Полный текст (241 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فنحنُ كأنَّا بالقلوبِ وذِكرها ... إذا ما افترقنا حاضرونَ شهودُ
وقال الراعي:
يُناجيننا والطَّرفُ دونَ حديثنا ... ويقضينَ حاجاتٍ وهُنَّ موازِحُ
فلمَّا تفرَّقنا شجيْنَ بعَبرةٍ ... وزوَّدننا شوقاً وهُنَّ فواضحُ
فويلُ امِّها من خلَّةٍ لوْ تنكَّرتْ ... لأعدائنا أوْ صالحتْ منْ تُصالحُ
وقال آخر:
قفي أخبريني ثمَّ حُكمكِ واجبٌ ... عليَّ إذا خبَّرتِ ما أنا سائلُ
متى أنا ناجٍ يا قتولُ فأوْمأتْ ... بطرفٍ كفى رجعَ الَّذي أنا قائلُ
وقال آخر:
ألا حبَّذا الدَّهْنا وطيبُ تُرابها ... وأرضٌ خلاءٌ يصدعُ اللَّيلَ هامُها
ونصُّ المهاري بالعشيَّاتِ والضُّحى ... إلى نفرٍ وحيُ العُيونِ كلامُها
وأنشدني الفضل بن أبي طاهر:
إشارةُ أفواهٍ وغمزُ حواجبٍ ... وتكسيرُ أجفانٍ وكفٌّ تُسلِّمُ
وألسنُنا معقودةٌ عنْ شَكاتنا ... وأبصارُنا عنها الصَّباباتِ تفهمُ
وقال ابن الوليد عبيد الطائي:
يتبسَّمنَ من وراءِ حواشي الرَّيْ ... طِ عن بردِ أُقحوانِ الثُّغورِ
ويُساقطنَ والرَّقيبُ قريبٌ ... لحظاتٍ يُعلنَّ سرَّ الضَّميرِ
ضعُفَ الدَّهرُ عن هواها وما الدَّهْ ... رُ علَى كلِّ دولةٍ بقديرِ
ليسَ في العاشقينَ أنقصُ حظّاً ... في التَّصابي من واصلٍ مهجورِ
أمَّا هذا الكلام فكلام متغطرس علَى الأيام وقد كان يقال عند الثِّقة بالأيَّام تُحذر الغِيَر.
وقال إبراهيم النظّام:
ونشكو بالعيونِ إذا التقينا ... فنفهمُهُ ويعلمُ ما أردْتُ
أقولُ بمُقلتي أنْ متُّ شوقاً ... فيوحي طرفهُ أنْ قدْ علمْتُ
الباب الثاني عشر
من مُنع من كثير الوصال قنع بقليل النَّوال
قال ذو الرمّة:
ألِمَّا بميٍّ قبلَ أنْ تطرحَ النَّوى ... بنا مطرحاً أوْ قبلَ بينٍ يُزيلُها
ولو لمْ يكنْ إلاَّ معرَّسُ ساعةٍ ... قليلاً فإنِّي نافعٌ لي قليلُها
خليليَّ عُدَّا حاجتي من هواكُما ... ومن ذا يُداوي النَّفسَ إلاَّ خليلُها
وقال أيضاً:
وإنِّي ليُرضيني قليلُ نوالكُمْ ... وإن كنتُ لا أرضى لكمْ بقليلِ
بحُرمةِ ما قد كانَ بيني وبينكمْ ... منَ الوُدِّ ألاَّ عُدتمُ بجميلِ
وقال جميل:
ويقُلنَ إنَّكَ قدْ رضيتَ بباطلٍ ... منها فهلْ لكَ في اعتزالِ الباطلِ
ولَباطلٌ ممَّنْ أحبُّ حديثَهُ ... أشهى إليَّ منَ البغيضِ الباذلِ
ولرُبَّ عارضةٍ علينا وصلَها ... بالجدِّ تخلطُهُ بقولِ الهازلِ
فأجبتُها بالقولِ بعدَ تستُّرٍ ... حُبِّي بُثينةَ عن وصالكِ شاغلي
لو كان في قلبي كقدرِ قُلامةٍ ... فضلٌ وصلْتُكِ أوْ أتتكِ رسائلي
أما هذا فقد دلَّنا بغاية جهده على شدَّة تمكُّنها من قلبه وأخبرنا مع ذلك في شعره أنَّه لو تهيَّأ خلاص شيء من حبِّه من يدها لصرفه إلى غيرها وهذه حال لا تُرضي أهل الوفاء ولا يستعملها أهل الصَّفاء.
وقال آخر:
وإنِّي لأرضى منكِ يا ليلُ بالَّذي ... لوُ اخبرَهُ الواشي لقرَّتْ بلابلُهْ
بلى وبأنْ لا أستطيعَ وبالمُنى ... وبالوعدِ حتَّى يسأمَ الوعدَ آملُهْ
وبالنَّظرةِ العَجلى وبالحولِ تنقضي ... أواخرهُ لا تلتقي وأوائلُهْ
هذه لَعمري قناعة شديدة تدلُّ على أن وراءها ذلَّة وكيدة لأن من يتهيَّأ له من يهواه لا يقنع بأن لا يراه وبأن يعده وعده إلاَّ يطالبه بوفائه ولعمري إنَّ هذه الحال تقرُّ عين المعادي وتسخن عين الموالي إلاَّ أنَّه وإن كان قد بالغ في القناعة فإنه قد التمس التعلُّل بالوعد وبتأميل اللقاء على البعد ومن قنع بترك اللقاء وأقام على حال الوفاء كان أتمَّ حالاً.
كما قال أبو دلف العجلي:
إنِّي وإنْ كنتُ لا أراكَ ولا ... أطمعُ في ذاكَ سائرَ الأبدِ
لَقانعٌ بالسَّلامِ يبلُغني ... أشفي غليلاً به منَ الكمدِ
وأدفعُ الهمَّ بالسُّرورِ إذا ... أيقنتُ أنَّا جارانِ في بلدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
أأيَّامَ هذا الدهرِ كمْ تعنفينَ بي ... كأنْ لم ترى قبلي مُعنًّى ولا بعدي
стр. 37
نوالاً كرجعِ الطَّرفِ أعجلَهُ القذى ... وضنّاً كضنِّ الجفنِ بالأعيُنِ الرُّمدِ
فمنْ يكُ مشتاقاً إلى نُجحِ موعدٍ ... فها أنا مشتاقٌ إلى خلفِ الوعدِ
فلا خُلفَ إلاَّ بعدَ توكيدِ موعدٍ ... ولا وعدَ إلاَّ عن صفاءٍ منَ الوُدِّ
وقد قذفتْ نفسي أجلَّ حُظوظها ... لديكَ وفقدُ الحظِّ جُزوءٌ منَ الفقدِ
وقال آخر:
أوَجْدٌ علَى وجدٍ وأنتِ بخيلةٌ ... وقد زعموا أنْ لا يحبَّ بخيلُ
بلى والَّذي حجَّ المُلبُّونَ بيتَهُ ... ويُشفى الجوى بالنَّيلِ وهو قليلُ
وقال آخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانهِ ... ذُرى عُقُداتِ الأبرَقِ المُتقاودِ
وأنْ أرِدَ الماءَ الَّذي وردتْ بهِ ... سُليمى إذا ملَّ السُّرى كلُّ واحدِ
فأُلصقُ أحشائي بِبَردِ ترابهِ ... وإنْ كانَ مخلوطاً بسُمِّ الأساودِ
وقال آخر:
يقرُّ بعيني أن أرى كفَّةَ الغضا ... إذا ما بدتْ يوماً لعيني قِلالُها
ولستُ وإنْ أحببتُ من يسكنُ الغضا ... بأوَّلِ راجٍ حاجةً لا ينالُها
وقال جميل:
قد ماتَ قبلي أخو فهدٍ وصاحبُهُ ... مُرقِّشٌ واشتفى من عُروةَ الكمدُ
إنِّي لأحسبُ أوْ قد كدتُ أعلمُهُ ... أنْ سوفَ توردُني الحوضَ الَّذي وردوا
فما يضرُّ امرءاً أمسى وأنتِ لهُ ... أنْ لا يكونَ من الدُّنيا لهُ سندُ
وقال أيضاً:
يُكذِّبُ أقوالَ الوشاةِ صدودُها ... ويجتازُها عنِّي كأنْ لا أريدُها
وتحتَ مجاري الدَّمعِ منَّا مودَّةٌ ... تُلاحظُ سرّاً لا يُنادى وليدُها
رفعتُ عن الدُّنيا المنى غيرَ وُدِّها ... فما أسألُ الدُّنيا ولا أستزيدُها
وقال أيضاً:
منَ الخفِراتِ البيضِ أُخلِصَ لونُها ... تُلاحي عدوّاً لم تجدْ ما يعيبُها
فما مُزنةٌ بينَ السِّماكَيْنِ أوْ مضتْ ... منَ النُّورِ ثمَّ استعرضَتْها حبوبُها
بأحسنَ منها يومَ قالتْ وعندنا ... من النَّاسِ أوباشٌ يُخافُ شغوبُها
تعايَيْتَ فاستغنيتَ عنَّا بغيرنا ... إلى يومِ يلقى كلَّ نفسٍ حسيبُها
وددْتُ ولا تُغني الوَدادةُ أنَّها ... نصيبي منَ الدُّنيا وأنِّي نصيبُها
وقال آخر:
هلِ الله عافٍ عنْ ذُنوبٍ تسلَّفتْ ... أمِ الله إنْ لمْ يعفُ عنها يُعيدُها
وكُنَّا إذا دانتْ بذلفاءَ نيَّةٌ ... رضينا بدُنيانا فما نستزيدها
وقال أيضاً:
عاتبةٌ لم أغنَ عن وصلها ... يقتلُ في أجفانها السِّحرُ
إن نظرتْ قلتُ بها ذلَّةٌ ... أوْ خطرتْ قلتُ بها كِبرُ
أصبحتُ لا أطمعُ في وصلها ... حسبيَ أن يبقى ليَ الهجرُ
وقال آخر:
صدودكَ عنِّي إذْ أسأتُ يسرُّني ... ولم أرَ قبلي عاشقاً سُرَّ بالصَّدِّ
سُررتُ بهِ أنِّي تيقَّنتُ أنَّما ... دعاكَ إليهِ رغبةٌ منكَ في ودِّي
ولو كنتَ فيَّ زاهداً لم تبالِ بي ... ولكنَّما عتبُ المحبِّ منَ الوجدِ
فيا فرحةً لي إذْ رأيتُكَ عاتباً ... عليَّ لذنبٍ كانَ منِّي بلا عمدِ
وقال البحتري:
أخٌ ليَ لم تتَّصلْ نِسبتي ... بقُربى أبيه ولا أمِّهِ
تنكَّرَ حتَّى لأنكرْتُهُ ... خلا أنَّني عارفٌ باسمهِ
وما ليَ منهُ سوى رِقَّةٍ ... يُراحُ بها الشِّعرُ من فهمهِ
كذا المسكُ ما فيه مُستَمْ ... تَعٌ لمُتَّخذيهِ سوى شمِّهِ
وقال إبراهيم بن العباس:
منِّي الصِّبرُ ومنكَ اله ... جرُ فابلغْ بي مداكا
بعُدتْ همَّةُ عينٍ ... طمعتْ في أن تراكا
أوَ ما حظٌّ لعينٍ ... أن ترى من قد يراكا
أو ترى من قد رأى من ... قد رأى من قدْ رآكا
وقال بعض الأعراب:
أيا جبليْ نُعمانَ قلبي إليكُما ... مسرٌّ هوى مُستأنسٌ بلِقاكُما
كتمتُ جميعَ النَّاسِ وجدي عليكُما ... وأضمرتُ في الأحشاءِ منِّي هواكُما
دعا لكما قلبي الحنينُ وإنَّهُ ... ليُؤنسُ عيني أن ترى من يراكُما
وقال بعض الأعراب:
وإنَّ الَّذي أرضى بهِ من نوالِها ... عليها وإنْ ضنَّتْ بهِ ليَسيرُ
стр. 38
سلامٌ بعينٍ أوْ سلامٌ بحاجبٍ ... إذا ما بهِ لمْ تدرِ كيفَ تُشيرُ
وقال الأحوص بن محمد:
وقد جئتُ الطَّبيبَ لسُقمِ نفسي ... ليَشفيها الطَّبيبُ فما شفاها
وكنتُ إذا سمعتُ بأرضِ سُعدَي ... شفاني من سقامي أنْ أراها
فمنْ هذا الطَّبيبُ لسُقمِ نفسي ... سوى سُعدَي إذا شحطتْ نواها
وقال أيضاً:
أملامُ هلْ لمُتيَّمٍ تنويلُ ... أم قد صرمْتِ وغالَ ودَّكِ غولُ
لا تصرميني منْ دلالكِ إنَّهُ ... حسنٌ لديَّ وإنْ بخلتِ جميلُ
وقال البحتري:
ويحسنُ دلُّها والموتُ فيهِ ... وقد يُستحسنُ السَّيفُ الصَّقيلُ
أقولُ أزيدُ من سقَمٍ فؤادي ... وهلْ يزدادُ من قتلٍ قتيلُ
وقال آخر:
إنَّ الَّتي زعمتْ فؤادكَ ملَّها ... خُلِقتْ هواكَ كما خُلقْتَ هوًى لها
حجبتْ تحيَّتها فقلتُ لصاحبي ... ما كانَ أكثرَها لنا وأقلَّها
ولبعض أهل هذا العصر:
فإنْ تكنِ القلوبُ إذنْ تُجازَى ... وأسلُكْ في الهوَى سَنناً سويَّا
فما لِي أهوَى الثَّقَلينِ جمعاً ... عليكَ وأنتَ أكرمهمْ علَيَّا
عمرتُ سنينَ أسْتحفِي التَّصافِي ... ولا أرضَى منَ الوصلِ الرَّضيَّا
فلمْ تُقلعْ صروفُ الدَّهرِ حتَّى ... حُبستُ عنَ أنْ أجِي أوْ أنْ أُحيَّا
تبغَّضْ ما استطعتَ وعشْ سليماً ... فأنتَ أحبُّ مخلوقٍ إليَّا
وقال أبو صخر الهذلي:
ويقرُّ عينِي وهيَ نازحةٌ ... ما لا يقرُّ يَمينَ ذِي الحلمِ
إنِّي أرَى وأظنُّ أنْ سترَى ... وضحَ النَّهارِ وعاليَ النَّجمِ
وهذه لعمري قناعة مفرطة في بابها وإن كانت مقصِّرة عن حال التَّمام لأن صاحب هذه الحال يستجلب بُعداً لنفسه نسيم الوصال وما قصَّر عن هذا النحو الَّذي يقول:
أتانِي عنكِ سبُّكِ لِي فسُبِّي ... أليسَ جرَى بفيكِ اسمِي فحسْبي
فسُبِّي ما بدَا لكِ أنْ تسبِّي ... فماذا كلُّهُ إلاَّ لحبِّي
وقال آخر في هذا المعنى فما قصّر:
تعاللْتِ كيْ أُشجى وما بكِ علَّةٌ ... تُريدينَ قتلِي قدْ ظفرتِ بذلكِ
لئنْ ساءنِي أنْ نِلتِي بمساءةٍ ... لقدْ سرَّنِي أنِّي خطرتُ ببالكِ
وأنشدني أحمد بن يحيى أبو العباس:
يا أيُّها الرَّاكبُ الغادِي لطيَّتهِ ... عرِّجْ أُنبِّكَ عنْ بعضِ الَّذي أجدُ
ما عالجَ النَّاسُ مِنْ وجدٍ ألمَّ بهمْ ... إلاَّ وجدتُ بهِ فوقَ الَّذي وجدُوا
حسبِي رضاهُ وأنِّي في مسرَّتهِ ... وودِّهِ آخرَ الأيَّامِ أجتهدُ
ولعمري لقد أحسن الَّذي يقول ويقال أنَّه لأبي داود:
لا تنِلْني الرِّضا ولا تهوَ غيرِي ... فكفانِي بذاكَ نيلاً ورِفْقا
غايَتي أنْ أراكَ حيّاً وأُضحِي ... آمناً أنْ تُعيرَ طرفكَ خلقَا
ثمَّ لا أستزيدُ منكَ ولا أطْ ... لبُ نيلاً ولوْ تقطَّعتُ عشقَا
ولبعض أهل هذا العصر في مثله:
أمرتَ ألاَّ أتشكَّى الهوَى ... وفعلُ ما تهواهُ مفروضُ
فلستُ أعدُو حدَّ ما قلتهُ ... حسبِي منَ التَّصريحِ تعريضُ
وكلُّ هذه الأحوال ناقصة عن حدِّ التَّمام على عجب أصحابها بها وافتخارهم بذكرها وتوهُّمهم أن قد تهيَّأ لهم على أنفسهم ما لم يتهيَّأ لغيرهم من صبرها لأحبابهم على الحظِّ اليسير من نوالهم وأتمُّ من هؤلاء في الحال وأحسن صبراً على قليل النوال بل على ترك جميعه من رضي من النَّيل بسلامة محبوبه وكان ذلك نهاية مطلوبه.
وفي مثل ذلك يقول بعض أهل هذا العصر:
إلاَّ تكنْ في الهوَى أرويتَ مِنْ ظمإٍ ... ولا فككتَ منَ الأغلالِ مأسورا
لقد ذللتُ علَى محضِ الهوَى لكَ لا ... لأجلِ ما كانَ مرجوّاً ومدخورا
فحسبُ نفسِي عَناً علمِي بوضِعِها ... منَ الهوَى وحسبُ أنْ كنتُ معذورَا
فأينَ أذهبُ بلْ ماذا أُريدُ منَ ال ... أيَّامِ أروِي عليها الإفكَ والزُّورا
وأنتَ ذاكَ وقلبِي ذا الَّذي ملكَتْ ... هواهُ نسُفْكَ إكراهاً وتخْييرا
لمْ يهوكَ القلبُ إنْ أظهرتَ أنتَ لهُ ... برّاً فيسلاكَ إذْ أظهرتَ تقصيرَا
стр. 39
ولمْ يكنْ باختيارٍ لي فأتركهُ ... ولا اضطرارٍ أتاهُ القلبُ مَقهورا
لكنَّهُ مِنْ أمورِ اللهِ ممتنعٌ ... في الوصفِ قدَّرهُ الرَّحمانُ تقديرَا
لنْ يُضبطَ العقلَ إلاَّ ما يدبِّرُهُ ... ولنْ ترَى في الهوَى بالعقلِ تدبيرَا
كنْ مُحسناً أوْ مُسيئاً وابقَ لي أبداً ... تكنْ لديَّ علَى الحالينِ مشكورَا
الباب الثالث عشر
مَنْ حُجبَ منَ الأحبابِ تذلَّل للحجَّابِ
أصل الحجاب يكون من جهتين إمَّا أن يقع من المحبوب اختياراً وإمَّا أن يوقعه غيره به اضطراراً فأمَّا الاضطرار فقسم واحد وهو صون المحبوب عن المحجوب وأما الاختيار فينقسم على ضروب فربَّما كان امتحاناً للمحبِّ من المحبوب وربَّما كان خوفاً عليه من الرَّقيب وربَّما كان استدعاءً للزيادة في الحال وربَّما كان إشفاقاً على النَّفس من العذَّال وتصوُّناً عن قبيح المقال وربَّما كان على جهة الضَّجر والملال وهذا هو شرُّ الأحوال وفي كل ذلك قد قالت الشُّعراء ونحن إن شاء الله نذكر من ذلك بعض ما يتهيَّأ على حسب ما يحتمله العدد الَّذي شرطناه.
وأنشدني أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر:
حجابٌ فإنْ تبدُو فللدَّمعِ جولةٌ ... يكونُ لهُ مِنْ دونِ رؤيَتِها سِترا
فإنْ غاضَ دمعُ العينِ أقبلَ كاشحٌ ... يردُّ جفونَ العينِ قدْ مُلئتْ ذُعرا
ومَنْ يشترِي منِّي حياتِي بمِيتَةٍ ... أبعهُ حياةً يشترِي بعدَها قبرَا
ومَنْ يشترِي عَيْني بعينٍ صحيحةٍ ... أزدهُ علَى عَيْنيَّ قلباً أبى الصَّبرا
وقال عبد الله بن طاهر:
إنْ يمنَعُوني ممرِّي نحوَ بابكمُ ... فسوفَ أنظرُ مِنْ بُعدٍ إلى الدَّارِ
لا يقدِرونَ علَى منْعِي وإنْ جهدوا ... إذا مررتُ وتسليمِي بإضمارِ
ما ضرَّ جيرانكمْ واللهُ يكلأُهمْ ... لولا شقائِي إقبالِي وإدْبارِي
وقال قيس بن ذريح:
فإنْ يحجبُوها أو يحلْ دونَ وصلِها ... مقالةُ واشٍ أوْ وعيدُ أميرِ
فلنْ يحجبُوا عينيَّ مِنْ دائمِ البُكا ... ولنْ يُذهبُوا ما قدْ أجنَّ ضميرِي
وقال بعض الأعراب:
فإنْ يمنعُوا ليلَى وحسنَ حديثِها ... فلنْ يمنعُوا منِّي البُكا والقوافِيا
فهلاَّ منعتمْ إذْ منعتمْ كلامَها ... خيالاً يُوافينا علَى النَّأيِ هادِيا
وقال آخر:
لِي إلى الرِّيحِ حاجةٌ إنْ قضتْها ... كنتُ للرِّيحِ ما حَييتُ غُلاما
حجبُوها عنِ الرِّياحِ لأنِّي ... قلتُ للرِّيحِ بلِّغيها السَّلاما
وقال البحتري:
ويكفِي الفتَى مِنْ نُصحهِ ووفائهِ ... تمنِّيهِ أنْ يُردَى ويسلمَ صاحبُهْ
فلا تحسَبا ترْكِي الزِّيارةَ جفوةً ... ولا سوءَ جاذَبَتْني جواذبُهْ
ومَنْ لِي بإذنٍ حينَ أعدُو إليكُما ... ودونكُما البرجُ المطلُّ وحاجبُهْ
وقال آخر:
خليليَّ ليسَ الهجرُ أنْ تشحطَ النَّوى ... بإلفينِ دهراً ثمَّ يلتقيانِ
ولكنَّما الهِجرانَ أنْ تجمعَ النَّوى ... وأُحصرَ عمَّنْ قد أرَى ويَرانِي
وقال البحتري:
فكمْ جئتُ طوعَ الشَّوقِ مِنْ بعدِ غايةٍ ... إلى غيرِ مشتاقٍ وما ردَّنِي بشرُ
وما بالهُ يأْبَى دخولِي وقدْ أرَى ... خُروجِيَ مِنْ أبوابهِ ويدِي صفرُ
وقال أيضاً:
إذا أتيتكَ إجلالاً وتكرمةً ... رجعتُ أحملُ برّاً غيرَ مقبولِ
فإنْ أردْتكَ عرَّضتُ الرَّسولَ لِمَا ... يُخشَى منَ الرَّدِّ واستأذنتُ مِنْ ميلِ
وقال أبو تمام الطائي:
صبراً علَى المطلِ ما لمْ يتلهُ الكذبُ ... فللخطوبِ إذا سامحتُها عقبُ
ليسَ الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أملاً ... إنَّ السَّماءَ تُرجَّى حينَ تحتجبُ
وقال ابن أبي طاهر:
حُجبتُ وقدْ كنتُ لا أُحجبُ ... وأُبعدتُ عنكَ فما أقربُ
وما ليَ ذنبٌ سوَى أنَّني ... إذا أُغضبتُ لا أغضبُ
وأنْ ليسَ دونكَ لي مطلبٌ ... ولا دونَ بابكَ لي مهربُ
فليتَكَ تبقَى سليمَ المحلّ ... وتأذنُ إنْ شئتَ أوْ تَحجبُ
وقال العرجي:
لقدْ أرسلتْ ليلَى رسولاً بأنْ أقمْ ... ولا تقرَبَنَّا فالتَّجنُّبُ أمثلُ
стр. 40
لعلَّ العيونَ الرَّمِقاتِ لودِّنا ... تُكذِّبُ عنَّا أوْ تنامُ فتغفلُ
أناسٌ أمنَّاهمْ فنمُّوا حديثَنا ... فلمَّا كتمْنا السِّرَّ عنهمُ تقوَّلوا
فما حفظُوا العهدَ الَّذي كانَ بينَنا ... ولا حينَ همُّوا بالقطيعةِ أجمَلوا
فقلتُ وقدْ ضاقتْ بلادِي برُحْبها ... عليَّ بما قدْ قيلَ والعينُ تهملُ
سأجتنبُ الدَّارَ الَّتي أنتمُ بها ... ولكنَّ طرفِي نحوَها سوفَ يُعملُ
ألمْ تعلمِي أنِّي وهل ذاكَ نافِعِي ... لديكِ وما أُخفِي منَ الودِّ أفضلُ
أرَى مستقيمَ الطَّرفِ ما الطَّرفُ أَمَّكمْ ... وإنْ رامَ طرفِي غيركمْ فهوَ أحولُ
وقال آخر:
ألا طرقتْنا آخرَ اللَّيلِ زينبٌ ... عليكِ سلامٌ هلْ لِما فاتَ مطلبُ
وقالتْ تجنَّبنا ولا تقرَبَنَّنا ... فكيفَ وأنتمْ حاجَتِي أتجنَّبُ
وقال آخر:
اللهُ يعلمُ ما ترْكي زيارتكمْ ... إلاَّ مخافةَ أعدائِي وحرَّاسِي
ولوْ قدرتُ علَى الإتيانِ جئتكمُ ... سبحاً علَى الوجهِ أوْ مشياً علَى الرَّأسِ
وقال آخر:
عُقيلِيةٌ أمَّا مَلاتَ إزارِها ... فدِعْصٌ وأمَّا خصرُها فثقيلُ
تقيظُ بأكنافِ الحِمَى ويظلُّها ... بنُعمانَ منَ وادِي الأراكِ مَقيلُ
أيا مَنْ كتمْنا حبَّها لمْ نُطعْ بهِ ... عدوّاً ولم يُؤمنْ عليهِ دخيلُ
ويا خلَّةَ النَّفسِ الَّتي ليسَ دونَها ... لنَا مِنْ أخلاَّءِ الصَّفاءِ دخيلُ
أمَا مِنْ مقامٍ نشتكِي غُربةَ النَّوى ... وخوفَ العِدَى فيهِ إليكِ سبيلُ
فديتكِ أعدائِي كثيرٌ وشُقَّتي ... بعيدٌ وأشياعِي إليكِ قليلُ
وكنتُ إذا ما جئتُ جِئتُ بعلَّةٍ ... فأفنيتُ علاَّتي فكيفَ أقولُ
فما كلَّ يومٍ لي بأرضِكِ حاجةٌ ... ولا كلَّ يومٍ لي إليكِ رسولُ
أليسَ قليلاً نظرةٌ إنْ نظرتُها ... إليكِ وكلٌّ منكِ ليسَ قليلُ
وقال البحتري:
قدَّمتَ قُدَّامي رجالاً كلُّهمْ ... متخلِّفٌ عنْ غايتِي مُتقاعسُ
وأذلتَنِي حتَّى لقدْ أشمتَّ بِي ... مَنْ كانَ يحسدُ منهمُ ويُنافسُ
أوعدْتَني يومَ الخميسِ وقدْ مضَى ... مِنْ بعدِ موعدكَ الخميسَ الخامسُ
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه:
إذا كنتَ لا تحفَى بقُربِي ولا بُعدِي ... ولمْ تدرِ ما عِندي وقدْ جلَّ ما عِندِي
فهلْ أنتَ إنْ حكَّمتُ جودكَ منصفٌ ... فما لي عليهِ غيرُ جودكَ مِنْ مُعدِ
أبَى الحقُّ أنْ يخفَى وأقضِي ولا أرَى ... بجودكَ يوماً في سعيدٍ ولا سعدِ
ويدفعُ في صدرِي حجابكَ بعدَما ... أكونُ وما قبلِي لأُنسٍ ولا بعدِي
فما لِي قدْ أُبعدتُ عنكَ وطالَما ... دعوتُ فلمْ تُبعدْ نداكَ علَى بُعدِي
وأصبحتُ قدْ شوركتُ فيك ولمْ نزلْ ... كغُصنينِ في ساقٍ وسيفينِ في غمدِ
أللجدِّ هذا منكَ أمْ أنتَ مازحٌ ... فكمْ مِنْ مُزاحٍ عادَ يوماً إلى الجدِّ
وليسَ دوامُ الشُّكرِ يوماً بواجدٍ ... لمنْ لمْ يدمْ منهُ الوفاءُ علَى العهدِ
ولبعض أهل هذا الزمان:
بعينيكَ ما ألقَى إذا كنتَ حاضراً ... وإنْ غبتَ فالدُّنيا عليَّ محابسُ
ففيمَ أرَى نفسِي لقًى بفنائكمْ ... ولا مَنْ يُدانيني لديكمْ مُؤانسُ
أتحجُبُني أنْ قلتَ تحسدُ مَنْ بغَى ... هوايَ ومَنْ أحفَى بهِ وأُوانسُ
أجلْ إنَّ مَنْ يبغِي هواكَ محسَّدٌ ... عليكَ ومنْ يهوَى هواهُ منافسُ
إذا لمْ أُنافسْ في هواكَ ولمْ أغَرْ ... عليكَ ففيمنْ ليتَ شِعرِي أُنافسُ
فلا تحتقرْ نفسِي وأنتَ حبيبُها ... فكلُّ امرئٍ يصبُو إلى مَنْ يُجانسُ
وقال جرير:
قتلْنَنا بعيونٍ زانَها مرضٌ ... وفي المراضِ لنا شجوٌ وتعذيبُ
حتَّى متى أنتَ مشغوفٌ بغانيةٍ ... صبٌّ إليها طوالَ الدَّهرِ مكروبُ
قدْ تيَّمَ القلبَ حتَّى زادهُ خَبَلاً ... مَنْ لا يكلِّمُ إلاَّ وهو محجوبُ
стр. 41
وأرى في هذه المقطوعة ومقطوعات قبلها ما يدلُّ على ضجر من المحجوب وقلَّة صبر منه على نازلات الخطوب ولعمري كان الضَّجر على ما لا يصلح منه الانتصار ولا ينبسط عليه الاقتدار مهجِّناً لمظهره ومزرياً بمستشعره فإنَّ من تسامح له الزَّمان وتغافلت عنه صروف الأيَّام فوقع في مرعى خصيب وظفر بما لم يأمله المحبوب ثمَّ عطفت عليه الأيَّام عطفة الحنق المغتاظ فاسترجعت ما أعطته واستردَّت ما أعارته لغير معنَّف على الحيرة والتَّخليط والتَّأسُّف على ما قدَّم من التَّفريط.
وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر:
ألا مَنْ لقلبٍ قدْ دعاهُ تَجاسُرُهْ ... وضاقتْ بهِ بعدَ الورودِ مصادرهْ
تغافلَ عنهُ الدَّهرُ فاغترَّ بالمُنى ... فلمَّا أضاعَ الحزمَ كرَّتْ عساكرهْ
فأصبحَ كالمأسورِ طالتْ عُداتهُ ... عليهِ وذلَّتْ بعدَ عزٍّ عشائرهْ
تجرَّتْ عليهِ النَّائباتُ فأصبحتْ ... بكلِّ الرَّدى غيرَ الحِمامِ تُبادرهْ
وقدْ كانَ صرفُ الدَّهرِ يُقبلُ نحوهُ ... إذا جالَ في بحرٍ منَ الفكرِ خاطرهْ
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي في نحو ذلك:
ربَّ قومٍ قدْ غدَوْا في نعمةٍ ... وعُلا عزٍّ عَلا ثمَّ بسَقْ
سكتَ الدَّهرُ زماناً عنهمُ ... ثمَّ أبكاهمْ دماً حينَ نطقْ
وفي مثله يقول عدي بن زيد:
قدْ أرانَا وأهلُنا بخفيرٍ ... نحسبُ الدَّهرَ والسِّنينُ شُهورا
فأمِنَّا وغرَّنا ذاكَ حتَّى ... راعَنا الدَّهرُ إذْ أتانا مُغيرا
إنَّ للدَّهرِ صولةً فاحْذَروها ... لا تبيتنَّ قدْ أمنتَ الدُّهورا
قدْ ينامُ الفتَى صحيحاً فيردَى ... ولقدْ باتَ آمناً مستُورا
ولعمري قد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول:
أعوامُ وصلٍ كانَ يُنسي طولَها ... ذكرُ النَّوى فكأنَّها أيَّامُ
ثمَّ انبرتْ أيَّامُ هجرٍ أُردفتْ ... بجوَى أسًى فكأنَّها أعوامُ
ثمَّ انقضتْ تلكَ السِّنينُ وأهلُها ... وكأنَّهمْ وكأنَّها أحلامُ
وعلى أنَّه لا ينبغي للعاقل أن يفرط في الجزع من غير الأيَّام فإنَّ الدَّهر حالٌ بعد حالٍ وكما كان اتِّصال السُّرور ذريعة إلى وقوع المحذور فكذلك ربَّما كان وقوع المكروه من أقوى الأسباب لرجوع المحابِّ ولقد أحسن كل الإحسان الَّذي يقول:
قدْ ينعمُ اللهُ بالبلوَى وإنْ عظُمتْ ... ويبتَلِي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعمِ
وقد قيل في ذم الحاجب والمحجوب أشياء لا تصلح من محبّ إلى محبوب غير أنَّا نصل بذكر بعضها الباب لأنَّها وإن لم تكن داخلة في حقيقته فإنَّها غير خارجة من جملته.
أنشدنا أبو الضياء لنفسه:
كلُّ حجابِ المرءِ نقصٌ بهِ ... وبعضهُ أقبحُ مِنْ بعضهِ
وحاجبُ المرءِ إذا اختارهُ ... لنفسهِ تاهَ علَى عِرضهِ
وربَّما ذُمَّ علَى تيههِ ... خليفةُ الرَّحمانِ في أرضهِ
وكمْ رأينَا حاجباً تائهاً ... قدْ أُبغضَ المحجوبُ مِنْ بُغضهِ
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى:
لمَّا رأيتُ أميرَنا متهجِّماً ... ودَّعتُ عرصةَ دارهِ بسلامِ
ورفضتُ صفحتهُ الَّتي لمْ أرضَها ... وأزلتُ عنْ رتبِ الدّناةِ مقامِي
ووجدتُ آبائِي الَّذينَ تقدَّموا ... سنُّوا الإباءَ علَى الملوكِ أمامِي
وقال أيضاً أحمد بن يحيى:
سأتركُ هذا البابَ ما دامَ إذنهُ ... علَى ما أرَى حتَّى تلينَ قليلا
إذا لمْ نجدْ يوماً إلى الإذنِ سلَّماً ... وجدْنا إلى تركِ المجيءِ سبيلا
وقال البحتري:
ولمَّا وقفْنا ببابِ الوزيرِ ... وقدْ رُفعَ السِّترُ أوْ جانبهْ
ظللْنا نُرجِّمُ فيكَ الظُّنونَ ... أحاجمُهُ أنتَ أمْ حاجبهْ
وقال ابن عبدوس لنفسه:
قدْ أتيناكَ وإنْ كنْ ... تَ بنا غيرَ حقيقِ
وتوخَّيناكَ بالبِ ... رِّ علَى بُعدِ الطَّريقِ
كلَّما جئناكَ قالوا ... نائمٌ غيرُ مفيقِ
لا أَنامَ اللهُ عينَيْ ... كَ وإنْ كنتَ صديقِي
الباب الرابع عشر
مَنْ مُنعَ منَ الوصولِ اقتصرَ علَى الرَّسولِ
стр. 42
ذكروا أنَّ جميلاً وكثيِّراً التقيا فقال جميل لكثيّر بأني أريد أن تصير إلى بثينة فتأخذ لي عليها موعداً، فقال له: ويحك من عند عمِّها جئت وغاشية أهلها كثير قال له جميل: إنَّ الحيلة تأتي من وراء ذلك فقال له كثيّر: فأعطني علامة تعرفها قال جميل: آخر يوم التقينا كنَّا في وادي الدَّوم فأصاب ثوبها شيء من ورق الشَّجر فغسلته فمضى كثيّر إلى عمِّها فقال له: ما الَّذي ردَّك؟ فقال: أبيات صنعتها في عزَّة أحببت أن تسمعها قال: وما هي؟ فأنشأ يقول:
أقولُ لها يا عزَّ أرسلَ صاحبِي ... علَى نأْيِ دارٍ والموكَّلُ مُرسلُ
بأنْ تجعلِي بيني وبينكِ موعداً ... وأنْ تأمُريني ما الَّذي فيهِ أفعلُ
أما تذكرينَ العهدَ يومَ لقيتكمْ ... بأسفلِ وادِي الدَّومِ والثَّوبُ يُغسلُ
فلمَّا سمعت ذلك بثينة قالت: إخسأ قال لها عمُّها: ما الَّذي أخسأت يا بثينة؟ قالت: كلباً كان يعترينا ليلاً وقد رأيته نهاراً فانصرف كثيّر إلى جميل وعرَّفه أنَّا قد ذكرت اللَّيل فصر إليها.
وقال آخر:
إنَّ الَّتي أبصرْتها ... سحَراً تكلِّمُني رسولُ
أدَّتْ إليَّ رسالةً ... كادتْ لها نفسِي تسيلُ
فَلَوَ انَّ أُذنكَ بينَنَا ... حتَّى تسمَّعَ ما نقولُ
لرأيتَ ما استقبحتَهُ ... مِنْ فعلِنا وهوَ الجميلُ
وقال آخر:
خليليَّ عُوجا باركَ اللهُ فيكُما ... وإنْ لمْ تكنْ أرضِي لأرضِكُما قصدا
وقولا لها ليسَ الضَّلالُ اختيارَنا ... ولكنَّنا جُزْنا لنلقاكمُ عمْدا
وقال آخر:
ألا يا نسيمَ الرِّيحِ إنْ كنتَ هابطاً ... بلادَ سُليمى فالتمسْ أنْ تكلَّما
لتَقْرَا علَى ليلى السَّلامَ وأهلِها ... وكنْ بعدَها عنْ سائرِ النَّاسِ أعجَما
وقال خليفة بن روح الأسدي:
ألا يا خليلَ النَّفسِ إنْ جئتَ أرضَها ... فأنتَ لمشهورٌ هناكَ رسولُ
فسلْ أُمَّ سلمٍ هلْ محا عهدَها الغِنى ... ومالٌ حوتهُ بعدَنا وخليلُ
وباللهِ سلْهَا هلْ تطاولَ ليلُها ... كما اللَّيلُ إذْ بانتْ عليَّ طويلُ
وإنَّ لسانِي باسمِ ليلَى وذكرِها ... إذا قلتُ تشبيهاً بها لذلولُ
وقال ابن أبي أمية:
أقولُ وقدْ أجدَّ رحيلُ صحْبِي ... لِخِدْنَيَّ اهدِيا هدياً جميلا
ألِمَّا قبلَ بينِكُما بسُلمى ... فقولا أنتِ ضامنةٌ قتيلا
رجَا منكِ النَّوالَ فلمْ تُنيلِي ... وقد أورثتهِ سقماً طويلا
فإن وصلتْكُما سُلمى فقولا ... نرَى في الحقِّ أنْ نصلَ الوَصولا
وإنْ آنستُما بخلاً فلسْنا ... بأوَّلِ مَنْ رجَا حرجاً بَخيلا
وقال المقدام بن ضيغم:
أخا الجنِّ بلِّغْها السَّلامَ فإنَّني ... منَ الإنسِ مزورُّ الجَنانِ كتومُ
أخا الجمِّ حالُ النَّاسِ بيني وبينَها ... عدوٌّ ومُستَحْياً عليَّ كريمُ
وقال يزيد بن الطثرية:
ألمَّا علَى ظلاَّمَة اليومَ فانْطِقا ... بعُذرِي لديها واذْكُراني تعجُّبا
وقولا إذا عدَّتْ ذنوباً كثيرةً ... عليَّ تجنَّاها امرؤٌ ما تغبَّبَا
هَبيهِ امرءاً إمَّا بريئاً ظلمتهِ ... وإمَّا مُسيئاً تابَ بعدُ وأعْتَبا
وقال أيضاً:
أيا رِفقةً مِنْ أهلِ بُصرَى تحمَّلتْ ... تؤمُّ الحِمى لُقِّيتِ مِنْ رفقةٍ رُشدا
إذا ما بلغتمُ سالمينَ فبلِّغوا ... تحيَّةَ مَنْ قد ظنَّ أنْ لا يرَى نجدا
وقولا تركْنا الحارثيَّ مكبَّلاً ... بكبلِ الهوَى مِنْ حبِّكمْ مضمراً وجْدا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أرسلتْ أسماءُ في معتبةٍ ... عتِبَتْها وهيَ أحلى مَن عتبْ
إذْ أتى منها رسولٌ موهناً ... وجدَ الحيَّ نياماً فانقلبْ
ضربَ البابَ فلمْ يشعرْ بهِ ... أحدٌ يفتحُ عنهُ إذْ ضربْ
قالَ أيقاظٌ ولكنْ حاجةٌ ... عرضتْ تُكتمُ منَّا فاحتجبْ
ولهذا ردَّنِي فاجتهدتْ ... بيمينٍ حلفتْ عندَ الغضبْ
أُشهدُ الرَّحمانَ لا يجمعُنا ... سقفُ بيتٍ رحِباً حتَّى وجبْ
قلتُ يا هندُ اعمِدِي لي نحوَها ... واحلِفي باللهِ كشَّافِ الكربْ
فأتتها طبَّةٌ عالمةٌ ... تخلطُ الجدَّ مراراً باللَّعبْ
стр. 43
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانتْ لها ... وتَراخَى عندَ سوراتِ الغضبْ
لمْ تزلْ تصرِفُها عنْ رأيِها ... وتأَنَّاها برفقٍ وأدبْ
فبلغني أنَّ ابن أبي عتيق لمَّا سمع هذا الشعر قال لعمر بن أبي ربيعة النَّاس في طلب خليفة مثل قوَّادتك هذه منذ قتل عثمان بن عفان فما يقدرون عليه.
وقال أبو تمام الطائي:
أغنيتَ عنِّي غَناءَ الماءِ في الشَّرقِ ... وكنتَ منشئَ وبلِ العارضِ الغدقِ
يا منَّةً لكَ لولا ما أُخفِّفُها ... بهِ منَ الشُّكرِ لم تُحملْ ولمْ تطقِ
وقال أيضاً في وصفه كتاباً ورد عليه وأحسن:
فضضتُ خِتامهُ فتبلَّجتْ لِي ... غرائبهُ عنِ الخبرِ الجليِّ
وكانَ أجلَّ في عيني وأبهَى ... علَى كبدِي منَ الزَّهرِ النَّديِّ
وأحسنَ موقعاً منِّي وعندِي ... منَ البُشرَى أتتْ بعدَ النَّعيِّ
وضُمِّن صدرهُ ما لمْ تضمَّنْ ... صدورُ الغانياتِ من الحليِّ
وقال البحتري:
تناءتْ دارُ عَلوةَ بعدَ قربٍ ... فهلْ ركبٌ يبلِّغها السَّلاما
وجدَّدَ طيفُها عتباً علينا ... فما يعتادُنا إلاَّ لِماما
وربَّةَ ليلةٍ قدْ بتُّ أُسقَى ... بكفَّيها وعينيها المُداما
قطعنا اللَّيلَ لثماً واعتناقاً ... وأفنيناهُ ضمّاً والتزاما
وقال أيضاً:
هل ركْبُ مكَّةَ حاملونَ تحيَّةً ... تُهدى إلينا مِنْ معنًى مغرمِ
ردَّ الجفونَ علَى كرًى متبدِّدٍ ... وحنَى الضُّلوعَ علَى جوًى متضرِّمِ
إن لمْ يبلغكَ الحجيجُ فلا رمَوْا ... بالجمرتينِ ولا سُقوا مِنْ زمزمِ
وقال زيادة بن زيد:
ألمَّا بليلى يا خليليَّ فانظرا ... وما لمْ تُلمَّا بابَها كانَ أكثرا
وعُوجا المطايا طالَما قدْ هجرتُها ... عليها وإنْ كانَ المُعرَّجُ أغبرا
متى يرَها العَجلانُ لا يثنِ طرفهُ ... إلى عينهِ حتَّى يحارَ ويحسرَا
ولوْ خلِّيتْ ليلى علَى اللَّيلِ مظلماً ... لجلَّتْ ظلامَ اللَّيلِ ليلى فأقمرا
ولمْ أرَ ليلى بعدَ يومِ لقيتُها ... تكفُّ دموعَ العينِ أنْ تتحدَّرا
فما بدَّدَ الهجرانَ يا ليلُ بيننا ... وشحطَ النَّوى إلاَّ الهوَى والتَّذكُّرا
وكمْ دونَ ليلى بلدةٌ مُسبَطِرَّةٌ ... وبيدٌ مَلاها العينُ حتَّى تحيَّرا
وقال نصيب:
خليليَّ زُورا العامريّةَ فانظُرا ... أيبقَى لديها الودُّ أمْ يتقضَّبُ
وقولا لها إنْ يعتزِلْكِ فلا قلًى ... ولكنَّهُ عنْ رقبةٍ يتجنَّبُ
يرَى دونكمْ مَنْ يتَّقي وهوَ إلفٌ ... لكمْ ولهُ مِنْ دونكمْ مُترقَّبُ
فصدَّ وما يسطيعُ صرمكِ إنَّهُ ... ولو صدَّ رهنٌ في حبالكِ مُنشبُ
وقال الأحوص:
إذا ما أتَى مِنْ نحوِ أرضكِ راكبٌ ... تعرَّضتُ واستخبرتُ والقلبُ موجعُ
فأبدا إذا استخبرتُ عمداً بغيرِها ... ليخفَى حديثِي والمخادعُ يخدعُ
وأُخفي إذا استخبرتُ أشياءَ كارهاً ... وفي النَّفسِ حاجاتٌ إليها تطلَّعُ
فسرُّكِ عندِي في الفؤادِ مكتَّمٌ ... تضمَّنهُ منِّي ضميرٌ وأضلعُ
إلى اللهِ أشكُو لا إلى النَّاسِ حاجتِي ... ولا بدَّ مِنْ شكوَى حبيبٍ يروَّعُ
ألا فارْحَمي مَنْ قدْ ذهبتِ بعقلهِ ... فأمسَى إليكمْ خاشعاً يتضرَّعُ
إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو ذكرتُها ... فظلَّتْ لها نفسِي تتوقُ وتنزعُ
إن كان أحد من المرسَلين إلى أحبابهم والسَّائلين عن أخبارهم معذوراً فصاحب هذا الشِّعر معذور لأنه قد احتاط جهد وكتم سرَّه بحسب ما يمكنه وليس هذه حالة تامة ولا في باب المراسلات حال تامة غير أنَّ كلَّ ما قلَّ من الإظهار وانكتم من الأسرار كان صاحبه أعذر ممَّن أفرط في إظهار حاله وائتمن النَّاس علَى أسراره.
وقال آخر:
أتتْنا عيونٌ مِنْ بلادكِ لم تجئْ ... لنا ببيانٍ منكِ ثمَّ عيونُ
وإنَّ منَ الخلاَّنِ من تشحطُ النَّوى ... بهِ وهوَ راعٍ للودادِ أمينُ
ومنهمْ كغيبِ العينِ أمَّا لقاؤهُ ... فحلوٌ وأمَّا غيبهُ فخؤونُ
وقال آخر:
ألا أيُّها الرَّكبُ اليمانونَ عرِّجوا ... علينا فقدْ أضحَى هوانا يمانِيا
стр. 44
نُسائلكمْ هلْ سالَ نعمانُ بعدَنا ... وحبَّ إلينا بطنُ نُعمانَ وادِيا
عهِدنا بهِ صيداً غزيراً ومشرباً ... بهِ نُقعَ القلبُ الَّذي كانَ صادِيا
وأنشدني أعرابي بالبادية:
أيا ربِّ أنتَ المستعانُ علَى نوًى ... لعزَّةَ قد أزرَى بجسمِي حِذارُها
أُسائلُ عنهمْ أهلَ مكةَ كلُّهمْ ... بحيثُ التقى حجَّاجُها وتِجارُها
عسَى خبرٌ منها يُصادفُ رفقةً ... مخلَّفةً أوْ حيثُ تُرمَى جمارُها
ومعتمرٍ في ركبِ عزَّةَ لمْ تكنْ ... لهُ حاجةٌ في الحجِّ لولا اعتمارُها
لئنْ عزفتْ يا عزَّ نفسِي عنكمُ ... لبعدٍ أشدَّ الوجدِ كانَ اصطبارُها
ولبعض أهل هذا العصر:
أتذكرُ اليومَ ما لاقيتُ مِنْ كمدٍ ... أمْ قدْ كفاكَ رسولِي بالَّذي ذكرا
هذا مقامُ فتًى أقصاهُ مالكهُ ... فحاولَ الصَّبرَ حيناً ثمَّ ما صبرا
بينَا يُعدِّدُ أحقاداً ويضمرُها ... إذْ قادهُ الشَّوقُ حتَّى جاءَ معتذرا
لمْ يجنِ ذنباً فيدرِي ما يُمحِّصهُ ... ولا يرَى أجلاً للصَّفحِ مُنتظرا
واللهِ واللهِ لا تُشمتْ أعاديَهُ ... فالصَّفحُ أجملُ بالمولَى إذا قدرا
وقال سهيل بن عليل:
ألا أيُّها الرَّكبُ المخبُّونَ هلْ لكمْ ... بأُختِ بني نهدٍ نُهَيَّةَ مِنْ عهدِ
أألقتْ عصاها فاستقرَّ بها النَّوى ... بأرضِ بني قابوس أمْ ظعنتْ بعدِي
وقال آخر:
بعثتُ رسولاً فأضحَى خليلا ... علَى الرُّغمِ منِّي فصبراً جميلا
وكنتُ الخليلُ وكانَ الرَّسولُ ... فأضحَى خليلاً وصرتُ الرَّسولا
كذا مَنْ يوجِّهُ في حاجةٍ ... إلى مَنْ يحبُّ رسولاً نبيلا
وزعموا أن جارية أرسلت جاريتها برسالة إلى خليل كان لها فاتَّهمته بأنه خمشها فكتب معتذراً من ذلك:
زعمَ الرَّسولُ بأنَّني خمَّشتهُ ... كذبَ الرَّسولُ وفالقِ الأصباحِ
إن كنتُ خمَّشتُ الرَّسولَ فعافصتْ ... روحِي أناملُ قابضِ الأرواحِ
شغلي بحبِّكِ عنْ سواكِ وليسَ لي ... قلبانِ مشغولٌ وآخرُ صاحِ
قلبي الَّذي لمْ يُبقِ فيهِ هواكمُ ... فضلاً لتخميشٍ ولا لمزاحِ
الباب الخامس عشر
مَنْ أحبَّه أحبابهُ وشَى بهِ أترابهُ
مكايد الوشاة كلُّها تنقسم على ثلاثة أقسام فسعاية المتحابَّين إلى غيرهما وسعاية المحبّ إلى محبوبه وسعاية المحبوب إلى محبِّه فهذه عند كثير من الأدباء أضعف المكايد أثراً وليس الأمر كذلك ولا هو أيضاً بضدِّ ذلك ولكنَّه محتاج إلى نقصان أمَّا العشَّاق والمتيَّمون فلا يقبلون قول الوشاة بل لا يسمعونه لأنَّ الثِّقة منهم بأحبابهم ماحيةٌ لقول من وشى بهم وأمَّا أهل الوله المدلَّهون فيقبلون ما لا يسمعون فضلاً عمَّا يسمعون لما قدَّمنا من وصفهم وغلبة الظّنِّ على أنفسهم ونحن نذكر إن شاء الله من كلِّ ما قيل في ذلك طرفاً.
