المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من خير أوقات المسلم الأوقات التي يقضيها في رياض السنة؛ يتفيأ ظلالها، ويقبس من مشكاتها؛ يأخذ من النبي الكريم ﷺ نور الهدى، وإشراقة الوحي، ومحض النصيحة؛ فيعبد الله على بصيرة، ويأخذ منه سهولة الأخلاق، وحسن المعاملة، وكرم الخليقة؛ فيحسن مخالطة الخلق، ويأخذ منه حلَّ المشكلة، وفك الأزمة، وكشف الغمة؛ فتنجلي عنه المضايق، وترتفع البوائق، ويجد برد السرور، فحديثه ﷺ ليس كحديث غيره من الخلق، فقد قال عنه ربه -سبحانه-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم] فنُعْمى وحسن عُقبى لمن اتَّبعه وصدَّقه، وسحقًا وبؤسى لمن كذَّبه وأساء إليه.
وإن من منة الله على هذه الأمة أن قيَّض لحديث نبيها محمد ﷺ علماء نحارير، أوغلوا في تحصيله، وأمعنوا في تنقيته، فاستبطنوا دخائله، واستجلوا غوامضه، وأحصوا مسائله، وصنفوا فيه المجاميع والأسفار.
وكان من طرائقهم -عليهم الرحمة والرضوان- في التصنيف إفراد الأحاديث ذات الموضوع الواحد في مؤلِّفٍ واحد.
وهذا مهيَعٌ حسن؛ يدني قطوف الباب، ويقرِّب فوائده، ويلُمُّ شتاته، ويجمع أحكامه.
стр. 2
ورغبةً في اللحاق بطريق أولئك السَّراة حرصت أن تكون رسالتي للدكتوراة داخلة في قبيل ذلك النوع من التصنيف، فكان عنوانها كالتالي:
(الأحاديث الواردة في اللُّعب والرياضة)
دراسة حديثية فقهية
وفيما يلي بيان ل مشكلة البحث ، وحدوده، وأهميته، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة فيه، والخطة التفصيلية له، ومنهج البحث والدراسة فيه.
• مشكلة البحث:
لقد انتشرت اللُّعب والرياضة في عصرنا انتشارًا لم يعهد له مثيل من قبل؛ والمتأمل في السُّنَّة يجد أنها تحوي جملة وافرة من هذا القبيل؛ بيدَ أنه متفرقٌ في تضاعيف الكتب، ولا يوجد تتبعٌ شموليٌّ له -فيما أعلم-.
وقد يخفى شيءٌ من ذلك على غير المختصين، فيقع اللبس، والخلط؛ من جهة العلم بوجود الحديث، أو درجته، أو فقهه.
وإن جمع الأحاديث الواردة في ذلك مع بيان حكمها وفقهها سبيلٌ لتقريب العلم فيها وتأصيله.
• حدود البحث:
أما حدود البحث فهو في كتب الحديث عامة، فقد اجتهدت في جمع كل ما يتعلق باللُّعب والرياضة، من الأحاديث المرفوعة للنبي ﷺ ، وقد بلغت ثمانية وخمسين ومئة حديث؛ منها ستة وثلاثون ومئة حديث خارج الصحيحين؛ أربعون حديثًا منها من أحاديث العلل.
ثم بعد ذلك اجتهدت في بيان فقهها، وقد ربَت المسائل الفقهية على مئة مسألة فقهية، منها ثلاثون مسألة من المسائل المعاصرة.
• أهمية البحث، وأسباب اختياره:
١ - مسيس الحاجة إلى تأصيل مثل هذا الموضوع؛ خصوصًا في هذا
стр. 3
العصر؛ إذ أضحت مسائل اللُّعب والرياضة من أولويات الاهتمامات عند كثير من الناس، وخصوصًا الشباب (١)، فأحببت بحكم التخصص أن أجمع ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك مع بيان فقهه؛ لأن السُّنَّة أصلٌ في معرفة الأحكام، قال الإمام سفيان الثوري ﵀ : «إنما الدين بالآثار وليس بالرأي، إنما الدين بالآثار وليس بالرأي، إنما الدين بالآثار وليس بالرأي» (٢)، وقال أحوذي هذا العلم عبد الرحمن بن مهدي ﵀ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لكتبت بجنب كل حديث تفسيره» (٣).
٢ - جِدَّة الموضوع؛ حيث لم يسبق أن كتب فيه كتابة موضوعية حديثية مستوعبة -فيما اطلعت عليه-.
٣ - الحاجة إلى تأصيل بعض المسائل المعاصرة، وذكر ضوابطها الشرعية.
٤ - أن فيه إبرازًا لمدى شمول الشريعة الإسلامية وسعتها وسماحتها، في استيعاب جميع حاجات النفس البشرية، وأن فيها فسحة في ممارسة اللهو المباح.
• الدراسات السابقة:
بعد فحص في فهارس المكتبات الكبيرة، كمكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك فيصل، ومكتبات الجامعات، والمكتبات التجارية وقفت على عدد من الكتب، ومنها:
١ - المسابقات، وأحكامها في الشريعة الإسلامية، تأليف د. سعد بن ناصر الشثري، دار الحبيب، الرياض.
стр. 4
٢ - أحكام المسابقات وتطبيقاتها المعاصرة، إعداد: عبد الرحمن بن محمد البديع، وهو بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء.
٣ - أحكام المسابقات في الفقه الإسلامي، إعداد: أحمد بن حامد الطلحي، وهي رسالة ماجستير مقدمة لجامعة أم القرى.
٤ - الألعاب الرياضية، أحكامها وضوابطها في الفقه الإسلامي، إعداد: علي بن حسين بن أمين يونس. وهي رسالة ماجستير مقدمة لكلية الشريعة في الجامعة الأردنية، دار النفائس، الأردن.
٥ - فنون الرياضة والألعاب وأحكامها في الشريعة الإسلامية، إعداد: محمد بن سعيد بسمار، وهي رسالة ماجستير، مقدمة إلى كلية الشريعة في جامعة دمشق، وهذه الرسالة لم تنشر حتى في الجامعة التي نوقشت فيها؛ لكن يسر الله الاتصال بمؤلفها، فأرسلها كاملة على البريد الإلكتروني.
٦ - عقد السباق، تأليف د. عبد الفتاح إدريس، النسر الذهبي للطباعة.
٧ - موقف الشريعة الإسلامية من الميسر والمسابقات الرياضية، تأليف د. رمضان حافظ عبد الرحمن، دار الطرفين، الطائف.
