← Адаб

Адаб · id 738

الزهرة

ابن داود الظاهري

Полный текст (241 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لأنتِ علَى التَّنائِي فاعْلَميهِ ... أحبُّ إليَّ مِنْ بصري وسمعِي الباب الخمسون قليلُ الوفاءِ بعدَ الوفاةِ أجلُّ مِنْ كثيرهِ وقتَ الحياةِ الوفاء اسم للثَّبات على الشَّرائط فكلُّ من عقد على نفسه أو عقد عليه غيره ممَّن يلزمه عقده شيئاً فثبت عليه ولم يزل عنه سمِّي موفياً وكلُّ من شرط على نفسه شرطاً وزال عنه للزَّوال سمِّي غادراً وليس يسمَّى موفياً من فعل فعلاً جميلاً لم يشرط على نفسه فعله ولا شرطه عليه من يلزمه شرطه ولا يسمّى غادراً من فعل فعلاً قبيحاً لم يجب عليه تركه ولا شرط عليه من يحبُّ شرطه فالمحبوب يكون موفياً لمحبِّه ويكون غادراً بعهده والمحبّ لا يكون موفياً ولا غادراً لأنَّ محبَّته قائدةٌ له إلى محابّ إلفه فيما يصلح الانقياد إلى مثله فهو يأتي طاعته بطبعه لا وفاءً بشرط لزمه وكلّ من لم يصلح أن يسمَّى موفياً لم يصلح أن يسمَّى غادراً وإنَّما يصلح أن يكون المحبوب موفياً وغادراً لأنه يأتي ما يأتيه مختاراً ويشرط لإلفه الشَّرائط على نفسه فيفعل ما ضمن أو يتركه فيكون موفياً أو غادراً بفعله أو تركه وهذا الَّذي ذكرناه من أنَّ المحبّ لا يكون موفياً ولا غادراً إنَّما هو ما دامت محبَّته قائمة فأمَّا إذا زالت المحبَّة بسلوٍّ عارض أو بوفاة المحبوب فالمحبّ حينئذ يكون موفياً غادراً. قالت امرأة من عامر بن صبعة: وإنِّي لأستحييهِ والتُّربُ بينَنا ... كما كنتُ أستحييهِ حينَ يرانِي أهابُكَ إجلالاً وإنْ كنتَ في الثَّرَى ... لوجهكَ يوماً إنْ يسؤْكَ مكانِي ويروى عن هذه المرأة أنَّها زارت قبر زوجها وعليها حليٌّ وثيابٌ مصبَّغة فالتزمت القبر ثمَّ أنشأت تقول: يا صاحبَ القبرِ يا مَنْ كانَ ينعمُ بي ... عيشاً ويكثرُ في الدُّنيا مؤاتاتِي نسيتَ ما كنتَ مِنْ قربِي تحبُّ وما ... قدْ كانَ يُلهيكَ مِنْ ترجيعِ أصواتِي أزورُ قبركَ في حلْيٍ وفي حُللٍ ... كأنَّني لستُ مِنْ أهلِ المصيباتِ فمنْ رآنِي مِنْ حزنِي مفجَّعةً ... طويلةَ الحزنِ في زوَّارِ أمواتِ فبينما هي ملتزمة القبر إذ شهقت شهقةً فماتت وليس موت هذه المرأة بعد وفاة زوجها بمدَّة نقضاً لما قدَّمنا ذكره في الباب الَّذي ذكرنا فيه أنَّ من يئس ممَّن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه لما قدَّمنا في ذلك من البرهان وأرينا فيه من الأمثال ونحن نقول الآن من فجأه الحزن دفعة واحدة من غير مقدّمة حتَّى يمضي عليه مدَّة خوف جوًى ولا حذارٍ طبيعي لم يستنكر منه أن يزول تمييزه فلا يفهم ما نزل به حتَّى تمضي عليه مدة متطاولة فربَّما انحلَّت سكرته إلى إفاقة سلوٍّ مريح وربَّما انحلَّت بوقوع تلف صحيح وعلى أنَّ الضَّنين المشفق العالم بنوب الزَّمان والمستعدّ لخطوب الأيَّام قد يلحقه بمفاجأة المكروه ما يزيل تمييزه ويبطل تدبيره وينسيه ما كان ذاكراً له ولمعترفاته وهذا عمر بن الخطاب ﵁ ناله من وفاة النبي ﷺ ما لا خفاء به على الخاصَّة ولا على كثير من العامَّة من انتضائه سيفه وقوله إنَّ رسول الله لا يموت وليقومنَّ فليقطّعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم حتَّى قال له أبو بكر الصديق ﵁ إن الله جلَّ وعزَّ يقول) إنَّك ميتٌ وإنَّهم ميّتون (قال عمر ﵁ فكأنِّي لم أسمعه إلاَّ يومئذ ويروى عن إبان تغلب أنه قال بينا أنا في بعض الفلوات في طلب ذود ضالَّة إذ بصرت بجارية أعشَى إشراق وجهها بصري فقالت لي مالي أراك مدلَّهاً قلت في طلب ذودٍ لي ضالَّة قالت هل أدلّك على من يعلم علمهنَّ فإن شاء ردَّهنَّ عليك فقلت نعم بأبي أنتِ مسرعاً قالت إنَّ الَّذي أعطاكهنَّ هو الَّذي أخذهنَّ فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الاختيار فلمَّا رأيت حسن منظرها وحلاوة منطقها قلت هل لك من زوجٍ؟ قالت كان فدُعيَ فعاد إلى ما منه خُلق فأجاب فقلت فهل لك من زوجٍ لا تُخشى بوائقه ولا تذمُّ خلائقه؟ فأطرقت مليّاً وعيناها تهملان بالدُّموع ثمَّ أنشأت تقول: كنَّا كغُصنينِ في أرضٍ غِذاؤهُما ... ماءُ الجداولِ في روضاتِ جنَّاتِ وكانَ عاهدَني إنْ خانَني زمنٌ ... ألاَّ يضاجعَ أُنثَى بعدَ مثواتِي

стр. 142

وكنتُ عاهدتهُ أيضاً فعاجلَهُ ... ريبُ المنونِ قريباً مُذْ سُنيَّاتِ فاردعْ عنانكَ عمَّنْ ليسَ يخلبُها ... عنِ الوفاءِ خلاَبٌ بالتَّحيَّاتِ ويروى عن الأصمعي أنه قال دخلت فإذا أنا بامرأة تنوح على قبر وهي مسفرة فلمَّا رأتني غطَّت وجهها ثمَّ كشفته فقالت: لا صنتُ وجهاً كنتَ صائنهُ ... يوماً ووجهكَ في الثَّرى يبلَى يا عِصمتي في النَّائباتِ ويا ... رُكني القويَّ ويا يدي اليُمنَى وقال آخر: وقائلةٍ لمَّا رأتْني مدلَّهاً ... أُناديكَ تاراتٍ وأبكيكَ تاراتِ لقدْ كنتَ جلداً للرَّزيَّاتِ قبلَها ... فقلتُ لها ليستْ كإحدَى الرَّزيَّاتِ أصابَ بكَ الدَّهرُ الرَّزيَّةَ واشتفَى ... بيومكَ مِنْ أيَّامِ لهوِي ولذَّاتي وقالت ليلَى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير: وأقسمتُ أبكِي بعدَ توبةَ هالكاً ... وأحفلُ مَنْ دارتْ عليهِ الدَّوائرُ لعمركَ ما بالموتِ عارٌ علَى الفتَى ... إذا لمْ تصبْهُ في الحياةِ المعايرُ ولا الحيُّ ممَّا يحدثُ الدَّهرُ معتبٌ ... ولا الميتُ إنْ لمْ يصبرِ الحيُّ ناشرُ وما أحدٌ حيّاً وإنْ كانَ ناجياً ... بأخلدَ ممَّنْ غيَّبتهُ المقابرُ وكلُّ شبابٍ أوْ جديدٍ إلى بلًى ... وكلُّ امرئٍ يوماً إلى اللهِ صائرُ وذكروا أنَّها دخلت على الحجاج بن يوسف يوماً فقال لها بلغني أنَّكِ مررتِ على قبر توبة فعدلت عنه فوالله ما وفيتِ له ولو كان مكانك ما عدل عن قبركِ فقلت أصلح الله الأمير إنَّ لي عذراً قال وما هو قالت إنِّي سمعته يقول: ولو أنَّ ليلَى الأخيليَّةَ سلَّمتْ ... عليَّ وفوقي تربةٌ وصفائحُ لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أوْ زَقَا ... إليها صدًى مِنْ جانبِ القبرِ صائحُ وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أمرَّ بهنَّ على قبره فلا يكون ما قال فأكون قد كذَّبته فاستحسن الحجَّاج ذلك منها وأمر بقضاء حوائجها. وقال آخر: دعوتكَ يا عليُّ فلمْ تجبْني ... فرُدَّتْ دعوَتي يأساً عليَّا بموتكَ بانتِ اللَّذَّاتُ عنِّي ... وكانتْ حيَّةً إذ كنتَ حيَّا فيا أسفِي عليكَ وطولَ شوقِي ... إليكَ لَوَ انَّ ذاكَ يردُّ شيَّا وقال البحتري سقَى اللهُ الجزيرةَ لا لشيءٍ ... سوَى أنْ يرتَوي ذاكَ القُليبُ نصيبِي كانَ مِنْ دُنيايَ ولَّى ... فلا الدُّنيا تحسُّ ولا النَّصيبُ تولَّى العيشُ إذ ولَّى التَّصابي ... وماتَ الحبُّ إذ ماتَ الحبيبُ وقال أيضاً بنا أنتِ مِنْ مجفوَّةٍ لمْ تعتَّبِ ... ومعذورةٍ في هجرها لمْ تؤنَّبِ ونازحةٍ والدَّارُ منها قريبةٌ ... وما قربُ ثاوٍ في التُّرابِ مغيَّبُ وقال جرير: لولا الحياءُ لعادَني استعبارُ ... ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ كانتْ إذا هجرَ الضَّجيعُ فراشَها ... صِينَ الحديثُ وعفَّتِ الأسرارُ لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ... ليلٌ يكرُّ عليهمِ ونهارُ وقال أبو نواس: طوَى الموتُ ما بينِي وبينَ محمَّدٍ ... وليسَ لِما تطوِي المنيَّة ناشرُ لئنْ عمرتْ دورٌ بمنْ لا أُحبُّهُ ... لقدْ عمرتْ ممَّنْ حبُّ المقابرُ وكنتُ عليهِ أحذرُ الموتَ وحدهُ ... فلمْ يبقَ لي شيءٌ عليهِ أُحاذرُ وقال آخر: كُتبَ السَّواد لناظري ... تبكي عليكَ وناظرُ مَنْ شاءَ بعدكَ فليمُتْ ... فعليكَ كنتُ أُحاذرُ وقال أشجع: لئنْ أنا لمْ أُدركْ منَ الموتِ ثَارِيا ... ولمْ أشفِ قرحاً دامياً مِنْ فؤادِيا لتختَرِ مَنِّي الحادثاتُ وحسرَتي ... بأحمدَ في سوداءِ قلبي كما هِيا لقدْ أفسدَ الدُّنيا عليَّ فراقهُ ... وكدَّرَ منها كلَّ ما كانَ صافِيا وأذكرُ ألاَّ نلتَقي فكأنَّما ... أُعالجُ أنفاسَ المنايا القواضِيا ويمنعُني مِنْ لذَّةِ العيشِ أنَّني ... أراكَ إذا فارقتُ لهواً ترانِيا وأنشدني أحمد بن طاهر قال: أنشدنا أبو تمام لنفسه: هوَ الدَّهرُ لا يشوِي وهنَّ المصائبُ ... وأكثرُ آمالِ النُّفوسِ كواذبُ

стр. 143

وقلتُ أخِي قالُوا أخٌ مِنْ قرابةٍ ... فقلتُ نعمْ إنَّ الشُّكولَ أقاربُ نَسيبيَ في رأيٍ وعزمٍ ومذهبٍ ... وإنْ باعدتْنا في الأُصولِ المناسبُ كأنْ لمْ يقلْ يوماً كأنَّ فتنثنِي ... إلى قولهِ الأسماعُ وهيَ رواغبُ ولمْ أتجهَّمْ ريبَ دهرِي برأيهِ ... فلمْ يجتمعْ لي رأيهُ والنَّوائبُ عجبتُ لصبرِي بعدهُ وهوَ ميِّتٌ ... وكنتُ امرءاً أبكِي دماً وهوَ غائبُ علَى أنَّها الأيَّامُ قدْ صرنَ كلُّها ... عجائبَ حتَّى ليسَ فيها عجائبُ وأنشدني أبو طاهر الدمشقي للحسين بن وهب: سقَى بالمُوصلِ القبرَ الغريبا ... سحائبُ ينتحبْنَ لنا نَحيبا فإنَّ ترابَ ذاكَ القبرِ يحوِي ... حبيباً كانَ لي يُدعَى حَبيبا فقدْنا منكَ عِلقاً كانَ يُدني ... إلينا البرَّ والنَّسبَ القَريبا فلمَّا بنتَ نكَّرتِ اللَّيالي ... قريبَ النَّاسِ والأقصَى الغَريبا وأبدَى الدَّهرُ قبحَ صحيفتيهِ ... ووجهاً كالحاً جَهماً قطُوبا فأحرِ بأنْ يطيبَ الموتُ فيهِ ... وأحرِ بعيشهِ ألاَّ يَطيبا وقال علي بن محمد العلوي: مَنْ لي بمثلكَ يا روحَ الحياةِ ويا ... يُمنى يديَّ وقدْ شُلَّتْ منَ العضُدِ مَنْ لي بمثلكَ أرعاهُ لحادثةٍ ... تُشكَى إليهِ ولا تُشكى إلى أحدِ قدْ ذقتُ أنواعَ ثُكلٍ أنتَ أبلغُها ... منَ القلوبِ وأخناها علَى الجلَدِ فاليومَ لمْ يبقَ شيءٌ أستريحُ لهُ ... إلاَّ تفتُّتُ أحشائِي منَ الكمَدِ قلْ للرَّدَى لا يُغادرْ بعدهُ أحداً ... وللمنيَّةِ مَنْ أحببتِ فاعتمدِي إنَّ السُّرورَ تقضَّى يومَ فارقَني ... وآذنَ العيشُ بالتَّكديرِ والنَّكدِ وقال محمد بن مناذر يرثي صاحبه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي: كلُّ حيٍّ لاقِي الحِمامَ فمُودِي ... ما لحيٍّ مؤمَّلٍ مِن خُلودِ لا تهابُ المنونُ خلقاً ولا تُب ... قِي علَى والدٍ ولا مولودِ فَلَوَ انَّ الأيَّامَ يُخلدنَ شيئاً ... لعُلاهُ أخلدنَ عبدَ المجيدِ ويحَ أيدٍ حثتْ عليهِ وأيدٍ ... غيَّبتهُ ما غيَّبتْ في الصَّعيدِ إنَّ عبدَ المجيدِ يومَ تولَّى ... هدَّ ركناً ما كانَ بالمهدودِ هدَّ رُكني عبدُ المجيدِ وقدْ كنْ ... تُ بركنٍ أنوءُ منهُ شديدِ حينَ تمَّتْ آدابهُ وتردَّى ... برداءٍ منَ الشَّبابِ جديدِ وسمتْ نحوهُ العيونُ وما كا ... نَ عليهِ لزائدٍ مِنْ مَزيدِ فإذا ما ذكرتهُ عرضتْ لي ... غُصَّةٌ في اللهَى وحبلِ الوريدِ وكأنِّي أدعوهُ وهو قريبٌ ... حينَ أدعوهُ مِنْ مكانٍ بعيدِ فلئنْ صارَ لا يجيبُ لقدْ كا ... نَ سَميعاً هشّاً إذا هوَ نُودي كانَ لي عصمةً فأودَى بهِ الدَّه ... رُ فيا حسرةَ الفريدِ الوحيدِ يا فتًى كانَ للمقاماتِ زَيناً ... لا أراهُ في المشهدِ المشهودِ لهفَ نفسِي ألاَّ أراكَ وهلْ عنْ ... دكَ لي إنْ دعوتُ مِنْ مردودِ خُنتكَ الودَّ لمْ أمتْ كمَداً بعْ ... دكَ إنِّي عليكَ حقُّ جليدِ لوْ فدَى الحيُّ ميّتاً لفدتْ نفْ ... سكَ نفسِي بطارِفِي وتَليدي ولئنْ كنتُ لمْ أمتْ مِنْ جوَى الحزْ ... نِ عليهِ لأبلغنْ مجهُودي لأُقيمنَّ مأتماً كنجومِ اللَّيْ ... لِ غُرّاً يلطمنَ حرَّ الخدودِ موجعاتٍ يبكينَ للكبدِ الح ... رَّى عليهِ وللفؤادِ العميدِ ولبعض أهل هذا العصر: أمثلُ الَّذي ألقَى يُقاومهُ صبرُ ... فأصبرَ أمْ مثلي يُنهنهُهُ الزَّجرُ لئنْ كنتُ غرّاً بالَّذي قدْ لقيتهُ ... لفي فقدِ تمييزِي يحقُّ ليَ الأجرُ تقضَّتْ صباباتِي إليهِ وقصَّرتْ ... ظنوني بهِ بلْ ليسَ ظنٌّ ولا ذكرُ وكفَّ رجائِي فاطمأنَّتْ مَخافتي ... فلمْ يبقَ لي إلاَّ التَّأسُّفُ والفكرُ فما لي رجاءٌ غيرَ قربِ منِّيَّتِي ... ولا خوفَ إلاَّ أنْ يطولَ بيَ العمرُ ولوْ لمْ يحُل أسرُ المنيَّةِ بينهُ ... وبينيَ لم أحفلْ بما صنعَ الدَّهرُ

стр. 144

فليتَ المنايا وحدَها سمحتْ بهِ ... ونازَعَنيهِ البينُ والهجرُ والغدرُ وبلغني أنَّ جميلاً لمَّا حضرته الوفاة قال: من يأخذ ناقتي هذه وما عليها ويأتي ماء بني فلان فينشد عنده هذين البيتين؟ فقال له بعض من حضره: أنا، فأنشده: ذكرَ النَّعيُّ وما كَنَا بجميلِ ... وثوَى بمصرَ ثواءَ غيرِ قُفولِ غدرَ الزَّمانُ بفارسٍ ذِي بَهمةٍ ... ثبتٍ إذا جعلَ اللّواءُ يزولُ فلمَّا قضى حياته أتى الرَّجل الماء الَّذي وُصف له فأنشد البيتين عنده فخرجت بُثينة ناشرةً شعرها شاقَّةً جيبها لاطمةً وجهها وهي تقول: يا أيُّها النَّاعي بفيكَ الحجرُ أمَا واللهِ لئنْ كذَبْتني لقد فضحتني ولئن كنتَ صدقتَني لقد قتلتني ثمَّ أنشأت تقول: وإنَّ سلوِّي عنْ جميلٍ لساعةٌ ... منَ الدَّهرِ ما جاءتْ ولا حانَ حينُها سواءٌ علينا يا جميلُ بنَ معمرٍ ... إذا متَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها ويقال أنَّها لم تقل شعراً غيره وذكروا أنَّ عروة بن حزام لمَّا انصرف من عند عفراء ابنة عقال فتوفِّي وجداً بها وصبابةً إليها مرَّ به ركبٌ فعرفوه فلمَّا انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم: ألا أيُّها القصرُ المغفَّلُ أهلهُ ... نعَيْنا إليكمْ عُروةَ بنَ حزامِ ففهمت صوته ففزعت وأشرفت فقالت: ألا أيُّها الرَّكبُ المُخِبُّونَ ويحَكُم ... بحقٍّ نعيتمْ عروةَ بنَ حزامِ فأجابها رجل من القوم: نعمْ قدْ تركناهُ بأرضٍ بعيدةٍ ... مُقيماً بها في سبسبٍ وأكامِ فقالت لهم: فإنْ كانَ حقّاً ما تقولونَ فاعلمُوا ... بأنْ قدْ نعيتمْ بدرَ كلِّ ظلامِ فلا لقيَ الفتيانُ بعدكَ لذَّةً ... ولا رَجعوا مِنْ غيبةٍ بسلامِ ولا وضعتْ أُنثَى تماماً بمثلهِ ... ولا فرحتْ مِنْ بعدهِ بغُلامِ ولا لا بلغتمْ حيثُ وجِّهتمُ لهُ ... ونُغِّصتمُ لذَّاتِ طلِّ طعامِ ثمَّ سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلمَّا قاربته قالت: أنزلوني فإنِّي أُريد قضاء حاجةٍ فأنزلوها فانسلَّت إلى القبر فانكبَّت عليه فما راعهم إلاَّ صوتها فلمَّا سمعوه بادروا إليها فإذا هي ممدودة علَى القبر قد خرجت نفسُها فدفنوها إلى جنبه. تمَّ القول ولله الحمد والمنَّة والصَّلاة علَى رسول الله.

стр. 145

قد وفَّينا بحمد الله من التَّشبيب بكل ما ضمنَّاه على حسن الترتيب الَّذي قدَّمناه فأفردنا له خمسين باباً ووفَّينا كلّ باب مائة بيت مع ما دخل فيها من توابع الأبيات وشواهد الاحتجاجات ولو لم يدخل في الباب من الشعر إلاَّ ما يواطئ ترجمته مفرداً من كل ما يتصل به لجاء أكثر الأشعار متبتِّراً ولبقي عامَّة الكلام مستوحشاً لأنَّ البيت يقتضي الأبيات والكلام يطلب الاحتجاجات وليس حسناً أن يُذكر البيت لمعنًى فيه يشاكل الباب وتُفرد سائر معانيه المتعلّقة بالبيت الَّذي يليه ممَّا ينتظم معها وينبّه على صحَّتها وحسنها على أنَّه لو لزمنا أن لا نضمّن الباب إلاَّ ما يطابق لفظه مفرداً ممَّا يقتضيه ويتَّصل به ألزمنا تفصيل المصراع من المصراع الَّذي لا يشاكله حتَّى لا يكون في البيت كلمةٌ تقتضي معنًى ليس الباب موجباً له لأنَّ في أشعار بلغاء العرب الَّذي يتضمَّن أوَّله معنًى ويتضمَّن آخره غيره إذ البلاغة الصحيحة والمخاطبة الفصيحة في جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وربَّما تضمَّن المصراع المتأخِّر ضدَّ ما يتضمنَّه المصراع المتقدّم ولو فعلنا ذلك لخرج كتابنا عن حدّ العلوم المستعملة والآداب المستحسنة إلى حدّ الجهالات المطربة والنوادر المضحكة ولخرجت الأبيات لتقطّع نظامها وبتر كلامها عن باب الأشعار فإذا كان الاختيار والاضطرار معاً يمنعان من أن لا ندخل في باب إلاَّ ما توجبه ترجمته المتقدّمة له إذاً فلا بدَّ من إدخال البيت مع البيت يزاوجه ومع الاحتجاج يطابقه وإن كان ممَّا لو أُفرد في نفسه لكان البيت غنيّاً عن ذكره والَّذي منعني أن أجعل أبيات كلّ باب مائة كاملة في خاصّية معناه سوى ما يتَّصل به ممَّا يدخل في معنى سواه شيئان أحدهما أنِّي لو فعلت ذلك لم أضبطه إلاَّ بتحليل المقطوعات بل بانتخاب كلّ واحد من الأبيات وفي ذلك ما قدَّمنا ذكره من تهجين الكتاب وتقبيح الأبواب والآخر أنَّ الأبواب حينئذٍ كانت تكون بغير عددٍ محصورٍ ولا حدّ مقصور وإنَّما عمدنا أن يكون الكتاب مائة باب بمائة بيت فيشتمل طرفاه على عشرة آلاف بيت وللمحافظة على ذلك والمراعاة لتمام الشَّرط فيه أعدت فيما ذكرته من سرقات الشعراء خمسة أبيات فقد مرَّت في أبواب الغزل تكون قصاصاً من الخمسة الأبيات الَّتي في الرسالة المقدَّمة في صدر الكتاب فنحن لأن لا يخرج العدد عن حدّ ما قصدناه أعدنا أبياتاً قصاصاً عن الأبيات ليست محسوبة في باب وإنَّما هي متمثَّل بها في عروض الخطاب فلو سامحنا في أن تكون الاحتجاجات والأبيات المتعلّقات بما يشاكل الباب من الأبيات غير داخلات في العدد لاستحالت التَّسوية بين الأبواب ولفسد ترتيب الكتاب.