وقال بعض الظرفاء:
ولمَّا رأينا الكاشحينَ تتبَّعوا ... هوانا وأبدَوْا دونَنا أعيناً خُزرا
جعلتُ وما بي مِنْ جفاءٍ ولا قِلًى ... أزورُكمُ يوماً وأهجركمْ شهرا
ولوْ نظرتْ بينَ الجوانحِ والحشا ... رأتْ مِنْ كتابِ الحبِّ في كبدِي سطرا
وقال الأحوص:
يا بيتَ عاتكةَ الَّذي أتعزَّلُ ... حذرَ العِدى وبهِ الفؤادُ موكَّلُ
أصبحتُ أمنحُكَ الصُّدودَ وإنِّني ... قسماً إليكَ معَ الصُّدودِ لأميلُ
وتجنُّبي بيتَ الحبيبِ وذِكرَهُ ... أُرضي البغيضَ به حديثٌ مُعضِلُ
هلْ عيشُنا بكَ في زمانكَ راجعٌ ... فلقدْ تفحَّشَ بعدكَ المتعلِّلُ
ولوَ انَّ ما عالجتُ لينَ فُؤادهِ ... فقَسَا استُلينَ بهِ للانَ الجندلُ
وقال معاذ ليلى:
إذا جئتُها وسْطَ النِّساءِ منحتُها ... صدوداً كأنَّ النَّفسَ ليسَ تُريدُها
ولي نظرةٌ بعدَ الصُّدودِ من الهوَى ... كنظرةِ ولْهى قد أُميتَ وحيدُها
وقال بعض الأعراب:
لَعمْرُ أبي المُحصينَ أيامُ نلتقي ... لِما لا نُلاقيها منَ الدَّهرِ أكثرُ
يعدُّونَ يوماً واحداً إنْ أتيتُها ... وينسونَ ما كانت من الدَّهر تهجرُ
وقال آخر:
стр. 45
أمُرُّ مجنِّباً عنْ بيتِ ليلى ... ولمْ ألمِمْ بهِ وبهِ القليلُ
أمرُّ مُجنِّباً وهوايَ فيهِ ... وطرفي عنهُ مُنكسرٌ كليلُ
وقلبي فيه مُحتبسٌ فهلْ لي ... إلى قلبي ومالكِهِ سبيلُ
أُؤمِّلُ أنْ أُعلَّ بشربِ ليلى ... ولم أنهلْ فكيفَ ليَ العُلولُ
وقال جميل:
أتهجرُ هذا الرَّبعَ أمْ أنتَ زائرُهْ ... وكيفَ يُزارُ الرَّبعُ قد بانَ عامرُهْ
رأيتكَ تأتي البيتَ تُبغضُ أهلَهُ ... وقلبكَ في البيتِ الَّذي أنتَ هاجرُهْ
وقال الحسين بن مطير:
بنفسيَ منْ لا بدَّ أنِّي هاجرُهْ ... ومنْ أنا في الميسورِ والعُسرِ ذاكرُهْ
ومن قد رماهُ الناسُ حتَّى اتَّقاهمُ ... بِبُغضيَ إلاَّ ما تجِنُّ ضمائرُهْ
ومن ضنَّ بالتَّسليمِ يومَ فراقهِ ... عليَّ ودمعُ العينِ تجري بوادرُهْ
ومن بانَ منَّا يومَ بانَ وما درى ... أكُنتُ أنا الموتورَ أم أنا واترُهْ
وحالَ بنو العمَّاتِ والعمُّ دونهُ ... ونذْرُ عدوٍّ لا تُغبُّ نذائرُهْ
أتجهرُ بيتاً بالحجازِ تكنَّفتْ ... جوانبَهُ الأعداءُ أنتَ زائرُهْ
فإنْ آتهِ لا أنجُ إلاَّ بظنَّةٍ ... وإنْ يأتهِ غيري تُصبْني جرائرُهْ
وقال آخر:
ولمْ أرَ محزونَيْنِ أجملَ لوعةً ... علَى نائباتِ الدَّهرِ منِّي ومن جُمْلِ
كلانا يذودُ النَّفسَ وهيَ حزينةٌ ... ويُضمرُ شوقاً كالنَّوافذِ بالنَّبْلِ
وقال أبو القمقام الأسدي:
أعفراءُ كمْ من ميتةٍ قد أذقْتني ... وحُزنٍ ألجَّ العينَ بالهَملانِ
بُلينا بهجرانٍ ولم يُرَ مثلنا ... من النَّاسِ إنسانيْنِ مُهتجرانِ
أشدَّ مُصافاةً وأبعدَ من قِلًى ... وأعصى لِواشٍ حينَ يُكتنفانِ
وقال معاذ ليلى:
أهابُكِ إجلالاً وما بكِ قدرةٌ ... عليَّ ولكنْ ملءُ عينٍ حبيبُها
وما هجرَتْكِ النَّفسُ يا ليلُ إنَّها ... قليلٌ ولا أنْ قلَّ منكِ نصيبُها
ولكنَّهمْ يا أملحَ النَّاسِ أكثروا ... بقولٍ إذا ما جئتُ هذا حبيبُها
أتُضربُ ليلى إن مررتُ بذي العصَى ... وما ذنبُ ليلى إن طوى الأرضَ ذيبُها
وقال عروة بن حزام:
تكنَّفني الواشونَ من كلِّ جانبٍ ... ولوْ كانَ واشٍ واحدٌ لَكفاني
إذا ما جلسنا مجلساً نستلذُّهْ ... تواشَوا بنا حتَّى أملَّ مكاني
ألا لعنَ اللهُ الوُشاةَ وقولهُمْ ... فُلانةُ أضحتْ خُلَّةً لفلانِ
ألا ليتَ كلَّ اثنينِ بينهُما هوًى ... منَ النَّاس والأنعامِ يلتقيانِ
أناسيةٌ عفراءُ وصليَ بعدَ ما ... جرى الدَّمعُ من عينيَّ بالهَملانِ
إذا رامَ قلبي هجرها حالَ دونها ... شفيعانِ من قلبي لها جَدِلانِ
إذا قلتُ لا قالا بلى ثمَّ أصبحا ... جميعاً علَى الرَّأيِ الَّذي يرَيانِ
وقال البحتري:
خليليَّ لا أسماءَ إلاَّ ادِّكارُها ... ولا دارَ من وهْبينَ إلاَّ طُلولُها
تمادى بها الهجرُ المُبرِّحُ والنَّوى ... بمسمعها قال الوشاةِ وقيلُها
وقد كثرَتْ منَّا المُعاصاةُ للصِّبى ... ولوْ أنَّها قلَّتْ لضرَّ قليلُها
هلِ الوجدُ إلاَّ عبرةٌ أسترِدُّها ... أوِ الحبُّ إلاَّ عثرةٌ أستقيلُها
وقال آخر:
خليليَّ إنِّي اليومَ شاكٍ إليكُما ... وهل تنفعُ الشَّكوى إلى منْ يزيدُها
تفرُّقُ أُلاَّفٍ وجولانُ عَبرةٍ ... أظلُّ بأطرافِ البنانِ أذودُها
ولا يلبثُ الواشونَ أنْ يصدعوا العصا ... إذا لم يكنْ صلْباً علَى البرْيِ عودُها
وقال أبو علي البصير:
لقدْ قرعَ الواشي بأهوَنِ سعْيِهِ ... صفاةً قديماً أخطأتْها القوارِعُ
فأقلقني في ضعْفهِ وهوَ ساكنٌ ... وشرَّدَ عنْ عيني الكرى وهوَ هاجعُ
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ليزيد الغواني العجلي:
سرتْ عرْضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنِهِ ... أحاديثُ للواشي بهنَّ دبيبُ
أحاديثُ سدَّاها شبيبٌ ونارَها ... وإن كانَ لم يسمعْ بهنَّ شبيبُ
وقد يكذبُ الواشي فيُسمعُ قولهُ ... ويصْدقُ بعضُ القولِ وهوَ كذوبُ
وقال آخر:
стр. 46
فإنْ تكُ ليلى قدْ جفتْني وطاوعَتْ ... علَى صرمِ حبلي من وشى وتكذَّبا
لقدْ باعدتْ نفساً عليها شفيقةً ... وقلباً عصى فيها الحبيبَ المُقرَّبا
فلستُ وإنْ ليلى تولَّتْ بودِّها ... وأصبحَ باقي الوصلِ منها تقضَّبا
بمُثْنٍ سوى عُرفٍ عليها ومُشمتٍ ... وُشاةً بها كانوا شهوداً وعيَّبا
ولكنَّني لا بدَّ أنِّيَ قائلٌ ... وذو اللُّبِّ قوَّالٌ إذا ما تعتَّبا
فلا مرحباً بالشَّامتينَ بهجرِنا ... ولا زمنٍ أمسى بنا قدْ تقلَّبا
وقال معاذ ليلى:
فلوْ كانَ واشٍ باليمامةِ دارهُ ... وداري بأعلى حضرموتَ اهتدى لِيا
وماذا لهمْ لا أكثرَ اللهُ خيرهُمْ ... منَ الحظِّ في تصريمِ ليلى حِباليا
وقال بعض الأعراب:
أما والرَّاقصاتِ بذاتِ عِرْقٍ ... ومنْ صلَّى بنُعمانِ الأراكِ
لقدْ أضمرتُ حبَّكِ في فؤادي ... وما أضمرتُ حُبّاً من سواكِ
أطعْتِ الآمريكِ بصرمِ حبْلي ... مُريهِمْ في أحبَّتهمْ بذاكِ
فإنْ همْ طاوعوكِ فطاوعيهِمْ ... وإن عاصوْكِ فاعصَيْ منْ عصاكِ
وقال ابن الدمينة:
ديارُ الَّتي هاجرتُ عصراً ولِلهوى ... بقلبي إليها قائدٌ ومُهيبُ
لِتسلمَ من قولِ الوُشاةِ وإنَّني ... لهُمْ حينَ يغتابونَها لَذنوبُ
أُمَيْمُ بقلبي من هواكِ زُمانةٌ ... وأنتِ لها لوْ تبذلينَ طبيبُ
أُميمُ لقدْ غيَّبْتني وأرَيْتني ... بدائعَ أخلاقٍ لهنَّ ضروبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
لئنْ رقدَ الواشي سروراً بما رأَى ... وهانَ عليهِ أنْ يقرَّ وأنصبا
لقدْ أسهرَ العينينِ منِّي صبابةً ... وغادرَ قلبي مُستهاماً معذَّبا
عدمتُ الهوَى إنْ كنتُ عاشرتُ وافياً ... سواكَ وقد طوَّفتُ شرقاً ومغربا
فإنْ لمْ تدعْ ما لا أُحبُّ تظرُّفاً ... ولا راعياً عهدِي فدعهُ تَحوَّبا
وأنشدني أحمد بن يحيى:
هجرتُ فلمَّا أنْ هجرتُكَ أصبحتْ ... بنا شمَّتاً تلكَ العيونُ الكواشحُ
فلا يفرحِ الواشونَ بالهجرِ ربَّما ... أطالَ المحبُّ الهجرَ والجيبُ ناصحُ
وتغدو النَّوى بينَ المحبّينِ والهوَى ... معَ القلبِ مطويٌّ عليهِ الجوانحُ
وأنشدتني منيرة العصبية:
ما كانَ ذاكَ الهجرُ منِّي عنْ قِلًى ... لا والَّذي رفعَ السَّما وبناها
إنِّي لَيَثنيني الحياءُ وأنثنِي ... وأصدُّ بعضَ مودَّتِي اسْتبقاها
وإذا المناضلُ لم يكنْ متثبِّتاً ... يبقَى مواقعَ نبلهِ أفناها
وقال آخر:
وتحسبُ ليلى أنَّني إنْ هجرتُها ... حذارَ الأعادِي أنَّما بي هونُها
ولكنَّ ليلى لا تفي بأمانةٍ ... فتحسبُ ليلى أنَّني سأَخونُها
وبي مِنْ هواها الدَّهرَ ما لوْ أبثُّهُ ... جماعةَ أعدائِي بكتْ لِي عيونُها
وقال رجل من أزد:
فويحَكُما يا واشييْ أمِّ معمَّرٍ ... لمنْ وإلى مَنْ جئتُما تشيانِ
لعلَّكما إنْ تُخبراني قليتُها ... وأطعمتُها عندِي لها بهوانِ
بنفسيَ مَنْ لوْ أستطيعُ أتيتُهُ ... سريعاً ومَنْ لو يستطيعُ أتانِي
ومَنْ لو أراهُ عاتباً لفديتُهُ ... ومَنْ لو رآنِي عاتباً لفدانِي
وقال الأقرع بن معاذ القشيري:
ألا أيُّها الواشي بليلَى ألا ترَى ... إلى مَنْ تَشِي بي أوْ بمنْ جئتَ واشِيا
لعمرُ الَّذي لمْ يرضَ حتَّى أُطيعهُ ... بليلَى إذنْ لا يصبحُ الدَّهرَ راضِيا
إذا نحنُ رُمنا هجرَها ضمَّ حبَّها ... ضميرُ الحشا ضمَّ الجناحِ الخَوافيا
وقال آخر:
كأنَّ عائبكمْ يُبدي محاسنكمْ ... يأتِي ليُنقصكمْ عندِي فيُغريني
ما فوقَ حبِّيكِ حبٌّ لستُ أعلمهُ ... فما يضرُّكِ ألاَّ تستَزِيدي
وقال البحتري:
يملأُ الواشِي جَنانِي ذُعراً ... ويُعنِّيني الحديثُ المختلقْ
حبُّها أوْ فرَقٌ من هجرِها ... وصريحُ الحبِّ ذُلٌّ أوْ فرَقْ
وقال حباب بن ملك العبشمي:
الحمدُ للهِ ما زالَ الوُشاةُ بِنا ... من غيرِ مقْليةٍ حتَّى هجرْناها
الحمدُ للهِ قد كنَّا ولو نزلتْ ... منَّا بأبعدَ من هذا لَزُرناها
стр. 47
وقال قيس بن ذريح:
تكنَّفني الوشاةُ فأزعجوني ... فيا للنَّاسِ للواشي المُطاعِ
فأصبحتُ الغَداةَ ألومُ نفسي ... علَى أمرٍ وليسَ بمُستطاعِ
كمغبونٍ يعضُّ علَى يديهِ ... تبيَّنَ غَبنهُ بعدَ البِياعِ
وقد عشنا نلذُّ الدَّهر حيناً ... لوَ انَّ الدَّهر للإنسانِ راعِ
ولكنَّ الجميعَ إلى زوالٍ ... وأسبابُ الفِراقِ لها دواعي
الباب السادس عشر
من لم يعاتب علَى الزَّلَّة فليس بحافظٍ للخُلّة
المعاتبة على الذُّنوب من المحبِّ والمحبوب قد تجري على ضروب فمنها معاتبة استتابٍ تقع على الارتياب ليزول الشَّكّ بما يجري فيها من الجواب ومعاتبة تقع بعد اليقين يقصد بها العاتب إلى أن يعلم هل من ذلك الذَّنب عذر أم هو داخل في باب الغدر ومنها معاتبة توقيف تجري على جهة التَّعنيف وهذه حال لا تكاد تجري بين المتحابَّين إلاَّ عند انقطاع الحال بينهما أوْ عند ضجرة شديدة تلحقهما أوْ تلحق أحدهما وأحمد أحوال العتاب صيانة الحال عن أن يجري فيها شيء من الاختلال بقيا على المذنب لا بقيا على المؤنِّب وترك جميع المعاتبة يدخل في باب الإهمال والموقِّف على كلِّ ذنب يوجب قطع المواصلة واتّصال العتب.
قال الحسن بن هانئ:
مُنقطعٌ عنكَ كانَ متَّصلاً ... أوْ نازلٌ بالفِناءِ فارتحلا
قد كانَ في الحقِّ أن يقالَ لهُ ... ماذا دعاهُ إلى الَّذي فعلا
ما عدلَ النَّاسُ عنكَ لي أملاً ... إلاَّ ثناهُ الرَّجاءُ فاعتدلا
وقال آخر:
حيِّ طيفاً من الأحبَّةِ زارا ... بعدَ ما صرَّعَ الكرى السُّمَّارا
قالَ إنَّا كما عهدْتَ ولكنْ ... شغلَ الحيُّ أهلهُ أن يُعارا
ولبعض أهل هذا العصر:
يا أخي كمْ يكونُ هذا الجفاءُ ... كمْ تشفَّى بهجركَ الأعداءُ
صارَ ذا الهجرُ لي غذاءً ولكنْ ... رُبَّما أتلفَ السَّقيمَ الغِذاءُ
سيِّدي أنتَ أينَ ذاكَ الصَّفاءُ ... أينَ ذاكَ الهوَى وذاكَ الوفاءُ
أنتَ ذاكَ الأخُ القديمُ ولكنْ ... ليسَ هذا الإخاءَ ذاكَ الإخاءُ
لي ذنوبٌ ولستُ أُنكرُ فاغفرْ ... فالتَّجنِّي علَى المقرِّ اعتداءُ
لي حقوقٌ أيضاً عليكَ ولكنْ ... ذكرُ مثلي لمثلِ هذا جفاءُ
وقال البحتري:
وكنتُ إذا استبْطأتُ وُدَّكَ زرتهُ ... بتفويفِ شعرٍ كالرِّداءِ المُحبَّرِ
عتابٌ بأطرافِ القوافي كأنَّهُ ... طِعانٌ بأطرافِ القنا المُتكسِّرِ
وقال آخر:
فلا عيشٌ كوصلٍ بعدَ هجرٍ ... ولا شيءٌ ألذُّ منَ العِتابِ
تواقفَ عاشقانِ علَى ارتقابٍ ... أرادا الوصلِ منْ بعدِ اجتنابِ
فلا هذا يملُّ عتابَ هذا ... ولا هذا يملُّ منَ الجوابِ
وقال آخر:
ألهْفَ أبي لمَّا أدمْتُ لكَ الهوَى ... وأصفيتُ حبِّي فيكَ والوجدُ ظاهرُ
وجاهرْتُ فيكَ النَّاسَ حتَّى أضرَّ بي ... مُجاهرتي يا ويلَ فيمنْ أُجاهرُ
وكنتَ كفيْءِ الغصنِ بينا يظلُّني ... ويعجبُني إذْ زعزعتْهُ الأعاصرُ
فصار لغيري واستدارتْ ظلالهُ ... سوايَ وخلاَّني ولفحَ الهواجرِ
ولبعض أهل هذا العصر:
إذا اشتدَّ ما ألقاهُ هوَّنَ علَّتي ... رضايَ بأنْ تحيى سليماً وأسقَما
فيا منْ يزيلُ الخوفَ عنِّي وفاؤُهُ ... بعهدي ومنْ لولاهُ لم أُمسِ مُغرَما
أكانَ جميلاً أن ترانيَ مُهملاً ... وتسكُتَ عن أمري ونهْيي تبرُّما
سأرعاكَ إنْ أكرمْتَني أوْ أهنْتَني ... وحسبُكَ نُبلاً أن تُهينَ وتُكرِما
وإنِّي لأستحْيي من الله أن أرى ... ظَلوماً لإلفي أوْ أرى مُتظلِّما
سآخذُ من نفسي لنفسكَ حقَّها ... وأصفحُ إن لم ترعَ عهدي تكرُّما
وما بيَ نفسي وحدها غيرَ أنَّني ... أصونُ خليلي أن يجورَ ويظلِما
ولو قيلَ لي اخترْ نيلَهُ أوْ صلاحهُ ... لآثرْتُ أن يُعصى هوايَ ويسلما
وقد كنتَ أولى بي من الشَّوقِ والهو ... ى وقد كنتَ أمضى في الضَّميرِ مُتمِّما
فما ليَ قد أُبعدْتُ حتَّى كأنَّني ... عدوٌّ وقد كنتُ الحبيبَ المُقدَّما
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه:
стр. 48
يا سعدُ لم أذخرْ عليكَ مودَّةً ... أنتَ المُقرُّ بها وأنتَ الجاحدُ
أشْكيتَني فشكوْتُ لا مُتشاكياً ... وزعمْتَ أنِّي إذْ شكوتُكَ حاسدُ
ولئنْ حُسدْتُ عليكَ إنَّكَ لَلَّذي ... حُسدتْ عليهِ أقاربٌ وأباعدُ
وزعمْتَ أنِّي لائمٌ لكَ عاتبٌ ... وقصائدي بالذَّمِّ فيكَ شواهدُ
لؤُمَتْ إذنْ منِّي الخلائقُ واعتدى ... بالحمدِ من هوَ قائمٌ بيَ قاعدُ
أنِّي أذمُّكَ يا سعيدُ وإنَّما بالمجدِ ... منكَ إذا فخُرْتُ أُماجدُ
إن كان قلبكَ فيَّ مُشتركَ الهوَى ... فالقلبُ منِّي فيكَ قلبٌ واحدُ
كنْ كيفَ شئتَ فإنَّني بكَ واثقٌ ... ولئنْ ذممْتُكَ إنَّني لكَ حامدُ
وقال العرجي:
أقولُ لها والعينُ قد جادَ غربُها ... وقد كانَ فيها دمعُها قد تردَّدا
أريْتُكِ إذْ أعرضْتِ عنِّي كأنَّما ... تُلاقينَ من حيَّاتِ بيتان أسودا
أأسلاكِ عنِّي النَّأيُ أمْ عاقكِ العِدى ... وما افترقوا أمْ جئتِ صرمي تعمُّدا
ألمْ أكُ أعصي فيكِ أهلَ قرابتي ... وأُرغمُ فيكِ الكاشحَ المُتهدِّدا
فقالتْ ضننْتُ الوصلَ منكَ ولَلَّذي ... جشمْتَ إلينا كان أدنى وأزهدا
لأشياءَ قد لاقيتُها فيكَ لم يكنْ ... ليُحصيَها من منَّ وصلاً وعدَّدا
وإعراضُنا عنكُمْ فغيري بهِ بدا ... فلمَّا أرادتْ عنكَ نفسي تجلُّدا
رجعْتُ إلى نفسي فعادتْ بحلْمها ... عليكَ فلمْ تُرضي بصرمكَ حُسَّدا
إذا أمَّلوا وشكَ اهتجارٍ فأخفقوا ... بهِ اليومَ فينا أمَّلوا هجرنا غدا
فكُنْ لِلَّذي تهوى وأغلظْ علَى الَّذي ... قلاكَ وعوِّدْهُ الَّذي قد تعوَّدا
ولا تحسبنْ صرمَ الصَّديقِ مروءةً ... ولا مُدركاً بالصَّرمِ ما عشتَ سُؤددا
وكتب بعض أهل هذا العصر إلى أخ له يستأذنه في شكره:
أتأذنُ لي يا مُتُّ قبلكَ في الشُّكرِ ... فأشكرَ أم تنهى فأُغضي علَى صُغْرِ
وإنِّي لمُحتاجٌ إنَ انتَ أذنتَ لي ... إلى العذرِ أيضاً من مجاوزتي قدري
فما حقُّ مثلي أن يُرى لكَ شاكراً ... ولا مثلُ ما أُوليتُ يُشكرُ بالشِّعرِ
فرأيَكَ فيمنْ لا يرى نفسهُ إذا ... عتبتَ عليها أهلَ شُكر ولا عُذرِ
فلم يأذن له في ذلك وكتب يعاتبه:
أفي العدلِ أن تنهى أخاكَ عنِ الشُّكرِ ... وينأى فلا يُنهى عنِ النَّأيِ والهجرِ
أجلْ أنَّ ذا عدلٌ علَى الصَّبِّ في الهوَى ... إذا كانَ لا يُنجيهِ منهُ سوى العُذرِ
أيجملُ في حقِّ الجوارِ دعِ الهوَى ... أنَ ابقى علَى ظهرِ العشاءِ إلى الفجرِ
أُراعي نجوماً لم أُوكَّلْ برعْيِها ... وأُذكي هوًى في القلبِ أذكى منَ الجمرِ
وأنتَ أخٌ لي قادرٌ أنْ تزيلَ ما ... أُقاسيهِ لا تدري بما بيَ أوْ تدري
تبيتُ خليَّ القلبِ ممَّا أجِنُّهُ ... كما أنا خِلوٌ في هواكَ منَ الصَّبرِ
وإنِّيَ أدري أنَّ في الصَّبرِ راحةً ... ولكنَّ إنفاقي علَى الصَّبرِ من عُمري
أراني إذا واصلتُ ساءتْكَ عِشرتي ... وإنْ غبتُ لم أخطرْ ببالٍ ولا فكرِ
أحينَ تناهى الودُّ واتَّصلَ الهوَى ... وصرتَ شريكي في السَّريرةِ والجهرِ
مللتَ إخائي واطَّرحتَ مودَّتي ... وأقصيتني حتَّى تحيَّرتُ في أمري
وله أيضاً:
جُعلتُ فِداكَ قد طالَ انعطافي ... إليكَ وأنتَ قاسي القلبِ جافي
وليسَ أخاكَ من يرعاكَ كُرهاً ... ولا البادي بوصْلكَ كالمُكافي
فإنْ ترعَ الأمانةَ لا أُضِعْها ... وإنْ لا ترعَ يوحِشكَ انصرافي
يطولُ عليكَ أن تلقى خليلاً ... تطولُ عليهِ أيَّامُ التَّصافي
مخافةَ أنْ يملَّكَ باجتماعٍ ... فيرضى من نوالكَ بالكفافِ
فإنْ يكُ ذا الصُّدودُ صدودَ عتْبٍ ... وأنتَ علَى المودَّةِ والتَّوافي
إذنْ فتلافني من قبلِ يأسٍ ... يولِّدُ ما يجلُّ عنِ التَّلافي
وإلاَّ فاطَّرحْ وُدِّي وأجملْ ... بتعريضٍ من التَّصريحِ كافي
متى يصلُ السَّقيمُ إلى شفاءٍ ... إذا كانَ الضَّنى درْكَ المُعافي
وقال بعض الأعراب:
стр. 49
وأُنبئتُ ليلى أرسلتْ بشفاعةٍ ... إليَّ فهلاَّ نفسُ ليلى شفيعُها
أأكرمُ من ليلى عليَّ فتبتغي ... بهِ الجاهَ أمْ كنتُ امرءاً لا أطيعُها
وقال الحسين بن الضحاك:
أما ناجاكَ بالنَّظرِ الصَّحيحِ ... وأنَّ إليكَ من قلبٍ قريحِ
فليتكَ حينَ تهجرُهُ ضِراراً ... تمنُّ عليه بالقتلِ المُريحِ
بحُسنكَ كانَ أوَّلُ حُسنِ ظنِّي ... وما ينهاكَ حُسنكَ عن قبيحِ
وما تنفكُّ مُتَّهماً لنُصحي ... بنفسيَ نفسُ مُتَّهمِ النَّصيحِ
وقال آخر:
إلى كمْ يكونُ الصَّدُّ في كلِّ ساعةٍ ... وكمْ لا تملِّينَ القطيعةَ والهجرا
رُوَيدكِ إنَّ الدَّهر فيهِ بلاغةٌ ... لتفريقِ ذاتِ البينِ فانتظري الدَّهرا
وقال يزيد بن الطثرية:
علَى حينِ صارمتُ الأخلاَّءَ كلَّهُمْ ... إليكِ وأصفيتُ الهوَى لكِ أجمعا
وزدْتُكِ أضعافاً وغادرتُ في الحشا ... عظامَ البلايا بادياتٍ ورُجَّعا
جزيتُكِ فرضَ الودِّ ثمَّتَ خِلْتُني ... كذي الشَّكِّ أدنى شكَّهُ فتطوَّعا
فلمَّا تنازعنا سقاطَ حديثِها ... غشاشاً فلانَ الطَّرفُ منها فأطمعا
علَى إثر هجرانٍ وساعةِ خلوةٍ ... من الناسِ نخشى غُيَّباً أنْ تطلَّعا
الباب السابع عشر
من عاتب علَى كلِّ ذنبٍ أخاه فخليقٌ أن يملَّه ويقلاه
أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:
إذا أنتَ لم تستقبلِ الأمرَ لم تجدْ ... بكفَّيكَ في إدبارهِ مُتعلَّقا
إذا أنتَ لم تترُكْ أخاكَ وزلَّةً ... إذا زلَّها أوشكتُما أن تفرَّقا
وقال العرجي:
إذا أنتَ لم تغفرْ ذنوباً كثيرةً ... تريبُكَ لم يسلمْ لكَ الدَّهرَ صاحبُ
ومنْ لا يُغمِّضْ عينهُ عن صديقهِ ... وعن بعضِ ما فيهِ يمُتْ وهو عاتبُ
وقال آخر:
أردْتُ لكيْ ما لا ترى ليَ زلَّةً ... ومن ذا الَّذي يُعطى الكمالَ فيكمُلُ
ومنْ يسألِ الأيَّامَ نأيَ صديقهِ ... وصرفَ اللَّيالي يُعطِ ما كانَ يسألُ
هؤلاءِ الذين ذكرنا أشعارهم يخبرون عن أنفسهم أنهم إنَّما يتركون معاتبة أحبابهم إشفاقاً من تغيُّرهم لهم وانحرافهم عنهم فإن كان ما تركوا المعاتبة عليه فعساه يرجع على أصحابهم فقد أساؤوا إذْ لم ينبِّهوهم على موضعه وآثروا منفعة أنفسهم على مصالح أحبَّتهم وإن لم يكن ذنباً ألا يتركوه فقد كان الأجمل بإخوانهم ألا يذكروه بل كان من حقِّ أحبابهم عليهم ألا يتوهَّموه فضلاً عن أن ينطقوا به لأوليائهم أوْ يجرونه على خواطر أعدائهم وسبيل مثل هذا أن يعترف به المحبوب مبتدئاً بذكره ومتنصِّلاً من فعله فلا يصغي المحبّ ليفهمه ولا يوهم صاحبه أنَّه خطر على وهمه.
ولقد أحسن غاية الإحسان الَّذي يقول:
ومُعتذرٍ فرطُ إشفاقهِ ... أضاقَ عليهِ الَّذي تمَّما
ولم يدرِ أنَّ سبيلَ الإخاءِ ... أعظمُ من كلِّ ما عظَّما
وبلغني أن الوضاح الكوفي كتب إلى علي بن محمد العلوي:
خُطَّةٌ في الذُّنوبِ والاعتذارِ ... ليسَ يُعنى بها سوى الأحرارِ
ضقتُ ذرعاً بها وقد كنتُ أشفيْ ... تُ علَى الهُلكِ من شفيرٍ هارِ
فتجالَلْتَ عن جزاءٍ بسوءٍ ... وترافعتَ عن طلابٍ بِثارِ
ثمَّ لم ترضَ لي بذلك حتَّى ... صُنتني عن مذلَّةِ الاعتذارِ
ثمَّ أوْجبتَ لي علَى غيرِ عقدٍ ... حُرمةَ المُستجيرِ بالمُستجارِ
لم نرَ العفوَ منكَ يقدحُ في عِرْ ... ضكَ لمَّا عفوتَ بعدَ اقتدارِ
فأجابه علي بن محمد:
ليسَ جودُ الرَّبيعِ راشفَ وجهَ الأ ... رضِ عن مبسمٍ منَ الأنوارِ
لا ولا العاشقانِ ضمَّهُما الشَّوْ ... قُ علَى غايةِ الضَّنى في إزارِ
فهما مُلصقانِ كالسَّاعد البَيْ ... ضاء عضَّضتها بضيقِ السِّوارِ
كأخٍ عهدهُ وعهديَ في الوُ ... دِّ كعهدِ الأنواءِ والأمطارِ
رقَّ معناهُما فلمْ يلبسا الأيَّ ... امَ إلاَّ علَى اقترابِ المزارِ
لجَّ في الاعتذارِ من شفقِ الوجْ ... دِ وأجلَلْتهُ عنِ الاعتذارِ
فأهل الصَّفاءِ هكذا يجب أن تجري أحوالهُم في تركه ما كان من حقوق أنفسهم والابتداء ببسط العذر لأحبَّتهم.
стр. 50
ولقد أحسن الَّذي يقول:
إذا شئتَ أن تُدعى كريماً مُكرَّماً ... حليماً ظريفاً ضاحكاً فطناً حُرَّا
إذا ما بدتْ من صاحبٍ لكَ زلَّةٌ ... فكنْ أنتَ مُحتالاً لِزلَّتهِ عُذرا
هذا فيما كان من الجنايات لا يعيد علَى المحبوب في نفسه ضرراً ولا يبيِّن على غير المحبّ أثراً وأمَّا ما كان معيداً على المحبوب عاراً فلا بدَّ من تنبُّهه عليه اضطراراً وفي هذا المعنى لمخيس بن أرطاة التميمي:
عرضتُ نصيحةً منِّي ليَحيى ... فردَّ نصيحتي والنُّصحُ مرُّ
وما بيَ أن أكونَ أعيبُ يحيى ... ويحيى طاهرُ الأخلاقِ برُّ
ولكن قد أتاني أنَّ يحيى ... يقالُ عليهِ في نفعاءَ شرُّ
فقلتُ له تجنَّبْ كلَّ شيءٍ ... يُعابُ عليكَ إنَّ الحرَّ حُرُّ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
نصحْتُ لكمْ حذاراً أنْ تُعابوا ... فعادَ عليَّ نُصحكمُ وبالا
فإنْ تكُ قد مللتَ فلا تخُنِّي ... وقلْ لي أنْ أُجنِّبكَ الوِصالا
فمنْ يطلبْ لصاحبهِ اختلالاً ... لينقُضَ عهدهُ يُدركْ مقالا
ويمنعُني الوفاءُ لكمْ بعهدي ... وحسنُ الظَّنِّ أنْ أجدَ اختلالا
فتزدادونَ عندي كلَّ وقتٍ ... وأنقصُ عندكمْ حالاً فحالا
سأصبرُ إن أطقتُ الصَّبرَ حتَّى ... تملَّ الهجرَ أوْ تهوى الوِصالا
وقال بشار بن برد:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ مُعاتباً ... صديقكَ لم تلقَ الَّذي لا تُعاتبُهْ
فعِشْ واحداً أو صلْ صديقكَ إنَّهُ ... مُقارفُ ذنبٍ مرَّةً ومُجانبُهْ
إذا أنتَ لمْ تشربْ مِراراً علَى القذى ... ظمئتَ وأيُّ النَّاس تصفو مشاربُهْ
وقال العرجي:
ذهبَ النَّهارُ وما يبوحُ بما بهِ ... صبٌّ فقلْ إذاً العتابُ عتابُهُ
الله يعلمُ ما تركتُ عتابَهُ ... ألاَّ يكونَ معي لِذاكَ جوابهُ
لكنْ مخافةَ أنْ أُصاحبَ صاحباً ... والصَّرمُ تنمي بالمِرا أسبابهُ
وقال آخر:
ولا خيرَ فيمنْ لا يوطِّنُ نفسهُ ... علَى نائباتِ الدَّهرِ حينَ تنوبُ
وفي الشَّكِّ تفريطٌ وفي الحزمِ قوَّةٌ ... ويُخطئُ في الحدْسِ الفتَى ويُصيبُ
ولستَ بمُستبقٍ صديقاً ولا أخاً ... إذا لمْ تعدَّ الشَّيءَ وهو قريبُ
وقال الحسن بن هب:
دعوتكَ في الجُلَّى وقد ضاقَ مصدري ... عليَّ وروَّاني من السمِّ موردي
فأصمَمْتَ عنِّي منكَ أُذناً سميعةً ... وقد قصدَتْ لي النَّائباتُ بمرصَدِ
فما ضاقَ عنكَ العُذرُ عندي ولا نبا ... بعهدكَ نابٍ من مغيبٍ ومشهدِ
وقِلتُ زماناً قد نهى النَّاس كلَّهُمْ ... عن البِرِّ نهيَ الموعدِ المُتهدِّدِ
وأمَّلتُ أياماً تنوبُ ورجعةً ... من الدَّهر يأتينا بها الله في غَدِ
وقال عمر بن نجا:
منعْتَ عطاءنا ولويْتَ ديْني ... وأعددْتَ الخُصومةَ للخَصيمِ
فما لكَ إن لويتَ الدَّيْنَ عنِّي ... مُعاقبةٌ فيا لكَ من غريمِ
وقال مسلم بن الوليد:
إذا التقينا منعنا النَّومَ أعيُننا ... ولا نُلائمُ نوماً حينَ نفترِقُ
أُقرُّ بالذَّنبِ منِّي لستُ أعرفهُ ... كيْما أقولَ كما قالتْ فنتَّفقُ
وقال آخر:
أإنْ سُمتني ذلاًّ فعفْتُ احتمالَهُ ... غضبْتَ ومنْ يأتِ المذلَّةَ يُعذرِ
فها أنا مُسترْضيكَ لا من جنايةٍ ... عليكَ ولكن من تجنِّيك فاعذُرِ
ولبعض أهل هذا العصر:
زعمْتَ بنفسي أنتَ أنَّك مُغرمٌ ... بِذكري وأنِّي عن وصالكَ مُضربُ
أعدْ نظراً فيما ادَّعيتَ ولا تحِدْ ... لتعلمَ من منَّا الشَّقيُّ المُعذَّبُ
أمَنْ يتجنَّى ثمَّ يُنكرُ ما جنى ... علَى إلفهِ أمْ من يُقرُّ ويُعتبُ
ولو كنتَ تُجزى بالذي تستحقُّهُ ... غضبْتَ ولكنِّي منَ الهجرِ أهربُ
فأغضي علَى جمرِ الغضا خشيةَ القِلى ... ولولا الهوَى ما ضاقَ عنِّي مَهربُ
فحتَّامَ لا أنفكُّ شوقاً إلى الرِّضا ... أُصدِّقُ من صدقي لديهِ مُكذَّبُ
وما ليَ من ذنبٍ إليكَ تعدُّهُ ... عليَّ سوى أن ليسَ لي عنكَ مذهبُ
стр. 51
وما غرَضي في أنْ أُثبِّتَ حُجَّةً ... عليكَ وما لي غيرُ عفوكَ مطلبُ
إليكَ مفرِّي منكَ لا عن وسيلةٍ ... إليكَ سوى أنِّي بحُبِّكَ مُتعبُ
فإنْ تأتِ ما أهوى فعبدٌ نعَشْتهُ ... وإنْ تكنِ الأخرى فعبدُكَ مُذنبُ
فرأيكَ فيمنْ أنتَ مالكُ رقِّهِ ... فقدْ حلَّتِ البلوى وطابَ التَّجنُّبُ
وقال المؤمل:
شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُ ... ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ
حسبُ المُحبِّينَ في الدُّنيا عذابهمُ ... والله لا عذَّبتهُمْ بعدها سقَرُ
صفِ الأحبَّةَ ما لاقيتَ من سهرٍ ... إنَّ الأحبَّةَ لا يدرون ما السَّهرُ
لمَّا رمتْ مقتلي قالتْ لجارتِها ... إنِّي قتلتُ قتيلاً ما لهُ خطرُ
قتلتُ شاعرَ هذا الحيِّ من مُضرٍ ... الله يعلمُ ما ترضى بذا مُضرُ
وإنَّما أقصدَتْ قلبي بمُقلتها ... ما كانَ قوسٌ ولا سهمٌ ولا وترُ
أحببْتُ من حبِّها قوماً ذوي إحَنٍ ... بيني وبينهمُ النِّيرانُ تستعرُ
إنِّي لأصفحُ عنها حينَ تظلِمُني ... وكيفَ من نفسهِ الإنسانُ ينتصرُ
وقال آخر:
مسَّني من صدودِ إلفيَ ضُرُّ ... فبنات الفؤادِ ما تستقرُّ
مسَّني ضرُّهُ فأوجعَ قلبي ... غيرَ أنِّي بذاكَ منهُ أُسرُّ
وقال آخر:
أيا سُلمى دفعْتُ إليكِ نفسي ... برئْتُ إليكِ من نفسي بريتُ
وقالوا عذَّبتْكَ فقلتُ كلاَّ ... رضيتُ بمنْ يعذِّبُني رضيتُ
وقال أبو تمام حبيب:
أسرفْتَ في منعي وعادتُكَ الَّتي ... ملكَتْ عِنانكَ أنْ تجودَ فتُسرفا
لمْ آلُ فيكَ تلطُّفاً وتعسُّفاً ... وتألُّفاً وتحيُّفاً وتعطُّفا
وأراك تدفعُ حُرمتي فأظنُّني ... ثقَّلتُ غيرَ مُؤنِّبٍ فأخفِّقا
وقال أيضاً:
وجدْتُ صريحَ الحزمِ والرَّأيِ لامرئٍ ... إذا ملكتْهُ الشَّمسُ أنْ يتحوَّلا
فثقَّلْتُ بالتَّخفيفِ عنكَ وبعضهُمْ ... يُخفِّفُ في الحاجاتِ حتَّى يُثقِّلا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي لهُ في غيرِ مَعتبةٍ ... ماذا أردتَ بطولِ المكْثِ باليمَنِ
إنْ كنتَ حاولتَ دُنيا أو قنعْتَ بها ... فما أصبْتَ بتركِ الحجِّ من ثمنِ
وقال الراعي:
وكمْ جشمنا إليكمْ سيرَ موديةٍ ... كأنَّ أعلامها في أُفقها القُزَعُ
حمَّاءُ غبراءُ يخشى المدَّلونَ بها ... ريعَ الهداةِ بأرضٍ أهلها شِيَعُ
فإنْ تجودوا فقدْ حاولْتُ جودكُمُ ... وإنْ تضِنُّوا فلا لومٌ ولا فزعُ
وهذه أحوال كلُّها لطيفة ومطالبات جميلة وأشنع منها لفظاً وأنقص من هذا معنًى.
