← Адаб

Адаб · id 738

الزهرة

ابن داود الظاهري

Полный текст (241 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال قيس بن ذريح: وخبَّرتَني يا قلبُ أنَّكَ صابرٌ ... علَى الهجرِ مِنْ لُبنى فسوفَ تذوقُ فمتْ كمداً أوْ عشْ سقيماً فإنَّما ... تُكلِّفُني ما لا أراكَ تطيقُ وقال عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: فيا مَنْ لنفسٍ لا تموتُ فينقضِي ... عناها ولا تحيَى حياةً لها طعمُ فذُقْ هجرَها قد كنتَ تزعمُ أنَّه ... رشادٌ ألا يا ربَّما كذبَ الزَّعمُ وقال ابن الدمينة: وقد زعمُوا أنَّ المحبَّ إذا دنا ... يملُّ وأنَّ النَّأيَ يشفِي منَ الوجدِ بكلٍّ تداوَينا فلم يُشفَ ما بنا ... علَى ذاكَ قربُ الدَّارِ خيرٌ منَ البعدِ وقال آخر: وأكثرُ ما في النَّفسِ أنِّي صرمتُها ... ولم يتحوَّلْ حبُّها عنْ فؤادِيا طلبنا دواءَ الحبِّ عصراً فلمْ نجدْ ... منَ الحبِّ إلاَّ مَنْ يحبُّ مُداويا الباب الخامس والعشرون في الوداعِ قبلَ الفراقِ بلاغٌ إلى وقتِ التَّلاقِ فعل الوداع وتركه نقص كله ممن قدر أن يرد الفراق عن نفسه وذلك إن الحزم لأهل الهوى ألاَّ يبسطوا على أرواحهم يد النوى فإن عذاب الهوى مع حضور المحبوب ينغِّص العيش ويبرِّح القلوب فكيف إذا تحكَّم فيه سلطان الفراق وأمدَّت صاحبه الفكر بخواطر الإشفاق والتهبت في الضَّمير لوعات الاشتياق حينئذ تُسكب العبرات وتتمكَّن الحسرات. وقال حبيب بن أوس الطائي: أمَّا الهوَى فهوَ العذابُ فإن جرتْ ... فيهِ النَّوى فأَليمُ كلِّ أليمِ فإن كان لا بدَّ من فراق فلا يكن إلاَّ بعد تشييع ووداع بلغني عن محمد بن سيرين أنَّه قال إن كان لا بدَّ من قيد فليكن مجليّاً. وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر: تمتَّعْ من حبيبكَ بالوداعِ ... فما بعدَ الفراقِ منِ اجتماعِ فكم جرِّعنَ منْ هجرٍ وغدرٍ ... ومنْ حالِ ارتفاعٍ واتِّضاعِ وكم كاسٍ أمرَّ منَ المنايا ... شربتُ فلم يضقْ عنها ذِراعي فلمْ أرَ في الَّذي قاسيتُ شيئاً ... أشدَّ منَ الفراقِ بلا وداعِ تعالَى اللهُ كلُّ مواصلاتٍ ... وإنْ طالتْ تؤولُ إلى انقطاعِ واختيارات العشَّاق تفاوتُ في أمر الوداع تفاوتاً شديداً فبعضهم مسارع إلى الفراق تغنُّماً للوداع فمنهم الَّذي يقول: منْ يكنْ يكرهُ الفراقَ فإنِّي ... أشتهيهِ لموضعِ التَّسليمِ إنَّ فيهِ عناقة لوداعٍ ... وانتظارِي عناقةً لقدومِ ومنهم الَّذي يقول: لستُ ممَّن يذمُّ يومَ الفراقِ ... ولهُ منَّةٌ علَى العشَّاقِ إنَّ فيهِ اعتناقةً لوداعِ ... وانتظارَ اعتناقِ يومِ التَّلاقِ وقال البحتري في هذا المعنى وله في ضده وما منهما إلاَّ مختار في بابه: فأحسنْ بنا والدَّمعُ بالدَّمعِ واشجٌ ... يمازجهُ والخدُّ بالخدِّ مُلصقُ وقد ضمَّنا وشكُ التَّلاقي ولفَّنا ... عناقٌ علَى أعناقِنا ثمَّ ضيِّقُ فلمْ ترَ إلاَّ مخبراً عن صبابةٍ ... بشكوَى وإلاَّ عبرةً تترقرقُ ومِنْ قُبَلٍ قبلَ التَّشاكي وبعدهُ ... نكادُ بها من شدَّةِ اللَّثمِ نشرقُ فلو فهمَ النَّاسُ التَّلاقي وحسنهُ ... لحُبِّبَ من أجلِ التَّلاقي التَّفرُّقُ ومنهم من يصبر على الفراق ويتعمَّد التَّخلُّف عن الوداع إشفاقاً من مضاضة وعجزاً عن معاتبة ساعته. فمنهم البحتري حيث يقول: اللهُ جاركَ في انطلاقكْ ... تلقاءَ شآمكَ أوْ عراقكْ لا تعذُلنِّي في خروجِي ... يومَ سرتَ ولمْ أُلاقكْ إنِّي عرفتُ مواقفاً ... للبينِ تسفحُ غربَ ماقِكْ وعرفتُ ما يلقَى المودِّ ... عُ عندَ ضمِّكَ واعتناقكْ وعلمتُ أنَّ لقاءَنا ... سببُ اشتياقِي واشتياقكْ وتركتُ ذاكَ تعمُّداً ... وخرجتُ أهربُ مِنْ فراقكْ وحكى أبو سليمان عن ابن الأعرابي أنَّه قال قلت لعمار بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان أبوك صانعاً حيث يقول: لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخرَ عهدكمْ ... يومَ الفراقِ فعلتُ ما لمْ أفعلِ

стр. 72

قال فما يهمُّني إن قال كان يقلع عينيه ولا يرى أحبابه الظَّاعنين فمن يقع به الفراق اضطراراً ويترك هو الوداع اختياراً فهو أحسن حالاً ممَّن يضطر إلى الأمرين جميعاً فإن اجتماع الهجر والفراق يتلف مهجة المشتاق. وفي مثل ذلك يقول البحتري: عدتْنا عوادِي الحبِّ عنها وزادَنا ... بها كلَفاً أنَّ الوداعَ علَى عتبِ ولي ظمأٌ لا يملكُ الماءُ دفعهُ ... إلى نهلةٍ مِنْ ريقها الخصر العذبِ وفي نحوه يقول أبو تمام: أنأياً واجتناباً أيُّ صبرٍ ... معَ البلوَى يعرِّسُ بين ذينِ ألمْ يُقنعكَ فيهِ الهجرُ حتَّى ... جمعتَ لقلبهِ هجراً ببينِ وعلى أنَّ من المحبوبين من يدعوه حضور الفراق إلى الحرص على التَّوديع والتَّلاق فيكون وقوع النَّوى سبباً لاستخراج ما في نفسه من الضِّغن. فمن ذلك قول أبي تمام: أعرضتْ برهةً فلمَّا أحسَّتْ ... بالنَّوى أعرضتْ عنِ الإعراضِ نظرتْ فالتفتُّ منها إلى أح ... لى سوادٍ رأيتهُ في بياضِ ومنه قول الآخر: ألمْ ترَ قيسٌ كلُّها أنَّ عزَّها ... غداةَ غدٍ عن دارهِ الدَّهرَ ظاعنُ هُنالكَ جادتْ بالدُّموعِ موانعُ ال ... عيونِ وسُلَّتْ بالفراقِ الضَّغائنِ وقال آخر: عشيَّةَ أدعُو مُسعدي فلمْ أجدْ ... إلى حرِّ ما ألقَى منَ الشَّوقِ مُسعدا عشيَّةَ زمُّوا للفراقِ جِمالهمْ ... فلمْ ترَ إلاَّ واضعاً في يدي يدا وقال آخر: فلا أنسَ مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَها ... وأدمعُها يُذرينَ حشوَ المكاحلِ تمتَّعْ بذا اليومِ القصيرِ فإنَّه ... رهينٌ بأيَّامِ الشُّهورِ الأطاولِ وقال آخر: أقولُ لمُقلَتي لمَّا التقينا ... وقدْ شرقتْ مآقيها بماءِ خُذي لي اليومَ مِنْ نظرٍ بحظٍّ ... فسوفَ تُوكَّلينَ إلى البكاءِ وقال آخر: أقولُ لهُ يومَ ودَّعتهُ ... وكلٌّ بعبرتهِ مُبْلِسُ لئنْ رجعتْ عنكَ أجسامُنا ... لقدْ سافرتْ معكَ الأنفسُ وأنشدنا أحمد بن يحيى: إنَّ الظَّعائنَ يومَ جوِّ سويقةٍ ... أبكينَ عندَ فراقهنَّ عيونا غيَّضنَ مِنْ عبراتهنَّ وقلنَ لي ... ماذا لقيتَ منَ الهوَى ولقينا وقال جرير: ودِّعْ أُمامةَ حانَ منكَ رحيلُ ... إنَّ الوداعَ لمنْ تحبُّ قليلُ تلكَ القلوبُ صوادياً تيَّمْتها ... وأرَى الشِّفاءَ وما إليهِ سبيلُ أعذرتُ في طلبِ النَّوالِ إليكمُ ... لو كانَ من ملكَ النَّوالَ نبيلُ وقال ذو الرمة: لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءَ مالكٍ ... لشوقيَ منقادُ الجنيبةِ تابعُ فأخْذُ الهوَى فوقَ الحلاقيمِ مُخرسٌ ... لنا إذْ نُحيَّا أن نسلِّمَ مانعُ فلمَّا عرفْنا آيةَ البينِ بغتةً ... وهذا النَّوى بينَ الخليطينِ قاطعُ لحِقْنا وراجعنا الحمولَ وإنَّما ... تُقضِّي دياناتِ الوداعِ المراجعُ فلمَّا تلاحقْنا ولا مثلَ ما بنا ... منَ الوجدِ لا تنقضُّ منهُ الأضالعُ غدونَ فأحسنَّ الوداعَ فلمْ نقلْ ... كما قلنَ إلاَّ أن تشيرَ الأصابعُ وخالسنَ تبساماً إلينا كأنَّما ... تصيبُ بهِ حبَّ القلوبِ القوارعُ وقال الحسين بن الضحاك: هلاَّ رحمتِ تلدُّدَ المشتاقِ ... ومننتِ قبلَ فراقهِ بتلاقي نفسِي الفداءُ لخائفٍ مترقِّبٍ ... جعلَ الوداعَ إشارةً بعناقِ إذْ لا جوابَ لمفحمٍ متحيِّرٍ ... إلاَّ الدُّموعُ تصانُ بالإطلاقِ وقال عبيد الله بن الصمة: ولمْ أرَ مثلَ العامريَّةِ قبلَها ... ولا بعدَها يومَ التقينا مودِّعا شكوتُ إليها فيضةَ الحيِّ بالحشا ... وخشيةَ شملِ الحيِّ أنْ يتصدَّعا فما راجعتْنا غيرَ صمتٍ وإنَّه ... تكادُ لهُ الأحشاءُ أنْ تتقطَّعا لقد خفتُ أن لا تقنعَ النَّفسُ دونَها ... بشيءٍ منَ الدُّنيا وإنْ كانَ مُقنعا وأعذلُ فيها النَّفسَ إذا حيلَ دونَها ... وتأبَى إليها النَّفسُ إلاَّ تطلُّعا وقال الطرماح: كأنْ لم يرعكَ الظَّاعنونَ ببينهمْ ... بلَى مثلُ فقدِ الظَّاعنينَ يروعُ

стр. 73

يراقبنَ أبصارَ الغيارَى بأعينٍ ... عواذرَ ما تجرِي لهنَّ دموعُ وقال البحتري: وقفْنا والعيونُ مثقَّلاتٌ ... يغالبُ طرفَها نظرٌ كليلُ نهتهُ رِقبةُ الواشينَ حتَّى ... تعلَّقَ لا يفيضُ ولا يسيلُ وقال قيس بن الحدادية الخزاعي: أجدَّكَ إنْ نُعمٌ نأتْ أنتَ جازعُ ... وقدْ قربتْ أوْ أنَّ ذلكَ نافعُ وحسبيَ مِنْ نأيٍ ثلاثةُ أشهرٍ ... ومنْ جزعٍ إنْ زادَ شوقكَ رابعُ وقالتْ وعيناها تفيضانِ بالبُكا ... بأهليَ خبِّرني متى أنتَ راجعُ فقلتُ لها تاللهِ يدرِي مسافرٌ ... إذا أضمرتهُ الأرضُ ما اللهُ صانعُ وقال آخر: راعكَ البينُ والمحبُّ يراعُ ... حينَ قالُوا تشتُّتٌ وانصداعُ لستُ أنسَى مقالَها يومَ ولَّتْ ... وقُصارَى المشيِّعينَ الوداعُ وقال آخر: ليسَ شيءٌ منَ الفراقِ إذا كا ... نَ أخُو الحبِّ والِهاً كلِفا أحرقَ منْ وقفةِ المشيِّعِ للقل ... بِ يريدُ الوداعَ مُنصرفا وقال طريح: يا ليتَ شِعري عنِ الحيِّ الذينَ غدَوْا ... هل بعدَ فرقتهمْ للشَّملِ مجتمعُ أتبعتهمْ مقلةً جادتْ بأدمعِها ... والقلبُ منِّي علَى آثارهمْ قطعُ فكلُّ ما كنتُ أخشَى قد فُجعتُ بهِ ... فليسَ لي منْ فراقٍ مرَّةً جزعُ وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: تقضَّتْ لُباناتٌ وجدَّ رحيلُ ... ولم يُشفَ من أهلِ الصَّفاءِ غليلُ ومُدَّتْ كفوفٌ للوداعِ فصافحتْ ... وكادتْ عيونٌ للفراقِ تسيلُ ولا بدَّ للإلفينِ من يومِ لوعةٍ ... إذا ما خليلٌ بانَ عنهُ خليلُ وكمْ منْ دمٍ قد طُلَّ يومَ تحمَّلتْ ... أوانسُ لا يُودَى لهنَّ قتيلُ غداةَ جعلتُ الصَّبرَ شيئاً نسيتهُ ... وأعولتُ لو أجدَى عليَّ عويلُ وقال آخر: تفرَّقَ أهلي من مُقيمٍ وظاعنٍ ... فللهِ درِّي أيُّ أهليَّ أتبعُ أقامَ الأُلى لا أستطيعُ فراقهمْ ... وبانَ الأُلى قلبي بهمْ يتقطَّعُ بعينيَّ تلكَ العيرُ حتَّى تجاوزتْ ... وحتَّى أتَى من دونِها الخبتُ أجمعُ وأعرضَ مِنْ رضوَى معَ اللَّيلِ دامسٌ ... هضابٌ تردُّ الطَّرفَ عمَّنْ تشيَّعُ وقال البحتري: قد أرتكَ الدُّموعُ يومَ تولَّتْ ... ظعنُ الحيِّ ما وراءَ الدُّموعِ عبراتٌ ملءَ الجفونِ مَرَتها ... حرقٌ للفراقِ ملءَ الضُّلوعِ إنْ يثُبْ وادعُ الضَّميرِ فعندِي ... نصبٌ مِنْ عشيَّةِ التَّوديعِ فُرقةٌ لم تدعْ لعينيْ محبٍّ ... نظراً بالعقيقِ غيرَ الرُّبوعِ وقال أيضاً: رحلُوا فأيَّةُ عبرةٍ لم تُسكبِ ... أسفاً وأيُّ عزيمةٍ لم تُغلبِ لو كنتَ شاهدَنا وما صنعَ الهوَى ... بقلوبِنا لحسدتَ مَنْ لم يُحببِ وقال أيضاً: منزلٌ هاجَ لي الصَّبابةَ والشَّو ... قُ قريني وساءَ ذاكَ قرينا وتودُّ القلوبُ يومَ استقلَّتْ ... ظعنُ الحيِّ أن تكونَ عيونا فاتْرُكاني فما أُطيعُ عذولاً ... واخْذُلاني فما أُريدُ مُعينا وقال أبو تمام: لا أظلمَ النَّأيُ قدْ كانتْ خلائقُها ... من قبلِ وشكِ النَّوى عندي نوًى قذُفا ودِّعْ فؤادكَ توديعَ الفراقِ فما ... أراهُ مِنْ سفرِ التَّوديعِ مُنصرفا وقال آخر: لم أنسَ إذْ قالتْ غداةَ النَّوى ... ودمعُها منحدرٌ واكفُ لأنتَ أحلَى مِنْ لذيذِ الكرَى ... ومِنْ أمانٍ نالهُ خائفُ وقال البحتري: وانثنتْ وُجهةَ الفراقِ فأرسلْ ... تُ إليها عيناً عليها تجودُ نظرةٌ خلفَها الدُّموعُ عِجالاً ... تتمارَى ودونَها التَّسهيدُ أترى فائتاً يرجَّى ويوماً ... مثلَ يومِي برامَتينِ يعودُ وقال بعض الظاهريين: قفِي ودِّعينا قبلَ أنْ تصدعَ النَّوى ... بوصلكِ شملاً لم يكنْ متصدِّعا ولا تجمعِي هجراً عليَّ وفرقةً ... فما جُمعا قبلِي علَى عاشقٍ معَا الباب السادس والعشرون ما خُلق الفراق إلاَّ لتعذيب العشَّاق أما الفراق فمستغنٍ ببشاعة اسمه عن الإغراق في وصفه.

стр. 74

ولقد أحسن حبيب بن أوس الطائي في قوله: أخٌ لي لَوُ اعطيتُ المُنى باسمِ فقدهِ ... بلا فقدهِ كانتْ بهِ ثمناً بخسَا فلو أنَّ نفسِي ألفُ نفسٍ لما انثنتْ ... يدُ البينِ أو تُودِي بآخرها نفسَا وقد اختلف العشاق في التفصيل والفراق فمن أهل الهوى من يُعظم شأن الهجر على شأن النَّوى وينشد محتجّاً لذلك: وأنقذَها مِنْ غمرةِ الموتِ أنَّه ... صدودُ فراقٍ لا صدودُ تعمُّدِ فأجرَى لها الإشفاقُ دمعاً مورَّداً ... من الدَّمِ يجرِي فوقَ خدٍّ مورَّدِ وأكثر أهل هذا الشأن يُغلبون شأن النَّوى على شأن الهجر بل يغلِّبونه على كل مكروه من الأمر غير الخيانة والغدر. ولقد أحسن أبو تمام حبيب بن أوس الطائي حيث يقول: وكانَ عزيزاً أنَّ بيني وبينكمْ ... حجاباً فقدْ أصبحتُ منكمْ علَى شهرِ وأبكاهُما للعينِ واللهِ إنَّني ... أُحاذرُ أنْ لا نلتقي آخرَ الدَّهرِ وكمْ دونَنا مِنْ مهمهٍ مُتنازحٍ ... ومن جبلٍ وعرٍ ومن بلدٍ قفرِ وما زلتُ أرضى مِنْ خليلِي بهجرهِ ... فأحسبُ أنْ لا داءَ أدوَى منَ الهجرِ إلى أنْ رمانا دهرُنا بتفرُّقٍ ... فأيقنتُ أنَّ البينَ قاصمةُ الظَّهرِ ونحن نقول الآن الفرقان بين الفراق والهجران الَّذي يعظم عندي أمر الهجر إنَّما هو منسبة ما بينه وبين الغدر لأنَّ الهجر إذا خرج عن أن يكون عقاباً على ذنبٍ أو تذلُّلاً بإظهار تجنٍّ أو عتب أو مراقبة لواشٍ أو مللاً من العذل فلا معذر له غير الغدر والخيانة وترك المقام للهوى بحق الرعاية فهذا أصعب أسباب الهجر ومما ينقص من صعوبته ويكفُّ من عاديته أنَّه إذا جرى هذا المجرى لحق المقصود به ضربٌ من الغيظ لقبح ما صنع به عن غير سبب موجب له وليس شخص المحبوب بناءٍ عن نظره فيتمالك عنه من إزعاج الشوق بفكره ما يذهب بغيظه ويُلين من قلبه ومع الفراق زوال ذلك كله لأن غيبة الشخص عن الناظر مزيلة لكل غيظ وغافرة لكل ذنب وذاهبة بكل عجب يتداخل المحبوب والمحب فالنفوس تذل للفراق وتنقاد معه لدواعي الإشفاق والاشتياق فهذا مقدار ما يتسهّل لنا من وصفهما ويجوز أن نقطع به من الحكم بينهما. قال ابن ميادة: سلِ اللهَ صبراً واعترفْ بفراقِ ... عسى بعدَ بينٍ أن يكونَ تلاقي ألا ليتني قبلَ الفراقِ وبعدهُ ... سقاني بكأسٍ للمنيَّةِ ساقي وقال آخر: فوا حسرتا لمْ أقضِ منكمْ لُبانة ... ولم أتمتَّعْ بالجوارِ وبالقُربِ وفُرِّقَ بيني في المسيرِ وبينكمْ ... فها أنذا قاضٍ علَى إثركمْ نحْبي وقال آخر: ألا مَنْ لقلبٍ مُعرضٍ للنَّوائبِ ... رمتْهُ خُطوبُ الدَّهرِ من كلِّ جانبِ تبيَّنَ يومَ البينِ أنَّ اعتزامه ع ... لى الصَّبرِ من إحدى الظُّنونِ الكواذبِ وقال آخر: مَنْ كانَ لمْ يذُقِ الهوَى أوْ ذاقهُ ... فلقدْ أخذتُ منَ الهوَى بنصيبِ فرأيتُ أنَّ أشدَّ كلِّ بليَّةٍ ... قُضيتْ علَى أحدٍ فراقُ حبيبِ وقال أبو تمام: لو كانَ في البينِ إذْ بانوا لهمْ دعَةٌ ... لكانَ بينهمُ منْ أعظمِ الخطرِ فكيفَ والبينُ موصولٌ بهِ تعبٌ ... يكلِّفُ البيدَ في الإدلاجِ والبُكرِ لو أنَّ ما تبتليني الحادثاتُ بهِ ... يكونُ بالماءِ لم يُشربْ من الكدرِ لو كانَ بالعيسِ ما بي يومَ رحلتهمْ ... أعيَتْ علَى السَّائقِ الحادي فلم تسرِ كأنَّ أيدي مطاياهُمْ إذا وخدَتْ ... يقعْنَ في حُرِّ وجهي أوْ علَى بصري وقال ابن الدمينة: إلى اللهِ أشكو مُضمراتٍ من الهوَى ... طواهُنَّ طولُ النَّأيِ طيَّ الصَّحائفِ أقامَ بنحْوِ الماءِ قلبي وباعدَتْ ... بسائرِ جِثماني قلاصُ الغلائفِ وقال معاذ ليلَى العقبلي: أقامَ فريقٌ من أُناسٍ تودُّهمْ ... بذاتِ الشَّرى عندي وبانَ فريقُ بحاجةِ محزونٍ ثباتُ فؤادهِ ... رهينٌ ببيضاتِ الحجالِ صديقُ تحمَّلْنَ أنْ هبَّتْ لهنَّ عشيَّةً ... جَنوبٌ وأنْ لاحتْ لهنَّ بروقُ فواكبدي أُكْوى عليها وإنَّها ... مخافةَ هيضاتِ النَّوى لخَفوقُ وقال المعلوط:

стр. 75

دعوْتُ ربِّي دُعائي فاستجابَ لهُ ... كما دعا ربَّهُ نوحٌ وأيَّوبُ أن ينزعَ الدَّاءَ من قلبي ويجعلهُ ... في قلبِ سُلمى وحملُ الدَّاءِ تعطيبُ لِيُبرئَ اللهُ قلباً من صبابتهِ ... فلا أحنُّ إذا حنَّ المطاريبُ قلبي بنجدٍ وأجلادي تهاميةٌ ... ما بعد هذا منَ التَّعذيبِ تعذيبُ وقال جران العود ومن النَّاس من يرويه لذي الرمة: أيا كبدي كادتْ عشيَّةَ غُرَّبٍ ... منَ الوجدِ إثرَ الظَّاعنينَ تصدَّعُ عشيَّةَ ما فيمنْ أقامَ بغُرَّبٍ ... مُقامٌ ولا فيمنْ مضى مُتسرَّعُ عشيَّةَ ما لي حيلةٌ غيرَ أنَّني ... بلفظِ الحصى والخطِّ في الدَّارِ مولعُ أخطُّ وأمحو كلَّ خطٍّ خططْتُهُ ... بكفِّيَ والغِربانُ في الدَّارِ وقَّعُ كأنَّ سناناً فارسيّاً أصابني ... علَى كبدي بلْ لوعةُ الحبِّ أوجعُ وما يُرجعُ الشَّوقُ الزَّمانَ الَّذي مضى ... ولا للفتى في دمنةِ الدَّارِ مَجزعُ فما كانَ مشؤوماً لنا طائرُ الهوَى ... ولا ذلَّ للبينِ الفؤادُ المروَّعُ وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لطفيل الغنوي: وما أنا بالمُستنكرِ البينِ إنَّني ... بذي لطَفِ الجيرانِ قِدْماً مُفجَّعُ جديرٌ بهِ من كلِّ حيٍّ لقيتهُمْ ... إذا أنسٌ عزُّوا عليَّ تصدَّعوا وقال آخر: أمَّا الرَّحيلُ فحينَ جدَّ ترحَّلتْ ... مهجُ النُّفوسِ لهُ عنِ الأجسادِ من لم يمُتْ والبينُ يصدعُ شملَهُ ... لم يدْرِ كيفَ تفتُّتُ الأكبادِ وقال إسحاق الموصلي: إقْرَ السَّلامَ علَى الذَّلفاءِ إذْ شحطَتْ ... وقُلْ لها قد أذقْتِ القلبَ ما خافا فما وجدْتُ إلى إلفٍ فُجعتُ بهِ ... وجدي عليكِ وقد فارقتُ أُلاَّفا وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: خليليَّ إنِّي لم أجدْ بردَ مشربٍ ... ولا طعمَ نومٍ مُذْ نأتْ أمُّ حاجبِ وما زالَ مذْ لم يلقها القلبُ صادياً ... وإن كانَ يُسقى من لذيذِ المشاربِ وقال آخر: أحجَّاجَ بيتِ اللهِ في أيِّ هودجٍ ... وفي أيِّ خِدرٍ من خدوركمُ قلبي أأبقى أسيرَ الحبِّ في أرضِ غُربةٍ ... وحاديكمُ يحدو بقلبي معَ الرَّكبِ وقال الحسين الخليع: بنفسي حبيبٌ أَمَّ مكَّةَ مُكرهاً ... يُعالجُ مستوراً منَ الحزنِ والألمْ كلانا وحيدٌ لا يُسرُّ بمؤْنسٍ ... منَ النَّاسِ حتَّى تنقضي الأشهرُ الحرمْ أحنُّ إلى شهرِ المحرَّمِ ليتهُ ... غَداةَ غدٍ قد كانَ أوْ بانَ فانصرمْ أُلامُ علَى شُغلي بمن أنا شغلهُ ... إذا طافَ أوْ أصغى إلى الرُّكنِ فاستلمْ سترْنا بظهرِ الغيبِ ما كانَ بيننا ... ونحفظُ عهدينا علَى رغمِ منْ رغمْ وقال ذو الرمة: أراحَ فريقُ جيرتِكَ الجِمالا ... كأنَّهمُ يريدونَ انتقالا فكدْتُ أموتُ من حزنٍ عليهمْ ... ولمْ أرَ صاحبَ الأظعانِ آلا وميَّةُ في الظَّعائنِ وهيَ شكَّتْ ... سوادَ القلبِ فاقتُتِلَ اقتتالا ولمْ أرَ مثلَها نظراً وعيناً ... ولا أُمَّ الغزالِ ولا الغزالا هيَ السُّقمُ الَّذي لا بُرءَ منهُ ... وبُرءُ السُّقمُ لو بذلتْ نوالا وقال معقل بن عيسى أخو أبي الدلف: لَعمري لئنْ قرَّتْ بقُربكَ أعينٌ ... لقد سخنَتْ بالقربِ منكَ عيونُ فسرْ أوْ أقمْ وقْفٌ عليكَ مودَّتي ... مكانُكَ منْ قلبي عليكَ مصونُ وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: راحوا ورحنا علَى آثارهمِ أُصُلاً ... مُحمِّلينَ منَ الأثقالِ أوقارا كأنَّ أنفُسنا لم ترتحلْ معنا ... أوْ سرنَ في أوَّلِ الحيِّ الَّذي سارا وقال آخر: عجِلَ الفِراقُ بما كرهْتُ وطالما ... كانَ الفِراقُ بما كرهْتُ عجولا وأرى الَّتي هامَ الفؤادُ بذكرِها ... أصبحْتُ منها فارغاً مشغولا وقال آخر: بنفسيَ مَنْ أُمسي وأُضحي لنأيهِ ... وشوقي إليهِ في عناءٍ وفي كرْبِ فإنْ يرتحلْ جسمي معَ الرَّكْبِ مُكرهاً ... يُقمْ عندها قلبي وأمضي بلا قلبِ ولبعض أهل هذا العصر:

стр. 76

وكنتُ أرى أن قدْ تناهى بيَ الهوَى ... إلى غايةٍ ما بعدها ليَ مذهَبُ فلمَّا تفرَّقنا تذكَّرْتُ ما مضى ... فأيقنتُ أنِّي إنَّما كنتُ ألعبُ فقدْ والَّذي لو شاءَ لم يخلُقِ النَّوى ... عُرضْتُ فما أدري إلى أينَ أذهبُ وقال آخر: وأخلَتْ فشطَّتْ عن مُقامي وخانني ... وما ... مِنْ ضنى الموتِ لا تُخلي لقدْ غادرتْني لا صحيحاً لصحَّتي ... ولا راجياً بِراً ولا مُدركاً تبْلي وقال آخر: أغارَ علينا الدهرُ حتَّى كأنَّما ... يُطالبنا الدَّهرُ المغيرُ بأوتارِ بتشتيتِ أُلاَّفٍ وتغريبِ منزلٍ ... وتفريقِ إخوانٍ وتقليبِ أوطارِ وقدْ علمَ الدَّهرُ الخؤونُ بأنَّني ... أصولُ عليهِ صوْلةَ الأسدِ الضَّاري وقال علي بن محمد العلوي الكوفي: ولقدْ نظرْتُ إلى الفراقِ ولم أجد ... للموتِ لو فُقدَ الفراقُ سبيلا يا ساعةَ البينِ انبري فكأنَّما ... واصلتِ ساعاتِ القيامةِ طولا وقال الطائي: يومَ الفراقِ لقدْ خُلقتَ طويلا ... لم تُبقِ لي صبراً ولا معقولا لو حارَ من قادَ المنيَّةَ لمْ يُردْ ... إلاَّ الفراقَ علَى النُّفوسِ دليلا قالوا الرَّحيلُ فما شككْتُ بأنَّها ... نفسي عنِ الدُّنيا تريدُ رحيلا الصَّبرُ أجملُ غيرَ أنَّ تلذُّذاً ... في الحبِّ أحرى أن يكونَ جميلا أتظنُّني أجدُ السَّبيلَ إلى العزا ... وجدَ الحِمامُ إذاً إليَّ سبيلا ردُّ الجموحِ الصَّعبِ أسهلُ مطلباً ... من ردِّ دمعٍ قدْ أرادَ مسيلا وقال أبو تمام: نوًى كانقضاضِ النَّجمِ كانتْ نتيجةً ... منَ الهزلِ يوماً إنَّ هزْلَ الهوَى جِدُّ فلا تحسِبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجيَّةُ نفسٍ كلُّ غانيةٍ هنْدُ وكمْ تحتَ أوراقِ الصَّبابةِ من فتًى ... منَ القومِ حُرٍّ دمعهُ للهوى عبدُ محمَّدُ يا ابن الهيثمِ انقلبَتْ بنا ... نوًى خطأٌ في عقبها لوعةٌ عمْدُ وحقدٌ منَ الأيَّامِ وهيَ قديرةٌ ... وشرُّ السَّجايا قُدرةٌ حازها حقدُ وقال علي بن محمد العلوي: أتْبعتهُمْ نفساً تَدْمى مسالكهُ ... كأنَّهُ من حِمى الأحشاءِ مقدودُ ما زلتُ أعرفُ أيَّامي وأُنكرُها ... حتَّى انبرتْ وهيَ لا بيضٌ ولا سودُ خاضتْ بيَ الشَّكَّ حتَّى قالَ قائلُها ... لا القربُ قرْبٌ ولا التَّبعيدُ تبعيدُ وقال آخر: لَعمري لئنْ شطَّتْ بعُتمةَ دارُها ... لقد كنتُ من وشكِ الفراقِ أُليحُ أروحُ بهمٍّ ثمَّ أغدو بمثلهِ ... وتحسبُ أنِّي في الثِّيابِ صحيحُ وقال آخر: سنحَ الهوَى فكتمْتُ نفسي حاجةً ... بلغَ التَّجلُّدَ ذو العزاءِ الصَّابرِ نهوى الخليطَ وإنْ أقمْنا بعدهُ ... إنَّ المقيمَ مكلَّفٌ بالسَّائرِ وقال آخر: وفي الجيرةِ الغادينَ من بطنِ وجْرةٍ ... غزالٌ أحمُّ المُقْلتينِ ربيبُ فلا تحسبي أنَّ الغريبَ الَّذي نأى ... ولكنَّ مَنْ تنأيْنَ عنهُ غريبُ وقال آخر: تركْتِ بقلبي من فراقكِ لوعةً ... ستُتْلفُ ما أبقى وداعُكِ من نفسي أروحُ وأغدو مُستكيناً كأنَّني ... أُراقبُ حتفي حينَ أُصبحُ أوْ أُمسي الباب السابع والعشرون من غاب قرينهُ كثر حنينه من شأن من غاب عن خليله أن تناله حيرةٌ في جميع أموره يصحو عنها ويرجع إليه تمييزه فمن كان المتناول له من تلك الحيرة والآخذ بعنانه من تلك الغمرة داعٍ من غلبات الاشتياق وناهٍ عن المقام في قبضة الفراق لم يتمالك عن أحبابه وقتاً من الأوقات ولم يتشاغل عنهم بضربٍ من اللذَّات ومن كان الآخذ بيده من تلك الغمرات والمتخلِّص بخواطره من تلك السَّكرات ضرباً من الاشتغال بغير تلك الحال سلا على مرِّ الأيَّام والليالي وما دام في تلك الحيرة فهو متشاغل بتذكُّر من فارقه والشَّوق والحنين إلى من خلَّفه ألم تسمع الَّذي يقول: وإنَّ امرءاً في بلدةٍ نصفُ قلبهِ ... ونصفٌ بأُخرى غيرِها لصبورُ وددْتُ من الشَّوقِ المُبرِّحِ أنَّني ... أُعارُ جناحَيْ طائرٍ فأطيرُ

стр. 77

فما من نعيمِ العيشِ بعدكِ لذَّةٌ ... ولا لسرورٍ لستِ فيهِ سرورُ والَّذي يقول: بأكنافِ الحجازِ هوًى دفينُ ... يؤرِّقُني إذا هدَتِ العيونُ أحنُّ إلى الحجازِ وساكنيهِ ... حنينَ الإلفِ فارقهُ القرينُ وأبكي حينَ ترقدُ كلُّ عينٍ ... بكاءً بينَ زفرتهِ أنينُ وقال آخر: ذكرتُكِ ذكرى هائمٍ بكِ تنتهي ... إليكِ أمانيهِ وإنْ لم يكنْ وصلُ وليسَتْ بذكرى ساعةٍ بعدَ ساعةٍ ... ولكنَّها موصولةٌ ما لها فصلُ وقال أبو عطاء السندي: ذكرتُكِ والخطِيُّ يخطرُ بيننا ... وقدْ نهكَتْ منَّا المُثقَّفةُ السُّمْرُ فوالله ما أدري وإنِّي لصادقٌ ... أداءٌ عناني منْ ودادكِ أمْ سحْرُ فإنْ يكُ سحراً فاعذُريني علَى الهوَى ... وإنْ يكُ داءً غيرَهُ فلكِ العُذرُ وقال آخر: ألا يا لقومي للصَّبابةِ والذِّكرِ ... وللقدَرِ السَّاري إليكَ ولا تدري وللشَّيءِ تنساهُ وتذكرُ غيرَهُ ... وللشَّيءِ لا تنساهُ إلاَّ علَى ذكرِ وقال آخر: دعاكِ ضمانُ اللهِ يا أمَّ مالكٍ ... ولله أنْ يشفينَ أغنى وأوسعُ يُذكِّرُنيكِ الخيرُ والشَّرُّ والَّذي ... أخافُ وأرجو والَّذي أتوقَّعُ وقال مسلم بن الوليد: يذكِّرُنيكَ البُخْلُ والجودُ والعلى ... وقيلُ الخنا والحلمُ والعلمُ والجهلُ فألقاكَ عن مكروهِها مُتنزِّهاً ... وألقاكَ في محمودها ولكَ الفضلُ وقال آخر: ذكرْتُ بهِ منْ لنْ أُبالي بذكرهِ ... تفرُّقَ شعبٍ في النَّوى مُتزايلِ وإنَّ امرءاً بالشَّامِ أكثرُ أهلهِ ... وبُطنانَ ليسَ الشَّوقُ عنهُ بغافلِ وقال آخر: وذكرْتُ هنداً والمطايا تعتلي ... بالقومِ قد قطعوا العقيقَ وأنجدوا بعُدَ الطَّريقُ فباتَ يقسمُ أمرهُ ... أيجودُ بالعبراتِ أمْ يتجلَّدُ ولقدْ حُبستُ علَى البِعادِ فزادني ... طولُ البِعادِ حرارةً لا تبردُ وقال معاذ ليلَى: ذكرتُكِ حيثُ استأمنَ الوحشُ والتقتْ ... رفاقٌ منَ الآفاقِ شتَّى شعوبُها وعندَ الحطيمِ قدْ ذكرتُكِ ذكرةً ... أرى أنَّ نفسي سوفَ يأتيكِ حوبُها دعا المحرمونَ اللهَ يستغفرونهُ ... بمكَّةَ يوماً أنْ تُمحَّى ذنوبُها فناديْتُ أنْ يا ربِّ أوَّلُ سِئلتي ... لنفسيَ ليلَى ثمَّ أنتَ حسيبُها فإنْ أُعْطَ ليلَى في حياتيَ لا يتُبْ ... إلى اللهِ عبدٌ توبةً لا أتوبُها وقال آخر: لقدْ زادني الحُجَّاجُ شوقاً إليكمُ ... وما كنتُ قبلَ اليومِ للحجِّ قاليا وما نظرتْ عيني إلى شخصِ قادمٍ ... من الحجِّ إلاَّ بلَّ دمعي ردائيا وقال آخر: فما وجدَتْ كوجدي أمُّ سقْبٍ ... أضاعتْهُ فرجَّعتِ الحنينا ولا شمطاءُ لمْ تترُكْ شفاها ... لها من تسعةٍ إلاَّ حُنينا وقال بعض الأعراب: وما وجدُ أعرابيَّةٍ قذفَتْ بها ... نوى غُربةٍ من حيثُ لم تكُ طُلَّتِ تمنَّتْ أحاليبَ الرَّعاءِ وخيمةً ... بنجدٍ فلمْ يُقدرْ لها ما تمنَّتِ إذا ذكرَتْ ماءَ العضاهِ وطيبهُ ... وبردَ الحصى من نحوِ نجدٍ أرنَّتِ بأعظمَ من وجدٍ بريَّا وجدْتهُ ... غداةَ غدوْنا غُربةً واطمأنَّتِ فإنْ يكُ هذا آخرَ العهْدِ منهمُ ... فهذا الَّذي كُنَّا ظننَّا وظنَّتِ وقال الحسين الخليع: يا مَنْ شغلْتُ بهجرهِ ووصالهِ ... هِممَ المُنى ونسيتُ يومَ معادي والله ما التقتِ الجفونُ بطرفةٍ ... إلاَّ وذِكرُكَ خاطرٌ بفؤادي وقال ذو الرمة: إذا خطرَتْ من ذكرِ ميَّةَ خطرةٌ ... علَى القلبِ كادَتْ في فؤادِكَ تجرحُ علَى حينِ راهقْتُ الثَّلاثينَ وارعوَتْ ... لِداتي وكادَ الحلمُ بالجهلِ يرجحُ ذكرتُكِ أنْ مرَّتْ بنا أمُّ شادنٍ ... أمامَ المطايا تشرئبُّ وتسنحُ رأتنا كأنَّا عامدونَ لقصدِها ... بهِ فهيَ تدنو تارةً وتزَحْزحُ هيَ الشِّبهُ أعطافاً وجيداً ومُقلةً ... وميَّةُ أبهى بعدُ منها وأملحُ وأنشدتني أعرابية بالبادية:

стр. 78

هلِ الشَّوقُ إلاَّ مثلُ ما أتكلَّفُ ... أبينُ وعيني ما تَني الدَّهرَ تذرفُ تذكَّرْتُ بيتاً من نُعيْمةَ والنَّوى ... قريبٌ وقد كانَ الَّذي أتخوَّفُ فقدْ ظنَّ هذا القلبُ أنْ ليسَ ناظراً ... إلى وجهها ما كذَّبَ الله خندفُ فيا قلبُ صبراً واعترافاً بما قضى ... لكَ الله إنَّ الحرَّ بالصَّبرِ يُعرفُ تجلَّدْ وأجملْ واصطبرْ وازجُرْ الأسى ... لعلَّ النَّوى يوماً بنعمةَ تُسعفُ عسى دارُها أنْ ترعَوي بعدَ بُعدها ... عليكَ وتلقاها كما كنتَ تعزفُ وقال آخر: هلِ الشَّوقُ إلاَّ أنْ يحنَّ غريبُ ... وأنْ يستطيلَ العهدُ وهوَ قريبُ لياليَ يدعوني الصِّبى فأُجيبهُ ... وللشَّوقِ داعٍ مُسمعٌ ومُجيبُ وقائلةٍ ما بالُ لونكَ شاحباً ... وأهونُ ما بي أنْ يكونَ شحوبُ فقلتُ لها في الصَّدْرِ منِّي بلابلُ ... تقطَّعُ أنفاسي لها وتذوبُ وقال بعض الأعراب: ولو أنَّ ما ألقى وما بي منَ الهوَى ... بأرعنَ رُكناهُ صفاً وحديدُ تفطَّرَ من وجدٍ وذابَ حديدهُ ... وأمسى تراهُ العينُ وهوَ عميدُ ثلاثونَ يوماً كلَّ يومٍ وليلةٍ ... أموتُ وأحيا إنَّ ذا لشديدُ وقال آخر: أصابني بعدكِ ضُرُّ الهوَى ... ومسَّني كربٌ وإقلاقُ ويعلمُ اللهُ بحسْبي بهِ ... أنِّي إلى وجهكِ مُشتاقُ وقال آخر: أحنُّ إلى ليلَى وقد شطَّتِ النَّوى ... بليلى كما حنَّ اليراعُ المُثقَّبُ يقولونَ ليلَى عذَّبتْكَ بحبِّها ... ألا حبَّذا ذاكَ الحبيبُ المعذِّبُ وقال آخر: أحنُّ إلى أرضِ الحجازِ وحاجتي ... خيامٌ بنجدٍ دونها الطَّرفُ يقصرُ وما نظري من نحوِ نجدٍ بنافعي ... أجلْ لا ولكنِّي علَى ذاكَ أنظرُ أفي كلِّ يومٍ نظرةٌ ثمَّ عَبرةٌ ... بعينيكَ يجري ماءها يتحدَّرُ متى يستريحُ القلبُ إمَّا مُجاورٌ ... حزينٌ وإمَّا نازحٌ يتذكَّرُ ولبعض أهل هذا العصر: كفى حَزناً ألا أُعاينَ بُقعةً ... من الأرضِ إلاَّ زدْتُ شوقاً إليكمُ وإنِّي متى ما طابَ لي خفضُ عيشةٍ ... تذكَّرتُ أيَّاماً مضتْ لي لديكمُ فنغَّصَ تَذكاري لها طيبَ عيشَتي ... فقلتُ سيفْنَى ذا فيأسى عليكمُ وقال آخر: لئنْ درسَتْ أسبابُ ما كانَ بيننا ... منَ الوصلِ ما شوقي إليكِ بدارسِ ولا أنا منْ أنْ يجمعَ اللهُ بيننا ... علَى جُمْلِ ما كنَّا عليهِ بيائسِ وقال آخر: خليليَّ لا تستسلما وادعوا الَّذي ... لهُ كلُّ أمرٍ أنْ يصوبَ ربيعُ حياً لبلادٍ طيَّرَ المحْلُ أهلها ... وجبراً لعظْمٍ في شظَناهُ صدوعُ عسى أنْ يحلَّ الحيُّ جرعاءَ وابلٍ ... وعلَّ النَّوى بالظَّاعنينَ تريعُ أفي كلِّ عامٍ زفرةٌ مُستجدَّةٌ ... تضمَّنُها منِّي حشًى وضلوعُ وقال أبو تمام: إذا بنْتَ لم أحزَنْ لفقدِ مُفارقٍ ... سواكَ ولمْ أفرحْ بقربِ مُقيمِ فيا ليتني أفديكَ من غُربةِ النَّوى ... بكلِّ خليلٍ واصلٍ وحميمِ وقال آخر: إذا كنتَ لا يُسليكَ عمَّنْ تحبُّهُ ... فراقٌ ولا يشفيكَ طولُ تلاقِ فهلْ أنتَ إلاَّ مُستعيرٌ حُشاشةً ... بمهجةِ نفسٍ آذنتْ بفراقِ وقال يزيد بن الطثرية: ولمَّا رأيتُ البِشرَ قد حالَ دونهمْ ... ووافَتْ بناتُ الصَّدرِ يهوينَ نُزَّعا تلفَّتُّ نحوَ الحيِّ حتَّى رأيتُني ... وجعْتُ منَ الإصغاءِ ليتاً وأخدعا وقال ابن الدمينة: حننْتُ لذكرى منْ أميمةَ وارْعوى ... لها من قديماتِ الهوَى كلُّ سالفِ حنيناً ولوعاتٍ يفضنَ لها سوى ... بوادرِ غرباتِ الدُّموعِ الذَّوارفِ وقال بعض الأعراب: فلا تُشرفنْ رأسَ اليفاعِ فإنَّني ... لدى الشَّوقِ من رأسِ اليفاعِ قديرُ إذا شرفَ المحزونُ بشراً رأيتهُ ... يُسكِّنُ أحشاءً تكادُ تطيرُ وقال الحسين بن مطير: إذا ارتحلتْ منْ ساحلِ البحرِ رِفقةٌ ... مشرِّقةٌ هاجَ الفؤادَ ارتحالُها

стр. 79

فإنْ لا يُصاحبْها يُتبِّعْ بأعينٍ ... سريعٍ برقراقِ الدُّموعِ اكتحالُها وقال أيضاً: أحنُّ ويثنيني الهوَى نحوَ يثربٍ ... ويزدادُ شوقي كلَّ ممسًى وشارقِ كذاكَ الهوَى يُزري بمنْ كان عاشقاً ... ونوْلُ الهوَى يحنو علَى كلِّ عاشقِ وقال آخر: فما سرْتُ من ميلٍ ولا بتُّ ليلةً ... منَ الدَّهرِ إلاَّ اعتادني لكِ طائفُ وكمْ من بديل قدْ وجدنا وطوْفةٍ ... فتأبى عليَّ النَّفسَ تلكَ الطَّوائفُ وقال زيادة بن زيد: تذكَّرَ عنْ شحطٍ أُميمةَ فارْعوى ... لها بعدَ إقصارٍ وطولِ نُكوبِ وإنَّ امرءاً قدْ جرَّبَ الدَّهرَ لم يخفْ ... تقلُّبَ عصريهِ لغيرُ لبيبِ هلِ الدَّهرُ والأيَّامُ إلاَّ كما أرى ... رزيَّةُ مالٍ أوْ فراقُ حبيبِ ولبعض أهل هذا العصر: إلى اللهِ أشكو عبرةً قد أظلَّتِ ... ونفساً إذا ما عزَّها الشَّوقُ ذلَّتِ تحنُّ إلى أرضِ الحجازِ ودونها ... تنائفُ لو تسري بها الرِّيحُ ضلَّتِ وإنِّي بها لولا أماني تغرُّها ... وقد أرجفتْ هوجُ المطايا وكلَّتِ أأمنعُ منْ وادي زُبالةَ شربةً ... وقدْ نهِلتْ منهُ الكلابُ وعلَّتِ سقى اللهُ رملَ القاعِ والقاعَ فاللِّوى ... فقدْ عطفَتْ نفسي إليهِ وحنَّتِ وأسقى لِوى جبليْ زرودَ ومُرْبخاً ... سحائبُ لا يلقى الظَّما ما أظلَّتِ هممْتُ فلمْ أربعْ علَى الفكْرِ لحظةً ... وقد كانَ حظُّ النَّفسِ أنْ لو تأنَّتِ وأصبحتُ لهْفاناً علَى ما أضعتهُ ... كذاكَ يكونُ الرَّأيُ ما لم يُثبَّتِ الباب الثامن والعشرون من لم يلحق بالحمول بكى علَى الطُّلول إذا كان صحوُ المفارق لأحبابه من التحنُّن الَّذي ذكرناه بقلبه داعياً له قبل هواه ندم على مقامه بعد مضيّ أحبابه أوْ على اجترائه على السَّفر وأحبَّته مقيمون في الحضر فاستقبح صنيعه وتلافى تصنيعه فإن كان المحبُّ هو المسافر عن حبيبه. كان كالذي يقول: بينما هنَّ منْ بلاكثَ فالقا ... عِ سِراعاً والعيسُ تهوي هويَّا خطرَتْ خطرةٌ علَى القلبِ وهناً ... من هواها فما استطعتُ مُضيَّاً قلتُ لبَّيكِ إذْ دعاني لكِ الشَّوْ ... قُ وللحاديينِ كُدَّا المطيَّا وكما قال عبيد الراعي: دعاني الهوَى من أمِّ وبرٍ ودونها ... ثلاثةُ أخماسٍ فديتُكَ داعيا فعُجنا لذكراها وتشبيهِ صوتِها ... قلاصاً بمجهولِ الفلاةِ صواديا بغبراءَ مِحرافٍ يبيتُ دليلُها ... مُشيحاً عليها للفراقدِ راعيا وإن كانَ المحبوب المسافر والمحبُّ هو المتخلِّف عن إلفه تعسَّف ركوب المهالك في اللَّحاق. كما قال العرجي: كم قدْ عصيتُ إليكِ من مُتنصَّحٍ ... داني القرابةِ أوْ وعيدِ أعادي وتنوفةٍ غبراءَ أرمي عرضها ... شوقاً إليكِ بلا هدايةِ هادي وقال: قُلْ لهادي المطيِّ يرفقْ قليلا ... يجعلِ العيسَ سيرهُنَّ ذميلا لا تقِفْها علَى السَّبيلِ ودعْها ... يهْدِها شوقُ من عليها السَّبيلا وقال: أمَّا الدِّيارُ فقلَّما لبثوا بها ... بعدَ اشتياقِ العيسِ والرُّكبانِ وضعوا سياطَ الشَّوقِ في أعناقها ... حتَّى وردْنَ بهمْ علَى الأوْطانِ وقال: ويومٍ كتنُّورِ الطَّواهي سحرْنهُ ... وألقينَ فيه الجزلَ حتَّى تضرَّما قذفْتُ بنفسي في أجيجِ سمومهِ ... وبالعيسِ حتَّى بُلَّ مشفرُها دما أُؤمِّلُ أنْ ألقى منَ النَّاسِ عالماً ... بأخباركُمْ أوْ أنْ أُلمَّ مُسلِّما وأنشدني بعض أعراب البادية: بانتْ أنيسُ فما بالقلبِ معقولُ ... ولا علَى الجيرةِ الغادينَ تعويلُ حتَّى شددْتُ برحلي قبلَ برذعتي ... والقلبُ مُختبلٌ واللُّبُّ متبولُ ثمَّ اعتورْتُ علَى نِضوي ليُلْحقني ... أخرى الحمولِ الغوادي وهوَ معقولُ وقال الراعي: بانَ الأحبَّةُ بالعهدِ الَّذي عهدوا ... فلا تمالكَ عن أرضٍ لها عمدوا حتَّى إذا حالتِ الأرجاءُ دونهمُ ... أرجاءُ ترمُدَ كلَّ الطَّرفُ أوْ بعدوا

стр. 80

لولا المخاوفُ والأوصابُ قدْ قطعتْ ... عرضَ الفلاةِ بنا المهريَّةُ الأُجُدُ ولئن كان أفرط في الإحسان في البيت الأول لقد أفرط في الإساءة في البيت الآخر ولولا أنَّ قوله فلا تمالك عن أرض لها عمدوا من أحسن الكلام لفظاً وأصحِّه معنًى وأليقه بما قصدناه لأضربنا عن ذكره لقباحة ما عقب به وما المخاوف والأوصاب حتَّى يعتذر بها في التخلُّف عن الأحباب لقد بلغني أنَّ بشر بن مروان كان في معسكرٍ له بظهر البصرة فنادى بكثرة انصراف الجند من العسكر إلى المدينة فنادى مناديه من وجد بالبصرة من الجند سمِّرت كفُّه بمسمارٍ وكان في العسكر فتًى يألف خلَّةً له بالبصرة فكتب إليها. لولا مخافة بشرٍ أوْ عقوبته وأن يسمِّر في كفِّي بمسمار إذن لعطلت ثغري ثمَّ زرتكم إنَّ المحبَّ إذا ما اشتاق زوَّار. فكتبت إليه: ليسَ المحبُّ الَّذي يخشى العقابَ ولوْ ... كانت عقوبتهُ في كيَّةِ النَّارِ إنَّ المحبَّ الَّذي لا عيشَ ينفعهُ ... أوْ يستقرَّ ومنْ يهواهُ في الدَّارِ فلمَّا قرأ الأبيات دخل البصرة فأخذه صاحب الحرس فجاء به إلى بشر بن مروان فقال له بشرٌ ألم تسمع النِّداء قال بلى قال فما حملك على مخالفته قال هذه الأبيات ودفعها إلى بشر فلمَّا قرأها أمر مناديه فنادى من أحبَّ المقام في العسكر فليقم ومن أحبَّ دخول البصرة فليدخل. وقال آخر: فلوْ حشدوا بالإنسِ والجنِّ دونها ... لأنْ يمنعوني أنْ أجيءَ لجيتُ ولوْ خُلطَ السُّمُّ الذُّعافُ بريقهِ ... لسُقِّيتُ منهُ نهلةً فرويتُ ولبعض أهل هذا العصر: سقى اللهُ رملَ القاعِ وبلاً وديمةً ... لتحْيَ بهِ تلكَ الرُّسومُ الدَّوارسُ أشوْقاً إلى نجدٍ ودونَ لقائها ... أهاويلُ يُخشى قطعها وبسابسُ علَى أنَّ عبدَ الشَّوقِ ليستْ تهولهُ ... حُزونُ الفيافي واللَّيالي الدَّوامسُ بما حبلَتْ فلتأتني منْ بلائِها ... فليسَ لما يقضي بهِ الله حابسُ وله أيضاً: دعانيَ الشَّوقُ والرُّكبانُ قدْ هجدوا ... والشَّمسُ في آخرِ الجوزاءِ تتَّقدُ والقيظُ مُحتدمٌ والرُّوحُ منصرمٌ ... والرَّأيُ مختلفٌ والحتفُ مُطَّردُ والبيدُ مُغبرَّةُ الأرجاءِ مُقفرةٌ ... كأنَّ أعلامها في الآلِ ترتعدُ فظلْتُ طوعاً لداعي الشَّوقِ أُوقظهمْ ... وعلَّ أكثرهمْ ساهونَ ما رقدوا حتَّى إذا قلتُ شدُّوا قالَ بعضهمُ ... قد جُنَّ هذا فخلُّوا عنهُ وابتعدوا يذرونَ ما وجدوا من حرِّ يومهمِ ... وقتَ النُّزولِ ولا يدرونَ ما أجدُ حرُّ الفِراقُ إذا ما الهجرُ ساعدَهُ ... حرٌّ تُخصُّ بهِ الأحشاءُ والكبدُ وقال أبو دهبل: أأتركُ ليلَى ليسَ بيني وبينها ... سوى ليلةٍ إنِّي إذاً لَصبورُ هَبوني امرءاً منكمْ أضلَّ بعيرَهُ ... لهُ ذمَّةٌ إنَّ الذِّمامَ كبيرُ وللصَّاحبُ المتروكُ أعظمُ ذِمَّةً ... علَى صاحبٍ من أن يضلَّ بعيرُ عفا الله عن ليلَى الغداةَ فإنَّها ... إذا وليَتْ حكماً عليَّ تجورُ وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: فلوْ أنَّ شرقَ الشَّمسِ بيني وبينها ... وأهلي وراءَ الغربِ حيثُ تغيبُ لَداورْتُ قطعَ الأرضِ بيني وبينها ... وقال الهوَى لي إنَّهُ لقريبُ ولبعض أهل هذا العصر: يا منْ تجاوزَ حدَّ السَّمعِ والبصرِ ... ومنْ يفوقُ ضياءَ الشَّمسِ والقمرِ لو كنتَ تعلمُ ما ألقى من السَّهرِ ... وما أُقاسي منَ الأشجانِ والفكرِ وما تضمَّنَ قلبي من هواكَ إذاً ... لما رثيْتَ لجسمي منْ أذى المطرِ أنَّى يضرُّ ندى الأمطارِ ذا كبدٍ ... حرَّى وقلبٍ بنارِ الشَّوقِ مُستعرِ لو كانَ دونكَ بحرُ الصِّينِ مُعترضاً ... لخلْتُ ذاكَ سراباً دارسَ الأثرِ ولو أذنتَ وفيما بيننا سقرٌ ... لهوَّنَ الشَّوقُ خوضَ النَّارِ في سقرِ لا تكذبنَّ فما حالٌ تضمَّنها ... قلبُ المشوقِ توازي حالَ مُنتظرِ وقال بعض الأسديين: فإنْ تدعي نجداً ندعْهُ ومنْ بهِ ... وإنْ تسكُني نجداً فيا حبَّذا نجدُ

стр. 81

وإنْ كانَ يومُ الوعدِ يومَ لقائنا ... فلا تعذلاني أن أقولَ متى الوعدُ وقال نوال: وإن ترتبعْ ريَّا بغورِ تهامةٍ ... نُقِمْ عندها أوْ تترُكِ البرَّ نُنجدِ وإنْ حاربَتْ ريَّا نُحاربْ وإنْ تدِنْ ... ندنْ دينها لا عيْبَ للمتودِّدِ وقال امرؤ القيس بن حجر: وأصبحتُ ودَّعْتُ الصِّبى غيرَ أنَّني ... أُراقبُ خلاتٍ من العيشِ أربعا فمنهنَّ نصُّ العيسِ واللَّيلُ دامسٌ ... يُيمِّمنَ مجهولاً من الأرضِ بَلْقعا خوارجَ من برِّيَّةٍ نحوَ قريةٍ ... يُجدِّدْنَ وصلاً أوْ يُقرِّبنَ مطْمَعا وقال ذو الرمة: تذكَّرتُ ميّاً بعدَ ما حالَ دونها ... سهوبٌ ترامى بالمراسيلِ بيدُها إذا لامعاتُ البيدِ أعرضنَ دونها ... تقاربَ لي من حبِّ ميٍّ بعيدُها وقال ضابي بن الحارث بن أرطاة البرجمي: وكمْ دونَ سُلمى من فلاةٍ كأنَّما ... تجلَّلَ أعلاها مُلاءً مُفصَّلا مُحقَّفةٍ لا يهتدي لسبيلها ... منَ القومِ إلاَّ منْ مضى وتوكَّلا يُهالُ بها ركبُ الفلاةِ منَ الرَّدى ... ومن خوفِ حاديهمْ وما قدْ تحمَّلا قطعتُ إلى معروفها مُنكراتها ... إذا الآلُ بالبيدِ البسابسِ هرْولا وقال جميل بن معمر: ألا أيُّها العشَّاقُ ويحَكمُ هُبُّوا ... أُسائلكمُ هلْ يقتلُ الرَّجلَ الحبُّ ألا ربَّ ركبٍ قد رفعتُ وجيفهُمْ ... إليكِ ولولا أنتِ لم يوجفِ الرَّكبُ لها النَّظرةُ الأولى عليهمْ وبسطةٌ ... وإنْ كرَّتِ الأبصارُ كانَ لها العقْبُ وقال جرير: لشتَّانَ يومٌ بينَ سَجفٍ وكلَّةٍ ... ومرُّ المطايا تغتدي وتروَّحُ نقيسُ بقيَّاتِ النِّطَّافِ علَى الحصى ... وهنَّ علَى طيِّ الحيازيمِ جُنَّحُ ويومٍ من الجوزاءِ مُستوْقدِ الحصى ... تكادُ صياصي العينِ فيهِ تصيَّحُ شديدِ اللَّظى حامي الوديقةِ ريحهُ ... أشدُّ لظًى من شمسهِ حينَ يصْمحُ نصبْتُ له وجهي وحرفاً كأنَّها ... منَ الجهدِ والإسآدِ قرمٌ مُلوَّحُ وقال علي بن محمد العلوي: هذا وحرفٍ إذا ماتتْ مفاصلهُ ... عن راكبٍ وصلَتْ أكفالَهُ بيدُ يهماءُ لا يتخطَّاها الدَّليلُ سُرًى ... إلاَّ وناظرهُ بالنَّجمِ معقودُ جاوزتُها والرَّدى رحبٌ معالمهُ ... فيها ومسلكُها بالخوفِ مسدودُ ولبعض أهل هذا العصر: كمْ دونَ أرضكَ من وادٍ ومن علَمٍ ... كأنَّ أعلاهُ بالأفلاكِ مُنتسجُ ومنْ مروجٍ كظهرِ التُّرسِ مُظلمةٍ ... كأنَّ حصبائَها تحتَ الدُّجى سُبُجُ حتَّى إذا الشَّمسُ لاحتْ في سَباسبها ... حسبْتَ أعلامها في الآلِ تختلجُ وكمْ فلاةٍ يفوتُ الطَّرفَ آخرها ... للجنِّ باللَّيلِ في أقطارها وهجُ يهماءُ غبراءُ لا يدري الدَّليلُ بها ... في أيِّ أرجائها يُرجى لهُ الفرجُ قطعتُها بابنِ حرفٍ ضامرٍ قطمٍ ... صلبِ المناسمِ في إرْقالهِ هوَجُ شوقاً إليكَ ولولا ما أُكابدهُ ... لكانَ لي في بلادِ اللهِ مُنفرَجُ فإن تجدْ لي فَمحقوقٌ بذاكَ وإنْ ... تبخلْ عليَّ فلا لومٌ ولا حرجُ قوله فمحقوقٌ بذاك يعني أنت محقوقٌ بالفضل ليس تجشُّمي ما وصفته لك أوجب ذلك لي عليك بذلك على أنَّه أراد بذلك قوله وإن تبخل عليَّ فلا لومٌ ولا حرج لأنه لو كان حقّاً له كان ظالمه حرجاً فعلى هذا التَّفسير يصير معنى الكلام صحيحاً ولو قصد ذلك المعنى الآخر كان خطأً قبيحاً. وقال آخر: أقولُ لصاحبيَّ بأرضِ نجدٍ ... وجدَّ مسيرُنا ودَنا الطُّروقُ أرى قلبي سينقطعُ اشتياقاً ... وأحزاناً وما انقطعَ الطَّريقُ وقال آخر: لمَّا وردْتُ التَّغلبِ ... يَّةَ عندَ مُنصرفِ الرِّفاقِ وشممْتُ من أرضِ الحجا ... زِ نسيمَ أرواحِ العراقِ أيقنتُ لي ولمنْ أُح ... بُّ بجمعِ شملٍ واتِّفاقِ وقال القعقاع الذهلي: خليليَّ ما منْ ليلةٍ تسريانها ... منَ الدَّهرِ إلاَّ نفَّستْ عنكُما كربا أليسَ يزيدُ السَّيرُ عن كلِّ ليلةٍ ... ويزدادُ يومٌ من أحبَّتنا قُرْبا

стр. 82

إذا الجبلُ النَّائي حواكِ مقيلهُ ... جعلنا علينا أنْ نُجاورَهُ نحبا فما ذكرَتْ عندي لها من سميَّةٍ ... فتملكَ عيني من مدامعها غربا من شأن من قصد لقاء أحبابه أن تتطاول عليه الطَّريق عند اقترابه ويلحقه حينئذٍ من الضَّجر مع قربه منه أضعاف ما ناله إذْ كان متباعداً عنه. وفي ذلك يقول الموصلي: طربْتَ إلى الأُصَيْبِيةِ الصِّغارِ ... وهاجكَ منهمُ قربُ المزارِ وأبرحُ ما يكونُ الشَّوقُ يوماً ... إذا دنتِ الدِّيارُ من الدِّيارِ فهذا لعمري قولٌ حقٌّ غير أنَّه لم يُخبر بعلَّته. ولقد أحسن الَّذي يقول في نحوه: هلِ الحبُّ إلاَّ زفرةٌ بعدَ عبرةٍ ... وحرٌّ علَى الأحشاءِ ليسَ لهُ برْدُ وفيضُ دموعِ العينِ يا ميُّ كلَّما ... بدا علمٌ منْ أرضكُمْ لم يكنْ يبدو وقد ذكر عمر بن أبي ربيعة هذا المعنى فجوّده أنشدني له أبو العباس أحمد بن يحيى: خليليَّ ما بالُ المطايا كأنَّما ... نراها علَى الأدبارِ بالقومِ تنكِصُ وقدْ أتعبَ الحادي سُراهنَّ وانثنى ... بهنَّ فما بالرَّاجعاتِ مُقلِّصُ وقدْ قُطعتْ أعناقهُنَّ صبابةً ... فأنفسُها ممَّا يُلاقينَ شُخَّصُ يزدْنَ بنا قُرباً فيزدادُ شوقُنا ... إذا ازدادَ طولُ العهدِ والبعدُ ينقصُ أفلا ترى إلى إيضاحه أنَّ العلّة في تزايد شوقه إنَّما هي تطاول مدَّةٍ وأنَّه كلَّما قطع جزءٌ من الطريق فقرب المقصود زاد في مدَّة المفارقة وقتٌ فزاد الاشتياق على حسب تزايد مدَّة الفراق على أنَّ عمر قد أوضح أشياء وأغفل شيئاً من أنَّ تطاول المدَّة يزيد في الشَّوق مع تقارب الشُّقَّة ولم يذكر أنَّ قوَّة الرَّجاء لسرعة اللِّقاء من أقوى الأسباب في تقوية الشَّوق عند الاقتراب. الباب التاسع والعشرون من قصَّر عن مصاحبة الجار لم تنفعه مسائلة الدَّار حدَّثني أبو العبَّاس أحمد بن يحيى النَّحويُّ قال حدَّثنا أبو سعيد قال حدَّثنا الهرويُّ قال حدثنا موسى بن جعفرٍ بن كثيِّرٍ قال كان المجنون لما أصابه ما أصابه يخرج فإذا أتى الشَّام قال لهم أين أرض بني عامر فقالوا له وأين أنت من أرض بني عامرٍ وقف عند جبلٍ يقال له التَّوباد ثمَّ أنشد: وأجهشْتُ للتَّوبادِ لمَّا رأيتهُ ... وهلَّلَ للرَّحمانِ حينَ رآني وأذريْتُ دمعَ العينِ لمَّا رأيتهُ ... ونادى بأعلى صوتهِ فدعاني وقلتُ له أينَ الَّذينَ عهدتهمْ ... حوالَيْكَ في عيشٍ وخير زمانِ فقالَ مضوْا واستودعوني بلادهُمْ ... ومنْ ذا الَّذي يبقى علَى الحدثانِ وإنِّي لأبكي اليومَ من حذري غداً ... فراقَكَ والحيَّانِ مُؤْتلفانِ سجالاً وتهْتاناً ووبْلاً وديمةً ... وسحّاً وتسجاماً وينهملانِ قال ثمَّ يمضي حتَّى يأتي العراق فيقول مثل ذلك ثمَّ يأتي اليمن فيقول مثل ذلك. وقال الوليد بن عبيد الطائي: ذاكَ وادي الأراكِ فاحبسْ قليلاً ... مُقصراً منْ صبابةٍ أوْ مُطيلا قِفْ مشوقاً أوْ مُسعداً أوْ حزيناً ... أوْ مُعيناً أوْ عاذراً أوْ عذولا إنَّ بينَ الكثيبِ فالجزعِ فالآ ... رامِ رَبْعاً لآلِ هندٍ محيلا أبلَتِ الرِّيحُ والرَّوائحُ والأ ... يَّامُ منهُ معالماً وطُلولا وخلافُ الجميلِ قولُكَ للذا ... كرِ عهدَ الأحبابِ صبراً جميلا لا تلُمْهُ علَى مواصلةِ الدَّمْ ... عِ ولؤمٌ لومُ الخليلِ الخليلا لم يكنْ يومُنا طويلاً بنعما ... نٍ ولكن كانَ البُكاءُ طويلا وقال يحيى بن منصور: أما يستفيقُ القلبُ إلاَّ انبرى لهُ ... توهُّمُ دارٍ من سعادٍ ومربَعِ أُخادعُ عنْ عِرفانها العينَ إنَّها ... متى تُثبتِ الأطلالَ عينيَ تدمعِ عهدْنا بها وحشاً عليها براقعٌ ... وهذي وحوشٌ حُسَّرٌ لم تُبرقعِ وقال ذو الرمة: أإنْ ترسَّمتَ من خرقاءَ منزلةً ... ماءُ الصَّبابةِ من عينيكَ مسجومُ منازلُ الحيِّ إذْ لا الدَّارُ نازحةٌ ... بالأصفياءِ وإذْ لا العيشُ مذمومُ تعتادني زفراتٌ حينَ أذكرُها ... تكادُ تنقدُّ منهُنَّ الحيازيمُ وقال أيضاً:

стр. 83

كأنَّ ديارَ الحيِّ بالزُّرقِ حلقةٌ ... منَ الأرضِ أوْ مكتوبةٌ بمِدادِ إذا قلتُ تعفو لاحَ منها مُهيِّجٌ ... عليَّ الهوَى من طارفٍ وتِلادِ وما أنا في دارٍ لميٍّ عرفتُها ... بجلدٍ ولا عيني بها بجمادِ إذا قلتُ بعدَ الجهدِ يا ميُّ نلتقي ... عدتْني بكرْهٍ أن أراكِ عوادي ودويَّةٍ مثلُ السَّماءِ اعتسفتُها ... وقد صبغَ اللَّيلُ الحصى بسوادِ أمَّا تشبيهه رسوم الدَّار بالحلقة من الأرض فهذا إحسانٌ في معناه وإعرابٌ في لفظه وما أساء في تشبيهها بالكتابة بالمداد غير أنَّ هذا مسبوقٌ إليه فالمعيد لذكره غير ملومٍ فيه ولا محمودٍ عليه وأما إخباره بأنَّها تهيج هواه وادكاره فهو أيضاً معنًى غير مبتدعٍ إلاَّ أنَّه يدلُّ على ضعفٍ في الحال ونقصٍ في الجزع ويشهد بما قلناه اعتذاره إلى من يهواه ومن تركه القصد إلى لقائه بأنه إذا عزم على ذلك عداه عنه مكروهٌ من أشغاله وكلُّ هذه الأوصاف تدلُّ على قصور حاله. ولقد قال البحتري في أكثر هذه الأحوال فأحسن فيما قال فمن ذلك قوله: دَمنٌ كمثلِ طرائقِ الوشْيِ انجلَتْ ... لمَعاتهُنَّ منَ الرِّداءِ المُنهَجِ يضْعُفنَ عنْ إذكارنا عهدَ الصِّبى ... أوْ أنْ يهجْنَ صبابةً لم تهتجِ ولرُبَّ دهرٍ قد تبسَّمَ ضاحكاً ... عن طرَّتَيْ زمنٍ بهنَّ مُدبَّجِ منْ قبلِ داعيةُ الفراقِ ورحلةٌ ... منعَتْ مُغازلةَ الغزالِ الأدْعجِ لأُكلِّفنَّ العيسَ أبعدَ غايةٍ ... يجري إليها خائفٌ أوْ مُرتجِ وله أيضاً: لا تقفْ بي علَى الدِّيارِ فإنِّي ... لستُ من أربُعٍ ورسمٍ مُحيلِ في بكاءٍ علَى الأحبَّةِ شغلٌ ... لأخي الحبِّ عنْ بُكاءِ الطُّلولِ علَى أنَّه قد نقض أيضاً علَى نفسه هذا المعنى الَّذي استحسناه بقوله: أينَ أهلُ القبابِ بالأجرعِ الفَرْ ... دِ تولُّوا لا أينَ أهلُ القِبابِ سقمٌ دونَ أعينٍ ذاتِ سُقمٍ ... وعذابٌ دونَ الثَّنايا العِذابِ وكمثلِ الأحبابِ لو يعلمُ العا ... ذلُ عندي منازلُ الأحبابِ فهو يوهمُنا في الأبيات الأول أنَّ الصَّبابة قد ملكت هممه وأفكاره وتناولت خواطره وادِّكاره حتَّى لم تدع فيه فضلاً لعارضٍ يهيجه ولا لمنزلٍ يذكّره وأنَّ شغله بالتَّفرُّد بالبكاء على إلفه يمنعه من التَّشاغل بالوقوف على منزله وهو في هذه الأبيات لا يرضى أن يجعل البكاء على الدَّار لضروبٍ من ضروب الادِّكار برغم أنَّ موقعها في فؤاده كموقع من كان فيها من أحبابه وهذا أفرط في التَّفاوت والمناقضات غير أنَّ من تكلَّم على قدر الأوقات وجرى مع أحكام الهوَى على حسب الغايات غدر بل تحيَّل في قوله فضلاً عن أن يخالف مذهباً إلى غيره. ولقد أنصف الَّذي يقول: لَعمركَ ما أبكي علَى الدَّارِ إذْ خلتْ ... ولكن لأهلِ الدَّارِ إذْ ودَّعوا الدَّارا تولُّوا فولَّى العيشُ من بعدِ غبْطةٍ ... وأبقوا بقلبي من تذكُّرهمْ نارا وقال ذو الرمة: بجرعائها من ساكنِ الحيِّ ملعبٌ ... وآريُّ أفراسٍ كجُرثومةِ النَّملِ كأنْ لم يكُنها الحيُّ إذْ أنتَ مرَّةً ... بها ميِّتُ الأهواءِ مجتمعُ الشَّملِ بكيتُ علَى ميٍّ بها إذْ عرفتُها ... وهجْتُ الهوَى حتَّى بكى القومُ من أجلي فظلُّوا ومنهمْ دمعهُ غالبٌ لهُ ... وآخَرُ يثني عبرةَ العينِ بالهملِ وهلْ همَلانُ العينِ راجعُ ما مضى ... من الوجدِ أوْ مُدْنيكِ يا ميُّ من أهلي ألا لا أُبالي الموتَ إن كانَ قبلهُ ... لقاءٌ لميٍّ وارتجاعٌ من الوصلِ وقال أيضاً: قِفِ العيسَ في أطلالِ ميَّةَ فاسألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداءِ المُسلسلِ أظنُّ الَّذي يُجدي عليكَ سؤالُها ... دموعاً كتبذيرِ الجُمانِ المفصَّلِ وكائنْ تخطَّتْ ناقتي منْ مفازةٍ ... ومن نائمٍ عن ليلةٍ مُتزمِّلِ وقال ذو الرمة: وقفْتُ علَى ربْعٍ لميَّةَ ناقتي ... فما زلتُ أبكي عندهُ وأُخاطبُهْ وأُسقيهِ حتَّى كادَ ممَّا أبثُّهُ ... تُكلِّمني أحجارهُ وملاعبُهْ

стр. 84

ألا لا أرى مثلَ الهوَى داءَ مسلمٍ ... كريمٍ ولا مثلَ الهوَى ليمَ صاحبُهْ وقال أيضاً: أمنزلتَيْ ميٍّ سلامٌ عليكما ... هلِ الأزمنُ الَّلاتي مضيْنَ رواجعُ وهلْ يرجعُ التَّسليمَ أوْ يكشفُ العمى ... ثلاثُ الأثافي والدِّيارُ البلاقعُ توهَّمْتها يوماً فقلتُ لصاحبي ... وليسَ بها إلاَّ الظِّباءُ الخواضعُ قفِ العيسَ تنظرْ نظرةً في ديارها ... وهل ذاكَ من داءِ الصَّبابةِ نافعُ فقال أما تغشى لميَّةَ منزلاً ... من الدَّهر إلاَّ قلتَ هلْ أنتَ رابعُ وقال أبو تمام: أوَ ما رأيتَ منازلَ ابنةِ مالكٍ ... رسمتْ لهُ كيفَ الزَّفيرُ رسومُها وكأنَّما ألقى عصاهُ بها البِلى ... من شقَّةٍ قُذفٍ فليسَ يريمُها والحادثاتُ وإنْ أصابكَ بؤسُها ... فهوَ الَّذي أنباكَ كيفَ نعيمُها فلقَبلُ أظهرَ صقلُ سيفٍ إثرَهُ ... فبدا وهذَّبتِ القلوبَ همومُها وقال البحتري: أمحلَّتَيْ سُلمى بكاظمةَ اسلما ... وتعلَّما أنَّ الجوى ما هجتُما أبكيكُما دمعاً ولو أنِّي علَى ... قدرِ الجوى أبكي بكيتُكُما دما طللا أُكفكفُ فيهِ دمعاً مُعرباً ... بجوًى وأقرأُ منهُ خطّاً أعجما تأبى رُباهُ أنْ تُجيبَ ولم يكنْ ... مُستخبراً ليُجيبَ حتَّى يفهما وقال أيضاً: يا يومُ عرِّجْ بلْ وراءكَ يا غدُ ... قدْ أجمعوا بيناً وأنتَ الموعِدُ في كلِّ يومٍ دمنةٌ من حُبِّهمْ ... تُقوي وربعٌ بعدهُمْ يتأبَّدُ دمِنٌ تقاضاهنَّ أعلامَ البِلى ... هوجُ الرِّياح البادياتُ العُوَّدُ حتَّى فنينَ وما البقاءُ لواحدٍ ... والدَّهرُ في أطرافهِ يتردَّدُ وقال أبو تمام: ديارٌ هراقَتْ كلَّ عينٍ شحيحةٍ ... وأوطأتِ الأحزانَ كلَّ حشًى جلْدِ فعوجا صدورَ الأرْحبيِّ وأسهلا ... بذاكَ الكثيبِ السَّهلِ والعلَمِ الفرْدِ فلا تسألاني عن هويٍّ طُعمتُما ... جواهُ فليسَ الوجدُ إلاَّ منَ الوجدِ وقال البحتري لنفسه: لا دمنةٌ بلِوى خبْتٍ ولا طللُ ... يردُّ قولاً علَى ذي لوعةٍ يسلُ إنْ عنَّ دمعكَ في إثرِ الرُّسومِ فلمْ ... يصبْ عليها فعندي مدمعٌ ذللُ هلْ أنتَ يوماً مُعيري نظرةً فترى ... في رملِ يبرينَ عيراً سيرُها رملُ شبُّوا النَّوى بحُداةٍ ما لها وطنٌ ... إلاَّ النَّوى وجِمالٍ ما لها عقُلُ وقال ذو الرمة: يقولُ بالزُّرقِ صحبي إذْ وقفتُ بهمْ ... في دارِ ميَّةَ استسقي لها المطرا لو كان قلبكَ من صخرٍ لصدَّعهُ ... هيجُ الدِّيارِ لكَ الأحزانَ والذِّكرا وزفرةٌ تعتريني كلَّما ذُكرتْ ... ميٌّ لهُ أوْ نحا من نحوها البصرا ما زلتُ أطردُ في آثارهِمْ نظري ... والشَّوقُ يقتادُ في ذي الحاجةِ النَّظرا وقال أيضاً: عرفتُ لها داراً فأبصرَ صاحبي ... صحيفةَ وجهي قدْ تغيَّرَ حالُها فقلتُ لنفسي من حياءٍ رددْتُهُ ... إليها وقد بلَّ الجفونَ بَلالُها أمِنْ أجلِ دارٍ طيَّرَ البينُ أهلَها ... أيادي سبا بعدي وطالَ احتيالُها فؤادكَ مبثوثٌ عليكَ شجونهُ ... وعينكَ يعصي عاذليكَ انهمالُها وقال الراعي: ألا أيُّها الرَّبعُ الخلاءُ مشاربُهْ ... أشِرْ للفتى من أينَ صارَ حبائبُهْ فلمَّا رأينا أنَّما هوَ منزلٌ ... وموقدُ نارٍ قلَّما عادَ حاطبُهْ مضيْتُ علَى شأني بمرَّةِ مُخرجٍ ... عنِ الشَّأوِ ذي شغبٍ علَى من يحاربُهْ ولبعض أهل هذا العصر: أتهجرُ منْ تحبُّ وأنتَ جارُ ... وتطلبهُمْ وقدْ بعُدَ المزارُ وتسكنُ بعدَ نأيهمِ اشتياقاً ... وتسألُ في المنازلِ أينَ ساروا تركْتَ سؤالهُمْ وهمُ جميعٌ ... وترجو أنْ تُخبِّركَ الدِّيارُ فأنتَ كمُشتري أثرٍ بعينٍ ... فقلبكَ بالصَّبابةِ مُستطارُ فنفسكَ لُمْ ولا تلمِ المطايا ... ومُتْ أسفاً فقد حقَّ الحذارُ سمعتَ بنأيهُمْ وظللْتَ حيّاً ... فقدتُكَ كيفَ يُهنيكَ القرارُ

стр. 85

إذا ما الصَّبُّ أسلمهُ صدودٌ ... إلى بينٍ فمهجتهُ جُبارُ تباعدَ من هويتَ وأنتَ دانٍ ... فلا تتعبْ فليسَ لكَ اعتذارُ إذا ما بانَ من تهوى فولَّى ... ولجَّ بكَ الهوَى فالصَّبرُ عارُ وله أيضاً: أمرُّ علَى المنزلِ كالغريبِ ... أُسائلُ من لقيتُ عنِ الحبيبِ وما يغني الوقوفُ علَى الأثافي ... ونُؤيِ الدَّارِ عنْ دنفٍ كئيبِ حبستُ بها المطيَّ فلمْ تُجبني ... ولمْ ترحمْ بلا شكٍّ نحيبي فقلتُ لها سكوتُكِ ذا عجيبٌ ... وأعجبُ من سكوتكِ أنْ تُجيبي شكوْتُ إلى الدِّيارِ فما شفتْني ... بلى شاقتْ إلى وجهِ الحبيبِ فمنْ يُنجي العليلَ منَ المنايا ... إذا كانَ البلاءُ منَ الطَّبيبِ الباب الثلاثون من مُنع من البراح تشوَّق بالرِّياح كلُّ متشوَّقٍ من العشَّاق بنسيم ريحٍ أوْ لمعان برقٍ أوْ سجع حمامٍ فهو ناقصٌ عن حال التَّمام من جهتين إحداهما قلَّة صبره على فقد صاحبه حتَّى يحتاج أن يرى ما يشوقه بذكره والأخرى أنَّ من كانت هذه صفته فإنَّ الصَّبابة لم تتمالك على قلبه فتشغله عن أن يتشوَّق بشيءٍ يلمُّ به غير أنَّ الشَّوق بما ذكرناه إنَّما يقصِّر بأهله عن درجة الكمال وليس بمدخلٍ لهم في جملة الموصوفين بالنَّقص والإخلال ومن مختار ما قيل في الشَّوق بالرِّياح. قول ذي الرمة: إذا هبَّتِ الأرياحُ من نحوِ جانبٍ ... بهِ أهلُ ميٍّ هاجَ شوقي هبوبُها هوًى تذرفُ العينانِ منهُ وإنَّما ... هوى كلِّ نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبُها وقال آخر: وقدْ عاودتْنا الرِّيحُ منها بنفحةٍ ... علَى كبدٍ من طيبِ أرواحها بردُ عِديني بنفسي أنتِ وعداً فربَّما ... جلا كربةَ المكروبِ عن قلبه الوعْدُ فقدْ بتُّ لا قومٌ ولا كبليَّتي ... ولا مثلُ وجدي في الشِّفا بكمُ وجدُ وقال مجنون بني عامر: أيا جبليْ نعمانَ باللهِ خلِّيا ... طريقَ الصَّبا يخلصْ إليَّ نسيمُها أجدْ بردَها أوْ تشفِ منِّي حرارةً ... علَى كبدٍ لمْ يبقَ إلاَّ صميمُها فإنَّ الصَّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمتْ ... علَى نفسِ مغمومٍ تجلَّتْ غيومُها وقال ابن الدمينة: وقدْ جعلتْ ريَّا الجنوبِ إذا جرتْ ... علَى ضعفِها تبدَا لنا وتطيبُ جنوبٌ بريَّا مِنْ أُميمةَ تغتدِي ... حجازيَّةً عُلويةً وتؤوبُ وقالت وجيهة بنت أوس الضبية: فلو أنَّ ريحاً بلَّغتْ وحْيَ مُرسل ... حفِيِّ لناجيتُ الجنوبَ علَى النَّقبِ فقلتُ لها أدِّي إليهمْ تحيَّتي ... ولا تخلطيها طالَ سعدكِ بالتُّربِ فإنِّي إذا هبَّتْ شمالٌ سألتُها ... هلِ ازدادَ صدَّاحُ النُّميرةِ مِنْ قربِ وقال يزيد بن الطثرية: إذا ما الرِّيحُ نحوَ الأثلِ هبَّتْ ... وجدتُ الرِّيحَ طيِّبةً جنوبا فماذا يمنعُ الأرواحَ تسرِي ... بريَّا أُمِّ عمرو أنْ تطيبا أليستْ أُعطيتْ في حسنِ خلقٍ ... كما شاءتْ وجُنِّبتِ العيوبا وقال آخر: خليليَّ مِنْ سكانَ مُرَّانَ هاجَني ... سكونُ الجنوبِ مرَّةً وابتسامُها فإنْ تسأَلاني ما دوائِي فإنَّني ... بمنزلةٍ أعيَى الطَّبيبَ سقامُها وقال صخر الحرمازي: لعمركَ ما ميعادُ عينيكَ بالبُكا ... بداراءَ إلاَّ أنْ تهبَّ جنوبُ أُعاشرُ في داراءَ مَنْ لا أُحبُّهُ ... وبالرَّملِ مهجورٌ إليَّ حبيبُ وقال آخر: عليكِ سلامُ اللهِ أمَّا قلوبُنا ... فمرضَى وأمَّا ودُّنا فصحيحُ وإنِّي لأستسقِي بكلِّ سحابةٍ ... تمرُّ بها منْ نحوِ أرضكِ ريحُ قال آخر: هوَى صاحِبي ريحُ الشَّمالِ إذا جرتْ ... وأهوَى لنفسي أنْ تهبَّ جنوبُ وما ذاكَ إلاَّ أنَّها حينَ تنتهي ... تناهَى وفيها مِنْ أُميمةَ طيبُ فويلِي منَ العذَّالِ ما يترُكونني ... بغمِّي أمَا في العاذلينَ لبيبُ يقولُونَ لو عزَّيتَ قلبكَ لارْعَوى ... فقلتُ وهلْ للعاشقينَ قلوبُ وقال مهدي بن الملوح: إذا الرِّيحُ مِنْ نحوِ الحبيبِ تنسَّمتْ ... وجدتُ لريَّاها علَى كبدِي بردَا

стр. 86

علَى كبدٍ قدْ كادَ يُبدي بها الجوى ... صدوعاً وبعضُ القومِ يحسبُني جلدا وقال آخر: تمرُّ الصَّبا بساكنِ ذي الغضا ... فيصدعُ قلبي أنْ يهبَّ هبوبُها قريبةُ عهدٍ بالحبيبِ وإنَّما ... هوَى كلِّ نفسٍ حيثُ كانَ حبيبُها وقال الجويرية: يصحِّحُ أوصابي علَى النَّأيِ والهوَى ... مُهيجُ الصَّبا مِنْ نحوِها حينَ تنفحُ وما اعترضتْ للرَّكبِ أدماءُ حرّةٌ ... منَ العينِ إلاَّ ظلَّتِ العينُ تسفحُ وعاتبةٍ عندِي لها قلتُ أقْصري ... فغيركِ خيرٌ منكِ قولاً وأنصحُ وقال الورد بن الورد العجلي: أمُغترباً أصبحتَ في دارِ مهرةٍ ... ألا كلُّ نجديٍّ هناكَ غريبُ إذا هبَّ عُلويُّ الرِّياحِ وجدتَني ... كأنِّي لعُلويِّ الرِّياحِ نسيبُ ألا حبَّذا الإصعادُ لو تستطيعهُ ... ولكنْ أجلْ لا ما أقامَ عسيبُ فإنْ مرَّ ركبٌ مُصعدونَ فقلبهُ ... معَ المُصعدينَ الرَّائحينَ جنيبُ سلِ الرِّيحَ إنْ هبَّتْ جنوباً ضعيفةً ... متى عهدُها بالدَّيرِ زِير حبيبُ متى عهدُها بالمُوقلاتِ وحبَّذا ... شواكلُ ذاكَ العيشِ حينَ يطيبُ ولا خيرَ في الدُّنيا إذا أنتَ لمْ تزرْ ... حبيباً ولمْ يطربْ إليكَ حبيبُ وقال آخر: ألا ليتَ شِعري هلْ يعودَنَّ ما مضَى ... لياليَ عيشُ الأصفياءِ رطيبُ وهلْ عائدٌ قبلَ المماتِ فراجعٌ ... علَى عهدهِ دهرٌ إليَّ حبيبُ وإنِّي لتُحْييني الصَّبا وتُميتُني ... إذا ما جرتْ بعدَ الشَّمالِ جنوبُ وتبردُ نفسي بلْ تعيشُ حشاشَتي ... شمالٌ بها بعدَ الهدوِّ هبوبُ وأرتاحُ للبرقِ اليمانِي كأنَّني ... لهُ حينَ يجري في السَّماءِ نسيبُ وقال ابن الدمينة: ألا لا أُحبُّ السَّيرَ إلاَّ مُصعِّداً ... ولا الرِّيحَ إلاَّ أنْ تهبَّ جنوبُ إذا هبَّ عُلويُّ الرِّياحِ وجدتَني ... كأنِّي لعُلويِّ الرِّياحِ نسيبُ وقال آخر: إذا هبَّتِ الأرواحُ مِنْ نحوِ أرضهمْ ... وجدتُ لريَّاها إذا ما جرتْ بردَا ومَنْ يلبسِ الدُّنيا ونُعمى ويختلفْ ... عليهِ جَديداها يُجِدَّا لهُ فقدا وقال ابن الدمينة: فيا حسراتِ النَّفسِ مِنْ غربةِ النَّوى ... إذا قسمتْها نيَّةٌ وشعوبُ ومِنْ خطراتٍ تعتَريني وزفرةٍ ... لها بينَ جلدي والعظامِ دبيبُ وقدْ جعلتْ ريَّا الجنوبِ إذا جرتْ ... علَى طيبِها تبدَا لنا وتطيبُ جنوبٌ بريَّا مِنْ أُميمةَ تغتدي ... حجازيَّةً علويَّةً وتؤوبُ وقال هدبة بن خشرم: ألا ليتَ الرِّياحَ مسخَّراتٌ ... لِحاجتنا تراوحُ أوْ تؤُبُ فتُبلغنا الشَّمالُ إذا أتتْنا ... وتُبلغَ أهلَنا عنَّا الجنوبُ ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى: مباشرةُ النَّسيمِ لشخصِ إلفي ... أشدُّ عليَّ مِنْ فقدِ الحبيبِ نأَى عنِّي الحبيبُ فصارَ قلبي ... يغارُ علَى الصَّبا وعلَى الجنوبِ ولوْ يسطيعُ ما درجتْ دَبورٌ ... إذنْ ونهَى الشَّمالُ عنِ الجنوبِ خليلِي مِنْ نواكَ أخذتُ حظِّي ... فهلْ لي في نوالكَ مِنْ نصيبِ نُفيتُ منَ الهوَى إنْ كانَ قلبي ... دعَى ودّاً كودِّكَ في المغيبِ وقال حميد بن ثور: يهشُّ لنجديِّ الرِّياحِ كأنَّهُ ... أخُو كربةٍ داني الإسارِ طليقُ فيا طيبَ ريَّاها وبردَ نسيمِها ... إذا حانَ مِنْ حامي النَّهارِ طروقُ وقال جرير: يا حبَّذا جبلُ الرَّيانِ مِنْ جبلٍ ... وحبَّذا ساكنُ الرَّيانِ مَنْ كانا وحبَّذا نفحاتٌ منْ يمانيَةٍ ... تأتيكَ منْ قبلِ الرَّيانِ أحيانا وقال آخر: إذا هبَّ علويُّ الرِّياحِ وجدتَني ... يهشُّ لعلويِّ الرِّياحِ فؤاديا فإنْ هبَّتِ الرِّيحُ الصَّبا هيَّجتْ لنا ... دواعيَ حزنٍ لم يجدنَ مُداويا وما هبَّتِ الرِّيحُ الصَّحيحةُ موهناً ... منَ اللَّيلِ إلاَّ بتُّ للرِّيحِ ضاويا وإلاَّ علتْني عبرةٌ ثمَّ زفرةٌ ... وإلاَّ تداعى القلبُ منِّي تداعيا وقالت امرأة من مرة:

стр. 87

ألا خَليا بردَ الجنوبِ فإنَّهُ ... يُداوي فؤادي مِنْ هواهُ نسيمُها وكيفَ تُداوي الرِّيحُ شوقاً مماطلاً ... وعيناً طويلاً للدُّموعِ سجومُها وقال آخر: حسبتُ الغضا يشفي هُيامِي فلم أجدْ ... شميمَ الغضا يشفي هُيامَ فؤاديا بلَى لو أتتْنا الرِّيحُ تُدلجُ موهناً ... بريحِ الخزامى كانَ أشفى لِما بِيا وقال الوقاف وهو الورد بن الورد الجعدي: إذا تركتْ وحشيَّةٌ نجدَ لم يكنْ ... لعينيكَ ممَّا يشكوانِ طبيبُ إذا راحَ ركبٌ مُصعدونَ فقلبهُ ... معَ المصعدينَ الرَّائحينَ جنيبُ وكانتْ رياحُ الشَّامِ تُبغضُ مرَّةً ... فقدْ جعلتْ تلكَ الرِّياحُ تطيبُ وقد كانَ علويُّ الرِّياحِ أحبَّها ... إلينا فقدْ دارتْ هناكَ جنوبُ وقال آخر: ألا حبَّذا يومٌ تهبُّ به الصَّبا ... لنا وعشيَّاتٌ تدانتْ غيومُها بنُعمانَ إذْ أهلي بنُعمانَ جيرةٌ ... لياليَ إذْ يرضَى بدارٍ مقيمُها وقال كلاب بن عقبة: بأهلي ونفسي مَنْ تجنَّبتُ دارهُ ... ومَنْ لا أرَى لي مِنْ زيارتهِ بدَّا ومَنْ ردَّني إذْ جئتُ زائرَ بيتهِ ... ولو زارَ بيتي ما أُهينَ ولا رُدَّا ومَنْ لا تهبُّ الرِّيحُ مِنْ شقِّ أرضهِ ... فتبلغَني إلاَّ وجدتُ لها بردا وقال آخر: ما هبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تلقاءِ أرضكمُ ... إلاَّ وجدتُ لها برداً علَى كبدي ولا تنسَّمتْ أُخرى أستفيقُ لها ... إلاَّ وجدتُ خيالاً منكَ بالرَّصدِ وقال ابن الدمينة: يمانيَةٌ هبَّتْ بليلٍ فأرَّقتْ ... حشاشةَ نفسٍ قد تعنَّى طبيبُها أبِيني إذا استخبرتِ هل تحفظُ الهوَى ... أُميمةُ أم هلْ عادَ بعدِي رقيبُها وقال الورد بن الورد العبسي: ألا ليتَ أنَّ الرِّيحَ في ذاتِ بينِنا ... رسولٌ فتطوي بينَنا بلداً قفْرا فتخبرَها ماذا لقينا منَ الهوَى ... وتُخبرنا عنها علانيَةً جهرا وقال آخر: ألا يا جبالَ الغورِ خلِّينَ بينَنا ... وبينَ الصَّبا يخرجُ علينا سَنينُها فقدْ طالَ ما حالت ذُراكنَّ بينَنا ... وبينَ ذُرى نجدٍ فما نسْتَبينُها وقال طريح بن إسماعيل: هلِ الرِّيحُ مِنْ صبٍّ مقيمٍ مريحةٌ ... علَى الظَّاعنِ النَّائي سلامَ المسلمِ وكيفَ تناسى مَنْ تجدِّدُ ذكرَهُ ... نسيمُ الرِّياحِ للصَّبا المتنسَّمِ وقالت العيوق بنت مسعود: إذا هبَّتِ الأرواحُ زادتْ صبابةً ... عليَّ وبرحاً في فؤادي هبوبُها ألا ليتَ أنَّ الرِّيحَ ما حلَّ أهلُنا ... بصحراءِ نجدٍ لا تهبُّ جنوبُها وآلتْ يميناً لا تهبُّ شمالُها ... ولا نكباً إلاَّ صَباً نستطيبُها وقال آخر: ألا حبَّذا ريحُ الأُلا إذا جرتْ ... بريَّاهُ هبَّاتُ الرِّياحِ الجنائبُ وإنِّي لمعذورٌ إلى الشَّوقِ كلَّما ... بدَا لي مِنْ نخلِ الصَّباحِ النَّصائبُ وقال آخر: هلِ الرِّيحُ أوْ برقُ اليمامةِ مخبرٌ ... ضمائرَ حاجٍ لا أُطيقُ لها ذكرا سُليمى سقَاها اللهُ حيثُ تصرَّفتْ ... بها غُرباتُ الدَّارِ عن دارِنا القطرا إذا درجتْ ريحُ الصَّبا وتنسَّمتْ ... تعرَّفتُ مِنْ نجدٍ وساكنهِ نشرا تقرَّفَ قرحُ القلبِ بعدْ انْدِمالهِ ... فهيَّجَ دمعاً لا جموداً ولا نذرا الباب الحادي والثلاثون في لوامعِ البروقِ أُنسٌ للمستوحشِ المشوقِ حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال حدثنا عبد الله بن شيب قال حدثنا مروان بن أبي بكرة قال حدثني محمد بن إبراهيم الليثي قال حدثني محمد بن معن الغفاري قال اقتحمتِ السَّنة ودخل المدينة ناسٌ من الأعراب منهم صرَّة من كلاب وكانوا يدعون عامَهم ذلك الجُراف قال فأبرقوا ليلة في النَّجد وغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلداً وعظماً ضيعةً ومرضاً وضمانة حبٍّ وإذا هو قد رفع عقيرته بأبيات والهاً من الليل: ألا يا سنا برقٍ علَى فلكِ الحمى ... ليَهنكَ مِنْ برقٍ عليَّ كريمُ لمعتَ اقتداءَ الطَّيرِ والقومُ هجَّعٌ ... فهيَّجتَ أسقاماً وأنتَ سليمُ

стр. 88

فبتُّ بحدِّ المِرفقينِ أشيمهُ ... كأنِّي لبرقٍ بالسَّتَارِ حميمُ فهلْ مِنْ معيرٍ طرفَ عينٍ جليَّةٍ ... فإنسانُ عينِ العامريِّ كليمُ وفي قلبهِ البرقُ المُلالي رَميَّةٌ ... بذكرِ الحمى وهنا تكادُ تهيمُ قال فقلت له ففي دون ما بك يُفحم عن الشِّعر فقال صدقت ولكنَّ البرق أنطقني ثمَّ ما لبث يومه ذلك حتَّى مات. وقال آخر: أقولُ لبوَّابَيْنِ والسِّجنُ مغلقٌ ... وطالَ عليَّ اللَّيلُ ما تَرَيانِ فقالا نرَى برقاً يلوحُ وما الَّذي ... يشوقكَ مِنْ برقٍ يلوحُ يَمانِ فقلتُ افتحا لي البابَ أجلسْ إليكُما ... لعلِّي أرَى البرقَ الَّذي تَرَيانِ فقالُوا أُمرنا بالوثاقِ وما لنا ... بمعصيةِ السُّلطانِ فيكَ يَدانِ ألا ليتَ شِعري وهو ممَّا يهمُّني ... متى أنا والصَّهَّالُ مُلتقيانِ وأنشدني أحمد بن يحيى: أكلَّما لمعتْ بالغورِ بارقةٌ ... هفا إليها جَناحا قلبكَ الخفقُ إنْ كنتَ مثَّلتَها مِنْ كلِّ رابعةٍ ... للشَّمسِ والبدرِ أوْ للمنظرِ الأنقِ لتُصبحنَّ قتيلاً طُلَّ مصرعهُ ... مِنْ طعنةٍ في الحشا مكتومةِ العلقِ وقال الأحوص: أصاحِ ألمْ تحزنكَ ريحٌ مريضةٌ ... وبرقٌ تلالا بالعقيقينِ لامعُ فإنَّ غريبَ الدَّارِ ممَّ يشوقهُ ... نسيمُ الرِّياحِ والبروقُ اللَّوامعُ ومنْ دونِ ما أسمُو بطرفي لأرضهمْ ... مفاوزُ مُغبرٌّ منَ التِّيهِ واسعُ فأبدتْ كثيراً نظرَتي منْ صبابتي ... وأكثرُ منهُ ما تجنُّ الأضالعُ أهمُّ لأنسَى ذكرَها ويشوقُني ... رفاقٌ إلى أهلِ الحجازِ نوازعُ وقالت رامة بنت الشماخ: أُلامُ علَى نجدٍ ومنْ تكُ دارهُ ... بنجدٍ يُهجهُ الشَّوقُ شيءٌ يرايعهْ تُهجهُ جنوبٌ حينَ تبدُو بنشرها ... يمانيةٌ والبرقُ إذْ لاحَ لامعهْ وقالت امرأة من طي: إذا ما صَبيرُ المزنُ أومضَ برقهُ ... ببغدادَ لم تبلجْ بعيني بوارقهْ ولكنْ متى ما تبدُ منهُ مخيلةٌ ... بنجدٍ فذاكَ البرقُ لا بدَّ شائقهْ وقالت الخنساء: أمبتدرٌ قلبي إن العينُ آنستْ ... سنا بارقٍ بالنجدِ غير تهامي فليت سماكياً يطيرُ ربابهُ ... يقادُ إلى أهلِ الغضا بزمامِ فيشربَ منهُ جَحْوشٌ ويشيمهُ ... بعينيْ قطاميٍّ أغرَّ شآمي فأُقسمُ أنِّي قد وجدتُ لجَحْوشٍ ... إذا جاءَ والمستأذنونَ نيامُ فإنْ كنتَ من أهلِ الحجازِ فلا تلحْ ... وإنْ كنتَ نجديّاً فلحْ بسلامِ فأهلُ الحجازِ معشرٌ ما أُحبُّهمْ ... وأهلُ الغضا قومٌ عليَّ كرامُ وقال عبد الرحمن بن دارة: نظرتُ ودورٌ من نصيبينَ دونَنا ... كأنَّ غريباتِ العيونِ بها رُمدُ لكيما أرى البرقَ الَّذي أومضتْ بهِ ... ذُرى المزنِ علويّاً وكيفَ لنا يبدُو وإنِّي ونجداً كالقريبينِ قَطَّعا ... قوًى من جبالٍ لم يشدُّ لها عقدُ وقال أبو القمقام الأسدي: خليليَّ طالَ اللَّيلُ واشتغلَ القذَى ... بعينيَّ واستأنستُ برقاً يمانيا خليليَّ إلا تبكيا لأخيكما ... . . ما بي أقل. . وقال آخر: أرقتُ وهاجَني البرقُ البعيدُ ... أريدُ لكي يعودَ فلا يعودُ أُريدُ لكي أزورَ بلادَ ليلَى ... فأمَّا غيرُ ذاكَ فلا أُريدُ عليَّ أليَّةٌ إنْ كنتُ أدري ... أينقصُ حبُّ ليلَى أم يزيدُ ولبعض أهل هذا العصر: أرقتُ لبرقٍ من تهامةَ خافقٍ ... كأنَّ سنَا إيماضهِ قلبُ عاشقِ يلوحُ فأزدادُ اشتياقاً وما أرَى ... يشوِّقني لولاكَ من ضوءِ بارقِ متى تدنُو لا يملكْ ليَ الشَّوقُ لوعةً ... وإنْ تنأى عنِّي فالتَّوهُّم شائقي فرأيكَ في عبدٍ إليكَ مفرُّهُ ... لتنعشَهُ بالوصلِ قبلَ العوائقِ وأنشدني أبو طاهر الدمشقي: أعنِّي علَى بارقٍ ناصب ... خفيٍّ كلمحكَ بالحاجبِ كأنَّ تألُّقهُ في السَّماءِ ... يدَا كاتبٍ أوْ يدا حاسبِ وقال علي بن محمد العلوي: شجاكَ الوميضُ ولذعُ المضيضِ ... بنارِ الهوَى وببرقٍ يماني

стр. 89

كأنَّ تألّقهُ في السَّماءِ ... رجعُ حسابٍ خفيفِ البنانِ كأنِّيَ لم أدرِ أنَّ الرَّدى ... لهتكِ ستورِ الضَّنى قد رآني أخلايَّ أُحفيكمُ طائعاً ... وأنتمُ مُنى النَّفسِ دونَ الأماني ولكنْ يدُ الدَّهرِ رهنٌ بما ... سيُرمَى بأسهمهِ الفرقدانِ عسَى الدَّهرُ أنْ يثنِ لي عطفهُ ... بعطفِ الهوَى وبعيشٍ لِيانِ وقال البحتري: خيالٌ ملمٌّ أو حبيبٌ مسلّمُ ... وبرقٌ تجلَّى أوْ حريقٌ مضرِّمُ تقيَّضَ لي من حيثُ لا أعلمُ النَّوى ... ويسري إليَّ الشَّوقُ من حيثُ أعلمُ وقال النابغة: أرقتُ وأصحابي هجوعٌ بربوةٍ ... لبرقٍ تلالا في تهامةَ لامعُ فأبدَى هموماً مِنْ همومٍ أجلُّها ... وأكثرُ منها ما تجنُّ الأضالعُ وقال آخر: أرقتُ لبرقٍ آخرَ اللَّيلِ يلمعُ ... سرَى دائباً فيما نهبُّ ونهجعُ سرَى كاحتساءِ الطَّيرِ واللَّيلُ ضاربٌ ... بأرواقهِ والصُّبحُ قدْ كادَ يسطعُ وقال آخر: بدَا البرقُ مِنْ نحوِ الحجزِ فشاقَني ... وكلُّ حجازيٍّ لهُ البرقُ شائقُ سرَى مثلَ نبضِ العرقِ واللَّيلُ دونهُ ... وأعلامُ نجدٍ كلُّها والأسالقُ وقال دعبل: ما زلتُ أكلأُ برقاً في جوانبهِ ... كطرفةِ العينِ تخبُو ثمَّ تختطفُ برقٌ تجاسرَ مِنْ خفَّانَ لامعهُ ... يقضي الصَّبابةَ مِنْ قلبي وينصرفُ وقال آخر: شبَّهتُ في أُخرياتِ اللَّيلِ مِنْ رجبٍ ... برقاً أتتْنا بهِ الجوزاءُ شؤْبوبا صنجاً بصنائعهِ الأوتارُ قدْ نُصبتْ ... بينَ السَّماءِ وبينَ الأرضِ مضروبا وقال آخر: أضاءَ البرقُ ليلةَ أذرعاتٍ ... هوًى لا يستطيعُ لهُ طِلابا هوًى بتهامةٍ وهوًى بنجدٍ ... فأيُّ هواكَ تتركُ حينَ آبا وقال كثيّر: أهاجكَ برقٌ آخرَ اللَّيلِ واصبُ ... تضمَّنهُ فرشُ الحيا فالمساربُ تألَّقَ واحْمَوْمَى وخيَّمَ في الرُّبَى ... أحمُّ الذُّرى ذو هيدبٍ متراكبُ إذا حرَّكتهُ الرِّيحُ أرزمَ جانبٌ ... بلا هرَقٍ منهُ وأومضَ جانبُ كما أومضتْ بالعينِ ثمَّ تبسَّمتْ ... جريعٌ بدا منها جبينٌ وحاجبُ يصحُّ النَّدى لا يذكرُ السَّيرَ أهلهُ ... ولا يرجعُ الماشي بهِ وهوَ جادبُ وقال آخر: وأرتاحُ للبرقِ اليمانِي كأنَّني ... لهُ حينَ يجري في السَّماءِ نسيبُ ولي كبدٌ حرَّى بما قدْ تضمَّنتْ ... عليهِ وعينٌ بالدُّموعِ سكوبُ أُصعِّدُ أنفاساً حنيناً ولوعةً ... كما حنَّ مقصورُ اليديْنِ قضيبُ وقال أبو هلال الأسدي: أشاقتكَ البوارقُ والجنوبُ ... ومِنْ عالي الرِّياحِ لها هبوبُ أتتكَ بنفحةٍ مِنْ ريحِ نجدٍ ... تضوَّعُ والعرارُ بها مشوبُ وشمتُ البارقاتِ فقلتُ جادتْ ... حيالَ القاعِ أوْ مُطِرَ القلوبُ وقال محمد بن عبد الله الفقعسي: أقولُ لقمقامِ بنِ زيدٍ أما ترَى ... سنا البرقِ يبدُو للعيونِ النَّواظرِ فإنْ تبكِي للبرقِ الَّذي هيَّجَ الهوَى ... أُعنكَ وإن تصبرْ فلستُ بصابرِ سقَى اللهُ حيّاً بينَ صارَةَ والحمى ... حِمى فَيْدَ صوبَ العاجناتِ المواطرِ أمينٌ واد اللهِ مَنْ كانَ منهمُ ... إليهمْ ووقَّاهُ حِمامَ المقادرِ وقال بعض العامريين: عدمتُ جداراً يمنعُ البرقَ أنْ يُرَى ... معَ اللَّيلِ علويّاً تطيرُ شقائقهْ وسقياً لذاكَ البرقِ لو أستطيعهُ ... ولكنْ عدِمنا نيَّةً ما توافقهْ وقال آخر: أعنِّي علَى برقٍ أُريكَ وميضهُ ... تضيءُ دجنَّاتِ الظَّلامِ لوامعهْ إذا اكتحلتْ عينا محبٍّ بضوئهِ ... تجافتْ بهِ حتَّى الصَّباحِ مضاجعهْ فباتَ وِسادي ساعدٌ قلَّ لحمهُ ... عنِ العظمِ حتَّى كادَ تبدُو أشاجعهْ وقال آخر: نفى النَّومَ عنِّي فالفؤادُ كئيبُ ... نوائبُ همٍّ ما تزالُ تنوبُ وما جزعاً مِنْ خشيةِ الموتِ أخضلتْ ... دموعِي ولكنَّ الغريبَ غريبُ وإنِّي لأرعَى النَّجمَ حتَّى كأنَّني ... علَى كلِّ نجمٍ في السَّماءِ رقيبُ

стр. 90

ولبعض أهل هذا العصر: أراعكَ برقٌ في دجى اللَّيلِ لامعُ ... أجلْ كلُّ ما يلقاهُ ذو الشَّوقِ رائعُ أألآنَ تخشَى البرقَ والإلفُ حاضرٌ ... فكيفَ إذا ما لاحَ والإلفُ شاسعُ وهاجتْ رياحٌ زدْنَ ذا الشَّوقِ صبوةً ... وباكرتِ الأيكُ الحمامُ السَّواجعُ وعاشرتَ أقواماً فلمْ تلقَ فيهمِ ... خليلكَ فاستعصتْ عليكَ المدامعُ وأصبحتَ لا تروِي منَ الشِّعرِ إذْ نأَى ... هواكَ وباتَ الشِّعرُ للنَّاسِ واسعُ سِوَى قولِ غيلانَ بنِ عقبةَ نادماً ... هلِ الأزمنُ اللاَّتي مضينَ رواجعُ هناكَ تمنَّى أنَّ عينيكَ لم تكنْ ... وأنَّكَ لم ترحلْ وإلفكَ رابعُ فكلُّ الَّذي تلقَى يسوؤكَ إنْ دنَا ... ودلُّ الَّذي تلقَى إذا بانَ فاجعُ فيا ويكَ لا تسرع إلى البينِ إنَّه ... هوَ الموتُ فاحْذرْ غِبَّ ما أنتَ صانعُ وله أيضاً: أمنْ أجلِ سارٍ في دجى اللَّيلِ لامعِ ... جفوتُ حذارَ البينِ لِينَ المضاجعِ علامَ تخافُ البينَ والبينُ راحةٌ ... إذا كانَ قربُ الدَّارِ ليسَ بنافعِ إذا لم تزلْ ممَّنْ تحبُّ مروَّعاً ... بغدرٍ فإنَّ الهجرَ ليسَ برائعِ الباب الثاني والثلاثون في تلهُّب النِّيرانِ أُنسٌ للمدنف الحيران أنشدني أبو طاهر الدمشقي قال أنشدني محمد بن الوليد الحيدري من أهل فلسطين: رأيتُ بجرمِ عذرةَ ضوءَ نارٍ ... تلألأَ وهيَ نازحةُ المكانِ فشبَّهَ صاحبايَ بها سُهيلاً ... فقلتُ تبيَّنَا ما تُبصرانِ أنارٌ أُوقدتْ فتنوَّراها ... بدتْ لكُما أمِ البرقُ اليمانِي وكيفَ ودونَها الفلَجاتُ تبدُو ... وكيفَ وأنتُما لا ترفعانِ كأنَّ الرِّيحَ تصدعُ مِنْ سناها ... بنائقَ جنَّةٍ مِنْ أرجوانِ وقال جامع الكلابي: وإنِّي لنارٍ أُوقدتْ بينَ ذي الغضا ... علَى ما بعينِي مِنْ قذًى لبصيرُ أضاءتْ لنا وحشيَّةً غيرَ أنَّها ... معَ الإنسِ ترعَى ما رعَوْا وتسيرُ وقال جميل بن معمر: أكذَّبتُ طرفي أمْ رأيتُ بذي الغضا ... لبُثنةَ ناراً فارْفَعوا أيُّها الرَّكبُ إلى ضوءِ نارٍ ما تبوخُ كأنَّها ... منَ البعدِ والإقواءِ جيبٌ لها نقبُ وقال كثيّر: رأيتُ وأصحابِي بأيْلةَ موهنا ... وقدْ عادُ نجمُ الفرقدِ المتصوّبُ لعزَّةَ ناراً ما تبوخُ كأنَّها ... إذا ما رمقْناها منَ البعدِ كوكبُ وقال آخر: يا موقداً نارِي يُذكيها ويُخمدُها ... قرَّ الشَّتاءِ بأرواحٍ وأمطارِ قمْ فاصطلِ النَّارِ من قلبي مضرَّمةً ... بالشَّوقِ تغنَ يا موقدَ النَّارِ ويا أخا الذَّودِ قدْ طالَ الظَّماءُ بها ... لمْ تدرِ ما الرّيُّ مِنْ جدبٍ وإقفارِ ردْ بالعطاشِ علَى عيني ومحجرِها ... تُروي العطاشَ بدمعٍ واكفٍ جارِي وقال آخر: يا موقدَ النَّارِ بالزّنادِ ... وطالبَ الجمرِ في الرَّمادِ دعْ عنكَ شكّاً وخذْ يقيناً ... واقتبسِ النَّارَ مِنْ فؤادي وقال الشماخ: وكنتُ إذا ما جئتُ ليلَى تبرقعتْ ... لقدْ رابَني منها الغداةَ سفورُها وأُشرفُ بالغورِ اليفاعَ لعلَّني ... أرَى نارَ ليلَى أوْ يراني بصيرُها حمامةَ بطنِ الوادِيينِ ترنَّمي ... سقاكِ منَ الغرِّ العذابِ مطيرُها أبِيني لنا لا زالَ ريشُكِ ناعماً ... ولا زلتِ في خضراءَ دانٍ بريرُها وقال الأحوص بن محمد: ضوءُ نارٍ بدَا لعينيكَ أمْ شُ ... بَّتْ بذي الأثلِ مِنْ سلامةَ نارُ تلكَ دارُ الغضا وحسّاً وقد يأ ... لفُها المجتدونَ والزُّوَّارُ أصبحتْ دمنةً تلوحُ بمتنٍ ... تعتفيها الرِّياحُ والأمطارُ وكذاكَ الزَّمانُ يذهبُ بال ... نَّاسِ وتبقَى الدِّيارُ والآثارُ وقال آخر: يا موقدَ النَّارِ بالصَّحراءِ مِنْ عمَقٍ ... قمْ فاصطلي مِنْ فؤادٍ هائمٍ قلقِ النَّارُ تُطفى وبردُ القرِّ يخمدُها ... ونارُ قلبيَ لا تطفَى منَ الحرقِ وقال بعض الأعراب:

стр. 91

أنارٌ بدتْ يا عبدُ مِنْ ساكنِ الغضا ... معَ اللَّيلِ أمْ برقٌ تلألأ ناصبُ فأحببْ بتلكَ النَّارِ والموقدِ الَّذي ... لهُ عندَ جرعاءِ النُّميرةِ حاطبُ لمنْ ضوءُ نارٍ بالبطاحِ كأنَّها ... منَ الوحشِ بيضاءُ اللَّبانِ سلوبُ إذا صدَّعتها الرِّيحُ بانَ بضوئِها ... منَ الأثْلِ فرعٌ يابسٌ ورطيبُ يراها فيرْجوها وليسَ بآيسٍ ... وفيها عنِ القصدِ المبينِ نكوبُ فأمَّا علَى طلاَّبِ بانٍ فساعةٌ ... وأمَّا علَى ذي حاجةٍ فقريبُ وقال آخر: ونارٍ كسحرِ العَودِ ترفعُ ضوءها ... معَ اللَّيلِ هبَّاتُ الرِّياحِ الصَّواردُ أحيدُ بأيدي العيسِ عنْ قصدِ دارِها ... وقلبي إليها بالمودَّةِ قاصدُ وقال آخر: وطيبةُ قالتْ أوقدِ النَّارَ علَّهُ ... يراها مضلٌّ قدْ سرَى فيؤوبُ لها موقدٌ مِنْ أهلِها وكأنَّهُ ... إذا أُوقدتْ ليلاً أغنُّ غضوبُ وقال ربيعة بن ثابت: لمنْ ضوءُ نارٍ قابلت أعينَ الرَّكبِ ... تشبُّ بلدْنِ العُودِ والمندلِ الرَّطبِ فقلتُ لقدْ آنستُ ناراً كأنَّها ... صفا كوكبٍ لاحتْ فحنَّ لها قلبِي وقال ابن الدمينة: بدتْ نارُ أمِّ العمرو بين حوائلٍ ... وبينَ اللّوَى كالبرقِ داني المعانِ فيا حبَّذا مِنْ ضوءِ برقٍ بدا لنا ... ويا حبَّذا مِنْ موقدٍ ودخانِ بدتْ نارُها يا ملحَ مَنْ هيَ نارُهُ ... ويا حبَّذا مِنْ مصطلًى ومكانِ وقال آخر: ألا ليتَ أنَّ الطَّلَّ يُطفئُ نارَنا ... فيقبِسَني مِنْ نارِ وجناءَ قابسُ وماذا عليهمْ لو تصلَّى بضوءها ... علَى النَّأيِ مشبوحُ الذَّراعبْنِ بائسُ وقال ابن مقيل: إذا النَّاسُ قالُوا كيفَ أنتَ وقدْ بدا ... ضميرُ الَّذي بِي قلتُ للنَّاسِ صالحُ إذا قيلَ مِنْ دهماءَ حيِّرتَ أنَّها ... منَ الجنِّ لم يوقدْ لنا النَّارَ قادحُ وكيفَ ولا نارٌ لدهماءَ أُوقدتْ ... قريباً ولا كلبٌ منَ اللَّيلِ نابحُ وإنِّيَ ألْحاني علَى أنْ أُحبّها ... رجالٌ تقوِّيهمْ قلوبٌ صحائحُ ولو أنَّ ما ألقَى منَ الشَّوقِ والهوَى ... لأُهلكَ مالٌ لمْ تسعهُ المسارحُ وقال امرؤ القيس: تنوَّرتُها مِنْ أذرِعاتٍ وأهلُها ... بيثربَ أدنَى دارِها نظرٌ عالِ نظرتُ إليها والنَّجومُ كأنَّها ... مصابيحُ رهبانٍ تشبُّ لقفَّالِ فقالت سباكَ اللهُ إنَّكَ فاضحي ... ألستَ ترَى السُّمارَ والنَّاسَ أحوالِي فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً ... ولو قطعُوا رأسي لديكِ وأوصالِي فلمَّا تنازعْنا الحديثَ وأسمحتْ ... هصرتُ بغصنٍ ذي شماريخَ ميَّالِ فصرنا إلى الحُسنى ورقَّ كلامُنا ... ورضتُ فذلَّتْ صعبةً أيَّ إذلالِ حلفتُ لها باللهِ حلفةَ فاجرٍ ... لنامُوا فما إنْ مِنْ حديثٍ ولا صالِ سموتُ إليها بعدَما نامَ أهلُها ... سموَّ حبابِ الماءِ حالاً علَى حالِ فأصبحتُ معشوقاً وأصبحَ بعلُها ... عليهِ القَتامَ سيِّئَ الظَّنِّ والبالِ أمَّا البيت الأول فهو نهاية لا يتهيَّأ مجاوزتها بل لا تتمكن مقاربتها لأنه ذكر أنَّه تخيَّل نارها من المدينة وهو بالشام فساقه الشَّوق إليها من أجل ذلك وقد بلغني أنَّ أعرابياً ذكر صاحبةً له فقال إنِّي لأذكرها وبيني وبينها عقبة طائرٍ وأجد من ذكرها ريح المسك ويقال أنَّ عقبة الطَّائر مئة فرسخ فهذا لعمري مقاربٌ لبيت امرئ القيس ولذلك عليه فضل السَّابق على المسبوق وفضل النَّظم على المنثور وفضل الطَّاعة لاشتياقه وانقياده معه إلى إلفه الَّذي شاقه غير أنَّه عقَّب ذلك بما عفَّ على حسنه ومحا موضع الفخر له به. وقال الأحوص: صاحِ هلْ أبصرتَ بالخبْ ... تينِ مِنْ أسماءَ نارا موهناً شُبَّتْ لعيني ... كَ فلمْ توقدْ نهارَا كَتَلالي البرقِ في العا ... رضِ ذي المزنِ اسْتَطارا أذكرَتْني الوصلَ مِنْ سُلْ ... مَى وأيَّاماً قِصارا لمْ تُثِبْ بالوصلِ سُلمَى ... جارَها إذْ كانَ جارَا عاشقاً أفنَى طوالَ الدَّ ... هرِ خوفاً واستِتارا

стр. 92

وقال أيضاً: رأيتُ لها ناراً تُشبُّ ودونَها ... بواطنُ من ذِي رجرجٍ وظواهرُ فخفَّضتُ قلبِي بعدَما قلتُ إنَّه ... إلى نارِها مِنْ عاصفُ الشَّوقِ طائرُ فقلتُ لعمرٍو تلكَ يا عمرُو دارها ... تُشبُّ بها نارٌ فهلْ أنتَ ناظرُ تقادمَ منِّي العهدُ حتَّى كأنَّني ... تذكَّرتُها مِنْ طولِ ما مرَّ هاجرُ وفي مثلِ ما جرَّبتُ منذُ صحبتَني ... عذرتَ أيا يحيَى لَوَ انَّكَ عاذرُ كريمٌ يُميتُ السِّرَّ حتَّى كأنَّهُ ... عَمٍ بنواحِي أمرِها وهوَ خابرُ إذا قلتُ أنْساها وأخلقَ ذكرُها ... تنثَّتْ بذكْراها همومٌ نوافرُ وقال أيضاً: أمنْ خُليدةَ وهناً شُبَّتِ النَّارُ ... ودونَها مِنْ ظلامُ اللَّيلِ أستارُ باتتْ تُشبُّ وبتْنا اللَّيلَ نرقبُها ... تُعنَى قلوبٌ بها مرضَى وأبصارُ يا حبَّذا تلكَ مِنْ نارٍ وموقدُها ... وأهلُنا باللِّوى إذْ نحنُ أجوارُ خُليدُ لا تبعدِي ما عنكِ إقصارُ ... وإنْ بخلتِ وإنْ شطَّتْ بكِ الدَّارُ فما أُبالي إذا أمسيتِ جارَتَنا ... مقيمةً هلْ أقامَ النَّاسُ أمْ سارُوا لو دبَّ حوليُّ ذَرٍّ تحتَ مدرعِها ... أضحَى بها منْ دبيبِ الذَّرِّ آثارُ وقال أيضاً: يا موقدَ النَّارِ بالعلياءِ مِنْ إضَمِ ... أوقدْ فقدْ هجتَ شوقاً غيرَ منصرمِ يا موقدَ النَّارِ أوقدْها فإنَّ لها ... سَناً يهيجُ فؤادَ العاشقِ السَّدمِ نارٌ أضاءَ سناها إذْ تشبُّ لنا ... سعديَّةً دلُّها يشفي منَ السَّقمِ ولائمٍ لامَني فيها فقلتُ لهُ ... قد شفَّ جسمي الَّذي ألقَى بها ودَمي فما طربتَ لشجوٍ كنتَ تأملهُ ... ولا تأمَّلتَ تلكَ الدَّارِ مِنْ أممِ وقال آخر: كأنَّ فؤادي في يدٍ علقتْ بهِ ... محاذرةً أن يقضبَ الحبلَ قاضبهْ وأُشفقُ مِنْ وشكِ الفراقِ وإنَّني ... أظنُّ لمحمولٌ عليهِ فراكبهْ نظرتُ ودونِي السُّحقُ مِنْ نخلِ بارقٍ ... بنظرةِ سامِي الطَّرفِ حجنٍ مخالبهْ لأُبصرَ ناراً بالجواءِ ودونَها ... مسيرةُ شهرٍ لا يعرِّسُ راكبهْ فواللهِ ما أدرِي أغالَبَني الهوَى ... إلى أهلِ تلكَ الأرضِ أمْ أنا غالبهْ فإنْ أستطعْ أغلِبْ وإنْ يغلبِ الهوَى ... فمثلُ الَّذي لاقيتُ يُغلبُ صاحبهْ وقال آخر: أحقّاً عبادَ اللهِ أنْ لستُ رائياً ... أُميمةَ إنْ حاضرتُ أوْ كنتُ بادِيا ولا مبصراً بالأجرعِ الفردِ نارَها ... ولا ثانياً يُمنى يديْهَا وِسادِيا ولا قائلاً تَقضي الدُّيونَ فإنَّها ... ديونُ غريمٍ ما أساءَ التَّقاضيا ولبعض أهل هذا العصر: أرقتُ لنارٍ بالطُّليحةِ أُوقدتْ ... تراءَتْ للحظِ العينِ ثمَّ تستَّرتْ علتْ وخبتْ ثمَّ انجلتْ وتطاولتْ ... علَى هضباتِ الرَّملِ ثمَّ تخفَّضتْ فلمْ يخبُ شوقِي إذْ خبتْ بلْ تلهَّبتْ ... صبابةُ قلبي بالهوى لمَّا تلهَّبتْ وما ردَّ عنها الطَّرفَ بعدُ مكانِها ... ولكنْ دموعُ العينِ لمَّا تهلَّلتْ ذكرتُ بها الدَّهرَ الَّذي ليسَ عائداً ... وما نُسيَتْ أيَّامهُ بلْ تُنُسِّيَتْ فما أنصفتْ أذكتْ هوًى حينَ أُذكِيَتْ ... ولمْ تُطفَ نيرانُ الهوَى حينَ أُطفئتْ الباب الثالث والثلاثون في نوحِ الحَمامِ أُنسٌ للمنفردِ المُستهامِ ذكروا أنَّ مجنون بني عامر رقد ليلةً تحت شجرةٍ فانتبه بتغريد طائرٍ فأنشأ: لقدْ هتفتْ في جنحِ ليلٍ حمامةٌ ... علَى فننٍ تدعُو وإنِّي لنائمُ فقلتُ اعتذاراً عندَ ذاكَ وإنَّني ... لنفسِي فيما قدْ رأيتُ للائمُ أأزعمُ أنِّي عاشقٌ ذو صبابةٍ ... بليلَى ولا أبكِي وتبكِي الحمائمُ كذبتُ وبيتِ اللهِ لوْ كنتُ عاشقاً ... لمَا سبقَني بالبكاءِ الحمائمُ وقال شقيق بن سليك الأسدي: ولمْ أبكِ حتَّى هيَّجتْني حمامةٌ ... بعَبْنِ الحمامِ الوُرقِ فاستخرجتُ وجدِي فقد هيَّجتْ منِّي حمامةُ أيكةٍ ... منَ الوجدِ شوقاً كنتُ أكتمهُ جُهدِي

стр. 93

تُنادِي هُذيلاً فوقَ أخضرَ ناعمٍ ... غذاهُ ربيعٌ باكرٌ في ثرًى جعدِ فقلتُ تعالَيْ نبكِ مِنْ ذكرِ ما خَلا ... ونذكرُ منهُ ما نُسرُّ وما نُبدِي فإنْ تُسعدِيني نبكِ عبرتَنا معاً ... وإلاَّ فإنَّي سوفَ أسفحُها وحدِي وهذه حال ناقصة منها في المحبَّة من ليست له حال تبة جحدر الفقعسي حيث يقول: وكنتُ قدِ اندملتُ فهاجَ شوقِي ... بُكاءَ حمامتينِ تَجاوبانِ تَجاوبَتَا بلحنٍ أعجميٍّ ... علَى غُصنينِ مِنْ غرَبٍ وبانِ افتراه إن سلا عمَّن يهواه لم يبق له في قلبه أثر من حبِّه ولا خاطر شارد من ذكره يعيد هواه على فكره فيعطف قلبه عليه إذ لم يستطع أن يردَّ وجده إليه حتَّى يكون نوح الحمام أقوى شيئاً في ردِّ قلبه إلى أحبابه مَن كان السبب في تعذيبه نوح الحمام كان السبب في تبعيده أضعف نوائب الأيَّام ولكنَّ أبا صخر الهذلي قال قولاً لا يهجَّن من ابتدعه ولا يقال على من انتخبه وهو: وليسَ المعنَّى بالَّذي لا يهجنهُ ... إلى الشَّوقِ إلاَّ الهاتفاتُ السَّواجعُ ولا بالَّذي إنْ صدَّ يومَّ خليلهُ ... يقولُ ويُبدي الصَّبرَ إنِّي لجازعُ ولكنَّهُ سقمُ الجوَى ومطالهُ ... وموتُ الجفا ثمَّ الشُّؤونُ الدَّوامعُ رشَاشاً وتَهتاناً ووبلاً وديمةً ... كذلك تُبدي ما تجنُّ الأضالعُ وقال آخر: ألا يا حماماتِ اللِّوَى عُدنَ عودةً ... فإنِّي إلى أصواتكنَّ حزينُ فعُدنَ فلمَّا عدنَ كدنَ يُمتنَنِي ... وكدتُ بأسرارِي لهنَّ أُبينُ ولمْ ترَ عيني قبلهنَّ حمائماً ... بَكينَ ولمْ تدمعْ لهنَّ عيونُ وقال آخر: يا طائرينَ علَى غُصنٍ أنا لكُما ... مِنْ أنصحِ النَّاسِ لا أبغِي بهِ ثمنَا كونا إذا طرتُما زوجاً إخالكُما ... لا تأمنانِ إذا أُفردتُما حزَنا هذا أنا لا علَى غيري أدلُّكما ... لاقيتُ جهداً بتركي الإلفَ والوطنا وقال آخر: ألا يا حمامَ الأيكِ إلفُكَ حاضرٌ ... وعودكَ ميَّادٌ ففيمَ تنوحُ أفقْ لا تنحْ من غيرِ شيءٍ فإنَّني ... بكيتُ زماناً والفؤادُ صحيحُ وقال آخر: دعاني الهوَى والشَّوقُ لمَّا ترنَّمتْ ... علَى الأيكِ من بينِ الغصونِ طروبُ تُجاوبها وُرقُ يُرعْنَ لصوتها ... وكلٌّ لكلٍّ مسعدٍ ومُجيبُ ألا يا حمامَ الأيكِ ما لك باكياً ... أفارقتَ إلفاً أمْ جفاكَ حبيبُ وقال آخر: أُلامُ علَى فيضِ الدُّموعِ وإنَّني ... بفيضِ الدُّموعِ الجارياتِ جديرُ أيبكي حمامُ الأيكِ من فقدِ إلفهِ ... وأحبسُ دمعي إنَّني لصبورُ وقال بعض الأعراب: ألا قاتل الله الحماماتِ غُدوةً ... علَى الفرعِ ماذا هيَّجتْ حينَ غنَّتِ تغنَّتْ غناءً أعجميّاً فهيَّجتْ ... هوايَ الَّذي كانت ضلوعي أجنَّتِ نظرتُ بصحراءِ البريدَيْنِ نظرةً ... حجازيَّةً لو جُنَّ طرفٌ لجنَّتِ ولو هملتْ عينٌ دماً من صبابةٍ ... إذاً هملتْ عيني دماً وأهمَّتِ وقال ابن الدمينة: ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتِ من نجدِ ... لقد زادني مسراكِ وجداً علَى جدِ أإنْ هتفتْ ورقاءُ في رونقِ الضُّحى ... علَى غصنٍ غضِّ النَّباتِ منَ الرَّندِ بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم يكنْ ... جليداً وأبديتَ الَّذي كنتَ لا تُبدي وقال ناقد بن عطارد العبشمي: ويثني الشَّوقَ حينَ أقولُ يخبو ... بكاءُ حمامةٍ فيلجُّ حينا مطوَّقةُ الجناحِ إذا استقلَّتْ ... علَى فننٍ سمعتُ لها رنينا يميلُ بها ويرفعُها مراراً ... ويسعفُ صوتها قلباً حزينا كأنَّ بنحرها والجيدِ منها ... إذا ما أُمكنتْ للنَّاظرينا مخطّاً كان من قلمٍ لطيفٍ ... فخطَّ بجيدها والنَّحرِ نوتا وقال نبهان العبشمي: أحقّاً يا حمامةَ بطنِ قَوٍّ ... بهذا الوجدِ أنَّكِ تصدُقينا غلبتكِ يا حمامةَ بطنِ قوٍّ ... وقبلكِ ما غلبتُ الهائمينا غلبتكِ في البكاءِ بأنَّ ليلِي ... أُواصلهُ وأنَّكِ تهجَعينا وأنِّي أشتكِي فأُقولُ حقّاً ... وأنَّكِ تشتكينَ فتكذِبينا

стр. 94

وأنَّكِ أجرأُ الأحياءِ طرّاً ... علَى سفكِ الدِّماءِ وتسلَمينا وقال أبو تمام الطائي: أتَضعضعتْ عبراتُ عينكَ إذْ دعتْ ... ورقاءُ حينَ تضعضعَ الإظلامُ لا تنشِجنَّ لها فإنَّ بُكاءهَا ... ضحكٌ وإنَّ بكاءكَ استغرامُ هنَّ الحَمامُ فإنْ كسرتَ عَيافةً ... مِنْ حائهِنَّ فإنَّهنَّ حِمامُ وقال البحتري: ما لخُضرٍ ينُحْنَ في القضُبِ الخُضْ ... رِ علَى كلِّ صاحبٍ مفقودِ عاطلاتٌ بلْ حالياتٌ يُردِّدْ ... نَ الشَّجى في قلائدٍ وعقودِ زِذْنَني صبوةً وذكَّرنني عهْ ... داً قديماً مِنْ ناقضٍ للعهودِ ما يريدُ الحَمامُ في كلِّ وادٍ ... مِنْ عميدٍ صبٍّ بغيرِ عميدِ كلَّما أُخمدتْ لهُ نارُ شوقٍ ... هِجنَها بالبكاءِ والتغريدِ وقال بعض الأعراب: إلى اللهِ أشكو مقلةً أريحيَّةً ... وقلباً متى يعرِض لهُ الشَّوقُ يرجفُ ونفساً تمنَّى مخرجاً مِنْ وِعائها ... إذا سمعتْ صوتَ الحمامةِ تهتفُ وقال يزيد بن الطثرية: وأسلمَني الباكونَ إلاَّ حمامةً ... مطوَّقةً قدْ صانعتْ ما أُصانعُ إذا نحنُ أنفدْنا الدُّموعَ عشيَّةً ... فموعدُنا قرنٌ منَ الشَّمسِ طالعُ وقال بعض الأدباء: ناحتْ مطوَّقةٌ ببابِ الطَّاقِ ... فجرتْ سوابقُ دمعكَ المهراقِ حنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحُرقةٍ ... تُشجِي فؤادَ الهائمِ المشتاقِ إنَّ الحمائمَ لم تزلْ بحنينَها ... قِدماً تُبكِّي أعينَ العشَّاقِ كانتْ تفرِّخُ بالأراكِ وربَّما ... سكنتْ بنجدٍ في فروعِ السَّاقِ فأتَى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْ ... بعدَ الأراكِ تنوحُ في الأسواقِ فتبعتُها لمَّا سمعتُ حنينَها ... وعلَى الحمامةِ جُدتُ بالإطلاقِ بي مثلُ ما بكِ يا حمامةُ فاسأَلِي ... مَنْ فكَّ أسركِ أنْ يفكَّ وثاقِي وقال بعض الأعراب: صَدوحُ الضُّحى هيَّاجةُ اللَّحنِ لم تزلْ ... قيودُ الهوَى تُهدَى لها وتقودُها جزوعٌ جمودُ العينِ دائمةُ البُكا ... وكيفَ بُكا ذي مقلةٍ وجمودُها مطوَّقةٌ لمْ تُطربِ العينَ فضَّةٌ ... عليها ولمْ يعطلْ منَ الحِليِ جيدُها وقال آخر: مطوَّقةٌ لا تفتحُ الفمَ بالَّذي ... تقولُ وقدْ هاجتْ ليَ الشَّوقَ أجمَعا تُؤلِّفُ أحزاناً تفرَّقنَ بالهوَى ... إذا وافقتْ شعبَ الفؤادِ تصدَّعا دعتْ ساقَ حرٍّ بالمراويحِ وانتحتْ ... لها الرِّيحُ في وادٍ فراخٌ فأسرَعَا وحقَّ لمصبوبِ الحشَا بيدِ الهوَى ... إذا حنَّ باكٍ أن يحنَّ ويجزَعا وقال آخر: ألا هلَ إلى قمريَّةٍ في حمائمٍ ... بنخلةَ أوْ بالمرجتينِ سَبيلُ فتُلبسَني قمريَّةٌ مِنْ جناحِها ... وذلكَ نيلٌ للمحبِّ قليلُ مطوَّقةٌ طوقاً ترَى لفصوصِهِ ... روائعَ ياقوتٍ لهنَّ فصولُ وقال آخر: رويدكَ يا قمريُّ لستُ بمضمرٍ ... منَ الشَّوقِ إلاَّ دونَ ما أنا مُضمرُ ليَكْفكَ أنَّ القلبَ منذُ تنكَّرتْ ... أُمامةُ مِنْ معروفِها متنكِّرُ سقَى اللهُ أيَّاماً خلتْ وليالِياً ... فلم يبقَ إلاَّ عهدُها والتَّذكُّرُ لئنْ كانتِ الدُّنيا عنتْنَا إساءةً ... لمَا أحسنتْ في سالفِ الدَّهرِ أكثرُ وقال بعض العقيليين: لقدْ هاجَ لي شوقاً وما كنتُ سالياً ... ولا كنتُ لو رُمتُ اصطباراً لأصبِرا حمامةُ وادٍ هيَّجتْ بعدَ هجعةٍ ... حمائمَ وُرقاً مُسعداً أوْ معذِّرا كأنَّ حمامَ الوادِيينِ ودوْمةٍ ... نوائحُ قامتْ إذا دجَى اللَّيلُ حسَّرا محلاَّةُ طوقٍ ليسَ تخشَى انقضابهُ ... إذا همَّ أن يهوِي تبدَّلَ آخرا دعتْ فوقَ ساقٍ دعوةً وتناولتْ ... بها صحرا علَى بديل لتحذَرَا وإنَّ هذا لمن نفيس الكلام قد اشتمل على لفظ فصيح ومعنى صحيح ألا ترى إلى احترازه من أن يتوهَّم سامع كلامه أنَّ الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته أو ردَّ عليه ما كان ذهب من صبوته ثمَّ ما عقَّب به بعد ذلك من الجزالة السَّهلة والرِّقَّة المستحسنة. ولقد أحسن الَّذي يقول:

стр. 95

وقبليَ أبكَى كلَّ مَنْ كانَ ذا هوًى ... هتوفُ البواكِي والدِّيارُ البلاقعُ وهنَّ علَى الأطلالِ مِنْ كلِّ جانبٍ ... نوائحُ ما تخضلُّ منها المدامعُ مزَبْرَجةُ الأعناقِ نمرٌ ظهورُها ... مخطَّمةٌ بالدُّرِّ خضر روائعُ ومِنْ قطعِ الياقوتِ صِيغتْ عقودُها ... خواضبُ بالحنَّاءِ منها الأصابعُ وأحسن أيضاً الَّذي يقول: وقدْ كدتُ يومَ الحزنِ لمَّا ترنَّمتْ ... هتوفُ الضُّحى محزونةً بالتَّرنُّمِ أموتُ لمبْكاها أسًى إنَّ لوعَتي ... ووجدِي بسُعْدَى قاتلٌ لي فاعلمِ فلوْ قبلَ مبْكَاها بكيتُ صبابةً ... بسُعدَى شَفيتُ النَّفسَ قبلَ التَّندُّمِ ولكنْ بكتْ قبلِي فهيَّجَ لي البُكا ... هواها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمُ وقال حميد بن ثور: وما هاجَ هذا الشَّوقُ إلاَّ حمامةٌ ... دعتْ ساقَ حرٍّ نوحةً وترنُّما بكتْ شجوَ ثكلَى قدْ أُصيبَ حميمُها ... مخافةَ بينٍ يتركُ الحبلَ أجذَما فلمْ أرَ مثلي شاقهُ صوتُ مثلِها ... ولا عربيّاً شاقهُ صوتُ أعجَمَا وقال آخر: يهيجُ عليَّ الشَّوقَ نوْحُ حمامةٍ ... دعتْ شجوها في إثر إلفٍ تشوُّقا دعتْ فبكتْ عينا محبٍّ لصوتِها ... وفاضَ لها ماءُ الهوَى فترقرقا يلذُّ بها الرَّائي جناحاً مولَّجاً ... ومتْناً سماويّاً من اللَّونِ أزرقا خفضتُ إليها القلبَ حتَّى تشرَّبتْ ... حلاوتَها أحشاؤهُ فتشوَّقا أقولُ لها نوحي أُعنْكِ ولم أكنْ ... لأُسعدَ بالأمسِ الحمامَ المطوَّقا ولبعض أهل هذا العصر: أرى نوحُ الحمامِ يشوقُ قوماً ... وفي نوحِ الحمائمِ لي عزاءُ إذا بكتِ الحمائمُ وهيَ وحشٌ ... وأزعجها التفرُّقُ والجفاءُ فما جزعَ الأنيسِ منَ التَّصابي ... إذا امتنعَ التَّزاوُرَ واللِّقاءُ الباب الرابع والثلاثون من امتحن بالمفارقة والهجر اشتغل فكره بالعيافة والزَّجر سبيل كلّ مشغوف بشيء ما كان أن يحذر عليه ما دام في قبضته ويرجو رجوعه إذا خرج عن يده فالمحبُّ ما دام مقيماً مع محبوبه فخواطره موقوفةٌ على الحذر عليه من الزوال وفكره مرتهنةٌ بالخوف من تغيّر الحال فإذا فارق محبوبه وافتقد مطلوبه اشتغلت خواطره بتأميل أوبته كاشتغالها بمحاذرة فرقته إذ هو غير خال من الأحوال فتراه حينئذ يتيامن بالسَّوانح حسب تشاؤمه بالبوارح وقد قالت الشعراء في كلّ ذلك ونحن إن شاء الله نذكر من أقاويلهم حسب ما يحتمله الباب إذ كنَّا غير متجاوزين لما شرطناه في صدر الكتاب. قال عبد الله بن قيس الرقيات: بشَّرَ الظَّبيُ والغرابُ بسُعدى ... مرحباً بالذي يقولُ الغرابُ قالَ لي إنَّ خيرَ سُعدى قريبٌ ... قدْ أنى أنْ يكونَ منهُ اقترابُ قلتُ أنَّى تكونُ سعدى قريباً ... وعليها الحصونُ والأبوابُ حبَّذا الرِّيمُ والوشاحانِ والقصْ ... رُ الَّذي لا تنالهُ الأسبابُ فعسى أنْ يُؤتِّىَ الله أمراً ... ليسَ في غيِّهِ علينا ارتقابُ وقال آخر: نعبَ الغرابُ برؤيةِ الأحبابِ ... فلذاكَ صرتُ أليفَ كلِّ غرابِ لا شُكَّ ريشكَ إذْ نعبْتَ بقربهمْ ... وسقيتَ مُزنَ صبيبِ كلِّ سحابِ وسكنتَ بينَ حدائقٍ في جنَّةٍ ... محفوفةٍ بالنَّخلِ والأعنابِ وقال الراعي: جرى يومُ رُحنا عامدينَ لأهلِها ... عُقابٌ فقالَ القومُ مرَّ سنيحُ وكرَّ رجالٌ منهمُ وتراجعوا ... فقلتُ لهمْ طيرٌ إليَّ بريحُ عقابٌ بأعقابٍ من الدَّارِ بعدما ... مضتْ نيَّةٌ تُقصي المحبَّ طروحُ وقالوا نراهُ هُدهداً فوقَ بانةٍ ... هدًى وبيانٌ والطَّريقُ تلوحُ وقالوا دمَ دامتْ مودَّةٌ بيننا ... ودامَ لنا صفوٌ صفاهُ صريحُ وقال جران العود: جرى يومَ جئنا بالجِمالِ نزفُّها ... عقابٌ وشحَّاجٌ من البينِ يبرحُ فأمَّا العقابُ فهو منها عقوبةٌ ... وأمَّا الغرابُ فالغريبُ المطرَّحُ

стр. 96

أفلا ترى إلى تقارب ما بين هذين التَّأويلين الرَّاعي لأنه كان مفارقاً لأحبابه وجرى العقاب بالأعقاب من الدَّار ورجوع الحال إلى ما يهوى لضعف المخاوف من المفارق وقوَّة الآمال وهذا لأنه كان مقيماً مع أحبَّته وجرى العقاب بالعقوبة من صاحبته فهذا كلُّه شاهدٌ لما قد ذكرناه. وقال جحدر الفقعسي: تغنَّى الطَّائرانِ ببينِ سُعدى ... علَى غُصْنينِ من غربٍ وبانِ فقلتُ لصاحبيَّ وكنتُ أحرى ... بزجرِ الطَّيرِ ماذا تُخبرانِ فقالا الدَّارُ جامعةٌ بسُعدى ... فقلتُ بَلَ انْتُما مُتمنِّيانِ وكانَ البانُ أنْ بانتْ سُليمى ... وفي الغربِ اغترابٌ غيرُ داني إذا جاوزتُما سُعفاتِ حجْرٍ ... وأكنافَ اليمامةِ فانعياني وقال آخر: رأيتُ غُراباً واقعاً فوقَ بانةٍ ... يُشرشرُ أعلى ريشهِ ويُطائرُهْ فقلتُ لوَ انِّي لو أشارَ زجرتهُ ... بنفسيَ للنَّهديِّ هلْ أنتَ زاجرُهْ فقالَ غُرابٌ باغترابٍ من النَّوى ... وفي البانِ بينٌ من حبيبٍ تُجاورُهْ فما أعْيفَ النَّهديَّ لا درَّ درُّهُ ... وأزجرَهُ للطَّيرِ لا عزَّ ناصرهْ وقال عروة بن حزام: ألا يا غُرابيْ دمنةِ الدَّارِ بيِّنا ... أبالصَّرمِ من عفراءَ تنتحبانِ فإنْ كانَ حقّاً ما تقولانِ فانهضا ... بلحمي إلى وكْرَيكما فكُلاني ولا يدرينَّ النَّاسُ ما كانَ ميتتي ... ولا يأكُلنَّ الطَّيرُ ما تذرانِ فعفراءُ أصفى النَّاسِ عندي مودَّةً ... وعفراءُ عنِّي المُعرضُ المُتواني وقال قيس بن ذريح: ألا يا غرابَ البينِ قد طرتَ بالذي ... أُحاذرُ من لُبنى فهل أنتَ واقعُ أتبكي علَى لُبنى وأنتَ تركتَها ... فقد ذهبتْ لُبنى فما أنتَ صانع وطارَ غرابُ البينِ وانشقَّتِ العصا ... بلُبنى كما شقَّ الأديمَ الصَّوانعُ وقال آخر: ألا يا غرابَيْ دارِ أسماءَ بشِّرا ... بخيرٍ وطيرا بعدنا اليومَ أوقَعا فقدْ كنتُما واللهِ حينَ نعبْتُما ... كداعٍ دعا بالبينِ عُدوى فأسمعا ولا وجْدَ إلاَّ دونَ وجدٍ وجدْتُهُ ... غدا إذْ وجدنا عرصةَ الدَّارِ بلقعا وقال آخر: جرى نازحٌ من آلِ زينبَ عُدوةً ... أمامَ المطايا أعورُ العينِ أعصبُ وأسحمُ شحَّاجٌ علَى غصنِ بانةٍ ... مُقدَّدُ أطرافِ الجناحيْنِ بنعبُ فلا طارَ إلاَّ في النواهضِ بعدها ... غُرابٌ وباتَ الطَّيرُ في الحبلِ يضربُ وقال الضحاك الخفاجي: ألا يزجرُ الأُلاَّفُ والنَّاشطُ الفردا ... بلى باللِّوى بُعداً لهُ إذْ جرى بُعدا جرى بانحلال الشَّوقِ في داخلِ الحشا ... ومُستعجمٍ لا يستطيعُ لهُ ردَّا وقال ثوابة بن زيات الأسدي: ألا يا غُرابَيْ بينِ ظمياءَ طالما ... تعرَّضتُما لي تنزعانِ شجاكُما فيا لكما من طائرَيْنِ شجيتُما ... بشحطِ النَّوى حتَّى يطولَ جواكُما وقال عدي بن زيد: دعا صُرَدٌ يوماً علَى عودِ شوْحطٍ ... وصاحَ بذاتِ البينِ منها غُرابُها فقلتُ أتصْريداً وشحطاً وغرْبةً ... وبيناً فهذا بينُها واغترابُها وقال قيس بن ذريح: ألا يا غُرابَ البينِ لونكَ شاحبٌ ... وأنتَ بلوْعاتِ الفراقِ جديرُ فإنْ كانَ حقّاً ما تقولُ فأصبحتْ ... همومُكَ شتَّى بثُّهنَّ كثيرُ ودرتَ بأعْداءٍ حبيبُكَ فيهمِ ... كما قد تراني بالعدوِّ أدورُ وقال جميل بن معمر: ألا يا غرابَ البينِ فيمَ تصيحُ ... فصوتُكَ مشْنيٌّ إليِّ قبيحُ وكلُّ غداةٍ لا أبا لكَ تنتحي ... إليَّ فتلقاني وأنتَ مُشيحُ تحدِّثني أنْ لستُ لاقيَ نعمةٍ ... بعُدتَ ولا أمسى لديكَ نصيحُ فإنْ لم تهجني ذاتَ يومٍ فإنَّهُ ... سيكفيكَ ورقاءُ السَّراةِ صدوحُ وقال أبو ذؤيب الهذلي: أبالصَّرمِ من أسماءَ خبَّركَ الَّذي ... جرى بيننا يومَ استقلَّتْ ركابُها زجرتُ لها طيرَ الشِّمالِ فإنْ تصبْ ... هواكَ الَّذي تهوى يصبكَ اجتنابُها عصاني إليها القلبُ أنِّي لأمرهِ ... سميعٌ فما أدري أرُشدٌ طلابُها

стр. 97

فقلتُ لقلبي يا لكَ الخيرُ إنَّما ... يُدلِّيكَ للموتِ الصَّريحِ اجتنابُها وقال جرير: بانَ الخليطُ برامتيْنِ فودَّعوا ... أوَ كلَّما رفعوا لبينٍ تجزعُ أنَّ الشَّواحجَ بالضُّحى هيَّجنني ... في دارِ زينبَ والحمامُ الوُقَّعُ نعبَ الغرابُ فقلتُ بينٌ عاجلٌ ... وجرى بهِ الصُّرَدُ الغداةَ الألمعُ وقال آخر: ألا يا غرابَ البينِ ما لكَ كلَّما ... ذكرتُ لُبيْنى طرتَ لي عن شماليا أعندكَ علمُ الغيبِ أمْ أنتَ مخبري ... بحقٍّ عنِ الأمرِ الَّذي قد بداليا فلا حملتْ رجلاكَ عشّاً لبيضةٍ ... ولا زالَ ريشٌ من جناحكَ باليا وقال بعض الأعراب: ألا يا غرابَ البينِ هلْ أنتَ بائعي ... جناحيْكَ أمْ مُستبدلاً بهما بُرْدي فما زلتُ أبكي عندهُ وأبثُّهُ ... من الشَّوقِ حتَّى جاءني فبكا عندي وقال آخر: كذبتَ غرابَ البينِ ما أنتَ واجدٌ ... بإلفٍ وما شوقي وشوقُكَ واحدُ زعمتَ لحاكَ اللهُ أنَّكَ مدنفٌ ... فهلْ لكَ في دعواكَ ويحَكَ شاهدُ يُترجمُ ما يُخفي المحبُّ دموعهُ ... ودمعيَ مُنصبٌّ ودمعكَ جامدُ فكيفَ هوانا واحداً وفصاحتي ... تصرِّحُ عن وجدي ولفظكَ جاحدُ وقال آخر: فأوَّلُ طيرٍ حينَ رُحنا عشيَّةً ... جنوبٌ أُصيلاناً وقدْ جنحَ العصرُ فقلتُ جَنوبٌ باجتنابكَ أهلَها ... ونفحُ الصَّبا تلكَ الصَّبابةُ والهجرُ وقالَ غُرابٌ باغترابٍ من النَّوى ... وقطعِ القُوى تلكَ العيافةُ والزَّجرُ وقال المرقش السدوسي: ولقدْ غدوتُ وكنتُ لا ... أغدو علَى واقٍ وحاتمْ فإذا الأشائمُ كالأيا ... مِنِ والأيامنُ كالأشائمْ وكذاكَ لا خيرٌ ولا ... شرٌّ علَى أحدٍ بدائمْ وقال الحارث بن سمر الحنفي: ولستُ بمُشفقٍ من ضُرِّ نجمٍ ... ولا أرجو المنافعَ في النُّجومِ وما نعبَ الغرابُ لنا بيُمنٍ ... وما نعبَ الغرابُ لنا بشومِ ولكنْ ما أرادَ الله أمضى ... كذلك قدرةُ الرَّؤوفِ الرَّحيمِ ولبعض أهل هذا العصر: أيا قلبُ لا تجزعْ منَ البينِ واصطبرْ ... فلستَ لما يُقضى عليكَ بدافعِ توكَّلْ علَى الرَّحمانِ إنْ كنتَ مؤمناً ... يُجرْكَ ودعني من نحوسِ الطَّوالعِ فكلُّ الَّذي قد قدَّرَ اللهُ واقعٌ ... وما لم يقدِّرْهُ فليسَ بواقعِ وقال جهم بن عبد الرحمن الأسدي: ألمْ ترَ أنَّ العائفَيْنِ ولو حوتْ ... لكَ الطَّيرُ عمَّا في غدٍ عميانِ يظنَّانِ ظنّاً مرَّةً يُخطئانهِ ... وأخرى علَى بعض الَّذي يصفانِ قضى اللهُ ألاَّ يعلمَ الغيبَ غيرهُ ... ففي أيِّ أمرِ اللهِ تمتريانِ وقال عروة بن الورد: تقولُ سُليمى لو أقمتَ بسرِّنا ... ولم تدرِ أنِّي للمُقامِ أُطوِّفُ أرى أمَّ حسَّانَ الغداةَ تلومُني ... تخوِّفُني الأقدارُ واللهُ أخوفُ لعلَّ الَّذي خوَّفتنا من أمامنا ... يصادفهُ من أهلِنا المتخوَّفُ وقال الكميت: وما أنا ممَّنْ يزجرُ الطَّيرَ همُّهُ ... أصاحَ غرابٌ أمْ تعرَّضَ ثعلبُ ولا السَّانحاتُ البارحاتُ عشيَّةً ... أمرَّ سليمُ القلبِ أمْ مرَّ أعضبُ وقال مجنون بني عامر: ألا يا غراباً صاحَ من نحوِ أرضِها ... أفقْ لا أفقتُ الدَّهرَ من صيحانِ ولا كنتَ من ريبِ الحوادثِ سالماً ... جناحاكَ إنْ أزمعتَ بالطَّيرانِ وقال آخر: أمِنْ أجلِ غربانٍ تصايحْنَ غُدوةً ... ببينِ حبيبٍ ماءُ عينيْكَ يسفحُ ألا يا غرابَ البينِ لا صحتَ بعدها ... وأمكنَ من أوداجِ خلفكَ مذبحُ وقال آخر: كأنِّي غداةَ البينِ إذْ صاحَ شاحجٌ ... من الطَّيرِ مشنيُّ الصِّياحِ لعينُ سليمٌ رماهُ الحزنُ أمَّا نهارهُ ... فغشْيٌ وأمَّا ليلهُ فأنينُ وقال آخر: يا طائرَيْ بينِ سُعدى لو أبثُّكما ... نجيَّ نفسي وحاجاتي وأسراري لمْ تفجعاني ببينٍ تنبعانِ بهِ ... ولمْ تُحقَّا بهِ وجدي واحذاري وقال آخر:

стр. 98

وكادَ غداةَ سارَ الحيُّ يُبدي ... ضميرَ القلبِ تشحاجُ الغرابِ غدا بي شامتاً وغدوتُ صبّاً ... يُريني ما بهِ وأُريهِ ما بي يضاحكُني فيضحكُ حينَ أبكي ... كذلكَ دابهُ أبداً ودابي فلوْ أنَّ الغرابَ يرقُّ يوماً ... لرقَّ لطولِ وجدي واكتئابي لعلَّ الدَّهرَ يقلبُ حالتيهِ ... فإنَّ الدَّهرَ حولٌ ذو انقلابِ فيقلقَهُ اشتياقٌ وارتياحٌ ... ويوحشَهُ اغترابٌ كاغترابي الباب الخامس والثلاثون في حنين البعير المفارق أُنسٌ لكلِّ صبٍّ وامقٍ قال مرة بن عقيل: لَعمري لقدْ هاجتْ عليَّ حمامةٌ ... قُلوصَ العباديينَ ليلةَ حلَّتِ تعدَّتْ لها واللَّيلُ مُلقٍ رِواقهُ ... فجاوبْنَها حتَّى مللنَ وملَّتِ وقال تميم بن كميل الأسدي: يحنُّ قعودي بعدما كمُلَ السُّرى ... بنخلةَ والضُّمرُ الحراجيجُ ضُمَّرُ يحنُّ إلى وردِ الحشاشةِ بعدما ... ترامى بهِ خرقٌ من البيدِ أغبرُ وباتَ يجوبُ البيدَ واللَّيلُ مائلٌ ... يثنَّى لتعريسٍ يحنُّ وأزفرُ وبي مثلُ ما يلقى منَ الشَّوقِ والهوَى ... علَى أنَّني أُخفي الَّذي بي وأُظهرُ فقلتُ لهُ لمَّا رأيتُ الَّذي بهِ ... كلانا إلى وردِ الحشاشةِ أصورُ فليتَ الَّذي ينسى تذكُّرَ إلفهِ ... وسرباً بأحواضِ الحشاشةِ يُنحرُ وقال أيضاً: يحنُّ قعودي ذو الحياطِ صبابةً ... بمكَّةَ وهناً من تذكُّرهِ نجدا تذكَّرَ نجداً موهناً بعدما انطوتْ ... ثميلتهُ وازدادَ عن إلفهِ بُعدا تذكَّرَ نجداً حادياً بعدَ قادمٍ ... ولا يلبثُ الشَّوقانِ أن يصدعا الكِبدا فقلتُ لهُ قد هجتَ بي شاعفَ الهوَى ... أصابَ حمامُ الموتِ أضعفنا وجدا وقال آخر: أيضربُ جوْنٌ أنْ تحنَّ غريبةٌ ... وما ذنبُ جونٍ أن تحنَّ الأباعرُ يقولونَ لا تنظرْ وتلكَ بليَّةٌ ... بلى كلُّ ذي عينينِ لا بدَّ ناظرُ وقال آخر: باتتْ تشوِّقُني برجعِ حنينها ... وأزيدها شوقاً برجعِ حنيني نِضْويْنِ مُقترنيْنِ بينَ تِهامةٍ ... طويا الضُّلوعَ علَى جوًى مكنونِ لو خبَّرتْ عنِّي القَلوصُ لخبَّرتْ ... عن مُستقرِّ صبابةِ المحزونِ وقال عروة بن حزام: هوى ناقتي خلفي وقدَّاميَ الهوَى ... وإنِّي وإيَّاها لمختلفانِ فلو تركتْني ناقتي من حنينها ... وما بيَ من وجدٍ إذنْ لكفاني فإن تحملي شوقي وشوقكِ تُثْقلي ... وما لكِ بالحِملِ الثَّقيلِ يدانِ وقال آخر: تحنُّ قلوصي نحوَ نجدٍ وقد أرى ... بعينيَّ أنِّي لستُ موردَها نجدا ولا وارداً أمواهَ أجْبِلةِ الحمى ... وإنْ زهقَتْ نفسي علَى وردِها جُهدا وقال النجاشي: رأتْ ناقتي ماءَ الفراتِ وذوقهُ ... أمرُّ منَ السُّمِّ الذُّعافِ وأمقرا وريعَتْ منَ العاقولِ لمَّا رأتْ بهِ ... صياحَ النَّبيطِ والسَّفينِ المقيَّرا وحنَّتْ حنيناً موجعاً هيَّجتْ به ... فؤاداً إلى أنْ يدركَ الرَّبْوَ أصورا فقلتُ لها بعضَ الحنينِ فإنَّ بي ... كوجدكِ إلاَّ إنَّني كنتُ أصبرا وقال آخر: حنَّتْ وما عقلتْ فكيفَ إذا بكى ... شوقاً يُلامُ علَى البُكا منْ يعقِلُ ذكرتْ قُرى نجدٍ فأقلقها الهوَى ... وقُرى العراقِ وليْلهُنَّ الأطولُ وكأنَّما يُجنى لها ولركبها ... بنطافِ دجلةَ والفراتِ الحنظلُ وتمرُّ من لُججِ السَّرابِ موارقاً ... والخرقُ أغبرُ والقتامُ مجلِّلُ فغدتْ وأيدي الصُّبحِ تلمعُ في الدُّجى ... كالبيضِ تُغمدُ تارةً وتُسلَّلُ وقال جرير: أرى ناقتي تشكو طروقاً وشاقها ... وميضٌ إلى ذاتِ السَّلاسلِ لامعُ فقلتُ لها حنِّي رُويداً فإنَّني ... إلى أهلِ نجدٍ من تهامةَ نازعُ فلمَّا رأتْ أنْ لا قُفولَ وإنَّما ... لها من هواها ما تجنُّ الأضالعُ تمطَّتْ لمجدولٍ طويلٍ فطالعتْ ... وماذا منَ البرقِ اليماني تُطالعُ وقال آخر: وحنَّتْ قَلوصي آخرَ اللَّيلِ حنَّةً ... فيا روعةً ما راعَ قلبي حنينُها

стр. 99

سعتْ في عقالَيْها ولاحَ لعيْنها ... سنا بارقٍ وهناً فجنُّ جنونُها فما برحتْ حتَّى ارعوينا لصوْتِها ... وحتَّى انبرى منَّا المعينُ يعينُها تحنُّ إلى أهلِ الحجازِ صبابةً ... وقدْ بُتَّ من أهلِ الحجازِ قرينُها فيا ربِّ أطلقْ قيدها وجريرها ... فقدْ راعني بالمسجدَيْنِ حنينها وقال آخر: أزادَ اللهُ نقيكِ في السُّلامى ... علَى منْ بالحنينِ تُعوِّلينا فلستِ وإن حننْتِ أشدَّ وجداً ... ولكنِّي أُسرُّ وتُعلنينا وبي مثلُ الَّذي بكِ غيرَ أنِّي ... أُجلُّ عنِ العقالِ وتُعقلينا وقالت امرأة من دارم: ألا أيُّها البِكرُ الأنانيُّ إنَّني ... وإيَّاكَ في كلبٍ لمُغتريانِ تحنُّ وأبكي إنَّ ذا لبليَّةٌ ... وإنَّا علَى البلوى لمصطلحانِ فمن يكُ لمْ يغرضْ فإنِّي وناقتي ... جميعاً إلى أهلِ الحِمى غرضانِ تحنُّ فتُبدي ما بها من صبابةٍ ... وأُخفي الَّذي لولا المُنى لعصاني وقال آخر: كتموا غداةَ البينِ رحلتهُمْ ... فعرفتُها بخواطرِ القلبِ فتبعتهُمْ وظننْتُ أنْ بعُدوا ... وإذا همُ منَّا علَى قُربِ ما زالَ هادي الشَّوقِ يُرشدني ... حتَّى لحقْتُ بأوَّلِ الرَّكبِ ظلَّتْ مطاياهُمْ تُلاحظنا ... ودموعُها سكْباً علَى سكبِ أتخالُها عشقَتْ فهنَّ إذاً ... شركاؤُنا وأبيكَ في الحبِّ وقال الأحوص: تذكَّرَ سُلمى بعدما حالَ دونها ... منَ النَّأيِ ما يُسلي فهلْ أنتَ صابرُ فأنتَ إلى سُلمى تحنُّ صبابةً ... كما حنَّ أُلاَّفُ المطيِّ السَّواجرُ وما كنتُ أدري قبلها أنَّ ذا الهوَى ... يزيدُ اشتياقاً أنْ تحنَّ الأباعرُ ألا حبَّذا سُلمى الفؤادُ وحبَّذا ... زيارتُها لو يُستطاعُ التَّزاورُ لقدْ بخلَتْ بالودِّ حتَّى كأنَّها ... خليلُ صفاءٍ غيَّبتْهُ المقابرُ فإنْ أكُ قد ودَّعتُها وهجرتُها ... فما عن تقالٍ كانَ ذاكَ التَّهاجرُ ألا ليتَ أنَّا لم نكنْ قبلُ جيرةً ... جميعاً ألا ليتَ دامَ التَّجاورُ سيُلقى لها في الصَّدرِ من مُضمرِ الحشا ... سريرةُ ودٍّ يومَ تُبلى السَّرائرُ وقد قالت الشُّعراء أيضاً في تفضيل ما بين حنينهِم وحنين الإبل في تشاؤمهم بها وتطيُّرهم منها أشعاراً كثيرةً فممَّا ذكروه في وصف حنينهم وحنينها. قول ثعلبة بن أوس الكلابي: وما عودٌ يحنُّ ببطنِ نجدٍ ... مُغالى الشَّوقِ مُضطمرٌ قليلا إلى وادٍ تذكَّرَ عُدوتَيْهِ ... أسنَّ بهِ وكانَ بهِ فصيلا فبدِّلَ مشرباً من ذاكَ ملحاً ... وظِمأً بعدَ قصرتهِ طويلا يحنُّ إلى الجنائبِ هيَّجتْهُ ... ضُحيّاً أوْ هببْنَ له أصيلا بأكثرَ غُلَّةً منِّي وجهداً ... علَى إضماريَ الهجرَ الطَّويلا وقال أيضاً: وما ذو شُقَّةٍ يقضي حنيناً ... بنجدٍ كان مُغترباً مَريعا يمارسُ راعياً لا لينَ فيهِ ... وقيداً قدْ أضرَّ بهِ وجيعا إذا ما البرقُ لاحَ لهُ سناهُ ... حجازيّاً سمعتَ لهُ سجيعا وأنشدني أعرابي بالبادية: خليليَّ جَمْجمتُ الهوَى وكتمتهُ ... زماناً فقدْ أضحى بجسميَ باديا كما جمجمَتْ وجناءُ قد طالَ حبسُها ... وأكثرَ فيها النَّاظرونَ التَّماديا فلمَّا استبانوا ما بها جعلوا لها ... سوى مربعِ الأُلاَّفِ قيداً وراعيا وقال آخر: لَعمركَ ما خوصُ العيونِ شوارقٌ ... روائمُ أظْآرٌ عطفنَ علَى سقْبِ يُغذِّينهُ لو يستطعْنَ ارتشَفْنهُ ... إذا استفْنَهُ يزددْنَ نكباً علَى نكبِ بأوجدَ منِّي يومَ ولَّتْ حمولهُمْ ... وقد طلعَتْ أولى الرِّكابِ منَ النَّقْبِ وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: متى تظعني يا ميُّ من دارِ جِبرتي ... أمُتْ والهوَى برحٌ علَى منْ يطالبُهْ أكنْ مثلَ ذي الأُلاَّفِ شُدَّ وظيفهُ ... إلى يدهِ الأخرى وولَّى صواحبُهْ تباريْنَ أظلافاً وقاربَ خطْوهُ ... عنِ الذَّودِ تفنيداً وهنَّ حبائبُهْ

стр. 100

إذا حنَّ لم يُسمعْ رجيعُ حنينهِ ... فلا القيدُ مُنحلٌّ ولا هو قاضبُهْ وقال عروة بن أذينة: وتفرَّقوا بعدَ الجميعِ لِنيَّةٍ ... لا بدَّ أن يتفرَّقَ الجيرانُ لا تصبرُ الإبلُ الجِلادُ تفرَّقتْ ... حتَّى تحنَّ ويصبرُ الإنسانُ ومما ذكروا في التطيّر منها والكراهية لها قول عوف الراهب: غلطَ الذينَ رأيتهمْ بجهالةٍ ... يلحوْنَ كلُّهمُ غُراباً ينعقُ ما الذَّنبُ إلاَّ للأباعرِ أنَّها ... مما يُشتُّ جميعهمْ ويفرِّقُ إنَّ الغرابَ بيُمنهِ تُدني النَّوى ... وتشتُّ بالشَّملِ الشَّتيتِ الأينقُ وقال أبو الشيص في مثل ذلك: ما فرَّقَ الأحبابَ بعْ ... دَ اللهِ إلاَّ الإبلُ والنَّاسُ يلحوْنَ غُرا ... بَ البينِ لمَّا جهلوا وما علَى ظهرِ غُرا ... بِ البينِ تُمطى الرُّحلُ ولا إذا صاحَ في ال ... دِّيارِ احتملوا وما غُرابُ البينِ إلاَّ ... ناقةٌ أوْ جملُ وقال آخر: ما المنايا إلاَّ المطايا وما فرَّ ... قَ شيءٌ تفريقَها الأحبابا ظلَّ حاديهمُ يسوقُ بقلبي ... ويرى أنَّهُ يسوقُ الرِّكابا ولبعض أهل هذا العصر: ولمَّا أتوْنا بالمطايا وقرَّبوا ... محاملَ لمْ تُشددْ عليها قيودُها تيمَّمْتكُمْ عمداً لأحظى بلحظةٍ ... لعلِّي إن فارقتكُمْ لا أُعيدُها فلمْ أنسَ إذْ قيَّدتُ رحلَ مطيَّتي ... وقلتُ لحادي الذَّودِ لم لا تقودُها كأنَّكَ لمْ تعلمْ بأن ربَّ لحظةٍ ... تفوتُكَ لا تدري متى تستفيدها فلو لمْ تكنْ تهوى الفراقَ نحرْتَها ... ولم تلتمسْ عمداً لها من يقودُها فيا عجبا منِّي ومن صبرِ مُهجتي ... عليَّ وقدْ أعيَتْ علَى من يكيدُها أضنُّ بها عمَّنْ يرى المُلكَ دونها ... وأبذلُها طوعاً لمن لا يريدُها الباب السادس والثلاثون من فاته الوصال نعشه الخيال قد تقدَّم قولنا في عيب من خلَّف خليله أوْ تخلَّف عنه في وقته أوْ عن اللُّحوق به على حسب طاقته ثمَّ وكَّدنا عيب من لم يرض حتَّى أقرَّ بأنَّ المشوِّق له إلى إلفه عارضٌ غير متمكِّنٍ له من نفسه وأصحاب هذا الباب الَّذي نحن في أوَّله يلحقهم ذلك العيب كلُّه ويزدادون معه لوماً على مسامحتهم أنفسهم في التَّلذُّذ برقادهم وأخلاَّؤهم ظاعنون عن بلادهم ومن الصُّوفيَّة من لا يقنع لهم بما ألحقناه من العيب بهم حتَّى يقولوا إنَّ النَّوم لو كان مانعاً لهم لكان تخصيصهم إيَّاه بأنَّه يريهم أحبَّتهم نقصاً بيِّناً في مودَّتهم فإنَّ الحال إذا تمكَّنت لم تفترق الرُّوحان وإن افترق الشَّخصان فالمحبُّ المشاهد لصاحبه على كلِّ حالٍ مستغنٍ عن الاستعانة على إحضاره برؤية الخيال ومن طرائف ما قيل في الخيال وأدلّه على ضعف قائله في الحال. قول ذي الرمة: فيا ميُّ هلْ يُجزى بُكائي بمثلهِ ... مراراً وأنفاسي عليكِ الزَّوافرُ وإنْ لامني يا ميُّ من دونَ صُحبتي ... لكِ الدَّهرَ من أُحدوثةِ النَّفسِ ذاكرُ وأنْ لا ينالَ الرَّكبُ يا ميُّ وقفةً ... منَ اللَّيلِ إلاَّ اعتادني لكِ زائرُ فهذا أحسن الله جزاءه لم يرض بالعيب الَّذي ذكرناه حتَّى طالب محبوبه بأن يجازيه على تخييله إيَّاه في منامه ثمَّ لم يقنعه أن يجازى بمثل بكائه مراراً فأما اعتذاره بأنه لا يرقد إلاَّ اعتاده منها زائرٌ فقد يتهيَّأ أن يخفَّف جرمه فيه فضربٌ من المعاذر فيقال إنَّه إنَّما عنى أنَّه لا ينفكُّ خاطره من ذكرها فإذا رقد رأى خيالها بقلبه لشدَّة غلبته في حال اليقظة على فكره وأما ما ذكره سوى ذلك من المحالات فإنَّه ينبو عن مراتب الاعتذارات وقد قال قيس بن الملوَّح ما إن لم يكن موفياً على حدِّ الكمال فإنَّه إلى الجليلة من الأحوال وهو: وإنِّي لأستسقي وما بيَ عطشةٌ ... لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خياليا وأخرجُ من بينِ الجلوسِ لعلَّني ... أُحدِّثُ نفسي عنك في السرِّ خاليا

стр. 101

فهذا البائس إذاً تناعس وليس بناعسٍ ليتعلَّل بخيالها إذا فاته ما يؤمِّله من وصالها فنحن نشهد له بالتَّمام في هذه الحال ولا ندري ما الَّذي يوجب له الغيبة عن إلفه حتَّى اضطرَّه إلى التَّعلُّل بطيفه فنعلم أين منه ذلك تماماً أم يوجب عليه ملاماً. وما قصّر أيضاً الحسين بن وهب حيث يقول: أرَقتُ وكيفَ لي بالنَّومِ كيفا ... فألقى من حبيبِ النَّفسِ طيْفا أقولُ لها متى وتقولُ حتَّى ... وتمطُلني الهوَى بنعمْ وسوْفا ولولا فرطُ إشفاقي عليها ... غدوْتُ محكَّماً وشهرْتُ سيْفا ولكنِّي إذا فكَّرتُ فيها ... نهتْني النَّفسُ إشفاقاً وخوفا ومن مليح ما يدخل في هذا الباب وإن كان مشهوراً في النَّاس: فقلتُ لها بخلتِ عليَّ يقظى ... فجودي في المنامِ لِمُستهامِ فقالت لي وصرتَ تنامُ أيضاً ... وتطمعُ أن تواصلَ في المنامِ ولبعض أهل هذا العصر: جُعلتُ فداكَ لم يخطر ببالي ... حضورُ البينِ إلاَّ مذْ ليالي فقد وهواكَ زادنيَ اشتياقا ... علَى شوقي نواكَ وأنتَ قالي وأكَّدَ ذاكَ أنِّي مذْ ليالٍ ... سهرتُ فلمْ يزُرْ طيفُ الخيالِ فبتُّ علَى الفراشِ كأنَّ قلبي ... يقلِّبهُ هواكَ علَى المقالي وكانَ الطَّيفُ يكشفُ بعضَ ما بي ... ولستَ تراهُ يطرُقني بحالِ فقلْ لي بالذي أصفاكَ ودِّي ... أأنتَ نهيْتَ طيفكَ عن وصالي أمِ السَّهرُ الَّذي ألزمتَنيهِ ... نفى عنِّي الخيالَ فلا أُبالي ولبعض أهل الأدب: أعادَ عليَّ الله يومَ وصالكَ ... وأخطرني قبلَ المماتِ ببالكَ يُضاعفُ ما بي أنَّني لكَ وامقٌ ... أميرٌ بما تهوى ولستَ كذلكَ منعت جفوني أن تنامَ قريرةً ... ولو نمتُ أرضاني طروقُ خيالكَ وحلَّلْتَ عهدي في الهوَى وتركتني ... أُعقِّدُ ما حلَّلْتهُ من حبالكَ ومن مختار ما قالت الشعراء في الخيال علَى تقصير قائله عن بلوغ درج الكمال: أسْرَتْ لعينكَ ليلَى بعدَ مغفاها ... يا حبَّذا بعدَ نومِ العينِ مسراها فقلتُ حُيِّيتَ من طيفٍ ألمَّ بنا ... إن كنتَ تمثالها أوْ كنتَ إيَّاها وقال العرجي: وقد كنتُ أرجو أنَّ نأيكِ راحةٌ ... ولم أدرِ أنَّ الطَّيفَ إن نمتُ طالبي فواللهِ لا يُنكى محبٌّ بمثلها ... وإن كانَ مكروهاً فراقُ الحبائبِ وأنشدني أعرابي بالبادية: حلمتُ أقرَّ اللهُ عينيَ أنَّني ... أرى أُمَّ لهوِ القلبِ فيمنْ أُجاورُ فلمَّا انتبهْنا بالخيالِ الَّذي سرى ... إذا صوتُ جنٍّ والنُّجومُ الزَّواهرُ فعدتُ لكيْما أن تعودَ فلمْ تعدْ ... وعاودني منها الَّذي قد أُحاذرُ وقال بعض الأعراب وكان محبوساً في سجن الطائف: فأنَّى اهتدَتْ تسري وأنَّى تخلَّصتْ ... إليَّ وبابُ السِّجنِ بالعتلِ موثَقُ عجبْتُ لمسراها وسربٍ سرتْ بهِ بُعَ ... يدَ الكرى كادتْ له الأرضُ تشرقُ فلا تحسبي أنِّي تخشَّعتُ بعدكُمْ ... لشيءٍ ولا أنِّي منَ الموتِ أفرقُ ولكنَّ ما بي من هواكِ ضمانةٌ ... كما كنتُ ألقى منكِ إذْ أنا مُطلقُ فأمَّا الهوَى منِّي إليكِ فطائحٌ ... يمانٍ ولكنِّي بمكَّةَ موثقُ ألمَّتْ فحيَّتْ ثمَّ قامتْ فودَّعتْ ... فكادتْ عليها مهجةُ النَّفسِ تزهقُ فما برحتْ حتَّى وددْتُ بأنَّني ... بما في فؤادي من دمِ الجوفِ أشرقُ وقال الأقرع القشيري: ألمَّتْ فحيَّاها فهبَّ فحلَّقتْ ... معَ النَّجمِ رؤيا في المنامِ كذوبُ لقدْ شغفتني أمُّ عمرٍو وبغَّضتْ ... إليَّ نساءً ما لهنَّ ذنوبُ وأنشدتني ستيرة العصيبية: ألمَّ خيالُ طَيبةَ أجنبيَّا ... فحيَّا الرَّكبَ دوني والمطيَّا لما حيَّيْتهمْ يا طيفُ دوني ... وأنتَ أحبُّهمْ شخصاً إليَّا ألمَّ بنا فسلَّمَ ثمَّ ولَّى ... علَى الهجَّادِ تسليماً خفيَّا فلمَّا أنْ كشفْتُ غطاءَ رأسي ... إذا أنا لا أرى إلاَّ النَّضيَّا وأينُقَنا الثَّلاثَ ملقَّياتٍ ... علَى متنِ الطَّريقِ وصاحبيَّا

стр. 102

وزرقاً بالجفيرِ مُنشَّباتٍ ... وشوحطةً ترنُّ ومشرفيَّا فكلَّفنا سُراها أن رحلنا ... وأحثثنا الأميرَ العامريَّا وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: ألا طرقَتْ جمْلٌ وبيني وبينها ... مهامِهُ أمْراتٌ وداويةٌ قفرُ فقلتُ لها كيفَ اهتديْتِ لصاحبٍ ... ونضوٍ طواهُ السَّيرُ مَمْساهما وعرُ فقالتْ أمنْتَ الدَّهرَ ألاَّ تُحبَّني ... فقلتُ عداني النَّأيُ والأعينُ الخزرُ علَى أنِّني أهواكِ ما هبَّتِ الصَّبا ... وما سكنتْ سلمى وأكنافها العفرُ وما هتفتْ يوماً لإلفٍ حمامةٌ ... علَى بانةٍ أفنانها عطَّفٌ خضرُ فدوميَ علَى العهدِ الَّذي كانَ بيننا ... فما يُبتغى منِّي ولا منكِ لي عذرُ وقال الحسين بن الضحاك: سقياً لزورٍ منْ طيفِ مُحتجبٍ ... عاتبتهُ في المنامِ فاعتذرا فزالَ حقدُ الضَّميرِ عنْ سكنٍ ... يُسخطني رائحاً ومُبتكرا رضيتُ من عذرِ منْ أقامَ علَى الذَّنْ ... بِ بطيفٍ ألمَّ مُعتذرا وقال الرقاد بن المنذر الضبي: ألا طرقَتْ أسماءُ واللَّيلُ دامسٌ ... فأحببْ بها من طارقٍ حينَ يطرقُ وما طرقَتْ إلاَّ لتُحدثَ ذكرةً ... وتُحكمَ وصلاً بيننا كادَ يخلقُ وقال أبو تمام الطائي: عادكَ الزَّورُ ليلةَ الرَّملِ منْ رمْ ... لةَ بينَ الحمى وبينَ المطالي قمْ فما زاركَ الخيالُ ولك ... نَّكَ بالفكرِ زُرتَ طيفَ الخيالِ وقال البحتري: وليلةَ هوَّمنا علَى العيسِ أرسلتْ ... بطيفِ خيالٍ يشبهُ الحقَّ باطلُهْ فلولا بياضُ الصُّبحِ طالَ تشبُّثي ... بعِطفيْ غزالٍ بتُّ وهناً أُغازلُهْ وكم من يدٍ للَّيلِ عندي حميدةٍ ... وللصُّبحِ من خطبٍ تذمُّ غوائلُهْ وقال أيضاً: مثالُكَ من طيفِ الخيالِ المعاودِ ... ألمَّ بنا من أُفقهُ المُتباعدِ يُحيِّي هجوداً ميِّتينَ منَ الكرى ... وما نفعُ إهداءِ السَّلامِ لهاجدِ وقال أيضاً: إذا نسيتُ هوى ليلَى أشادَ بهِ ... طيفٌ سرى في سوادِ اللَّيلِ إذْ جنحا دنا إليَّ علَى بعدٍ فأرَّقني ... حتَّى تبلَّجَ وجهُ الصُّبحِ فاتَّضحا عجبْتُ منهُ تخطَّى القاعَ من إضَمٍ ... وجاوزَ الرَّملَ من خبتٍ وما برحا وقال أبو تمام: إسْتَزارتْهُ فكرتي في المنامِ ... فأتاني في خفيةٍ واكتتامِ فاللَّيالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحتْهُ النَّوى من الأيَّامِ يا لها ليلةً تنزَّهتِ الأرْ ... واحُ فيها سرّاً منَ الأجسامِ مجلسٌ لم يكنْ لنا فيهِ عيبٌ ... غيرَ أنَّا في دعوةِ الأحلامِ وقال عمر بن ربيعة المرقش: أمِنْ بنتِ عجلانَ الخيالُ المبرِّحُ ... ألمَّ ورحْلي ساقطٌ مُتزحزحُ فلمَّا انتبهنا بالخيالِ وراعني ... إذا هوَ رحلي والبلادُ توضَّحُ ولكنَّهُ زَوْرٌ يوقِّظُ نائماً ... ويحدثُ أشجاناً بقلبكَ تجرحُ بكلِّ مبيتٍ يعترينا ومنزلٍ ... فلوْ أنَّها إذْ تدلجُ اللَّيل تصبحُ فولَّتْ وقد بثَّتْ تباريحَ ما ترى ... ووجدي بها من قبلِ ذلك أبرحُ وقال عبادة الطائي: أما وهواكَ حِلفةَ ذي اجتهادِ ... يعدُّ الغيَّ فيكِ منَ الرَّشادِ لقدْ أذكى فراقُكِ نارَ وجدي ... وعرَّفَ بينَ عيني والسُّهادِ وما ناديتني للشَّوقِ إلاَّ ... عجلتُ بهِ فلبَّيْتُ المنادي وهجرُ القربِ منها كانَ أشهى ... إلى المشتاقِ من وصلِ البعادِ وقال أيضاً: وإنِّي وإنْ ضنَّتْ عليَّ بودِّها ... لأرتاحُ منها للخيالِ المؤرِّقِ يعزُّ علَى الواشينَ لو يعلمونها ... ليالٍ لنا نزدارُ فيها ونلتقي فكمْ غلَّةٍ للشَّوقِ أطفأتُ حرَّها ... بطيفٍ متى يطرقْ دجى اللَّيل يطرُقِ أضمُّ عليهِ جفنَ عيني تعلُّقاً ... بهِ عندَ إجلاءِ النُّعاسِ المرفِّقِ وقال أيضاً: دعا عبرتي تجري علَى الجورِ والقصدِ ... أظنُّ نسيماً قارفَ الهجرَ من بعدي خلا ناظري من طيفهِ بعدَ شخصهِ ... فيا عجباً للدَّهرِ فقداً علَى فقدِ

стр. 103

خليليَّ هلْ من نظرةٍ توصلانها ... إلى وجناتٍ ينتسبْنَ إلى الوردِ وقد كادَ هذا القلبُ ينقدُّ دونهُ ... إذا اهتزَّ في قربٍ من العينِ أوْ بعدِ فلو تُمْكنُ الشَّكوى لخبَّركَ البكا ... حقيقةَ ما عندي وإن جلَّ ما عندي وقال أيضاً: أنسيمُ هلْ للدَّهرِ وعدٌ صادقُ ... فيما يؤمِّلهُ المحبُّ الوامقُ ما لي فقدْتُكَ في المنامِ ولم يزلْ ... عوْنَ المشوقِ إذا جفاهُ الشَّائقُ أمنعْتَ أنتَ منَ الزِّيارةِ رِقبةً ... منهم فهلْ منعَ الخيالُ الطَّارقُ الآنَ جازَ بنا الهوَى مِقدارهُ ... في أهلهِ وعلمتُ أنِّي عاشقُ ولبعض أهل هذا العصر: وقدْ كنتُ لا أرضى منَ النَّيلِ بالرِّضا ... وأقبلُ ما فوقَ الرِّضى مُتلوِّما فلمَّا تفرَّقنا وشطَّتْ بنا النَّوى ... قنعْتُ بطيفِ منكَ يأتي مُسلِّما فساعفني وهناً خيالكَ في الكرى ... فزارَ وحيَّا ثمَّ قامَ فسلَّما بنفسي وأهلي من خيالٍ ألمَّ بي ... فداوى سقامي ثمَّ بانَ فأسقما فواحسرتا لم أدرِ أنَّى اهتدى لنا ... ولمْ أدرِ إذْ ولَّى إلى أينَ يمَّما رعاهُ ضمانُ اللهِ في كلِّ حالةٍ ... وإن ذرفَتْ عيني لفرقتهِ دما الباب السابع والثلاثون من مُنع من النَّظر استأنس بالأثر قال بعض الأعراب: أيا شجراتِ الوابشيَّاتِ إنَّني ... لكُنَّ علَى مرِّ الزَّمانِ صديقُ ولو لم تُجاوركُنَّ أسماءُ لم يصلْ ... إليكنَّ من قلبي الغداةَ فريقُ يميلُ الهوَى بي نحوكُنَّ وقد أرى ... بعينيَّ ما لي نحوكنَّ طريقُ فلوْ كنتُ أُهدي الغيثَ أو كنتُ والياً ... علَى الماءِ لم تعطشْ لكُنَّ عروقُ وقال آخر: يا سرحةَ الدَّوحِ أينَ الحيُّ واكبدي ... لهفاً تذوبُ وبيتِ اللهِ من حسرِ ها أنتِ عجماءُ عمَّا قد سُئِلتِ فما ... بالُ المنازلِ لم تنطقْ ولم تحرِ يا قاتَلَ اللهُ غادات قرعنَ لنا ... حبَّ القلوبِ بما استودعْنَ من حورِ عنَّتْ لنا وعيون من براقعها ... مكنونةٌ مُقلُ الغزلانِ والبقرِ باللهِ يا ظبياتِ القاعِ قُلنَ لنا ... ليْلايَ منكنَّ أم ليلَى منَ البشرِ يا ما أُميْلَحَ غزلاناً شدنّ لها ... هوَ لِباي بينَ الضَّالِ والسَّمُرِ وقال بعض الأعراب: ألا هلْ إلى شمِّ الخُزامى ونظرةٍ ... إلى قرقرى قبلَ المماتِ سبيلُ أيا أثلاتِ القاعِ من بطنِ توضحٍ ... حنيني إلى أفيائكُنَّ طويلُ ويا أثلاتِ القاعِ قد ملَّ صُحبتي ... سُرايَ فهل في ظلِّكنَّ مقيلُ ويا أثلاتِ القاعِ قلبي معلَّقٌ ... بكُنَّ وجدْوى خيركُنَّ قليلُ ويا أثلاتِ القاعِ ظاهرُ ما بدا ... بجسمي علَى ما في الفؤادِ دليلُ وقال بشر بن هذيل العبسي: فيا طلحتَيْ لوذانَ لا زالَ فيكُما ... لمنْ يبتغي ظلَّيْكُما فننانِ وإن كنتما قد هجتُما لوعةَ الهوَى ... ودانيْتُما ما ليسَ بالمتدانِ وقال آخر: تجرَّمَ أهلوها لئنْ كنتُ مُشعراً ... جَنوباً بها يا طولَ هذا التجرُّمِ وما ليَ من ذنبٍ إليهمْ علمتهُ ... سوى أنَّني قد قلتُ يا سرحةُ اسلَمي بلى فاسلَمي ثمَّ اسلمي ثمَّتَ اسلمي ... ثلاثَ تحيَّاتٍ وإن لم تكلَّمي وقال حميد بن ثور: أبى اللهُ إلاَّ أنَّ سرحةَ مالك ... علَى كلِّ آفاقِ العضاهِ تروقُ نمى النَّبتُ حتَّى نالَ أفنانَها العلى ... وفي الماءِ أصلٌ ثابتٌ وعروقُ فيا طيبَ ريَّاها ويا بردَ ظلِّها ... إذا حانَ من شمسِ النَّهارِ زروقُ وهلْ أنا إنْ علَّلتُ نفسي بسرحةٍ ... منَ السَّرحِ موجودٌ عليَّ طريقُ حمى ظلَّها شكْسُ الخليقةِ خائفٌ ... عليها غرامَ الطَّائفينَ شفيقُ فلا الظِّلُّ منها بالضُّحى نستطيعهُ ... ولا الفيءُ منها في العشيِّ نذوقُ وقال آخر: أيا نخلتَيْ أوْلٍ سقى الأصلَ منكُما ... مُهيجُ الرُّبى والمدجناتُ رواكُما ويا نخلتَيْ أوْلٍ إذا هبَّتِ الصَّبا ... وأمسيْتُ مقروراً ذكرْتُ ذُراكُما

стр. 104

ويا نخلتَيْ أوْلٍ بليتُ وأنتما ... جديدانِ كالبُردَيْنِ طابَ شذاكُما وقال خلف بن روح الأسدي: أيا نخلتَيْ بطنِ العقيقِ أمانعي ... جنى النَّخلِ والبينُ انتظاري جناكُما لقد خِفْتُ ألاَّ تنفعاني بطائلٍ ... ويُكتبَ في الدُّنيا لغيري جداكُما وقال بعض الأعراب: أيا منْ لِعينٍ لا ترى قُللَ الحمى ... ولا جبلَ الأوسالِ إلاَّ استهلَّتِ لجوجٌ إذا لجَّتْ بكيٌّ إذا بكتْ ... بكتْ فأدقَّتْ في البُكا وأجلَّتِ نعِمْنا زماناً باللِّوى ثمَّ أصبحتْ ... بِراقُ اللِّوى من أهلها قد تخلَّتِ ألا قاتلَ اللهُ اللِّوى من محلَّةٍ ... وقاتلَ دنيانا بها كيفَ ولَّتِ وقال آخر: إقرأْ علَى الوشلِ السَّلامَ وقلْ لهُ ... كلُّ المشاربِ مذْ هجرْتَ ذميمُ سقياً لظلِّكَ بالعشيِّ وبالضُّحى ... ولِبردِ مائكَ والمياهُ حميمُ لو كنتُ أقدرُ منعَ مائكَ لمْ يذقْ ... ما في قِلاتكَ ما حييتُ لئيمُ وقال آخر: ألا حبَّذا أعطانُ فلجةَ بالضُّحى ... وخيمُ ذرَى في جلْهَتَيْها المُنصَّبُ يقولونَ مِلحٌ ماءُ فلجةَ آجنٌ ... أجلْ هوَ مملوحٌ إلى النَّفسِ طيِّبُ وقال ابن الدمينة: خليليَّ رُوحا بالهجينِ فسلِّما ... علَى الخيمِ أوْ مُرَّا بذي العشراتِ وقِيلا بنا في ظلّهنَّ ورمْيِنا ... ذراهنَّ رميَ المحرمِ الجمراتِ وقُولا لمنْ لاقيتُما يا هديتُما ... أحثَّا لنا في الطَّوافِ مِنْ بكراتِ قلائصَ فيهنَّ الَّتي كِبرُ همّها ... أنينٌ وتُذري الدَّمعَ بالزَّفراتِ ولبعض بني كلاب: ألا حبَّذا الماءُ الَّذي قابلَ الحمى ... ويا حبَّذا مِنْ أجلِ ظمياءَ حاصرهْ ولو سألتْ ظمياءُ يوماً بوجهِها ... سحابَ الثُّريَّا لاستهلَّتْ مواطرهْ وقال آخر: يقرُّ بعيني أنْ أرَى بمكانهِ ... سُهيلاً كطرفِ الأخدرِ المتشاوسِ وأنْ أُشرفَ القاراتِ مِنْ أيسرِ الحمى ... فتبدُو والأنضاءُ حوصٌ خوامسُ ذكرتكِ ذِكرى مثلها صدَّعَ الحشا ... بتوٍّ وأُخرى مثلها يومَ حابسِ ويومَ تعالتْ بي السَّفينةُ وارتمَى ... بيَ البحرُ في آذيهِ المتلاطسِ وقال ورد الهلالي: سقَى اللهُ نجداً مِنْ ربيعٍ ومصيفٍ ... وماذا تُرجِّي مِنْ ربيعٍ سقَى نجدا بلَى إنَّه قدْ كانَ للبيضِ مرَّةً ... وللعيشِ والفتيانِ منزلةً حمدَا وقال آخر: ألا حبَّذا الدَّهنَا وطيبُ ترابِها ... وأرضٌ خلاءٌ يصدعُ اللَّيلُ هامُها ونصُّ المهاري بالعشيَّاتِ والضُّحى ... إلى بقرٍ وحيُ العيونِ كلامُها وقال آخر: خليليَّ إنِّي واقفٌ فمسلِّمٌ ... علَى..... خالطَ اللَّحمَ والدَّما ولو زالَ هضبُ الرَّملِ عنْ سكناتهِ ... ليمَّمتُ مِنْ وجدٍ بهِ حيثُ يمَّما ولو نطقتْ ضمرُ الجبالِ لعاشقٍ ... حزينٍ لحيَّانا إذاً وتكلَّما وقال آخر: سلِّمْ علَى قطَنٍ إنْ كنتَ لاقيهُ ... سلامَ مَنْ كانَ يهوَى مرَّةً قطَنا أُحبُّهُ والَّذي أرسَى قواعدهُ ... حبّاً إذا ظهرتْ آياتهُ بطَنا يا ليتَنا لا نريمُ الدَّهرَ ساحتهُ ... أوْ كانَ إنْ نحنُ سرنا غربةً معَنا وقال جرير: ألا حيِّ رهبَى ثمَّ حيِّ المطاليا ... فقدْ كانَ مأنوساً فأصبحَ خالِيا ألا أيُّها الوادِي الَّذي ضمَّ سيلهُ ... إلينا نوَى ظمياءَ حيِّيتَ وادِيا نظرتُ برهبَى والظَّعائنُ باللِّوى ... فطارتْ برهبَى شعبةٌ مِنْ فؤادِيا وقال آخر: أيا نخلتَيْ شرقِ العذابِ هَلَ انْتُما ... إذا احتملَ الجيرانُ محتملانِ تفرَّقَ أُلاَّفٌ كثيرٌ وأنتما ... مقيمانِ ينبُو عنكُما الحدثانِ كأنَّكما قدَّامَ جيشٍ طليعةٌ ... علَى حاضرِ الرَّوحاءِ مرتبيانِ وقال آخر: ألا حبَّذا نجدٌ وطيبُ ترابِها ... وغلظةُ دنيا أهلِ نجدٍ ولينُها نظرتُ بأعلى الجلهتَيْنِ فلم أجدْ ... سِوى مِنْ سُهيلٍ لمحةً أستبينها فكذَّبتُ طرفَ العينِ ثمَّ ردَّدتهُ ... فراجعَ نفسِي بعدَ شكٍّ يقينُها

стр. 105

وقال آخر: بليتُ بلى البردٍ اليماني ولا أرى ... جناناً ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ ألوي حيازيمي بهنَّ صبابةً ... كما تتلوى الحيةُ المتسرقُ وقال آخر: أيا سروَتَيْ وادي العقيقِ سُقيتما ... حياً غضَّةَ الأنفاسِ طيّبةَ الوردِ تروَّيتما مجَّ النِّدى وتغلغلتْ ... عروقُكُما تحتَ النَّدى في ثرًى جعدِ ولا يهنأنْ ظلاَّكما إنْ تباعدتْ ... بيَ الدَّارُ مَنْ يرجُو ظلالكُما بعدِي وقال آخر: تذكّرني خزاماً كلُّ أرضٍ ... منَ الأرضينَ حلَّ بها خزامُ بهذا الزَّادِ يحيى كلُّ صبٍّ ... فليتَ الزَّادَ كانَ هو الحِمامُ وقال آخر: تحنُّ إلى الرَّملِ اليمانِي صبابةً ... وهذا لعمري لوْ قنعتَ كثيبُ فأينَ الأراكُ الدَّوحُ والسِّدرُ والغضا ... ومستخبرٌ عمَّن تحبُّ قريبُ هناكَ يغنِّينَا الحمامُ ونجتَني ... جنَى النَّخلِ يحلوْلِي لنا ويطيبُ وقال آخر: أقمنا مُكرهينَ بها فلمَّا ... ألفْناها خرجنا كارهينَ وما حبُّ البلادِ بنا ولكنْ ... أمرُّ العيشِ فرقةُ مَنْ هوينا وقال ورد بن عبد الرحمن الأسدي: أيا كبدِي ماذا أُلاقي منَ الهوَى ... إذا الرَّسُّ في آلِ السَّرابِ بدَا لِيا ضمنتُ الهوَى للرَّسِّ في مُضمرِ الحشا ... ولمْ يضمرِ الرَّسُّ الغداةَ الهوَى لِيا أعدُّ اللَّيالي ليلةً بعدَ ليلةٍ ... للقيانِ لاهٍ لا يعدُّ اللَّياليا وقال آخر: أرَى كلَّ أرضٍ دمَّنتها وإنْ مضتْ ... لها حججٌ يزدادُ طيباً ترابُها ألمْ تعلمنْ يا ربِّ أنَّ ربَّ دعوةٍ ... دعوتكَ فيها مخلصاً لوْ أُجابُها لعمرُ أبي ليلَى لئنْ هيَ أصبحتْ ... بوادي القرى ما ضرَّ غيريَ اغترابُها وقال آخر: أمَا والَّذي حجَّ الملبُّونَ بيتهُ ... سلاماً ومولَى كلِّ باقٍ وهالكِ وربِّ القلاصِ الحوصِ تدمَى أُنوفُها ... بنخلةَ والسَّاعونَ حولَ المناسكِ لقدْ صرتُ آتي الأرضَ ما يستفزُّني ... لها الشَّوقُ لولا أنَّها مِنْ دياركِ لئنْ قطعَ اليأسُ الحنينَ فإنَّهُ ... رقوءٌ لإذرافِ الدُّموعِ السَّوافكِ ولبعض أهل هذا العصر: سقى اللهُ رملَ القاعِ في النَّخلاتِ ... فذاكَ الكثيبَ الفردَ في السَّمراتِ فقبرَ العباديِّ الَّذي دونَ مُربِخٍ ... فمربخَ والغدرانَ فالهضباتِ فجبلَيْ زرودٍ فالطَّليحةَ فاللِّوى ... فإنَّ لها عندِي يداً وهناتِ ولمْ يبقَ مِنْ لذَّاتها غيرُ ذكرةٍ ... تقطَّعُ نفسِي عندَها حسراتِ لقصرٍ علَى وادِي زُبالةَ مشرفٍ ... أُكفكفُ في أكنافهِ عبَراتي أحبُّ إلى نفسِي وأشقَى لشجوِها ... وأولَى بها مِنْ هذهِ القُرياتِ عسَى اللهُ لا تيأسْ سيأذنُ عاجلاً ... بنصرةِ مظلومٍ وفكِّ عُناةِ وترضَى قلوبٌ قدْ تواترَ سخطُها ... عليَّ فعادتْني بغيرِ تِراتِ الباب الثامن والثلاثون مَنْ حُجبَ عن الأثرِ تعلَّل بالذِّكرِ قال القمقام الأسدي: ألا ليتَ شِعري هلْ ترَى تذكرينَني ... فذكركِ في الدُّنيا إليَّ حبيبُ وهلْ لي نصيبٌ في فؤادكِ ثابتٌ ... كما لكِ عندِي في الفؤادِ نصيبُ رأيْنا نفوساً هيّماً طالَ حبسُها ... علَى غيرِ جرمٍ ما لهنَّ ذنوبُ يحمنَ حيامَ الهيمِ لمْ تلقَ ساقياً ... أثابَ النُّفوسَ الحيّماتِ مُثيبُ فلستُ بمتروكٍ فاشرَب شُربةً ... ولا النَّفسُ عمَّا لا تنالُ تطيبُ وقال حميد بن ثور: فلا يبعدِ اللهُ الشَّبابَ وقولها ... إذا ما صبوْنا صبوةً ستتوبُ لياليَ سمعُ الغانياتِ وطرفُها ... إليَّ وإذْ رِيحي لهنَّ جنوبُ وأرضَى بقولِ النَّاسِ أنتَ مهوّنٌ ... علينا وإذْ غصنُ الشَّبابِ رطيبُ وقال النابغة الجعدي: تذكَّرتُ والذِّكرى تضرُّ بذي الهوَى ... ومِنْ حاجةِ المحزونِ أنْ يتذكَّرا ندامايَ عندَ المنذرِ بنِ محرِّقٍ ... أرَى اليومَ منهمْ ظاهرَ الأرضِ مقفرَا وقال متمم بن نويرة:

стр. 106

وكنَّا كندمانيْ جَذيمةَ حقبةً ... منَ الدَّهرِ حتَّى قيلَ لنْ يتصدَّعا فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لمْ نقمْ ليلةً معَا فإنْ تكنِ الأيَّامُ فرَّقنَ بينَنا ... فقدْ بانَ محموداً أخي يومَ ودَّعا وقال عدي بن زيد: فإنْ أمسيتُ مكتئباً حزيناً ... كثيرَ الهمِّ يشهدُني الحذارُ فقدْ بُدِّلتُ ذاكَ بنُعمِ بالٍ ... وأيَّامٍ لياليها قصارُ وأنشدني أحمد بن أبي طاهر قال أنشدنا أبو تمام لنفسه: ألا إنَّ صدرِي مِنْ غرامِي بلاقعٌ ... عشيَّةَ شاقتْني الدِّيارُ البلاقعُ لئنْ كانَ أمسَى شملُ وحشكَ جامعاً ... لقدْ كانَ لي شملٌ بأُنسكَ جامعُ أُسيءُ علَى الدَّهرِ الثَّناءَ فقدْ قضَى ... عليَّ بجورٍ صرفهُ المتتابعُ وقال حميد بن ثور: قضَى اللهُ في بعضِ المكارهِ للفتَى ... رشاداً وفي بعضِ الهوَى ما يحاذرُ شربْنا بثُعبانٍ منَ الطَّودِ بردَها ... شفاءً لغمٍّ وهيَ داءٌ مخامرُ لياليَ دُنيانا علينا رحيبةٌ ... وإذْ عامرٌ في أوَّلِ الدَّهرِ عامرُ وقدْ كنتُ في بعضِ الصَّبابةِ أتَّقي ... وأخشَى علينا أنْ تدورَ الدَّوائرُ وأعلمُ أنِّي إنْ تغطَّيتُ مرَّةً ... منَ الدَّهرِ مكشوفٌ غطائِي فناظرُ وقال أيضاً: خليليَّ إنْ دامَ همُّ النُّفوسِ ... عليها ثلاثَ ليالٍ قتلْ علَى أنَّ شيئاً سمعْنا بهِ ... يسمَّى السُّرورُ مضَى ما فعلْ وقال البحتري: عيشٌ لنا بالأبرقَيْنِ تأبَّدتْ ... أيَّامهُ وتجدَّدتْ ذكراهُ والعيشُ ما فارقتهُ فذكرتهُ ... لهفاً وليسَ العيشُ ما تنساهُ وقال محمد بن عبيد الأزدي: فلمَّا قضيْنا عصمةً مِنْ حديثِنا ... وقدْ فاضَ مِنْ بعدِ الحديثِ المدامعُ جرَى بينَنا منَّا رسيسٌ يزيدُنا ... سقاماً إذا ما استيقنتهُ المسامعُ كأنْ لمْ تجاورْنا أُميمُ ولمْ تقمْ ... بفيضِ الحمَى إذْ أنتَ بالعيشِ قانعُ فهلْ مثلَ أيَّامٍ تسلَّفنَ بالحمَى ... عوائدُ أوْ عيشُ السّتارَيْنِ واقعُ وقال قيس بن ذريح: فإنْ تكنِ الدُّنيا بليلَى تقلَّبتْ ... عليَّ وللدُّنيا بطونٌ وأظهرُ فقدْ كانَ فيها للأمانةِ موضعٌ ... وللكفِّ مرتادٌ وللعينِ منظرُ وللهائمِ الظَّمآنِ ريٌّ بريقِها ... وللدَّنفِ المشتاقِ خمرٌ مسكِّرُ قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي فقلنا له فما الَّذي بقي بعد ما وصفت قال بقيت الموافقة. وقال البحتري: كانَ الوصالُ بُعيدَ هجرٍ منقضٍ ... زمنَ اللِّوَى وقُبيلَ بينٍ آفدِ ما كانَ إلاَّ لفتةً مِنْ ناظرٍ ... عجلٍ بها أوْ نهلةً مِنْ واردِ ولبعض أهل هذا العصر: رعَى اللهُ دهراً فاتَ لمْ أقضِ حقَّهُ ... وقدْ كنتُ طبّا بالأُمورِ مجرِّبا لياليَ ما كانتْ رياحكَ شمألاً ... عليَّ ولا كانتْ بروقكَ خلَّبا لياليَ وفَّيتُ الهوَى فوقَ حقِّهِ ... وفاءً وظرفاً صادقاً وتأدُّبا فلمْ أرَ ودّاً عادَ ذنباً وقدْ مضتْ ... لهُ حقبٌ يشجَى بذكراهُ مَنْ صبَا ولمْ أرَ سهماً هتَّكَ الدِّرعَ وانتهَى ... إلى القلبِ قِدماً ثمَّ قصَّر أوْ نبَا ولا عذرَ للصَّمصامِ إنْ بلغَ الحشا ... وكَلَّ ولمْ يثلمْ لهُ العظمُ مضربَا ولا لجوادٍ سابقَ الرِّيحَ سالماً ... وقامَ فأعيَا بلْ تقطَّرَ أوْ كبَا فأنَّى بعذرٍ في اطِّراحِي وجفوتي ... ونقضِ عهودٍ أُكِّدتْ زمنَ الصِّبا إذا عوقبَ الجانِي علَى قدرِ جرمهِ ... فتعنيفُهُ بعدَ العقابِ منَ الرِّبا وقال ابن ميادة: ألا يا لقومِي للهوَى والتَّذكُّرِ ... وعينٍ قذَى إنسانها أُمُّ جحدرِ فلمْ ترَ عيني مثلَ قلبيَ لمْ يطرْ ... ولا كضلوعِي فوقهُ لمْ تكسَّرِ وقال الطرماح: عرفتُ لسلمَى رسمَ دارٍ تخالُها ... ملاعبَ جِنٍّ أوْ كتاباً منمنمَا وعهدِي بسلمَى والشَّبابُ كأنَّهُ ... عسيبٌ نمَى في ريِّهِ فتقوَّما

стр. 107

يعضُّ سِواراها جلانَا لَوَ أنَّها ... إذا بلغا الكفَّينِ أنْ يتقدَّما وقال الحسن بن وهب: الدَّمعُ مِنْ عينيْ أخيكَ غزيرُ ... في ليلهِ ونهارهِ محدورُ ذكرٌ يجولُ بها الضَّميرُ كأنَّما ... يُذكَى بها تحتَ الفؤادِ سعيرُ وقال علي بن محمد العلوي: شآكَ الزَّمانُ بكرِّ الزَّمانِ ... وأفناكَ مِنْ كرِّهِ كلُّ فانِ إساءةُ دهركَ محفوفةٌ ... بما لمْ يكنْ للصِّبى في ضمانِ لياليَ لا يشبعُ النَّاظرا ... نِ مَا قابلاكَ ولا يُروَيانِ لياليَ لمْ يكتسِي العارضا ... نِ شيباً ولمْ يقصصِ الشَّاربانِ فإنْ يكُ هذا الزَّمانُ انقضى ... وبُدِّلتَ أخبارهُ بالعيانِ فلا بالقِلى تتناسَى الصِّبى ... ولا بالرِّضا رضيَ العاذلانِ ونازلةٍ كنتُ مِنْ حدِّها ... علَى غزرٍ مثلَ حدِّ السِّنانِ ومِنْ نكباتِ خطوبِ الزَّمانِ ... أُلاحظُها بجنانِ الجبانِ ألا هلْ سبيلٌ إلى نظرةٍ ... بكُوفانَ يحيَى بها النَّاظرانِ وهلْ أدنوَنْ مِنْ وجوهٍ نأتْ ... وهنَّ منَ النَّفسِ دونَ الدَّواني أُناسٌ همُ الأُنسُ دونَ الأنيسِ ... وجنَّاتُ عيشكَ دونَ الجنانِ وله أيضاً: واهاً لأيَّامِ الشَّبا ... بِ وما لبسنَ منَ الزَّخارفْ وزوالهنَّ بمَا عرفْ ... تُ منَ المناكرِ والمعارفْ أيَّامَ ذكركَ في دوا ... وينِ الصِّبى صدرَ الصَّحائفْ وقفَ النَّعيمُ عنِ الصَّبا ... وزَلَلْتُ عنْ تلكَ الموقفْ وقال البحتري: أرسومُ دارٍ أمْ سطورُ كتابِ ... ذهبتْ بشاشتُها معَ الأحقابِ يجتازُ زائرُها بغيرِ لُبانةٍ ... ويُردُّ سائلُها بغيرِ جوابِ ولربَّما كانَ الزَّمانُ محبَّباً ... فنبَا بمنْ فيها منَ الأحبابِ أيَّامَ عُودُ الدَّهرِ أخضرُ والهوَى ... تربٌ لبيضِ ظِبائها الأترابِ لوْ تُسعفينَ وما سألتُ مشقَّةً ... لعدلتِ حرَّ جوًى ببردِ رُضابِ ولئنْ شكوتُ ظَمايَ إنَّكِ لَلَّتي ... قِدماً جعلتِ منَ السَّرابِ شرابِي وعُتبتُ مِنْ حُبِّيكِ حتَّى إنَّني ... أخشَى ملامكِ أنْ أبثَّكِ ما بي وقال أيضاً: سقَى اللهُ عهداً مِنْ أُناسٍ تصرَّمتْ ... مودَّتهمْ إلاَّ التَّوهُّمُ والذِّكرُ وفاءٌ منَ الأيَّامِ رجعُ حُدوجهمْ ... كما أنَّ تشريدَ الزَّمانِ بهمْ غدرُ هلِ العيشُ إلاَّ أنْ تُساعفنا النَّوى ... بوصلِ سعادٍ أوْ يساعدَنا الدَّهرُ علَى أنَّها ما عندَها لمُواصلٍ ... وصالٌ ولا عنها لمصطبرٍ صبرُ إذا ما نهَى النَّاهي فلجَّ بيَ الهوَى ... أصاختْ إلى الواشي فلجَّ بها الهجرُ ويومَ تثنَّتْ للوداعِ وسلَّمتْ ... بعينينِ موصولٌ بلحظِهما السِّحرُ توهَّمتُها ألوَى بأجفانها الكرَى ... كرَى النَّومِ أوْ مالتْ بأعظُمها الخمرُ وقال المرار الفقعسي: ألا ذكِّراني يا خليليَّ ما مضَى ... منَ العيشِ إذْ لمْ يبقَ إلاَّ تذكُّري وإذْ لاهتزازِ العيشِ بالرَّكبِ لذَّةٌ ... وإذْ كلُّ شربٍ باردٍ لمْ يُكدَّرِ وإذْ أنتَ لمْ تشعرْ بعينٍ سخينةٍ ... بكتْ مِنْ فراقٍ لكنِ الآنَ فاشعرِ وقال أبو صخر الهذلي: وإنِّي لتعرُوني لذكراكِ رعشةٌ ... كما انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القطرُ عجبتُ لسعيِ الدَّهرِ بيني وبينَها ... فلمَّا انقضَى ما بينَنا سكنَ الدَّهرُ أمَا والَّذي أبكَى وأضحكَ والَّذي ... أماتَ وأحيَى والَّذي أمرهُ الأمرُ لقدْ تَرَكتْني أحسدُ الوحشَ أنْ أرَى ... أليفَيْنِ منها ما يروعُهما الذُّعرُ هجرتكِ حتَّى قلتِ لا أعرفُ القِلَى ... وزرتكِ حتَّى قلتِ ليسَ لهُ صبرُ فيا هجرَ ليلَى قدْ بلغتَ بيَ المدَى ... وزدتَ علَى ما لمْ يكنْ يبلغُ الهجرُ وقال السري بن مغيث النوفلي: ألا هلْ مُقيتي اللهُ في أنْ ذكرتُها ... وهنَّ بأعلَى ذاتِ عرقٍ خواضعُ سُحيراً وأصحابِي يلبُّونَ بعدَما ... بدَا وجهُ مشهورٍ منَ الصُّبحِ ساطعُ

стр. 108

تمضَوْا هدَاكمْ ربُّ موسى فإنَّني ... مُنيخٌ فباكٍ بكيةً ثمَّ رافعُ وبينَ الصَّفا والرُّكنِ نادمتُ صُحبتي ... بذكراكِ والعوَّادُ ساعٍ وراكعُ وفي جوفِ بيتِ اللهِ جمجمتُ زفرةً ... عليها وظلَّتْ تستهلُّ المدامعُ ومِنْ نفرٍ عندَ التَّنبُّهِ جئتهمْ ... وكلُّهم مِنْ خشيةِ اللهِ خاشعُ فقلتُ لهم هلْ تعلمونَ منَ الجوَى ... دواءً فقالُوا أنتَ في النَّارِ واقعُ فقلتُ لهمْ هلْ تعلمونَ بما الَّذي ... أُرجِّي ولا ما اللهُ بالعبدِ صانعُ أيجعلُني في النَّارِ ربِّي وحبُّها ... علَى كبدِي منهُ شؤونٌ صوادعُ الباب التاسع والثلاثون مُسامرةُ الأوهامِ والأماني سببٌ لتمام العجزِ والتَّواني قال حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال حدثني أبو العالية قال حدثني حباب القشيري قال لمَّا ملك الوليد بن يزيد بعث إلى ابن ميادة وكان معجباً بشِعره فألزمه بابه فاشتاق الشَّيخ لمَّا طال مقامه فقال: ألا ليتَ شِعرِي هلْ أبيتنَّ ليلةً ... بحرَّةِ ليلَى حيثُ ربَّتَني أهلِي بلادٌ بها نِيطتْ عليَّ تمائِمِي ... وقُطِّعنَ عنِّي حيثُ أدركَني عقلِي فإن كنتُ عنْ تلكَ المواطنِ حَابسِي ... فأيسِرْ عليَّ الرِّزقَ واجمعْ إذاً شملِي قال فلمَّا سمع شِعره كتب إلى مصدِّق كلبٍ أن يعطيه مئة ناقةٍ دهماءَ جعاداً. وقال ابن ميادة: ألا ليتَ شِعرِي هلْ يحلَّنَّ أهلَها ... وأهلكَ روضاتٍ ببطنِ اللِّوى خُضرا وهلْ تأتينَّ الرِّيحُ تدرجُ موهناً ... بريَّاكِ تعرُوني بها بلداً قفرَا بريحِ خُزامَى الرَّملِ باتَ معانقاً ... فرُوعُ الأقاحِي تهضبُ الطَّل والقطرَا ألا ليتَني ألقاكِ يا أُمَّ جحدرٍ ... قريباً فأمَّا الصَّبرُ عنكِ فلا صبرَا ألا لا تلُظِّي السِّترَ يا أُمَّ جحدرٍ ... كفَى بذُرى الأعلامِ مِنْ دوننا سِترا وأنشدني أحمد بن يحيى: قالتْ أُميمةُ ما لجسمكَ شاحباً ... وجدٌ بقلبِي يا أُميمُ برَاني للهِ صاحبيَ الَّذي نبَّأتهُ ... وشكوتُ حبُّكِ عندهُ فكَواني ظنَّ المكاوِي مُخرجاتِ حرارةٍ ... بينَ الضُّلوعِ ودونَها هَيَماني يا للرِّجالِ أمَا رأَى ما شفَّني ... أفلا بذكركِ والمُنى داوانِي وقال كثيّر: وددتُ وما تُغني الودادةُ أنَّني ... بما في ضميرِ الحاجبيَّةِ عالمُ فإنْ كانَ خيراً سرَّني وعلمتهُ ... وإن كانَ شرّاً لمْ تلُمْني اللَّوائمُ وما ذكرتكِ النَّفسُ إلاَّ تفرَّقتْ ... فريقينِ منها عاذرٌ لي ولائمُ وقال البحتري: مُنَى النَّفسِ في أسماءَ لوْ تستطيعُها ... بها وجدُها مِنْ غادةٍ وولوعُها عجبتُ لها تُبدِي القِلى وأودُّها ... وللنَّفسِ تَعصينِي هوًى وأُطيعُها وقال آخر: وددتُ بأنَّ النَّاسَ كلّهمُ أنا ... وأنِّي فداءٌ للَّذي أنا عاشقهْ وأنِّي إذا صاحبتُ للعرضِ مِنْ غدٍ ... إلى اللهِ جيراناً هناكَ أُوافقهْ فإمَّا إلى جنَّاتِ عدنٍ نكنْ معاً ... وإمَّا إلى نارٍ ففيها أُرافقهْ وقال كثيّر: يودُّ بأنْ يُمسي سقيماً لعلَّها ... إذا سمعتْ عنهُ بشكوَى تُراسلهْ ويرتاحُ للمعروفِ في طلبِ العُلى ... لتُحمدُ يوماً عندَ ليلَى شمائلهْ فلوْ كنتُ في كبلٍ وبحتُ بعَوْلَتي ... إليهِ ألانتْ جمَّةً لي سلاسلهْ ويدركُ غيري عندَ غيركِ حظَّهُ ... بشِعري ويُعييني بهِ ما أُحاولهْ فلا هانتِ الأشعارُ بعدِي وبعدكمْ ... مُحبّاً وماتَ الشِّعرُ بعدِي وقائلهْ وقال آخر: تمنَّيتُ في عرضِ الأمانِي وربَّما ... تمنَّى الفتَى أُمنيَّةً لنْ ينالَها لَوَ انِّي وسُعدى جارُ بيتٍ حبائباً ... فتعلمَ حالِي ثمَّ أعلَمَ حالها وقال عمر بن أبي ربيعة: يا ليتَني قدْ أجزتُ الحبلَ دونكمُ ... حبلَ المعرَّفِ أوْ جاورتُ ذا عُشرِ إنَّ الثَّواءَ بأرضٍ لا أراكِ بها ... فاسْتيقنيهِ ثواءٌ حقٌّ ذي كدَرِ وما مللتُ ولكنْ زادَ حبُّكمُ ... وما ذكرتكِ إلاَّ ظَلتُ كالسَّدرِ

стр. 109

أُذري الدُّموعَ كذِي سقمٍ يُخامرهُ ... وما يخامرُ مِنْ سقمٍ سوَى الذِّكرِ كمْ قدْ ذكرتكِ لوْ أُجزَى بذكركمُ ... يا أشبهَ النَّاسِ كلِّ النَّاسِ بالقمرِ إنِّي لأجذَلُ أنْ أمشِي مقابلهُ ... حبّاً لرؤيةِ مَنْ أحببتُ في الصُّورِ ولبعض أهل هذا العصر: زُبالةُ لا همَّ اسقِها ثمَّ روِّها ... وقلَّتْ لها أضعافُ ذي الدَّعواتِ ألا هلْ إلى نجدٍ وماءٍ بقاعِها ... سبيلٌ وأرواحٍ بها عطراتِ وهلْ لي إلى تلكَ الطُّليحةِ عودةٌ ... علَى مثلِ تلكَ الحالِ قبلَ وفاتِي فأشربَ مِنْ ماءِ السَّماءِ فأرتوي ... وأرعَى معَ الغزلانِ في الفلواتِ وأُلصقَ أحشائِي برملِ زُبالةٍ ... وآنسَ بالظِّلمانِ والظَّبياتِ وقال بعض الأعراب: يا ليتَ شِعري وليتٌ أصبحتْ حرَجاً ... هلْ أهبطنَّ بلاداً ما بها دورُ ألا سبيلَ إلى نجدٍ وساكِنها ... أمْ لا بنجدٍ حبيبُ الأهلِ مهجورُ لقدْ تبدَّلتُ مِنْ نجدٍ وساكنهِ ... أرضاً بها الدِّيكُ يزقُو والسَّنانيرُ وقال آخر: ليتَ شِعري وأينَ منِّيَ ليتٌ ... إنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ أيُّ ساعٍ سعى ليقطعَ حبلِي ... حينَ لاحتْ للصَّالحِ الجوزاءُ واستكنَّ العصفورُ كُرهاً معَ الضَّ ... بِّ وأوفَى في عودهِ الحرباءُ وأما أهلُ قريةٍ أنكرُوني ... عرفَتْني الدَّوِّيَّةُ الملساءُ عرفتْ ليلَها الطَّويل وليلِي ... إنَّ ليلَ المحزونِ فيهِ عناءُ وقال آخر: عسَى اللهُ يا ظلاَّمُ أنْ يعقبَ الهوَى ... فتلقَى كما قدْ كنتُ فيكِ لقيتُ وتنهَيْ فتزدادِي إليَّ صبابةً ... كما ازددتُ في حبِّيكِ حينَ نُهيتُ ألمْ تعلمِي يا ريقةَ الوصلِ أنَّني ... شربتُ بصابٍ بعدكمْ فرويتُ وإنِّي لخيرٍ قدْ تداويتُ بعدكمْ ... بهجرٍ لكمْ مِنْ حبِّكمْ فبريتُ وقال آخر: ألا ليتَني لا أطلبُ الدَّهرَ حاجةً ... ولا بغيةً إلاَّ عليكِ طريقُها فيا حبَّذا مِنْ منظرٍ لوْ تنالهُ ... عذابُ الثَّنايا أُمُّ عمرٍو وريقُها وقال آخر: إذا كلَّمْتِني وكحلتِ عيني ... بعينكِ فامنَعي ما شئتِ منِّي إذا ازدحمتْ همومِي في فؤادِي ... طلبتُ لها المخارجَ بالتَّمنِّي وقال آخر: ألا ليتَ بعدَ الموتِ أُنشرُ نشرةً ... فأنظرَ ما شمطاءُ صانعةٌ بعدِي أترعَى وصالَ العهدِ بيني وبينَها ... فذلكَ ظنِّي أمْ تغيَّرُ عنْ عهدِي وقال العباس بن الأحنف تمنَّى رجالٌ ما أحبُّوا وإنَّما ... تمنَّيتُ أنْ أشكُو إليها وتسمعَا أرَى كلَّ معشوقينِ غيرِي وغيرَها ... قدِ استعذَبا طعمَ الهوَى وتمتَّعا وإنِّي وإيَّاها علَى حدِّ رقبةٍ ... وتفريقِ شملٍ لمْ نبتْ ليلةً معَا وإنِّي لأنهَى النَّفسَ عنها ولمْ تكنْ ... بشيءٍ منَ الدُّنيا سواها لتقْنَعا وقال جميل: ألا ليتَنا نحيَى جميعاً وإنْ نمتْ ... يجاورُ في الموتَى ضريحِي ضريحُها فما أنا في طولِ الحياةِ براغبٍ ... إذا قيلَ قدْ سُوِّي عليها صفيحُها أظلُّ نهارِي مُستهاماً ونلتَقِي ... معَ اللَّيلِ رُوحي في المنامِ وروحُها وقال أبو بكر عبد الرحمن الزهري: ولمَّا نزلْنا منزلاً طلَّهُ النَّدى ... أنيقاً وبستاناً منَ النَّورِ حاليا أجدَّ لنا طيبُ المكانِ وحسنهُ ... مُنًى فتمنَّينا فكنتِ الأمانيا وقال مزاحم العقيلي: وددتُ علَى ما كانَ منْ شرفِ الفتَى ... وجهلِ الأمانِي أنَّ ما شئتُ تفعلُ فترجعَ أيَّامٌ مضينَ بنعمةٍ ... علينا وهلْ يُثنَى منَ العيشِ أوَّلُ وقال جرير: أُؤمِّلُ أنْ أُلاقيَ آلَ ليلَى ... كما يرجُو أخُو السَّنةِ الرَّبيعا فلستُ بنائمٍ إلاَّ بهمٍّ ... ولا مستيقظاً إلاَّ مَروعا وقال آخر: فما مسَّ جنبِي الأرضَ إلاَّ ذكرتُها ... وإلاَّ وجدتُ ريحَها في ثيابيا فيا ربِّ إنْ كانتْ عروضُ هيَ المُنى ... فزنِّي بعينيها كما زِنتَها لِيا وقال سعد ذلفاء:

стр. 110

فليتَ ابنَ أوسٍ حينَ يأتيهِ أهلُها ... يخاصمهمْ أهلِي قضانِي لها عبْدا فتربطُني ذلفاءَ في شقِّ بيتِها ... إلى الطَّنبِ الأقصَى فتوسعُني جلدا فأضحكَ منها إذا تقولُ نساؤُها ... لكِ الويلُ يا ذلفاءُ لا تقتُلي سعدَا وقال عروة بن حزام: كأنَّ قطاةً عُلِّقتْ بجناحِها ... علَى كبدِي مِنْ شدَّةِ الخفقانِ ألا ليتَنا نحيَى جميعاً وليتَنا ... إذا نحنُ مُتنا ضمَّنا كفنانِ ألا ليتَنا عفراءُ مِنْ غيرِ ريبةٍ ... بعيرانِ نرعَى القفرَ مؤتلفانِ وإنِّي لأهوَى الحشرَ إذْ قيلَ إنَّني ... وعفراءَ يومَ الحشرِ ملتقيانِ وقال آخر: ألا مَنْ لهمٍّ بتُّ وحدِي أُكابدهْ ... ومَنْ يكُ ذا همٍّ يبتْ وهوَ عامدهْ تذكَّرتُ بطنَ الحِبرِ يا ليتَني بهِ ... إذا اعتمَّ بيتاً متنهُ وأجالدهْ وقال الأحوص: إنِّي لآملُ أن تدنُو وإنْ بعُدتْ ... والشَّيءُ يؤملُ أنْ يدنُو وإنْ بعُدا أبغضتُ كلَّ بلادٍ كنتُ آلفُها ... فما أُلائمُ إلاَّ أرضَها بلدَا يا للرِّجالِ لمقتولٍ بلا ترَةٍ ... لا يأخذونَ لهُ عقلاً ولا قوَدا إنْ قرَّبتْ لمْ يُفقْ عنها وإنْ بعُدتْ ... تقطَّعتْ نفسهُ مِنْ حبِّها قدَدا ما تذكرُ الدَّهرَ لي سُعدى وإنْ نزحتْ ... إلاَّ ترقرقَ ماءُ العينِ فاطَّردا ولا قرأتُ كتاباً منكِ يبلُغُني ... إلاَّ تنفَّستُ مِنْ وجدٍ بكمْ صعدا وقدْ بدتْ لي مِنْ سُعدى معاتبةٌ ... أمسَى وأضحَى بها جدِّي وما سعِدا ولو أُعاتبُ ذا حقدٍ قتلتُ لهُ ... نفساً مُعاتَبَتي إيَّاكِ ما حقدا وقال النميري: ألا هلْ إلى نصِّ النَّواعجِ بالضُّحى ... وشمِّ الخُزامى بالعشيِّ سبيلُ بلادٌ بها أمسَى الهوَى غيرَ أنَّني ... أميلُ معَ المقدارِ حيثُ يميلُ وقال أبو القمقام الفقعسي: يقرُّ بعيني أن أرَى رملةَ الغضا ... إذا ما بدتْ يوماً لعينِي قِلالُها ولستُ وإنْ أحببتُ مَنْ يسكنُ الغضا ... بأوَّلِ راجٍ حاجةً لا ينالُها وقال أيضاً: تبدَّلَ هذا السِّدرُ أهلاً وليتَني ... أرَى السِّدرَ بعدِي كيفَ كانتْ بدائلهْ فعهدِي بهِ عذبَ الجنَى ناعمَ الذُّرَى ... تطيبُ وتندَى بالعشيِّ أصائلهْ كما لوْ وشَى بالسِّدرِ واشٍ رددْتهُ ... كئيباً ولمْ تملحْ لديَّ شمائلهْ وقال آخر: ألا هلْ إلى إلمامةٍ قبلَ موتِنا ... سبيلٌ وهلْ للنَّازحينَ رجوعُ وهلْ لعيونٍ قدْ بكينَ إلى الفلا ... وأبكينَ حتَّى ما لهنَّ دموعُ يُحاذرنَ إنْ لا يرتجعنَ إلى الفلا ... وإنْ لا يُراعُ الشَّملُ وهوَ جميعُ الباب الأربعون مَنْ قصُرَ نومُهُ طالَ ليلُهُ أمَّا هؤلاء الذين ترجمنا هذا الباب بذكرهم فهم على كلِّ الأحوال أعذر ممَّن كان قبلهم على أنَّ فراغهم لوصف ما بدا لهم هُجنة بهم ودلالة على ضعف أحوالهم وقال الطائي وما أظنُّ أنَّه احترز به من هذا اللَّوم الَّذي يلحق غيره فألزم نفسه أكثر ما حذره وذلك قوله: لستُ أدري أطالَ ليلِي أمْ لا ... كيفَ يدرِي بذاكَ مَنْ يتقلاَّ لوْ تفرَّغتُ في استطالةِ ليلِي ... ولرعيِ النُّجومِ كنتُ مخلاَّ فهو وإنْ كانت جهالته بحاله دالَّة على قوَّة اشتغاله فإنَّ علمه بالعلَّة الَّتي أوجبت جهله بها ضربٌ من الفلسفة الَّتي لا يصلح أن يعلمها إلاَّ متخلٍّ من هذه الحالة كلِّها ففرَّ من شيءٍ ووقع في أعظم منه ألا ترى أنَّ البهائم تجد ألم ما ينالها وتُظهر التَّأذِّي به وليس يعلم أنَّ الاشتغال بالألم يمنع من وصفه إلاَّ أهل الفلسفة والحكم والتَّكلُّف إذا دخل في شيء نبَّه على موضعه وترجم عن ضمير متحلِّله ولسنا قادرين على ذكر حال تامَّة عن أحد من الشُّعراء في هذا الباب لأنَّ كلّ واصف بوصفه أدلّ الأشياء على ضعفه فأهل التَّمام إذن سكوتٌ عن الوصف مستغرقون في غمراته مشتغلون به عن صفاته ولكنَّا نذكر عن أهل الضَّعف المستطيعين لترتيب الوصف أحسن ما يحضرنا من أقاويلهم وما زادوا فيه على أمثالهم ونظرائهم. قال النابغة الذبياني:
следующие страницы →