стр. 146

ونحن الآن إن شاء الله وقد أتينا على الخمسين الماضية من الأبواب مبتدئون في الخمسين الباقية من الكتاب فأوَّل ما نشرع فيه من ذلك ما قيل في تعظيم أمر الله والتَّنبيه على قدرته والدلالة على آلائه والتَّحذير من سطوته ثمَّ تعقب ذلك ما قيل في رسوله ﷺ ثمَّ نتبع ذلك ما قيل في المختارين من أهل بيته رحمة الله عليهم وصلواته ثمَّ ننسِّق إلى آخرها على أحقّ التَّرتيب بها حسب ما تبلغه أفهامنا ويومي إليه اختيارنا وإنَّما قدَّمت أبواب الغزل منها دِيناً ودنيا وممَّا هو أدعى إلى مصالح النَّفس وأدخل في باب التَّقوى لأن مذهب الشُّعراء أن تجعل التَّشبيب في صدر كلامها مقدّمة لما تحاوله في خطابها حتَّى أنَّ الشِّعر الَّذي لا تشبيب له ليلقَّب بالحصا وتسمَّى القصيدة منه البتراء وإنَّ قائلها ليخرج عند أهل العلم بالأشعار عند عمل يدخل فيه الموصوفون بالاقتدار والمنسوبون إلى حسن الاختيار فأحببت أن لا أخرج في تأليف الشِّعر عن مذهب الشُّعراء دليلاً عمَّا ضمنت من رعاية حقوق المشاكلة ولم يصلح إذا انقضى ذكر التَّشبيب بالغزل أن أُقدم على أمر الله أمراً ولا أرسم بين يديَّ الأشعار الدَّالَّة على عظمته شِعراً ولم أجد أحداً من الشُّعراء اتَّسع في هذا النَّحو اتّساع أُميَّة بن أبي الصَّلت على أنَّه لم يسلم فيعظم الإسلام في قلبه ما لا تعظمه إقامته على كفره وأشعار أهل الجاهليَّة في هذا المعنى وما كان شكله أولى أن يقدَّم من أشعار الإسلاميين لا لسبقهم في الزَّمان ولا لتقدُّمهم في الأسنان ولكن لأنَّ إقرار الخصم بدعوى خصمه أقطع للجدل من ادِّعاء المرء حقّاً لنفسه وإن أقام البيّنة بصحّة قوله ونحن نقدِّم إن شاء الله ولا قوَّة إلاَّ بالله ما نختاره من شعر أُميَّة وأصحابه والدَّاخلين معه في بابه وإن لم يبلغوه فقد رموا غرضه فقاربوه. يتلوه الباب الحادي والخمسون ذكر ما قاله أُميَّة ونظراؤه في تعظيم أمر الله جلَّ ثناؤه والحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة على رسوله محمَّدٍ وآله أجمعين. بلغ هذا الكتاب المبارك تصحيحاً ومقابلةً مع نسخة أصله على حسب الجهد والطَّاقة فصحَّ ووافق في ذي قعدة سنة ثمان عشرة وسبع مائة من الهجرة النَّبويَّة. كُتب مقابلةً مع المملوك محمد بن أبي المقاتل أحمد بن فهد بن أبي الفداء إسماعيل بن إبراهيم الحمى أيَّده الله تعالى. الباب الحادي والخمسون ذكر ما قاله أمية ونظراؤه في تعظيم الله جل شأنه وقال أمية بن أبي الصلت: ألا كل شيءٍ هالك غيرَ ربّنا ... ولله ميراث الَّذي كانَ فانيا وإن يكُ شيئاً خالداً ومُعمراً ... تأمل تجدْ من فوقه الله باقيا له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق ست ثمانيا إلى أن يفوت المرء رحمة ربّه ... ولو كانَ تحت الأرض سبعين واديا وقال أيضاً: ويوم موعدهم أن يخرجوا زمراً ... يوم التغابُن إذْ لا ينفع الحذرُ وحوسبوا بالذي لم يحصه أحدٌ ... منهم وفي مثل ذاك اليومِ مُعتبرُ فمنهم فرحٌ راضٍ بمبعثه ... وآخرون عَصوا مأواهمُ سَقَرُ يقول خزَّانها ما كانَ غيكم ... ألم يكن جاءكم من ربّكم نُذُرُ قالوا بلَى فأطعنا سادةً بَطروا ... وغرّنا طول هذا العيش والعمرُ فذاك محبسهم لا يبرحون به ... طول المقام وإن ضجّوا وإن صبروا قالَ امكثوا في عذاب النَّار ما لكمُ ... إلاَّ السَّلاسل والأغلال والسُّقُرُ وآخرون علَى الأعرافِ قد طمعوا ... بجنَّةٍ حفّها الرُّمَّان والخضُرُ يُسقَون فيها بكأسٍ لذّة أُنف ... صفراء لا...... فيها ولا سكرُ مزاجها سلسبيلٌ ماؤها غدقٌ ... عذب المذاقةِ لا ملحٌ ولا كدرُ كائن خلت فيهم من أمَّةٍ ظلمت ... قد كانَ جاءهم من قبلهم نُذرُ فأهلكوا بعذاب خصّ دابرهم ... فما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا فصدِّقوا بلقاءِ الله ربّكم ... ولا يصُدنكم عن ذكرِهِ البَطَرُ وقال أيضاً: لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا ... فلا شيءَ أعلَى منك جَدّاً ولا مجدُ مليك علَى عرش السَّماء مهيمنٌ ... لعزّته تعنو الوجوه وتسجدُ

стр. 147

ولا بشرٌ يسمو إليه بطرفِهِ ... ودون حجاب النّور خلق مؤيَّدُ ملائكة أقدامهم تحت أرضِهِ ... وأعناقهم فوقَ السَّموات صعدُ فمن حاملٍ إحدَى قوائم عرشه ... بأيد ولولا ذاكَ كلوا وبلدوا قيام علَى الأقدام عانين تحته ... فرائصهم من شدَّة الخوف تُرعدُ فهم عند ربّ ينظرونَ لأمرِهِ ... يُصيخون بالأسماع للوحيِ رُكَّدُ أميناه روح القدس جبريل منهما ... وميكال ذي الرّوح القويُّ المُسدّدُ ملائكة لا يفترون عبادةً ... كروبيّةٌ منهم ركوعٌ وسُجْدُ فساجدهم لا يرفع الدَّهر رأسه ... يُعظّمُ ربّاً فوقه ويُمجِّدُ وراكعهم يحنو له الظهر خاشعاً ... يردِّدُ آلاء الإله ويحمدُ ومنهمْ ملفٌّ في جناحيه رأسه ... يكادُ لذكرَى ربّه يتفصَّدُ وحُرَّاسُ أبواب السَّموات دونَهُ ... قيامٌ لديه بالمقاليد رُصَّدُ ودون كثيف الملك في غامض الهَوَى ... ملائكةٌ تنحطُّ فيه وتصعدُ وبين طباق الأرض تحتَ بطونها ... ملائكة بالأمرِ فيها تردّدُ فسبحان من لا يقدر الخلق قَدْرَهُ ... ومن هو فوق العرش فرد مُوحدُ وأنى يكون الخلق كالخالق الَّذي ... يدومُ ويبقَى والخليقةُ تنفذُ وليس لمخلوقٍ علَى الخلقِ جِذّهُ ... ومن ذا علَى مرِّ الحوادثِ يخلدُ فيفنَى ولا يبقى سوى القاهر الَّذي ... يُميتُ ويُحيي دائماً ليسَ يهمدُ تسبحهُ الطَّيرُ الكوامنُ في الخفَى ... وإذْ هي في جوّ السَّماء تُصَعَّدُ ألا أيُّها القلب المقيم علَى الهَوَى ... إلى أي هذا الدَّهر منك التصدُّدُ ألا إنَّما الدُّنيا بلاغٌ وبلغةٌ ... وبينا الفَتَى فيها مهيبٌ مُسودُ إذا انقلبت عنه وزالَ نعيمها ... وأصبحَ من تربِ القبورِ يوسَّدُ وفارق روحاً كانَ بينَ حياتِهِ ... وجاورَ موتى ماله مُتبدَّدُ فأيّ فتًى قبلي رأيتم مخلداً ... لهُ في قديمِ الدَّهرِ ما يتزودُ ولن تسلم الدُّنيا وإن ضنَّ أهلها ... بصحبتها والدَّهر قد يتجدّدُ ألست ترَى فيما مضَى لك عبرة ... فَمَهْ لا تكن يا قلبُ أعمَى تلددُ فقد جاءَ ما لا ريبَ فيه من الهدى ... وليس يرد الحقّ إلاَّ مفندُ فكن خائفاً للموت والبعث بعده ... ولا تكُ فيمن غرَّه اليوم أوْ غدُ فإنَّك في دنيا غرور لأهلها ... وفيها عدوٌّ كاشحُ الصَّدرِ يوقِدُ من الحقد نيران العداوة بيننا ... لأن قال ربي للملائكة اسجدوا لآدم لما كمل اللهُ حقّه ... فخرّوا له طوعاً سجوداً وكددُوا وقال عدوّ الله للكبر والشقا ... لطين علَى نارِ السّموم فسوَّدوا فأخرجه العصيان من خير منزلٍ ... فذاك الَّذي في سالف الدَّهر يحقدُ علينا ولا نالوا خبالاً وحيلةً ... لنوردها ناراً عليها سيوردُ جحيماً تلظى لا يقترّ ساعةً ... ولا الحرّ منها آخر الدَّهر يبردُ فما لك في الشَّيطان والنَّار أسوة ... إذا ما صليتَ النَّارَ بل أنتَ أبعدُ هو القائد الدَّاعي إلى النَّارِ لابثاً ... ليوردنا منها ويَتوردُ فما لك في عذرٍ وطاعةِ فاسق ... وما لك في نار صليتَ بها يدُ وقال أيضاً: الحمدُ لله الَّذي لم يتَّخذ ... ولداً وقدَّر خلقهُ تقديرا وأعوذُ باللهِ العليّ مكانه ... ذي العرش لم أعلم سواه مجيرا من حرِّ نار لا يفترّ عنهم ... وهناً أُعدت للظّلوم مصيرا فيها السَّلاسل والعذابُ لمن طغَى ... يدعون منها حَسرةً وثبورا لا يسمعنَّ حسيسها يا ربّنا ... يوماً نغيطٌ شهقةً وزفيرا قد تأمرون القسط في أعمالهم ... لا يظلمون لذي الحساب نقيرا فاغفر لي اللهم ذنبي كلّه ... أما أبيتُك يومَ ذاك فقيرا وقال أيضاً: لكَ الحمدُ والمنّ ربّ العبا ... د وأنت المليك وأنتَ الحكمْ أمرت بالإنسان من نُطفةٍ ... تُخلق في البطنِ بعدَ الرّحمْ وإنِّي أدينُ لكم إنكم ... سيصدقكم ربُّكم ما زعمْ ولستم بأحسن صنعاً ولا ... أشدَّ قوى صُلُبٍ من أَدَمْ

стр. 148

مصانع لقمان قد نالها ... لها ثلب طامحاتُ المجمْ إذا ما دخلت محاريبهم ... رأيتَ نصاراهم كالنّعمْ خلا وقد كانَ أربابها ... عتاق الوجوه حسان اللّحَمْ ملوكاً علَى أنَّهم سُوقةٌ ... ولا يدهم كظباء السَّلمْ فَغيّر ذلك ريبُ المَنون ... والمرء ليسَ له مال يحتكمْ وقال زهير بن أبي سُلمى: واعلم ما في اليوم والأمس قبلَهُ ... ولكنَّني عن علم ما في غدٍ عم فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم ... ليخفَى ومهما يكتم الله يعلم يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ... ليومِ الحساب أوْ يعجل فينقم وقال عدي بن زيد: أينَ كسرَى خير الملوك وأبو سا ... سان أمْ أينَ قبله سابورُ وبنو الأصفر الكرام ملوك الرُّ ... وم لم يبقَ منهم مذكورُ وأخو الخُضْر إذْ بناهُ وإذْ ... دجلة تجبى إليه والخابورُ لم يهبْهُ ريبُ المنونِ فبادَ ... الملك عنه فبابُهُ مهجورُ ثمَّ أضحَوْا كأنَّهم ورقٌ جفَّ ... فألوتْ به الصَّبا والدَّبورُ وقال لبيد بن ربيعة: ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا الله باطلُ ... وكلُّ نعيم لا محالة زائلُ وكلُّ أُناسٍ سوف يدخل بينهم ... دويهيةٌ تَصفرُّ منها الأناملُ إذا المرءُ أسرَى ليلةً خال أنَّه ... قضى عملاً والمرءُ ما عاشَ عاملُ فقولا له إنْ كانَ يعقل أمرَهُ ... ألمَّا يَعظْك الدَّهرُ أمُّك هابلُ حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدَّثنا عمرو بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة بن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: إن أصدق بيت قاله الشاعر: ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا الله باطلُ وقال ابن أبي عيينة: ما راح يوم علَى حيّ ولا ابتكرا ... إلاَّ رأَى عبرة فيه إنْ اعتبرا ولا أتتْ ساعة في الدَّهر فانصرفتْ ... حتَّى تؤثّرَ في قومٍ لها أثرا إنَّ اللَّيالي والأيَّام إن سُئلتْ ... عن عيبِ أنفسها لم تكتم الخبرا وقال آخر: أيا عجباً كيفَ يُعصَى الإلهُ ... أم كيفَ يَجحده الجاحدُ ولله في كلِّ تحريكةٍ ... وفي كلِّ تسكينةٍ شاهدُ وفي كلِّ حالٍ لهُ آيةٌ ... تدلّ علَى أنَّه واحدُ وقال أبو العتاهية: سبحان ذي الملكوت أيَّةُ ليلةٍ ... مُخضتْ صبيحتُهُ بيوم الموقفِ لو أنَّ عيناً وهّمتها نفسها ... يوم الحساب مُمثلاً لم يَطرفِ وإن هذا لمن أحسن كلام قيل في باب التخويف بلاغة في الوعظ وسلامة في اللفظ. وقد قال أبو نواس في باب الأطماع فقارب في هذا المعنى في الجودة وإنْ كان في الحقيقة ضدّه وهو قوله: ساءَكَ الدَّهرُ بشيءٍ ... وبما سرَّكَ أكثرْ يا كثير الذَّنب عفوُ ... الله من ذنبك أكبرْ ولقد أحسن الذي يقول: لعمرك ما يدري الفَتَى كيفَ يتَّقي ... نوائب هذا الدَّهر أمْ كيفَ يحذَرُ فمن كانَ ذا عذر لديكَ وحجَّةٍ ... فعذري إقراري بأن ليس أعذَرُ ومن أحسن ما أعرف في هذا المعنى قول محمود الوراق: إذا كانَ شكرِي نعمة الله نعمة ... عليَّ له في مثلها يجب الشُّكرُ وكيفَ بلوغ الشّكر إلاَّ بفضلهِ ... وإنْ طالت الأيَّام واتَّصل العمرُ فأمَّا ما ذكرناه في هذا الباب من الأشعار الإسلامية فلا حاجة بنا إلى الاحتجاج به، ولا إلى الاعتذار منه. وأمَّا ما حكيناه من الأشعار الجاهلية ففيها لعمري عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن تذكَّر وتدبَّر.

стр. 149

ولأميَّة بن أبي الصلت خاصة ليس لغيره من الشعراء عامة، وإن في تبيّنه الله ما نبّهه عليه وتعريفه إيَّاه ما عرفه من عظمته، ودلَّه عليه من قدرته، ثمَّ في خذلانه له عن الانقياد إلى طاعته، والرجوع إلى شريعته، لدليلاً بيناً على أنَّه ليس لمخلوق مع الخالق أمر ولا اختيار، جلَّ الله عمَّا يقول الملحدون إن في شعر أمية طعناً على الدين من قِبل أنَّه مواطن لبعض ما في القرآن، وموافق لكثير ممَّا في شريعة الإسلام. قالوا: فهذا يدلّ على أن القرآن منه أجدر. ومن معانيه استخرج الله تعالى عن قولهم علواً كبيراً. ولو ساعدهم التوفيق على فهم ما اعتقدوه، بل لو صَدَفهم الحياء عن قبح ما انتحلوه، ولاستحيَوا عن ذكر ما ذكر أمية بن أبي الصلت، وإن كان جاهلياً فقد أدرك الإسلام، ومدح النبي - صلى الله عليه - وذلك موجود في شعره، ومفهوم عند أهل الخبرة به. وكيف يتوهم لبيب أوْ يستخبر لبيب أن يهجر عليه عقله أو يحمل نفسه بدعوى ما يتهيأ تكذيبه فيه بأهون السعي من مخالفته، أم كيف يظن بالنبي - صلى الله عليه - أنَّه يأخذ المعاني من أمية وأمية يشهدُ بتصديقه، ويقرُّ بكتابه، ويعزل نفسه عن التأخر بالدخول في ملته، وذلك موجود فيما ذكرناه من شعره وما لم نذكره. وسنذكر بعض ما مدح به أمية النبي - صلى الله عليه - في بابه إن شاء الله ولا قوَّة إلاَّ بالله. الباب الثاني والخمسون ما مدح به أمية النبي ﷺ وما استشهد وأنشد بين يديه حدَّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: حدَّثنا علي بن محمد المدائني قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن أخي الزهري بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن سعد بن أبي وقاص قال: قدم وفد ربيعة على رسول الله ﷺ فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي وكان نازلاً فيهم: ما فعل؟ فقالوا: هلك يا رسول الله، فقال: والله لقد رأيته يوماً بعكاظ وهو على جمل له أحمر وهو يخطب النَّاس وهو يقول: أيُّها النَّاس اجتمعوا واسمعوا واسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ما لي أرى النَّاس يذهبون فلا يرجعون، أرَضُوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، إنَّ في السَّماء لخبراً، وإنَّ في الأرض لعبراً، ليل موضوع، وسقف مرفوع، وبحار لا تفور، ونجوم تمور، ثمَّ بحور، أقسم قس قسماً بالله وما أتمَّ، إنَّ لله ديناً هو أرضى من دينٍ نحن عليه، ثمَّ تكلَّم بأبيات شعر ما أدري ما هي؟ فقال أبو بكر: أنا شاهد ذلك يا نبي الله فقال: أنشدها، فأنشأ أبو بكر ﵁ يقول: في الذَّاهبين الأوَّلين ... من القرونِ لنا بَصائر لما رأيت موارداً ... للموتِ ليسَ لها مصادر ورأيت قومي نحوَها ... يسعى الأكابرُ والأصاغر لا يرجعُ الماضي إليك ... ولا من الباقين غابر أيقنتُ أنِّي لا محالة ... حيثُ صارَ القومُ صائر وروي أن النبي ﷺ كان يقول لعائشة: " يا حميراء ما فعلت أبياتك "؟ قالت: فكنت أقول: يا رسول الله قال الشاعر: ارفع ضعيفك لا يحلْ بك ضَعفهُ ... يوماً فتدركه العواقب قد نمَا يجزيك أوْ يثني عليك وإن من ... أثنَى عليك بما فعلت فقد جزَا قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: نعم يا عائشة إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد من عبيده: " عبدي صنع إليك معروفاً فهل شكرته؟ فيقول: يا ربِّ علمت أنَّه منك فشكرت لك، فيقول: لِمَ تشكرني إذا لم تشكر من أجريتُ ذلك علي يديه ". ومع هذه الأبيات: إنَّ الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف حبلي واهياً رثَّ القُوى أرعَى أمانتَهُ وأحفظُ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتَى وروي أن النبي ﷺ أنشدته عائشة الأربعة الأبيات فقال: قال لي جبريل ﵇: من آويته خيراً فذلك فقد كافى. وروي في بعض الأخبار أن ضرار بن الأزور الأسدي أتى رسول الله ﷺ فأسلم وقال: تركتُ الخمورَ وضربَ القداح ... واللَّهو تضربه وابتهالا وكزي المخبر في عمره ... وشدّي عن المشركين القتالا فيا ربّ لا أعتبر صفقتي ... فقد بعتُ أهلي ومالي بدالا

стр. 150

فقال رسول الله ﷺ : ما غبنت صفقتك يا ضرار. وروي أن النابغة الجعدي أنشد النبي ﷺ : بلغنا السَّماءَ مجدُنا وسناؤنا ... وإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مُظْهرَا فقال النبي ﷺ : إلى أين؟ قال: إلى الجنة بك يا رسول الله. قال: لا يفضض الله فاك. وروي أن النبي ﷺ سمع رجلاً ينشد: إنِّي امرؤ حميريٌّ حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مُضَرُ فقال: ذاك أبعد من الله ورسوله والوجه في هذا والله أعلم أن افتخاره بأنَّه لا من ربيعة ولا من مضر هو الَّذي أوجب له الذّمّ والتّباعد من الله ورسوله ﵇ لا أن كونه من حمير موجب لذلك. والَّذي يروى أن النبي ﷺ أنشده واستنشده أكثر من ذاك. وقد روي عن ابن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي ﷺ فأنشدته مائة قافية لامية فقال: إن كان ليسلم ماذا كان قد أنشد النبي ﷺ من شعر رجل واحد مقدار ما حددناه نحن للباب فكيف يتهيء لنا استيعاب ما استنشده وما مدح به في باب غير أن الاستقصاء أصلح من طلب الغاية بالتطويل والإكثار ونحن الآن نذكر طرفاً ممَّا مدح به رسول الله ﷺ وما رثي به بعد وفاته. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه يرثي رسول الله صلى الله عليه: أمستْ تأوّبني همومٌ جمَّةٌ ... مثلُ الصُّخور قد أمستْ هدَّت الجسدا ليت القيامةَ قامت عند مهلكه ... كي لا نرَى بعده مالاً ولا ولدا وقال عمر بن الخطاب ﵁ يرثيه: ما زلت مُذْ وضع الفراش لجسمه ... وثوى مريضاً خائفاً أتوقّعُ شفقاً عليه أن يزول مكانه ... عنَّا فنبقَى بعده نتفجّعُ نفسي فداؤك من لنا في أمرنا ... أمنٌ نشاوره إذا نتوجَّعُ وإذا تحلّ بنا الحوادث من لنا ... بالوحي من ربٍّ سميع نسمعُ وقال علي بن أبي طالب ﵁ يرثيه: أمن بعد تكفيني النَّبيّ ودفنه ... بأثوابه آسى علَى هالكٍ نوَى رُزينا رسول الله فينا فلن نرَى ... بذلك عدلاً ما حيينا من الردَى وكانَ لنا كالحصن من دون أهله ... لهم معقل فينا حريزٌ من العِدَى وكنَّا برؤياه نرى النّور والهدَى ... صباحَ مساءَ راحَ فينا أوْ اغتدَى فقد غشيتنا ظلمةٌ بعد موته ... نهاراً فقد زادت علَى ظلمة الدُّجَى فيا خير من صمّ الجوانح والحشا ... ويا خير ميت ضمّه التّرب والثّرَى كأنَّ أُمور النَّاس بعدك ضمنت ... سفينة نوح البحر والبحر قد سمَا فضاق فضاء الأرض عنهم برحبه ... لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى فقد نزلت بالمسلمين مصيبة ... كصدع الصَّفا لا شعب للصّدع في الصفا فإن يستقل النَّاس تلك مصيبة ... ولن يجبر العظم الكسير إذا وهى وفي كل وقت للصلاة يهيجهُ ... بلال ويدعو باسمه كلما دعا ويطلب أقوام مواريث هالك ... ولله ميراث النبوة والهدى وقال علي بن أبي طالب ﵇: ألا طرق الناعي بليل فراعني ... وأرقني لما استقل مُناديا فقلت له لما رأيت الَّذي أتى ... أغير رسول الله إن كنت ناعيا فحقق ما أشفقت منه ولم تُبل ... وكان خليلي غريا وجماليا فوالله ما أنساك أحمد ما مشت ... بي العيس في أرض وجاوزتُ واديا وكنت مَتَى أهبط من الأرض تلعةً ... أرى أثراً منه جديداً وباليا شديد جرى في الصدر نهدٌ مصدرٌ ... هو الموت مغدواً عليه وغاديا وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثيه ﵇: طال ليلي أسعدنني أخواتي ... ليس ميتي كسائر الأمواتِ ليس ميتي من مات في النا ... س ولا كان مثله في الحياةِ طال ليلي لنكبةٍ قطعتني ... لا أرى مثلها من النكباتِ وقالت صفية: ما لعينيَّ لا تجودانِ رِيّا ... قد رُزينا خير البرية حيّا يوم نادى إلى الصلاة بلال ... فبكينا بعد النداء مليّا كل يوم أصبحت فيه ثقيلاً ... لا ترد الجواب منك إليّا لم أجد قبلها ولست بلاقٍ ... بعدها غصة أمر عليّا

стр. 151

وحمان الشَّيخ منحدر في عار ... ضيه كالمسك فاح ذكيّا وهي في الصدر قد تساق حثيثاً ... ومن الوقت عند ذاك هويّا ليت يومي يكون قبلك يوماً ... أنضج القلب للحرارة كيّا خُلقاً عالياً وديناً كريماً ... وصراطاً تُهدي به مستويا وسراجاً يهدي الظلام منيراً ... ونبيّاً مسوداً عربيّا حازماً عازماً حليماً كريماً ... عايداً بالنوال برّاً تقيّا إن يوماً أتى عليك ليوم ... كُدّرت شمسُه وكان جليّا فعليك السلام منّا ومن ربك ... بالروح بُكرةً وعَشِيّا وقال أبو سفيان بن الحارث: أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طولُ فقد عظمت مصيبته وجلت ... عشية قيل قد قُبض الرسولُ فكلّ النَّاس منقطعين فيها ... كأن النَّاس ليس لهم حويلُ كأن النَّاس إذْ فقدوه عُمياً ... أضر بلب حارمهم عليلُ نبيّ كان يجلو الشك عنّا ... بما يوحى إليه وما يقولُ ويهدينا فلا نخشى ضلالاً ... علينا والرسول لنا دليلُ يخبرنا بظهر الغيب عما ... يكون فلا يجور ولا يحولُ ولم ترَ مثله في النَّاس حيّا ... وليس له من الموتى عديلُ أفاطم إن جزعت فذاك عذراً ... وإن لم تجزعي فهو السبيلُ فعودي بالعزاء فإن فيه ... ثواب الله والفصل الجزيل وقولي في أبيك ولا تملي ... وهل يُخزي بفعل أبيكِ قيلُ فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد النَّاس الرسولُ وقال كعب بن مالك: ونائحةٍ حَرّى تَحرَّقُ بالبُكا ... وتلطم منها خَدَّها والمُقلّدا علَى هالكٍ بعد النبيّ محمد ... ولو عقلت لم تبكِ إلاَّ مُحمدا فُجِعْنا بخير النَّاس حيّاً وميّتا ... وأدناهُ من أهل السَّموات مَقْعدا وأعظمهُ فقداً علَى كل مُسلمٍ ... وأعظَمهم في النَّاس كلهمُ يَدا إذا كانَ منه القولَ كان موفقاً ... وإن كان حيّاً كان نوراً مُجدَدا وقد وازنتْ أخلاقُهُ المجدَ والتُّقى ... فلن تَلْقه إلاَّ رشيداً ومُرشدا وقال عمرو بن سالم الخزاعي: لعمري لئن جادت دموعي بالبكا ... لمحقوقةٌ أن تستهل وتدمعا أبا حفص إن الأمر جلّ عن البكا ... غداة نعى الناعي النبي فأسمعا فلم أرَ يوماً كان أعظم حادثاً ... ولم أرَ يوماً كان أكثر موجعا فوالله لا أنساك ما دمت ذاكراً ... لشيء وما قَلّبتُ كفّاً وإصبعا إذا ذكرت نفسي فراقَ محمد ... تهيجُ حزني عند ذلك أجمعا وقال الزبرقان بن بدر: آليت لا آسي علَى هالك ... بعد نبيِّ الله خيرِ الأنام بعد النبي كان لنا هادياً ... من حَيرةٍ كانت وبدرَ الظلام يا مبلغ الأخيار عن ربّه ... فينا ويا مُحيي ليل التّمام فاستأثر الله به إذْ وفى ... أيامه عند حضور الحِمام وأي قوم أدركوا غبطة ... دامت لهم من آل حام وسام وقال حسان بن ثابت: إن الرزية لا رزية مثلها ... ميتٌ بطيبةَ مثله لم يفقدِ فلقد أصيب جميع أمته به ... من كان مولوداً ومن لم يولدِ والنَّاس كلهم لما قد عالهم ... ترجو شفاعته بذاك المشهد حتَّى الخليل أبوه في أشياعه ... ونجيّه موسى النبيّ المهتدي متواضعين لربّهم بفَعالهم ... تلك الفضيلة واجتماع السؤدد يا خير من شدَّ المطية نحوه ... وفد لحاجته تروح وتغتدي أنت الَّذي استنقذتَنا من حفرة ... من يهوَ فيها من قُواه يبعدِ وهديتنا بعد الضلالة والرَّدى ... فهدى الإله إلى السبيل الرشَّد فجزاك عنّا الله خير جزئه ... بمقام محمود المقام مسوَّدِ وقال أمية يمدح رسول الله ﷺ وهي أبيات اخترناها، وقد ذكرنا بعض القصيدة في الباب الماضي وإنّما أردنا هذه الأبيات من هذا الباب لندل على جهل من حكينا قوله في الباب الَّذي قبله: محمداً أرسله بالهدى ... فعاش غنيّاً ولم يُهتضَمْ عطاءٌ من الله أعطيته ... وخصَّ به الله أهلَ الحرمْ وقد علموا أنّه خيرهم ... وفي بيتهم ذي النّدى والكرمْ