٨ - بغية المشتاق في حكم اللهو واللعب والسباق، تأليف د. حمدي شلبي، مكتبة ابن سينا، القاهرة.
٩ - قضايا اللهو والترفيه بين الحاجة النفسية والضوابط الشرعية، تأليف مادون رشيد، دار طيبة، الرياض.
وهذه الرسائل فقهية محضة ليس من مقصود أصحابها جمع الأحاديث، ولا دراستها؛ إذ لا يبلغ مجموع ما ذكروه من الأحاديث سوى الربع مما في الرسالة.
• أهداف البحث:
١ - تمييز الثابت من غيره في أحاديث اللُّعَب والرِّياضة.
٢ - معرفة أنواع اللُّعب والرياضة الموجودة في عهد النبوة.
стр. 5
٣ - الوقوف على المباح والمحرم من اللعب والرياضة.
٤ - تأصيل هذا الموضوع تأصيلًا شرعيًّا.
• منهج البحث:
سأسلك -إن شاء الله- في بحثي المنهج الاستقرائي الاستنتاجي مع استخدام المنهج المقارن.
• إجراءات البحث:
١ - جمع الأحاديث المتعلقة باللعب والرياضة من كتب الحديث -قدر المستطاع-.
٢ - توزيع الأحاديث على الأبواب حسب خطة البحث .
٣ - ستكون خطوات الدراسة المفصلة كالتالي:
أ وضع عنوانات للأبواب، والفصول، والمباحث، والمطالب.
ب التعريف بالعنوانات.
ت جمع الأحاديث تحت ذلك العنوان.
ث تخريج الأحاديث والحكم عليها حسب ما جرى عليه العمل في مسار الحديث في قسم الثقافة في جامعة الملك سعود.
ج بيان الغريب عقب كل حديث.
ح بعد سرد الأحاديث ذات الوحدة الموضوعية، يذكر فقه الحديث.
• خطة البحث:
يشتمل هذا البحث على مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة:
• المقدمة: وفيها بيان أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، مع ذكر أهدافه، وخطة البحث فيه.
• تمهيد، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف باللُّعَب.
стр. 6
المبحث الثاني: تعريف الرياضة.
المبحث الثالث: حكم اللَّعب في الإسلام.
• الباب الأول: الأحاديث الواردة في اللُّعب وفيه فصلان:
الفصل الأول: اللعب المتعلقة بالجماد، وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: اللعب بالتراب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف اللعب بالتراب.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالتراب.
المبحث الثاني: اللعب بالأرجوحة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الأرجوحة.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالأرجوحة.
المبحث الثالث: اللعب بالعهن، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف اللعب بالعهن.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالعهن.
المبحث الرابع: اللعب بالبنات، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف اللعب بالبنات.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالبنات.
المبحث الخامس: اللعب بالكُرَّج، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف اللعب بالكُرَّج.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالكُرَّج.
المبحث السادس: اللعب بالخذف، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الخذف.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالخذف.
المبحث السابع: اللعب بالنرد، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف النرد.
المطلب الثاني: ما ورد في النرد.
المبحث الثامن: اللعب بالشطرنج، وفيه مطلبان:
стр. 7
المطلب الأول: تعريف الشطرنج.
المطلب الثاني: ما ورد في الشطرنج.
المبحث التاسع: اللعب بعظم وضاح، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف عظم وضاح.
المطلب الثاني: ما ورد في عظم وضاح.
الفصل الثاني: اللُّعب المتعلقة بالحيوان، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اللعب بالحمام، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما ورد في اللعب بالحمام بدون عوض.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالحمام بعوض.
المبحث الثاني: اللعب بالنُّغَر، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف النغر.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالنغر.
المبحث الثالث: التحريش بين البهائم، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التحريش بين البهائم.
المطلب الثاني: ما ورد في التحريش بين البهائم.
المبحث الرابع: ما ورد في اللعب بالكلب.
• الباب الثاني: الأحاديث الواردة في الرياضة، وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: الرمي، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الرمي.
المبحث الثاني: ما ورد في فضل الرمي، وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: ما ورد في الأمر بالرمي.
المطلب الثاني: ما ورد في ثواب الرمي.
المطلب الثالث: ما ورد في أن الرمي ليس من اللهو الباطل.
المطلب الرابع: ما ورد في التحذير من نسيان الرمي.
المطلب الخامس: ما ورد في شهود الملائكة للرمي.
المطلب السادس: ما ورد أن الرمي مطردة للهم.
стр. 8
المطلب السابع: ما جاء أن الرمي من الفطرة.
المطلب الثامن: ما ورد أن المتناضلين في صلاة ما داموا يتناضلون.
المبحث الثالث: ما ورد في السبْق في الرمي بدون عوض.
المبحث الرابع: ما ورد في السبْق في الرمي بعوض.
المبحث الخامس: اتخاذ ذي الروح غرضًا، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معنى اتخاذ ذي الروح غرضًا.
المطلب الثاني: ما ورد في اتخاذ ذي الروح غرضًا.
الفصل الثاني: اللعب بالحراب، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف اللعب بالحراب.
المبحث الثاني: ما ورد في اللعب بالحراب.
الفصل الثالث: ركوب الخيل، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: فضل ركوب الخيل.
المبحث الثاني: السبْق على الخيل، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما ورد في السبْق على الخيل بدون عوض.
المطلب الثاني: ما ورد في السبْق على الخيل بعوض، وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: ما ورد في جواز بذل العوض في سبْق الخيل مطلقًا.
الفرع الثاني: ما ورد في تحريم أخذ العوض في سبْق الخيل مطلقًا.
الفرع الثالث: ما ورد في جواز بذل العوض في سبْق الخيل بشرط وجود محلل.
المبحث الثالث: ما ورد فيما ينهى عنه في سبْق الخيل.
الفصل الرابع: ركوب الإبل، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: ما ورد في السبق على الإبل بدون عوض.
المبحث الثاني: ما ورد في السبْق على الإبل بعوض.
الفصل الخامس: المشي على الأقدام، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: ما ورد في السبق في المشي على الأقدام بدون عوض.
стр. 9
المبحث الثاني: ما ورد في السبْق في المشي على الأقدام بعوض.
المبحث الثالث: ما ورد في استحباب الإسراع في المشي عند التعب.
المبحث الرابع: ما ورد في ذم سرعة المشي.
الفصل السادس: المصارعة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف المصارعة.
المبحث الثاني: ما ورد في المصارعة بغير عوض.
المبحث الثالث: ما ورد في المصارعة بعوض.
الفصل السابع: السباحة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف السباحة.