قول البحتري:
لا تهْتَبلْ إغْضاءتي إذْ كنتُ قدْ ... أغضيْتُ مُشتملاً علَى جمرِ الغضا
أغببْتُ سَيْبكَ كيْ يجُمَّ وإنَّما ... غُمدَ الحسامُ المشرفيُّ ليُنتضى
وسكَتُّ إلاَّ أنْ أُعرضَ قائلاً ... قولاً وصرَّحَ جهدهُ من عرَّضا
وفي هذا النحو لبعض أهل هذا الزَّمان:
يا عالماً بالذي ألقى منَ الكُربِ ... إرْفق بعينكَ لا تُعطبْ فِداكَ أبي
لا تغتنمْ صفحَ مطويٍّ علَى كبدٍ ... حرَّى وقلبٍ بنارِ الشَّوقِ مُلتهبِ
لو كنتَ مثليَ لم تصبرْ علَى كمَدي ... أو كنتُ مثلكَ لم أفعلْ كفعلكَ بي
إن كانَ ذا الهجرُ تأديباً فحسبُكَ ما ... قدَّمتَ منهُ فقد بالغتَ في أدبي
وقد قال المتلمِّس ما يخرج قبحاً وجفاء عن هذا الباب ولا يصلح أن يجري في المخاطبة بين الأحباب وذلك قوله:
وما كنتَ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفِّهِ ... بكفٍّ لهُ أخرى فأصبحَ أجذَما
يداهُ أصابتْ هذه حتْفَ هذه ... فلمْ تجدِ الأخرى عليها مُقدَّما
فأطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مساغاً لنابيْهِ الشُّجاعُ لصمَّما
وذلك أنَّه يخبر أنَّ الجناية قد أثَّرت في قلبه وولَّدت حقداً في نفسه وأنَّ الَّذي يمنعه من أن ينتقم خوفه من تزايد الألم وأنَّه على أن يعاقب إذا أمنَ العواقب والمعاتبة بل المعاقبة أحسن من الإغضاء على مثل هذه الحال.
وفي نحو هذا المعنى يقول الوليد بن عبيد الطائي:
стр. 52
وإذا رجوْتُ ثنتْ رجايَ شكيَّةٌ ... من عاتبٍ في الحبِّ غيرِ مُعاتَبِ
لو كانَ ذنبي غيرَ حبِّكِ أنَّهُ ... ذنبي إليكِ لكنت أوَّلَ تائبِ
أفلا ترى أنَّه يخبر أنَّ الإغضاء على المعاتبة على الذَّنب مع مقام الضَّمير على العتب يقطع الرَّجاء ويؤيس من الوفاء.
الباب الثامن عشر
بُعد القلوب علَى قرب المزار
بُعد القلوب علَى قرب المزار أشدُّ من بعد الدِّيار من الدِّيار
الهجر على أربعة أضرب هجر ملالٍ وهجر دلالٍ وهجر مكافاةٍ على الذُّنوب وهجرٌ يوجبه البغض المتمكِّن في القلوب فأمَّا هجر الدَّلال فهو ألذُّ من كثير الوصال وأما هجر الملال فيطلبه من الأيَّام واللَّيالي إما بنأي الدَّار وإمَّا بطول الاهتجار.
وفي مثل ذلك يقول الشاعر:
لا تجزعَنْ من هجرِ ذي ملَّةٍ ... أظهرَ بعدَ الوصلِ هِجرانا
يملُّ هذا مثلَ ما ملَّ ذا ... فيرجعُ الوصلُ كما كانا
وأما الهجر الَّذي يتولَّد عن الذَّنب فالتَّوبة تخرجه عن القلب وأما الهجر الَّذي يوجبه البغض الطَّبيعي فهو الَّذي لا دواء له وقد قال الجاحظ لكلِّ شيءٍ رفيقٌ ورفيق الموت الهجر وليس الأمر كما قال بل لكلِّ شيءٍ رفيقٌ ورفيق الهجر الموت.
ألم تسمع قول ذي الرمة:
سألتُ ذوي الأهواءِ والنَّاس كلَّهُمْ ... وكُلَّ فتًى دانٍ وآخرَ ينزِحُ
أتُقرحُ أكبادُ المحبِّينَ كالذي ... أرى كبدي من حبِّ ميَّةَ تُقرحُ
لئنْ كانتِ الدُّنيا عليَّ كما أرى ... تباريحَ من ميٍّ فلَلْموتُ أرْوحُ
وفي مثله يقول بعض أهل هذا العصر:
ما لي أُلفِّتُ وجهاً غيرَ مُلْتفتٍ ... نحوي وأعطفُ قلباً غيرَ مُنعطِفِ
يُغرى بهجري كما أُغرى بأُلْفتهِ ... هذا لَعمري ودادٌ جدُّ مُختلفُ
حجبتُ عيني عنِ الدُّنيا ونضرتِها ... شوقاً وأبرزتُها للحُزنِ والأسفِ
إلاَّ تكنْ تلفَتْ نفسي عليكَ فقدْ ... أصبحْتُ والله مشتاقاً إلى التَّلفِ
وفي نحو ذلك يقول قيس بن الملوح:
فوالله ثمَّ الله إنِّي لَدائبٌ ... أُفكِّرُ ما ذنبي إليها فأعجَبُ
ووالله ما أدري علامَ صرَمْتني ... وأيَّ أُموري فيكِ يا ليلُ أركبُ
أأقْطعُ حبلَ الوصلِ فالموتُ دونهُ ... أمَ اشربُ كأساً منكمُ ليس تُشربُ
أمَ اهْربُ حتَّى لا أرى لي مُجاوراً ... أمَ افْعلُ ماذا أمْ أبوحُ فأغلبُ
وإنَّهما يا ليلُ إنْ تفعلي بنا ... فآخرُ مهجورٌ وأوَّلُ مُعتبُ
وما قيل في هذا المعنى من الأشعار القديمة والمحدثة أكثر من أنْ يحيط به كتاب فضلاً عن أن يتضمَّنه بابٌ.
وقال خالد الكاتب:
أراني ذليلَ النَّفسِ مُذْ أنتَ عاتبٌ ... وأيَّةَ نفسٍ لا تذِلُّ علَى الهجرِ
يعاتبُ بعْضي فيكَ بعضاً وكلُّهُ ... إليكَ وحبُّ العفوِ يسمحُ بالعُذرِ
وقال بعض الأعراب:
خليليَّ هلْ يُستخْبَرُ الأثْلُ والغضا ... وميثُ الرُّبى من بطنِ نُعمانَ والسِّدْرُ
وهلْ يتقالى بعدَ ما كانَ صافياً ... خليلانِ بانا ليسَ بينهما وِترُ
نأتْ بهما دارُ النَّوى وتراقبا ... علَى الضِّغْنِ حتَّى لجَّ بينهما هجرُ
إذا رُمتَ إلاَّ ما عدا الدهرُ بيننا ... وبينكَ لم نُلْزمْكَ ما صنعَ الدَّهرُ
وقال ذو الرمة:
ألا لا أرى مثلي يحنُّ من الهوَى ... ولا مثلَ هذا الشَّوقِ لا يتصرَّمُ
ولا مثلَ ما ألقى إذا الحيُّ فارقوا ... علَى أثرِ الأظعانِ يلقاهُ مُسلمُ
كفَى حسرةً في النَّفسِ يا ميُّ أنَّني ... وإيَّاكِ في الأحياءِ لا نتكلَّمُ
أدورُ حواليكِ البيوتَ كأنَّني ... إذا جئتُ عنْ إتيانِ بيتكِ مُحرمُ
وقال أيضاً:
هوًى لكَ لا ينفكُّ يدعُو كما دعَا ... حَماماً بأجزاعِ العقيقِ حمامُ
إذا هملتْ عينِي لهُ قالَ صاحبِي ... بمثلكَ هذا فتنةٌ وغرامُ
علامَ وقدْ فارقتَ ميّاً وفارقتْ ... فمَيُّ علَى طولِ البكاءِ تُلامُ
أطاعتْ بكَ الواشينَ حتَّى كأنَّما ... كلامكَ إيَّاها عليكَ حرامُ
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر قال: أنشدني أبو سعيد المخزومي:
стр. 53
ثِقي بجميلِ الصَّبرِ منِّي علَى الدَّهرِ ... ولا تثقِي بالصَّبرِ منِّي علَى الهجرِ
فإنِّي لصبَّارٌ علَى ما ينوبُني ... وحسبكِ أنَّ اللهَ أثنَى علَى الصَّبرِ
ولستُ بنظَّارٍ إلى جانبِ الغنَى ... إذا كانتِ العلياءُ في جانبِ الفقرِ
وقال الوليد بن عبيد الطائي:
عذيرِي منَ الأيَّامِ رنَّقنَ مشرَبي ... ولقَّيننِي نَحساً منَ الطَّيرِ أشأما
وألبسنَنِي سخطَ امرئٍ بتُّ موهناً ... أرَى سخطهُ ليلاً معَ اللَّيلِ مُظلِما
تبلَّجَ عن بعضِ الرِّضا وانطوَى علَى ... بقيَّةِ عتبٍ شارفتْ أنْ تصرَّما
إذا قلتُ يوماً قدْ تجاوزَ حدَّها ... تلبَّثَ في أعقابِها وتلوَّما
وأصْيدُ إنْ نازعتهُ الطَّرفَ ردَّهُ ... كليلاً وإنْ راجعتهُ القولَ أحجما
ثناهُ العدَى عنِّي فأصبحَ مُعرضاً ... ووهَّمهُ الواشونَ حتَّى توهَّما
ولوْ أنَّني وقَّرتُ شَيبي وقارهُ ... وأجللتُ شِعري فيكَ أنْ يُتهضَّما
لأكبرتُ أنْ أُومي إليكَ بإصبعٍ ... تضرَّعُ أوْ أُدنِي لمعذرةٍ فمَا
وكانَ الَّذي يأتي بهِ الدَّهرُ هيِّناً ... عليَّ ولوْ كانَ الحِمامُ المقدَّما
ولكنَّني أُعلي محلَّكَ أنْ أرَى ... مُدلاًّ وأستحييكَ أنْ أتعظَّما
ولمْ أدرِ ما الذَّنبُ الَّذي سُؤتَني بهِ ... فأقتلُ نفسِي حسرةً وتندُّما
وأنشدني أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله بن الأعرابي:
ألا أبلغْ أخا قيسٍ رسولاً ... بأنِّي لمْ أخنكَ فلا تخنِّي
ولكنِّي طويتُ الكشحَ لمَّا ... رأيتكَ قدْ طويتَ الكشحَ عنِّي
فلستَ بمُدركٍ ما فاتَ منِّي ... بلهفَ ولا بليتَ ولا لَوَانِّي
ولستُ بآمنٍ أبداً خليلاً ... علَى شيءٍ إذا لمْ يأتَمنِّي
وصلتُكَ ثمَّ عادَ الوصلُ أنِّي ... قرعتُ ندامةً مِنْ ذاكَ سِنِّي
فإنْ أعطفْ عليكَ بفضلِ حلمٍ ... فما قلبي إليكَ بمطمئنِّ
وقال العباس بن الأحنف:
لو كنتِ عاتبةً لسكَّنَ عبرَتِي ... أملِي رضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقبِ
لكنْ مللتِ فلمْ تكنْ لي حيلةٌ ... صدُّ الملولِ خلافُ صدِّ العاتبِ
وقال آخر:
ومُستوحشٍ لمْ يمشِ في أرضِ غُربةٍ ... ولكنَّهُ ممَّنْ يودُّ غريبْ
إذا رامَ كتمانَ الهوَى نمَّ دمعهُ ... فآهٍ لمحزونٍ جفاهُ طبيبُ
ألا أيُّها البيتُ الَّذي لا أزورهُ ... وهجرانُهُ منِّي إليكَ ذُنوبُ
هجرتكَ مشتاقاً وزرتكَ خائفاً ... ومنِّي علَيَّ الدَّهرَ فيكَ رقيبُ
سلامٌ علَى الدَّارِ الَّتي لا أزورُها ... وإنْ حلَّها شخصٌ إليَّ حبيبُ
وقال أبو نواس:
غصصتُ منكِ بما لا يدفعُ الماءُ ... وصحَّ هجركِ حتَّى ما بهِ داءُ
قدْ كانَ يُقنعكمْ إذْ كانَ رأيكمُ ... أن تهجُروني منَ التَّصريحِ إيماءُ
وما جهلتُ مكانَ الآمريكِ بذا ... منَ الوُشاةِ ولكنْ في فَمي ماءُ
ما زلتُ أسمعُ حتَّى صرتُ ذاكَ بمنْ ... قامتْ قيامتهُ والنَّاسُ أحياءُ
وقال أيضاً:
صليتُ مِنْ حبِّها نارَينِ واحدةً ... جوفَ الفؤادِ وأُخرى بينَ أحشائِي
وقدْ منعتُ لسانِي أن يبوحَ بهِ ... فما يعبِّرُ عنِّي غيرُ إيمائِي
يا ويحَ أهلِي أبلَى بينَ أعيُنهمْ ... علَى الفراشِ ولا يدرُونَ ما دائِي
لوْ كانَ زهدكِ في الدُّنيا كزهدكِ في ... وصلِي مشيتِ بلا شكٍّ علَى الماءِ
وبلغني عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: بينا أنا بالكعبة إذ رأيتُ أبا السَّائب المخزومي متعلِّقاً بأستار الكعبة وهو يقول:
يا هجرُ كُفَّ عنِ الهوَى ودعِ الهوَى ... للعاشقينَ يطيبُ يا هجرُ
ماذا تريدُ منَ الَّذينَ جُفونُهمْ ... قرحَى وحشوُ صدورهمْ جمرُ
وسوابقُ العَبراتِ بينَ خدودهمْ ... دررٌ تفيضُ كأنَّها القطرُ
متحيِّرينَ منَ الهوَى ألوانهمْ ... ممَّا تكِنُّ صدورهمْ صفرُ
قال: فقلتُ يا أبا السَّائب في مثل هذا الموضع تُنشد مثل هذا؟ فقال: إليك عنِّي يا أبا محمد فوالله للدُّعاءُ لهم في مثل هذا الموضع أفضل من حجةٍ وعمرةٍ.
ولقد أحسن الفرزدق حيث يقول:
стр. 54
عزفتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُ ... وأنكرتَ مِنْ حدراءَ ما كنتَ تعرفُ
ولجَّ بكَ الهجرانُ حتَّى كأنَّما ... ترَى الموتَ في البيتِ الَّذي كنتَ تألفُ
وقال:
لئنْ كانَ في الهجرانِ أجرٌ لقدْ مضَى ... ليَ الأجرُ في الهجرانِ مذْ سنتانِ
فواللهِ ما أدرِي أكلُّ ذوِي هوًى ... علَى ما بِنا أمْ نحنُ مُبتليانِ
وقال الحارث بن خالد المخزومي:
إنْ يمسِ حبلكِ بعدَ طولِ تواصلٍ ... خلِقاً وأصبحَ بيتكمْ مهجُورا
فلقدْ أرانِي والجديدُ إلى بلًى ... زمناً بوصلكِ راضياً مسرُورا
كنتِ الهوَى وأعزُّ مِنْ وطئِ الحصَى ... عندِي وكنتُ بذاكَ منكِ جديرا
وقال آخر:
وقالَ نساءٌ لسنَ لي بنواصحٍ ... ليعلمْنَ ما أُخفِي ويعلمْنَ ما أُبدي
أأحببتَ ليلَى جهدَ حبِّكَ كلِّهِ ... لعمرُ أبي ليلَى وزدتُ علَى الجهدِ
علَى ذاكَ ما يمحُو ليَ الذَّنبُ عندَها ... وتمحُو دواعِي حبِّها ذنبَها عندِي
ألا إنَّ قربَ الدَّارِ ليسَ بنافعٍ ... وقلبُ الَّذي تهواهُ منكَ علَى البعدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
لعمركَ ما قربُ الدِّيارِ بنافعٍ ... إذا لمْ يصلْ حبلَ الحبيبِ حبيبُ
وليسَ غريباً مَنْ تناءتْ ديارهُ ... ولكنَّ مَنْ يُجفى فذاكَ غريبُ
ومَنْ يغتربْ والإلفُ راعٍ لعهدهِ ... وإنْ جاوزَ السَّدَّينِ فهوَ قريبُ
وقال آخر:
لو كنتَ في بلدٍ ونحنُ بغيرهِ ... ما كانَ عندكَ في الجفاءِ مَزيدُ
قربُ المزارِ وأنتَ ناءٌ لا يُرى ... وإذا القريبُ جفاكَ فهوَ بعيدُ
وقال أبو تمام:
ونأى الهجرُ بالَّذي لا أُسمِّي ... فأنا منهُ في القريبِ البعيدِ
ففراقٌ أصابَني مِنْ فراقٍ ... وفِراقٌ أصابني مِنْ صدودِ
ليسَ مَنْ كانَ غائباً فقدَتْهُ ال ... عينُ غيباً كالشَّاهدِ المفقودِ
وقال البحتري:
يسوؤكَ ألاَّ عطفَ عند انعطافهِ ... ويشجيكَ ألاَّ عدلَ عندَ اعتدالهِ
فما حيلةُ المشتاقِ فيمنْ يشوقُهُ ... إذا حالَ هذا الهجرُ دونَ احتيالهِ
ولقد أحسن علي بن محمد العلوي في قوله:
هواكَ هوَ الدُّنيا ونيلكَ ملكُها ... وهجركَ مقرونٌ بكلِّ هوانِ
كذبتكَ ما قلتُ الَّذي أنتَ أهلهُ ... بلَى لمْ يجدْ ما فوقَ ذاكَ لسانِي
الباب التاسع عشر
ما عتبَ منِ اغتفرَ ولا أذنبَ منِ اعتذر
المعتذر لا ينفكُّ من إحدى حالين إمَّا أن يكون صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً فعذره مقبول وإن كان كاذباً فإنه لم يتجشَّم مضاضة الكذب في نفسه إلاَّ لنفاسة صاحبه في صدره ومن كان بهذه الحال قُبل عذره بل وجب شكره.
وقد قال البحتري:
إقبلْ معاذيرَ مَنْ يأتيكَ معتذراً ... إنْ برَّ عندكَ فيما قالَ أو فجَرَا
فقدْ أطاعكَ مَنْ يُرضيكَ ظاهرهُ ... وقدْ أجلَّكَ مَنْ يعصيكَ مُستترا
ولبعض أهل هذا العصر:
أنتَ ابتدأتَ بميعادِي فأوفِ بهِ ... ولا تربَّصْ بهِ صرفَ المقاديرِ
ولا تكِلْني إلى عذرٍ تُزخرفهُ ... فالذَّنبُ أحسنُ مِنْ بعضِ المعاذيرِ
وله أيضاً:
إلى اللهِ أشكُو مَنْ بدانِي بوصلهِ ... فلمَّا حوَى قلبِي براهُ ببخلهِ
سآجرُ نفسِي عنْ تقاضيهِ راضياً ... إلى أنْ أراهُ ساخطاً بعدَ فعلهِ
وآخذُ منهُ العفوَ ما دامَ باخلاً ... وأنَّهَى لسانِي أنْ يعودَ لعذلهِ
فربَّ اعتذارٍ قدْ تمنَّيتُ أنَّني ... خرستُ وأنِّي لمْ أُخاطبْ بمثلهِ
وقال آخر:
مْ أجنِ ذنباً فإنْ زعمتَ بأنْ ... أتيتُ ذنباً فغيرُ مُعتمدِ
قدْ تطرفُ الكفُّ عينَ صاحبِها ... فلا يرَى قطعَها منَ الرَّشَدِ
وقال آخر:
ما أحسنَ العفوَ منَ القادرِ ... لا سيَّما عنْ غيرِ ذي ناصرِ
إنْ كانَ لي ذنبٌ ولا ذنبَ لي ... فما لهُ غيركَ مِنْ غافرِ
أعوذُ بالودِّ الَّذي بينَنا ... أنْ تُفسدَ الأوَّلَ بالآخرِ
وقال آخر:
هبْنِي أسأتُ وقدْ أتيْ ... تُ بمثلِ ذنبِ أبي لهبْ
فأنا أتوبُ ومَا أسأ ... تُ وكمْ أسأتَ فلمْ تتبْ
وقال آخر:
стр. 55
هَبينِي يا معذِّبتِي أسأتُ ... وبالهجرانِ قبلكمُ بدأتُ
فأينَ الفضلُ منكِ فدتكِ نفسي ... عليَّ إذا أسأتِ كمَا أسأتُ
ولبعض أهل هذا العصر:
لجُرمِي عقابٌ والتَّجاوزُ ممكنٌ ... وأولاهُما إسعافُ مَنْ صحَّ صدقهُ
فإنْ لمْ تجاوزْ حسبَ ما تستحقُّهُ ... فلا تتجاوزْ حسبَ ما أستحقُّهُ
وله أيضاً:
العذرُ يلحقهُ التَّحريفُ والكذبُ ... وليسَ في غيرِ ما يُرضيكَ لي أربُ
وقدْ أسأتُ فبالنُّعمى الَّتي سلفتْ ... لما مننتَ بعفوٍ ما لهُ سببُ
وقال آخر:
لا والَّذي إنْ كذبتُ اليومَ عذَّبني ... وإنْ صدقتكمُ فاللهُ نجَّانِي
ما قرَّتِ العينُ بالأبدالِ بعدكمُ ... ولا مجدتُ لذيذَ العيشِ يغشانِي
إنِّي وجدتُ بكمْ ما لمْ يجدْ أحدٌ ... جنٌّ بجنٍّ ولا إنسٌ بإنسانِ
وقال البحتري:
أأنسَى مَنْ يُذكِّرُ فيهِ ألاَّ ... شبيهَ لهُ يعدُّ ولا ضريبُ
وقدْ أكدَى الصَّوابُ عليَّ حتَّى ... وددتُ بأنَّ شانيَّ المُصيبُ
فإنْ لا تحسبِ الحسناتِ منها ... لصاحبها فلا تُحصَى الذُّنوبُ
أتوبُ منَ الإساءةِ إنْ ألمَّتْ ... وأعرفُ مَنْ يُسيءُ ولا يتوبُ
وقال أيضاً:
اللهُ يعلمُ والدُّنيا مُنغَّصةٌ ... والعيشُ مُنتقلٌ والدُّهر ذُو دولِ
لأنتَ عندِي وإنْ ساءتْ ظنونكَ بِي ... أحظَى منَ الأمنِ عندَ الخائفِ الوجلِ
ولعبيد بن طاهر:
إغتفرْ زلَّتي لتُحرزَ فضلَ الشُّك ... رِ منِّي ولا يفوتكَ أجرِي
لا تكِلْني إلى التَّوسُّلِ بالعذْ ... رِ لعلِّي ألاَّ أقومَ بعذرِي
وقال آخر:
فإنْ لا أكنْ للفضلِ أهلاً فإنَّكمْ ... بفضلكمُ للعفوِ عنْ مذنبٍ أهلُ
ففضلكَ أرجُو لا البراءةَ إنَّه ... أبى اللهُ إلاَّ أن يكونَ لكَ الفضلُ
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
رفعَ اللهُ عنكَ نائبةَ الدَّه ... رِ وحاشاكَ أن تكونَ عليلا
أُشهدُ اللهَ ما علمتُ وماذا ... كَ من العذرِ جائزاً مقبُولا
فاجعلَنْ لي إلى التَّوسُّلِ بالعذْ ... رِ سبيلاً إذْ لم أجدْ لِي سبيلا
فقديماً ما جادَ ذو الفضلِ بالصَّفحِ ... وما سامحَ الخليلُ الخليلا
وقال الحسين الخليع:
بنفسِي حبيبٌ لا يملُّ التَّعتُّبا ... إذا زدتهُ في العذرِ زادَ تعصُّبا
يُطيلُ ضِرارِي بامتحانِ صبابتِي ... وقدْ علمَ المكنونَ منها المغيَّبا
فلستُ أُناجِي غيرهُ مذْ عرفتهُ ... فأنظُرَ إلاَّ خائفاً مُترقِّبا
أيا مَنْ تجنَّى الذَّنبَ أعلمُ أنَّه ... علَى ثقةٍ أنْ لستُ بالغيبِ مُذنبا
أمَا لخضُوعِي مِنْ ضميركَ شافعٌ ... منَ السُّقمِ قدْ يشفي المُلحَّ المعذَّبا
أمَّا اعتذاره بأنَّه لا يُناجي غير صاحبه إلاَّ خائفاً مترقِّباً فقبيحٌ جدّاً ولعمري إنَّ الإصرار على الغدر أصلح من التَّنصُّل بهذا العذر إذ من لم يكن عليه رقيب من نفسه يصونها عن مكاره إلفه فلا درك في مودَّته.