стр. 152

نبيّ الهدى طيبٌ صادقٌ ... رحيم رؤوف بوصل الرحمْ به ختم الله من قبله ... ومن بعده من نبيٍّ ختمْ يموت كما مات من قد مضى ... يُردُّ إلى الله باري النسمْ مع الأنبياء في جنان الخلود ... همُ أهلها غير حل القسمْ وقال حسان بن ثابت: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء وقال الله قد أرسلت عبداً ... يقول الحق ارتفع البلاء أتهجوه ولستَ لهُ بكفءٍ ... فشرّكما لخيركما الفداءُ وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظاً وأصحَّه معنى ولا أعرفُ بعده في الأنصاف غاية، ولا أقلَّ منه في الاختصار نهاية. ومن أشبه شيء به قصة عبد الله ابن رواحه حين تظلّمت اليهود من خرصه عليهم بخيبر فقال: إن شئتم أخذتموه بخرصي، وأعطيتموني ما يجب، وإن شئتم أخذتموه بما خرصته وقاسمتكم فأعطيتكم حقكم منه على ذلك. فقالت اليهود: هذا والله الحق، بهذا قامت السَّموات. وهذا المعنى الَّذي اختاره حسان ﵀ في مدح النبيّ ﷺ وهو الاختيار في مثله، لأن من استعار وصفه بغاية ما يستحقه، والاقتصار من مدحه على ما لا يتهيأ للخصم دفعه أولى من غيره، وبما عسى أن يمدح النبيّ صلى الله عليه فيكون مستوعباً لفضله، ومقارناً لوضعه. وكل ما مدح فإنما يجري إلى منتهى عمله. وفضله صلى الله عليه، يُحلّ عن أن تدركه الخواطر والأفكار ويكبر عن أن تحيط بجمعه الروايات والأخبار صلى الله عليه وعلى أصحابه وآله المنتجبين صلاة تُبلّغه رضاه، وتتجاوز به إلى أن يقصر عنه مناه. وعليه وعليهم السلام ورحمة الله. الباب الثالث والخمسون ذكر ما قاله شعراء الإسلام في أهل بيت النبي ﵇ . قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يرثي عمه حمزة بن عبد المطلب ﵄: أتاني أن هنداً خل ضخمٍ ... دعتْ دَرَكاً وبشَّرت الهُنُودا فإن تفخر بحمزةَ يومَ ولَّى ... مع الشُّهداء مُحتسباً شهيدا فإنا قد قتلنا يومَ بدرٍ ... أبا جهلٍ وعُتبةَ والوليدا وشَيْبةَ قد تركنا يوم أُحدٍ ... علَى أثوابهِ عَلقاً حَشيدا وثوّى من جهنَّمَ شرَّ دارٍ ... عليه ولم يَحدْ عنها مَحيدا فما سيَّان من هو في جحيمٍ ... يكونُ شرابهُ فيها صديدا ومن هو في الجنان يُدَرُّ فيها ... عليه الرّزق مُغتبطاً حميدا وقال أمير المؤمنين علي أيضاً يرثيه ﵄: رأيت المشركين بَغَوا علينا ... ولجَّوا في الرَّديدةِ والضَّلالِ وقالوا نحنُ أكثرُ إذْ تقُونا ... غداةَ الرَّوع بالأسلِ النّهالِ فإن يبغوا ويفتخروا علينا ... بحمزة فهو في الغُرُفِ العوالي فقد أودَى بعُتبة يومَ بدرٍ ... وقد أبلى وجاهدَ غير آلِ وقد غادرتُ كبشهم جهاراً ... بحمدِ اللهِ طلحةَ في المجالِ فخرَّ لوجهه ورفعتُ عنه ... رقيَ الحدِّ جُوَّدَ بالصِّقالِ وقال حسان بن ثابت يرثيه ﵄: هل تعرف الدَّار عفا رسمُها ... بعدَكَ صوْبَ المُسبل الهاطلِ سألتُها عن ذاك فاستعجمتْ ... لم تدرِ ما مرجوعةُ السَّائلِ دعْ عنك داراً قد عفا رسمُها ... وابكِ علَى حمزةَ ذي النَّائلِ واللابسِ الخيلَ إذا أحجمتْ ... كالليث في غاباته الباسلِ أبيض في الذّروة من هاشمٍ ... لم يَمْردون الحقّ بالباطلِ مالَ شهيداً بين أسيافكم ... شلَّتْ يدا وحشيِّ من قاتلِ أظلمت الأرضُ لفقدانهِ ... واسودَّ لونُ القمرِ الناصِلِ صلَّى عليك الله في جنَّةٍ ... عاليةٍ مُكرمَةِ الدَّاخلِ كنَّا نرَى حمزة ذخراً لنا ... من كلِّ أمرٍ نالنا نازلِ وكانَ في الإسلامِ ذا تدراءٍ ... لم يكُ بالواني ولا الخاذلِ لا تفرحي يا هندُ واستحملي ... دمعاً وأذري عبرَةَ الثاكلِ وابكي علَى شيبة إذْ قطَّهُ ... بالسَّيف تحت الرَّهج الكاهلِ إذْ مالَ في مشيخةٍ منكُمُ ... في كلِّ عاتٍ قلبُهُ جاهلِ نقلتُمُ حمزة في عصبةٍ ... تمشون تحت الحلق الفاصلِ

стр. 153

غداة جبريل وزيراً له ... نعمَ وزيرُ الفارس الحاملِ وقال حسان يرثي جعفراً ومن قتل معه ﵃: تأوَّبني همٌّ بيثربَ أعسَرُ ... وهمٌّ إذا ما نوَّمَ الناسُ مُسْهرُ لذكرى حبيب هيَّجت لك عبرةً ... سفوحاً وأسبابُ البكاءِ التّذكُّرُ فلا يبعدنَّ الله قتلى تتابعوا ... بمؤتةَ منهمْ ذو الجناحين جعفرُ غداة مضَى بالمؤمنينِ يقودهم ... إلى الموت ميمون النَّقيبةِ أزهَرُ فطاعنَ حتَّى مالَ في غير مُوسِدٍ ... لمعترك فيه القنا يتكسَّرُ وكنَّا نرَى في جعفر ومحمدٍ ... وقاراً وأمراً حازماً حين يأمُرُ وما زالَ في الإسلامِ من آل هاشمٍ ... دعائمُ عزٍّ لا يُرام ومفخرُ وهمْ جبل الإسلام والنَّاس حولهم ... رُكامٌ إلى طودٍ يروقُ ويقهرُ بهاليلُ منهم جعفرٌ وابن أُمَّةٍ ... عليّ ومنهم أحمدُ المتخيَّرُ وحمزةُ والعبَّاس منهمْ ومنهمُ ... عقيلٌ وماءُ العود من حيث يعصرُ بهم تُقدحُ اللأواءُ في كلِّ معركٍ ... عَماسٍ إذا ما ضاقَ بالنَّاس مصدرُ وقال آخر: أُحبُّ عليّاً وأبناءهُ ... ولا أصرف الحُبّ عن جعفرِ وحمزة منِّي له شُعبةٌ ... من الحبِّ صادقةُ المكسرِ وفاز أبو الفضل عمّ الرَّ ... سول بالحبّ منِّي وبالأوفرِ عرانين زندهمُ ثاقبٌ ... وعودهُمُ طيبُ المكسرِ إذا انتسبوا نسبوا في القد ... يم إلى العزِّ والعدد الأكثرِ كفاكَ بهم وبأبنائهم ... لدينك في النَّاس من معشرِ أُحبُّهم للَّذي خصَّهمْ ... إله السَّموات بالكوثرِ وقال آخر: هلْ لقريش كُلِّها صادقاً ... والحقَّ من جاوزه أبطلا إن تعرفوا فضل بني هاشمٍ ... نعرف لكم فضلاً وإلاَّ فلا إن قلتُمُ بالمصطفى فضلنا ... فقدرهم قبلكمُ أولا فأيّهم أولى به منكم ... بذلك الحكم أتى منزِلا وقال دعبل بن علي: مدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تلاوةٍ ... ومنزلِ وحي مُقفرِ العرصَاتِ لآلِ رسولِ الله بالخيف من مِنًى ... وبالبيتِ والتجميرِ والعرفاتِ ديارُ عليَّ والحسين وجعفرٍ ... وحمزة والسّجّاد ذي الثفناتِ قفا نسأل الدَّار الَّتي خفّ أهلها ... مَتَى عهدها بالصَّوم والصَّلواتِ وابن الأولى شطَّتْ بهم غُربةُ النَّوى ... أفانين في الآفاقِ مفترقاتِ بنفسيَ أنتمْ من كهولٍ وفتيةٍ ... لفكِّ عناةٍ أو لحملِ دياتِ أُحبُّ قصي الرّحم من أجلِ حبّكم ... وأهجرُ فيكم زوجتي وبناتي وما النَّاس إلاَّ غاضبٌ ومكذبُ ... ومضطغِنٌ ذو حَنَّةٍ وتراتِ ويروى أن زينب بنت علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين أخرجت رأسها من الخباء فقالت: ماذا تقولون إن قالَ النبيُّ لكمْ ... ماذا فعلتم وأنتمْ آخرُ الأُممِ بعترتي وبأهلي عند مُفتقدي ... منهمْ أُسارى ومنهمْ ضُرّجوا بدمِ ما كانَ هذا جزائِي إذْ نصحت لكم ... أنْ تخلفوني بشرٍّ في ذوِي رَحمي وقال سليمان بن قَتَّة مولى بني مدكور يوم الحسين ﵁: مررتُ علَى أبياتِ آلِ محمَّدٍ ... فلم أرَها كعهدها يوم حُلَّتِ فلا يُبعد اللهُ الدّيارَ وأهلها ... وإنْ أصبحتْ من أهلها قد تخلّتِ وكانوا رجاءً ثمَّ عادوا رزيَّةً ... لقد عَظُمت تلك الرَّزايا وحلَّتِ وإن قتيلَ الطفّ من آل هاشمٍ ... أذلَّ رقابَ المسلمين فذلّتِ وقال منصور بن سلمة: بنو بني الله يغدون في ... خوف ويغدو الناس في أمنِ أمنهم ذا وهم جهرة ... من بين هذا الأنس والجنِّ لو أنهم أولاد فرعون أو ... هامان ما زادوا وهُمْ ظبي نالت علي بن أبي طالبٍ ... منهم يد لم تدر ما تجني من يك ذا ضغنٍ على والدٍ ... بطالب الأولاد بالطعنِ أحقاد بدر طالبتها العدى ... من أهل بيت الرجس واللعنِ لا يُبعد الله ثوى عصبةٍ ... من هاشمٍ أفناهم المفتي ما قتلوا إلا وقد اغدرت ... أيديهم بالضربِ والطعنِ وقال أيضاً:

стр. 154

ولد النَّبيّ ومن أُحبُّهمُ ... يتطامَنون مخافةَ القتلِ أمن النَّصارى واليهود وهمْ ... من أُمَّة التَّوحيد في الأزلِ وقال أيضاً: أُريق دم الحسين ولم يُراعوا ... وفي الأحياء أموات العُقولِ ألا يأبَى جَبينكَ من جبينٍ ... جرَى دَمه علَى خدٍّ أسيلِ فؤادك والسّلوّ فإن قلبي ... سبايا إن تعود إلى ذهولِ وقد شرقت رماح بني زيادٍ ... تُروّى من دماء بني الرَّسولِ أنشدني محمد بن الخطاب لنفسه في أمير المؤمنين علي ﵁: هو الَّذي أودَى وليداً ... في الوغى وشيبه جرَّعه أنشدني محمد قال: أنشدني بعض النصارى لنفسه: عديٍّ وتيم لا أُحاول ذكرَها ... بسوءٍ ولكنَّني محبٌّ لهاشمِ وهل يعتريني في عليٍّ ورهطِهِ ... إذا لم أخف في الله لومة لائمِ يقولون ما بال النّصارى تحبّه ... وأهل النُّهى من مغرب وأعاجمِ فقلت لهم إنِّي لأحسبُ حبَّه ... طواهُ إلهي في صُدور البهائمِ ولم نذكر شعر النصارى في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه افتقاراً إليه ولا اتكالاً في فضائلهم عليه، ولكن أردنا أن ننبّه على من قصدهم من أهل ملتهم الَّذي أوجبه عليه لهم في قوله ﵎ في محكم كتابه:) قل لا أسألكم عليه أجراً إلاَّ المودَّة في القربى (ولو أنَّ الله جلَّ ثناؤه أجاز سفك دمائهم رضوان الله عليهم، واعتقاد عداوتهم نصّاً في محكم التَّنزيل مكان ما أنزله في الحضّ على مودّتهم لما زاد المعاندون على ما فعلوا بهم بل قد أنزل الله في قتل المشركين، فما أتتك من حريمهم، ولا سبي نسائهم، ولا ذبح أطفالهم ولا قتل ساداتهم، ولا شردوا عن أوطانهم، ولا أخيفوا في مأمنهم ولا استفرع المجهود في مكارههم. وقد فعل ذلك كلّه بآل رسول الله صلى الله عليه، ولعمري ما رجع ضرر ذلك إلاَّ على من فعله، ولا احتقب الوزر فيه إلاَّ الَّذي ارتكبه. وعند الله المجازاة للمظلومين، والانتصاف لهم من المعتدين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وذكروا أنَّه لمَّا وجَّه معاوية زيد بن أرطأة في طلب شيعة علي بن أبي طالب ﵇. هرب منه عبيد الله بن العباس فوجد ابنين له صغاراً فقتلهما، ففي ذلك تقول أُمّهما: يا مَنْ أحسَّ بُنيَّيّ اللَّذين هما ... كالدُّرَّتين تَشَظَّى عنهما الصَّدفُ يا مَنْ أحسَّ بُنيَّيّ اللَّذين هما ... سَمعي وقلبي فقلبي اليوم مُختطفُ نُبّئتُ بُسْراً وما صدَّقتُ ما زعموا ... من قولهم ومن الأمرِ الَّذي اقترفوا أُنحى علَى وَدَجيْ ابنيّ مُرهفةً ... مشحوذةً وكذاك الظّلمُ والسَّرفُ من ذا رأَى أنَّني حَرَّى مفجعةً ... علَى صبيَّين ضاعا إذْ مضَى السَّلفُ ثمَّ اجتمع بسر وعبد الله عند معاوية بعد ذلك فقال له عبيد الله: أهو الشَّيخ قاتل الصبيين، والله لوددت أن الأرض أخرجتني عندك. قال: فقد أخرجتك الساعة فمه. فقال: والله لو أن معي سيفي، فقال: هاك سيفك وأهوى بيده ليناوله سيفه فقال له معاوية: أُفٍّ لك من شيخ. ما أجهلك تجيء إلى رجل قد قتلت ابنه فتعطيه سيفك كأنَّك لم تعرف أكباد بني هاشم، أما والله لو بدأ بك ثمَّ لثنَّى بي. فقال عبيد الله لمعاوية: لا والله لبدأتُ بك ثمَّ لثنَّيت به، وقال إبراهيم ابن عبد الله بن الحسين يرثي أخاه محمد بن عبد الله عندما قتله عيسى بن موسى بن محمد في المعركة: أبا المنازلِ يا خيرَ الفوارس مَنْ ... يُفجعْ بمثلك في الدُّنيا فقد فُجِعا اللهُ يعلمُ أنِّي لو خشيتهُمُ ... وأوجسَ القلبُ من خوفٍ لهم فزعا لم يقتلوهُ ولم تسلم أخِي لهمُ ... حتَّى نعيشَ جميعاً أوْ نموت معَا ولبعض المحدثين يخاطب بعض قتلة الطالبيين: قتلتَ أعزَّ من ركبَ المطايا ... وجئتك أستلينك بالكلامِ وعزَّ عليَّ أن ألقاكَ إلاَّ ... وفيما بيننا حَدُّ الحُسامِ ولكن الجناح إذا أُصيبت ... قوادمه ترفُّ علَى الأكامِ الباب الرابع والخمسون مراثي الملوك والسادات وأهل الفضل والرئاسات

стр. 155

حدَّثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدَّثني محمد بن الفضل بن العباس قال: خرج الغريض ومعبد حتَّى إذا كانا على الثنيّة الَّذي تشرف بهم على مكَّة فقال الغريض لمعبد: لك كلّ من كان بها من أهل المدينة فاندفع يغني راكباً نحو المدينة: يا راكباً نحو المدينة جَرةً ... أُجُداً تنازع حلْقةً وزماما أقرأ علَى أهل البقيع من أمري ... عَمْد علَى أهل البقيع سلاما كم غيّبوا فيه كريماً ماجداً ... كهلاً ومُقتبلَ الشَّباب غُلاما ونفيسةً في أهلها مزكوةً ... جَمَعت صباحةَ جُثَّةٍ وثماما فسمعتُ البكاء من سطوح مكة من ها هنا ومن ها هنا من كان بها أم كان من أهل المدينة. فاندفع يتغنى: أسعداني بعبرةٍ أسرابِ ... من دموعٍ كثيرة التّسكابِ إن أهل الخضابِ قد تركوني ... موزعاً مولعاً بأهل الخضابِ سكنوا الجزْع جزعَ بنت أبي مو ... سى إلى النَّخلِ من صُفيّ السيابِ سكنوا بعد غبطةٍ ورجاءٍ ... وسرورٍ بالعيشِ تحتَ التُّرابِ كم بذاك الحجون من حيّ صدقٍ ... وكُهول أعفَّةٍ وشبابِ فارقوني وقد علمتُ يقيناً ... ما لمن ماتَ مِيتةً من إيابِ أهلُ بيت تَتَابعوا للمنايا ... ما علَى الموتِ بعدهُم من عتابِ فلي اليوم بعدهم وعليهم ... صرتُ فرداً وملَّني أصحابي قال: فما بقيت دار إلاَّ سمعنا فيها الصّراخ يصرخون حتَّى اصطبحوا. وقال زهير بن أبي سُلمى يرثي النعمان بن المنذر بن ماء السَّماء، وكان سبب زوال ملكه فيما بلغنا أنَّه قتل عدي بن زيد العبادي، وكان النعمان قد ضمَّ زيد بن عدي إلى بعض أصحاب كسرَى، فنشأ زيد ولم يزل يتوصل إلى كسرَى حتَّى استكتبه فقال زيد لكسرى: لم يبق على الملك إلاَّ أن يتزوج إلى العرب فقال لكسرى وهل يأتي على ذلك أحد؟ فقال: أيها الملك إن العرب يشقّ عليها أن يتزوج إليها غير عربي، ولكن النعمان عاملك، فلو كتبت إليه في ذلك. فكتب إليه، فكتب النعمان يدعو الملك للزواج من بنات عمّه اللاتي كأنّهنّ المها ويخطب....... فقال كسرى لزيد: ما يقول النعمان؟ فقال: يقول على الملك ببنات عمه اللاتي يتشبهن بالبقر، وأوهمه أن هذا على جهة العيب والبغيضة. فغضب كسرى، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه. فجزع النعمان من ذلك، وخاف أن يكون إشخاصه إيَّاه لمكروه يريده به، فجمع أقاربه وعشائره وشاورهم في أمره فقال له ذوو الرأي منهم: لا طاقة له بمغالبته وعصيانه ونحن بين يديك، فأجمع على الشخوص إليه. فلمَّا كان بساباط تلقَّاه زيد بن عدي. فقال له: انجُ نُعيم. يصغره بذلك ويحقّره. فقال له: أنت تقول هذا يا زيد، والله لئن رجعتُ لألحقنَّك بأبيك، فقال: انجُ نعيم فوالله لقد ضربت لك أُخيةً لا يقطعها إلاَّ المهر الأرن، فسار حتَّى أتَى كسرى، فوجه به إلى خانقين فيقال انه لم يزل محبوساً حتَّى هلك. ويقال أنَّه كان في محبسه يسأل زيداً الصفح عن جرمه والسعي في تخليصه فيقول صار فلم يرجع، فإمّا أن يردَّه وإمَّا أن يلحق به، ففي أمر النعم يقول زهير: أراني إذا ما شئتُ لاقيتُ آيةً ... تُذكِّرني بعضَ الَّذي كنتُ ناسيا ألم تَرَ للنعمان كانَ بنجوةٍ ... من الشَّرِّ لو أنَّ أمراً كانَ ناجيا فغيَّر عنه مُلكَ عشرين حجّةً ... من الدَّهر يوماً واحداً كانَ عاديا فلم أَرَ مَسلوباً له مثلُ ملكِهِ ... أقلَّ صديقاً كافياً ومُواسيا رأيتهُمُ لم يُشركوا بنُفوسِهم ... مَنيَّتَه لمَّا رأوا أنّها هيا سوى أنَّ حيّاً من رَوَاحَةَ حافظوا ... وكانوا زماناً يكرهونَ المُجازيا فقالَ لهم خيراً وأثنَى عليهُمُ ... وودَّعهم توديعَ أن لا تلاقيا وقال الذبياني: لا يهنئِ النَّاس ما يرْعَوْنَ من كَلأٍ ... وما يسوقونَ من أهلٍ ومن مالِ بعدَ ابن عاتكة الثَّاوي ببلقعةٍ ... أمسى ببلدةٍ لا عمٍّ ولا خالِ حسبُ الخليلينِ نأيُ الأرض بينهُما ... هذا عليها وهذا تحتها بالِ وقال رجل من طي: لعمري لقد أردوك غيرَ مُؤمّل ... ولا مُعْلق بابَ السَّماحةِ بالعذرِ سأبكيك لا مستبقياً فيضَ عبرةٍ ... ولا طالباً بالصَّبر عاقبةَ الصَّبرِ وقال آخر:

стр. 156

فتًى كانَ مكراماً لنفسٍ كريمةٍ ... مَهيباً لدنيا غيرَ مأمونة العذْرِ وكانَ لأحداث المنايا ذخيرةً ... فليسَ لها من بعده اليوم من ذُخرِ وقال الخريمي: وما شابَ حتَّى شادَ للمجد بيتَهُ ... وحتَّى اكتسى ثوبي جمال وسُؤددِ لذكراك أحلى في الفؤادِ وفي الحشا ... من الشّهد بالعذب الزُّلالِ المبرّدِ علَى أن بين السّحر والنَّحر جمرةً ... مَتَى ما أهيّجها بذكراك توقدِ فقدتك فقد الطّفل أُمّاً حفيَّةً ... علَى صَرَعٍ منه وحَدثان مولدِ دعاها فلمَّا استجمعت من دُعائه ... أجالَ علَى ثدي لأُخرى مُجدّدِ فأنكره فارتاعَ يلمسُ أُمَّهُ ... وباتَ له ليلَ السَّليم المُسهّدِ وقال مطيع بن أياس: أقولُ للموت حين نازله ... والموتُ مقدامَهُ علَى البهمِ لو قد تَدَبَّرت ما صنعتَ به ... عضضتَ كفّاً عليه من ندمِ فاذهبْ بما شئتَ إذْ ذهبت به ... ما بعدَ يحيى للرُّزء من ألمِ وقال آخر: أودى محمدٌ المؤمّلُ والَّذي ... شُلَّتْ بمصرعه يدُ المعروفِ من بعد ما أفنَى المُنى بكمالِهِ ... وحوَى فضيلة فعل كلّ شريفِ قَتَلتهُ عين العُجب نيط بها العَمَى ... والدَّهرُ يأتي كرّة بصروفِ أمسَى يكبّدُ نفسه فكأنَّه ... قمرٌ تَغَشَّاه الدُّجَى بكسوفِ ومشى البلى في جسمِهِ فكأنَّه ... ورد قطيفٌ مؤذن بحفوفِ لو شئت لا شئت العزاءَ لنبّهتْ ... بالوجد عنِّي لوعتي ونُحوفي بأبي أهنتَ عليَّ كلّ رزيَّةٍ ... وأطلتَ في كدرِ الحياة وقوفي وقال آخر: لهفي عليك للَهفة من خائفٍ ... كنت المجير لها وليس مُجيرُ أما القبورُ فلا تزالُ أنيسةً ... بجوار قبرك والدِّيارُ قبورُ جلَّتْ مصيبتُهُ فعمَّ مُصابُهُ ... والنَّاس كلهمُ به مأجورُ والنَّاسُ مأتمهمْ عليه واحدٌ ... في كلِّ دارٍ رنَّةٌ وزفيرُ تجري عليك دموعُ من لم تُولِهِ ... خيراً لأنَّك بالثَّناءِ جديرُ ردَّتْ مكارمُهُ عليه حَياته ... وكأنَّه من نشرها منشورُ وقد أخذ الطائي في هذا المعنى بلطف في قوله أنشدنا أحمد بن أبي طاهر عنه: محمَّد بن حُميد أخلقت رِمَمُهْ ... هُريقَ ماء المعالي مذْ هُريقَ دمُهْ رأيته بنجاد السَّيف محتبياً ... في اليومِ كالبدرِ حلَّت وجهَهُ ظُلمهْ في روضة قد علا ساحاتها زهراً ... أيقنت بعد انتباهي أنَّها نِعمهْ فقلتُ والدَّمعُ من حزنٍ ومن فرحٍ ... في النَّومِ قد أخذ الخدَّين مُنسجمُهْ ألمْ تمتْ يا شقيق الجود مذْ زمنٍ ... فقالَ لي لم تمتْ مَنْ لم يمتْ كرمُهْ وقال آخر: مضَى فمضتْ عيني به كلُّ لذَّةٍ ... تقرُّ بها عيناي وانقطعا معا دَفَعنا بك الأقدار حتَّى إذا أتتْ ... تُريدك لم نَسْطِعْ لها عنك مدفعا وقال آخر: غدا ناعيك يومَ غدا بخطْبٍ ... يبُثُّ الشَّيْبَ في رأسِ الوليدِ وتقعُدُ قائماً يشجى حشاهُ ... ويطلق للقيامِ حَبَى القعودِ وأضحت خُشَّعاً منه نزارٌ ... مُركّبة الرَّواجب في الخدودِ وقال معن بن زائدة في يزيد بن عمرو بن هبيرة: ألا إن عيناً لم تجُدْ يومَ واسطٍ ... عليك بما في دمعها لَجمودُ لفقد أخٍ كانَ الإخاء إخاءهُ ... إذا عُدَّ أوْ خانَ الودود ودودُ علَى ذكر قيس الخافقين وخندفٍ ... أغرَّ له الغُرُّ الكرام وفودُ فلم أنسَهُ إذْ خندق الموت حولَهُ ... عليه من الحتفِ المُطلّ حدودُ فقيل له اقذف بالحياةِ وانْجها ... وثاباً له طوع الفراق حدودُ فقاتل حتَّى أعذر الحيّ منهمُ ... وقام له بالعُذر ثَمَّ شهودُ وفلَّ الحسامُ العضبُ الأسمر الَّذي ... بناه وظلَّ الطّرف وهو تليدُ كأنَّك لم تَبْعد علَى مُتعهد ... بلى كُلّ من تحت التُّراب فقيدُ وقال آخر: لعمرُك ما الرَّزيَّةُ فقدُ مالٍ ... ولا شاةٌ تموتُ ولا بعيرُ ولكن الرَّزيَّة فقدُ ميتٍ ... يموت لموته بشر كثيرُ وقال:

стр. 157

عليك سلام الله قيسَ بن عاصمٍ ... ورحمتُهُ ما شاءَ أن يترحّما تحيَّة من ألبسته منك نعمةً ... إذا زارَ عن شحطٍ بلادك سَلّما فما كانَ قيسٌ هُلكُهُ هُلكُ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما وقال آخر: أحقّاً عبادَ الله أن لستُ رائياً ... عمارة طول الدَّهر إلاَّ توهّما فأقسم ما حشمتهُ من مُلمةٍ ... تؤود كرام القوم إلاَّ تجشّما ولا قلتُ مهلاً وهو غضبان قد علا ... من الغيظ وسط القوم إلاَّ تبسّما وقال النمر بن تولب: أبا خالدٍ ما كان أدهى مُصيبةً ... أصابتْ مَعَدّاً يومَ أصبحتَ ثاويا لعمري لئن شرّ الأعادي فأظهروا ... شماتاً لقد مرّوا بربعك خاليا فإن تكُ أفْنَتْهُ اللّيالي وأوشكت ... فإن له مجداً سيُفنى اللياليا وقال آخر وأحسبه لبيداً: لَعَمري لئن كان المُخبِّرُ صادقاً ... لقد رُزئتْ في سالف الدَّهر جَعفرُ أخاً كان أما كلّ شيء سألته ... فيُعطي وأمَّا كل ذنبٍ فيعفِرُ وقال حارثة بن بدر يرثي زياداً: صلّى الإله علَى قبرٍ وطَهَّره ... عند الثويَّة يَسفى فوْقَه المورُ زَفَّت إليه قريش نعشَ سيدها ... فالجود والحزم فيه اليوم مقبورُ أبا المغيرةِ والدُّنيا مفجعَةٌ ... وإن من غُرَّ بالدنيا لمغرورُ قد كان عندك للمعروف معرفةٌ ... وكان عندك للنكراء تنكيرُ وكنت تسعى وتُعطي المال من سَعَةٍ ... إن كان بابك أضحى وهو مهجورُ والنَّاس بعدك قد خَفَّت حُلومُهم ... كأنَّما نفخت فيها الأعاصيرُ وقال آخر يرثي معن بن زائدة: ألِمّا علَى مَعْنٍ فقولا لقبرهِ ... سُقيتَ العوادي مَرْبعاً ثمَّ مَرْبَعا أحينَ ثوى معنِ ثوى الجود والنَّدَى ... وأصبحَ عرنين المكارم أجدعا أيا قبرَ مَعْنٍ أنت أولُ حُفرةٍ ... من الأرضِ خُطَّت للسّماحة مضجعا ويا قبرَ مَعْنٍ كيف واريتَ جوده ... وقد كان منه البَرُّ والبحرُ مُترعا بَلى قد وَسِعْتَ الجودَ والجود ميتٌ ... ولو كان حيّاً ضقْتَ حتَّى تَصَدَّعا فتًى عيش في معروفه بعد موته ... كما السيلُ أضحى بعد مجراهُ مرْتعا وقال آخر: تولى سعيد حين لم يبْقَ مَشْرِقٌ ... ولا مَغْرِبٌ إلاَّ له فيه مادحُ كأنْ لم يَمُتْ حَيّ سواكَ ولم يقُمْ ... علَى أحد إلاَّ عليكَ النّوائحُ لئن حَسُنتْ فيك المراثي وذكرُها ... لقد حَسُنتْ من قبلُ فيك المدائحُ وقال إبراهيم بن هشام يرثي عمرو بن جري: ولو كان البكاء يردُّ حقّاً ... علَى قَدر الرزايا بالعبادِ لكان بُكاك بعد أبي حَويّ ... يقلُّ ولو جرى بدم الفؤادِ مضى وأقام ما دجت اللّيالي ... له مَجْدٌ يُجلُّ عن المقادِ وقال آخر: فلله جاريّ اللذان هُما ... قريبين منّي والمزارُ بَعيدُ مُقيمان بالبيداء لا يبرحانها ... ولا يسألان الركب أين تريدُ هما تركا عيني لا ماء فيهما ... وشكا فؤاد القلب وهو عميدُ وبلغنا أنَّه كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنَّه وقع بينه وبين أخيه سليمان فقال يا ابن من تلحن أمه ففتح فاه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك عليه فيه، وردّ كلمته وقال: يا أبا عبد الملك أخوك وابن أبيك وله السن عليك، فقال أبا حفص قتلتني، قال: وما صنعتُ بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر، ومال لجنبه فمات وفيه يقول جرير يخاطب أخاه لأمه يزيد بن عبد الملك: أبا خالدٍ فارقت مروان عن رضَى ... وكان يُزين الأرضَ أن تنزلا معا نسيرُ فلا مروان للحيّ إن شَتَوْا ... ولا الرّكبُ إن أمسَوْا مخفين جوعا الباب الخامس والخمسون نوح الأهل والإخوان علَى من فقدوه من الشجعان أنشد أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام: كذا فليجلَّ الخطْبُ ولْيَفْدح الأمرُ ... وليس لعينٍ لم يَفضْ ماؤه عُذْرُ إلاَّ في سبيل الله من عُطّلتْ له ... فجاجُ سبيل الله وانثغرَ الثغرُ فتًى كلّ ما فاضَتْ عُيونُ قبيلةٍ ... دماً ضحكت عنه الأحاديثُ والذكرُ

стр. 158

فتى مات بين الضرب والطّعن ميتةً ... تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ وما مات حتَّى ماتَ مضربُ سيفهِ ... من الضرب واعتلَّت عليه القنا السُّمْرُ وقد كان قرب الموتِ سهلاً فَردَّه ... إليه الحفاظُ المرُّ والخُلُقُ الوعْرُ ونفسِ تَعاف العارَ حتَّى كأنه ... هو الكفرُ يوم الروع أوْ دونه الكفرُ فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشرُ كأنَّ بني نبهان يومَ وفاتِهِ ... نجومُ سماء خرَّ من بينها البدرُ وأنَّى لهم صبرٌ عليه وقد مضَى ... إلى الموت حتَّى استشهدا هو والصَّبرُ فتًى كانَ عذب الرّوح لا من غضاضةٍ ... ولكنّ كبراً أن يكونَ به كِبرُ فتًى سلبتهُ الخيلُ وهو حمًى لها ... وبَزّته نار الحرب وهو لها جمرُ وقد كانت البِيض المآثر في الوغى ... بواتِر فهي الآن من بعده بُتْرُ لئن أُبغضَ الدَّهرُ الخؤونُ لفقدهِ ... لعَهدي به ممَّن يُحَبّ به الدَّهرُ لئن غدرتْ في الرَّوع أيَّامُهُ به ... لما زالت الأيامُ شيمتُها الغدرُ لئن أُلبست فيه المنية طيئاً ... لما عريت منه تميم ولا بكرُ كذلك ما ننفكُّ تفقدُ هالكاً ... يُشاركنا في فقده البدو والحضْرُ ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمرُ صَرفُ الدَّهر نائلهُ الغمْرُ مضى طاهِرَ الأثواب لم يبْق روْضةٌ ... غداةَ ثوى إلاَّ اشتهتْ أنَّها قبرُ عليك سلامُ الله وقفاً فإنني ... رأيتُ الكريمَ الحُرّ ليس له عمرُ وقالت امرأة من كندة في أخوتها: أبَوْ أنْ يفرُّوا والقنا في نحورهم ... فماتوا وأطرافُ القنا تقطرُ الدّما ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّةً ... ولكنْ رأوا صبراً علَى الموت أكرما هَوتْ أمهم ماذا بهم يومَ صُرَّعوا ... بجيشانَ من أسباب مجد تصرَّما أنشدنا أحمد لأبي تمام: بأبي وغير أبي وذاك قليلُ ... ثاوٍ عليه ثرى النياح مهيلُ خَذلتْهُ أُسرتهُ كأنَّ سراتهُمْ ... جَهلوا بأنَّ الخاذل المخذولُ أكلالُ أشلال الفوارس بالقنا ... أضحى بهنَّ وشُلوهُ مكلولُ كُفّي فقتلُ محمدٍ لي شاهدٌ ... إن العزيزَ مع القضاءِ ذليلُ أنسى أبا نصرٍ نسيتُ إذن يدي ... في حيثُ ينتصرُ الفَتَى ويُنيلُ هيهاتَ لا يأتي الزَّمان بمثله ... إن الزّمانَ بمثله لبخيلُ للسيفِ بعدك حُرقةٌ وعويلُ ... وعليك من وجد التليد غليلُ إنْ طالَ يومُكَ في الوغى فلقد ترى ... فيه ويومُ الهام منكَ طويلُ يا يومَ قَحْطَبة لقد أبقيتَ لي ... حُرَقاً أرى أيامَها ستطولُ ليثٌ لو أن الليثَ قام مقامه ... لانصاعَ وهو يَراعةٌ إجفيلُ لما رأى جَمْعاً قليلاً في الوغى ... وأولو الحفاظ من القليل قليلُ لاقى الكريهةَ وهو مُغمِدُ رَوْعِه ... فيها ولكن سيفُهُ مسلولُ ومشى إلى الموت الزؤام كأنما ... هو من سهولته عليه دخيلُ ما زال ذاك الصَّبرُ وهو عليكمُ ... بالموت في ظِلِّ السيوف كفيلُ مُسْتبسلونَ كأنما مُهجاتُكمْ ... ليست لكم إلاَّ غداة تسيلُ ألِفوا المنايا والقتيل لديهُمُ ... من أن يُخلي العيشَ وهو قتيلُ إن كان رَيبُ الدَّهر أثكلنيكُمُ ... فالدَّهر أيضاً ميّتٌ مثكولُ وأنشدني بعض الأدباء: أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع علَى ابن طريفِ فتى لا يُحبُّ الزادَ إلاَّ من التقى ... ولا المال إلاَّ من قنا وسيوفِ وأنشدني ابن أبي طاهر لأبي تمام: لو فَرَّ سيفٌ من العَيّوق مُنطلِقاً ... ما كان إلاَّ علَى هاماتهم يَقعُ يودُّ أعداؤهم لو أنهم قُتِلوا ... وأنهم صنعوا مثل الَّذي صنعوا ويضحك الدَّهرُ منهم عن غطارفةٍ ... كأن أيامَهمْ من حُسنها جُمعُ منْ لم يُعاينْ أبا نصرٍ وقاتله ... فما رأى ضيغماً في شَدقِها سُبَعُ فيمَ الشماتَةُ إعلاناً بأسُدِ وغًى ... أفناهُمُ الصبرُ إذْ أبقاكُمُ الجزعُ

стр. 159

لا غرو إن قُتلوا صبراً وإن جزعوا ... والقتلُ للصبر في حكم الفَتَى جَزعُ وقالت الخنساء ترثي أخاها صخراً: ألا ما لعينكِ أم ما لها ... لقد أخضلَ الدمعُ سِرْبالَها فأقسمتُ أأسى علَى هالك ... وأسأل باكيةً ما لها وخَيْل تكدّسُ مشى الوعو ... ل نازلت بالسيف أبطالها بمُعْتَركٍ بينهم ضيّقٍ ... تجرُّ المنيَّةُ أذيالها تُقابلُها فإذا أدْبَرتْ ... بَلَلْتَ من الطعن أكفالَها ومُحْصنَةٍ من بنات الملو ... كِ قَعْقَعْت بالرمح خلخالها فإن تك مُرَّةَ أوْدَتْ به ... فقد كان يكثرُ تقتالها أنشدنا أحمد بن أبي طاهر لأبي تمام قالت الخنساء: اذهب فلا يُبْعدنكَ الله من رجلٍ ... تَرّاك ضَيْم وطَلاّبٍ بأوتارِ قد كنتَ تحمل قلباً ليس مؤتسياً ... مُركباً من نصاب غير خَوّارِ مثلَ السنان كضوءِ البدر صورتُه ... جَلْدُ المريرة حُرُّ وابن أحرارِ فسوف أبكيكَ ما ناحت مُطوّقةً ... وما أضاء نجومُ اللَّيل للساري أبلغْ خفافاً وعوفاً غيرَ مُقصرةٍ ... عميمة من نداء غير أسرارِ شُدّوا المآزرَ حتَّى تستقاد لكم ... وشمّروا إنَّها أيامَ تشمارِ وأبكى فتى البأس لاقتهُ منِّيَّته ... وكلُّ نفسٍ إلى وقتِ ومقدارِ كأنهم يوم راموهُ بجمعهمُ ... راموا الشكيمة من ذي لبدة ضارِ مَتَى تفرَّجت الآلاف عن رجلٍ ... ماضٍ علَى الهول هادٍ غير مختارِ تجيش منه فويق الثدي من يده ... معايد من نجيع الجوف فوّارِ لو منكمُ كان فينا لم ينل أبداً ... حتَّى تلاقوا أموراً ذات آثارِ أعني الذين إليهم كان منزلةً ... هل تعلمون ذِمامَ الضيف والجارِ خفاف بن ندبة وعوف هذان اللذان عاتبتهما من الفرسان المعدودين وكانا مع صخر فهربا عنه، وقد أدرك خفافاً الإسلام فأسلم، وشعر الخنساء هذا من أجود الشعر لفظاً وأحسنه معنى، ألا ترى إلى اعتذارها من قتله أنَّه لم يقتله رجلٌ مثله، وإنَّما تفرجت الألف عنه وحده، ثمَّ أبى معاينتها من فزعته واستنهاضها الشجعان لاستغاثة النسوان، وقد كانت الخنساء من أحسن أهل زمانها، ثمَّ رُزئت أخاها معاوية ثمَّ عمرو، فلم تزل تبكيه وتُحسن القولَ في مراثيه حتَّى رُزئت أخاها صخراً بعده، قد رزئتها المصايب، وهذَّبت شعرها النوائب، وقلَّ من ناله من الجزع مثل ما نالها، لقد بلغني أن أخوتها أن استعدَوا عليها عمر بن الخطاب ﵁: لا تبكي عليه فإنَّه من أهل النار. قالت ذلك أعظم لحزني عليه، وبلغني عن عمر ﵁، أنَّه قال: دعوها فكلُّ ذي شجو تبكي شجوه وهذا الَّذي اعتذرت به لأخيها من قبله هو من أحسن ما تهيأ الاعتذار به اعتذرت بالمقدار الَّذي لا شيء يجاوز مثله، ولا أحد يخرج عن قبضته ثمَّ لم تقتصر عليه وحده حتَّى وضعت كثرة المؤازرين علَى قبله. وما قصَّر أبو تمام فيما ذكرناه، وما نذكره إن شاء الله من اعتذاره لمن يرثيه...... للقتل...... للصبر على الفرار من اللقاء، والجزع عند معاينة الأكفاء، وأحسبُ أن أبا تمام كان معجباً بهذا المعنى الَّذي قد وقع له فلذلك كان كثيراً ما يردده. وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: إن ينتخِل حدثان الموت أنفسكم ... ويسلم الناسُ بين السرّ والعَطَنِ فالماء ليس عجيباً أن أعذبهُ ... يفنى ويمتدّ عُمرُ الآجن الآسنِ رُزءٌ علَى طيء ألقى كلاكِلَه ... لا بل علَى أزد لا بل علَى اليمنِ لم يُثكلوا ليث حرْبٍ مثل محطبةٍ ... من بعد قحطبةٍ في سالف الزمنِ إلاَّ تكن صَهرت عن منظر حَسَنٍ ... منه فقد صدرت عن مسمعٍ حسنِ رأى المنايا خيالات النفوس ولم ... تسكن سوى المنية العليا إلى سكنِ لو لم يمُتْ بين أطراف الرماح إذاً ... لمات لو لم يمُت من شدة الحَزنِ

стр. 160

أما صدر الكلام فحسن، وأمَّا البيت الأخير ففيه إفراط شديد، ومعنى ليس بالعذب، ولا بالشديد، وذلك أن الشجاع إنَّما يؤثر الموت على الفرار خوفاً لما يلحقه من العار، فإنما إيثاره قتل الأعداء له على قتله لهم، وظفرهم به وبقومه على ظفره بهم وبقومهم. فهذا يخرج عن حد الشجاعة، ويدخل في حدّ الرقاعة، وليس ينبغي لكل من تمكن من معنى، وتسهّل له نظمه أن ينظمه في شعره، ويحتمل ما يدخل فيه من المجال، رغبةً في التوفيق في الحال، وطلب التوسط والاعتدال، خيرُ على كل حال، لأنه لا يخرج عن حدّ التقصير والإخلال، ولا يبلغ بصاحبه إلى درجة المحال. قالت بنت بدر ترثي الزبير بن العوام: غَدَ ابن جُرْموزٍ بفارس بُهْمَةٍ ... يومَ اللقاء وكان غيرَ مُعَرَّدِ يا عمرو لو نبَّهتهُ لوجدتَهُ ... لا طائشاً رعشَ الجنانِ ولا اليدِ ثكِلتكَ أمُّكَ إن قتلتَ لمُسلماً ... حلَّتْ عليكَ عُقوبةُ المُتعمِّدِ وكان قتل الزبير فيما بلغنا أنَّه لما انصرف عن البصرة تبعه ابن جرموز فعطف عليه الزبير فقال له: نشدتُكَ بالله فكف عنه، فلما جاوزه تبعه فلما عطف عليه الزبير ﵀ ناشده فكف عنه، فلما صار على قريب من فرسخين من البصرة نام فضربه بن جرموز مغتالاً، فقال: ما له قاتله الله ي ذكر ني بالله ثمَّ ينساه فأخذ رأسه وصار به إلى علي بن أبي طالب ﵁، فقال للآذن ائذن له، وبشره بالنار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار فقال ابن جرموز: أتيتُ عليّاً برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزُّلفةِ فبشَّر بالنَّار قبل العيا ... نِ فبئس بشارة ذي التحفةِ فسيّان عندي رأسُ الزبيرِ ... وضرطة عنز بذي الجُحفةِ أنشدنا ابن أبي طاهر: دموعٌ أجابت داعيَ الحُزن هُجَّعُ ... توصَّلُ منا عن قلوب تَقطَّعُ عفاءٌ علَى الدُّنيا طويل فإنها ... تُفرّق من حيث ابتدت تتجمّعُ ولما قضى ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الموت ما يتوقعُ غدا ليس يدري كيف يصنع مُعْدمٌ ... دَرى دمعُهُ من وجده كيف يصنعُ وقمنا فقلنا بعد أن أُفردَ الثوى ... به ما يُقالُ للسحابة تُقلع ألمْ تكُ ترعانا من الدَّهر إن سطا ... وتحفظ من آمالنا ما نُضيّعُ وتربطُ جأشاً والكماةُ قُلوبُهم ... تزعزع خوفاً من فتى يتزعزعُ فأُنطق فيه حامد وهو مُفْحمٌ ... وأُفحمَ فيه حاسدٌ وهو مِصْقَعُ وقال البحتري: قبور بأطراف الثغور كأنها ... مواقعُها منها مواقعُ أنجمِ حتوف أصابتها الحتوف وأسهمٌ ... من الموت كرَّ الموت فيها بأسهمِ تُرى البيض لم تعرفهمُ حيث واجهت ... وجوههُمُ في المأزق المتجهمِ بلى أن حدَّ السَّيف أعذرُ صاحبٍ ... وأكفرُ من نالتْهُ نعمةُ منعمِ الباب السادس والخمسون ذكر النوح علَى من مات من الأبناء والقرابات ذكروا أن النبي ﷺ ، لما قتل النَّضْر بن الحارث بن كَلْدة جاءت أخته فعلقت بزمام راحلته صلى الله عليه وأنشأت تقول: يا راكباً إن الأثيلَ مظنَّةٌ ... من صُبْحِ خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ بلِّغ به مَيْتاً بأن تحيةً ... ما إن تزال به النجائب تخْفقُ منّي إليه وعَبْرةٍ مسفوحةً ... جادتْ لمائحها وأُخرى تخْنُقُ هل يسمعَنَّ النَّضِرُ إنْ ناديتهُ ... إن كان يسمعُ ميتٌ لا ينطقُ ظلّت سيوفُ بني أبيه تَنوشُهُ ... لله أرحامٌ هناك تَشقّقُ النضرُ أقربُ ما أخذت قرابةً ... وأحقُّهم إنْ كان عتْقٌ يُعْتقُ ما كان ضَرَّك لو منَنْت ورُبّما ... منَّ الفَتَى وهو المغيظَ المُحنقُ فيقال أن النبي صلى الله عليه قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته، وليس هذا مستنكر من أخلاقه. وذكروا أن أبا بكر الصديق ﵀ صلى الصبح يوماً فلما انفتل قام متمم بن نويرة في مؤخر الناس، وكان رجلاً أعورَ ذميماً فاتّكى علَى سيَّةِ قوسه ثمَّ قال: نِعمَ القتيلُ إذا الرياحُ تناوحت ... خلف البيوت قُتلْتَ يا ابنَ الأزورِ