المبحث الثاني: ما ورد في السباحة.
الفصل الثامن: رفع الحجر، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف رفع الحجر.
المبحث الثاني: ما ورد في رفع الحجر.
• الخاتمة: وفيها أبرز النتائج.
• منهجي في الرسالة:
أولًا: منهجي في دراسة الأحاديث:
١ - نص الحديث:
١) قمت بجمع الأحاديث المرفوعة فقط، ولم أُدخِل في الدراسة الآثار الموقوفة والمقطوعة.
٢) أنقل نص الحديث الموافق للمعنى، والأدل على المقصود مع إسناده كاملًا، فإن كان هناك أكثر من مصدر فإني أقدم النص الأعلى إسنادًا، فإن كان هناك أكثر من مصدر فإني أقدم نص الإمام الأقدم وفاة.
٣) إذا كان للحديث روايات أخرى، فإني لا أدرسها إلا إذا كان لها تعلق بالمبحث.
стр. 10
٤) التزمت ذكر جميع ما جاء في كتب السُّنَّة مما رأيته داخلًا تحت موضوع الرسالة -حسب استطاعتي-.
٥) قمت بترتيب ما تَحَصُّل لديّ من الأحاديث على الأبواب والفصول والمباحث الواردة في الخطة التفصيلية للبحث.
٦) رتبت الأحاديث ذات الدلالة الموضوعية الواحدة في مكان واحد، مبتدئًا بالصحيح، ثم الضعيف.
٧) إذا وجد في الكتاب المطبوع الذي نقلت منه النص خطأ ظاهر فإني أصححه، وأنبه على ذلك في الهامش.
٨) وضعت على كل حديث رقمًا تسلسليًّا خاصًّا، فإن تكرر فإني لا أضع له رقمًا، وإنما أحيل على الرقم الذي ورد به.
٢ - تراجم الرواة:
١) بعد إيراد نص الحديث أعقد عنوانًا باسم: «رواة الحديث»، وبعده أترجم للرواة الواردين في إسناد الحديث المختار.
٢) إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، فإنني أكتفي بتخريجه دون ترجمة لرواته؛ لتلقي الأمة لهذين الكتابين بالقبول.
٣) إذا كان الحديث في غير الصحيحين، فإني أترجم لجميع الرواة الواردين في إسناد الحديث المختار، مرتبًا لهم من أول الإسناد المختار حتى الصحابي.
٤) لا أترجم للصحابة، إلا إذا كان في صحبته شبهة فإني أنقل من كلام أهل العلم ما يبين حاله.
٥) أذكر اسم الراوي كاملًا مميزًا له عن غيره، وأذكر كنيته ولقبه إن وجد، وأعتمد في سياق اسم المترجم على سياق ابن حجر في التقريب، وقد أخرج عن سياقه أحيانًا.
٦) من حيث الحكم على المترجم، فلا يخلو إما أن يكون من رجال التقريب أو لا، فإن كان من رجال التقريب، وكان ظاهر العدالة، أو الجرح، بحيث لم يختلف فيه اختلافًا مؤثِّرًا فإنني أنقل عبارة الحافظ ابن حجر في
стр. 11
التقريب، ثم أشير إلى مصدرين من مصادر ترجمته، وهما: تهديب الكمال، وتقريب التهذيب، وقد أزيد عليهما لغرض -يقتضي- ذلك، فإن كان الراوي مختَلَفًا في حاله، فإنني أسوق من أقوال أهل الجرح والتعديل ما يتضح به حاله، منقولة من مصادرها، وأرتب الكلام فيه -غالبًا- بذكر من وثقه، ثم من توسط فيه، ثم من جرحه، وأختم كلام أهل العلم فيه بعبارة ابن حجر من التقريب، أو من غيره عند الحاجة، التي هي عبارة عن تلخيص لأقوال الأئمة في الراوي، وربما ذكرت عبارة الذهبي من الكاشف أو كتبه الأخرى، فإن ظهر لي تعقيب على كلمة الذهبي أو ابن حجر ذكرته بعد ذلك، وإن كان الراوي ليس من رجال التقريب، فإنني أنقل من كلام أهل العلم ما تتضح به حاله محيلًا على أهم مصادره، مناقشًا ما يحتاج منها إلى مناقشة.
٧) بعد الانتهاء من الترجمة أحيل إلى مصادرها التي استقيت منها تلك النصوص، مرتبًا لها حسب أسبقية وفاة أصحابها.
٨) إذا تكرر الراوي خلال الرسالة فإنني أحيل على موطن ترجمته في الموضوع السابق، ذاكرًا ملخص حاله.
٣ - تخريج الحديث:
١) أعقد عنوانًا باسم: «تخريج الحديث»، ثم أخرج الحديث تحته.
٢) إذا كان الحديث في الصحيحين، فإني أكتفي بالعزو إليهما، فإن وجد الحديث عند غيرهما، فإني أقتصر على تخريجه من الكتب الستة.
٣) إذا ورد في غير الصحيحين طريق أخرى مخالفة لما في الصحيحين، أو ورد زيادة لفظية مما يتعلق بالموضوع عند غيرهما فإني أخرج الحديث تخريجًا يتبين به درجة ذلك الطريق، أو تلك الزيادة.
٤) أقسم التخريج على المتابعات، جاعلًا إسناد الإمام الذي نقلته من كتابه منطلقًا لترتيبها، مبتدئًا بالمتابعة التامة فالقاصرة.
٥) أكتفي بتسمية الراوي موضع المتابعة دون ذكر الوسائط بينه وبين المصنفين، وقد أسميهم عند الحاجة.
стр. 12
٦) أرتب هذه المصادر -عند اتحاد المتابعة- مبتدئًا بأصحاب الكتب الستة، ثم الأقدم وفاة.
٧) أعتني ببيان الفروق المؤثرة بين ألفاظ الروايات مستعملًا العبارات الاصطلاحية التي تدل على تلك الفروق، وأحيانًا أذكر المتن كاملًا عند الحاجة إلى ذكره.
٤ - الحكم على الحديث:
١) أعقد عنوانًا باسم: «الحكم على الحديث» ثم أذكر تحته درجة الحديث.
٢) أبدأ بالحكم على إسناد الإمام الذي خرجت حديثه، فإن وقفت على أئمة حكموا عليه ذكرت أحكامهم.
٣) إذا كان الحديث من أحاديث العلل فإنني أدرس العلة، وأبين وجوه الاختلاف في الحديث المعل، ثم أذكر الوجه الراجح، مستصحبًا من أقوال الأئمة ما يتضح به الحكم على الحديث.