وقد قال بعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
كأنَّ رقيباً منكَ يرعَى خواطرِي ... وآخرَ يرعَى ناظرِي ولسانِي
فما عاينتْ عينايَ بعدكَ منظراً ... يسوؤكَ إلاَّ قلتُ قدْ رمَقانِي
ولا بدرتْ في فِيَّ بعدكَ مزحةٌ ... لغيركَ إلاَّ قلتُ قدْ سمِعانِي
ولا خطرتْ مِنْ ذكرِ غيركَ خطرةٌ ... علَى القلبِ إلاَّ عرَّجا بعنانِ
إذا ما تسلَّى الغايرونَ عنِ الهوَى ... بشربِ مدامٍ أوْ سماعِ قيامِ
وجدتُ الَّذي يُسلِي سوايَ يشوقُني ... إلى قربكمْ حتَّى أملَّ مكانِي
وفتيانِ صدقٍ قدْ سئمتُ لقاءهمْ ... وعفَّفتُ طرفِي عنهمُ ولسانِي
وما الزُّهدُ أسلَى عنهمُ غيرَ أنَّني ... أراكَ علَى كلِّ الجهاتِ تراني
وأتم من هذا قول مسلم بن الوليد:
رحلتُ مُذْ يومِ نادَوا بالرَّحيلِ علَى ... آثارهمْ ثمَّ لمْ أنظرْ إلى أحدِ
أغضتْ عنِ الخلقِ عيني ما ترَى حسَناً ... في النَّاسِ حتَّى تراهمْ آخرَ الأبدِ
وقال آخر:
لأيُّ شيءٍ صددتَ عنِّي ... يا بائناً بالعَزَاءِ منِّي
стр. 56
أكانَ منِّي فعالُ سوءٍ ... يحسنُ في مثلهِ التَّجنِّي
إنَّ شفيعِي إليكَ منِّي ... دموعُ عَيني وحسنُ ظنِّي
فبالَّذي ساقَني ذليلاً ... إليكَ ألا عفوتَ عنِّي
وقال آخر:
كلُّ يومٍ يقولُ لي لكَ ذنبٌ ... يتجنَّى ولا يرَى ذاكَ منِّي
فأنا الدَّهرَ في اعتذارٍ إليهِ ... فإذا ما رضِي فليسَ يُهنِّي
ربَّما جئتهُ أُسلِّفهُ العذ ... رَ لبعضِ الذُّنوبِ خوفَ التَّجنِّي
وقال علي بن الجهم:
عفا اللهُ عنكَ ما حرمةٌ ... أعوذُ بعفوكَ أنْ أُبعدا
ألمْ ترَ عبداً عدَا طورهُ ... ومولًى عفا ورشيداً هدَى
ومفسدَ أمرٍ تلافيتَهُ ... فعادَ فأصلحَ ما أفسدَا
أقِلْني أقالكَ مَنْ لمْ يزلْ ... يَقيكَ ويصرفُ عنكَ الرَّدى
لئنْ جلَّ ذنبٌ ولمْ أعتمدْهُ ... لأنتَ أجلُّ وأعلَى يدَا
وقال البحتري:
يُخوِّفني مِنْ سوءِ رأيكَ معشرٌ ... ولا خوفَ إلاَّ أنْ تجورَ وتظلما
أُعيذكَ أنْ أخشاكَ مِنْ غيرِ حادثٍ ... أتيتُ ولا جرمٌ إليكَ تقدَّما
أُقرُّ بما لمْ أجنِهِ متنصِّلاً ... إليكَ علَى أنِّي إخالُكَ ألوَما
وقال أيضاً:
وعتابِ خلٍّ قدْ سمعتُ فلم أكنْ ... جلدَ الضَّميرِ علَى استماعِ مُمِضِّهِ
طافَ الوشاةُ بهِ فأحدثَ ظلمةً ... في جوِّهِ ووعورةً في أرضهِ
غضبانُ حمِّلَ إحْنَةً لوْ حُمِّلتْ ... ثبَجَ الصَّباحِ لثُقِّلتْ مِنْ نهضهِ
مهلاً فداكَ أخوكَ قدْ ألهيتهُ ... عنْ لهوهِ وشغلتهُ عن غُمضهِ
خزْيانُ أكبرَ أنْ تظنَّ جنايةً ... في بسطهِ لصديقهِ أوْ قبضهِ
ماذا توهَّمُ أن يقولَ وقولهُ ... في نفسهِ ولسانهُ في عِرضهِ
أنَبوتُ عنكَ بزعمهمْ ومتى نَبَا ... في حالةٍ بعضُ امرئٍ عن بعضهِ
وقال بعض أهل هذا العصر:
أخوكَ الَّذي أمسَى بذكركَ مُغرما ... يتوبُ إليكَ اليومَ ممَّا تقدَّما
فإنْ لم تصلهُ رغبةً في وصالهِ ... ولمْ تكُ مشتاقاً فصِلْهُ تكرُّما
فقدْ والَّذي عافاكَ ممَّا ابتلَى بهِ ... تندَّمَ لوْ أرضاكَ أنْ يتندَّما
وباللهِ ما كانَ الصُّدودُ الَّذي مضَى ... ملالاً ولا كانَ الجفاءُ تبرُّما
فلا تحرِبَنْ بالغدرِ مَنْ صدَّ مُكرهاً ... وأظهرَ إعراضاً وأبدَى تجهُّما
فلمْ يُلههِ عنكَ السُّلوُّ وإنَّما ... تأخَّرَ لمَّا لم يجدْ مُتقدَّما
وقال آخر:
كُحلتْ مقلَتِي بشوكِ القَتادِ ... لم أذُقْ مذْ حُممتَ طعمَ الرُّقادِ
يا أخِي الباذلُ المودَّةَ والنَّا ... زلُ مِنْ مقلتِي مكانَ السَّوادِ
مَنَعَتْني عليكَ رقَّةُ قلبِي ... مِنْ دُخولي عليكَ في العوَّادِ
لو بأُذني سمعتُ منكَ أنيناً ... لتَفَقَّا معَ الأنينِ فؤادِي
وقال علي بن الجهم:
إنَّ دونَ السُّؤالِ والاعتذارِ ... خطَّةٌ صعبةً علَى الأحرارِ
ليسَ جهلاً بها تورَّدها الح ... رُّ ولكنْ سوابقُ الأقدارِ
إرضَ للسَّائلِ الخضوعِ وللقا ... رفِ ذنباً مضاضةَ الاعتذارِ
وقال آخر:
هاجرتْنِي ثمَّ لا كلَّمتْني أبداً ... إنْ كنتُ خنتكِ في حالٍ منَ الحالِ
أوِ انتجيتُ نجِيّاً في خيانتكمْ ... وخفتُ خطرَتَها منِّي علَى بالِ
فسوِّغيني المُنى كيما أعيشَ بها ... ثمَّ اطلقِي البخلَ ما أطلقتِ آمالي
ولبعض أهل هذا العصر:
أتوبُ إليكَ مِنْ نقضِ العهودِ ... لتؤمنَ مقلَتِي منَ السُّهودِ
أسأتُ فلا تُعنَّى بالدَّعاوى ... فها أنذا أُقرُّ بلا شهودِ
وقدْ كانَ الجحودُ عليَّ سهلاً ... ولكنِّي أنِفتُ منَ الجحودِ
فقلْ لِي لا عدمتكَ مِنْ مسيءٍ ... بما استحللتَ نقضَ عُرى العهودِ
ألا يا نفسُ قد أخطأتِ فيما ... أتيتِ فإنْ نجوتِ فلا تعُودِي
فكمْ جانٍ تجافَى غيرَ جهلٍ ... فعادَ فلمْ يذقْ طعمَ الهجودِ
وقال منصور النمري:
لعلَّ لهُ عذراً وأنتَ تلومُ ... وكمْ لائمٍ قد لامَ وهو مُليمُ
أخٌ لكَ مشتاقٌ تذكَّرَ خلَّةً ... لها عندهُ ودٌّ فباتَ يهيمُ
стр. 57
سلامٌ علَى أمِّ الوليدِ وذكرِها ... وعهدٍ لها لمْ يُنسَ وهوَ قديمُ
الباب العشرون
إذا ظهرَ الغدرُ سهُل الهجرُ
العلة في سهولة الهجر عند ظهور الغدر ضربٌ من المكروه وكلُّ مكروهٍ فبعد النَّفس عنه خيرٌ لها من القرب منه وعلى أنَّ نفس المحبِّ إذا استيقنت بالغدر لم ترضَ بمقاومة الهجر لأنَّ في الهجر ضربٌ من التَّأديب وضربٌ من الانتقام والنَّفس المرَّة لا تعبأ بمن غدر بها ولا تستصلحه بمعاتبةٍ ولا ترصده بمعاقبةٍ بل تخلِّي فكرها عن ذكره وتصون خواطرها عن الخوض في أمره.
وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر:
يا قلبُ قدْ خانَ مَنْ كلفتَ بهِ ... فخلِّ عنكَ البكاءَ في أثرهْ
شغلكَ بالفكرِ في تغيُّرهِ ... أعظمُ ممَّا لقيتَ مِنْ غِيَرهْ
فارحلْ فمن لا يحلُّ موردهُ ... يُفضِ بهِ صفوهُ إلى كدرهْ
وارجعْ إلى اللهِ في الأُمورِ فلنْ ... تقدرَ أن تستجيرَ مِنْ قدرهْ
ومن النَّاس مَن تضعف قواه عن هذه الحال فلا يسأل عمَّا يصير إليهِ من النَّكال وكلُّ ذلك على حسب التَّوفيق والخذلان نسأل الله خير عواقب الأمور ونستكفيه كلَّ مهمٍّ ومحذور.
وقال امرؤ القيس بن حجر:
إذا قلتُ هذا صاحبٌ قد رضيتهُ ... وقرَّتْ بهِ العينانِ بدَّلتُ أخرا
وذلك أنِّي لمْ أثقْ بمصاحبٍ ... منَ النَّاسِ إلاَّ خانَني وتغيَّرا
وقال الأحوص:
أقولُ لمَّا التقينا وهيَ صادفةٌ ... عنِّي ليُهنكِ مَنْ تُدنينهُ دُونِي
إنِّي سأمنحكِ الهجرانَ مُعتزماً ... مِنْ غيرِ بغضٍ لعلَّ الهجرَ يُسلينِي
ومُثنياً رجعَ أيَّامٍ لنا سلفتْ ... سقياً ورعياً لذاكَ الدِّينِ مِنْ دينِ
وبلغني أن نصيباً أتى إلى صاحبته فدفع الباب ليدخل إليها فرأى عندها فتًى تحدِّثه فقالت له: ادخل يا أبا محجنٍ فأنشأ يقول:
أراكِ طَموحَ العينِ مذَّاقةَ الهوَى ... لكلِّ خليلٍ منكِ وصلٌ مُطرَّفُ
متى تجمَعِي رِدفينِ لا أكُ منهما ... فهُبِّي بفردٍ لستُ ممَّنْ يُردَّفُ
ثمَّ ترك الباب ولن يسدَّه وانصرف.
وقال أبو نواس:
ومُظهرةٍ لخلقِ اللهِ عشقاً ... وتُلقَى بالمحبَّةِ والسَّلامِ
أتيتُ فؤادَها أشكُو إليهِ ... فلم أخلصْ إليهِ منَ الزِّحامِ
فيا مَنْ ليسَ يُقنعهُ خليلٌ ... ولا ألفا خليلٍ كلَّ عامِ
أراكِ بقيَّةً مِنْ قومِ موسى ... فهمْ لا يصبرونَ علَى طعامِ
وقال العباس بن الأحنف:
كتبتْ نلومُ وتستريبُ زيارَتِي ... وتقولُ لستَ لنا كعهدِ العاهدِ
فأجبتُها ومدامعِي منهلَّةٌ ... تجرِي علَى الخدَّينِ غيرَ جوامدِ
يا عتبُ لمْ أهجركمُ لملالةٍ ... حدثتْ ولا لمقالِ واشٍ حاسدِ
لكنَّني جرَّبتكمُ فوجدتكمُ ... لا تصبرونَ علَى طعامٍ واحدِ
وقال القعقاع الأسدي:
أصارمةٌ أمْ لا حِبَالكَ زينبُ ... وما بينَ صرمِ الحبلِ والوصلِ مذهبُ
بلَى إنَّ أرْماقاً ضعافاً هي الَّتي ... يُغرُّ بها النِّكسُ الدَّنيءُ ويُكذبُ
وما أنا بالنِّكسِ الدَّنيءِ ولا أُرى ... إذا رامَ صرمِي ذو المودَّةِ أغضبُ
ولكنَّهُ ما دامَ دمتُ وإنْ يكنْ ... لهُ مذهبٌ عنِّي يكنْ لِي مذهبُ
سواهُ وخيرُ الودِّ ودٌّ تطوَّعتْ ... بهِ النَّفسُ لا ودٌّ أتَى وهوَ متعبُ
وقال بعض الأعراب:
أبِينِي أفي يُمنى يديكِ جعلتِنِي ... فأفرحُ أمْ صيَّرتِني في شمالكِ
فإنْ كنتُ في اليُمنى فيا ليتَ عيشَتي ... وإنْ كنتُ في اليسرى فضلَّ ضلالكِ
إذا لمْ تنالينَا وربِّ محمَّدٍ ... ولمْ ترفَعِي رأساً بنا لمْ نُبالكِ
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أنا لا أبدَا بغدرٍ أبداً ... فإذا ما غدرتْ لمْ أتَّركْ
أتَراني أقعدُ اللَّيلَ لها ... ساهراً أطلبُ وصلاً قد هلكْ
وهيَ فيما تشتَهي لاهيةٌ ... متُّ إنْ دارَ بهذينِ الفلكْ
وقال آخر:
ومِنْ شيَمي أنِّي إذا المرءُ ملَّني ... وأظهرَ إعراضاً ومالَ إلى الهجرِ
أطلتُ لهُ فيما يحبُّ عنانهُ ... وتاركتهُ في حسنِ يسرٍ وفي سترِ
стр. 58
فإنْ عادَ في وصلِي رجعتُ لوصلهِ ... وإن لم يردْ أهملتُ ذاكَ إلى الحشرِ
وقال بعض أهل هذا العصر:
تخيَّرْ منَ الإخوانِ مَنْ شئتَ واتَّخذْ ... خليلاً فإني ما أُريدُ خليلا
أتوبُ إليكَ اليومَ مِنْ كلِّ توبةٍ ... فقدْ هُنتَ في عَيني وكنتَ جليلا
إذا لمْ يجدْ إلفي عنِ الغدرِ مذهباً ... وجدتُ إلى حسنِ العزاءِ سبيلا
فواللهِ لا أرضيتُ داعيةَ الهوَى ... إليكَ ولا أغضبتُ فيكَ عذولا
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
رأيتكَ سمحَ البيعِ سهلاً وإنَّما ... يُغالي إذا ما ضنَّ بالشَّيءِ بائعهْ
فأمَّا الَّذي هانتْ بضائعُ بيعهِ ... فيوشكُ أنْ تُبقي عليهِ بضائعهْ
هو الماءُ إنْ أجمعتَ طابَ ورودهُ ... ويفسدُ منهُ ما تُباحُ شرائعهْ
وقال آخر:
أمِيطِي الهوَى عمَّن قلاكِ وعرِّضي ... لغيري بهِ واسترزِقِي اللهَ في سترِ
فلوْ كنتِ لِي كفّاً إذنْ لقطعتُها ... ولو كنتِ لي أُذناً رميتكِ بالوقرِ
ولو كنتِ لي عيناً إذاً لفقأْتُها ... ولو كنتِ لي قلباً نزعتُكِ مِنْ صدرِي
وإنِّي وإنْ حنَّتْ إليكِ ضمائرِي ... فما قدرُ حبِّي إنْ أُذلَّ لهُ قدرِي
وقال عبد قيس بن خفاف البرجمي:
دارَ الهوَى ولمنْ رآها دارهُ ... أفَراحلٌ عنها كمنْ لم يرحلِ
فصِلِ المواصلَ ما صفا لكَ ودُّهُ ... واصرمْ حبالَ الخائنِ المتبدِّلِ
واحذرْ محلَّ السُّوءِ لا تحلُلْ بهِ ... وإذا نبَا بكَ منزلٌ فتحوَّلِ
وقال بعض الأعراب:
وإنِّي لأستحيي منَ اللهِ أنْ أُرَى ... رديفاً لوصلٍ أوْ عليَّ رديفُ
وأن أردَ الماءَ الموَطَّأَ طينهُ ... وأتبعَ ودّاً منكِ وهو ضعيفُ
وقال البحتري لنفسه:
تركتكَ للقومِ الَّذينَ تركْتَني ... لهم وسَلا الإلفُ المشوقُ عنِ الإلفِ
وقالَ ليَ الأعداءُ ما أنتَ صانعٌ ... وليسَ يرانِي اللهُ أنحتُ مِنْ جرفِ
ولمَّا رأيتُ القربَ يدوِي اتِّصالهُ ... بعدتُ لعلَّ البعدَ مِنْ ظالمي يشفِي
وإنِّي لأستبقي ودادكَ للَّتي ... تلمُّ وأرضَى منكَ دونَ الَّذي يكفي
وأسألكَ النَّصفَ احتجازاً وربَّما ... أبيتُ فلم أسمحْ لغيركَ بالنَّصفِ
وإنِّي لمحسودٌ عليكَ مُنافسٌ ... وإنْ كنتُ أستبطِي كثيراً وأستجفِي
وأنشدني بعض أهل الأدب:
أنقذَني سوءُ ما صنعتَ منَ الرِّ ... قِّ فيا بردَها علَى كبدِي
فصرتُ عبداً للسُّوءِ فيكَ وما ... أحسنَ سوءٌ قبلِي إلى أحدِ
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ألم ترَ أنَّ المرءَ تذوِي يمينهُ ... فيقطعَها عمداً ليسلمَ سائرهْ
فكيفَ تراهُ بعدَ يُمناهُ صانعاً ... بمنْ ليسَ منهُ حينَ تبدُو سرائرهْ
وقال أبو القمقام الأسدي:
ولمَّا بدا لِي منكِ ميلٌ معَ العدَى ... عليَّ ولمْ يحدثْ سواكِ بديلُ
صددتُ كما صدَّ الرَّمِيُّ تطاولتْ ... بهِ مدَّةُ الآجالِ فهوَ قتيلُ
وقال آخر:
وعزَّيتُ نفساً عن هواكِ كريمةً ... علَى ما بها مِنْ لوعةٍ وغليلِ
بكتْ ما بكتْ مِنْ شجوِها ثمَّ أعقبتْ ... بعرفانِ هجرٍ من نُوار طويلِ
فأصبحتُ مِنْ ميعادِها مثلَ قابضٍ ... علَى الماءِ لم يرجعْ يداً بقليلِ
وقال بعض الأعراب:
فإنْ تشبَعِي منَّا وتروَى ملالةً ... فنحنُ وبيتِ اللهِ أروَى وأشبعُ
وإنْ تجدِي ما خلفَ ظهركِ واسعاً ... فما خلفَنا مِنْ سائرِ الأرضِ أوسعُ
وإنْ تنقضِي العهدَ الَّذي كانَ بينَنا ... فنحنُ لمَا ضيَّعتِ أنسَى وأضيعُ
وقال المتلمس:
قليتُكِ فاقْلِيني فلا وصلَ بينَنا ... كذلكَ مَنْ يستغنِ يستغنِ صاحبهْ
خليلٌ بدَا لي النُّصحُ منهُ فلم أكنْ ... لأصرِمَهُ ما سوَّغَ الماءَ شاربهْ
عصَانِي فما لاقَى الرَّشادَ وإنَّما ... تبيَّنُ عنْ أمرِ الغويِّ عواقبهْ
وقال الحسين بن الضحاك:
ألا في سبيلِ اللهِ ودٌّ بذلتهُ ... لمنْ خانَني ودِّي ولمْ يرعَ لي عهدَا
стр. 59
أباحَ حمَى الميثاقِ واللهُ بينَنا ... فلمْ يُبقِ للميثاقِ قبلاً ولا بعدا
فليتكَ لا تُجزَى بما أنتَ أهلهُ ... وإن كنتَ قدْ أشرَقْتني بدمي حِقدا
عدمتكَ مِنْ قلبٌ أقامَ لغادرٍ ... علَى العهدِ حتَّى كادَ يقتلُني وجْدا
وقال أيضاً:
تعزَّوْا بيأسٍ عنْ هوايَ فإنَّني ... إذا انصرفتْ نفسِي فهيهاتَ مِنْ ردِّي
أبَى القلبُ إلاَّ نبوةً عن جميعكمْ ... كنبوتكمْ عنِّي ففي السُّحقِ والبُعدِ
إذا خنتُكمْ بالغيبِ عهدِي فما لكمْ ... تدلُّونَ إدلالَ المقيمِ علَى العهدِ
فكمْ مِنْ قتيلٍ كانَ لي قبلُ فيكمْ ... فها أنذا فيكمْ نذيرٌ لمنْ بعدِي
فوا أسفاً مِنْ صبوةٍ ضاعَ شكرُها ... مضتْ سلفاً في غير أجرٍ ولا حمدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
قصرتُ عليكَ النَّفسَ حتَّى توهَّمتْ ... بلِ استيقنتْ أنْ ليسَ غيركَ مطلبا
فرامتْ بديلاً منكَ لمَّا جفوتَها ... فحارتْ كأنْ لم يخلقِ اللهُ منجِبا
فإنْ تتفكَّرْ في انصِرافي خائباً ... وغدركَ تعلمْ أيُّنا عادَ أخيِبا
كسبتَ ملاماً واكتسبتُ بصيرةً ... بأمركَ فانظرْ أيُّنا عادَ مُكسبا
سأشكرُ ذنبَ الدَّهرِ فيكَ ولم أكنْ ... علَى غِيَرِ الأيَّامِ أشكرُ مُذنبا
وله أيضاً:
ما زلتُ أكذبُ فيكَ إرجافَ العدَى ... والغدرُ في عطفيكَ ليسَ بخافِ
حتَّى حسرتَ لناظرِي عنْ سوءةٍ ... أغنتْ أعاديكمْ عنِ الإرجافِ
فظللتُ حين خبرتُكمْ مُتعرِّضاً ... عنكمْ بأوسطِ سورةِ الأعرافِ
فامضوا عليكمْ لعنةُ اللهِ ارتَعوا ... في صحبةِ الأوغادِ والأجلافِ
أمَّا سلوُّ المحبّ عمَّن غدر به فغير معيب عليه إذ ليس ذلك مفوَّضاً إليه وإنَّما يوجبه نفور النَّفس عمَّن خالف شكلها كما توجب المحبَّة سكون النَّفس إلى شيء شاكل طبيعتها وأمَّا تشنيعه بالغدر على محبوبه فإنَّ ذلك لعمري قبيحٌ وما على من سلا عن إلفه أن يضمر ذلك في نفسه ولا يقصُّ على غيره ما ظهر له من سوء فعله فإن ظهر منه على ترك المواصلة عارض في ذلك بضربٍ من المجاملة.
كما فعل الَّذي يقول:
وقائلٍ كيفَ تهاجرْتُما ... فقلتُ قولاً فيهِ إنصافُ
لمْ يكُ مِنْ شكلِي فناكرتُهُ ... والنَّاسُ أشكالٌ وأُلاّفُ
وكما قال الآخر:
أرى عرَضَ الدُّنيا وكلُّ مصيبةٍ ... تهونُ إذا عنكِ الحوادثُ زلَّتِ
فإنْ سألَ الواشونَ كيفَ هجرْتَها ... فقلْ نفسُ حرٍّ سُلِّيتْ فتسلَّتِ
الباب الحادي والعشرون
مَنْ راعهُ الفراقُ ملكهُ الاشتياقُ
التَّرويع بالفراق هو السَّهم الَّذي لا يعدل عن مقاتل العشَّاق من رمى به من المحبوبين أصاب ومن دُعي به من المحبِّين أجاب وربَّما ولعت نفوس العشَّاق محاذرة وقوع الفراق عن غير سبب يوجبه إظهار الإشفاق وتلك حالٌ لا يتهيَّأ معها وصالٌ.
وفي نحو ذلك يقول الحسين بن الضحاك:
أباحَنِي قربهُ ووسَّدنِي ... يُمنى يديهِ وباتَ مُلتَزِمِي
فقلتُ لمَّا استخفَّنِي فرَحي ... أشوبُ عينَ اليقينِ بالتُّهمِ
أصبحَ مُستثبتاً نظرِي ... إخالُني نائماً ولمْ أنمِ
وللبحتري في مثله:
حبيبٌ سرَى في خيفةٍ وعلَى ذُعرِ ... يجوبُ الدُّجى حتَّى التقينا علَى قدرِ
وشككتُ فيهِ مِنْ سرورٍ خلتُهُ ... خيالاً أتى في النَّومِ مِنْ طيفهِ يسرِي
وعلى أنَّ من العشَّاق من يتحاقر روعات الفراق وذلك إمَّا لما ناله من مضاضة هجرٍ أو مواقعة غررٍ وإمَّا لطغيان النَّفس ونشاطها وانبساطها في محابِّها واستظهارها بغرَّة الجهل على أحبابها ولمن كان بهذه الخلل باب مفردٌ ووصفٌ مجرَّدٌ.