стр. 161

أدعوتهُ بالله ثمَّ غرَرْتهُ ... لو هو دعاكَ بربه لم يُغررِ وأومأ إلى أبي بكر فقال أبو بكر: والله ما دعوته، ولا غدرت به. ثمَّ بكى مُتمّم وانخرط على سيَّةِ قوسه حتَّى دمعت عينه العوراء. ثمَّ أتمَّ شعره فقال: لا يُمسكَ العوراءَ تحت ثيابه ... حُلوٌ شمائله عفيف المئزر ولنعمَ حشوَ الدرع كنت وحاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنوّر فقال له عمر: لوددت أنك رثيتَ أخي بمثل هذا. فقال يا أبا حفص: لو لم أعلم أن أخي صار حيث ما صار أخوك ما رثيته: يعني أن أخا عمر مات شهيداً فقال عمر: ما عزَّاني أحدٌ عن أخي بمثل تعزيته. وذكروا أنّ مُتمّم بن نويرة كان لا يمرُّ بقبر، ولا يُذكر الموت بحضرته إلاَّ قال: يا مالك ثمَّ فاضت عبرته ففي ذلك يقول: وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللِّوى فالدكادكِ فقلت لهم إن الأسى يبعث البُكا ... ذروني فهذا كلُّه قبرُ مالك وقال دُريد بن الصمّة يرثي أخاه: أمرتهُمُ أمري بمُنْعرج اللِّوى ... ولم يسْتبينوا النُّصحَ إلاَّ ضُحى الغدِ فلما عصوني كنتُ منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنَّني غيرُ مُهْتدِ فما أنا إلاَّ من غزيّة إن غَوتْ ... غويتُ وإن ترشُدْ غزيّةَ أرشُدِ وقلتُ لهم طنّوا بألفي مُقاتل ... سرابهمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ دعاني أخي والخيلُ بيني وبينهُ ... فلما دعاني لم يجدْني بقُعْددِ فجئت إليه والرماح تنوشهُ ... كوقع الصّياصي في النسيج المُمدَّدِ وكنتُ كذاتِ البَوِّ ريعتْ فأقبلت ... إلى قطع من جلد سَقْب مُقدّدِ فطاعنتُ عنه الخيلَ حتَّى تنهنهتْ ... وحتَّى علاني حالك اللون أسودِ فنادوا وقالوا أردت الخيلَ فارساً ... فقلتُ أعبدَ الله ذلكم الرَّدي فإن يكُ عبد الله خلَّى مكانهُ ... فما كان وقّافاً ولا طائشَ اليدِ قليل التشكّي للمصيبات حافظٌ ... من اليومِ أعقابَ الأحاديثِ في غدِ وقالت الخنساء في أخيها: وقد كنتُ أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإنْ عَظُم الأجْرُ وأجزعُ أن تنأى به بين أهله ... فكيف ببينٍ صار معتاده الحشرُ وقالت أيضاً: يا صخر بنت فهاجني تذكاري ... شأنيك عاش بذلةٍ وصغار كنا نعدُّ لك المدائح كلها ... فاليوم صرت تناح في الأشعار وقال أيضاً: ألا يا صخرُ إن أبكيتَ عَيْني ... فقد أضحكتني دهْراً طويلا بكيتُك في نساءٍ مُعْولاتٍ ... وكنتُ أحقَّ من أبدى العويلا دفعتُ بك الجليلَ وأنت حيٌّ ... فمن ذا يدفعُ الخطبَ الجليلا إذا قَبُحَ البُكاءُ علَى قتيلٍ ... رأيتُ بكاءك الحَسنَ الجميلا ولما مات عاصم بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أخوه عبد الله فرثاه فقال: فإنْ تكُ أحزان وفائض عَبْرةٍ ... أثرْنَ دماً من داخل الجوف منقعا تجرّعتما في عاصمٍ واحتسبْتُها ... لأعظمَ منها ما احتسى وتجرَّعا فليتَ المنايا كُنَّ صادفْنَ غيرهُ ... فعشنا جميعاً أوْ ذهبْنَ بنا معا وقال ربيع الأسدي يرثي أخاه: كأني وصيفيُّ شقيقيَ لم نَقُلْ ... لموقد نار آخرَ اللَّيل أوْقدِ فلو أنَّها إحدى يديَّ رُزِئتها ... ولكنْ يدي بانتْ علَى إثرها يدي وقال آخر في أخ له قُتل: زعموا قُتلتَ وعندهُمْ عُذْرُ ... كذبوا وقبرك ما لهُ عُذرُ والله لو بِك لم أدَعْ أحداً ... إلاَّ قتلتَ لفاتني الوترُ قال العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، وكان من رواة أخبار الجاهلية والإسلام ومات له بنون فرثاهم مراتٍ كثيرة منها: أضْحتْ بخدي الدموع رسومُ ... أسفاً عليك وفي الفؤادِ كُلومُ والصبرُ يُحمدُ في المصائبِ كُلِّها ... إلاَّ عليك فإنَّه مَذمومُ ما واحدٌ في ستةٍ أسكنتُهم ... حُفَراً تُقسَّمُ بينهم ورجومُ لولا معالمُ رسمهن لما اهتدى ... لحميمه بين القُبور حميمُ وقال أيضاً: أما يزجُر الدَّهرُ عنِّي المنونا ... يُبَقّي البنات ويُفني البنونا وكنتُ أبا ستة كالبدو ... رقدَ فقأوا أعين الحاسدينا

стр. 162

فمروا علَى حادثات الزما ... نِ كمرّ الدراهم بالناقدينا وما زال ذلك دأب الزما ... نِ حتَّى أماتهمُ أجمعينا وحتَّى بكى لي حُسَّادهُمْ ... وقد أقرحوا بالدموع الجفونا وحسبُك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا فمن كان يُسليه مرُّ السنين ... فحزني تجدّده لي السنونا وقال محمد بن حسّان الضَّبِّيّ: هيئْ لأحمدَ في الثرى بيتُ ... وخلا لهُ من أهلهِ بيتُ وكأن مولده ويوم وفاته ... صوتٌ دعا فأجابه صوتُ ومات ابن لأرطاة بن سُهيَّة من غطفان، فأقام على قبره حولاً يأتيه كلَّ غداة فيقول: يا عمرو إنْ أقمتُ حتَّى أصبح هل أنت غادٍ معي. وينصرف، فلما كان عند رأس الحول انصرف عن قبره وأنشأ يقول: وقفتُ علَى قبر ابن ليلَى ولم يكُنْ ... وقوفي عليه غير مبكًى ومجزع هل أنت ابن ليلَى إن نظرتُك ليلةً ... من القوم أو غادٍ غداة غدٍ معي وذكروا أن خالد بن الوليد قتل رجلاً من بني عُذرة يقال له فطن بن شريع، فأقبلت أمه فقالت: ألا تلك المسرَّةُ لا تدومُ ... ولا يبقى علَى الدَّهر النعيمُ ولا يبقى علَى الحدثانِ عَقْرٌ ... بشاهقةٍ لها أمُّ رؤومُ وقالت أيضاً: يا جامعاً جامعَ الأحشاء والكبدِ ... يا ليتَ أمَّكَ لم تولد ولم تَلدِ ثمَّ انكبت عليه وشهقت وماتت. وقالت امرأة ترثي ابنها: لا يبعد الله فتياناً رزئتهم ... بانوا لوقتِ مناياهم وقد بعدوا أمست قبورُهمُ شتَّى وتجمعُهمْ ... حوض المنايا ولم يجْمعهم بلدُ ميتٌ بمصرَ وميت بالعراق ... وميتٌ بالحجاز منايا بينهم بدَدُ دُعوا من المجد أحياناً إلى أجلٍ ... حتَّى إذا أكملتْ أطمارُهمْ وردوا كانت لهم هممٌ فرّقْنَ بينهم ... إذا القعاديد عن أمثالهم قعدوا بذل الجميل وتفريج الجليل ... وإعطاءَ الجزيل إذا لم يُعْطه أحدُ وقال آخر: لقد شمتَ الأعداء بي وتنكّرتْ ... عيونٌ أراها بعدَ هُلك أبي عمرو تجرّى عليَّ الدَّهر لمّا فقدتهُ ... ولو كان حيّاً لاجترأتُ علَى الدَّهرِ أسكّان بطنِ الأرض لو يُقبلُ الفدا ... فدينا وأعطينا بكم ساكنَ الظّهرِ وقاسمني دهري بنيَّ بحُكمه ... فلما ترقّى شطرُهُ مالَ في شطري فأضحوا ديوناً للمنايا ومن يكُنْ ... عليه لها دينٌ قضاه إلى العُسرِ كأنهمُ لم يعرف الدَّهر غيرهم ... فثكلٌ علَى ثكلٍ وقبرٌ جدا قبرِ وكنتُ به أُكنى فأصبحتُ كلَّما ... كنيتُ به فاضَتْ دموعي علَى نحري ألا ليتَ أمي لم تلدني وليتني ... سبقتُكَ إذْ كنا إلى غاية نجري وقال بعض الشعراء يرثي ابناً له مفقوداً: فلو صارفونا النَّاس قبلي بينهم ... أُتيحَ له موتٌ فأضْمَرهُ قبرُ إذن لصبرتُ النَّفس ثمَّ احتسبتهُ ... وفي الصبر لله المثوبة والأجْرُ ولكنْ طوَتْ عنّي المقادير علمه ... فما لي به منذ انثنى شخصه خبرُ أموتٌ فيُسلى أم حياةٌ فترتجى ... أبرُّ أتى من دون مثواه أوْ بحرُ فرحمتك اللهم قد بلغ الأسى ... نهاية مجهودي فقد غلب الصبرُ وقال الفضل بن العباس الكاتب: نفسي فداءُ فقيد خفَّف المؤنا ... طول الحياة وعند الطَّعن إذْ طَعَنا فما حمينا له زاداً يزوّدهُ ... ولا كفلنا له نعشاً ولا كفنا مضى علَى وجهه لا عن مُراغمةٍ ... تشجيه منا وإلاَّ استدعت له الإحنا قد كنتَ تذكرُ أن الأمرَ مُقتربٌ ... في سفرةٍ لم تزلْ منها تُحذرُنا فليت شعري أمقتولاً ثويتَ بها ... أوْ في عراض الرَّدَى أمسيت مُرْتهنا يقربنّكَ لأم الأرض أكِلة ... لم يبق فيه لنا روحاً ولا بدنا أودى الزَّمان بعباسٍ وخلَّفني ... من بعده كمداً حيرانَ مُرتهنا كأنني والهٌ اغتيل واحدُها ... فليس تألفُ من ثُكل به وطنا فإن تضمّنهُ ربي إليه فما ... أُحصي السوالف من نعماه والمننا وفي نحو ذلك وهو من نفس الكلام: ليتَ شعري ضلَّةً ... أيُّ شيءٍ قتلكْ أعدوُّ لم تخف ... هـ أم رصيدٌ ختلكْ

стр. 163

طاف يبغي نجوةً ... من هلاكٍ فهلكْ كل شيءٍ قاتل ... حين تلقى أجلك والمنايا رَصَدٌ ... للفَتَى حيثُ سلكْ أيُّ شيءٍ حسنٍ ... في فتًى لم يكُ لكْ الباب السابع والخمسون ذكر من جزع فاحتاج إلى تعزية أوليائه ومن رزق الصبر فاستغنى بحسن عزائه حدثنا القاضي إبراهيم بن عيسى الزهري قال، وحدثنا محمد بن عاصم صاحب الحانات قال: حدثنا سليمان بن عمرو وأبو داود النخعي عن مهاجر بن الشامي عن عبد الرحيم بن غُنم عن معاذ بن جبل قال: مات ابن لي فكتب إليَّ رسول الله ﷺ . من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك، فإنِّي أحمدُ إليك الله الَّذي لا إله إلاَّ هو. أما بعد، فعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، ثمَّ أن أنفسنا وأموالنا وأهالينا وأولادنا مواهب لله الهينة...... المستودعة متعك به في غبطة وسرور، وقبضه أجر كبير إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعنَّ عليك يا معاذ أن يُحيط جزعك أجرك فتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك عرفت أن المصيبة قد قصرت عنه، واعلم أن الجزع لا يردُّ ميتاً، ولا يدفع حزناً، فليذهب أسفك ما هو نازل بك، فكان قدر السلام. لولا ما تقدم من ضماننا أن نُضمّن كل باب مائة بيت من الشعر لاستغنينا بهذه التعزية وحدها عن كل ما كان من جنسها لأنها بحمد الله مستغنية عما يوجدها، دالّة على قبح ما يخالفها. وما عسى أن نذكر بعدها، هل تركت لقائل مقالاً أوْ ضمنت أقطارها زللاً واختلالا معاذ الله هي أحسن كمالاً، وأتم جمالاً من أن يحبسها التوكيد أوْ ينوء بها التأييد، وأنَّها لموجبة على من عقلها أن يعتد المصيبة نعمة، وأن يرى الجزع منها نعمة، ولقد أصاب أبو تمام الطائي بعض الإصابة في قوله، وإن كان سمع هذه التعزية وكسا شعره بعض معانيها فقد أحسن في فعله حيث يقول: لله درُّ بني خليفٍ معشراً ... أي امرءٍ فُجعوا به ولربما فُجعوا بذي الحسب التليد فأصبحوا ... لا مُلبسين ولا ضعافاً رُخّما حتَّى كأنَّ عدوّهم ممَّا يرى ... من صبرهم حسبَ المصيبة أنعما وممَّن عزَّى نفسه فأحسن تعزيتها، وكفى أولياءه مداراتها، ومؤونة التشاغل بها ابن سبيل معبد البجلي حيث يقول: وهوَّن عنِّي بعض وجدي أنَّني ... رأيت المنايا تغتدي وتَنوبُ وأنِّي رأيتُ النَّاس أفنى كرامَهم ... حوادث ذل العالمين نصيبُ وما نحن إلاَّ منهمُ غير أننا ... إلى أجل ندعى له فنجيبُ ولقد أحسن الَّذي يقول: وهوَّن وجدي إنَّما هو كائن ... أمامي وإنِّي واردُ اليوم أوْ غدِ وهوَّنَ وجدي إنَّني لم أقلْ له ... كذبتَ ولم أبخلْ بما ملكتْ يدي وقال عبد الصمد يرثي عمرو بن سعيد بن سَلَم: تولى أبو عمرو فقلت له عمرو ... كفانا طلوعُ البدر غيبوبة البدر وكنا عليه نحذِر الدَّهر وحده ... فلم يبقَ ما يُخشى عليه من الدَّهر وهوّن وجدي أن من عاش بعده ... مُلاقي الَّذي لاقى وإن مُدَّ في العُمر وهوّن وجدي إنَّني لا أرى امرءً ... من النَّاس إلا وهو مُغضٍ علَى وتر وكانت تعم النَّاس نعماء كفّه ... فعمّوا عليه بالمصيبةِ والأجر وما قصرت الخنساء حيث تقول: ولولا كثرةُ الباكين حولي ... علَى إخوانهم لقتلتُ نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّي النَّفس عنه بالتأسي وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظاً، وأحسنه اختصاراً، وأشدَّه استيفاءً لأجل معنى، وذلك أنَّها وكَّدت جزعها عليه بإخبارها أنَّه لا مانع لها من قتل نفسها إلاَّ كثرة نظائرها، ثمَّ أفردت قتيلها من جملة قتلى غيرها فشبهت نفسها بأنفسهم، ورفعت قتيلها عن قتلاهم، وقد أحسن الَّذي يقول، وإن كان دون ذلك: ولا تجزعي يا أمّ زيدٍ وفاته ... ستأتي المنايا كل حاف وذي نعل فلولا الأسى ما بتُ في الحبس ليلةً ... ولكنْ إذا ما شئتُ جاوبني مثلي وقال الحسن بن عبيد الربيعي في أخيه جبار: وطيّب نفسي عن خليلي أنَّني ... إذا شئتُ لاقيتُ امرءً يتلَهفُ جرينا لما حالَ الحوادث بينه ... وبين الأحباء الَّذي كان يألفُ

стр. 164

أجدكَ لا تنسى ولا أنت ذاكراً ... خليلك إلاَّ ارفضَّت العين تَذرفُ ولقد أحسن الَّذي يقول: عزَّ من ظنَّ أن يفوتَ المنايا ... والمنايا قلائدُ الأعناقِ إنَّما عجلت سهام المنايا ... فالذي أخّرت سريع اللِّحاقِ قلتُ للفرقدين واللَّيل مُلقٍ ... سود أكنافه علَى الآفاقِ أبقيا ما بقيتما فسيرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراقِ وقال آخر: لعمري لقد راعت أُمامة طلعتي ... وإن ثوابي عندها لقليلُ يقول أراه غرّه لاهياً به ... وذلك خطبٌ لو علمت جليلُ فلا تحسبي أنِّي تناسيتُ عهده ... ولكنَّ صبري يا عُميمُ جميلُ وقال آخر: بأبي وأمي من عبأتُ حَنوطهُ ... بيدي ومن بوَّأتُهُ لَحْدا فارقتُه لا أشتكي لفِراقه ... وخُلقتُ يومَ خُلقتُ جَلْدا ولأبي العتاهية: قدم العهدُ وأسلاني الزَّمنْ ... إن في القبر لمسلى والكفن وكما تَبْلى وجوهٌ في الثوى ... فكذا يبلى عليهن الحَزنْ وقال آخر في ابنٍ له: أجارتَنا لا تجزعي وأنيبي ... أتاني من الموت المُطلِّ نصيبي عجبتُ لإسراع المنيَّة نحوهُ ... وما كان لو كليتُه بعجيبِ يؤمل عيشاً في حياة ذميمةٍ ... أضرَّتْ بأبدانٍ لنا وقلوبِ وما خير عيش لا يزال مُقرَّعاً ... بفوت نعيمٍ أوْ بموت حبيبِ لعمري لقد دافعت يوم محمدٍ ... لو أن المنايا ترعوي لطبيب وقال أعرابيّ وقتل أخوه ابناً له، فقدم ليقتاد منه، فلما أهوى بالسيف ارتعد زنده فألقى السَّيف وعفا عنه وقال: أقول للنفس تأنيباً وتعزيةً ... إحدى يديّ أصابتني ولم تُرد كلاهما خَلَفٌ من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي وقال أبو خراش: حمدتُ إلهي بعد عروة إذْ نجا ... خراشٌ وبعض الشرِّ أهونُ من بعض علَى أنَّها تعفو الكُلوم وأنَّها ... توكّل بالأدنى وإنْ جلَّ ما مضى فوالله لا أنسى قتيلاً رُزئته ... فجانب قوسي ما مشيت علَى الأرض ولم أدرِ من ألقى عليه رداءه ... علَى أنَّه قد شلّ عن ماجد محض وقال هشام أخو ذي الرّمَّة: تسلّيتُ عن أوفى بغيْلان بعدَه ... عزاءً وجَفنُ العين بالدمع مُتْرَعُ ولم تُنسني وفى المصائبُ بعده ... ولكنّ نكأ القرح بالقرح أوجعُ وقال آخر: فكان سنانٌ من هريم خليقةً ... وحصناً وأمراً سالماً يتعتبُ كواكبُ دجن كلما انقض كوكبٌ ... بدا وانجلت عنه الدجنة كوكبُ وقال أوس بن حجر وكان فيما ذكر أبو عبيدة شاعر مضر حتَّى نشأ زهير والنابغة فوضعا منه ولكنه شاعر تميم غير مدافع: أيتُها النَّفسُ اجملي طَمعا ... إنَّ الَّذي تحْذرينَ قد وقَعا إنَّ الَّذي جمعَ السماحة والنجدةَ ... والبأسَ والنَّدَى جمعا وهذا أتمُّ في الحال ممَّا ذكرناه قبله أنَّه تسلَّى عن منيته بغيره لأن هذا جعل النَّاس وحده سبباً لتسلية نفسه وأولئك جعلوا حياة الباقي سبباً للتسلي عن المضي. وهذا يعتوره حالان من النقصان أحدهما تقصير بالماضي إذْ كان من بعده يُسلّي فقده، ويسدُّ موضعه. والثاني تقصير القائل بنفسه إذْ جعلها غير منقادة له في التسلِّي عن من يئست منه إلاَّ بإقامة عوض ينوب عنه. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك: تعزّ أميرَ المؤمنين فإنَّه ... لما قد ترى يُغذي الصغيرُ ويولدُ هل ابنُك إلاَّ من سلالةِ آدمٍ ... لكُلٍّ علَى حوض المنيَّةِ موْرِدُ ولما قتل بُسْر بن أرطاة عمرو بن أراكة جزع عليه أخوه عبد الملك: لعمري لئن أتْبعتَ عينيك ما مضى ... به الدَّهرُ أوْ ساقَ الحِمامُ إلى القبرِ لتَسْتنفدَن ماء الشؤون بأسرهِ ... ولو كنتَ تَمريهنَّ من لجج البحرِ تبيَّنْ فإنْ كان البُكا ردَّ هالكاً ... علَى أحد فاجهدْ بُكاك علَى عمرو ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنَّهُ ... عليُّ وعباسٌ وآلُ أبي بكرِ وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ترى المرء يبكيه إذا مات قبله ... وموت الَّذي يبكي عليه قريبُ

стр. 165

يود الفَتَى المال الكثير وإنَّما ... لنفس الفَتَى ممَّا ينال نصيبُ وقال آخر: لا تكره المكروه عند نزوله ... إنَّ العواقبَ لم تزل متباينة كم من يدٍ لا يُستقلُّ بشكرها ... لله في ظل المكاره كامنة وقال آخر يعزي رجلاً عن أبيه: اصْبر لكلِّ مُصيبةٍ وتجلّدِ ... واعلمْ بأن المرءَ غيرُ مُخلَّدِ وإذا ذكرتَ محمداً ومصابَه ... فاذكرْ مصابَك بالنبي محمدِ وبلغني أن رجلاً عزَّى يحيى عن حرمةٍ له فقال: أيها الوزير تقديم الحرم من النعم وتمثل: تعزَّ إذا رُزئتَ فخيرُ درعٍ ... تسرْبَل للمصائب درعُ صبرِ ولم أرَ نعمةً شملت كريماً ... كعورةِ مُسلم سترت بقبرِ وقال بعض الطاهريين: لكلِّ أبي أنثى إذا ما ترعرعتْ ... ثلاثةُ أصهارٍ إذا ذُكرَ الصهرُ فأمٌّ تراعيها وبعلُ يصونُها ... وقبرٌ يواريها وخيرهمُ القبرُ وقال البحتري: أتبكي من لا يُنازلُ بالسي ... ف مُشيحاً ولا يهُزُّ اللواءَ لَسْنَ من زينة الحياة كعهد الله ... منها الأموال والأبناءَ وتلقت إلى القبائل فانطُرْ ... أُمهاتٍ يُنْسَبْن أم آباءَ ولعمري العجزُ عندي إلاَّ ... أن يبين الرِّجال تبكي النِّساءَ وقال يزيد بن الحكم الثقفي: فإن تحتسبْ تؤجر وإن تبكه تكن ... كباكيةٍ لم يُحيى ميتاً بكاؤها ومن سِرِّ حظي مُسلم من مصيبةٍ ... بكاءٌ وأحزان قليلٌ جداؤها وذكر لنا أن محمد بن عبد الملك الزيَّات كانت له جارية وكان بها ضنيناً وكان له منها ابن يقال له عمرو، فماتت وابنه صغير فقال فيها: ألا من رأى الطفل المفارق أمّهُ ... بعيد الكرى عيناه تنسكبانِ ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبةً ... ولا يأتسي بالناس والحدثانِ رأى كل أمٍّ وابنها غير أُمّه ... يبيتان تحت اللَّيل ينتجيانِ يرنُّ بصوت مضَّ قلبي نشيجه ... وسحّ دموع ثرّة الهملانِ فلا تلحياني إن بكيتُ فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريانِ وهذا لعمري اعتذار من شدة الجزع ينكأ قلوب اللائمين وسلَّى عيون الشامتين ويخرج المُعزين إلى التعزية، وتُستغربُ معانيه، ويُستجاد شعره ويُستعذبُ لفظه على معاره...... قول ماويّة بن مُرَّة امرأة كليب تشتكي ما بها من قتل أخيها لزوجها: يا قتيلاً قوَّضَ الدَّهرُ به ... سَقْفَ بيتي جميعاً من عَلِ هدَّم البيت الَّذي استحدثتهُ ... وبدا في هدم بيتي الأول يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصَّني الدَّهر برزء مُعْضل حضني قتلُ كليب بلظًى ... من ورائي ولظى مستقبلي ليس من يبكي ليومين كمن ... إنَّما يبكي ليومٍ مُقبلِ درك الثائر شافيه وفي ... دركي ثأري ثُكلُ الثُكلِ قتل جساسٍ علَى وجدي به ... قاطع ظهري ومُفنٍ أجلي لو بعين فُديت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفلِ إن تكن أختُ امرئٍ ليمتْ علَى ... شفقٍ منها عليه فافعلِ جلَّ عندي فعلُ جساس فيا ... حسرتي عما انجلى أو ينجلي إنَّني قاتلةٌ مقتولة ... ولعلَّ الله أن يرتاح لي وقال آخر: تمنى ابنتايَ أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ وباكيتان تندبان لعاقلٍ ... أخا ثقةٍ لا عين منها ولا أثرْ وقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعرْ وقولا هو المرء الَّذي لا خليله ... أضاع ولا خان الوفاء ولا غدرْ إلى الحول ثمَّ اسم السلام عليكما ... ومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ وهذا من الكلام السائر اللفظ المستعمل المعنى إذْ ليس ترى ميتاً وإن جل رزؤه وعظم فقده يبكي عليه إلاَّ في الندرات، فأمَّا النياحة والاجتماعات فلا يراها إلاَّ قبل الحول، وليس يستحسن من أهل المصائب مراعاة الحزن والإفراط في باب الجزع، وليس يحسن أيضاً التحقق بقسوة القلب وقلة الجزع من فقد المحبوب كالذي يقول: يُبكى علينا ولا نبكي علَى أحدٍ ... لنحن أغلظُ أكباداً من الإبل