٤) إذا انتهيت من الحكم على الحديث، وكان قد ورد في التخريج له متابعات تقوية فإني أذكرها وأتكلم عليها.
٥ - التعليق على الأحاديث:
١) أعقد عنوانًا باسم: «غريب الحديث» ثم أذكر تحته الكلمات الغريبة في الحديث.
٢) اقتصرت في التعليق على ما يحتاج إليه كبيان غريب، أو دفع إيهام، أو نحو ذلك.
٣) أنقل ذلك من كتب اللغة، وغريب الحديث، أو من غيرها عند الحاجة.
٤) إذا تكرر الحديث، فإني أبين غريبه في أول موضع من مواضعه.
стр. 13
ثانيًا: منهجي في فقه الحديث:
١ - أعقد عنوانًا للدراسة الفقهية لحديث -أو أحاديث- الفصل، أو المبحث، أو المطلب، باسم: (فقه الفصل) أو (فقه المبحث) أو (فقه المطلب) أو (فقه المطلب).
٢ - أقتصر على المسألة -أو المسائل- المتعلقة بالمبحث صراحة أو تضمينًا.
٣ - أنص على دلالة حديث المبحث -أو أحاديث المبحث- على المسألة الواردة.
٤ - أذكر أقوال أهل العلم، مقتصرًا على المذاهب الأربعة المشهورة، وقد أذكر غيرهم من الأئمة لحاجة.
٥ - أذكر أقوى أدلة الأقوال في نظري، وأجيب عنها باختصار.
٦ - أنص على القول الراجح عندي في المسألة مبينًا وجه رجحانه باختصار.
٧ - أذكر المسائل العصرية المتعلقة بالمبحث، وأتكلم عن أحكامها باختصار.
٨ - أذكر آراء العلماء المعاصرين في المسألة المعاصرة.
وفي ختام هذا العمل أقدم خالص الشكر وأوفاه، وأجزله وأعلاه، إلى ولي الشكر ومستحقه، فأحمد لله -تعالى- أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، كما يحب -سبحانه- ويرضى، فلولاه ما تيسر هذا البحث، ولا تم هذا العمل، فاللهم ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك.
ثم أشكر والديَّ الكريمين، على حسن تربيتهما، وجميل رعايتهما، ودوام دعائهما، فاللهم ارحمهما كما ربَّيَاني صغيرًا، وأخص والدي الذي فتح لي أبواب مكتبته، وأفادني بتوجيهاته، فاللهم اجزه عني خير ما جَزَيت والدًا عن ولده.
كما أشكر فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي بن عبد الله الصباح
стр. 14
المشرف على الرسالة الذي غمرني بكريم أخلاقه، وسعة صدره لما أطرحه من إشكالات وتساؤلات، فجزاه الله عني خير الجزاء.
كما أشكر فضيلة الشيخين الدكتور: الشريف حاتم العوني، والأستاذ الدكتور: عبد العزيز الجاسم على تفضلهما بقبول مناقشة الرسالة، وقد أفدت من ملحوظاتهما، فجزاهما الله خيرًا.
ثم إني أقول كما قال القلقشندي في مقدمة صبح الأعشى: «وليعذر الواقف عليه، فنتائج الأفكار على اختلاف القرائح لا تتناهى، وإنما ينفق كلُّ أحدٍ على قدر سعته، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، ورحم الله من وقف فيه على سهوٍ أو خطأٍ فأصلحه عاذرًا لا عاذلًا، فليس المبرأ من الخَطَل (١) إلا من وقى الله وعصم، وقد قيل: الكتاب كالمكلف، لا يسلم من المؤاخذة، ولا يرتفع عنه القلم، والله تعالى يقرنه بالتوفيق، ويرشد فيه إلى أوضح طريق، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» (٢).
اللهم إني أستوهبك منك توفيقًا قائدًا إلى الرشد، وقلبًا ثابتًا على الحق، ونطقًا مؤيَّدًا بالحجة، وإصابة ذائدة عن الزيغ، فما المفزع إلا إليك، ولا التوفيق إلا منك، ولا الاستعانة إلا بك؛ إنك ربي نعم المعين (٣).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
د/ صالح بن فريح البهلال
٢٩/ ٨ / ١٤٣٤ هـ
стр. 15
تمهيد
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: تعريف اللُّعب.
- المبحث الثاني: تعريف الرِّياضة.
- المبحث الثالث: حكم اللعب في الإسلام.
стр. 16
المبحث الأول تعريف اللُّعَب (١)
اللُّعَب: جمع لُعبة -بالضم- وهي: كلُّ ملعوب به، فيقال له: لُعبَةٌ، ومنه الشِطرنج والنَرْد؛ تقول: لِمَن اللُّعْبَةُ؟ وتقول: اقْعُد حتى أفرغ من هذه اللُّعب، واللُّعبَةُ نوْبَةُ اللَّعِبِ، واللُّعبَةُ التمثالُ.
وأصل اللفظ مأخوذ من اللَّعِب، وهو ضدُّ الجدِّ، ولَعِبَ فلان: إذا كان فعلُهُ غيْرَ قاصِدٍ به مقصَدًا صحيحًا (٢).
واللُّعب من الألفاظ المشتركة؛ يطلق تارة على العبث، والفعل غير الجاد، ويطلق على الأفعال التي يترتب عليها فوائد ومقاصد معتبرة شرعًا، والذي يحدد المعنى هو القرائن الواردة في السياق (٣).
стр. 17
المبحث الثاني تعريف الرياضة
الرياضة لغة: مصدر راضَ يروضُ روْضًا ورِياضًا؛ أي: ذلَّل؛ يقال: راضَ المهر، وراضَ نفسه بالتقوى، وراض القوافي الصعبة؛ كلُّها بمعنى ذلَّلَ (١).
وهي اصطلاحًا: القيام بحركات خاصة؛ تكسب البدن قوة ومرونة، وهو ما يسمى بالرياضة البدنية (٢).
стр. 18
المبحث الثالث حكم اللَّعب في الإسلام
لقد جاء الإسلام (بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها) (١)، فأتى شاملًا جميع ما يحتاجه الإنسان في روحه وجسمه، فأشبع حاجات البدن؛ كما أشبع حاجات الروح، فلم يجعل للإنسان الحرية المطلقة في ممارسة اللعب؛ فيفوت عليه بذلك القصد من خلقه -وهو عبادة الله-، ولم يحجِّر عليه في تحريم شيءٍ يصادم غريزته البشرية في حالتها السوية، بل دعاه إلى أن يعطي بدنه حقه من الراحة واللعب، فلقد بلغ النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ ما -يقوم الليل ويصوم النهار- فقال له: «لا تفعل؛ صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقًّا ... » (٢)،
فالإسلام دين الحنيفية السمحة، وهو مبنيٌّ على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، وقد رفع الله فيه الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا.