وقال جميل بن معمر:
كفَى حزَناً للمرءِ ما عاشَ أنَّه ... ببينِ حبيبٍ لا يزالُ يروَّعُ
فوا حزَنا لو ينفعُ الحُزنُ أهلهُ ... ووا جزعَا لو كانَ للنَّفسِ مجزعُ
فأيُّ فؤادٍ لا يذوبُ بما أرَى ... وأيُّ عيونٍ لا تجودُ فتدمعُ
وأنشد لأحمد بن أبي طاهر:
أذاهبةٌ نفسِي شعاعاً فميِّتٌ ... ومنصدعٌ قبلَ انصداعِ النَّوى قلبِي
стр. 60
مخافةَ بينٍ لا تلاقيَ بعدهُ ... وشحطِ النَّوى بعدَ الزِّيارةِ والقربِ
وقال آخر:
ظللتُ كأنِّي خشيةَ البينِ إذْ جرَى ... أخُو جنَّةٍ لا يستبلُّ صريعُها
إذا العينُ أفنتْ عبرةً مِنْ سجامِها ... بكتْها بأُخرى تستهلُّ دموعُها
وقال آخر:
خليليَّ مِنْ عُليَا هوازنَ لم أجدْ ... لنفسيَ مِنْ شحطِ النَّوى مَنْ يجيرُها
غداً تمطرُ العينانِ مِنْ لوعةِ الهوَى ... ويبدُو منَ النَّفسِ الكتومِ ضميرُها
أيصبرُ عندَ البينِ قلبكَ أمْ لهُ ... غداً طيرةٌ لا يدَّ أنْ سيَطيرُها
وقال الطائي:
يا بُعدَ غايةِ دمعِ العينِ إنْ بعُدوا ... هي الصَّبابةُ طولَ الدَّهرِ والسَّهدُ
قالُوا الرَّحيلُ غداً لا شكَّ قلتُ لهمْ ... اليومَ أيقنتُ أنَّ اسمَ الحِمامِ غدُ
وقال أبو نواس:
طرحتم منَ التَّرحالِ أمراً فغمَّنا ... فلو قدْ فعلتمْ صبَّحَ الموتُ بعضَنا
زعمتم بأنَّ النَّأيَ يحزنُكمْ نعمْ ... سيحزنُكمْ عِلمي ولا مثلَ حُزننا
تعالُوا نُقارعكمْ ليثبتَ عندنا ... مَنَ اشجَى قلوباً أوْ مَنَ اسخنَ أعيُنا
أطالَ قصيرُ اللَّيلِ يا رحمُ عندكمْ ... فإنَّ قصيرَ اللَّيلِ قد طالَ عندَنا
ولا يعرفُ اللَّيلَ الطَّويلَ وكربهُ ... منَ النَّاسِ إلاَّ مَنْ ينجِّمُ أوْ أنا
وقال العرجي:
ما زلتُ من روعةِ البَينِ الَّذي ذكروا ... أُذري الدُّموعَ ومنِّي يُحفزُ النَّفسُ
كأنَّني حازمٌ باللَّيلِ مُرتهنٌ ... ساهي الفؤادِ وعليهِ الأمرُ مُلتبسُ
وله أيضاً:
غداً فاعلمي أنِّي أشدُّ صبابةً ... وأحسنُ عندَ البينِ من غيرنا عهدا
نُقطِّعُ إلاَّ بالكتابِ عتابَنا ... سوى ذكرةٍ لا أستطيعُ لها ردَّا
فقالتْ وأذرتْ دمعَها لا بعدْتمُ ... يعزُّ علينا أن نرى لكمُ فقدا
غداً يكثرُ الباكونَ منَّا ومنكمُ ... وتزدادُ داري من دياركمُ بُعدا
وله أيضاً:
بلِّغْ قريبةَ أنَّ البينَ قدْ أفِدا ... وأنَّنا إن سلِمنا رائحونَ غدا
كمْ بالحجازِ وإن كنَّا نُكاثرهُمْ ... منَ الدُّموعِ ودَدْنا لا نرى أبدا
وماتَ وجداً علينا ما يبوحُ بهِ ... يُحصي اللَّيالي إذا غِبنا لنا عددا
يا ليلةَ السَّبتِ قد زوَّدْتني سقماً ... حتَّى المماتِ وحزناً صدَّعَ الكبدا
وقال غيره:
فراقُكَ في غدٍ وغداً قريبُ ... فوا كبدا من البينِ القريبِ
فيا صدرَ النَّهارِ إليكَ عنِّي ... ويا شمسَ الأصائلِ لا تغيبي
وقال آخر:
خليلي غداً لا شكَّ فيهِ مودِّعٌ ... فوالله ما أدري بهِ كيفَ أصنعُ
فإنْ لم أشيِّعْهُ تقطَّعتُ حسرةً ... ووا كبدا إن كنتُ فيمنْ أُشيِّعُ
فيا يومُ لا أدْبرتَ هلْ لكَ محبسٌ ... ويا غدُ لا أقبلتَ هلْ لكَ مدفعُ
وقال آخر:
يا صاحبيَّ منَ الملامِ دعاني ... إنَّ البليَّة فوقَ ما تصفانِ
زعمَتْ بُثينةُ أنَّ رِحلتها غدا ... لا مرحباً بغدٍ فقدْ أبكاني
وقال أشجع السلمي:
غداً يتفرَّقُ أهلُ الهوَى ... ويكثرُ باكٍ ومُسترجعُ
وتختلفُ الدَّارُ بالظَّاعنينَ ... فنوناً تشتُّ فلا تُجمعُ
وتبقى الطُّلولُ ويفنى الهوَى ... ويصنعُ ذو الشَّوقِ ما يصنعُ
فأنتَ تُبكِّي وهُمْ جيرةٌ ... فكيفَ تكونُ إذا ودَّعوا
وقال ذو الرمة:
وقد كنتُ أبكي والنَّوى مُطمئنَّةٌ ... مُحاذرة من علمِ ما البينُ صانعُ
وأُشفقُ من هجرانكُمْ وتشفُّني ... مخافةُ وشكِ البينِ والشَّملُ جامعُ
وأهجركُمْ هجرَ البغيضِ وحبُّكمْ ... علَى كبدي منه شؤونٌ صوادعُ
وقال آخر:
أخافُ الفِراقَ فأشتاقكُمْ ... كأنَّا افترقنا ولم نفترقْ
فلا نبرحُ الدَّهرَ أوْ نشتفي ... وهلْ يشتفي أبداً من عشِقْ
وقال العرجي:
فما أنسَ مِ الأشياءِ لا أنسَ موقفاً ... لنا ولها بالسَّفحِ دونَ ثبيرِ
ولا قولها وهْناً وقد بلَّ جيبَها ... سوابقُ دمعٍ ما يجفُّ غزيرِ
стр. 61
أأنتَ الَّذي خُيِّرتَ أنَّكَ باكرٌ ... غداةَ غدٍ أوْ رائحٌ فمهجِّر
فقلتُ يسيرٌ بعضُ شهرٍ أغيبُهُ ... وما بعضُ يومٍ غيبهُ بيسيرِ
أحينَ عصيتُ العاذلينَ إليكمُ ... ونازعتُ حبلي في هواكَ أميري
وباعدني فيكِ الأقاربُ كلُّهمْ ... وباح بما يُخفي اللِّسانُ ضميري
فقلتُ لها قولَ امرئٍ شفَّهُ الهوَى ... إليها ولو طالَ الزَّمان فقيرِ
فما أنا إن شطَّتْ بيَ الدَّارُ أوْ دنتْ ... بيَ الدَّارُ عنكمْ فاعلمي بصبورِ
وقال آخر:
إذا ريعَ قلبي بالفراقِ تحدَّرتْ ... دموعيَ من وجدٍ عليكِ دخيلِ
لَعمري لَموتٌ يعتريني فُجاءةً ... أحبُّ إليَّ من فراقِ خليلِ
وقال أيضاً:
أيا كبدي حُمَّ الفراقُ ولم أجدْ ... لنفسيَ ممَّا حاذرتْ من يُجيرُها
كأنَّ فؤادي عظْمُ ساقٍ مهيضةٍ ... عنيفٌ مُداويها بطيءٌ جُبورها
فإنْ عصبوها بالجُبارِ توجَّعتْ ... وإن تركوها زادَ صدعاً نفورُها
غداً تصبحُ الخوْدُ المليحةُ غُربةً ... تُزارُ وتُغشي لستُ ممنْ يزورُها
وقال توبة بن الحمير:
كأنَّ القلبَ ليلةَ قيلَ يُغدى ... بليلى العامريَّةِ أوْ يُراحُ
قطاةٌ غرَّها شركٌ فباتتْ ... تُجاذبهُ وقدْ علقَ الجناحُ
فلا في اللَّيلِ نامتْ فاطمأنَّتْ ... ولا في الصُّبحِ كانَ لها براحُ
وقال آخر:
أبيتُ والهمُّ تغشاني طوارقهُ ... من خوفِ روعةَ بين الظَّاعنينَ غدا
قدْ صدَّعَ القلبَ حزنٌ لا ارتجاعَ لهُ ... إذْ الانصداع النية العمدا
وقال آخر:
قالوا يسيرونَ لا ساروا بلى وقفوا ... ولا استقلَّتْ بهمْ للبينِ أكوارُ
إذا تحمَّلَ من هامَ الفؤادُ بهِ ... فلا أبالي أقامَ الحيُّ أمْ ساروا
وقال آخر:
ما زلتُ من حذرِ التفرُّقِ مُشفقاً ... لو كانَ أغنى ذلك الإشفاقُ
وترى المحبَّ قريرَ عينٍ بالهوى ... حتَّى يُنغِّصهُ عليهِ فراقُ
وقال آخر:
روِّعتُ بالبينِ حتَّى ما أُراعَ بهِ ... وبالتَّفرُّقِ في أهلي وجيراني
لم يتركِ الدَّهرُ لي خِدناً أُسرُّ بهِ ... إلاَّ اصطفاهُ ببينٍ أوْ بهجرانِ
وقال آخر:
يحنُّ إذا خافَ الفراقَ منَ اجْلها ... حنينَ المُرجِّي وُجهةً لا يُريدها
وكائنْ ترى من صاحبٍ حيلَ دونهُ ... ومُتْبعِ إلفٍ نظرةً لا يُعيدها
ولبعض أهل هذا العصر:
علَى كبدي من خيفةِ البينِ لوعةٌ ... يكادُ لها قلبي أسًى يتصدَّعُ
يخافُ وقوعَ البينِ والشَّملُ جامعٌ ... فيبكي بعينٍ دمعُها متسرِّعُ
فلوْ كانَ مسروراً بما هو واقعٌ ... كما هو مسرورٌ بما يتوقَّعُ
لكان سواءً بُرْؤهُ وسقامهُ ... ولكنَّ وشكَ البينِ أدْهى وأوجعُ
وأكثر استظهار خوف الفراق إنَّما هو على المتيَّمين والعشَّاق الذين استغرقهم الضَّعف بأحبابهم وجرت خلائق أحبَّتهم على نهاية محلِّهم فآمالهم مقصورة إلى الحذر من زوالهم فأمَّا من قد خرج عن حدود العشَّاق والمتيَّمين إلى مرتبة المولَّهين فإنَّ حذاره من الخيانة والغدر يشغله عن محاذرة الفراق والهجر.
وقال توبة بن الحمير:
قالتْ مخافةَ بيننا وبكتْ لهُ ... والبينُ مبعوثٌ علَى المتخوِّفِ
لو ماتَ شيءٌ من مخافةِ فُرقةٍ ... لأماتني للبينِ طولُ تخوُّفي
ملأَ الهوَى قلبي فضقْتُ بحملهِ ... حتَّى نطقْتُ بهِ بغيرِ تكلُّفِ
стр. 62
فليلى الأخيليَّة عفا الله عنا وعنها إن كان ما حكاه لنا توبة عنها في البيت الثاني حقّاً فإنَّها كانت جاهلةً بأحوال العشَّاق غافلةً عمَّا تولده روعات الفراق ولَعمري إن من مراثيها في توبة بعد وفاته لدالَّةً على أنَّها لم تتعلَّق من الهوَى إلاَّ بأطرافه إذْ لو كان الهوَى قد بلغ بها أقصى الحال كانت حياتها بعد وفاة توبة ضرباً من المحال وما أحصي ما اتَّصل بي من أخبار من تخوَّف بمفارقة حبيبه فتلف من ساعته ولقد اتَّصل بي خبر لم أسمع بأعجب منه وإنَّ صاحبته وليلَى الأخيليَّة لفي الطَّرفين هذه عندها أنَّه لا يموت أحد من مخافة فرقةٍ وتلك تلفت من جريان خاطرٍ بالفراق على قلبها من غير أن يؤدي ذلك إليه ناظرها ولا سمعها ذكر أبو مالك الرَّاوية أنَّه سمع الفرزدق يقول أبقَ غلامان لرجل من بني نهشل يقال له الخضر قال فخرجت في طلبهما وأنا على ناقةٍ لي عنساء أريد اليمامة فلما صرت في ماءٍ لبني حنيفة ارتفعت لي سحابةٌ فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها فعدلت إلى بعض ديارهم وسألتهم القِرى فأجابوا فدخلت الدَّار وأنخت النَّاقة وجلست تحت ظلالهم من جريد النَّخل وفي الدَّار جويريةٌ سوداء إذْ دخلت الدَّار جاريةٌ كأنَّها فلقة قمر وكأنَّ عينيها كوكبان درِّيَّان فسألت السوداء لمن هذه العنساء فقالت لضيفكم هذا فعدلت إليَّ فقالت السَّلام عليك فقلت وعليكِ السَّلام فقالت لي من الرِّجل فقلت من بني حنظلة فقالت من أيِّ بني حنظلة قلت من بني نهشلٍ قالت فأنت الَّذي يقول فيك الفرزدق:
إنَّ الَّذي سمكَ السَّماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائمهُ أعزُّ وأطولُ
بيتاً زُرارةُ مُحتبٍ بفنائهِ ... ومُجاشعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
قال قلت نعم فتبسَّمت وقالت فإنَّ ابن الخطفى جريرٌ هدم عليه بيته هو الَّذي يقول:
أخزى الَّذي رفعَ السَّماءَ مُجاشعاً ... وبنى بناءَكَ بالحضيضِ الأسفلِ
بيتاً يُحمَّمُ قينكُمْ بفنائهِ ... دنِسٌ مقاعدهُ خبيثُ المدخلِ
قال فأعجبتني فلمَّا رأت ذلك في وجهي قالت إلى أين تؤمُّ قلت اليمامة قال فتنفَّست الصُّعداء ثمَّ قالت ها هي تلك أمامك ثمَّ أنشأت تقول:
تُذكِّرني بلاداً خيرُ أهلي ... بها أهلُ المروءةِ والكرامةْ
ألا فسقى المليكُ أجشَّ صوبٍ ... يدرُّ بسحِّهِ تلكَ اليمامةْ
وحيَّى بالسَّلامِ أبا نُجيدٍ ... فأهلٌ للتَّحيَّةِ والسَّلامةْ
قال فأنست بها فقلت أذات خدنٍ أم ذات بعلٍ فأنشأت تقول:
إذا رقدَ الخليُّ فإنَّ عمراً ... تُؤرِّقهُ الهمومُ إلى الصَّباحِ
تُقطِّعُ قلبهُ الذِّكْرى وقلبي ... فلا هو بالخليِّ ولا بصاحِ
سقى اللهُ اليمامةَ دارَ قومٍ ... بها عمرٌو يحنُّ إلى الرَّواحِ
قال فقلت لها من عمرٌو فأنشأت تقول:
فإنْ تكُ ذا قُبولٍ إنَّ عمراً ... هوَ القمرُ المضيءُ لمُستنيرِ
وما لي بالتَّبعُّلِ مُستراحٌ ... ولو ردَّ التَّبعُّلُ لي أسيري
قال ثمَّ سكتت سكتةً كأنَّها تستمع إلى كلامي ثمَّ تهافتت وأنشأت تقول:
يُخيَّلُ لي أبا عمرو بنَ كعبٍ ... كأنَّكَ قد حُملتَ على سريرِ
فإنْ يكُ هكذا يا عمرو إنِّي ... مُبكِّرةٌ عليكَ إلى القبورِ
قال ثمَّ شهقت فماتت فقلت لهم من هذه قالوا هذه عقيلة بنت الضَّحَّاك بن النُّعمان بن المنذر بن ماء السَّماء قلت ومن عمرٍو هذا قالوا ابن عمِّها قال فارتحلت من عندهم فدخلت اليمامة فسألت عن عمرٍو فإذا به قد دفن في ذلك الوقت من ذلك اليوم.
الباب الثاني والعشرون
قلَّ من سلا إلاَّ غلبه الهوَى
من كان سلوُّه تابعاً لظفَره بما من أجله كان ابتداء محبَّته فإنَّ الهجر والفراق لا يعيدان له هوًى ولا يتبعان على ضميره أسًى ومن كانت طبيعته بمشاكلة طبيعته فسلا لضجرة لحقته من مخالفة محبوبه أو من تعذُّر بعض مطلوبه أو لتأذٍّ بحاجبٍ أو رقيب أو لملالٍ من سعاية واشٍ أو عذول فإن أدنى عارض يطيف به من فراق أو هجر أو من مخافة خيانة أو غدر يعيد عليه قلق الإشفاق ويردُّه بعد السُّلوِّ إلى مواقف العشاق وربما ألمَّ بمن هذه صفته في المنام طائفٌ من خيال فردَّه إلى أتمِّ ما كان عليه من الحال.
وقال البحتري:
стр. 63
لي خليلٌ قد لجَّ في الصَّرمِ جِدَّا ... وأعادَ الصُّدودَ منهُ وأبدى
ذو فنونٍ يُريكَ في كلِّ يومٍ ... خُلقاً منْ جفائهِ مُستجدَّا
يتأبَّى منعاً ويُنعِمُ إسْعا ... فاً ويدنو وصلاً ويُبعدُ صدَّا
أغْتدي راضياً وقد بتُّ غضبا ... نَ وأُمسي مولًى وأُصبحُ عبدا
أتراني مُستبدلاً بكَ ما عشْ ... تُ بديلاً أوْ واجداً منكَ نِدَّا
حاشَ لله أنتَ أفتنُ ألحا ... ظاً وأحلى شكلاً وأملحُ قدَّا
أما هذا الشعر فمن أضعف شيءٍ أعرف وذلك أنَّ صاحبه إنَّما استحسن صورةً وقدّاً فمتى تغيَّر حسنها أوْ رأى ما هو أحسن في عينه منها اتَّبعه وتركها على أنَّه مع افتقاره إلى خليله وعدمه لشكله ونظيره منتقلاً في هواه فمرَّةً يتسخَّط ومرَّةً يترضَّاه حتَّى يمسيَ مولًى ويصبح عبداً وهذه حالٌ خسيسة فإن كان لا بدَّ للمحبِّ من التَّباعد عن المحبوب فليكن ذلك ظاهراً في الأفعال غير معتقدٍ في القلوب.
كما قال عبد الله بن أبي الشيص:
إنْ لم أُرى بفناءِ بيتكِ واقفاً ... فالقلبُ مُحتبسٌ عليهِ وواقفُ
هذي الجفونُ فضمِّنيهنَّ الهوَى ... وثقي بهنَّ فإنَّهنَّ عفائفُ
لا يكتحلْنَ منَ الخدودِ بزهرةٍ ... حتَّى تعطَّفَ بي إليكِ عواطفُ
أنتِ الَّتي غمرَ الضَّمائرَ حُبُّها ... فلها التَّليدُ من الهوَى والطَّارفُ
وكأنَّ ليَ قلبينِ عندكِ واحدٌ ... دانٍ وآخرُ عنْ دياركِ عازفُ
وكما قال البحتري:
الدَّارُ تعلمُ أنَّ دمعي لم يغِضْ ... فأروحَ حاملَ منَّةٍ منْ مُسعدِ
ما كان لي جلَدٌ فيودي إنَّما ... أودى غَداةَ الظَّاعنينَ تجلُّدي
وكما قال بعض أهل هذا العصر:
لقد باعدْتَ عنكَ أخاً شقيقاً ... عليكَ فلا يغرُّكَ حسنُ صبري
فلوْ جُمعَ الأنامُ لكنتَ فرْداً ... أحبَّهمُ إليَّ بكلِّ سعْرِ
فلا تحسبْ رعاكَ الله أنِّي ... غدرْتُ ولا هممْتُ لكمْ بغدرِ
فوالله العظيمِ لوَ انَّ قلبي ... أحبَّ سواكَ لم أُسكنْهُ صدري
وأعظمُ ما أُلاقي منكَ أنِّي ... أدومُ علَى الوفاءِ ولستَ تدري
وهذا أتم من قول بشار:
أهِمُّ بأنْ أقولَ وددْتُ أنِّي ... سلوتُ فما يُطاوعني لِساني
لأنَّ بشاراً خبَّر أنَّه قد همَّ ثمَّ امتنع ومن لم يرد أن يقدر أتمُّ ممن أراد ذلك فلم يقدر وأنقص من بشار في هذه الحال.
أبو المنيع الحضرمي حيث يقول:
ألمْ ترني أزمعْتُ صرماً وهجرةً ... لِليلى فلمْ أسطعْ صدوداً ولا هجرا
وما مرَّ يومٌ دونها إنْ هجرتُها ... ولا ساعةٌ إلاَّ أجدَّ لها ذكرا
فيا عجبا من وصليَ الحبلَ كيْ يُرى ... جديداً وقدْ أمستْ علائقهُ بُترا
فإنْ تُصبحي بعدَ التَّجاوزِ والهوَى ... صددْتِ فقدْ غادرتِ في كبدي عقرا
والأحوص بن محمد حيث يقول:
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعُني ... حتَّى لقدْ قلتُ هذا صادقٌ نزَعا
قدْ زادهُ كلَفاً بالحبِّ أنْ مُنعتْ ... أحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنعا
وكمْ دنيٍّ لها قدْ صرْتُ أتبعهُ ... ولو صحا القلبُ عنها كانَ لي تبعا
ومحمد بن بشير حيث يقول:
ولقدْ أردتُ الصَّبرَ عنكِ فعاقني ... علقٌ بقلبي منْ هواكِ قديمُ
يبقى علَى حدثِ الزَّمانِ وريْبِهِ ... وعلَى جفائكِ إنَّهُ لَكريمُ
وذو الرمة حيث يقول:
إذا قلتُ أسلو عنكِ ما ميُّ لم يزلْ ... محلٌّ لِداري من دياركِ ناكسُ
فكيف بميٍّ لا توآتيكَ دارُها ... ولا أنتَ طاوي الكشحِ عنها فيائسُ
وللبحتري:
وإذا هممْتُ بوصلٍ غيركِ ردَّني ... ولهٌ عليكِ وشافعٌ لكِ أوَّلُ
وأعِزُّ ثمَّ أزِلُّ ذلَّةَ عاشقٍ ... والحبُّ فيهِ تعزُّزٌ وتذلُّلُ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو وإن لم يكن على ذلك التمام في باب النقصان:
أيا حالفاً أنِّي علَى العهدِ ناكثٌ ... تأكَّدْ رعاكَ اللهُ أنَّكَ حانثُ
تجنَّيتَ مُذْ عامينِ ذنباً لَمَ اجنهِ ... عليكَ وهذا العامَ قدْ تمَّ ثالثُ
إذا عرضَتْ نفسي فقمْتُ بسلوةٍ ... أما ذاكَ إشفاقٌ قديمٌ وحادثُ
стр. 64
تسحب علَى صرفِ اللَّيالي ولا تُرعْ ... فجُرمكَ منْسيٌّ وحبُّكَ لابثُ
وكلُّ أذًى تأتيهِ كيْما تُملَّني ... فذاكَ علَى ألاَّ أملَّكَ باعثُ
وقال الحسين بن الضحاك:
كأنِّي إذا فارقْتُ شخصَكِ ساعةً ... لفقدكِ بينَ العالمينَ غريبُ
وقد رمتُ أسبابَ السُّلوِّ فخانَني ... ضميرٌ عليهِ من هواكِ رقيبُ
فما لي إلى ما تشتهينَ مُسارعٌ ... وفعلُكِ ممَّا لا أحبُّ قريبُ
أغرَّكِ صفحي عنْ ذنوبٍ كثيرةٍ ... وغضِّي علَى أشياءَ منكِ تُريبُ
كأنْ لم يكنْ في النَّاسِ قبلي مُتيَّمٌ ... ولم يكُ في الدُّنيا سواكِ حبيبُ
إلى الله أشكو إذْ ذُكرتِ فلمْ يكنْ ... بشكوايَ من عطفِ الحبيبِ نصيبُ
وقال محرز العكلي:
يظلُّ فؤادي شاخصاً من مكانهِ ... وراء الغواني مُستهاماً مُتيَّما
إذا قلتُ ماتَ الشَّوقُ منهُ تنسَّمَتْ ... لهُ أرْيحيَّاتُ الصِّبى فتنسَّما
وقال آخر:
لعمرُكَ ما يدري غُنيُّ بنُ مالكٍ ... لَعلَّ الهوَى بعدَ التَّجلُّدِ قاتلُهْ
وما تُحدِثُ الأيَّامُ والدَّهرُ لمْ تزلْ ... لِلَيلى كثيراتُ الهوَى وقلائلُهْ
وقال قيس بن ذريح:
وإنِّي وإنْ أزمعْتُ عنها تجلُّداً ... علَى العهدِ فيما بيننا لَمقيمُ
إلى الله أشكو فقدَ لُبنى كما شكا ... إلى اللهِ فقدَ الوالديْنِ يتيمُ
ولبعض أهل هذا العصر:
أبى لي الوفاءُ دوامَ الجفا ... وحلَّ الحنينُ عديمَ العزا
قعدْتُ إلى الوصلِ مُستعطفاً ... وقدْ كنتُ قبلُ شديدَ الإبا
وإنِّي لَفي طولِ كتْمِ الهوَى ... وستْريهِ عنكَ بفرطِ الجفا
كمنْ ينفخُ البوقَ مُستخفياً ... ويضربُ بالطَّبل تحتَ الكِسا
فيا قلبُ ويحكَ كُنْ حازماً ... إذا تاهَ رامَ سبيلَ النَّجا
ولا تكُ ذا عزمةٍ جاهلاً ... إذا ما اعتدى لجَّ في الاعتدا
فسلِّ الحُقودَ برعْيِ العُهودِ ... وداوِ الجفاءَ برعْيِ الوفا
فأوجعُ منْ حملِ عتبِ الصَّفا ... زوالُ الصَّفاءِ وقطعُ الإخا
فسامحْ هواكَ وكنْ مُدنفاً ... أحبَّ الدَّواء لحبِّ الشِّفا
وأنشدني أحمد بن يحيى لمجنون بني عامر:
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيْفِ منْ مِنًى ... فهيَّجَ أطرابَ الفؤادِ وما يدري
دعا باسمِ ليلَى غيرِها فكأنَّما ... أطارَ بليلى طائراً كانَ في صدري
وزادني غيره:
عرضْتُ علَى قلبي العزاءَ فقال لي ... منَ الآنِ فاجزعْ لا أغرُّكَ بالصَّبرِ
فهذا على كلِّ حال أقرب إلى درجة الكمال لأنه إنَّما يخبر أنَّ اشتياقه ظهر بعد أن كان كامناً وأنَّه عرض على قلبه العزاء فأبى عليه إلاَّ الوفاء وظهور الشَّوق بعد كمونه أحسن من رجوع العشق بعد سكونه وفي هذا المعنى الَّذي اخترناه.
يقول امرؤ القيس:
سمَا لكَ شوقٌ بعدَ ما كانَ أقصرَا ... وحلَّتْ سُليمى بطنَ خبتٍ فعرْعرَا
كنانيَّةٌ باتتْ وفي الصَّدرِ ودُّها ... مجاورةَ النُّعمانِ والحيَّ يَعمرا
وفي ضده هذا المعنى الَّذي ذممناه بقول الملتمس:
صبَا مِنْ بعدِ سلوتهِ فؤادِي ... وأسمحَ للقرينةِ بالقيادِ
كأنِّي شاربٌ يومَ استقلُّوا ... وحثَّ بهم إلى الموماةِ حادِي
عُقاراً عتِّقتْ في الدَّنِّ حتَّى ... كأنَّ حُبابها حدقُ الجرادِ
وقال البحتري:
عنانِي مِنْ صدودكِ ما عنانِي ... وعاودَني هواكِ كما بدانِي
وذكَّرني التَّباعدُ ظلَّ عيشٍ ... لهوْنا فيهِ أيَّامَ التَّداني
أُلامُ علَى هوَى الحسناءَ ظلماً ... وقلبي في يدِ الحسناءِ عانِي
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لزياد بن منقذ:
لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ مِنْ بلدٍ ... ولا شعوبُ هوًى منَّا ولا نقمُ
وحبَّذا حيثُ تُمسي الرِّيحُ باردةً ... وادِي أُشيَّ وفتيانٌ بهِ هُضمُ
ألموسعونَ إذا ما جرَّ غيرهمُ ... علَى العشيرةِ والكافُونَ ما جرَموا
لمْ ألقَ بعدهمُ قوماً فأخبرهمْ ... إلاَّ يزيدهمُ حبّاً إليَّ همُ
مُخدَّمونَ ثقالٌ في مجالسهمْ ... وفي الرِّجالِ إذا صاحبتهمْ خدمُ
стр. 65
وقال امرؤ القيس:
تأوَّبني دائِي القديمُ فغلَّسَا ... أُحاذرُ أنْ يزدادَني فأُنكَّسا
ولمْ يرمِ الدَّارَ الكئيبُ فشعشعاً ... كأنِّي أُنادِي أوْ أُكلِّمُ أخرسا
فلوْ أنَّ الدَّارَ فيها كعهدهمْ ... وجدتُ مَقيلاً فيهمِ ومعرَّسا
فلا تُنكريني إنَّني أنا جاركمْ ... لياليَ حلَّ الحيُّ غوْلا فألعَسا
وقال آخر:
وقد كنتُ قبلَ اليومِ أحسبُ أنَّني ... ذلولٌ لأيَّامِ الفراقِ أريبُ
فأشرفتُ يوماً للوداعِ فشاقَنِي ... وذو الشَّوقِ في أعلَى اليفاعِ طروبُ
فما برحتْ نفسي تساقطُ أنفساً ... وتجمدُ روحي مرَّةً وتذوبُ
وقال بشار:
إرجعْ إلى سكنٍ تُعزُّ بهِ ... أفِدَ الزَّمانُ وأنتَ منفردُ
نرجو غداً وغدٌ كحاملةٍ ... في الحيِّ لا يدرونَ ما تلدُ
وقال أبو تمام:
ألبينُ جرَّعني نقيعَ الحنظلِ ... والبينُ أثكلني وإنْ لم أُثكلِ
ما حسرَتي أنْ كدتُ أتلفُ إنَّما ... حسراتُ نفسِي أنَّني لم أفعلِ
كم منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتَى ... وحنينهُ أبداً لأوَّلِ منزلِ
نقِّلْ فؤادكَ حيثُ شئتَ منَ الهوَى ... ما الحبُّ إلاَّ للحبيبِ الأوَّلِ
وقال زرعة الجعدي:
إذا ما التَقَيْنا بعدَ شحطٍ منَ النَّوى ... تعرَّضَ بخلٌ بينَنا مُتتابعُ
أهابُ وأستحيي فلستُ بقائلٍ ... صِليني ولا معروفُها ليَ نافعُ
رمتْ عينَ مَنْ تهوَى بعينِ خليَّةٍ ... وأُخرى إلينا بالمودَّةِ طائعُ
إذا الموتُ نسَّى حبَّ ليلَى فإنَّه ... إذا راجعتْ نفسي الحياةُ لراجعُ
وقال الوليد بن عبيد الطائي:
أحببْ إليَّ بطيفِ سُعدى الآتِي ... وطروقهِ في أعجبِ الأوقاتِ
أنَّى اهتديتَ لمُحْرمينَ تصوَّبوا ... لسفوحِ مكَّةَ مِنْ رُبى عرفاتِ
ذكَّرتنا عهدَ الشَّآمِ وعيشَنا ... بينَ القنانِ السُّودِ فالهضباتِ
إذْ أنتَ شكلُ موافقٍ ومخالفٍ ... والدَّهرُ فيكَ ممانعٌ ومؤاتِ
أبني عبيدٍ شدَّ ما احترقتْ لكمْ ... كبدِي وفاضتْ فيكمُ عبَراتِي
ألقَى مكارمكمْ شجًى لي بعدكمْ ... وأرَى سوابقَ دمعكمْ حسَراتِي
لمْ تحدثِ الأيَّامُ لي بدلاً بكمْ ... أيْهاتِ مِنْ بدلٍ بكمْ أيْهاتِ
وقال آخر:
إذا قيلَ أنَّ النَّأيَ يُسليكَ ذكرَها ... ألمَّ خيالٌ مِنْ أُميمةَ يُسعفُ
فمنْ لامَني في أنْ أهيمَ بذكرِها ... تكلَّفَ مِنْ وجدٍ بها ما أُكلَّفُ
فإذا كان طيف الخيال يردُّ الهوَى على من قد سلاه ويذكر عهد الصبا من قد تناساه فما ظنُّك بحضور الفراق والهجران ومقاساة الاستبدال بالإخوان هذه أحوالٌ لا يقاومها الجفاء ولا يعارضها العزاء غير أنَّ من كان سلوُّه سلوُّ استغناءٍ لم يكترث لورود شيءٍ من هذه الأشياء.
الباب الثالث والعشرون
مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر
مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر صبرَ لمنْ يهواهُ علَى الغدرِ
هذه الحال ليست جارية على الترتيب فيقع لصاحبها عذر أو تأنيب لأنها حال قد تجاوزت حدَّ العشق برضى المحب بكل فعل المحبوب وهو صاح عنها فأوقع له اختياره الرضى بها والمحبة معها ثمَّ تبعتها أشياء من غير جنسها إلاَّ أنَّها ليست هتكاً لحجاب المودة فاجتمعت معها وهذه حال وقعت بالمحبوب بعد أن وقع الرضى من محبة بخلافها ثمَّ وقع السخط منه بحدوثها والتباعد من صاحبها ثمَّ عرضت الحيرة الَّتي لا تمييز معها فردَّته بالصُّغر إلى ما لا يرضاه وصيَّرته على ما كان قبل وقوعه يخشاه وبين الرضى الاختياري وبين الرضى الاضطراري بَوْنٌ بعيد.