стр. 166

ولكن بين الطرفين واسطة عادلة، فيها رقة تشاكل طباع المؤمنين، وحسن تجلّد يشبه أخلاق المتقين، فقد روي عن النبي صلى الله عليه أنَّه بكى على ابنه إبراهيم وقال: لو نفع الحزن حزنّا عليك حزناً هو أشدّ من هذا وأنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، تدمع العين، ويحرق القلب، ولا نقول ما يسخط الرب. الباب الثامن والخمسون ذكر التزهيد فيما يفنى والترغيب فيما يبقى بلغنا أن أمية بن أبي الصلت أُغمي عليه في مرضه الَّذي مات فيه، فأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما هأنذا لديكما، لا ثري فأعتذر ولا ذو قوة فأنتصر. ثمَّ أُغمي عليه ثمَّ أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما لا مال لي يفتديني ولا عشيرة تحميني، ثمَّ قال: ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قِلال الجبال أرعى الوعولا كل عيش وإن تطاولَ يوماً ... صائرٌ مرَّه إلى أن يزولا فاجعل الموت نُصب عينيك واحذرْ ... غولة الدَّهر إن للدهر غولا أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لنافع بن لقيط القفعسي: اذهبْ إليك فليس يعلمُ عالمٌ ... من أين يُجمعُ خطُّه المكتوبُ يسعى ويأملُ والمنيَّةُ خلفه ... يوفي الأكام بها عليه رقيبُ يسعى الفَتَى لينال أقصى سعيه ... هيهات ذاك ودون ذاك خطوبُ لا الموتُ مُحتقرُ الصغير فعادلٌ ... عنه ولا كِبرُ الكبير مهيبُ فلئن بُليتُ لقد عبرتُ كأنني ... غصنٌ تفيّأهُ الرياح رطيبُ وكذاك حقّاً من يعمرُ يبلهِ ... كرّ الزَّمان عليه والتقليبُ حتَّى تعود إلى البلى وكأنه ... بالكفّ أفوقُ ناصلٍ مغصوبُ مرط الفداد فليس فيه مصنّع ... لا الريش ينفعه ولا التعقيبُ وقال لبيد: المرءُ يأملُ أن يعيش وطول عيشٍ ما يضرُّه تفنى بشاشتُه ويبقى حلوِ العيش مُرُّه وتصرّف الحالات حتَّى لا يرى شيئاً يسرُّه كم شامتاً بي إن هلكتُ وقائلاً لله درُّه وقال أيضاً: بلينا وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ ... ويبقى الخيالُ بعدنا والمصانعُ وما النَّاس إلاَّ كالديار وأهلها ... بها يومَ حلّوها ونغدو بلاقعُ وما المرء إلاَّ كالشهاب وضوؤهُ ... يحورُ رماداً بعد إذْ هو ساطعُ وما المال والأهلون إلاَّ ودائعٌ ... ولا بدَّ يوماً أن تُردَّ الودائعُ أُخبَّر أخبارَ القرون الَّتي مضت ... أؤود كأني كلَّما قمتُ راكعُ أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لُزومُ العصا تُحنى عليه الأضالعُ فأصبحتُ مثلَ السَّيف أخلق جفنَه ... تقادُم عهد القين والنصل قاطعُ أعاذِلَ ما يُدريك إلاَّ تظنناً ... إذا رحل السُّفّار من هو راجعُ وذكر ابن الأعرابي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما في شعر العرب أحكم من شعر بعض العابدين: لقد غرَّتْ الدُّنيا رجالاً فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها مُتحوَّلُ فساخِطُ أمر لا يُبدَّلُ غيرهُ ... وراضٍ بأمرٍ غيرَه سيُبدَّلُ وبالغُ أمرٍ كان يأملُ دونه ... ومُخْتلجٌ من دون ما كان يأملُ وقال آخر: يا موتُ ما أقساك من نازلٍ ... تنزل بالمرءِ علَى رغمهِ تستخرج العذراء من خدرها ... وتأخذ الواحد من أمّهِ وقال الفرزدق: أخاف وراء القبر إن لم يُعافني ... أشدَّ من القبرِ التهاباً وأضيقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النَّار مغلولَ القِلادةِ أزرقا وقال الخليل بن أحمد: وقبلكَ داوى الطبيبُ المريضَ ... فعاشَ المريضُ ومات الطبيبُ فكن مستعدّاً لداعي الفنا ... فإن الَّذي هو آتٍ قريبُ وقال التستري: ويلٌ لمن لمْ يرحَم الله ... ومن تكونُ النّارُ مثواهُ يا غفلتي من كل يومٍ مضى ... يُذكرني الموتَ وأنساهُ كأنّما قد قيل في مجلسٍ ... قد كنتُ آتيهِ وأغشاهُ صار البشيريُّ إلى ربِّهِ ... يرحمُنا الله وإياهُ وقال محمود الورَّاق: بقّيت مالك ميراثاً لوارثه ... فليت شعري ما بقّى لك المالُ القوم بعدك في حالٍ يسرّهمُ ... فكيفَ بعدهمُ حالتْ بك الحالُ

стр. 167

ملّوا البكاءَ فما يبكيك من أحدٍ ... واستحكم القيلُ في الميراث والقالُ ألْهتهُمُ عنك دنيا أقبلتْ لهمُ ... وأدبرت عنك والأيام أحوالُ وقيل للمؤيد مات الملك فقال: كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس، فأخذه أبو العتاهية فقال: بكيتُكَ يا أخي بدموعِ عينيْ ... فما أغنى البكاءُ عليكَ شَيَّا وكانت في حياتك لي عِظاتٌ ... وأنتَ اليومَ أوعظُ منكَ حيّا وقال أبو نُواس: أيَّة نارٍ قدحَ القادحُ ... وأيَّ حكم بلغَ المازحُ لله درّ الشَّيْب من واعظٍ ... وناصح لو قُبل الناصحُ أغدُ فما في الشَّيْب أغلوطةٌ ... ورُحْ بما أنت له رائحُ من يتق الله فذاك الَّذي ... سيق له المُتّجرُ الرابحُ لا يجتلي الحوراءَ في خدرِها ... إلاَّ فتًى ميزانه راجحُ فاسمُ بعينيك إلى نسوةٍ ... مهورُهنَّ العملُ الصالحُ وقال أيضاً: إذا امتحن الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفت ... له عن عدوٍ في ثياب صديقِ وما النَّاس إلاَّ هالكٌ وابن هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ وقال أبو دؤاد الإيادي: وكلُّ حصنٍ وإن طالت سلامتُهُ ... يوماً ستدركه النكباءُ والحوبُ كل امرئٍ بلقاء الموت مُرْتهنٌ ... كأنه غرضٌ للموتِ منصوبُ وقال حاتم طيّ: وما أهل طود مكفهرّ حصونهُ ... من الموت إلاَّ مثلُ من حلَّ بالصحرِ وما دارع إلاَّ كآخرَ حاسر ... وما مُقترٌ إلاَّ كآخرَ ذي وَفْرِ تنوطُ لنا حُبَّ الحياةِ نفوسُنا ... ويسري إلينا الموت من حيث لا ندري وقال آخر: لعمرك ما الدُّنيا بدار إقامةٍ ... ولو عَقلوا كانوا جميعاً علَى رجلِ فما تبحث الساعات إلاَّ عن البلى ... ولا تنطوي الأيام إلاَّ علَى ثُكلِ وقال مُضرّس بن ربَعي: وما هي إلاَّ ليلةٌ ثمَّ يومها ... وحولٌ إلى حولٍ وشهرٌ إلى شهرِ منايا يُقرِّبنَ الصحيحَ من البِلى ... ويُدْنينَ ذا الجسم الصحيح من القبرِ ويتركن أزواجَ الغَيورِ لغيرهِ ... ويقسمنَ ما يحوي الشحيحُ من الوفرِ وقال آخر: وما أهل الحياة لنا بأهلٍ ... ولا دار الفناء لنا بدارِ وما أموالنا إلاَّ عَوارٍ ... سيأخذها المعير من المُعارِ وقال آخر: وما الدُّنيا لصاحبها بدارٍ ... وما حظُّ البنان من الخضاب غَناءٌ عن مؤمله قليلٌ ... دنوّ اللاّمعات من السّراب وما أدري وإن سافرت يوماً ... علَى رجع الظنون مَتَى إيابي وقال أبو بكر العَرْزمي: نُراعُ إذا الجنائز قابلتنا ... ونَسكنُ حين تخفى ذاهباتِ كروعة ثلّةٍ لمُغارِ سبعٍ ... فلمّا غاب عادت راتعاتِ وقال آخر: اسمع فقد آذنك الصوتُ ... إن لم تبادر فهو الفوتُ نِلْ كلَّما شئت وعش آمناً ... آخرُ هذا كلِّهِ الموتُ وهذا مأخوذ من قول النابغة: وعمرو بنُ دُهْمانَ الهُنيدةَ عاشها ... وتسعينَ عاماً ثمَّ قُوّم فانصاتا فعادَ سوادُ الرأس بعد بياضه ... وعاجله شرْخُ الشَّبابِ الَّذي فاتا وعاجله حلم أصيلٌ وقوَّةٌ ... ولكنه من بعد ذا كُلِّهِ ماتا وذكر عن الأصمعي أنَّه قال: أصبت حفراً حول الحيرة فإذا فيه رجلٌ عليه حلتان وإذا عند رأسه لوحٌ مكتوب فيه أنا عبد بن حيّان بن بقيلة: حلبت الدَّهر أشطره حياتي ... ونلتُ من المنى فوق المزيدِ وكافحتُ الأمورَ وكافحتني ... ولم أخضعْ لمعضلةٍ كؤودِ وكدتُ أنالُ في الشرف الثريّا ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الخلودِ وقال آخر: استعدّي يا نفسُ للموت واسعَيْ ... لنجاةٍ فالحازمُ المستعدُّ قد تبينتُ أنَّه ليس للحيِّ خل ... ودٌ ولا من الموت بدُّ أيُّ ملكٍ في الأرض أوْ أيُّ حظٍّ ... لامرئ حظه من الأرض خُلْدُ كيف يهوى امرء لذاذة أيّا ... مٍ عليه الأنفاسُ فيها تعدُّ ولعمري لقد طَرِفَ إسماعيل بن جعفر حيث يقول: أصبحتِ الدُّنيا لنا عِبرةً ... والحمدُ لله علَى ذالكا اجتمعَ الناسُ علَى ذَمِّها ... وما نرى منهمْ لها تاركا

стр. 168

الباب التاسع والخمسون ذكر أشعار الظرفاء من الملوك والخلفاء قال أبو بكر الصديق ﵀: لمّا رأيتُ نبيَّنا متحملاً ... وضاقتْ عليَّ بعرْضهنَّ الدُّورُ يا ليتني من قبل مَهلكِ صاحبي ... غُيِّبْتُ في جَدثٍ عليَّ صُخورُ فلتحدثُنَّ بدائعٌ من بعدهِ ... تعيا بهنَّ جوانحٌ وصدورُ وقال أيضاً ﵁: علّل النَّفسَ بالكَفاف وإلاَّ ... طلبتْ منك فوق ما يكفيها ما لما قد مضى ولا للذي لم ... يأتِ من لذَّةٍ لمستحليها إنَّما أنت طولُ عمرك ما عُمر ... تَ للساعة الَّتي أنت فيها وقال معاوية: سرحتُ بطالتي وأرحتُ حِلمي ... وفيَّ علَى تحلّميَ اعتراضُ علَى أنِّي اجتنبتُ إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحَدقُ المراضُ وقال الوليد بن يزيد: شاع شعري في سُلَيْمَى وظهرْ ... ورواهُ كل بدوٍ وحضرْ وتهادته الجواري بينها ... وتغنَّين به حتَّى انتشرْ لو علمنا لسليمى أثراً ... لسجدنا ألفَ ألفٍ للأثرْ وقال المهدي: من العين واقفة عبرة ... فلا هي تجودُ ولا تقطرُ ومن تحت أحشائه لوعةٌ ... إليكَ بها كبدٌ تزفرُ فيا رامياً في حشا نفسه ... بسهم الفراق وما يشعرُ ببغداد ينزل من قد هويتُ ... وأنت غداً مُربع منكرُ وقال الرشيد: ملك الثلاثُ الآنساتُ عناني ... وجَلَلْن في قلبي بكُلّ مكانِ ما لي تُطاوعني البريَّة كُلّها ... وأُطيعهنَّ وهنَّ من عِصياني ما ذاك إلاَّ أنَّ سلطان الهَوَى ... وبه قَوين أعزُّ من سُلطاني وذكروا أن الفضل بن الرَّبيع اشتكى شكاة، فكتب إليه الرشيد: أطال الله مدَّتك وأدام عافيتك، ما منعني من المسير إليك إلاَّ التطير من عيادتك واعذر أخاك فوالله ما جفاك ولا قلاك ولا استبدل بك سواك، وفيك أقول: أعزز عليَّ بأن تبيت عليلا ... أوْ أن يحلّ بك السّقام نزيلا ولقد سألت فأُبت عنك بغصةٍ ... إذْ قيل أوعك أوْ أُحِسَّ عليلا فوددتُ أنِّي مالكٌ لسلامتي ... فأعيركاها بكرةً وأصيلا هذا أخٌ لك يشتكي إذْ تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحبَّ خليلا وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابناً له: نأى آخرَ الأيام عنك حبيبُ ... فللعينِ سَحٌّ دائم وغروبُ يؤوبُ إلى أوطانه كلُّ غائبٍ ... وأحمدُ في الغيّاب ليس يؤوبُ تبدّل داراً غيرَ داري وجيرة ... سِوايَ وأحداثُ الزَّمانِ تنوبُ أقامَ بها مستوطناً غيرَ أنَّه ... علَى طول أيَّام المُقام غريبُ قليلٌ من الأيَّام لم تروِ ناظري ... بها منه حتَّى أغفلته شعوبُ كطلّ سحابٍ لم يُقمْ غيرَ ساعةٍ ... إلى أن أطاحتْهُ وطاحَ جنوبُ أوْ الشَّمس لمَّا من غمامٍ تحسَّرت ... مساءً وقد ولَّت وحانَ غروبُ وكانَ نصيبَ العين من كلِّ لذَّةٍ ... فأضحَى وما للعينِ منه نصيبُ وكانت يدي ملأى به ثمَّ أصبحتْ ... بعدل إلهي وهي منه سليبُ فأصبحت مجنوناً كئيباً كأنَّني ... عليَّ لمن ألقَى الغداةَ ذنوبُ سأبكيك ما أبقتْ دموعي والبُكا ... بعينيَّ ماءً يا بنيَّ يجيبُ وما لاحَ نجمٌ أوْ تغنَّتْ حمامةٌ ... وما اخضرَّ في فرع الأراك قضيبُ وأُضمرُ إن أنفذتُ دمعيَ لوعة ... عليك بها تحت الضّلوع وجيبُ فما لي إلاَّ الموت بعدكَ راحةٌ ... وليسَ لنا في العيشِ بعدك طيبُ قصمت حياتي بعد ما هدَّ منكبي ... أخوك ورأسي قد علاهُ مشيبُ وإنِّي وإن قُدِّمتَ قبلي لعالِمٌ ... بأنِّي وإن أبطأتُ منكَ قريبُ وإن صباحاً نلتقي في مسائهِ ... صباحٌ إلى قلبي الغداةَ حبيبُ وقال إبراهيم يعتذر إلى المأمون في عقد البيعة في غيبته وادعائه الخلافة لنفسه: واللهُ يعلم ما أقولُ فإنَّه ... جهدُ الأليَّة من حَنيفٍ راكعِ ما إن عصيتُكَ والغواةُ تمدُّني ... أسبابُها إلاَّ بنيَّةِ طائعِ فعلوتَ حتَّى لم يكُن عن مثله ... عفوٌ ولم يشفَع لديك بشافعِ

стр. 169

إلاَّ العلوَّ عن العقوبة بعدما ... ظفرتْ يداك بمستكين خاضعِ ورحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وحنينَ والهةٍ كقوسِ النازعِ نفسي فداؤكَ إن تضلّ مُعاذري ... وألوذُ منكَ بفضلِ حلم واسعِ وقال المأمون حين أخذ إبراهيم: لمَّا رأيت الذّنوب جلَّت ... عن المجازاة بالعقابِ جعلت فيه العقاب عفواً ... أقصَى من الضَّرب للرقابِ ذكروا أن المأمون أرسل غلاماً له إلى جارية يهواها فأبطأ عليه، فلما أقبل أنشأ يقول: بعثتكَ مشتاقاً ففُزت بنظرةٍ ... وأبطأتَ حتَّى قد أسأتُ بك الظّنَّا ومازحتَ من أهوَى وكنت مقرَّباً ... فيا ليتَ شعري عن لقائك ما أغنَى وأمرحتَ طرفاً في محاسنِ وجهها ... ومتَّعتَ باستمتاع نغمتها أُذنا أرَى أثراً منها بعينك بَيِّناً ... لقد سَرَقتْ عيناكَ من حسنها حُسنا وقال المأمون أيضاً: أَرَى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الورودِ أما يكفيكِ أنَّكِ تمْلِكيني ... وأنَّ النَّاسَ كلّهُمُ عَبيدي وقال المتوكل: جَزعتُ للحبِّ والحُمَّى صبرت لها ... إنِّي لأعجبُ من صبرِي ومن جَزعِي من كانَ يشغلَهُ عن إلفهِ وجعٌ ... فليسَ يشغَلُني عن حبّكم وجعِي وما أمَلُّ حبيبي ليتني أبداً ... مع الحبيب ويا ليت الحبيبُ معِي هذه مائة بيت من أشعار الخلفاء، ولو شئنا أن نختار من شعر واحد منهم مائة بيت لم يكن ذلك متعذراً، غير أنَّا لم نحب أن نزيد على ما شرطناه ولا نغيِّر الرسم عمَّا ابتدأناه. وقال النجاشي يفضّل عليّاً على معاوية: نعم الفَتَى أنتَ لولا أنَّ بينكما ... كما يُفاضَلُ نورُ الشَّمس والقمرُ إنِّي امرؤٌ قلَّ ما أثني علَى أحدٍ ... حتَّى أَرَى بعض ما يأتي وما يذرُ لا تحمدنَّ امرءاً حتَّى تجرِّبَه ... ولا تذُمنَّ من لم يبلُهُ الخبرُ وممَّا قيل في الجود. قال أبو تمام: لئن جحدتْكَ ما أوليتَ من حسنٍ ... إني لفي اللُّؤْم أحظى منك في اللُّومِ أنسَى ابتسامَكَ والألوانُ كاسفةٌ ... تبسُّم الصُّبح في داجٍ من الظُّلَمِ رددتَ رونقَ وجهي في صحيفتهِ ... ردَّ الصّقال بهاءِ الصَّارم الخَذِمِ وما أُبالي وخيرُ القول أصدقهُ ... حقنتَ لي ماءَ وجهي أَمْ حقنتَ دمي وقال أيضاً: ولو كانَ للشّكرِ شخصٌ يبينُ ... إذا ما تأمَّلهُ النَّاظرُ لمثلتهُ لك حتَّى تراهُ ... فتعلم أنِّي امرؤٌ شاكرُ قال: وأنشدني أحمد بن يحيى: قد نزلنا به نريد قِراهُ ... فانثنَى يحمدُ الصّيام فصُمنا ثمَّ أمسَى يُواتر الصَّومَ حتَّى ... بلغَ الجوع جهدنا فارتحلنا وأنشدنا: فتى لرغيفه شنف وقرطٌ ... ومرسلتان من خَرَز وشذرِ ودون رغيفهِ قلْعُ الثَّنايا ... وحربٌ مثلُ وقعةِ يوم بدرِ وإن ذُكرَ الرَّغيف بكى عليه ... بُكا الخنساءِ إذْ فُجعت بصخرِ وقال: أَرَى ضيفك في الدَّار ... وكربُ الجوع يغشاهُ علَى خبزك مكت ... وبٌ سيكفيكهم اللهُ وقال دعبل: يا تارك البيت من الضَّيفِ ... وهارب منه من الخوفِ الضَّيف قد جاءَ بزادٍ لهُ ... فراجعْ فكن ضيفاً علَى الضَّيفِ وقال آخر: حُملتُ علَى أعورٍ أعرجٍ ... فلا للرّكوب ولا للثَّمنْ حُملتُ علَى زمنٍ شاعرٍ ... فسوف تَكافا بشعر زمنْ أبا الفضل غُرْماً وذمّاً معَا ... فما كنتَ ترجو بهذا الغبنْ وقال أبو الشمقمق: طعامك في السَّحاب إذا سعينا ... وماؤك عند منقطع التُّرابِ وما روَّحتنا لتذبَّ عنَّا ... ولكنْ خوفَ مَرْزئَةِ الذُّبابِ وقال آخر: عُذرُكَ عندِي بكَ مبسوطُ ... والذَّنبُ عن مثلكَ محطوطُ ليس بمسخوطٍ فِعالُ امرئٍ ... كلّ الَّذي يفعل مسخوطُ قد كانَ حظّاً لك مسترجحاً ... لو كانَ في أمرك تخليطُ ؟؟ الباب الستون إنِّي أَرَى من له قنوعٌ ... يعذل من نالَ ما تمنَّى والرّزق يأتِي بلا عناءٍ ... وربَّما فاتَ من تعنَّى وقال أبو دلف:

стр. 170

إنَّ نفسِي كريمةٌ تألف الصَّ ... بر إذا ما تغيّرت حالاتي لو دعتني إلى الدناة حياتي ... يا بن عيسى هانتْ عليَّ وفاتي إنَّما تحمدُ السَّخايا من الأح ... رار عند النَّوائب المعضلاتِ كلُّ حيٍّ يبقى علَى الصَّبر ف ... ي اليسرِ وصبر الكريم في النَّائباتِ أنشدني بعض أهل الأدب: لا تكثري لم أرُمْ يا ويكِ في الطَّلبِ ... أيَّ البلادِ وأيَّ الأرضِ لم أجُبِ هذا وفيَّ خلالٌ كلُّها سببٌ ... إلى الغنِى غيرَ أنَّ الرّزقَ لم يجبِ لا أتّهم الله في رزقي فما صرفتْ ... عنِّي المكاسبَ إلاَّ حرفةُ الأدبِ ومن الباب الخامس والسبعين ذكر من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه. وقال المتلمس: تحلَّمْ عن الأدنين واستبقِ ودَّهم ... ولن تستطيعَ الحلمَ حتَّى تحلَّما وكنَّا إذا الجبار صعَّر خدَّه ... أقمنا له من درّه فتقوَّما فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما وما كنت إلاَّ مثل قاطع كفّه ... بكفٍّ له أُخرى فأصبح أجذما يداه أصابتْ هذه حتفَ هذه ... فلم تجدِ الأُخرى عليها مُقدَّما فلمَّا أفاد الكفّ بالكفّ لم يجدْ ... له دركاً في أن تَبينا فأحجما فأطرقَ إطراق الشُّجاع ولو يرَى ... مَساغاً لنابيه الشُّجاعُ فلمّما وقال وعلة الجرمي: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سَفَاهته كسرِي أعودُ علَى ذي الجهل والذّنب منهم ... بحلمي ولو عاقبتُ غرَّقهم بحرِي ألم تعلموا أنِّي تُخافُ غَرامتي ... وأنَّ قناتي لا تلينُ علَى الكسرِ وقال آخر: إن كنت لا ترهبُ ذمِّي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهلِ فاخش سكوتي إذْ أنا منصتٌ ... فيك لمسموعِ خنى القائلِ فسامع السّوء مشرّبه ... ومُطعمُ الأكلةِ كالآكلِ مقالة السّوء إلى أهلِها ... أسرعُ من مُنحدرِ السَّائلِ ومن دعا النَّاس إلى عيبه ... ذمُّوهُ بالحقِّ وبالباطلِ وقال: توخَّ من الطرقِ أوساطها ... وعَدِّ عن الجانب المشتبه وسمعكَ صُنْ عن سماعِ القبيح ... شريك لقائله فانتبه وقال لبيد بن ربيعة: ستذكركم منَّا نفوس وأعينٌ ... ذوارفُ لم تضننْ بدمعٍ غُروبها وهل يَعْدُوَنْ بين الحبيب فراقه ... نعمْ ذلُّ نفسٍ أن يَبين حبيبُها رأيتُ عذابَ الماء إن حيل دونها ... كفاك لما لا بدَّ منه شريبُها وقال آخر: وتجزعُ نفسُ المرءِ من شَدِّ مِرّةٍ ... فيسمع ألفاً مثلها ثمَّ يصبرُ فلا تعْذِراني إنْ أُسيءَ فإنَّما ... شرارُ الرِّجالِ من يُسيء ثمَّ يُعذرُ وقال ابن أوس المزني: لعمرُكَ ما أدري وإنِّي لأوْجَلُ ... علَى أيِّنا تعدُو المنيَّةُ أوَّلُ وإنِّي لأرجو دائم العهد لم أحُلْ ... إن أبزاك خطبٌ أوْ نبا بك منزلُ أُحاربُ من حاربت من ذي عداوةٍ ... وأحبسُ مالي إن غرمتَ فأعقلُ وإن سؤتني يوماً صفحتُ إلى غدٍ ... ليقبلَ يوم منك آخر مقبلُ ستقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيَّ كفَّيك تبذلُ إذا أنت لم تُنصفْ أخاكَ وجدتَهُ ... علَى طرف الهجران إنْ كانَ يعقلُ ويركبُ حدّ السَّيف من أن تضيمَهُ ... إذا لم يكنْ عن شفرةِ السَّيف مَعدلُ وفي النَّاسِ إن رثت حبالُكَ واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى مُتحوّلُ إذا انصرفتْ نفسي عن الشَّيء لم يكنْ ... إليه بوجهٍ آخِرَ الدَّهر تقبلُ أخبرني محمد بن الخطاب أن فتى من الأعراب خطب لبنت عم له وكان معسراً فأبى عمُّه أن يزوّجه فكتب إلى ابنة عمه هذه الأبيات: يا هذه كم يكون اللّوم والفَندُ ... لا تعذلي رجلاً أثوابُهُ قِدَدُ إن أُمسِ منفرداً فالبدرُ منفردٌ ... واللَّيث منفردٌ والسَّيف منفردُ أوْ كنتِ أنكرتِ طِمريه وقد خَلِقا ... فالبحر من فوقه الأقذاء والزَّبَدُ إنْ كانَ صرفُ الليالي رثَّ بزّته ... فبين ثوبيه منها ضيغم لُبَدُ

стр. 171

قال: فدخلت بالأبيات على أبيها فقال: ما أُريد بذلك صداقٌ غيرها فزوَّجه إيَّاها. وفي الباب الستين ما جاء في ذم المزاح وكثرة الكلام، أخبرني أحمد بن عبيد ورجل من العرب قال: خرجت في بعض ليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها صنم، فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا ما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناهٍ من دين. فقلت: والله ما ترانا إلاَّ الكواكب. قالت: وأين مكوكبها؟ فأخجلني كلامها فقلت: إنَّما كنت أمزح. فأنشأت تقول: فإيَّاك إيَّاك المزاحَ فإنَّهُ ... يُجري عليك الطفلَ والرَّجل النَّذْلا ويُذهبُ ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثُ بعد العزّ صاحبه الذُّلاَّ وقال بعض الحكماء: لكل شيء بدء، وبدء العداوة المزاح. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى عماله: امنعوا النَّاس من المزاح فإنَّه يذهب المروءة ويوغر الصدر. وقال بعض الشعراء: مازحْ أخاكَ إذا أرادَ مُزاحا ... وتوقَّ منه في المزاحِ جماحا فلربَّما مزَحَ الصَّديق بمزحةٍ ... كانتْ لبابِ عداوةٍ مفتاحا وقال بعض الشعراء: إمحض مودَّتك الكريم فإنَّما ... مرعى ذوي الأحساب كلُّ كريمِ فأخا الشّراف من الرِّجال مروءة ... والموت خيرٌ من إخاء لئيمِ وقال يحيى بن أكثم القاضي: وقارنْ إذا قارنتَ حرّاً فإنَّما ... يَزين ويُزري بالفتَى قُرناؤهُ إذا المرء لم يختر صديقاً لنفسهِ ... فناد في السّوق هذا جزاؤهُ وأنشدني منشد: طلبت امرءاً محضاً صحيحاً مُسلّماً ... نقيّاً من الآفات في كلِّ موسمِ لأمنحهُ ودِّي فلم أُدرك الَّذي ... طلبتُ ومن لي بالصَّحيح المسلَّمِ فلمَّا بدا لي أنَّني لستُ مدركاً ... من النَّاس إلاَّ بالمريض المسقَّمِ صبرتُ ومن يصبرْ يجدْ غِبَّ صبرهِ ... ألذ وأحلا من جَنَا النَّحل في الفمِ ومن لا يطبْ نفساً ويستبقِ صاحباً ... ويغفرْ لأهل الودّ يصرَمْ ويُصرمِ وأنشدني الحسن بن عليل الغنوي: القَ بالبشر من لقيتَ من النَّ ... اس جميعاً ولاقِهم بالطَّلاقة تجنِ منهم بهِ ثمارَ عجيب ... طيّبٍ طعمُهُ لذيذِ المذاقة ودع التّيه والعُبوسَ عن النَّ ... اس فإنَّ العبوس رأس الحماقة وكان يقال: لا تهذر في منطقك ولا تخبر بذات نفسك ولا تغترَّ بعدوك ولا تفرط في حبِّ صديقك، واعلم أن شرَّ الأخلاق ملالة الصاحب وتقريب المتباعد. وأنشدني أحمد بن يحيى الكندي: وكُن معدناً للحلمِ واصفحْ عن الأذَى ... فإنَّك راءٍ ما عملت وسامعُ وبلغني أن أبا نواس قال هذه الأبيات على البديهة في الوقت الَّذي كان فيه محمد الأمين أمير المؤمنين، وذلك أنَّه ركب الحرّاقات إلى الشماسية فاصطفت له الخيل والرِّجال على شاطئ دجلة وحملت معه المطابخ والخزائن، وكان ركوبه حراقة تمثال أسد فما رأَى النَّاس منظراً كان أحسن من ذلك المنظر والسير، وركب أبو نواس معه وكان يومئذ ينادمه فقال: سخَّر اللهُ للأمين مَطايا ... لم تُسخَّر لصاحبِ المحرابِ وإذا ما ركابُهُ سرنَ برّاً ... سارَ في الماءِ راكباً ليثَ غابِ أسدٌ باسط ذراعيه يعدو ... وافر الشدق كالح الأنيابِ عجبَ النَّاسُ إذْ رأوك علَى ص ... ورة ليثٍ تمرُّ مرَّ السَّحابِ سبَحوا إذْ رأوك سرتَ عليه ... كيف لو أبصروك فوق العُقابِ باركَ اللهُ للأمين وأبقا ... هُ وأبقى له رداءَ الشَّبابِ ملِكٌ تقصُرُ المدائح عنهُ ... هاشميّ موفقٌ للصَّوابِ قال: وبلغني أن أبا نواس حضر يوماً مجلس محمد فورد على محمد كتاب العمَّال يُخبر أن رجلاً من الشُّراة، ويصف شدَّة شوكته وقوَّة أمره فقال لبشر خادمه وكان يحبّه: ينبغي أن توجّه أبا نواس إلى هناك يريد الشاري. وأظهر لأبي نواس جدّاً وكان مزَّاحاً، وأمر أن تُراح علَّته فيما يحتاج إليه من المال والسلاح وقال لبشر: انظر ما يرد عليك من أبي نواس في هذا الباب فاعرضه عليَّ. فلمَّا انصرف أبو نواس كتب إلى بشر الخادم بهذه الأبيات: يا بشرُ ما لي وللسَّلاح ولل ... حربِ ونجمي في اللَّهو والطَّربِ لا تنفرني فإنَّني رجلٌ ... أكعُّ عند اللّقاء والطَّلبِ

стр. 172

وليس لي همَّةٌ سوى طلبي ... أي الفريقين خِيرَ للهربِ وإن رأيتُ الشُّراةَ قد قربوا ... ألجمتُ مُهري من جانب الذَّنبِ ولستُ أيضاً فلا أغرّكما ... أُفرقُ بين العنان واللببِ ولستُ أدري ما السَّاعدان من ال ... ترس ولا بيضة من اليلبِ والرَّكض فوق الفراش منتطحاً ... فإنَّني فيه فارس العربِ فأوصلها بشر إلى الأمير فلمَّا قرأها استطار ضحكاً ثمَّ دعا به فأحسن صلته. الباب الحادي والستون ذكر من فضل على نظرائه ومدح بحسن رأيه حدَّثني حمدان بن علي الوراق قال: حدَّثنا أبو بكر قال: حدَّثنا شيخ لنا قال: أخبرنا مُخالد عن عامر قال: سئلت أو سئل ابن عباس: أيّ النَّاس كان أول إسلاماً؟ قال: أما سمعت قول حسَّان بن ثابت: إذا تذكَّرتَ شجواً من أخي ثقةٍ ... فاذكر أخاكَ أبا بكر بما فَعَلا خير البريَّة أتقاها وأعدلها ... إلاَّ النَّبيّ وأوفاها بما حملا الثاني التاليَ المحمودَ مشهدُهُ ... وأوَّل النَّاسِ منهم صدَّق الرُّسلا وقال زهير: إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كانَ ول ... كنَّ الجوادَ علَى علاَّته هرِمُ هو الجوادُ الَّذي يُعطيكَ نائلَهُ ... عفواً فيظلم أحياناً فيضطلمُ وقال الحطيئة: أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفَوْا وإن عقدوا شدُّوا وإن قالَ مولاهم علَى أيِّ حالةٍ ... من الأمرِ رُدُّوا فضلَ أحلامكم ردُّوا وإن كانت النَّعماءُ فيهم جَزَوْا بها ... وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا يَسوسون أحلاماً بعيداً أناتُها ... وإنْ غَضبوا جاءَ الحفيظةُ والحدُّ أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكُمُ ... من اللَّوم أوْ سدُّوا المكان الَّذي سدُّوا وقد لامني أبناء سعدٍ وأسرفت ... وما قلتُ إلاَّ بالَّذي علمتْ سعدُ وقال الأخطل: بهم عن الجهل عن قولِ الخَنَا خرسٌ ... وإن ألمَّتْ به مكروهة صبروا شمس العداوة حتَّى يستفاد لهم ... وأعظم النَّاس أحلاماً إذا قدروا وقال محمد بن زياد الحارثي: تخالهم صمّاً عن الجهلِ والخَنَا ... وخُرْساً عن الفحشاءِ عند التهاجُرِ ومرضَى إذا لاقوا حياءً وعفَّةً ... وعند الحفاظِ كاللّيوث الخوادرِ لهم ذلُّ إنصافٍ وأُنسُ تواضع ... بهم ولهم ذلَّت رقابُ المعاشرِ كأنَّ بهم وصماً يخافون عارَهُ ... وما وصمُهُمْ إلاَّ اتّقاءَ المعايرِ وقال آخر: إن كنت تطلب صفوة من عيشةٍ ... فاجعلْ محلَّك بين آل زيادِ تحللْ بقومٍ من أُميَّة سادة ... زهر الوجوه أعفَّة أنجادِ الموطئين بجارهم أكتافهم ... والجاعلين لهم صدور النَّادي وقال كثيّر: شهدتُ ابنَ ليلَى في مواطن قد خلتْ ... يزيدُ بها ذا الحلمِ حلماً حُضورها فلا هاجراتُ القولِ يُؤثرنَ عنده ... ولا كلماتُ النُّصحِ مُلقى مُشيرها تَرَى القومَ يخفونَ المواعظَ عنده ... ويُنذرهمْ عورَ الكلامِ نَذيرها وقال معن بن أوس: وما بلغت كفّ امرئ متناولٍ ... من المجدِ إلاَّ حيث ما نلت أطولُ ولا بلغَ المهدونَ نحوكَ مدحةً ... ولا أطنبوا إلاَّ الَّذي فيكَ أفضلُ وقال أبو دهبل: نَزْر الكلام من الحياءِ تخالهُ ... سقماً وليسَ بجسمهِ سقْمُ عُقِمَ النِّساءُ فما يلدنَ بشبههِ ... إنَّ النِّساء بمثله عُقْمُ وقال مروان بن أبي حفصة لمعن بن زائدة: تشابه يوماه عليَّ فأشكلا ... فما نحن ندري أيَّ يوميه أفضلُ أيوم نداه أم يوم بأسه ... وما منهما إلاَّ أغرّ محجّلُ وقال الحسين بن مطير: له يوم بؤسٍ فيه للنَّاس أبؤسُ ... ويومُ نعيم فيه للنَّاس أنعُمُ فيمطر يوم الجود في كفِّه النَّدَى ... ويمطر يوم البأس من كفِّه الدمُ فلو أنَّ يوم الجود خلَّى يمينه ... علَى الأرض لم يصبح علَى الأرضِ معدمُ ولو أنَّ يوم البأس خلَّى شماله ... علَى الأرض لم يصبح علَى الأرضِ محرمُ وقال أبو دهبل: ما زلت للعفو في الذُّنوب وإط ... لاقٍ لعانٍ بجرمِهِ غلقِ

стр. 173

حتَّى تمنَّى البُراةُ أنَّهُمُ ... عندك أمسوا في القدّ والحلقِ وقال آخر: ولقد ترَى ناديهم فكأنَّه ... طوق المجرَّةِ نظرةً وتماما أمراءُ غير مؤمَّرين ترَى لهم ... أمراً وهم من هيبةٍ إعظاما وقال ابن هرمة: لهُ لحظات في حوافي سَريرهِ ... إذا كرَّها فيها عِقاب ونائلُ فأمّ الَّذي آمنت آمِنة الرَّدَى ... وأُمُّ الَّذي حاولت بالثُّكل ثاكلُ إذا ما أتَى شيئاً مضَى كالَّذي أتَى ... وما قالَ إنِّي فاعلٌ فهو فاعلُ كريمٌ له وجهان وجهٌ لدى الرضا ... أسيلٌ ووجهٌ للكريهةِ باسلُ وقال آخر: إذا انتدى واحْتبى بالسَّيف دانَ لهُ ... شوسُ الرِّجال خُضوع الجُرْب للطالي كأنَّما الطَّيرُ منهم فوقَ هامتهم ... لا خوفَ ظُلمٍ ولكن خوفَ إجلالِ وقال ابنُ الخياط في مالك بن أنس: يأبَى الجوابَ فما يراجعُ هيبةً ... والسَّائلون نواكِسُ الأذقانِ هذا التَّقيُّ وعزُّ سلطان الغِنَى ... فهو المطاعُ وليس ذا سلطانِ وقال آخر: كأنَّك مطّلع في القلوب ... إذا ما تناجتْ بأسرارها وقوفك تحتَ ظلالِ القَنَا ... أقامَ الخلافة في دارِها وقال محمد بن بشير الخارجي: يا أيُّها المتمنِّي أن يكون فتًى ... مثل ابن ليلَى لقد خلَّى لكَ السُّبُلا أعْدُد نظائر أخلاق عُددن لهُ ... هل سَبَّ في رجلٍ أوْ سُبَّ أوْ بَخلا وقال ربيعة الرقيّ: لشتَّانَ ما بينَ اليَزيدين في الورى ... يزيدُ سليم والأغرُّ ابنُ حاتم فلا يحسِبِ التَّمتام أنِّي هجوتُهُ ... ولكنَّني فضَّلتُ أهلَ المكارمِ وقال آخر: يا أخا العرف إذا ع ... زَّ إلى العرف الطَّريق وأخا الموتَى إذا ل ... م يبقَ للموتَى صديق وقال آخر: كريمٌ لهُ نفسان نفسٌ يلينها ... ليدفعَ عن سلطانها سنن الكبر إذا نازعته نفسه عظمَ قدرها ... دعاه إلى تصغيرها عِظَمُ القدر وقال آخر: لئنْ كنت محتاجاً إلى الحلمِ إنَّني ... إلى الجهلِ في بعض الأحايينِ أحوجُ ولي فرسٌ للحلمِ بالحلمِ مُلجمٌ ... ولي فرسٌ للجهلِ بالجهلِ مُسرَجُ فمنْ شاءَ تقويمي فإنِّي مُقوَّمٌ ... ومن شاءَ تعويجي فإنِّي مُعوَّجُ وقال آخر: كريمٌ يغضُّ الطَّرفَ فضلُ حيائهِ ... ويدنُو وأطرافُ الرِّماحِ دَوانِ وكالسَّيف إن لاينتهُ لانَ متنُهُ ... وحَدَّاهُ إن خاشنتُهُ خشِنانِ وقال بعض بني ثعل: تلمَّظ السَّيفُ من شوق إلى أنسٍ ... فالموتُ يَلْحَظ والأقدارُ تنتظرُ أظلَّهُ منك حتْف قد تجلَّله ... حتَّى تؤاصرَ فيه رأيكَ القِدَرُ أمضَى من السَّيف إلاَّ عندَ قدرته ... وليسَ للسَّيفِ عفوٌ حين يقتدرُ وقال البحتري: خرْقٌ إذا بلَغَ الزَّمانُ فناءَهُ ... نكَصَتْ عواقبُه علَى الأعقابِ نَصَر السماحَ علَى البلادِ ولم يقفْ ... دون المكارمِ وقفةَ المُرتابِ ولئنْ طلبتُ شبيهَهُ إنِّي إذاً ... لمُكلّف طلَبَ المُحال ركابي وقال أيضاً: لا يكفهرُّ إذا انحازَ الوقارُ بهِ ... ولا تطيشُ نواحيه إذا مزَحَا حنَّت إلى السُّؤددِ العلياء نهضتُهُ ... ولو يوازن رَضْوى حلمه رجحا وقال أيضاً: إذا انسابَ في تدبير رأيٍ تَرادفتْ ... له فِطنٌ يُنْجِحنَ في كلِّ مطلَّبِ خفيُّ مدبِّ الكيد بين أناته ... تسرّعَ جهلِ الطاْئش المُتوثِّبِ وقال أيضاً: رزينٌ إذا ما القومُ خفّتْ حلومهمْ ... وقورٌ إذا ما حادثُ الدَّهرِ أجْلَبا فتًى لا يُضيِّع وجه حزْمٍ ولم يبتْ ... يلاحظُ أعجازَ الأُمورِ تعقُّبا إذا همَّ لم يقعدْ به العجز مَقعداً ... وإنْ كفَّ لم يذهبْ به الخرقُ مذهبا وما نقَمَ الحسَّادُ إلاَّ ضلالةً ... لديكَ وفعلاً أرْيحيّاً مهذَّبا وقال أيضاً: له فِكَرٌ بين الغيوبِ يُديرها ... إذا ما انتهَى منها فهنَّ مقالدُهْ صواعقُ إنْ لو ألقَ من تلك بعضها ... علَى يَذْبُلٍ لانقضَّ أوْ ذابَ جامدُهْ

стр. 174

غمام حيا ما تستريح بروقُهُ ... وعارضُ موتٍ ما تقيل رواعدُهْ وعمرُ بن مُعدي إن ذهبتَ تهيجهُ ... وأوسُ بن سُعدى إنْ ذهبتَ تكايدُهْ تظلُّ المنايا والعطايا قرائناً ... لعافٍ يُرجِّيه وغاوٍ يُعاندُهْ له بدعٌ في الجودِ تدعو عذولهُ ... عليه إلى استحسانها فتباعدُهْ وقال أيضاً: لولا عليُّ بن مُرٍّ لاستتمَّ لنا ... خِلْفٌ من العيشِ فيه الصَّاب والصَّبرُ ألحَّ جوداً ولم يضرُرْ سحائبُهْ ... وربَّما ظنَّ عند الحاجة المطرُ لا يُتعبُ النائلُ المبذولُ همَّتهُ ... وكيفَ يُتعبُ عينَ النَّاظرِ النَّظرُ مواهبٌ ما تجشَّمنا السُّؤالَ لها ... إنَّ الغمامَ قليب ليس يُحتقرُ يُهابُ فينا وما في لحظه شِزرٌ ... وسطَ النديّ وما في خدِّه صَعَرُ إذا ارتقَى في أعالي الرَّأي لاحَ له ... ما في الغيوبِ الَّتي تخفَى فتستترُ ومُصعدٌ في هضابِ المجدِ يطلعُها ... كأنَّهُ لسكونِ الجأشِ مُنحدرُ ما زالَ يسبقُ حتَّى قالَ حاسدُهُ ... لهُ الطَّريقُ إلى العلياءِ مُختصرُ نهيتُ حُسَّادهُ عنهُ وقلتُ لهم ... السَّيلُ باللَّيلِ لا يبقَى ولا يَذَرُ كُفُّوا وإلاَّ كففتمْ مُضمري أسِفاً ... إذا تنمَّر في أقدامِهِ النَّمِرُ ألوى إذا شابكَ الأعداء كفَّهم ... حتَّى يروحَ وفي أظفارِهِ الظَّفَرُ واللؤمَ أن تَدخلوا في حدِّ سخْطتهِ ... علماً بأن سوف يعفو حينَ يقتدرُ وقال أيضاً: عزَماتٌ يُصبنَ ناجيةَ الخطْ ... ب ولو كانَ من وراءِ حجابِ يتوقَّدْن والكواكبُ مطفاةٌ ... ويقطعنَ والسّيوفُ نَوابي تركَ الخفضَ للدَّنيء وقاس ... صَعبةَ من صعوب تلك الرَّوابي سامَ للمجدِ فاشتراه وقد با ... تَ عليهِ مُزايداً للسَّحابِ واحدُ القصدِ طرفُهُ في ارتفاعٍ ... من سُمُوٍّ وكفُّهُ في انصِبابِ صُنتَني عن مُعاندٍ لا أسمّي ... أوَّلوهُمْ إلاَّ غَداة سِبابِ وقد ذكر نا في هذا الباب طرفاً من الأخلاق المحمودة مجملاً، ونحن نذكر إن شاء الله ما بقي من ذلك مفصلاً، فنفرد لكلّ باب منه ما يشاكله ومن شأن كثير من الشعراء أن يفرطوا فيما يصفونه وليس ذلك بمحمود في خلائق الكرماء ولا مستحسن من أفعال الشعراء إلاَّ من أسرف في الحفظ كان مقتراً ومن أسرف في الشَّجاعة كان متهوراً، كما أن من أسرف في الجدّ عدَّ جباناً، ومن تجاوز حدّ الحلم كان مستدلاً، كما أنَّ من تعدَّى الانتصار عُدَّ خرقاً، ومن أفرط في قلَّة الكلام كان مستجهلاً، كما أنَّ من أفرط في الإطراء كان مهذاراً. والتأديب بتأديب الله وأدب رسوله ﷺ هو الطريق الَّذي من سلكه اهتدى، والوجه الَّذي من قصده آمن من بوائق الرَّدى. قال الله يمدح قوماً:) والَّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (. أخبرنا الحارث بن أبي أسامة عن العباس بن الفضل عن أبي عبد الله التميمي قال: أخبرني الحسين بن عبد الله قال: حدَّثني من سمع النابغة الجعدي يقول: أتيت رسول الله ﷺ فأنشدته، فذكر أبياتاً وحكى كلاماً بعدها، قال: فلمَّا أنشدته: ولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له ... بَوادِرُ تَحْمي صَفوه أن يُكدَّرا ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له ... حَلوم إذا ما أورَدَ الأمر أصدرا قال النَّبيّ صلى الله عليه: " لا يفضض الله فاك ". الباب الثاني والستون ذكر من سود في حداثته وقدم في بلاغته أنشدني أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: لعمرك إنِّي يوم فيد لمعتلٍ ... بما ساء أعدائي علَى كثرةِ الدخرِ أمارس عن نفسٍ عليَّ كريمةٍ ... موطنةٍ عند النوائب للصبرِ وما زلتُ أعلو القول حتَّى لو أنَّني ... أجوّبه في الصَّخر لانجاب الصخرِ وما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة ... أُواري عدوّي أوْ أقوم علَى ثغرِ ويوم يودّ المرء لو غصَّ قبله ... بمرأى المنايا قد شددت لها أزري لابن بيض في هذا المعنى: بلغتَ لعشر مضَتْ من سني ... ك ما يبلغُ السيدُ الأشيبُ

стр. 175

فهمّك منها جسام الأمو ... ر وهمُّ لداتك أن يلْعبوا وجدت فقلت ألا سائلٌ ... فيُعطى وهل راغبٌ يرغبُ فمنك العطية للسائلين ... وممَّن ينوبك أن يطلبُ وأنك في أدبٍ ما نشأت ... فنعم لعمرك ما أدَّبوا أتيناك في حاجة فاقضها ... وقُلْ مرحباً يجبُ المرحبُ وألا تَكِلنا إلى معشرٍ ... مَتَى يَعِدوا عِدةً يكذبوا وقال البحتري: لا تنظرَنَّ إلى الفيَّاض من صِغَرٍ ... في السِّنِّ وانظر إلى المجد الَّذي شادا إن النّجومَ نجومَ اللَّيل أصغرُها ... في العين أذهبها في الجوِّ إصعادا وقالت الخنساء: أعينيَّ جودا ولا تجمُدا ... أما تبكيان لصخر النَّدى ألا تبكيان الجريءَ الجميلَ ... ألا تبكيان الفَتَى السيّدا رفيعَ العمادِ طويلَ النجا ... دِ سادَ عشيرتَهُ أمْرَدا إذا القومُ مدُّوا بأيديهمُ ... إلى المجد مدَّ إليه يدا فنالَ الَّذي فوق أيديهم ... من المجد حتَّى نما مصعدا يُكلّفُهُ القومُ ما عالهم ... وإن كان أصغرهُمْ مولدا ترى المجدَ يَهْوي إلى بيته ... يرى أفضلَ الكسبِ أن يُحمدا وقال آخر يرثي العديل بن الفرخ: فما ولدت مثل العديل حليلةٌ ... قديماً ولا مستحدثات الحلائلِ وما زال مذ شدَّ الإزار بوسطه ... يفتح للأبواب بكر بن وائلِ وقال الفرزدق: وتبكي علَى السيوب بكر بن وائلٍ ... وينهى عن ابني مسمع من بكاهما غلامان شبَّا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل فصل لحاهما ولو كان حيّاً مالك وابن مالك ... إذاً أوقدوا نارين يعلو سناهما وقال آخر: ولو أن معشراً كبني صُريمٍ ... تلفّهُمُ التهائمُ والنُّجودُ أجلَّ جلالةً وأعزَّ فَقْداً ... وأقضى للحُقوق وهم قُعودُ وأكثرَ ناشِئاً مِخراقَ حربٍ ... يُعينُ علَى السِّيادة أوْ يَسودُ وقال آخر: حديث السنّ عاب أبوه عنه ... ففاض به الزلازل والحروبُ جديرٌ أن يعادي الخيل منه ... علَى حجباتها بدمٍ صبيبُ وقال آخر: رأيت أبا الوليد غداةَ جَمعٍ ... به شيبٌ وما فقد الشَّبابا ولكن تحت ذاكَ الشّيبِ حزمٌ ... إذا ما ظَنَّ أعرض أوْ أصابا وقال آخر: بكى صاحبي لما رأى الموت فوقه ... مُظلاً كإظلال السَّحاب إذا اكفَهر فقلت له صبراً خليلي فإنَّما ... يكونُ غداً حسنُ الثناءِ لمن صبر فما أخَّر الإحجامُ يوماً معجِّلاً ... ولا عجَّل الإقدامُ ما أخَّر القدر فنبهته سهم الفؤاد كأنه ... صفيحة هندي قضى حقه ذكر وكرَّ حفاظاً خشية العار بعدما ... رأى الموت معروفاً علَى منهج الفكر غلامٌ رماه الله بالخير ناشئاً ... له سَيمياء لا تَشُقّ علَى البصر كأنَّ الثريَّا علقت في جبينه ... وفي نحره الشِّعرى وفي خدّه القمر إذا قيلت العوراء أغضى كأنَّه ... ذليل بلا ذلٍّ ولو شاء لانتصر ولبعضهم في عبد الله بن الزبير: تُبيّنَ فيه ميسَمُ العزِّ والنُّهى ... وَليداً يُفدّى بين أيدي القوابلِ فلمّا تردَّى بالحمائل وانتحى ... بَصُرتَ بأطراف الرّماح الذَّوابلِ تيقَّنت الأعداءُ أن سِنانَهُ ... يُطيلُ جنينَ الأمّهاتِ الثواكلِ وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لكرّوس بن يزيد الطائي: رأتنيَ من لُبْسي المشيب فأمَّلتْ ... غَنائي فكوني آملاً خيرَ آملِ لئن فرِحتْ بي معقل عند شَيبتي ... لقد فرحتُ بي بين أيدي القوابلِ أهلَّ به لما استهلَّ بصوته ... حِسانُ الوجوه ليّناتُ الأناملِ وقال أبو تمّام الطائي: لهفي علَى تلك المشاهد فيهما ... لو أُمْهِلتْ حتَّى تكون شمائِلا إن الهلالَ إذا رأيتَ نُموَّهُ ... أيقنتَ أنْ سيكونُ بدراً كاملا وقال البحتري: غريبُ السَّجايا ما تزالُ عُقولنا ... مُدَلَّهة في خلةٍ من خلالِه عناهُ الحِجى عن عُنْفوانِ شبابه ... فأقبلَ كهلاً قبل حين اكتهالِه

стр. 176

وثقْتُ بنُعماهُ ولم تجتمع بها ... يدي ورأيتُ النجحَ قبل سُؤالِه وتعلَمُ أن السَّيف يكفيكَ حدُّهُ ... مكاثرةَ الأقرانِ قبلَ استلالِه أبا حسنٍ أنشأتَ في أُفق النَّدَى ... لنا كرماً آمالُنا في ظلالِه مضى منك وسميُّ فجُدْ بوليِّهِ ... وعوّدَ من نُعماك فضلَ نوالِه وقال أيضاً: فتًى لم يُنكِّبهُ الشَّبابُ علَى الحجى ... ولم ينس عهد اللَّهو والشيبُ شامله إذا سؤددٌ أدنى له مدَّ هِمَّةً ... إلى سؤددٍ نائي المحلّ يُزاوله توقَّعُ أنْ يحْتلَّها درجَ العُلى ... كما انتظرت أوْبَ الهلال منازله وقال آخر: فقدناك فِقدانَ الحياة وأقبلتْ ... تُلاحظنا خُزراً إلينا والقبائلُ ولو أنك المرجوُّ منا لأصبحتْ ... أعالي الدّنا منها وهنَّ أسافلُ ردَدنا إليه الأمرَ طوعاً ولم نَقُلْ ... لهُ في الَّذي يأتيه ما أنت فاعلُ به جُمعَ الشّملُ الشتيتُ وفُرِّقتْ ... عباديدُ في القوم اللُّهى والنوافلُ ومن يرَ جدوى يوسفَ بن محمدٍ ... يرَ اليمَّ لم يجمعْ جناييه ساحلُ أغرُّ إذا عُدَّتْ مناقبُ فعله ... توهَّمتَ أنَّ الحقَ منهنَّ باطلُ تطاطا حدود الزور تحت سكوته ... وتنتظرُ الأسماعُ ما هو قائلُ وقد حُقِّقَتْ فيه الظنون وصدقت ... علَى ما حكت من قبل هذا الدلائلُ ولا عجبُ أن رجّم الغيبَ عالمٌ ... فقبل الغيوبِ ما تكون المخايلُ وقال أبو تمام الطائي: مقاماتُنا وقفٌ علَى الحلم والحِجى ... وأمرَدُنا كهلٌ وأشيبُنا حَبْرُ فأعجبْ به يهدي إلى الموتِ نحره ... وأعجبُ منه كيف يبقى له نحرُ يُشيِّعه أبناءُ موتٍ علَى الوغى ... يُشيِّعهم صبرٌ يُشيِّعهم نصرُ بخَيلٍ لزيدِ الخيل فيها فوارسٌ ... إذا نطقوا في مجلسٍ خرس الدَّهرُ وقال آخر: تعلَّمْ فليس المرء يخلَق عالماً ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغيراً إذا التفَّت عليه المحافلُ وقال قيس بن عاصم: خُطباءُ حين يقوم قائلُهم ... بيضُ الوجوه مَصاقِعٌ لُسْنُ لا يَفْطنونَ لعيبِ جارِهمُ ... وهُمُ بحسن جوارِهمْ فُطْنُ ولبعضهم في عبد الله بن عباس رحمة الله عليه: إذا قال لم يَتْرك مقالاً لقائلٍ ... بملتقطاتٍ لا ترى بينها فَصْلا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدَعْ ... لذي أربٍ في القولِ جداً ولا هَزْلا وقال آخر وهو حسان بن ثابت: وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسمٍ يُعدُّ وذي بَيانِ كأنَّكَ أيُّها المُعْطى بياناً ... وجِسْماً من بني عبدِ المَدانِ وقال آخر: وأحلام عادٍ لا نخاف جليسَهم ... وإن نطق العوراءَ غَربُ لسانِ إذا حُدِّثوا لم تخشَ سوءَ استماعهم ... وإن حَدَّثوا لَذّوا بحسن بيانِ وقال البحتري: صارِمَ العزم حاضِرَ الحزم ساري ال ... فِكْرِ ثبتَ المقامِ صلْبَ العودِ دقَّ فهماً وجلَّ حلماً فأرضى ال ... لَّهَ فينا والواثقَ بن الرشيدِ واستوى النَّاسُ فالقريبُ قريبٌ ... عنده والبعيدُ غيرُ بعيدِ لا يميلُ الهَوَى به حين يُمضي ال ... أمرَ بين المُقلِّ والمورودِ في نظامٍ من الأمور جميلٍ ماش ... كَّ امرؤ أنَّه نِظامُ فريدِ مشرقٌ في جوانب السَّمعِ ما يُخْلِ ... قُهُ عَوْدهُ علَى المُستعيدِ ومعانٍ لو فصَّلتها القوافي ... هجنتْ شعرَ جَرْوَلٍ ولبيدِ جزن مُستعملَ الكلام اختياراً ... وتجنَّبنَ ظُلمةَ التَّعقيدِ وركبْنَ اللَّفظَ القريبَ فأدرك ... نَ به غايةَ المُرادِ البعيدِ وأَرَى الخلق مجمعين علَى فَضْ ... لِكَ ما بين سيدٍ ومسودِ عرفَ العاملون فضلكَ بالعل ... م وقال الجُهَّال بالتَّقليدِ وقال أيضاً: حكمَ يسابحها خلال بنانِه ... متدفقاً وقليبُه في قلبه كالرّوض مؤتلقاً بحُمرةِ نَوْرهِ ... وبياضِ زهْرتِه وخُضرةِ عشبِه

стр. 177

أنَّه قد خرج هذا الرَّجُل أعني محمد بن عبد الله بن الحسن فقال إنِّي قلت أبياتاً فاحفظها عنِّي: أَرَى النَّاسَ في أمرٍ سحيلٍ فلا نزل ... علَى حذر حتَّى ترى الأمر مُبرَما فإنك لا تسطيعُ ردَّ الَّذي مضى ... من القول عن زلاّته فارق الفما وكائنْ ترى من وافر العِرض سالم ... وآخرَ أردى نفسه فتكلَّما الباب الثالث والستون ذكر التفضيل بالإحسان والمدح بشرف الأنساب وقال زهير بن أبي سلمى المُزني: علَى مُكثريهم حقّ من يعْتريهمُ ... وعند المُقلِّينَ السَّماحةُ والبَذْلُ وما كان من خير أتَوْهُ فإنَّما ... يقدمُهم آباءُ آبائهم قبلُ وهل يُنبتُ الخطّيّ إلاَّ وشيجُه ... وينبُتُ إلاَّ في منابتها النخلُ سعى بعدهُم قومٌ لكي يدركوهُم ... فلم يفعلوا ولم يُلاقوا ولم يألوا وقال آخر: إنْ يسألوا الخير يُعطوهُ وإن جهدوا ... فالجهد يُخرج منهم طيب إخبارِ هَيْنون ليْنون أيسارُ ذوو كرمٍ ... سُوّاسُ مكرمةٍ أبناءُ أيارِ لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ... ولا يُمارَون إنْ ماروا بإكثارِ من تلقَ منهم تَقُلْ لاقيتُ سيدهُم ... مثلَ النّجومِ الَّتي يسري بها السَّاري وقال المسيب بن علس: يبيتُ الملوكُ علَى عَتْبها ... وشَيْبانَ إنْ غضبَتْ تُعتبُ وكالراح بالماء أحلامُهم ... وأخْلاقهم منهما أعذَبُ وكالمسكِ تُربُ مقاماتهم ... وتربُ قبورهمُ أطيبُ وقال بعض العبديين وتروى لزهير: لو كان يُقعد فوق الشَّمس من أحدٍ ... قومٌ لمجدهمُ أوْ جودهم قَعدوا قوم أبوهم سِنانٌ حين تَنْسبُهُم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا إنسٌ إذا أمنوا جنُّ إذا فزعوا ... غرُّ بهاليل في أعناقهم صيَدُ مُحَسّدون علَى ما كان من نِعَمٍ ... لا ينزع الله منهم ما له حُسدوا وقال أعشى همدان في خالد بن ورقاء: رأيتُ ثناءَ النَّاس بالغيب طيباً ... وقالوا فلانُ ماجدٌ وابنُ ماجد فإن يكُ عَتّابٌ مضى لسبيلِه ... فما مات من أبقى له مثلُ خالد وقال حسان بن ثابت: بيض الوجوه كريمة أنسابُهم ... شُمُّ الأنوف من الطِّراز الأوّل يُعشَوْن حتَّى ما تهرُّ كِلابُهمْ ... لا يسألونَ عن السّوادِ المُقبل وقال الحطيئة: هُمُ المتحفزون علَى المنايا ... بمال الجار ذلك والوفاءُ هُمُ القوم الذين إذا ألمَّت ... من الأيَّام مُظلمةٌ أضاؤا إذا نزل الشتاء بجار قومٍ ... تجنَّبَ جارَ بيتهمُ الشتاءُ فابقوا لا أبا لكمُ عليهم ... فإن ملامة المولى شقاءُ فإن سعاته لكم سُعاة ... وإن نماءهم لكمُ نماءُ وإن أباهُم الأدنى أبوكم ... وإنَّ صدورهم لكم بِراءُ وإن بلاءهم ما قدْ علمتُم ... علَى الأيَّام إنْ نفعَ البلاءُ وثغرٍ لا يُقام به كَفوكم ... ولم يكُ دونهم لكم كِفاءُ بجمهور يحار الطرف فيه ... يظل مُعظِّلاً فيه الفضاءُ وقال أيضاً: إذا قيل أيُّ النَّاس أوفى قبيلةٍ ... وأكرمُ يوماً لا توارى كواكبُه فإنَّ بني عمرو بن لأم أرومةً ... علتْ يوم صعب لا تُنال مراقبه أضاءت لهم أحسابُهم ووجوهُهم ... دُجى اللَّيل حتَّى نظَّمَ الجزع ثاقبُه وقال آخر: هُمُ الغُرّ الوجوه بني سنان ... لو أنك تَستضيءُ بهم أضاءوا همُ حلُّوا من الشرف المُعلَّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا فلو أن السَّماءَ دنت لمجدٍ ... ومكرمةٍ دنتْ لهم السَّماءُ وقال آخر: وكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفيٍّ بعقد الجار حين يُفارقُه يكاد الغمام الغرُّ يرعد إن رأى ... وجوه بني لأم وينهلُّ بارقه وقال أبو دهبل الجُمحي: إن البيوت معادن فنَجارُهُ ... ذهبٌ وكلُّ بيوته ضَخْمُ مُتهلّل بنعَمْ ولا متباعِدٌ ... سيَّان منه الوفرُ والعُدْمُ وقال العجير السلولي: وإن ابنَ عمّي لابنُ زيد وأمُّه ... لبلاَّلُ أيدي خلة الشّولِ بالدَّمِ

стр. 178

طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غايةٍ من يبتدرها يُقَدّمِ من النفر المُدلين في كل حُجَّةٍ ... لمستحمد في جولة الرأي محكمِ جديرون ألاَّ يذكرون بريبةٍ ... ولا يُغرمون الدَّهر ما لم تغرّمِ وقال آخر: هو السابق التالي أبوه كما تلى ... أبوه أباه سيد وابن سيد كأنَّ علَى عرنينه وجبينه ... شعاعين لاجى من شمال وفرقد وقال آخر: بنى آباؤه للمجد بيتاً ... توارثَهُ كريمٌ عن كريم فما اتكل القديم علَى حديث ... ولا اتكل الحديث علَى قديم وقال الفرزدق: علَى عهد ذي القَرْنَين كانت سيوفكم ... عَمائمَ هامات الرِّجال البَطارق أغرّ ترى سيما التقى بجبينهِ ... إذا ما غدا والمسكُ فوق المفارق وقال أيضاً: رأيت النَّاس قد خافوك حتَّى ... خَشوك كخشية النَّاس السّحابا فليس بزايل للحرب منهم ... شِهابُ يطفئون به شِهابا وقال مروان بن أبي حفصة: ما كلَّ جارهم الثواء ولا قَلى ... يوماً جوار بني حنيفة جارُ إن الَّذي سمك السَّماء بنى لنا ... مجداً تقطع دونه الأبصارُ وقال عبد الله بن الزّبير الأسدي: إذا مات ابن خارجة بن حِصنٍ ... فلا مطرتْ علَى الأرض السَّماءُ ولا جاء البشير بغُنم جيشٍ ... ولا حملت علَى الطّهر النِّساءُ فيوم منكَ خير من رجال ... كثير حولهم نعم وشاءُ فبورك في بنيك وفي أبيهم ... إذا عدوا ونحنُ لك الفداءُ وقال آخر: إن قوماً منهم عُميرٌ وأش ... باه عميرٍ ومنهم لسفاحُ لجديرون بالوفاء إذا صاح ... أهل النجدة السلاح للسلاحُ وقال ابن أذينة الكناني: إذا قريش تولّى أمرَ صاحبها ... فاستَيْقِنَنَّ بأنْ لا خيرَ في أحدِ رهط النَّبيّ وأولى النَّاسِ منزلةً ... بكل خير وأثرى النَّاس في العددِ وقال القطامي: أما قريش فلن تلقاهم أبداً ... إلاَّ وهم خيرُ من يُحفى وينْتعلُ إلاَّ وهُم جبلُ الله الَّتي قَصُرت ... عنه الجبال فما وازى به جبل وقال آخر: آلُ الرسولِ خيارُ النَّاس كُلِّهم ... وخيرُ آلِ رسولِ الله هارون رضيتُ حكمك لا أبغي به بدلاً ... لأنَّ حكمكَ بالتوفيق مقرونُ وقال علي بن الجهم: أغيرَ كتاب الله تَبْغونَ شاهداً ... لكم يا بني العباس بالعُسر واليُسر كفاكم بأن الله فوَّض أمرَهُ ... إليكم وأوصى أن أطيعوا أولي الأمر ومن أرسل الله العباد وسبله ... سوى جنب ذي القربى القريبة من أجر ومن كان مجهول المكان فإنما ... منازلكم بين الحجون إلى الحجر وقال البحتري: وإذا أبو الفضل استعار سجيَّةً ... للمكرمات فمن أبي يعقوب لا يحتذي خلق القصيّ ولا يرى ... متشبهاً في سُؤددٍ بغريب شرف تتابَع كابرٌ عن كابر ... كالرمح أنبوباً علَى أنبوب وأَرَى النجابة لا تكون لماهرٍ ... لنجيب قومٍ ليس بابن نجيب أعيا خطوب الدَّهر حتَّى لفَّها ... والدَّهر سلك حوادث وخطوب دانٍ علَى أيدي العُفاة وشاسع ... عن كل ندٍّ في النَّدَى وضريب كالبدر أفرط في العُلو وضوؤه ... للعصبة السارين جِدُّ قريب وقال أيضاً: جمال الليالي في بقائك فلْيَدُمْ ... بقاؤك في عُمْر عليهن زائد ملكتُ به ودَّ العدى وأجدّ لي ... أواصر قربى في الرِّجال الأباعدِ وإن بطلت مسعاه مجد بعيدة ... ينلها بجدٍ أريحييّ ووالدِ كما مدَّت الكف المضاف بنانها ... إلى عضد في المكرمات وساعد ولم أرَ أمثال الرِّجال تفاوتت ... إلى الفضل حتَّى عُدَّ ألفٍ بواحد ولا خير في أخلاقه غير أنَّه ... غريبُ الأسى فيها قليل المساعد مكارم هنَّ الغيظ باتَ غليلُه ... يُضرّم في صدر الحسود المكايد ولن تستبين الدَّهر موضع نعمةٍ ... إذا أنت لم تُدْللْ عليها بحاسد وقال أيضاً: لكم بيت الأعاجم حين يُبنى ... ومفتخر المرازبة العظام يلومك في النَّدَى من لم يورث ... علا الشرف الَّذي عنه تُحامي

стр. 179

وكم من سؤددٍ غلَّستَ فيه ... ولم يرفع عن النفر النيام وقال أيضاً: نبهت من نبهان مجداً لم يزل ... قدْماً لمحمود الفعال رفيعا ولئن تبينت العُلى لهم لما ان ... فكوا أصولاً للعُلى وفروعا قومٌ إذا لبسوا الدروع لموقفٍ ... لبستهُمُ الأعراض فيه دروعا في معرك ضنكٍ تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا كنت السبيل إلى الرَّدى إذْ كنت في ... قبض النفوس إلى الحِمام شفيعا وقال أيضاً: يُنسيك جود الغيث جودُهم إذا ... عثرت أكفهُم بعام مُجْدب حتَّى لو أن المجد خيِّر في الورى ... نسباً لأصبح ينتمي في تغلبِ مَلِك له في كل يوم كريهةٍ ... إقدام عزٍّ واعتزام مُجرّبِ وتراه في ظُلم الوغى فتخالُه ... قمراً يشدّ علَى الرِّجال بكوكبِ إنِّي أتيتك طالباً فبسطت من ... أملي وطُلت بجود كفك مطلبي وغدوتَ خير حياطة منّي علَى ... نفسي وأرأف بي هنالك من أبي أعطيتني حتَّى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعةً لم توهبِ ولقد أحسن الَّذي يقول: لو أن كفك لم تجدْ لمؤمَلٍ ... لكفاه عاجل وجهك المُتهلّل ولو أن مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سؤدد عن أول الباب الرابع والستون ذكر من قدم بجسارته ومدح بشجاعته وقال الأعشى: وأبصرت بيضاً بالأكفِّ صوارماً ... تزايلَ منهن الرقاب الكواهل مضاربها من طول ما ضربوا بها ... ومن عضَّ هام الدارعين بواجل وقال المخبل بن السبيع العنبري: وكم من أمير قد فككتم قيوده ... وسهل دم هرقتموه علَى سحلِ إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم ... وإن قتلوا لم يقشعِرّوا من القتلِ وقال مُعَلّى الطائي: مشت الهُوينى في العدو سيوفُه ... حتَّى عرفْنَ مسالِكَ الأرواحِ سخِطتْ جماجمهُمُ علَى أجسادهم ... فتبدلت سخطاً صدورُ رِماحِ وقال أبو نواس: وإذا مجَّ الفنا عَلَقاً ... وتراءى الموتُ في صوره راح في ثِنْي مفاضته ... أسدٌ تدمى شَبا ظُفره تتأبى الطير غزوته ... ثقةً بالشبع من جَزره وقال مسلم بن الوليد الأنصاري: سدّ الثغور يزيد بعدما انفرجت ... بقائم السَّيف لا بالختل والحِيَلِ موف علَى مُهج في يوم ذي رَهجٍ ... كأنَّهُ أجلٌ يسعى إلى أملِ ينال بالرِّفق ما يعيا الرّجالُ به ... كالموتِ مستعجلاً يأتي علَى مهلِ وقال أيضاً: لو أنَّ قوماً يُخْلَقون منيَّةً ... بنفوسهم كانوا بني جبريلا قوم إذا هجر الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسيوف مَقيلا وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي لغيره: عددت أيامك المحجلة الغرّ ... فأعيت وخيرها عدها وما انتضيت السيوف يوم وغى ... إلاَّ وفي الهام طلت تغمدها وقال آخر: يُضحي علَى المجد مأموناً إذا اشتجرت ... سُمْرُ القنا وعلى الأرواح مُتَّهما قد فُصِّلت راحتاه من حفيظتِه ... فخيل من شدّة التعبيس مُبْتسما لم يطغ قوم وإن كانوا ذوي رحمٍ ... إلاَّ رأى السَّيف أدنى منهم زَحما مشت قلوب رجالٍ في صدورهم ... لما رأوك تمشي نحوهم قَدَما أنظرتهم عزمات لو رميت بها ... يوم الكريهةِ ركن الدَّهر لانهدما إذا همُ نكِصو كانت لهم عُقُلاً ... وإن همُ حَجموا كانت لهم لُجما حتَّى انتهكت بحدِّ السَّيف أنفُسهم ... جزاءَ ما انتهكوا من قبلك الحُرما أضحكت منهم ضِباعَ الجوّ ضاحيةً ... بعد العُبوسِ وأبكيت السيوف دَما لما مخضتَ الأمانيّ الَّتي اختلفوا ... عادت هموماً وكانت قبلها هِمَما وقال آخر: لا تَدْعُوَنْ نوحَ بن عمرو دعوةً ... للخطب إلاَّ أن يكونَ جليلا ثَبْتُ المقامِ يرى القبيلة واحداً ... ويُرى فيحسبَهُ القبيلُ قبيلا وقال آخر: شهدتُه والمنايا غير دافعةٍ ... والمجد يوجدُ والأرواح تفتقدُ يكاد حين يُلاقي القرن من حنقٍ ... قبل السنان علَى حوبائه يَرِدُ

стр. 180

لا يوم أكبر منه منظراً حسناً ... والمشرفيَّة في هاماتهم تَخِدُ أنهبت أرواحه الأرماح إذْ شرعت ... ما أن تُردُّ لغيب الدَّهر عنه يدُ كأنها وهي في الأوداج والغةٌ ... وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الَّذي نجدُ من كلِّ أزرقَ نظّار بلا نظرٍ ... إلى المقاتلَ ما في متنه أوَدُ كأنه كان تِربَ الحب مذ زمنٍ ... فليس يُعجزُه قلبٌ ولا كَبِدُ إنَّ ابن يوسف نجّى الثغرَ من سنةٍ ... أعوامَ يوسفَ عيشٌ عندها رغَدُ فأفخر فما من سماءٍ للندى رُفعتْ ... إلاَّ وأفعالك الحُسنى لها عَمدُ واعذرْ حسودَك فيما قد خُصصت به ... إنَّ العُلى حسنُ في مثلها الحسدُ وقال البحتري: ركوبُ لأثباجِ المتالفِ عالمٌ ... بأنَّ المعالي دونهنَّ المهالك مُطِلٌّ علَى الروح المنيع كأنه ... لصرف المنايا في النُّفوس مُشارك فما تترك الأيَّام من هو آخذٌ ... ولا تأخذ الأيَّام من هو تارك مَتَى يأتكَ المقدارُ لا تُدْعَ هالِكاً ... ولكن زمانٌ غال مثلك هالك وقال أيضاً: وقد جرَّبوا بالأمس منكَ عزيمةً ... فضلْتَ بها السيفَ الحُسام المُجرَّبا غداةَ لقيتَ الميثَ والليثُ مُخْدِرٌ ... يُجرِّدُ ناباً للِّقاء ومِخْلَبا فلم أرَ ضِرغامين أصدق منكما ... عِراكاً إذا الهيّابةُ النكس كذَّبا هزبرٌ مشى يبغي هزبراً وأغلبٌ ... من القوم يغشى باسلَ الوجه أغلبا أدلّ بشغب ثمَّ هالَتْهُ صوْلةٌ ... رآك لها أمضى جناباً وأشعبا حملتَ عليه السَّيف لا عزمُك انثنى ... ولا يدُك ارتدَّتْ ولا حدَّه نبا وكنتَ مَتَى تجمع يمينك تهتك ال ... ضَّريبةَ أوْ لا تُبق للسيف مضْربا فاحْجَم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدمَ لما لم يجد عنك مهْربا فلم يغله إن كرَّ نحوكَ مُقبلاً ... ولم يُنجه أن حاد عنك مُنكبّا وقال أيضاً: مُدبِّرُ حرب لم يبتْ عند غيره ... ولم يسر في أحشائه وَهَلُ الرعبِ يُقلقله شوق إلى القرن مُعجلٌ ... لذي الطَّعَن حتَّى تستريحَ إلى الضربِ أضاءت لنا الدُّنيا به بعد ظُلمةٍ ... وأجلَتْ لنا الأيَّام عن خُلق رطبِ وما زال عبد الله يُكسي شمائلاً ... يقُمن مقام الروض في ناضر العشبِ فتى يتعالى بالتواضع جاهداً ... ويُعجب من أهل المخيلة والعُجبِ أمنتُ به حدَّ الزَّمان ففلَّهُ ... وقد يثلِمُ العضبُ المُهند في العضبِ فلم أمل إلاَّ من مودته يدي ... ولا قُلتُ إلاَّ من مواهبه حَسبي وقال النَّابغة الذّبياني: يصونون أجساداً قديماً نعيمُها ... بخالصة الأردان خُضْرِ المناكبِ ولا يحسبون الخير لا شرَّ بعدهُ ... ولا يحسبونَ الشرَّ ضربةَ لازبِ ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهن فُلولُ من قِراع الكتائب فهمْ يتساقَوْن المنيَّةَ بينهُمْ ... بأيديهم بيضُ رقاقُ المضاربِ إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الضرب أرقالَ الجِمالِ المصاعبِ قال وأنشدني أحمد بن أبي طاهر قال أنشدني أبو تمام: يمدُّون بالبيض القواطع أيْدياً ... وهُنَّ سواءٌ والسّيوف القواطعُ إذا أسروا لم يأسِر البغيُ عفوهم ... ولم يُمسِ عانٍ منهمُ وهو كانعُ إذا أطلقوا عنه جوامعَ كيده ... تيقن أن المنَّ أيضاً جوامِعُ الباب الخامس والستون ذكر من وصف بصباحته ومدح بسماحته قال النابغة الذبياني: ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سورَةً ... ترى كلَّ ملك دونها يتذبذبُ بأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا ما بدت لم يبدُ منهن كوكبُ وقال زياد الأعجم: تراه إذا ما جئته مُتهلِّلاً ... كأنك مُعطيه الَّذي أنتَ سائلُهْ كريم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحنو عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجادَ بها فليتق الله سائله وقال الحطيئة فيما أَرَى: تزور امرأً يؤتى علَى الحمد ما لهُ ... ولم يعطِ أثمانَ المحامدِ تُحمَدِ
следующие страницы →