ولأجل ذا أباح الإسلام استعمال بعض اللَّعب الذي يعين المسلم على مكابدة العبادة، ويخفف عليه مشاق الحياة، شريطة أن يكون منضبطًا بحدود الشرع، والأصل في ذلك الحديث الذي يرويه حنظلة ﵁ أنه قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال:
стр. 19
سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ ، يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا (١) الأزواج والأولاد والضيعات (٢)، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟». قلت: يا رسول الله نكون عندك؛ تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً (٣)». ثلاث مرات (٤).
وتقول عائشة ﵁ ا: «والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ ، يسترني بردائه؛ لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف،
стр. 20
فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، حريصةً على اللعب» (١).
وفي رواية قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ يومئذٍ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة» (٢).
стр. 21
ففي هذه الأحاديث دلالة على مراعاة الإسلام لحق الجسم في الراحة،
стр. 22
وإعطائه حقه في استعمال اللعب، ما دام أنه ضمن الإطار الشرعي.
وإن المتأمل لأنواع اللَّعب في الإسلام يجد أنها أقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما كان من اللَّعب مفضيًا إلى ما حرم الله، وهو ما كانت مفسدته خالصة، أو كانت مفسدته راجحة على مصلحته، فهذا قد حرمه الإسلام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] وعليه يحمل حديث أنس ﵁ عند من صححه (١)، أن النبي ﷺ قال: «لست من دَدٍ (٢)، ولا الدَّدُ مني» (٣).
стр. 23
قال القرطبي: «كل لهو دعا قليله إلى كثيره (١)، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حرامًا مثله» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا اشتملت (٣) على محرم، أو استلزمت محرمًا، فإنها تحرُمُ بالاتفاق: مثل اشتمالها على الكذب، واليمين الفاجرة، أو الخيانة التي يسمونها المغاضاة، أو على الظلم، أو الإعانة عليه؛ فإن ذلك حرامٌ باتفاق المسلمين، فلو كان ذلك في المسابقة والمناضلة، فكيف إذا كان بالشطرنج والنرد؛ ونحو ذلك. وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادًا غير ذلك: مثل اجتماع على مقدمات الفواحش، أو التعاون على العدوان أو غير ذلك، أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب، أو فعل محرم، فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها» (٤).
وقال -أيضًا-: «ما ألهى وشغل عمَّا أمر الله به فهو منهيٌّ عنه، وإن لم يحرم جنسه كالبيع، والتجارة، وسائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب مما لا يُستعان به على حق شرعي فكله حرام» (٥).
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ضابطًا للمغالبات التي لا تجوز بعوض، ولا بغير عوض فقال: «كل مغالبة ألهت عن واجب، أو أدخلت في محرم» (٦).
стр. 24
وينبني على هذا الضابط حرمة ما يلي:
١ - اللَّعِب المشتمل على مس التوحيد، كالسحر، والانحناء والسجود لغير الله، وتذويب مفهوم الولاء والبراء.
٢ - اللَّعِب المفضي إلى تضييع الصلوات، أو التفريط في حق من يعولهم.
٣ - اللَّعِب المفضي إلى الفواحش أو مقدماتها.
٤ - اللَّعِب المشتمل على التماثيل والصور المحرمة، ويستثنى من ذلك لعب الأطفال بالبنات.
٥ - اللَّعِب المفضي إلى العداوة، والبغضاء، والسباب والقتال.
٦ - اللَّعِب الذي يصاحبه كشف للعورات، أو اختلاط الرجال بالنساء.
٧ - اللَّعِب المؤدي إلى الهلاك، أو الضرر.
٨ - اللَّعِب الذي فيه ترويع للمسلم.
٩ - اللَّعِب المؤدي إلى أذى البهائم.
١٠ - اللَّعِب المشتمل على التشبه بالكفار.
١١ - اللَّعِب المشتمل على تشبه الرجال بالنساء، أو النساء بالرجال.
١٢ - اللَّعِب المشتمل على الفخر، والرياء، ومناوأة أهل الإسلام.
١٣ - اللَّعِب المشتمل على القمار.
١٤ - اللَّعِب المشتمل على الإسراف والتبذير.
١٥ - اللَّعِب المشتمل على أصوات المعازف والموسيقى.
١٦ - اللَّعِب المشتمل على سفر المرأة بلا محرم.
القسم الثاني: ما كان من اللعب معينًا على الحق أو ذريعةً إليه؛ فإنه مندوبٌ فعله؛ ومثابٌ عليه؛ لذا قال النبي ﷺ ، كما في حديث عقبة بن نافع ﵁ : «كل شيءٍ يلهو به الرجل باطل (١) إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه
стр. 25
فرسه، أو ملاعبته لامرأته؛ فإنهن من الحق» (١).
وفي حديث عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاري يرميان، فملَّ أحدهما، فقال الآخر: أكسلت؟ قال: نعم. فقال أحدهما للآخر: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل شيءٍ ليس من ذكر الله فهو لهوٌ، ولعبٌ»، وفي لفظ: «وهو سهوٌ ولغوٌ؛ إلا أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين (٢)، وتعلم الرجل السباحة» (٣).
وقد تكلم أهل العلم على حديث عقبة، فقال الخطابي: «إنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال من جملة ما حرم منها؛ لأن كل واحدةٍ منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعةً إليه، ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة (٤) بالسلاح والشد على الأقدام، ونحوهما مما يرتاض به الإنسان، فيتوقح (٥) بذلك بدنه، ويتقوى به على مجالدة العدو» (٦).
وقال القرطبي: «هذه الأمور الثلاثة، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط؛ فإنها حقٌّ؛ لاتصالها بما قد يفيد؛ فإن الرمي بالقوس، وتأديب الفرس جميعًا من مَعاوِن القتال، وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولدٌ يوحِّد الله ويعبده؛ فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق» (٧).
وقال الشاطبي: «يعني بكونه باطلًا: أنه عبثٌ أو كالعبث، ليس له فيه فائدة، ولا ثمرة تجنى، بخلاف اللعب مع الزوجة؛ فإنه مباحٌ يخدم أمرًا
стр. 26
ضروريًّا وهو النسل، وبخلاف تأديب الفرس، وكذلك اللعب بالسهام، فإنهما يخدمان أصلًا تكميليًّا وهو الجهاد؛ فلذلك استثنى هذه الثلاثة من اللعب الباطل» (١).