قال ذو الرمة:
أجِدَّكَ قد ودَّعتَ ميَّةَ إذْ نأتْ ... فولَّى بقايا الحبِّ إلاَّ أمينُها
وإنِّي لطاوٍ سرَّها موضعَ الحشا ... كُمونَ الثَّرى في عهدةٍ يستبينُها
لئنْ زُوِّجتْ ميٌّ خُنيساً لطالَ ما ... بغَى منذرٍ ميّاً خليلاً يهينُها
تزينُكَ إنْ جرَّدتها من ثيابِها ... وأنتَ إذا جرِّدتَ يوماً تشينُها
ولمَّا أتاني أنَّ ميّاً تزوَّجتْ ... خُنيساً بكى سهلُ المِعَى وحزونُها
стр. 66
فيا نفسُ ذلِّي بعدَ ميٍّ وسامحِي ... فقدْ سامحتْ ميٌّ وذلَّ قرينُها
وقال عمر بن نجا:
أتَى البخلُ دونَ الجودِ مِنْ أُمِّ واصلٍ ... وضنَّ علينا بالعطاءِ ضنينُها
فللهِ درِّي يومَ مالتْ مودَّتي ... إليها ولم ترجعْ إليَّ يمينُها
وما خُنتها إنَّ الخيانةَ كاسمِها ... ولا نصحتْ نفسي لنفسٍ تخونُها
مددتِ حبالاً منكِ حتَّى تقطَّعتْ ... إليَّ وما خانَ الحبالَ متينُها
فكيفَ أشعتِ السِّرَّ أُمَّ واصلٍ ... وما أخلصَ الأسرارَ إلاَّ أمينُها
وقال آخر:
أكرُّ إلى ليلَى وأحسبُ أنَّني ... كريمٌ علَى ليلَى وغيري كريمُها
فأصبحتُ قد أجمعتُ هجراً لبيتِها ... وفي العينِ مِنْ ليلَى قذًى ما يريمُها
لئنْ آثرتْ بالودِّ أهلَ بلادِها ... علَى نازحٍ مِنْ أرضِها لا يريمُها
وما يستوِي مَنْ لا يرَى غيرَ لمَّةٍ ... ومَنْ هوَ عندَها لا يريمُها
وقال بعض الأعراب:
شكوتُ إلى رفيقيَّ الَّذي بي ... فجاءانِي وقد جمعَا دواءَ
وجاءا بالطَّبيبِ ليكوِياني ... وما أبغِي عدِمتُهُما اكتواءَ
فلو ذهبا إلى ليلَى فشاءتْ ... لأهدتْ لِي منَ السَّقمِ الشِّفاءَ
تقولُ نعمْ سأقضِي ثمَّ تلوِي ... ولا تنوِي وإنْ قدرتْ قضاءَ
أصارمةٌ حبالَ الوصلِ ليلَى ... لأخضعَ يدَّعي دونِي ولاءَ
ومؤثرةُ الرِّجالِ عليَّ ليلَى ... ولم أُؤثرْ علَى ليلَى النِّساءَ
ولو كانتْ تسوسُ البحرَ ليلَى ... صدرْنا عن شرائعهِ ظماءَ
فمرَّا صاحبيَّ بدارِ ليلَى ... جُعلتُ لها وإنْ بخلتْ فداءَ
أريتُكَ إنْ منعتَ كلامَ ليلَى ... أتمنعُني علَى ليلَى البكاءَ
ولبعض أهل هذا العصر:
وتزعم للواشين أني فاسدٌ ... عليك وأني لستُ مما عهدتني
وما فسدت لي يشهدُ اللهُ نيةٌ ... ولكنما استفسدتني فأتهمتني
غدرتَ بعهدي عامداً وأخفتني ... فخفت ولو آمنتني لأتمنتني
إلى الله أشكو لا إليك فطالما ... شكوت الذي ألقى إليك فزدتني
وله أيضاً:
أُفوِّضُ أسبابي إلى اللهِ كلَّها ... وأقنعُ بالمقدورِ فيها وأرتَضي
واسمحُ بالتَّفويضِ حتَّى إذا انتهَى ... ضميري إلى ما بينَنا لم أُفوِّضِ
وباللهِ لو خيِّرتُ بينكَ غادراً ... وبينَ كِلا المُلكينِ تخييرَ مُقتضِ
رضيتُكَ حظّاً منهما غيرَ أنَّني ... بهذا الَّذي ترضاهُ لي غيرُ مرتضِ
وله أيضاً:
أبتْ غلَباتُ الشَّوقِ إلاَّ تقرُّبا ... إليكَ ونأيُ العذلِ إلاَّ تجنُّبا
عليَّ رقيبٌ منكَ خالٍ بمهجَتي ... إذا أنا سهَّلتُ اطِّراحكَ صعَّبا
فها أنذا وقفٌ عليكَ مجرَّبٌ ... إذا ما نبَا بي مركبٌ رمتُ مركبَا
وما كانَ صدِّي عنكَ صدَّ ملالةٍ ... ولا كانَ إقبالي عليكَ تطرُّبا
ولا كانَ ذاكَ العذلُ إلاَّ نصيحةً ... ولا ذلكَ الإغضاءُ إلاَّ تهيُّبا
ولا الهجرُ إلاَّ فرطُ منٍّ ولا الرِّضى ... بلا سببٍ إلاَّ اشتياقاً معذَّبا
ومَنْ يُمنعِ العذب الزُّلال ويمتنعْ ... منَ الشُّربِ مِنْ سؤرِ الكلابِ تغضُّبا
خليقٌ إذا لمْ يستطعْ شربَ غيرهِ ... وخافَ المنايا أنْ يذلَّ فيشربا
إذا المرءُ لمْ يُقدرْ لهُ ما يريدُهُ ... أرادَ الَّذي يُقضى لهُ شاءَ أمْ أبى
وأنشد أعرابي ببلاد نجد:
فيا عجبَا مِنْ صونيَ الودَّ في الحشا ... لمنْ هوَ فيما قد بدَا لي واترُ
ومِنْ طلبِي بالودِّ ثأري ولم يكنْ ... ليُدركَ تبلاً بالمودَّةِ ثائرُ
فيا عجبَا منِّي ومنها تُضيعُني ... وأحفظُها هذا اختلافُ السَّرائرِ
ويا عجبَا كيفَ اتَّفقنا فناصحٌ ... مصرٌّ ومطويٌّ علَى الغشِّ غادرُ
وقال البحتري:
مغتربُ الدَّارِ إنْ أرضهُ أجدْ ... مسافةَ النَّجم دونَ مُغتربهْ
راجعتهُ القولَ في ملاطفةٍ ... أهربُ مِنْ صدقهِ إلى كذبهْ
وقال آخر:
سأعرضُ بالشَّكِ دونَ اليقينِ ... حتَّى أُحسِّنَ غيرَ الحسنْ
وأقنعُ إذْ خُنتني مُعلناً ... بقولكَ في السِّرِّ لي لم أخنْ
стр. 67
وقال مسلم بن الوليد:
سلوتُ وإنْ قالَ العواذلُ لا يسلو ... وأقسمتُ لا يرقَى إلى سمعيَ العذلُ
أجارتنا ما في فراقكِ راحةٌ ... ولكنْ جرَى قولٌ فأنتِ بهِ بَسلُ
أمَا واغتيالِ الدَّهرِ خلَّةَ بينَنا ... لقد غالَ إلفاً ساكناً بهمُ الشَّملُ
فما بِي إلى مستطرفِ العيشِ وحشةٌ ... وإنْ كنتُ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
تتالَى بكِ الأمرُ الَّذي تكرهينهُ ... إلى الحلمِ بالعُتبَى وقد سبقَ الجهلُ
عليكِ سلامٌ مِنْ أخٍ كانَ صاحباً ... بهِ تنزلُ الشَّكوى ويحتملَ الثِّقلُ
إذا تمَّ حالٌ وهو غايةُ مَنْ بكى ... حلا بعدكِ العيشُ الَّذي قلتُ لا يحلُو
وهذا كلام يستغني قارئه بقراءته عن التَّنبيه على تناقضه واستحالته ولا عذر في ذلك إلاَّ غلبة الحيرة على قائله وفي دون هذه الحال ما يذهل العقول ويطيش الألباب وليس العجب ممَّن أخطأ في هذا وإنَّما العجب ممَّن أصاب.
وقال علي بن محمد العلوي:
لياليَ يألفُكَ الغانياتُ ... وكنَّ وكنتَ صغيراً صغارا
وقد كنتَ تملكُ ألحاظهنَّ ... فصرنَ يُعرنكَ لحظاً مُعارا
فأصبحنَ أعقبنَ بعدَ الودادِ ... بعاداً وبعدَ السُّكونِ النَّفارا
لا غرَّني غررُ الحادثاتِ ... وقد كنتُ أوسِعُهنَّ اغترارا
وقال البحتري:
أَخفي هوًى في الضُّلوعِ وأُظهرُ ... وأُلامُ في كمدٍ عليكِ وأُعذرُ
وأراكِ خنتِ على النَّوى مَنْ لم يخنْ ... عهدَ الهوَى وهجرتِ مَنْ لا يهجرُ
وطلبتُ منكِ مودَّةً لم أُعطَها ... إنَّ المعنَّى طالبٌ لا يظفرُ
هل دَينُ عَلوةَ يُستطاعُ فيُقتضى ... أوْ ظلمُ عَلوةَ يستفيقُ فيُقصِرُ
وقال أيضاً:
تمادَى بها وجدِي وملِّكَ وصلَها ... خليُّ الحشا في وصلِها جدُّ زاهدِ
وما النَّاسُ إلاَّ واجدٌ غيرُ مالكٍ ... لِما يبتغِي أوْ مالكٌ غيرُ واجدِ
سقَى الغيثَ أكتافَ الحِمى مِنْ محلَّةٍ ... إلى الحِقفِ مِنْ رملِ اللِّوى المُتقاوِدِ
وقال آخر:
طلبتُ أخاً محضاً صحيحاً مسلَّماً ... نقيّاً منَ الآفاتِ في كلِّ موسمِ
لأمنحَهُ ودِّي فلم أُدركِ الَّذي ... طلبتُ ومَنْ لي بالصَّحيحِ لمسلمِ
وقال الأحوص:
قد ودَّعتْكَ وداعَ الصَّارمِ القالي ... نعمْ وداعُ بناءٍ غيرَ إذلالِ
وعادَ ما ودَّعتني مِنْ مودَّتها ... بعدَ المواثيقِ كالجاري منَ الآلِ
فقلتُ لمَّا أتاني أنَّها ختَرَتْ ... وطاوعتْ قولَ أعدائِي وعذَّالي
إنْ تصرمِ الحبلَ أوْ تُرضِ الوشاةَ بنا ... أوْ تُمسِ قد رضيَتْ منَّا بأبدالِ
فقد أراها وما تبغِي بنا بدَلاً ... ولا تطيعُ بنا في سالفِ الحالِ
أبقَى لها الدَّهرُ مِنْ ودِّي الَّذي عهدتْ ... أمرَينِ لم يبرَحا منِّي علَى بالِ
شوقاً إليها إذا بتَّتْ مناسبَها ... يوماً وأبصرتُ منها رسمَ أطلالِ
وحفظَ ما استودعتْ عندِي وقد زعمتْ ... أنْ ليسَ يحسنُ حفظَ السِّرِّ أمثالِي
إنْ كانَ يُسلِي فؤادِي ما أتيتِ بهِ ... فلا رجعتُ إلى أهلي ولا مالي
جُهداً لأُعلمَها الودَّ الَّذي عهدتْ ... عندِي وأكَّدتُ أقوالاً بأقوالِ
وقال أيضاً:
متى ما تُحلِّي مِنْ ذُرى الأرضِ تلعةً ... أزركِ ويكثرْ حيثُ كنتِ تردُّدي
وإنْ كدتُ شوقاً موهناً وذكرتُها ... لأرجعُ بالرَّوحاءِ عَودِي علَى بَدِي
وقلتُ لعينِي قد شقيتُ بذكرِها ... فجودِي بماءِ المقلتينِ أوِ اجمُدي
أجدَّكَ تنسَى أُمَّ عمرٍو وذكرُها ... شعاركَ دونَ الثَّوبِ في كلِّ مرقدِ
فإنْ تتَّبعها تُغضِ عيناً علَى القذَى ... وإنْ تجتنبْها بعدَ ما نلتَ تكمدِ
أمَّا من دعته الضرورة إلى الصبر على من غدر به فلا مدخل لنا في أمره وأما من يتمنَّى لإلفه أن يميل إلى حبِّ غيره ليكون ذلك عاطفاً له عليه وداعياً له إلى وصله فهو من الحمق في محلٍّ قلَّ ما يتهيَّأ مثله وما أحسب من هذه صفته يكون إلاَّ داخلاً في جملة من وقعت لهم المحابُّ لتنفيذ ضرب من الشَّهوات.
وقال بعض المحدثين:
стр. 68
ولمَّا بدا لي أنَّها ما تحبُّني ... وأنَّ فؤادِي ليسَ عنها بمُنسلِي
تمنَّيتُ أنْ تهوَى سوايَ لعلَّها ... تذوقُ حراراتِ الهوَى فترقُّ لي
وأحس من هذا ومن كل ما تقدمه قول الآخر:
واللهِ لا نظرتْ عيني إليكَ ولا ... سالتْ مساربُها شوقاً إليكَ دمَا
إلاَّ رياءً لدفعِ القولِ عنكَ ولا ... نازعتُكَ الدَّهر إلاَّ مكرهاً كلمَا
إنْ كنتَ خنتَ فلمْ أُضمرْ خيانتكمْ ... واللهُ يأخذُ ممَّن خانَ أوْ ظلمَا
سماحةً لمحبٍّ خانَ صاحبهُ ... ما خانَ قطُّ محبٌّ يعرفُ الكرمَا
هذا البائس قد ألزم نفسه قطيعة من غدر به وصبَّرها على المكروه كله إلاَّ أنَّه مع ذلك غير مضيع لما في ذمَّته من رعاية صاحبه بنفي الظُّنون عنه وهذا أكثر ما يمكن من الرعاية أو أتمُّ ما يتهيَّأ من الصِّيانة لمن بادر بالخيانة ولمن ضيَّع حقوق الأمانة ومن منع نفسه من طاعة الاشتياق وهو بعد مقيم تحت راية الإشفاق فقد قدر على أمر عظيم وظفر بحظ جسيم.
وقال جميل:
أتَوْني فقالُوا يا جميلُ تبدَّلتْ ... بُثينةُ أبدالاً فقلتُ لعلَّها
وعلَّ حبالاً كنتُ أحكمتُ عقدَها ... أُتيحَ لها واشٍ رفيقٌ فحلَّها
وحدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الملك بن شبيب قال: حدثنا مشيختنا قال: بينما الحكم بن عمر الغفاري صاحب رسول الله ﷺ يسير بخراسان في بعض البلاد وهو واليها إذ سمع في بعض غياطلها رجلاً يغنِّي بهذين البيتين:
تعزَّ بصبرٍ لا وجدِّكَ لا تُرى ... بِوادِي الحصى أُخرى اللَّيالي الغوابرِ
كأنَّ فؤادِي مِنْ تذكُّرهِ الحمى ... وأهلَ الحمى يهفو بهِ ريشُ طائرِ
فوقف وقال عليَّ بالرجل فأُتي به فقال ويحك ما أنت؟ قال رجل من أهل نجد من بني عامر كنت في الدَّهر من بني عامر فقال: هل لك في الحمى؟ فقال ما لي إلى ذلك سبيل ولي بالبلاد أهل وولد قال فإني أحمل معك أهلك وولدك قال فكيف بالمعاش لا حاجة لي في هذا قال ما من ذلك بدّ وأمر به أن يُحمل قال فاضطرب في أيديهم حتَّى مات وهذا من أعجب ما سمعت في معناه ولا أعرف لهذا الرجل عذراً في الفرار من الموضع الَّذي يهواه إلاَّ أن يكون قد اتَّصل به عن محبوبه من الغدر ما لا تنبسط على مثله يد الصَّبر فكان المقام على الفراق والتَّجلُّد على دواعي الاشتياق أهون عليه من مشاهدة ما لا طاقة له به عند التَّلاق.
الباب الرابع والعشرون
مَنْ تجلَّد علَى النَّوى فقد تعرَّض للبلا
اجتراء العشَّاق على المبادرة إلى الفراق يكون إما لنفي أقوال الوشاة عنهم وعن أنفسهم وإما لضجرة تلحقهم من مكروه يقع بهم وإما لنشاط في النَّفس وزهد ليحقها لقوَّة الظَّفر بما قد حصل لها فترى نفسها أجلَّ من محبوبها لأنَّها مالكة ولا شيء في العالم يعدله وهو وإن كان مالكاً لها فإنَّها لا ترى نفسها في حدِّ ما يُفتخر بملكه فهي لهذه العلَّة تتكبَّر عليه.
ولبعض أهل هذا العصر:
أصولُ بهِ تيهاً عليهِ فمنْ رأَى ... منَ النَّاسِ قبلي عاشقاً يتصلَّفُ
إذا خفتُ منهُ الغدرَ أبَى توافياً ... يزولُ بهِ خوفي ويبقَى التَّخوُّفُ
وربَّما أعرض العاشق عن المعشوق إما من جهة الامتحان للصبر وإما لتجديد حاله عند محبوبه وكثيراً ما يجري الأمر في ذلك على ضدِّ تقديره.
وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر:
ألا يا قومِي للهوَى المُتزايدِ ... وطولِ اشتياقِ الرَّاحلِ المُتباعدِ
رحلتُ لكيْ أحظَى إذا أُبتُ قادماً ... فأوردَنِي التّرحالُ سوءَ المواردِ
كأنِّي لديغٌ حارَ عنْ كنهِ دائهِ ... طبيبِ فداواهُ بسمِّ الأساودِ
فمالَ معَ الدَّاءِ القديمِ دواؤهُ ... فيا لكَ مِنْ داءٍ طريفٍ وتالدِ
وقال أبو تمام:
هيَ البدرُ يُغنيها تودُّدُ وجهها ... إلى كلِّ مَنْ لاقتْ وإنْ لم تودَّدِ
علَى أنَّني لمْ أحوِ وفراً مجمَّعاً ... ففزتُ بهِ إلاَّ بشملٍ مبدَّدِ
ولمْ تعطِني الأيَّامُ نوماً مسكِّناً ... ألذُّ بهِ إلاَّ بنومٍ مشرَّدِ
وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخلِقٌ ... لديباجتيهِ فاغتربْ تتجدَّدِ
стр. 69
فإنِّي رأيتُ الشَّمسَ زيدتْ محبَّةً ... إلى النَّاسِ أنْ ليستْ عليهمْ بسرمدِ
وله أيضاً:
أقلْبي قد أضاقَ بُكاكَ ذرعِي ... وما ضاقتْ بنازلةٍ ذِراعِي
أآلفةَ النَّحيبِ كمِ افتراقٍ ... ألمَّ فكانَ داعيةَ اجتماعِ
وليستْ فرحةُ الأوباتِ إلاَّ ... لموقوفٍ علَى ترحِ الوداعِ
وقال زهير بن أبي سلمى:
لعمركَ والخطوبُ معبِّراتٌ ... وفي طولِ المعاشرةِ التَّقالي
لقدْ باليتُ مظعنَ أُمِّ أوفَى ... ولكنْ أُمُّ أوفَى لا تُبالي
وقال آخر:
وأُعرضُ حتَّى يحسبَ النَّاسُ إنَّما ... بيَ الهجرُ لا واللهِ ما بي لكِ الهجرُ
ولكنْ أرُوضُ النَّفسَ أنظرُ هلْ لها ... إذا فارقتْ يوماً أحبَّتها صبرُ
وقال آخر:
سأرفضُ ما يخافُ عليَّ منهُ ... وأتركُ ما هويتُ لِما خشيتُ
لسانُ المرءِ يُنبي عنْ نجاهُ ... وعيُّ المرءِ يسترهُ السُّكوتُ
وقال آخر:
وكنتُ كذِي داءٍ وأنتَ دواؤهُ ... فهبْني لدائِي إذْ منعتَ شفائيَا
شفائيَ أنْ تختصَّني بكراهةٍ ... وتدرأَ عنِّي الكاشحينَ الأعاديَا
فإلاَّ تنلْني مِنْ يديكَ كرامةٌ ... أُولِّ وأُصبحُ مِنْ قرى الشَّآمِ خاليَا
وأرضَى بأُخرى قد تبدَّلتُ إنَّني ... إذا ساءني وادٍ تبدَّلتُ واديَا
وإلفٍ صبرتُ النَّفسَ عنهُ وقدْ أرَى ... غداةَ فراقِ الحيِّ ألاَّ تلاقيَا
وقدْ قادَني الجيرانُ حبّاً وقدتهمْ ... وفارقتُ حتَّى ما تحنُّ جِماليَا
وقال آخر:
وفارقتُ حتَّى ما أُبالي منَ النَّوى ... وإنْ بانَ جيرانٌ عليَّ كرامُ
فقدْ جعلتْ نفسِي علَى النَّأيِ تنطوِي ... وعَيني علَى فقدِ الحبيبِ تنامُ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
وكم مِن خلَّةٍ أعرضتُ عنها ... لغيرِ قلًى وكنتُ بها ضنينا
أردتُ فراقَها فصددتُ عنها ... ولو جُنَّ الفؤادُ بها جنونا
وقال عمر بن نجا:
تقطَّعَ منها الودُّ إلاَّ بقيَّةً ... وحالَ الهوَى عمَّا تريدُ فأبعدَا
فأصبحَ هذا النَّأيُ شيئاً كرهتهُ ... عسَى أنْ ترَى ما تكرهُ النَّفسُ أرشدَا
ولم أرَ منها غيرَ مقعدِ ساعةٍ ... بهِ اختبلتْ عقلِي فيا لكَ مقعدا
وقال أبو تمام:
تصدَّتْ وحبلُ البينِ مستحصدٌ شزرُ ... وقد سهَّلَ التَّوديعُ ما وعَّر الهجْرُ
بكتهُ بما أبكتهُ أيَّامَ صدرُها ... خليٌّ وما يخلو لهُ مِنْ هوًى صدْرُ
وقالتْ أتنسى البدرَ قلتُ تجلُّداً ... إذا الشَّمسُ لن تغربْ فلا طلعَ البدْرُ
فأبدتْ حناناً مِنْ دموعٍ نظامُها ... علَى الخدِّ إلاَّ أنَّ صائغَها الشَّفْرُ
وما الدَّمعُ ثانٍ عزمتي ولَوَ انَّها ... سقى خدَّها مِنْ كلِّ عينٍ لها شفْرُ
وقال آخر:
إذا ما أرادَ الغزوَ لمْ يثنِ همَّهُ ... حصانٌ عليها نظمُ درٍّ يزينُها
نهتهُ فلم ترَ النَّهيَ عاقهُ ... بكتْ فبكَى ممَّا عناها قطينُها
وأنشدني أحمد بن يحيى النحوي:
لمْ أنسَ يومَ الرَّحيلِ عبرَتَها ... وطرفُها في دموعِها غرقُ
وقولَها والرِّكابُ واقفةٌ ... تترُكُني هكذا وتنطلقُ
وقلَّ من اجترأ هذا الضَّرب من الاجتراء وحمل نفسه على هذه الفظاظة والجفاء إلاَّ كان سريع النَّدم على صنيعه شديد الأسف على تصنيعه فكان كالذي يقول معنِّفاً لنفسه وموبِّخاً لها عند ما نزل به:
بكيتَ دماً حتَّى القيامةِ والحشرِ ... ولا زلتَ مغلوبَ العزيمةِ والصَّبرِ
أتظعنُ طوعَ النَّفسِ عمَّن تحبُّهُ ... وتبكِي كما يبكِي المُفارقُ عن صغرِ
أقمْ لا تسِرْ والهمُّ عنكَ بمعزلٍ ... ودمعكَ باقٍ في جفونكَ لا يجرِي
وكالذي يقول:
أتظعنُ عنْ حبيبكَ ثمَّ تبكِي ... عليهِ فمنْ دعاكَ إلى الفراقِ
كأنَّكَ لمْ تذقْ للبينِ طعماً ... فتعلمَ أنَّه مرُّ المذاقِ
أقمْ وانعمْ بطولِ القربِ منهُ ... ولا تظعنْ وتكتبْ باشتياقِ
فما اعتاضَ المفارقُ مِنْ حبيبٍ ... ولو يُعطَى الشَّآمَ معَ العراقِ
وقال يزيد بن الطثرية:
стр. 70
أتبكي علَى ليلَى ونفسكَ باعدتْ ... مزاركَ مِنْ ليلَى وشعباكُما معَا
وما حسناً أنْ تأتيَ الصَّرمَ طائعاً ... وتجزعَ أنْ داعي الصَّبابةِ أسمعَا
قِفا ودِّعا نجداً ومَنْ حلَّ بالحمى ... وقلَّ لنجدٍ عندنا أنْ يودَّعا
وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ ألتوِي ... علَى كبدِي مِنْ خشيةٍ أنْ تصدَّعا
وليستْ عشيَّاتِ الحمى برواجعٍ ... عليكَ ولكنْ خلِّ عينيكَ تدمعَا
وقال أبو تمام:
أصغَى إلى البينِ مغترّاً فلا جرَما ... إنَّ النَّوى أسأرتْ في عقلهِ لمَمَا
أصمَّني سرُّهم أيَّامَ فرقتهمْ ... هل كنتَ تعرفُ شيئاً يورِثُ الصَّمما
نأَى فظلَّتْ لوشكِ البينِ مقلتهُ ... تُبدي نجيعاً ويُبدي جسمهُ سقَما
أظلَّهُ البينُ حتَّى أنَّه رجلٌ ... لو ماتَ مِنْ شغلهِ بالبينِ ما علِما
وقال علي بن الجهم:
يا رحمَتا للغريبِ في البلدِ النَّا ... زحِ ماذا بنفسهِ صنَعا
فارقَ أحبابهُ فنا انتفعُوا ... بالعيشِ مِنْ بعدهِ ولا انتفعَا
وقال المجنون:
فإن ترجعِ الأيَّامُ بيني وبينَها ... بذي الأثلِ صيفاً مثلَ صيفِي ومربَعي
أشدُّ بأعناقِ النَّوى بعدَ هذهِ ... مرائرَ إنْ جاذَبتها لمْ تقطَّعِ
وقال زياد بن أبي زياد:
أطعتُ بها قولَ الوشاةِ فلا أرَى ال ... وشاةَ انتهَوْا عنَّا ولا الدَّهرَ اعْتَبا
فلا تكُ كالنَّاسِي الخليلِ إذا دنتْ ... بهِ الدَّارُ والباكِي إذا ما تغيَّبا
وقال هدبة بن خشرم:
ألا يا لقومِي للنَّوائبِ والدَّهرِ ... وللمرءِ يُردِي نفسهُ وهوَ لا يدرِي
ألا ليتَ شِعري هل إلى أُمِّ معمرٍ ... علَى ما لَقينا مِنْ ثناءٍ ومِنْ هجرِ
تباريحُ يلقاها الفؤادُ صبابةً ... إليها وذِكراها علَى حينِ لا ذكرِ
فيا قلبُ لمْ يألفْ كإلفكَ آلفٌ ... ويا حبَّها لم يغرِ شيءٌ كما تُغري
وما عندَها للمستهامِ فؤادهُ ... بها إنْ ألمَّتْ مِنْ جزاءٍ ومِنْ شكرِ
وقال آخر:
بكرتْ عليكَ فهيَّجتْ وجدا ... بِسُرى الرِّياحِ وأذكرتْ نجدا
أتحنُّ مِنْ شوقٍ إذا ذكرتْ ... نجدٌ وأنتَ تركتَها عمدا
وقال آخر:
ألا هل إلى ليلَى قُبيلَ منيَّتي ... سبيلٌ وهلْ للنَّاجعينَ رجوعُ
إلى اللهِ أشكُو نيَّةً شقَّتِ العصا ... هيَ اليومَ شتَّى وهي أمسِ جميعُ
لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍ ... لعاصٍ لأمرِ العاذلين مُضيعُ
مضَى زمنٌ والنَّاسُ يستشفعونَ بي ... فهلْ لي إلى ليلَى الغداةَ شفيعُ
ندمتُ علَى ما كانَ منِّي ندامةً ... كما ندمَ المغبونُ حينَ يبيعُ
فقدتُك مِنْ قلبٍ شجاعٍ فإنَّني ... نهيتكَ عن هذا وأنتَ جميعُ
وقرَّبتَ لي غيرَ القريبِ وأشرفتْ ... هناكَ ثنايا ما لهنَّ طلوعُ
وقال الوليد بن عبيد الطائي:
قلْ للرِّياحِ إذا جريتِ فبلِّغي ... كبدِي نسيماً مِنْ جنابِ نسيمِ
أُخدعتُ عنكَ وأنتَ بدرٌ خادعٌ ... للَّيلِ عن ظلمٍ بهِ وغيومِ
وظلمتُ نفسِي جاهداً في ظلمِها ... فاسمعْ مقالةَ ظالمٍ مظلومِ
كرُمَ الزَّمانُ ولمتُ فيكَ ولا أرَى ... عجباً سوَى كرمِ الزَّمانِ ولوْمي
لا كانَ حبِّي أينَ كانَ وأنتَ لي ... ملكٌ وعهدي منكَ غيرُ ذميمِ
الآنَ أطمعُ في الوصالِ ودونَنا ... عينُ الرَّقيبِ وبابُ إبراهيمِ
وقال الأحوص:
فوا ندَمِي إذْ لم أعجْ إذْ تقولُ لي ... تقدَّمْ فشيِّعنا إلى ضحوةِ الغدِ
فأصبحتُ ممَّا كانَ بيني وبينها ... سوَى ذكرِها كالقابضِ الماء باليدِ
وقال الحسين بن مطير الأسدي:
لقد كنتُ جلداً قبلَ أن توقدَ النَّوى ... علَى كبدِي ناراً بطيئاً خمودُها
وقد كنتُ أرجو أنْ تموتَ صبابتي ... إذا قدمتْ أيَّامُها وعهودُها
فقدْ جعلتْ في حبَّةِ القلبِ والحشا ... عهودَ الهوَى تُولَى بشوقٍ يعيدُها
وقال آخر:
هممتَ بفرقةٍ والموتُ فيها ... كأنَّكَ حتفَ نفسكَ تستثيرُ
فلا تجسرْ علَى أمرٍ قويٍّ ... عليكَ فربَّما هلكَ الجسورُ
стр. 71
وقال قيس بن ذريح:
وخبَّرتَني يا قلبُ أنَّكَ صابرٌ ... علَى الهجرِ مِنْ لُبنى فسوفَ تذوقُ
فمتْ كمداً أوْ عشْ سقيماً فإنَّما ... تُكلِّفُني ما لا أراكَ تطيقُ
وقال عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
فيا مَنْ لنفسٍ لا تموتُ فينقضِي ... عناها ولا تحيَى حياةً لها طعمُ
فذُقْ هجرَها قد كنتَ تزعمُ أنَّه ... رشادٌ ألا يا ربَّما كذبَ الزَّعمُ
وقال ابن الدمينة:
وقد زعمُوا أنَّ المحبَّ إذا دنا ... يملُّ وأنَّ النَّأيَ يشفِي منَ الوجدِ
بكلٍّ تداوَينا فلم يُشفَ ما بنا ... علَى ذاكَ قربُ الدَّارِ خيرٌ منَ البعدِ
وقال آخر:
وأكثرُ ما في النَّفسِ أنِّي صرمتُها ... ولم يتحوَّلْ حبُّها عنْ فؤادِيا
طلبنا دواءَ الحبِّ عصراً فلمْ نجدْ ... منَ الحبِّ إلاَّ مَنْ يحبُّ مُداويا
الباب الخامس والعشرون
في الوداعِ قبلَ الفراقِ بلاغٌ إلى وقتِ التَّلاقِ
فعل الوداع وتركه نقص كله ممن قدر أن يرد الفراق عن نفسه وذلك إن الحزم لأهل الهوى ألاَّ يبسطوا على أرواحهم يد النوى فإن عذاب الهوى مع حضور المحبوب ينغِّص العيش ويبرِّح القلوب فكيف إذا تحكَّم فيه سلطان الفراق وأمدَّت صاحبه الفكر بخواطر الإشفاق والتهبت في الضَّمير لوعات الاشتياق حينئذ تُسكب العبرات وتتمكَّن الحسرات.
