، فقد يحسن المصيب في وصفها ضرباً من الإحسان، إما لحسن تشبيه، أوْ لمعنى يخترعه ويعرف به كما قال الأعشى:
وكأسٍ شربتُ علَى لذّةٍ ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم النَّاس أنِّي امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
قال أبو نواس:
стр. 214
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الدّاءُ
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسَّها حجرٌ مسَّتهُ سرّاءُ
قال الأعشى:
إذا قلتُ غنّي الشَّرب قامت بمزهرٍ ... يكادُ إذا دارت به الكف ينطقُ
وساق إذا شئنا كميشٌ بمسعر ... وصفراء مرنان إذا ما تصعَّقُ
تريك القذى من دونها وهي فوقه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطقُ
وقال آخر:
وصرعة مخمور دفعت بقرقفٍ ... وقد صرعتني قبل ذلك قُرقفُ
فقام يداوي صرعتي متعطفاً ... وكنت عليه قبلها أتعطَّفُ
نموت ونحيا تارة بعد تارةٍ ... وتخلفنا أيدي المدام وتتلفُ
إذا ما تسلَّفنا من الكأس سكرةً ... تقاضى الكرى منّا الَّذي نتسلَّفُ
وقال:
وكأس يكون الماء حين يَمُسُّها ... قذًى ثمَّ يعلوه بجثمان طائر
إذا دبَّ فيها الماء قارن صعبُهُ ... جموحاً عليه سهلة في الحناجر
قال مسلم:
سلْ ليلة الخيف هل قصَّرتُ آخرها ... بالراح قرب نسيم الخُرّد الغيدِ
شججتها بلُعاب المُزْنِ فاعتدلت ... نسجين من بين محلول ومعقودِ
قال أبو نواس:
قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌ ... فلاح من وجهها في البيت لألاءُ
فأفرغت من فم الإبريق صافيةً ... كأنَّما أخذُها للعين إغفاءُ
رقَّت من الماء حتَّى ما يلائمها ... لطافة وجفا عن شكلها الماءُ
فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... حتَّى تولد أنوارٌ وأضواءُ
وقد أكثر الشعراء في تفضيل رقة الخمر على رقة الماء، وليس الأمر على ما يقدرونه، وذلك أنَّ الخمر متولّدة من جوهر الماء، ومحال أن يكون جزء من الشَّيء أرقّ من كلّ شيء. ولن يكون بعضه أرقّ من بعض، والعلَّة الَّتي دعت إلى توهُّم الخمر أنَّها أرقّ من الماء هي أن الماء إذا صُبَّ عليها تكدَّر صفاؤه، ونقصت رقتها، وذلك لأن الماء لا يتهيّأ للآدميين تخليصه من الكدورة الحالَّة به، والأجسام الممازجة له، وإن جهدوا بقوتهم في تصفيته كما تصفَّى أعواد الكرم في اجتذابها إيَّاه إلى ثمارها بلطيف قواها الَّتي ركّبها الله بحكمته فيها، فهي بتلك اللّطافة تجتذب صفوة، وتجفو عن رقَّة مسالكها كدره، فيخلص لها الماء وحده، فإذا مزجت بعد ذلك بالماء الممزوج بغيره تبين أن الأوَّل أصفى منه.
قال أبو نواس:
يا شقيق النَّفس من حكم ... نمت عن عيني ولم أنمِ
فاسقني البكر الَّتي اختمرت ... بخمار الشَّيْب في الرّحم
مع شبابٍ سادةٍ نُجُبٍ ... أخذوا اللذّات عن أممِ
فتمشَّت في مفاصلهم ... كتمشِّي البُرء في السّقمِ
وقال أيضاً:
لا تبك ليلَى ولا تطرب إلى هندِ ... واشرب علَى الوردِ من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرتْ من حلقِ شاربها ... أغنتك حمرتها في العينِ والخدِّ
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كفّ لؤلؤة ممشوقة القدِّ
تسقيك من عينها خمراً ومن يدها ... خمراً فما لك من سكرين من بُدِّ
لي نشوتان وللنّدمان واحدةٌ ... شيء خُصصتُ به من بينهم وحدِي
قال أيضاً:
اسقني يا ابن أُذين ... من سُلافِ الزرجُون
عُتّقت في الدنّ حتَّى ... هي في رقة ديني
ولعمري لقد بالغ في الصفة، وإن دينه لفي نهاية الرقة، ولقد أحسن في قوله:
وليس للهمّ إلاَّ شربُ صافيةٍ ... كأنَّها دمعةٌ من عين مهجور
وإنَّما تكامل صفاء دمع المهجور لأنه لا يكتحل، فدمعه صرف غير متكدر. وقال في نحو ذلك الحسين بن الضحاك:
حتَّى إذا أسندت في البيت واحتضرتْ ... عند الشّروق ببسَّامين أكفاءِ
فُضَّت خواتمها في نعت واصفها ... عن مثل رقرقة في جفن مَرْهاءِ
وقال:
ما زلتُ أشربُ روح الدنّ في لُطف ... وأستقي دمَه من جوف مجروح
حتَّى صدرتُ ولي روحان في جَسَد ... والدنُّ مُطّرح جسم بلا روح