وقد أجاز النبي ﷺ أخذ العوض على ما كان معينًا على الحق، فقال: «لا سبَق إلا في نصلٍ، أو خفٍ، أو حافر» (٢).
وقد يكون تعلم اللُّعبة واجبًا إذا تعينت طريقًا للأمر الواجب، وذلك مثل ركوب الخيل، والإبل، والرمي، إذا تعينت للجهاد الواجب، ويقاس عليها في عصرنا ما يماثلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة، ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (٣).
القسم الثالث: ما كان من اللعب خاليًا من الإعانة على الحق، وليس فيه مفسدة، فهذا قد اختلف فيه بناء على الاختلاف في معنى البطلان في حديث عقبة السابق:
• فذهب بعض أهل العلم إلى أن معناه التحريم، وأن كل لهو سوى ما ذكر حرامٌ.
قال الخطابي: «قوله: «ليس من اللعب إلا ثلاث» يريد ليس المباح من اللهو إلا ثلاث، وقد جاء معنى ذلك مفسرًا (٤) في هذا الحديث من رواية أخرى ... قال رسول الله ﷺ : «كل شيء يلهو به الرجل باطلٌ إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته؛ فإنهن من الحق»، وفي هذا بيان أن جميع أنواع اللعب محظورة، وإنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال من
стр. 27
جملة ما حرم منها؛ لأن كل واحدة منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه ... » (١).
وقال الكاساني: «اللعب حرام في الأصل إلا أن اللهو بهذه الأشياء -يعني: السبق في الخف والحافر والنصل- صار مستثنى من التحريم شرعًا لقوله - ﵊ -: «كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل امرأته وقوسه وفرسه» حرم - ﵊ كل لعب- واستثنى الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم» (٢).
وقال البغوي: «فيه بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة، واستثنى منها هذه الثلاث؛ لكونها ذريعة إلى الحق، ويدخل في معناها المثاقفة بالسلاح، والشد على الأقدام، ونحوها» (٣).
وقال الهيتمي: «وذلك لأنه أفاد أن كل ما يلتهي به الإنسان مما لا يفيد في العاجل والآجل فائدة دينية فهو باطل، والاعتراض فيه متعين، إلا هذه الأمور الثلاثة، فإنه وإن فعلها على أنه يلتهي بها ويستأنس وينشط فإنها حقٌّ؛ لاتصالها بما قد يفيد» (٤).
• وذهب بعض أهل العلم إلى أن معناه؛ أي: ليس فيه نفعٌ، فيباح فعله، وهو ظاهر ترجمة البخاري في صحيحه (٥)، إذ قال: «باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله».
قال العيني: «أي: هذا باب ترجمته كل لهو باطل، وهي لفظ حديث أخرجه أحمد والأئمة الأربعة من حديث عقبة بن عامر رفعه: «كل ما يلهو به المرء المسلم باطلٌ إلا رميه بقوسه، وتأديب فرسه، وملاعبة أهله» ولما لم يكن هذا الحديث على شرطه جعل منه ترجمة ولم يخرجه في الجامع».
ثم شرع العيني بشرح الترجمة، فقال: «قوله: «إذا شغله» الضمير
стр. 28
المرفوع فيه يرجع إلى اللعب، والمنصوب إلى اللاهي، يدل عليه لفظ اللهو، وقيد بقوله: «إذا شغله»؛ لأنه إذا لم يشغله عن طاعة الله يكون مباحًا» (١).
وقال الغزالي: «قوله: «باطل» لا يدل على التحريم؛ بل يدل على عدم الفائدة» (٢).
وقال ابن العربي: «باطل» ليس يريد به حرامًا، وإنما يريد به أنه عارٍ من الثواب، وأنه للدنيا محضًا، لا تعلق به بالآخرة» (٣).
قال ابن قدامة: «وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضررًا، ولا شغلًا عن فرض فالأصل إباحته» (٤).
وقال الشاطبي: «وكذلك اللهو واللعب والفراغ من كل شغل إذا لم يكن في محظور، ولا يلزم عنه محظور فهو مباح» (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة ... إذ مجرد كونه -باطلًا- إنما يقتضي عدم منفعته؛ لا يقتضي تحريمه، إلا أن يتضمن مفسدة» (٦).
وقال في موضع آخر: «وأما اللذة التي لا تعقب لذة في دار القرار، ولا ألمًا، ولا تمنع لذة دار القرار، فهذه لذة باطلة؛ إذ لا منفعة فيها ولا مضرة، وزمانها يسير؛ ليس لتمتع النفس بها قدر، وهي لا بد أن تشغل عما هو خير منها في الآخرة، وإن لم تشغل عن أصل اللذة في الآخرة، وهذا هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته؛ فإنهن من الحق» ... فما أعان على اللذة المقصودة من الجهاد والنكاح فهو حق، وأما ما لم يعن على ذلك فهو باطل لا فائدة فيه، ولكن إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ولم ينه عنه» (٧).
стр. 29
وبنحو هذا الكلام قال العلامة ابن القيم (١)، والحافظ ابن حجر (٢)، والشوكاني (٣)، والمعلمي (٤).
وهذا القول الأخير هو الأظهر؛ في تفسير معنى الباطل؛ لأنه قد ورد في السُّنَّة ترخيص النبي ﷺ لأنواع من اللهو ليست من هذه الثلاثة، ولا في معناها، كلُعَب البنات، واللَّعب بالأرجوحة، والمزاح، وضرب النساء بالدف في النكاح، ونحو ذلك.
ومع القول بأن اللعب الذي لا نفع فيه ولا ضرر مباحٌ ممارسته؛ إلا أنه ينبغي التنبه لأمور:
١ - أنه ينبغي للاعب أن يحسن نيته أثناء اللعب، فينوي به التقوِّي على الطاعة؛ فإنه بذلك يكون مأجورًا -إن شاء الله- فقد قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٥)، وقد سأل معاذ بنُ جبل أبا موسى الأشعري ﵁ ما: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا، وقاعدًا، وعلى راحلتي، وأتفوَّقه تفوُّقًا (٦)، قال معاذ: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٧).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من استعان بالمباح الجميل على الحق، فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «في بُضع أحدكم صدقة» قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟
стр. 30
قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟» قالوا: بلى. قال: «فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال» (١) ... فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله، وكانت المباحثات في صالح أعماله لصالح قلبه ونيته، والمنافق -لفساد قلبه ونيته- يعاقب على ما يظهره من العبادات رياءً، فإن في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (٢).