وقال حبيب بن أوس الطائي:
أمَّا الهوَى فهوَ العذابُ فإن جرتْ ... فيهِ النَّوى فأَليمُ كلِّ أليمِ
فإن كان لا بدَّ من فراق فلا يكن إلاَّ بعد تشييع ووداع بلغني عن محمد بن سيرين أنَّه قال إن كان لا بدَّ من قيد فليكن مجليّاً.
وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر:
تمتَّعْ من حبيبكَ بالوداعِ ... فما بعدَ الفراقِ منِ اجتماعِ
فكم جرِّعنَ منْ هجرٍ وغدرٍ ... ومنْ حالِ ارتفاعٍ واتِّضاعِ
وكم كاسٍ أمرَّ منَ المنايا ... شربتُ فلم يضقْ عنها ذِراعي
فلمْ أرَ في الَّذي قاسيتُ شيئاً ... أشدَّ منَ الفراقِ بلا وداعِ
تعالَى اللهُ كلُّ مواصلاتٍ ... وإنْ طالتْ تؤولُ إلى انقطاعِ
واختيارات العشَّاق تفاوتُ في أمر الوداع تفاوتاً شديداً فبعضهم مسارع إلى الفراق تغنُّماً للوداع فمنهم الَّذي يقول:
منْ يكنْ يكرهُ الفراقَ فإنِّي ... أشتهيهِ لموضعِ التَّسليمِ
إنَّ فيهِ عناقة لوداعٍ ... وانتظارِي عناقةً لقدومِ
ومنهم الَّذي يقول:
لستُ ممَّن يذمُّ يومَ الفراقِ ... ولهُ منَّةٌ علَى العشَّاقِ
إنَّ فيهِ اعتناقةً لوداعِ ... وانتظارَ اعتناقِ يومِ التَّلاقِ
وقال البحتري في هذا المعنى وله في ضده وما منهما إلاَّ مختار في بابه:
فأحسنْ بنا والدَّمعُ بالدَّمعِ واشجٌ ... يمازجهُ والخدُّ بالخدِّ مُلصقُ
وقد ضمَّنا وشكُ التَّلاقي ولفَّنا ... عناقٌ علَى أعناقِنا ثمَّ ضيِّقُ
فلمْ ترَ إلاَّ مخبراً عن صبابةٍ ... بشكوَى وإلاَّ عبرةً تترقرقُ
ومِنْ قُبَلٍ قبلَ التَّشاكي وبعدهُ ... نكادُ بها من شدَّةِ اللَّثمِ نشرقُ
فلو فهمَ النَّاسُ التَّلاقي وحسنهُ ... لحُبِّبَ من أجلِ التَّلاقي التَّفرُّقُ
ومنهم من يصبر على الفراق ويتعمَّد التَّخلُّف عن الوداع إشفاقاً من مضاضة وعجزاً عن معاتبة ساعته.
فمنهم البحتري حيث يقول:
اللهُ جاركَ في انطلاقكْ ... تلقاءَ شآمكَ أوْ عراقكْ
لا تعذُلنِّي في خروجِي ... يومَ سرتَ ولمْ أُلاقكْ
إنِّي عرفتُ مواقفاً ... للبينِ تسفحُ غربَ ماقِكْ
وعرفتُ ما يلقَى المودِّ ... عُ عندَ ضمِّكَ واعتناقكْ
وعلمتُ أنَّ لقاءَنا ... سببُ اشتياقِي واشتياقكْ
وتركتُ ذاكَ تعمُّداً ... وخرجتُ أهربُ مِنْ فراقكْ
وحكى أبو سليمان عن ابن الأعرابي أنَّه قال قلت لعمار بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان أبوك صانعاً حيث يقول:
لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخرَ عهدكمْ ... يومَ الفراقِ فعلتُ ما لمْ أفعلِ
стр. 72
قال فما يهمُّني إن قال كان يقلع عينيه ولا يرى أحبابه الظَّاعنين فمن يقع به الفراق اضطراراً ويترك هو الوداع اختياراً فهو أحسن حالاً ممَّن يضطر إلى الأمرين جميعاً فإن اجتماع الهجر والفراق يتلف مهجة المشتاق.
وفي مثل ذلك يقول البحتري:
عدتْنا عوادِي الحبِّ عنها وزادَنا ... بها كلَفاً أنَّ الوداعَ علَى عتبِ
ولي ظمأٌ لا يملكُ الماءُ دفعهُ ... إلى نهلةٍ مِنْ ريقها الخصر العذبِ
وفي نحوه يقول أبو تمام:
أنأياً واجتناباً أيُّ صبرٍ ... معَ البلوَى يعرِّسُ بين ذينِ
ألمْ يُقنعكَ فيهِ الهجرُ حتَّى ... جمعتَ لقلبهِ هجراً ببينِ
وعلى أنَّ من المحبوبين من يدعوه حضور الفراق إلى الحرص على التَّوديع والتَّلاق فيكون وقوع النَّوى سبباً لاستخراج ما في نفسه من الضِّغن.
فمن ذلك قول أبي تمام:
أعرضتْ برهةً فلمَّا أحسَّتْ ... بالنَّوى أعرضتْ عنِ الإعراضِ
نظرتْ فالتفتُّ منها إلى أح ... لى سوادٍ رأيتهُ في بياضِ
ومنه قول الآخر:
ألمْ ترَ قيسٌ كلُّها أنَّ عزَّها ... غداةَ غدٍ عن دارهِ الدَّهرَ ظاعنُ
هُنالكَ جادتْ بالدُّموعِ موانعُ ال ... عيونِ وسُلَّتْ بالفراقِ الضَّغائنِ
وقال آخر:
عشيَّةَ أدعُو مُسعدي فلمْ أجدْ ... إلى حرِّ ما ألقَى منَ الشَّوقِ مُسعدا
عشيَّةَ زمُّوا للفراقِ جِمالهمْ ... فلمْ ترَ إلاَّ واضعاً في يدي يدا
وقال آخر:
فلا أنسَ مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَها ... وأدمعُها يُذرينَ حشوَ المكاحلِ
تمتَّعْ بذا اليومِ القصيرِ فإنَّه ... رهينٌ بأيَّامِ الشُّهورِ الأطاولِ
وقال آخر:
أقولُ لمُقلَتي لمَّا التقينا ... وقدْ شرقتْ مآقيها بماءِ
خُذي لي اليومَ مِنْ نظرٍ بحظٍّ ... فسوفَ تُوكَّلينَ إلى البكاءِ
وقال آخر:
أقولُ لهُ يومَ ودَّعتهُ ... وكلٌّ بعبرتهِ مُبْلِسُ
لئنْ رجعتْ عنكَ أجسامُنا ... لقدْ سافرتْ معكَ الأنفسُ
وأنشدنا أحمد بن يحيى:
إنَّ الظَّعائنَ يومَ جوِّ سويقةٍ ... أبكينَ عندَ فراقهنَّ عيونا
غيَّضنَ مِنْ عبراتهنَّ وقلنَ لي ... ماذا لقيتَ منَ الهوَى ولقينا
وقال جرير:
ودِّعْ أُمامةَ حانَ منكَ رحيلُ ... إنَّ الوداعَ لمنْ تحبُّ قليلُ
تلكَ القلوبُ صوادياً تيَّمْتها ... وأرَى الشِّفاءَ وما إليهِ سبيلُ
أعذرتُ في طلبِ النَّوالِ إليكمُ ... لو كانَ من ملكَ النَّوالَ نبيلُ
وقال ذو الرمة:
لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءَ مالكٍ ... لشوقيَ منقادُ الجنيبةِ تابعُ
فأخْذُ الهوَى فوقَ الحلاقيمِ مُخرسٌ ... لنا إذْ نُحيَّا أن نسلِّمَ مانعُ
فلمَّا عرفْنا آيةَ البينِ بغتةً ... وهذا النَّوى بينَ الخليطينِ قاطعُ
لحِقْنا وراجعنا الحمولَ وإنَّما ... تُقضِّي دياناتِ الوداعِ المراجعُ
فلمَّا تلاحقْنا ولا مثلَ ما بنا ... منَ الوجدِ لا تنقضُّ منهُ الأضالعُ
غدونَ فأحسنَّ الوداعَ فلمْ نقلْ ... كما قلنَ إلاَّ أن تشيرَ الأصابعُ
وخالسنَ تبساماً إلينا كأنَّما ... تصيبُ بهِ حبَّ القلوبِ القوارعُ
وقال الحسين بن الضحاك:
هلاَّ رحمتِ تلدُّدَ المشتاقِ ... ومننتِ قبلَ فراقهِ بتلاقي
نفسِي الفداءُ لخائفٍ مترقِّبٍ ... جعلَ الوداعَ إشارةً بعناقِ
إذْ لا جوابَ لمفحمٍ متحيِّرٍ ... إلاَّ الدُّموعُ تصانُ بالإطلاقِ
وقال عبيد الله بن الصمة:
ولمْ أرَ مثلَ العامريَّةِ قبلَها ... ولا بعدَها يومَ التقينا مودِّعا
شكوتُ إليها فيضةَ الحيِّ بالحشا ... وخشيةَ شملِ الحيِّ أنْ يتصدَّعا
فما راجعتْنا غيرَ صمتٍ وإنَّه ... تكادُ لهُ الأحشاءُ أنْ تتقطَّعا
لقد خفتُ أن لا تقنعَ النَّفسُ دونَها ... بشيءٍ منَ الدُّنيا وإنْ كانَ مُقنعا
وأعذلُ فيها النَّفسَ إذا حيلَ دونَها ... وتأبَى إليها النَّفسُ إلاَّ تطلُّعا
وقال الطرماح:
كأنْ لم يرعكَ الظَّاعنونَ ببينهمْ ... بلَى مثلُ فقدِ الظَّاعنينَ يروعُ
стр. 73
يراقبنَ أبصارَ الغيارَى بأعينٍ ... عواذرَ ما تجرِي لهنَّ دموعُ
وقال البحتري:
وقفْنا والعيونُ مثقَّلاتٌ ... يغالبُ طرفَها نظرٌ كليلُ
نهتهُ رِقبةُ الواشينَ حتَّى ... تعلَّقَ لا يفيضُ ولا يسيلُ
وقال قيس بن الحدادية الخزاعي:
أجدَّكَ إنْ نُعمٌ نأتْ أنتَ جازعُ ... وقدْ قربتْ أوْ أنَّ ذلكَ نافعُ
وحسبيَ مِنْ نأيٍ ثلاثةُ أشهرٍ ... ومنْ جزعٍ إنْ زادَ شوقكَ رابعُ
وقالتْ وعيناها تفيضانِ بالبُكا ... بأهليَ خبِّرني متى أنتَ راجعُ
فقلتُ لها تاللهِ يدرِي مسافرٌ ... إذا أضمرتهُ الأرضُ ما اللهُ صانعُ
وقال آخر:
راعكَ البينُ والمحبُّ يراعُ ... حينَ قالُوا تشتُّتٌ وانصداعُ
لستُ أنسَى مقالَها يومَ ولَّتْ ... وقُصارَى المشيِّعينَ الوداعُ
وقال آخر:
ليسَ شيءٌ منَ الفراقِ إذا كا ... نَ أخُو الحبِّ والِهاً كلِفا
أحرقَ منْ وقفةِ المشيِّعِ للقل ... بِ يريدُ الوداعَ مُنصرفا
وقال طريح:
يا ليتَ شِعري عنِ الحيِّ الذينَ غدَوْا ... هل بعدَ فرقتهمْ للشَّملِ مجتمعُ
أتبعتهمْ مقلةً جادتْ بأدمعِها ... والقلبُ منِّي علَى آثارهمْ قطعُ
فكلُّ ما كنتُ أخشَى قد فُجعتُ بهِ ... فليسَ لي منْ فراقٍ مرَّةً جزعُ
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
تقضَّتْ لُباناتٌ وجدَّ رحيلُ ... ولم يُشفَ من أهلِ الصَّفاءِ غليلُ
ومُدَّتْ كفوفٌ للوداعِ فصافحتْ ... وكادتْ عيونٌ للفراقِ تسيلُ
ولا بدَّ للإلفينِ من يومِ لوعةٍ ... إذا ما خليلٌ بانَ عنهُ خليلُ
وكمْ منْ دمٍ قد طُلَّ يومَ تحمَّلتْ ... أوانسُ لا يُودَى لهنَّ قتيلُ
غداةَ جعلتُ الصَّبرَ شيئاً نسيتهُ ... وأعولتُ لو أجدَى عليَّ عويلُ
وقال آخر:
تفرَّقَ أهلي من مُقيمٍ وظاعنٍ ... فللهِ درِّي أيُّ أهليَّ أتبعُ
أقامَ الأُلى لا أستطيعُ فراقهمْ ... وبانَ الأُلى قلبي بهمْ يتقطَّعُ
بعينيَّ تلكَ العيرُ حتَّى تجاوزتْ ... وحتَّى أتَى من دونِها الخبتُ أجمعُ
وأعرضَ مِنْ رضوَى معَ اللَّيلِ دامسٌ ... هضابٌ تردُّ الطَّرفَ عمَّنْ تشيَّعُ
وقال البحتري:
قد أرتكَ الدُّموعُ يومَ تولَّتْ ... ظعنُ الحيِّ ما وراءَ الدُّموعِ
عبراتٌ ملءَ الجفونِ مَرَتها ... حرقٌ للفراقِ ملءَ الضُّلوعِ
إنْ يثُبْ وادعُ الضَّميرِ فعندِي ... نصبٌ مِنْ عشيَّةِ التَّوديعِ
فُرقةٌ لم تدعْ لعينيْ محبٍّ ... نظراً بالعقيقِ غيرَ الرُّبوعِ
وقال أيضاً:
رحلُوا فأيَّةُ عبرةٍ لم تُسكبِ ... أسفاً وأيُّ عزيمةٍ لم تُغلبِ
لو كنتَ شاهدَنا وما صنعَ الهوَى ... بقلوبِنا لحسدتَ مَنْ لم يُحببِ
وقال أيضاً:
منزلٌ هاجَ لي الصَّبابةَ والشَّو ... قُ قريني وساءَ ذاكَ قرينا
وتودُّ القلوبُ يومَ استقلَّتْ ... ظعنُ الحيِّ أن تكونَ عيونا
فاتْرُكاني فما أُطيعُ عذولاً ... واخْذُلاني فما أُريدُ مُعينا
وقال أبو تمام:
لا أظلمَ النَّأيُ قدْ كانتْ خلائقُها ... من قبلِ وشكِ النَّوى عندي نوًى قذُفا
ودِّعْ فؤادكَ توديعَ الفراقِ فما ... أراهُ مِنْ سفرِ التَّوديعِ مُنصرفا
وقال آخر:
لم أنسَ إذْ قالتْ غداةَ النَّوى ... ودمعُها منحدرٌ واكفُ
لأنتَ أحلَى مِنْ لذيذِ الكرَى ... ومِنْ أمانٍ نالهُ خائفُ
وقال البحتري:
وانثنتْ وُجهةَ الفراقِ فأرسلْ ... تُ إليها عيناً عليها تجودُ
نظرةٌ خلفَها الدُّموعُ عِجالاً ... تتمارَى ودونَها التَّسهيدُ
أترى فائتاً يرجَّى ويوماً ... مثلَ يومِي برامَتينِ يعودُ
وقال بعض الظاهريين:
قفِي ودِّعينا قبلَ أنْ تصدعَ النَّوى ... بوصلكِ شملاً لم يكنْ متصدِّعا
ولا تجمعِي هجراً عليَّ وفرقةً ... فما جُمعا قبلِي علَى عاشقٍ معَا
الباب السادس والعشرون
ما خُلق الفراق إلاَّ لتعذيب العشَّاق
أما الفراق فمستغنٍ ببشاعة اسمه عن الإغراق في وصفه.
стр. 74
ولقد أحسن حبيب بن أوس الطائي في قوله:
أخٌ لي لَوُ اعطيتُ المُنى باسمِ فقدهِ ... بلا فقدهِ كانتْ بهِ ثمناً بخسَا
فلو أنَّ نفسِي ألفُ نفسٍ لما انثنتْ ... يدُ البينِ أو تُودِي بآخرها نفسَا
وقد اختلف العشاق في التفصيل والفراق فمن أهل الهوى من يُعظم شأن الهجر على شأن النَّوى وينشد محتجّاً لذلك:
وأنقذَها مِنْ غمرةِ الموتِ أنَّه ... صدودُ فراقٍ لا صدودُ تعمُّدِ
فأجرَى لها الإشفاقُ دمعاً مورَّداً ... من الدَّمِ يجرِي فوقَ خدٍّ مورَّدِ
وأكثر أهل هذا الشأن يُغلبون شأن النَّوى على شأن الهجر بل يغلِّبونه على كل مكروه من الأمر غير الخيانة والغدر.
ولقد أحسن أبو تمام حبيب بن أوس الطائي حيث يقول:
وكانَ عزيزاً أنَّ بيني وبينكمْ ... حجاباً فقدْ أصبحتُ منكمْ علَى شهرِ
وأبكاهُما للعينِ واللهِ إنَّني ... أُحاذرُ أنْ لا نلتقي آخرَ الدَّهرِ
وكمْ دونَنا مِنْ مهمهٍ مُتنازحٍ ... ومن جبلٍ وعرٍ ومن بلدٍ قفرِ
وما زلتُ أرضى مِنْ خليلِي بهجرهِ ... فأحسبُ أنْ لا داءَ أدوَى منَ الهجرِ
إلى أنْ رمانا دهرُنا بتفرُّقٍ ... فأيقنتُ أنَّ البينَ قاصمةُ الظَّهرِ
ونحن نقول الآن الفرقان بين الفراق والهجران الَّذي يعظم عندي أمر الهجر إنَّما هو منسبة ما بينه وبين الغدر لأنَّ الهجر إذا خرج عن أن يكون عقاباً على ذنبٍ أو تذلُّلاً بإظهار تجنٍّ أو عتب أو مراقبة لواشٍ أو مللاً من العذل فلا معذر له غير الغدر والخيانة وترك المقام للهوى بحق الرعاية فهذا أصعب أسباب الهجر ومما ينقص من صعوبته ويكفُّ من عاديته أنَّه إذا جرى هذا المجرى لحق المقصود به ضربٌ من الغيظ لقبح ما صنع به عن غير سبب موجب له وليس شخص المحبوب بناءٍ عن نظره فيتمالك عنه من إزعاج الشوق بفكره ما يذهب بغيظه ويُلين من قلبه ومع الفراق زوال ذلك كله لأن غيبة الشخص عن الناظر مزيلة لكل غيظ وغافرة لكل ذنب وذاهبة بكل عجب يتداخل المحبوب والمحب فالنفوس تذل للفراق وتنقاد معه لدواعي الإشفاق والاشتياق فهذا مقدار ما يتسهّل لنا من وصفهما ويجوز أن نقطع به من الحكم بينهما.
قال ابن ميادة:
سلِ اللهَ صبراً واعترفْ بفراقِ ... عسى بعدَ بينٍ أن يكونَ تلاقي
ألا ليتني قبلَ الفراقِ وبعدهُ ... سقاني بكأسٍ للمنيَّةِ ساقي
وقال آخر:
فوا حسرتا لمْ أقضِ منكمْ لُبانة ... ولم أتمتَّعْ بالجوارِ وبالقُربِ
وفُرِّقَ بيني في المسيرِ وبينكمْ ... فها أنذا قاضٍ علَى إثركمْ نحْبي
وقال آخر:
ألا مَنْ لقلبٍ مُعرضٍ للنَّوائبِ ... رمتْهُ خُطوبُ الدَّهرِ من كلِّ جانبِ
تبيَّنَ يومَ البينِ أنَّ اعتزامه ع ... لى الصَّبرِ من إحدى الظُّنونِ الكواذبِ
وقال آخر:
مَنْ كانَ لمْ يذُقِ الهوَى أوْ ذاقهُ ... فلقدْ أخذتُ منَ الهوَى بنصيبِ
فرأيتُ أنَّ أشدَّ كلِّ بليَّةٍ ... قُضيتْ علَى أحدٍ فراقُ حبيبِ
وقال أبو تمام:
لو كانَ في البينِ إذْ بانوا لهمْ دعَةٌ ... لكانَ بينهمُ منْ أعظمِ الخطرِ
فكيفَ والبينُ موصولٌ بهِ تعبٌ ... يكلِّفُ البيدَ في الإدلاجِ والبُكرِ
لو أنَّ ما تبتليني الحادثاتُ بهِ ... يكونُ بالماءِ لم يُشربْ من الكدرِ
لو كانَ بالعيسِ ما بي يومَ رحلتهمْ ... أعيَتْ علَى السَّائقِ الحادي فلم تسرِ
كأنَّ أيدي مطاياهُمْ إذا وخدَتْ ... يقعْنَ في حُرِّ وجهي أوْ علَى بصري
وقال ابن الدمينة:
إلى اللهِ أشكو مُضمراتٍ من الهوَى ... طواهُنَّ طولُ النَّأيِ طيَّ الصَّحائفِ
أقامَ بنحْوِ الماءِ قلبي وباعدَتْ ... بسائرِ جِثماني قلاصُ الغلائفِ
وقال معاذ ليلَى العقبلي:
أقامَ فريقٌ من أُناسٍ تودُّهمْ ... بذاتِ الشَّرى عندي وبانَ فريقُ
بحاجةِ محزونٍ ثباتُ فؤادهِ ... رهينٌ ببيضاتِ الحجالِ صديقُ
تحمَّلْنَ أنْ هبَّتْ لهنَّ عشيَّةً ... جَنوبٌ وأنْ لاحتْ لهنَّ بروقُ
فواكبدي أُكْوى عليها وإنَّها ... مخافةَ هيضاتِ النَّوى لخَفوقُ
وقال المعلوط:
стр. 75
دعوْتُ ربِّي دُعائي فاستجابَ لهُ ... كما دعا ربَّهُ نوحٌ وأيَّوبُ
أن ينزعَ الدَّاءَ من قلبي ويجعلهُ ... في قلبِ سُلمى وحملُ الدَّاءِ تعطيبُ
لِيُبرئَ اللهُ قلباً من صبابتهِ ... فلا أحنُّ إذا حنَّ المطاريبُ
قلبي بنجدٍ وأجلادي تهاميةٌ ... ما بعد هذا منَ التَّعذيبِ تعذيبُ
وقال جران العود ومن النَّاس من يرويه لذي الرمة:
أيا كبدي كادتْ عشيَّةَ غُرَّبٍ ... منَ الوجدِ إثرَ الظَّاعنينَ تصدَّعُ
عشيَّةَ ما فيمنْ أقامَ بغُرَّبٍ ... مُقامٌ ولا فيمنْ مضى مُتسرَّعُ
عشيَّةَ ما لي حيلةٌ غيرَ أنَّني ... بلفظِ الحصى والخطِّ في الدَّارِ مولعُ
أخطُّ وأمحو كلَّ خطٍّ خططْتُهُ ... بكفِّيَ والغِربانُ في الدَّارِ وقَّعُ
كأنَّ سناناً فارسيّاً أصابني ... علَى كبدي بلْ لوعةُ الحبِّ أوجعُ
وما يُرجعُ الشَّوقُ الزَّمانَ الَّذي مضى ... ولا للفتى في دمنةِ الدَّارِ مَجزعُ
فما كانَ مشؤوماً لنا طائرُ الهوَى ... ولا ذلَّ للبينِ الفؤادُ المروَّعُ
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لطفيل الغنوي:
وما أنا بالمُستنكرِ البينِ إنَّني ... بذي لطَفِ الجيرانِ قِدْماً مُفجَّعُ
جديرٌ بهِ من كلِّ حيٍّ لقيتهُمْ ... إذا أنسٌ عزُّوا عليَّ تصدَّعوا
وقال آخر:
أمَّا الرَّحيلُ فحينَ جدَّ ترحَّلتْ ... مهجُ النُّفوسِ لهُ عنِ الأجسادِ
من لم يمُتْ والبينُ يصدعُ شملَهُ ... لم يدْرِ كيفَ تفتُّتُ الأكبادِ
وقال إسحاق الموصلي:
إقْرَ السَّلامَ علَى الذَّلفاءِ إذْ شحطَتْ ... وقُلْ لها قد أذقْتِ القلبَ ما خافا
فما وجدْتُ إلى إلفٍ فُجعتُ بهِ ... وجدي عليكِ وقد فارقتُ أُلاَّفا
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:
خليليَّ إنِّي لم أجدْ بردَ مشربٍ ... ولا طعمَ نومٍ مُذْ نأتْ أمُّ حاجبِ
وما زالَ مذْ لم يلقها القلبُ صادياً ... وإن كانَ يُسقى من لذيذِ المشاربِ
وقال آخر:
أحجَّاجَ بيتِ اللهِ في أيِّ هودجٍ ... وفي أيِّ خِدرٍ من خدوركمُ قلبي
أأبقى أسيرَ الحبِّ في أرضِ غُربةٍ ... وحاديكمُ يحدو بقلبي معَ الرَّكبِ
وقال الحسين الخليع:
بنفسي حبيبٌ أَمَّ مكَّةَ مُكرهاً ... يُعالجُ مستوراً منَ الحزنِ والألمْ
كلانا وحيدٌ لا يُسرُّ بمؤْنسٍ ... منَ النَّاسِ حتَّى تنقضي الأشهرُ الحرمْ
أحنُّ إلى شهرِ المحرَّمِ ليتهُ ... غَداةَ غدٍ قد كانَ أوْ بانَ فانصرمْ
أُلامُ علَى شُغلي بمن أنا شغلهُ ... إذا طافَ أوْ أصغى إلى الرُّكنِ فاستلمْ
سترْنا بظهرِ الغيبِ ما كانَ بيننا ... ونحفظُ عهدينا علَى رغمِ منْ رغمْ
وقال ذو الرمة:
أراحَ فريقُ جيرتِكَ الجِمالا ... كأنَّهمُ يريدونَ انتقالا
فكدْتُ أموتُ من حزنٍ عليهمْ ... ولمْ أرَ صاحبَ الأظعانِ آلا
وميَّةُ في الظَّعائنِ وهيَ شكَّتْ ... سوادَ القلبِ فاقتُتِلَ اقتتالا
ولمْ أرَ مثلَها نظراً وعيناً ... ولا أُمَّ الغزالِ ولا الغزالا
هيَ السُّقمُ الَّذي لا بُرءَ منهُ ... وبُرءُ السُّقمُ لو بذلتْ نوالا
وقال معقل بن عيسى أخو أبي الدلف:
لَعمري لئنْ قرَّتْ بقُربكَ أعينٌ ... لقد سخنَتْ بالقربِ منكَ عيونُ
فسرْ أوْ أقمْ وقْفٌ عليكَ مودَّتي ... مكانُكَ منْ قلبي عليكَ مصونُ
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
راحوا ورحنا علَى آثارهمِ أُصُلاً ... مُحمِّلينَ منَ الأثقالِ أوقارا
كأنَّ أنفُسنا لم ترتحلْ معنا ... أوْ سرنَ في أوَّلِ الحيِّ الَّذي سارا
وقال آخر:
عجِلَ الفِراقُ بما كرهْتُ وطالما ... كانَ الفِراقُ بما كرهْتُ عجولا
وأرى الَّتي هامَ الفؤادُ بذكرِها ... أصبحْتُ منها فارغاً مشغولا
وقال آخر:
بنفسيَ مَنْ أُمسي وأُضحي لنأيهِ ... وشوقي إليهِ في عناءٍ وفي كرْبِ
فإنْ يرتحلْ جسمي معَ الرَّكْبِ مُكرهاً ... يُقمْ عندها قلبي وأمضي بلا قلبِ
ولبعض أهل هذا العصر:
следующие страницы →