وقال الطائي:
أفيكم فتًى حيّ فيخبرني عنِّي ... بما شَربت مشروبة الرَّاح من ذهني
تُورِّدُ روح المرء من كلِّ وجهةٍ ... وتدخل فيه كيف شاءتْ بلا أذنِ
قال إسحاق الموصلي:
стр. 215
وصافيةٍ تغشي العيون رقيقةٍ ... رهينةِ عام في الدّنانِ وعامِ
أدرنا بها الكأس الرّويّة موهناً ... من اللَّيل حتَّى انجاب كلّ ظلامِ
فما ذرَّ قرن الشَّمس حتَّى كأنَّنا ... من العيِّ نحكي أحمد بن هشامِ
وقال آخر:
ما العيشُ إلاَّ في جنون الصِّبا ... فإن تولَّى فجنون المُدام
راحٌ إذا ما الشَّيخ والى بها ... خمساً تردَّى برداءِ الغُلام
قال آخر:
كأنَّ أباريقَ المُدام لديهم ... ظِباءٌ بأعلى الرّقمتينِ قيامُ
وقد شربوا حتَّى كأنَّ رقابَهم ... من اللّين لم يُخلق لهنَّ عِظام
وقال آخر:
وصفراء قبلَ المزج بيضاء بعده ... كأنَّ شُعاع الشَّمس يلقاكَ دونَها
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسِرُ حتَّى ما تقِلُّ جُفونها
وقال أبو نواس:
ترى حيث ما كانت من البيتِ مشرقاً ... وما لم تكن فيه من البيتِ مَغربا
إذا عَبَّ فيها شارب الخمر خلتَهُ ... يُقبِّل في داجٍ من اللَّيل كوكبا
قال ديك الجن:
فاصرف بوجهك صرف الماء يومك ذا ... حتَّى تُرى قائماً منها ومنصرفا
فقام مختلفاً كالظّبي مُلتفتاً ... والبدرِ مُطّلعاً والغصنِ منعطفا
رقَّت غلالةُ خدَّيه فلو رُميا ... باللَّحظ أوْ بالمُنى همَّا بأن يَكفا
كأنَّ قافاً أُديرت فوق وجْنته ... واختطّ كاتبُها من فوقها ألفا
فاستلَّ راحاً كبيض رافقت جُحفاً ... خلائقاً أوْ كنار صادفت سَعَفا
صفراء أو قلَّ ما اصفرَّت فأنت ترى ... ذوباً من التبر رصُّوا فوقه صدفا
ولم أزلْ من ثلاثٍ واثنتين ومن ... خمس وعشرٍ وما استعلى وما لطفا
وأمتري ودق سمطي لؤلؤ بردٍ ... عذبٍ وأرشفُ ثغراً قطُّ ما رشفا
حتَّى حسبت أنوشروان من خَوَلي ... وخلتُ أنَّ نديمي عاشرُ الخلفا
قال الأخطل:
إذا ما نديمي علَّني ثمَّ علَّني ... ثلاث زجاجات لهنَّ هديرُ
خرجتُ أجرُّ الذَّيل حتَّى كأنَّني ... عليك أميرَ المؤمنين أميرُ
قال الطائي:
صبَّحتُهُ بسلافةٍ صبَّحتُها ... بسلافةِ الخلطاءِ والنُّدماءِ
بمدامة تغدو المنى لكؤوسها ... خَوَلاً علَى السَّرَّاءِ والضّرَّاءِ
راحٌ إذا ما الرَّاحُ كانَ مطيُّها ... كانتْ مطايا الشَّوقِ في الأحشاءِ
صعُبتْ وراض المزج سيئَ خلقها ... فتعلمت من حُسن خَلق الماءِ
خرقاءُ يلعبُ بالعقول حَبَابُها ... كتلاعب الأفعال بالأسماءِ
وضعيفة فإذا أصابت فرصةً ... قتلت كذلك قدرةُ الضعفاءِ
جَهمِيَّة الأوصافِ إلاَّ أنَّهم ... قد لقَّبوها جوهرَ الأشياءِ
وقال البحتري:
فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُ ... زهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباءِ
من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث ال ... شوقَ الذي قد ضلَّ في الأحشاءِ
يخفي الزجاجةَ لونُها فكأنَّها ... في الكفِّ قائمةٌ بغيرِ إناءِ
يُسقيكها رشأ يكودُ يروِّها ... سُكري بفترة مقلة حوراءِ
يسعى بها وبمثلها مَن طرفُهُ ... عَوْداً وإبداءً علَى النُّدماءِ
قال أبو نواس:
تخيرتْ والنجوم وقفٌ ... لم يتمكن بها المدارُ
حتَّى إذا غابَ كلُّ ذامٍ ... وخُلِّص السَّرّ والنجارُ
آلت إلى جوهرٍ كطيفٍ ... عيانُ موجوده ضمارُ
لا ينزلُ اللَّيل حيثُ حلَّت ... فدهرُ شُرَّابها نهارُ
حتَّى لو استودعت سراراً ... لم يخف في ضوئها السِّرارُ
كأنَّ في كأسِها سراباً ... يجلبهُ المهمهُ القفارُ
قال البحتري:
لنا في الدَّهر آمال طوالٌ ... نُرجِّيها وأعمارٌ قصارُ
وأهون بالخطوب علَى خليعٍ ... علَى اللّذَّاتِ ليس لهُ عِذارُ
فأخَّر يومَهُ سكرٌ تجلَّى ... غيابته وأوَّله خمارُ
ويومٌ بالمطيرة أمطرتنا ... سماءٌ صوبُ وابلها عقارُ
أقمنا أكلنا أكل استلابٍ ... هناك وشُربُنا شربُ بدارُ
تنازعنا المُدامة وهي صرف ... وأعجلنا الطوابخ وهي نارُ
ولم يك ذاك سخفاً غير أنِّي ... رأيت الشّرب سُخفهمُ الوقارُ
следующие страницы →