وكما أن العقوبات شُرعت داعية إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد شُرع أيضًا كلُّ ما يعين على ذلك، فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة، والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممكن؛ مثل أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح؛ من مال أو ثناء أو غيره؛ ولهذا شرعت المسابقة بالخيل والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخذ الجُعل عليها؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة، ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله، حتى كان النبي ﷺ يسابق بين الخيل (٣) هو وخلفاؤه الراشدون، ويخرجون الأسباق (٤) من بيت المال» (٥).
وقال العلامة ابن القيم: «فهذا القسم -يعني: ما لا فائدة منه- رخص فيه الشارع بلا عوض؛ إذ ليس فيه مفسدة راجحة، وللنفوس فيه استراحة وإجمام، وقد يكون مع القصد الحسن عملًا صالحًا كسائر المباحات التي تصير بالنية طاعات» (٦).
стр. 31
ولما تكلم الحافظ ابن حجر على حديث المسابقة -بين الخيل- قال: «في الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث؛ بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرةٌ بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك» (١).
٢ - ينبغي عدم الإكثار من ممارسة اللعب، ولو كان مباحًا، وإنما يؤخذ منه بقدر مجَمَّة النفس.
أما أن يصبح طابعَ الحياة، تُشغل بها النفس في الغدايا والعشايا (٢)، ويُعنى به المرء في الخَلوة والجَلوة، ويكون هم مزاولته هدفًا رئيسًا في الحياة، فهذا -بلا شك- خروجٌ باللهو عن بابته، وانحرافٌ به عن مقصود إباحته، واتجاه بالحياة إلى العبث والضياع.
قال الغزالي: «واللعب مباح؛ ولكن المواظبة عليه مذمومة» (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لكن قد يكون فعله -يعني: اللهو الذي لا فائدة منه- مكروهًا؛ لأنه يصد عن اللذة المطلوبة؛ إذ لو اشتغل اللاهي حين لهوه بما ينفعه، ويطلب له -اللذة المقصودة- لكان خيرًا له» (٤).
وقال العلامة ابن القيم: «اقتضت حكمة الشرع الترخيص فيه؛ لما يحصل فيه من إجمام النفس وراحتها، واقتضت تحريم العوض فيه؛ إذ لو أباحته بعوض لاتخذته النفوس صناعةً ومكسبًا، فالتهت به عن كثير من مصالح دينها ودنياها.
فأما إذا كان لعبًا محضًا، ولا مكسب فيه؛ فإن النفس لا تؤثره على مصالح دنياها ودينها، ولا تؤثره عليها إلا النفوس التي خلقت للبطالة» (٥).
وقال الشاطبي: «وكذلك اللهو واللعب والفراغ من كل شغل إذا لم يكن
стр. 32
في محظور، ولا يلزم عنه محظور فهو مباح، ولكنه مذموم، ولم يرضه العلماء؛ بل كانوا يكرهون أن لا يرى الرجل في إصلاح معاش، ولا في إصلاح معاد؛ لأنه قَطْعُ زمانٍ فيما لا يترتب عليه فائدة دنيوية ولا أخروية» (١).
وقال أيضًا: «التنزه في البساتين، وسماع تغريد الحمام، والغناء المباح، واللعب المباح بالحمام، أو غيرها؛ فمثل هذا مباح بالجزء، فإذا فُعِل يومًا ما، أو في حالة ما؛ فلا حرج فيه، فإن فُعِل دائمًا كان مكروهًا، ونسب فاعله إلى قلة العقل، وإلى خلاف محاسن العادات، وإلى الإسراف في فعل ذلك المباح» (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: «ممارسة الرياضة جائزة إذا لم تله عن شيءٍ واجب، فإن ألهت عن شيءٍ واجب، فإنها تكون حرامًا، وإن كانت ديدن الإنسان؛ بحيث تكون غالب وقته؛ فإنها مضيعة للوقت، وأقل أحوالها في هذه الحال الكراهة» (٣).
٣ - ينبغي رفع الملام عن بعض النفوس في ممارسة اللَّعَب؛ فالله -جل وعز- لم يجعل النفوس على سمتٍ واحدٍ في تحمل الجد؛ بل فارق بينها ولم يساوِ، وبناءً على هذا فما يُفعل من هذا اللهو المباح قد يكون مقبولًا من نفسٍ دون أخرى.
قال الغزالي: «ينبغي أن يؤذن له -يعني: الصبي- بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبًا جميلًا يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن مَنْعَ الصبي من اللعب، وإرهاقَه إلى التعلم دائمًا -يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغِّص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا» (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والنفوس الضعيفة كنفوس الصبيان والنساء قد لا تشتغل إذا تركته -أي: اللهو الذي لا فائدة منه- بما هو خيرٌ
стр. 33
منه (١) لها، بل قد تشتغل بما هو شرٌّ منه، أو بما يكون التقرب إلى الله بتركه، فيكون تمكينها من ذلك من باب الإحسان إليها، والصدقة عليها؛ كإطعامها وإسقائها ... ومحبة النفوس للباطل نقصٌ لكن ليس كل الخلق مأمورين بالكمال، ولا يمكن ذلك فيهم، فإذا فعلوا ما به يدخلون الجنة -لم يحرم عليهم ما لا يمنعهم من دخولها» (٢).
وقال في موضع آخر: «والصبيان يرخص لهم في اللعب ما لا يرخص فيه للبالغ» (٣).
وقال العلامة ابن القيم: «ولما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان -لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئًا من لذة اللهو واللعب؛ بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه- رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها» (٤).
٤ - يُرخَّص في ممارسة اللَّعِب في بعض الأوقات ما لا يرخص في غيرها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «رخص النبي ﷺ في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح ... ومن هذا الباب حديث عائشة ﵁ ا لما دخل عليها أبوها ﵁ في أيام العيد، وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث. فقال أبو بكر ﵁ : أبمزمار الشيطان في بين رسول الله ﷺ ؟ وكان رسول الله ﷺ معرضًا بوجهه عنهما، مقبلًا بوجهه الكريم إلى الحائط، فقال: «دعهما يا أبا بكر؛ فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا أهل الإسلام» (٥) ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ﷺ وأصحابه الاجتماع عليه؛ ولهذا سماه الصديق
стр. 34
مزمار الشيطان، والنبي ﷺ أقرَّ الجواري عليه معللًا ذلك بأنه يوم عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد» (١).
وقال الحافظ ابن حجر -معددًا فوائد حديث عائشة السابق-: «فيه مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كُلَف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين» (٢).
стр. 35
الباب الأول الأحاديث الواردة في اللُّعَب
وفيه فصلان:
- الفصل الأول: اللُّعَب المتعلقة بالجماد.
- الفصل الثاني: اللُّعَب المتعلقة بالحيوان.
стр. 36
الفصل الأول ما ورد في اللُّعَب المتعلقة بالجماد
وفيه تسعة مباحث:
- المبحث الأول: اللعب بالتراب.
- المبحث الثاني: اللعب بالأرجوحة.
- المبحث الثالث: اللعب بالعهن.
- المبحث الرابع: اللعب بالبنات.
- المبحث الخامس: اللعب بالكُرَّج.
- المبحث السادس: اللعب بالخذف.
- المبحث السابع: اللعب بالنرد.
- المبحث الثامن: اللعب بالشطرنج.
- المبحث التاسع: اللعب بعظم وضاح.
стр. 37
المبحث الأول اللعب بالتراب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف اللعب بالتراب .
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالتراب.
المطلب الأول تعريف اللعب بالتراب
اللعب بالتراب عند العرب أنواع، فمما وقفت عليه منها:
١ - البَحْثة: وهي لعبةٌ للصبيان، وهي أن يخفي أحدهم شيئًا في التراب، ثم يطلب البحث عنه (١)، ومثله: الأُنبوثة (٢).
٢ - البُقَّيْرَى: أن يأتي الصبيان إلى موضع قد خبئ لهم فيه شيء، فيضربون بأيديهم بلا حفرٍ، يطلبونه (٣).
٣ - البُقَّارُ: تُرابٌ يُجمع بالأيدي، فيجعل قُمَزًا قُمَزًا، والقُمَزُ كأنها صوامع (٤).
٤ - المُفَايَلة: لُعبَةٌ؛ يخبئون الشيء في التراب، ويَقْسِمونه قسمين، ويسألون في أيهما هو (٥).
стр. 38
المطلب الثاني ما ورد في اللعب بالتراب
١ - قال الطبراني (١): حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، ثنا محمد بن مَخْلَد (٢)، ثنا مالك بن أنس، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: مر رسول الله ﷺ على صبيانٍ وهم يلعبون بالتراب، فنهاهم بعض أصحاب النبي ﷺ فقال: «دعهم؛ فإن التراب ربيع الصبيان».
• رواة الحديث:
١ - عبدان بن أحمد: هو عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد، أبو محمد الجواليقي، القاضي المعروف بـ (عبدان) من أهل الأهواز، قال الخطيب البغدادي: «كان أحد الحفاظ الأثبات»، وقال الذهبي: «الحافظ الحجة العلامة» (٣).
٢ - إبراهيم بن محمد بن يوسف: بن سَرْج الفرْيابي، أبو إسحاق، نزيل بيت المقدس، وثقه مسلمة بن قاسم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: «صدوقٌ».
وقال الساجي: «يحدث بالمناكير والكذب»، وقال الأزدي: «ساقطٌ»، قال الذهبي: «لا يلتفت إلى قول الأزدي؛ فإن في لسانه في الجرح رهقًا».
قال ابن حجر: «صدوقٌ» (٤).
٣ - محمد بن مَخْلَد: أبو أسلم الرُّعَيْنِيُّ الحمصى، قال أبو حاتم: «لم أر في حديثه منكرًا»، وقال ابن عدي: «يحدث عن مالك وغيره بالبواطيل ...
стр. 39
منكر الحديث عن كل من روي عنه»، وقال الدارقطني: «متروك»، وقال الخليلي: «يروي عن مالك أحاديث لا يتابع عليها؛ يتفرد بها، وهو صالح» (١).
٤ - مالك بن أنس: بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: «أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر» (٢).
٥ - أبو حازم: هو سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج، الأفزَر التمار، المدني ثقةٌ عابدٌ (٣).
• تخريج الحديث:
- أخرجه ابن عدي (٤) من طريق محمد بن إبراهيم بن يوسف به بنحوه.
- وأخرجه القضاعي (٥) من طريق أبي القاسم يحيى بن أحمد بن علي بن الحسين، عن جده علي بن الحسين بن بندار، عن علي بن عبد الحميد الغضائري، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن مالك بن سعيد، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر به بنحوه.
• الحكم على الحديث:
- إسناده ضعيف جدًّا؛ لحال محمد بن مَخْلَد الرُّعَينِي، وتفرده عن مالك بما لا يقبل من مثله، وقد قال ابن عدي: «هذا حديثٌ منكر» (٦)، وقال الخطيب البغدادي: «إن المتن لا يصح» (٧)، وقال الذهبي: «باطل» (٨)، وقال الهيثمي: «فيه محمد بن الرُّعَينِي، وهو متهم بهذا الحديث» (٩)، والوجه الثاني فيه أبو
стр. 40
القاسم يحيى بن أحمد بن علي بن الحسين، لم أعثر على ترجمته، وفيه مالك بن سعيد، لم أعثر على ترجمته أيضًا؛ إلا أن يكون تصحيفًا من مالك بن سُعير (١)، ومالك بن سُعير غير معروف بالرواية؛ فأخشى أن يكون الإسناد مركبًا.
• غريب الحديث:
- قول: «التراب ربيع الصبيان»: أي: التراب لهم يرتعون فيه، ويلعبون، ويهشون إليه طبعًا كوقت الربيع للبهائم والأنعام (٢).
* * *
٢ - قال أبو زرعة الدمشقي (٣): نا أبو نعيم، نا فطر بن خليفة، عن أبيه عن عمرو بن حُريث قال: مر النبي ﷺ بعبد الله بن جعفر، وهو يلعب بالتراب، فقال: «اللهم بارك في تجارته».
• رواة الحديث:
١ - أبو نعيم: الفضل بن دُكين الكوفي، واسم دُكين عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولاهم، الأحول، أبو نعيم المُلَائي (٤)، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ (٥).
٢ - فطر بن خليفة: القرشي المخزومي، أبو بكر الكوفي الحناط، مولى عمرو بن حُريث، وثقه يحيى القطان، وأبو نعيم، وأحمد، وابن معين، والعجلي، زاد أحمد: «لكنه كان خشبيًّا (٦) مفرطًا»، وقال النسائي -مرة-: