Полный текст (902 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فبكل جو طلعه ... في كل يوم لي وغربه
وكذا المغرب شخصه ... متغرب ومواه غربه
الغرب الأول حدّثني السيف والغرب الثاني مجرى الدمع والثالث ضد الشرق والرابع فعلة من الغروب يقال: غرب غربة وطلع طلعة والخامس البعد يقال: نوى غربة أي بعيده.
قال طرفة:
أخبرك إنَّ الحي فرق بينهم ... نوى غربة ضرابة لي كذلك
وفسرت هنا أيضاً بالحدة وهي من معانيها وغربة النوى بعدها.
وقال أيضاً:
لا تيأسن عند النوب ... من فرجة تجلو الكرب
فلكم سموم هب ثم ... جرى نسيما وانقلب
وسحاب مكروه تنشى ... فاضمحل وما سكب
ودخان خطب خيف منه ... فما استبان له لهب
ولطالما طلع الأسى ... وعلى تفيئته غرب
فاصبر إذا ما ناب رو ... على فالزمان أبو العجب
وترج من زوح الإله ... لطائف لا تحتسب
وقال أيضاً:
لعمرك ما تغني المغاني ولا الغنا ... إذا سكن المرء الثرى وثوى به
فجد في مراضيه الله بالمال راضيا ... بما تقتني من اجره وثوابه
وبادر به صرف الزمان فانه ... بمخلبه الاشقى يصول ونابه
ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخفى عليه ونابه
وعاص هوى النفس الذي ما أطاعه ... أخو ضلة إلاّ هوى من عاقبه
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي الوبل حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومعظم صابه
стр. 282
وإنَّ قصارى مسكن الحي حفرة ... سينزلها مستنزلا عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعله ... وأبدى التلافي قبل إغلاق بابه
وقال أيضاً:
اصرف بصرف الراح عنك الأسى ... وروح القلب ولاتكتئب
وقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهم: قدك اتئب!
وهذا مما يتمثل به أهل المجون لكنه بصدد أن يستعمل في الجد وخمر المحبة والعرفتن والأنس الرحماني، يعرف ذلك ذوو البصائر. وقال أيضاً:
فإنَ فطنتم للحن القول بان لكم ... صديقي ودلكم طلعي على رطبي
وإن شهدتم فإنَ العار فيه على ... من لا يميز بين العود والخشب
وقال الآخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ
ومن يتتبع حاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يبقى له الدهر صاحبُ
وتقدم هذا المعنى وما فيه.
ويحكى أنَّ يزيد بن عبد الملك بلغه أيام خلافته أنَّ أخاه هشاماً ينتقصه. فكتب إليه معاتبا له: مثلي ومثلك كما قال الأول:
تمنى رجالٌ أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ
لعل الذي يبغي ردائي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الردي
فكتب إليه هشام إنّما مثلي ومثلك كما قال الأول:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون لك ما كان منك، حفظا لوصية أبينا فينا، وحضه إيانا على إصلاح ذات البين، وأنا أعلم كما قال معن بن أوس:
لعمرك ما أدري لأوجل ... على أينا تعدو المنية أولُ
وإني على أشياء منك تريبني ... قديما لذو صفحٍ على ذاك مجماُ
стр. 283
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تبدلُ!
إذا سؤتني يوما رجعت إلى غدٍ ... ليعقب يوماً منك آخر مقبلُ
ويركب حدّثني السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحلُ
وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحولُ
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجهٍ آخر الدهر تقبلُ
فلما جاء الكتاب هشاما رحل إليه فلم يزل في جواره حتى مات خوفا من شر الوشاة.
وقال المولى أبو حمو موسى بن يوسف الملك الزياني:
الحب اضعف جسمي فوق ما وجبا ... والشوق رد خيالي بالسقام هبا
والبين أشعل نار الوجد في كبدي ... والدمع يضرمها في القلب واعجبا!
وماءٌ ونارٌ وأكبادي لها حطبٌ ... لكن عذابي به للحب قد عذبا
ما كنت أدريهما حتى صحبتهما ... كرهاً وقد يكره الإنسان من صحبا
وقال الآخر:
كل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌ ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحبابُ؟
وتقدم هذا الشعر إلاّ أنَّ له حكاية تذكر.
قال الجاحظ: بعث إلي المتوكل لتأديب ولده. فلما رآني استبشع منظري وأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. فلما خرجت من عنده لقيت محمد بن إبراهيم يريد الانحدار في سفينة إلى مدينة السلام، فركبت معه. فأمر يوما بنصب أستاره وأمر عوادة عنده أن تغني، فأخذت العود وغنت: كل يوم قطيعة وعتاب البيتين ثم سكتت. فأمر طنبورية كانت عنده أن تغني فأخذت الطنبور وغنت:
وارحمة للعاشقين ... ما أرى لهم معينا!
كم يظلمون ويهجرو ... ن ويقطعون فيصبرون!
فقالت العوادة: وماذا يصنعون؟ فقالت: يصنعون هكذا! فهتكت الستارة ورمت بنفسها في الماء. وكان على رأس محمد غلام مثلها في الجمال، بيده مدية. فلما رأى ما
стр. 284
صنعت ألقى المدية وجاء إلى الموضع الذي رمت بنفسها منه فقال:
أنت الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمين
لا خير بعدك في البقا ... والموت زين العاشقين
ثم رمى بنفسه في أثرها وعانقها في الماء، فكان آخر العهد بهما. فعظم الأمر على محمد والتفت إلي وقال: يا عمرو، حدثني بحديث تسليني به عن هذين، وإلاّ لحقت بهما! فقالت: جلس سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم فعرضت عليه بطاقة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج ألي جاريته فلانه حتى تغني لي ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ وأمر بإحضاره. فلما حضر قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك. فسري عنه وأمره بالجلوس وأمر الناس بالانصراف. ثم أمر بإخراج الجارية فجاءت بعودها وجلست. فقال لها الفتى: غني لي:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهدِ
وزاد كما زدنا وأصبح ناميا ... وليس وإن متنا بمنتقض العهدِ
ولكنه باقٍ على حاله كذا ... وزائد ما في ظلمة القبر واللحدِ
فلما غنته طرب طربا شديدا وقال: فداؤك أبي وأمي! قال: غني لي:
إذا قلت: مابي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابتٌ ويزيدُ
وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها ويعودُ
فلما غنت طرب طربا أعظم من الأول وقال: فدتك نفسي! ثم قال: غني لي:
مني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهرُ
والله لا أنساكم أبداً ... ما لاح نجم أو بدا بدرُ
فما أتمتها حتى زج بنفسه في الهواء ثم انعكس على دماغه وسقط بالأرض فإذا هو ميت. فقال سليمان: عجل على نفسه. والله ما أخرتها إلاّ على ملكه! يا غلام خذ بيدها وانطلق بها فإن كان له أهل وإلاّ بيعت وتصدق بثمنها عليه. فانطلق بها، فلما توسطت الدار رأت حفرة أعدت لماء المطر فقالت:
стр. 285
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت!
ثم جذبت بيدها من يد الغلام، وألقت بنفسها في الحفرة على دماغها فماتت. قال: فسيري عن محمّد ووصلني وكساني. قال ثم حدثت بهذا الحديث محمّد بن جعفر الأخباري فقال: كان محمّد بن حميد الطوسي يوما مع ندمائه، فغنت جارية له:
يا قمر القصر متى تطلع؟ ... أشقى وغيري بك يستمتع
إنَّ كان ربي قد قضى ما أرى ... منك على رأسي فما أصنع؟
وكان على رأس محمّد بن حميد غلام بيده قدح يسقيه به. فرما بالقدح من يده وقال: تصنعين هكذا! ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة. فلما رأت ذلك الجارية قامت ورمت بنفسها على أثره، فكان آخر العهد بهما. وقال آخر من الطفيليين:
كل يوم أدور في عرصة الدار ... أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أرهب ... شتما ولكزة البواب
مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب
ذاك أهنا من التكلف والعز ... م وشتم البقال والقصاب
وكان هذا الطفيلي أتى وليمة فأقتحم الدار وأخذ مجلسه من الناس فأنكره صاحب المنزل وقال له: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنّما واطراحها صلة. وجاء في الأثر: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك! ثم إني أجمع فيها خلالا: أدخل مجالسا، وآكل موانسا، وأبسط رب دار وإنَّ كان عابسا وانشد ما تقدم.
وقال الآخر:
كنا نعاتبكم ليالي ... عودكم حلو المذاق وفيكم مستعتب
стр. 286
فالآن حين بدا التنكر منكم ... ذهب العتاب وليس عنكم مذهب
يحكى أنَّ قينة أجتمع عند أربعة من عشاقها، وكل يخفي أمره عن الآخرين. وكان أحدهم غائبا فقدم، والثاني عزم على السفر، والثالث قد انقضت أيامه، والرابع كما ابتدأ.
فضحكت إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وأبعدت الثالث، وأطمعت الرابع. وانشدها كل منهم ما يشاكل حاله، وأجابته بمثل ذلك. فقال لها القادم: جعلت فداك أتستحسنين:
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعل أو عسى ويكون
وما اخترت نأي الدار عنك لسلوة ... ولكن مقادير لهن شجون
فقالت: نعم! وأنا أحذق بقول مطارحه، ثم غنت:
وما زلت مذ شطت بك الدار باكيا ... أو مل منك العطف حين تؤوب؟
فأضعف ما بي حين أبت وزدتني ... عذابا وإعراضا وأنت قريب
وقال الذي عزم على السفر: جعلت فداك! أتحسنين:
أزف الفراق فأعلني جزعا ... ودع العتاب فإنما سفر
إنَّ المحب يصد مقتربا ... فإذا تباعد شفه الذكر
فقالت: نعم! وأحسن من شكله. ثم غنت:
لأقيمن مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب
ربما أوجع النوى للقلوب ... ثم لا سيما فراق الحبيب
وقال الذي انقضت أيامه: جعلت فداك! أتحسنين: كنا نعاتبكم ليالي عودكم البيتين السابقين. فقالت: ولكن أحسن في معناه، ثم غنت:
وصلتك لمّا كان ودك خالصا ... وأعرضت لمّا صرت نهبا مقسما
ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كثرة الوراد أنَّ يتهدما
وقال الذي أقبلت أيامه جعلت فداك! أتحسنين:
إني لأعظم أنَّ أبوح بحاجتي ... فإذا قرأت صحيفتي فتفهمي
وعليك عهد الله إنَّ أثبته ... أحدا وإنَّ آذنته بتكلم
стр. 287
فقالت: نعم! واحسن في معناه. ثم غنت:
لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذار أنَّ تذاع السرائر!
أكاتم ما بالقلب بقيى على الهوى ... مخالفة أنَّ يغرى بذلك ذاكر
فانصرفوا، وكل قد لوح بحاجته، واخذ جوابه.
وقالت امرأة كان زوجها غائبا عنها فذكرته:
تطاول هذا الليل وأسود جانبه ... وأرقني ألا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
وبت إلا هي غير بدع منعما ... لطيف الخشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني فوق الحشايا وتارة ... يعاتبني في حبه وأعاتبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا ... بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يصونني ... وحفظا لبعلي أنَّ تنال مراكبه
ويروى أنَّ أمير المؤمنين عمر ﵁ خرج ليلا فسمع هذا المرأة تنشد، فلما فرغت من الشعر المذكور، تنفست الصعداء وقالت لهان على أبن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني. فتأوه عمر لذلك ووجه في إقبال زوجها، وسأل النساء كم تصبر المرأة عن الزوج، فقلن أربعة اشهر، فجعل ذلك غاية الغيبة في المغازي كما في الايلاء وقيل ستة اشهر. وفي الشعر المذكور اختلافات كثيرة.
وقال الآخر:
رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب
وحديث ألذ من نظر الوا ... مق بدلته بسوء العتاب
يحكى عن خالد الكاتب قال: دخلت دير فإذا أنا بشاب جميل موثق، فسلمت عليه فرد علي وقال: ومن أنت: فقلت خالد بن يزيد. وقال: صاحب الشعر الرقيق؟ فقلت: نعم! قال: إنَّ رأيت أنَّ تفرج عني بعض ما أنا فيه بإنشاد شيء من شعرك ففعل! فأنشده:
стр. 288
ترشفتُ من شفتيها عقاراً ... وقبلت من خدها جلنارا
وعانتفت منها كثيباً مهيلاً ... وغصناً رطيباً وبدراً أنارا
وأبصرت من نورها في الظلا ... م ثال بكل مكان بليلٍ نهارا
فقال: أحسنت لا فضض الله فاك! ثم قال: أجزاي هذين البيتين وأنشد: ربَّ ليلٍ أمد من نفس العاشق البيتين. قال خالد: فو الله لقد أعملت فكري وحاولت في الزيادة عليها فلم أقدر! وقال أبن بسام الورد:
أما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافيةٍ في لونها صهبُ؟
مداهنٌ من يواقيت مركبةٍ ... على الزبرجد في أجوفها ذهبُ
خاف الملالة إذ طالت إقامته ... فصار يظهر حيناً ثم يحتجبُ
وسيأتي ذكر ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
أي إذا لم يكن صاحب هبة وعطية فدولته ذاهبة لا بقاء لها.
وقال التنسي:
غن أهل العلم قوم سادة ... ما على نور سناهم من حجاب
من عداً يجحد جهلا حقهم ... حاق في الأخرى به سوء العذاب
وقال أيضاً:
من يكن بأبيه والأم براً ... فهو من ربه بوصف اقترابِ
وقال إبراهيم بن حسان:
يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
وقال الآخر:
ألم تر أنَّ العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التحاربِ
وقال الآخر:
стр. 289
وما سمى الإنسان إلاّ لأنسه ... ولا القلب إلاّ أنه يتقلبُ
وقال الآخر:
عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولا ولا صعبا!
وسيأتي هذا المعنى.
وقال أبن المعتز:
لحومهم لحمي وهم يأكلونه ... وما داهيات المرء إلاّ أقاربه
ومن كلام الكندي في هذا: الأب رب، والجد كد والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال وبال والأقارب عقارب وإنّما المرء بصديقه. ولبعضهم فيه:
أقاربك العقارب في أذاها ... فلا تركن إلى عم وخال
فكم عم أتاك الغم منه ... وكم خالٍ من الخيرات خالِ
وقال أبن الرومي:
عدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب!
فإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
وهذا منزع يتسع فيه القول أستوفي في غير هذا الموضع.
وقال الآخر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعد معليبه
وقال أبن الرومي:
ومن قلة الإنصاف أنك تبتغي ... مهذب أخلاقٍ ولست مهذبا
وقال إبراهيم بن هرمة:
فإنك وأطرا حك وصل سلمى ... لأخرى في مودتها نكوبُ
كثاقبةٍ لحلي مستعارٍ ... لأذنيها فشانها الثقوبُ
فأدت حلي جارتها إليها ... وقد بقيت بأذنيها ندوبُ
وحاصل هذا الشعر وفحواه أنه لا ينبغي لك أن تطرح صاحبك إلى صاحب آخر وأنت تجد فيه إلاّ مثل ما في الأول أو شراً منه. فعليك بالصفح والغفران والاستبقاء على
стр. 290
الخلان.
وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا وترت امرؤا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
إنَّ العدو وإنَّ أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا
وتقدم هذا في الباب الأول. وقال الآخر::
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبر الأدب
إنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
وقال الآخر:
فما خلق الله مثل العقول ... ولا اكتسب المرء مثل الأدب
وما كرم النفس إلاّ التقى ... ولا حسب المرء إلاّ النسب
وفي العلم زين لأهل الحجى ... وآفة ذي الحلم طيش الغضب
وقال كشاجم:
لم أرض عن نفسي مخافة سخطها ... ورضى الفتى عن نفسه إغضابها
ولو إنني عنها رضيت لقصرت ... عما تزيد بمثله آدابها
وتبينت آثار ذاك فأكثرت ... عذلي عليه وطال فيه عتابها
وقال الآخر:
احب مكارم الأخلاق جهدي ... واكره إنَّ أعيب وإنَّ اعابا
واصفح عن يباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
وقال الآخر:
فيا رب السنة كالسيوف ... تقطع أعناق أربابها!
وقال عبد الله بن سليمان بن وهب:
نوائب الدهر أدبتني ... وإنّما يوعظ الأديب
فذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب
стр. 291
لم يمض بؤس ولا نعيم ... إلاّ ولي منهما نصيب
كذاك من صاحب الليالي ... تعروه في أمرها الخطوب
وقال أبو الأسود:
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب
وقال الفضل بن العباس بن عتبة:
وقد ترفع الأيام من كان جاهلاً ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب
ويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئٌ ... ويذل في الإحسان وهو مصيب
وقال النمر بني تولب:
ولا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فأغضب
وقال النابغة:
فإنَ يك عامر قد قال جاهلاً ... فإنَ مظنة الجاهل الشباب
وقال عبيد بن الأبرص:
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وقال الآخر:
لمعرك ما ود اللسان بنافعٍ ... إذا لم يكن أصل المودة في القلب
وقال الآخر:
وما الدهر والأيام إلاّ كما ترى: ... رزية مال أو فراق حبيب
وقال الآخر:
ولا أتمنى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
وقال الكميت:
إذا لم يكن إلاّ الأسنة مركب ... فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها
وقال أيضاً:
أيا موقد ناراً لغيرك ضوءها ... وياحاطبا في حبل غيرك تحطب!
وقال أبن المعتز:
стр. 292
وإنَّ فرصة أمكنت من العدى ... فلا تبد فعلك إلاّ بها
وقال محمود:
كم من حريص على شيء ليدركه ... وإنَّ إدراكه يدني إلى عطبه
وقال السري الموصلي:
إذا الحمل الثقيل توزعته ... اكف القوم خف على الرقاب
وقال أعرابي يهجو بنيه:
إنَّ بني كلهم كالكلب ... إبرهم أولاهم بنسب
لم يغني عنهم أدبي وضربي ... ولا أتساعي لهم وحربي
فليتني بت بغير عقب ... أو ليتني كنت عقيم الصلب
وقال النابغة يمدح غسان:
ولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ويروى إنَّ عروة بن الزبير ﵄ قال لعبد الملك بن مروان: أريد إنَّ تعطيني سيف أخي عبد الله بن الزبير. فقال له: هو بين السيوف ولا أميزه. فقال: إذا أحضرت ميزته أنا. فأمر عبد الملك بن مروان بإحضاره. فلما أحضره اخذ عروة سيفا مفلول الحد وقال: هذا سيف أخي. فقال عبد الملك: أكنت عرفته قبل اليوم؟ قال: لا قال: فكيف عرفته؟ قال: عرفته بقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وقال بعض المتأخرين قبل عصرنا بقريب:
وهبني جهلت النحو يزري بقسطه ... ففيم ارزق في المعاني الغرائب؟
وكان هذا القائل مزجى البضاعة في النحو وله قريحة لا بأس بها. يحكى إنّه مدح بعض ملوك مراكش بقصيدة فكأنه رأى غضاضة من قبل الأعراب فقال ذلك. وهذا البيت مما يتعلق به في وقتنا البطالون عند الاعتذار عن التقصير في درك الأشياء. وكان هذا الرجل شبيها بالمعمار في زمنه وكان المعمار أحد الأدباء له شعر رائق ذكر كثير منه أبو بكر بن حجة الحموي في كتابه تقديم أبي بكر غير إنّه يقع في شعره أمور لا تساعدها العربية.
стр. 293
وقال سحيم الفقعسي:
وأكتم الأسرار لكن ابنها ... ولا ادع الأسرار تلغي على قلد
وإنَّ قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جانبا إلى جند
وهذه سخافة وسقاطة. ولولا أنَّ الكتاب بصدد أنَّ يذكر فيه ما يتمثل به إنَّ كان ما عجز على مثل هذا الكلام، لمنافاته الخلق الجميل. وقلت أنا معارضا له على هذا الأسلوب:
لعمرك ما من بث سرا بذي لب ... ولا حاشاه منه أمسى على كرب
ولكن أخو الحلم الذي ما أذعته ... تنساه حتى ليس يهجس بالقلب
وفي الخبر: من أسر إلى أخيه سراً لم يحل له أنَّ يشفيه. وقال عمر ﵁: من كتم سره كان خياره بيده.
وقال أكثم بن صيفي: سرك من دمك، فأنظر أين تريقه! وقال بعضهم:
ولو قدرت على نسيان مثال أشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نثرها يوما على خطر
ويقال: من ضاق صدره، اتسع لسانه. وسيأتي ما قيل في كتمان السر مستوفي.
وقال آخر في طبيب:
لأبي العيص ألف قتيل ... كان يوم وليس ذا بعجيب
أيّها الناس إنَّ ذا لغريبٌ ... ملك الموت في ثياب طبيب
وقال آخر:
عد عني لست من أربي ... كان هذا حين كنت صبي
وجنة كانت أبا لهب ... فغدت حمالة الحطب
وقال أبن المعتز:
شهر الصيام مبارك ... لو لم يكن في شهر آب
стр. 294
خفت العذاب فصمته ... فوقعت في عين العذاب
وقلت أنا معارضا على هذا الأسلوب:
شهر الصيام مارك ... ولا سيما في شهر آب
إنَّ الصدى في حره ... يشفي صدى يوم الحساب
وينيل ورد السلسبيل ... ورشف معسول الرضاب
وقال أبو الغريب:
سقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب
كان الخليل فأضحى قد تخونه ... مر الزمان وتطيعني به الثقب
يا صاح بلغ ذوي لزوجات كلهم ... أنَّ ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب!
كان أبو الغريب هذا شيخا، فتزوج ولو يولم. فاجتمع الفتيان ول خبائه، فصاحوا به: أولم ولو بيربوع، ولو بقدرٍ، مجدوع، قتلتنا من الجوع! فأولم. فلما عرس غدوا عليه فقالوا:
يا ليت شعري عن أبي غريب ... إذ بات في مساحب وطيب
معانقا للرشا والربيب ... أأجمد المحفار في القليب
أم كان رخوا يابس القضيب؟
فصاح: يابس القضيب والله! ثم انشأ يقول: سقيا لعهد الخليل " الأبيات ". يريد قضيبه.
وقوله عرى الذنب يريد عرى الذكر، وهو العصب.
وقال الحماسي
أنخ فاصطنع قرصا إذا اعتادك الهوى ... بزيت لكي يكفيك فقد الحبائب
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... نسيت وصال الغنيات والكواعب
فدع عنك أمر الحب لا تذكرنه ... وبادر إلى تمر معد ورائب
وفي هذا الكلام خلل وتدافع يغتفر في جانب الهزل والتلميح.
ومن معنى هذا ما روي أنَّ حميد المهلبي، وكان من النعماء، جلس يوما إلى
стр. 295
قينة كاز يهواها، فجعلت تحدثه. فلما طال المجلس وغلب عليه الجوع قال لها: مالي لا أسمع للغداء ذكراً؟ فقالت له: أما تستحي؟ أليس في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها جعلت فداك! لو أنَّ جميلاً وبثينة جلسا ساعة يتحدثان ولم يأكلا فيها شيئاً لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا! ولعل هذا القد يكفي من الباب، فلنمسك العنان خشية الطول،) والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (.
стр. 296
باب التاء والمثناة
تتابعي بقر !
يقال بعت الرجل بالكسر أتبعه إذا مشيت وراءه؛ وكذا أتبعته، وتتابعوا: اتبع بعضهم بعضا، والبقر معروف يطلق على الإنسية المعروفة وعلى الوحشية، كقول الشاعر يصف نساء:
أشبهن من بقر الخلساء أعينها ... وهن أحسن من صيرانها صورا
وهن أربع أصناف: المها والأيل واليحمور والتيثلز وأصل المثل أنَّ بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد وجدب، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على راس الجبل ورماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: تتابع بقر!، حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه فأعلمهم بها فأخذوها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته. وعلى هذا فبقر منادى، تتابعي يا بقر. وحذف منه حرف النداء وإنَّ كان اسم جنس، وهو جائز على قلة، كقوله: ثوبي حجر! وقال الشاعر:
فقلت له: عطار هلا أتينا ... بريح الخزامى أو بخوضة عفرج؟
أتبع الفرس لجامها، والناقة زمامها، والدلو رشاءها .
ويقال أيضاً: أتبع المهرة لجامها الخ. وتقول اتبعت زيداً إذا سبقك فلحته، واتبعته كذا إذا جعلت ذلك تابعا له: والفرس معروف، يقع على الذكر والأنثى والمهر ولد الفرس، وقيل أوّل ما ينتج منه ومن غيره؛ والأنثى مهرة. قال عنترة:
لمّا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب!
وقال حميدة بنت النعمان بن بشير:
وما أنا إلاّ مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
стр. 297
والناقة معروفة، جمعها ناق ونوق وانوق ويهمز واونق واينق على القلب وانواق والزمام بكسر الزاي: ما يشد به جمعه أزمة والدلو معروف مؤنث وقد يذكر جمعه أدل ودلاء ودلي والرشاء بكسر الراء والمد: الحبل وهمزته مقلوبة عن واو جمعه ارشية وقال زهير:
فشج به الأماعز وهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء
أي شج هذا الحمار المذكور يعني علا بها أي بالأتان الاماعز وهي الأمكنة الغليظة وهي تهوي أي تسرع إسراع الدلو أسلمها الرشاء أي انقطع عنها حبلها فهوت إلى قعر البئر ولا أسرع منها حينئذ ومعنى جملة المثل ظاهر وهي عند التفصيل ثلاثة أمثال ومقصدها واحد تضرب عند الأمر باستكمال المعروف وإتمام الصنع. وسببه إنَّ ضرار بن عمرو أغار على حي عمرو بن ثعلبة وعمرو غير حاضر. فلما حضر تبعه فلحقه قبل أن يصل إلى أرضه فقال له: " رد علي أهلي ومالي! " فردهما عليه فقال له: " رد علي قياني! " فرد عليه القينة الرابعة وحبس ابنتها سلمى. فقال له حينئذ: " يا أبا قبيضة اتبع الفرس! " الخ. وفي معنى الجملة الأخيرة قول الحماسي قيس بن الخطيم:
إذا ما شربت أربعا خط مأرزي ... واتبعت دلوي في السماح رشاءها
يقول إذا شربت من الراح أربعا: يعني أربع اكؤس خط مأرزي أي جررت ردائي خيلاء واتبعت دلوي في السماح رشاءها أي تخلقت بالسماحة والفضل فأعطيت البذل وأوسعت الطول. وهم يفتخرون بالسماح حال السكر لأن ذلك من مكارم الأخلاق التي يحركها الثمل والنشوة كما قال طرفة:
لا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الشول والكوم البكر
فإذا ما شربوها وانتشروا ... وهبوا كل آمون وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
والآمون كصبور التي يؤمن عثارها من النوق والطمر الوثاب من الخيل. يقول: إذا سكروا جادوا بالنجائب من الإبل والعتاق من الخيل. وقوله يلحفون الأرض هداب
стр. 298
الأزر أي يجرون هداب الأزر على الأرض. هو كصدر بيت أبن الخطيم. وابلغ من هذا في الافتخار واشمل للوصف بالسماح حالتي السكر والصحو معا قول عنترة:
فإذا انتشيت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما اقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وكقول امرئ القيس يمدح أخاه سعد بن الضباب:
وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله من يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
وهذا من الشعر الذي يوضع على كرائم الإحداق وترصع به نفائس الأطواق غير أن فيه ثلبا خفيفا هو توالي القبض! ومن ذا الذي يسلم من الاعتراض عند العرض؟ وقول طرفة " لا تعز الخمر إن طافوا بها " يريد: لا يعجزون عن شرائها لغلائها إنَّ جاءوا مريدين لها بل يبذلون فيها الشول والكوم البكر أي التي بكرت بالنتاج وهي احب أموالهم وهو كقول عنترة:
بذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
وتقدم تفسيره. وهذا الوصف مدح عندهم لكن ما دام باقيا على سنن الاقتصاد والعدل وقد يمتدحون بإنفاق المال في النوائب واقتناء المحامد وترك أنفاقه في الشهوات كقول زهير في حصن بن حذيفة:
أخ ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله
ومحتمل لأن يكون نفيا للوصف الخاص وهو الإتلاف في الخمر أو الفعل من اصله وهو الأنفاق فيها المؤدي إلى ذلك.
اتبع من الظل .
الاتباع تقدم والظل معروف قيل وهو الفيء وقيل الظل بالغداة والفيء بالعشي وقد يستعمل في سواد الليل. قال ذو الرمة:
стр. 299
قد اعرف النازح المجهول معسفه ... في ظل اخضر يدعو هامه البوم
قال في الصحاح: وهو استعارة لأن الظل في الحقيق إنّما هو ضوء شعاع الشمس دون الشعاع. فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل. والمقصود من المثل إنَّ ظل الحيوان ونحوه تابع له أينما تحرك وملاصق له أينما تقلب لا يفارقه ولا يتلكأ عنه فضرب به المثل لذلك في كل تابع. ويسمى الظل تبعا على مثال سكر أما لهذا المعنى وأما لأنّه يتبع الشمس كما قيل. واحسن بعض الشعراء في ذكر الظل حيث قال:
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا ... فإذا ما ملت عنه اتبعك
اتجر من عقرب .
يقال: تجر في الشيء يتجر على مثال كتب يكتب فهو تاجر والتاجر من يبيع ويشتري في كل شيء وجمعه تجار وتجر. وقد يطلق على بائع الخمر خاصة وهو الكثير الاستعمال عند الأعراب في الجاهلية.
قال امرؤ القيس:
كأن التجار اصعد بسبيئه ... من الخص حتى أنزلوها على يسر
وقال أيضاً:
إذا ذقت فاها قالت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر
والعقرب معروف يذكر ويؤنث وعقرب في المثل اسم رجل كان بالمدينة وكان من اكثر الناس تجارة وأشدهم مطلا وتسويقا حتى ضربوا بمطله النثل ويحكى إنّه اتفقت له معاملة مع الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان هو من اشد الناس اقضاء. فقال الناس: ننظر الآن ما يصنعان. فلما حل الأجل لزم الفضل باب عقرب وقيد حماره بالباب وقعد يقرأ القرآن. فأقام عقرب على المطل غير مكترث به. ثم إنَّ الفضل ترك ملازمة بابه واشتغ بهجائه. فمما اشتهر عنه فيه قوله:
стр. 300
قد تجرت في سوقنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره
كل عدو كيده في أسته ... فغير مخشي ولا ضائره
كل عدو يتقلى مقبلا ... وعقرب يخشى من الدابره
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره
وحكي إنَّ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كان في صباه هو وزوج أخته الشيخ تقي الدين بن الشيخ ضياء الدين يلعبان الشطرنج فأذن العشاء فقاما فصليا فقال الشيخ تقيي الدين: أما نعود؟ فقال صهره:
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة
فانف الشيخ من ذلك ولم يعد إلى إنَّ مات رحمه الله تعالى.
تحفة المؤمن الموت .
وهو حديث والتحفة البر والصلة والبرة من الفاكهة ونحوها وتاؤه أصلية. يقال أتحفته. وحكى أبى أبن الأثير عن الأزهري إنَّ أصل التحفة وحفة فأبدلت الواو تاء. وعليه يكون موضعه الواو. والمعنى إنَّ المؤمن إنما ينجو من أذى الدنيا وأهوالها وأحزانها أدارها ويصل إلى ما اعد له عند الله من الخير وهيئ له من الكرامة بالموت. كما قيل:
قد قلت إذا مدح الحياة وأسرفوا: ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان عذابه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف
أتخم من الفصيل .
التخمة بفتح الخاء كهمزة وتسكن في الشعر: داء يصيب من أكل الطعام معروف الجمع تخم وتخمات. يقال: تخم بفتح الخاء وكسرها وأتخم: أصابه ذلك وأتخمه الطعام. وهذا الطعام متخمة يتخم به. وأصل التخمة وخمة من قولك: وخم الطعام والنبات فهو وخيم إذا لم يوافق. وتوخمه واستوخمه إذا لم يستمره. وذكرناه في هذا الباب نظرا إلى ظاهر اللفظ: فإنَ الواو مستهلكة بالإبدال حتى وقع تصرف الفعل. والفصيل، بصاد مهملة: ولد الناقة إذا فصل عن
стр. 301
أمه ويوصف بالتخمة. وقالوا لأنه يفرط في الرضاع أكثر مما يطيق.
فائدة في ذكر أسنان الإبل. قال أهل اللغة: إذا وضعت الناقة، فقبل إنَّ يعلم أذكر ولدها أم أنثى، ولدها سليل، فإذا علم، فإن كان ذكرا فهو سقب، بفتح السين المهملة وسكون القاف، وأمه مسقب؛ وإنَّ كانت أنثى فهي حائل، وأمها أم حائل، كما قال الهذلي:
فتلك التي لا يبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
ومتى جاءت الناقة بذكر قيل أنَّ ذكرت، فهي مذكر؛ وإنَّ جاءت بأنثى قيل أنثت، فهي مؤنث. فإنَ كان من دأبها أن تلد الذكور قليل هي مذكار. قال النابغة على وجه التمثيل:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار
وإنَّ كان دأبها الإناث فهي مئناث؛ فإذا اشتد ولدها ومشى معها فهو راشح وهي مرشح؛ فإذا حمل في سنامه شحما فهو مجد ومكعد، ثم هو ربع، على وزن صرد. والذي يقوله الكثيرون إنَّ الربع ما نتج في أوّل الناتج كما إنَّ الهبع - بوزنه - ما نتج في أخره؛ ثم هو حوار، بضم الأول؛ فإذا فصل عن أمه، أي فطم عنها، فهو فصيل؛ فإذا أتى عليه حول فأبن مخاض، ولذلك قيل:
وجدنا جعفر فضلت فقيما ... كفضل أبن المخاض على الفيصل
والأنثى بنت مخاض. وسمي أبن مخاض لأن أمه لحق بالمخاض من النوق، أي الحوامل وإنَّ لم تكن حاملا، فإذا استكملت السنة الثانية ودخل في الثالثة فصار لأمه لبن وكانت لبونا، فهو أبن اللبون، فإذا دخل في الرابعة فهو حق والأنثى حقة. وسمي بذلك لاستحقاقه أنَّ يحمل عليه ويركب؛ فإذا دخل في الخامس فهو جذع والأنثى جذعة؛ فإذا دخل في السادسة فهو ثني والأنثى ثنية؛ فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعية؛ فإذا دخل الثامنة فهو سديس وسدس بفتح الدال للذكر والأنثى، وقد يقال الأنثى سديسة؛ فإذا دخل في التاسعة فهو بازل للذكر والأنثى؛ فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف. ولاسن بعد هذا، وإنما يقال بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام وعامين. وما ذكرنا في أوائل الأوصاف هو طريقة بعض
стр. 302
اللغويين، وليس هذا محل بسط اللغة.
تركت الرأي ببقة .
ويروى: ببقة تركت الرأي. وهو مثل قاله قصير بن سعد لجذيمة لمّا صار في بلد الزباء. وتقدم هذا مستوفى. وفيه قال عدي بن الرقاع:
دعا بالبقة الأمناء يوما ... جذيمة ينتحي عصبا ثمينا
فطاوع نفسه وعصى قصيراً ... وكان يقول: لو نفع اليقينا!
وقال نهشل بن ضمرة:
ومولي عصاني واستبد بأمره ... كما لم يطع باليقين قصير
ترك الخداع من أجرى من المائة .
الترك معروف، والخداع: الختل والمكر، والخداع والمخادعة المخاتلة؛ والمائة حذف مميزة أي مائة غلوة، والغلوة بالفتح: ما بين موقف الرامي ومسقط سهمه. يقال: غلوت بالسهم غلوا وغلوا، وغاليته، وغاليت به: رفعت به إلى أقصى الغاية. وكل مرماة فهي غلوة وكان أصل المثل إنَّ الرهان، لمّا وقع بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر الفزاري أو أخيه حمل بن بدر، قال حذيفة: خدعتك يا قيس، ترك الخداع من أجرى من المائة! يريد أن أجرى فرسه وأرسله من مائة غلوة، فقد كشف أمره ولم يبق خداع. وقيل إنَّ أحد المتخاطرين في الرهان المذكور قال لصاحبه: الغاية على حكمي. فقال: الغاية مائة غلوة. قال: أتخدعني؟ فقال: ترك الخداع من أجرى من المائة. يضرب للرجل الذي قد حنكه السن مع العقل والحزم.
تركت فلانا بملاحس البقر أولادها .
ويقال: تركته بملحس البقر. والملاحس جمع ملحس، وهو مفعل من اللحس. يقال: لحس القضعة ونحوها بالكسر، يلحسها لحسا؛ والملحس يكون مصدراً
стр. 303
بمعنى اللحس ومكانا له كما في النظارة. والمعنى: تركته بمكان ملحس البقر أولادها أي بحيث تلحس البقر أولادها يعنون به مكان البقر.
تركته ترك الظبي ظله .
الظبي معروف وجمعه اظب وظباء وظبي وظله بكسر الظاء المشالة: ما يأوي إليه ويستظل به من حر الشمس. وهو إذا تركه لا يعود إليه أبداً. فيضرب للرجل عند نفوره. وعبارة صاحب القاموس: اتركه ترك الظبي ظله وهو نحو مما كتبنا نحن. وفعل ذلك لبيان إنَّ الراء في ترك ساكنه وهو مصدر أضيف إلى فاعله وكمل بمفعول أي تركا يشبه ترك الظبي لظله وقال: إنَّ فتح الراء من ترك كما عند الجوهري وهم.
قلت: وهو كذلك في صحاح الجوهري مضبوطا بالقلم مفتوح في النسخة. ولعل الرواية كذلك عنه وإلاّ فهو محتمل لأن يكون مسكنا. وهو مصدر عاملة مقدرة وهو الذي أظهرناه أو ما يشبهه. ثم على الفتح لا مانع من صحته إنَّ تكلمت به العرب كذلك. ويكون فعلا ماضيا والظبي فاعله. فإذا نفر أحد من شيء نفرة عزما حسن إنَّ يقال: ترك الظبي ظله أي إنّه ذهب مذهبا لا مرجع فيه كأنه ظبي ترك ظله.
تركته كجوف الحمار .
ويقال: هو كجوف حمار ويقال كجوف عير ومعناه خال لا خير فيه. واختلف العلماء فيه فقيل: المراد الحمار المعروف وجوفه ليس فيه شيء ينتفع به فلا خير فيه. وقيل: المراد حمار أبن مويلع وهو رجل من عاد وله موضع يقال له جوف كان يزدرعه احرقه الله تعالى واحرق ما فيه لمّا كفر بالله تعالى. وفيه يقال اكفر من حمار كما سيأتي. قال امرؤ القيس:
وخرق كجوف العير قفر مضلة ... قطعة بسام ساهم الوجه حسان
قال شارح ديوان عاصم بن أيوب: قول كجوف العير قال أبن الكلبي: هو واد باليمن
стр. 304
قفر لا شيء به. قال: وقال القتبي: أراد كجوف الحمار. والحمار وإنَّ كان ذكيا لا ينتفع به ولا بشيء من حشاه فكأنه خال من كل خير. وقيل: وهو رجل من بقايا عاد كان يقال له حمار بن مويلع وكان على التوحيد فأصابت بنين به عشرة صاعقة فأحرقتهم فغضب وقال: لا اعبد ربا فعل بي هذا! ومال إلى عبادة الأوثان ومنع الضيفة. فأرسل الله عليه نارا فأحرقته وأحرقت جوفه وهو موضع كان يزدرعه من جميع ما كان فيه وجميع من دخل معه في عبادة الأوثان فاصبح الجوف كأنه الليل المظلم. فضربت العرب المثل قالوا: وادي الحمار وجوف العير. وقال أبن دريد: إذا قالت العرب: كأنه جوف حمار فأنهم يريدون وصف الموضع الخريب الوحش. وقال: أما جوف حمار فكان لحمار بن مالك أبن نصير بن أسد وكان جبارا عاتيا. فبعث الله عليه نارا فأحرقت الوادي بما فيه وصار مثلا.
تركتهم لحما على وضم .
اللحم معروف بسكون الحاء ويجوز فتحها والوضم بفتحتين: ما وقي به اللحم من خشب وحصير ونحوهما. قال الشاعر:
ليس براعي ابل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
جمعه اوضام واوضمة. تقول وضمت اللحم بفتح الضاد إذا عملت له وضما أو وضعته على الوضم واوضمته واوضمت له إذا عملت وضما وتقول: تركتهم لحما على وضم أي مثل اللحم المجعول أي مثل اللحم المجعول على الاوضام وذلك إذا أوقعت بهم وأوجعت فيهم. قال الحماسي:
وتركتنا لحما على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم
وقال البوصيري في معناه:
ما زال يلقاهم في كل معترك ... حتى حكوا بالقنا لحما على وضم
وقال صفي الدين الحلي:
أبيت والدمع هام هامل سرب ... والجسم في أضم لحما على وضم
стр. 305
ترك الوطن أحد السباءين .
الوطن بالفتحتين معروف والسباء بالكسر والمد: الأسر. يقال: سبى عدوه يسبيه سبيا سباء واستباه إذ أسره. والمعنى إنَّ الخروج من الوطن ومفارقة الأهل والسكن شبيه بالسباء نوعان: أحدهما الأسر والآخر: السفر فسار السفر أحد السباءين وهذا ذم له. وتقدم في ذم السفر ومدحه من الآثار والأشعار ما أغنى عن الإعادة. وسيأتي ذكر ما في هذه التثنية الواقعة في السباء إن شاء الله تعالى.
اتق مأثور القول !
التقوى معروف والمأثور: المروي المحكي. والمثل لحمل بن بدر قاله يوم الهباءة وهو اكبر أيام حرب داحس بين عبس وذبيان وسبب الحرب كلها. وصدور المثل على ضرب من الإيجاز والاختصار إنَّ قيس بن زهير فيما يزعمون وهو من بني عبس كان اشترى من مكة درعا تسمى ذات الفضول فاغتصبها منه عمه الربيع بن زياد وكان سيد عبس. فغضب قيس وتحل عنهم ونزل على بني ذبيان وسيدهم إذ ذاك حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر فأكرموه واحسنوا جواره. ثم إنَّ قيس بن زهير وحذيفة بن بدر تراهنا يوما على خطر عشرين بعيرا وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الاصاد. فاجرى قيس داحس والغبراء وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء. فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا في الطريق. فلما جاءت الغبراء وكانت سابقة لطموها وردوها. فقال قيس: سبقت فدفعوه عن ذلك حتى وقع بينهم الشر. فطلب منهم قيس بعيرا واحدا فقال جذيمة: ما كنا لنقر لكم بالسبق فلما رأى قيس ذلك ترحل عنهم وفارقهم. ثم إنّه أغار فلقي عوف بن بدر أخا حذيفة فقتله ووداه مائة ناقة عشراء. ثم خرج مالك بن زهير أخو قيس فلقيه حمل بن بدر فقتله. فأرسل قيس إلى حذيفة إنَّ اردد علينا ابلنا فقد قتلت مالك بن زهير بعوف بن
стр. 306
بدر. وكانت الإبل قد تناجت عند حذيفة فدفعها دون أولادها. وامتنعت عبس إلاّ إنَّ يقابلهم ابلهم بأولادهم فهاجت الحرب بين الفريقين ودامت أربعين سنة فيما يزعمون إلى إنَّ اصلح بينهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان كما سنذكر. وكانت بنو عبس وتروهم فاجتمعت القبائل وحلفاؤها وتعاقدوا وتحالفوا فسار حذيفة إلى عبس في جموع لا تحصى. فلما رأت عبس ذلك اجتمعوا إلى قيس بن زهير فقالوا له " ما الرأي؟ فقال: خلوا الأموال والظغن وادخلوا في الشعب فإنَ الجموع إذا رأت الظعائن لا رجال فيها أمنوا فغنموا وتفرقوا فتدركوا منهم حاجتكم! فلما أشرفت جموع حذيفة على أموال بني عبس ظنوا انهم فروا فأمنوا وغنموا وجعل الجل يطرد ما قدر عليه من الأموال. فلما تفرقوا كرت عليهم خيل عبس فوضعت فيهم السلاح وانهزموا. وأسرفت في القتال حتى ناشدهم بنو ذبيان البقية وكان يوم شديد الحر. فمضى حذيفة وأخوه حمل حتى استغاثا بجفر الهباءة فنزلا ومعهما ورقاء بن بلال ونزعوا سلاحهم وسرجهم واقعدوا ربيئة يتطلع ولم يكن لعبس هم إلاّ في حذيفة. فبعثوا الخيل تقص أثره. فنظر الربيئة فقال: إني أرى شخصا كالنعامة فلم يكترثوا به وجعلوا يتحدثون فأذاهم بخيل عبس قد لحقهم وحالت بينهم وبين خيلهم. فلما حملوا عليهم وهم في الجفر قال حذيفة: يا بني عبس فأين الأحلام؟ فضرب أخوه حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول فأرسلها مثلا. يريد: انك تقول قولا تتذلل فيه وتخضع وتقتل ولا ينفع فتشتهر عنك أخباره ويبقى عليك عاره. فقتلوا حذيفة ومن معه وتمزقت بنو ذبيان.
ولا يخفى إنَّ هذا المثل حقه إنَّ يذكر في غير هذا الباب لكن الواو لمّا استهلكت بالإبدال اعتبرنا الظاهر تقريبا. وداحس بالدال المهملة على وزن فاعل من الدحس وهو الدفع. وسنئتي بذلك لأن أباه ذا العقال وهو فرس كان لرجل يسمى حوطا خرجت به جاريتان له يومان تقودانه فمرتا به على فرس أنثى لقرواش تسمى جلواء وهي إذ ذاك وديق والو الديق بالدال المهملة: المشتهية الفحل ومنه المثل الآتي: ودق العير إلى الماء فلما رآها ذو العقال ودق. فضحك شباب منهم فاستحيت الجاريتان فأرسلتا مقوده فزنا عليه. فلما جاء حوط وكان رجلا سيئ الخلق عرف النزو
стр. 307
في عين ذي العقال فغضب وقال: أعطوني ماء فحلي فلما رأوا الخطب قد عظم قالوا: دونك وماء فحلك فأخذ الفرس وجعل يده في الماء والتراب وادخل اليد في رحمها حتى إنّه استخرج الماء. وقد اشتملت الرحم على ما فيها فنتجت قروش مهرا اسمه داحسا لدحس حوط إياه وخرج كأنه ذو العقال أبوه. ثم إنَّ قيس بن زهير أغار على بني يربوع فغنم فرأى داحس قد ركبه فتيان فقطعها الخيل ونجوا. فاعجب به قيس ودعا إلى إنَّ يجعله فداء المغنم كله. فأطوه إياه وكان سبب الحروب حتى قيل: أشأم من داحس وسيأتي. والخطار بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة بعدها ألف فراء وهم فرس لحذيفة والحنفاء: فرس له أيضاً تأنيث الأحنف. والحنف قيل هو الاعوجاج في الرجل وقيل أن يقبل إحدى إبهامي الرجل على الأخرى وقيل ميل في صدور القدم وقيل المشي على ظهر القدمين من شق الخنصر.
ويذكر في هذه القصة أيضاً أن حذيفة أجرى قرزلا والقرزل بالقاف والراء والزاي على وزن جحذب وهو فرس لحذيفة أيضاً ويحتمل إنّه الخطار المذكور. وقد قيل في هذه القصة إنَّ الصحيح إنَّ الرهان إنّما وقع بين قيس وحمل بن بدر لا حذيفة وإنَّ فرس قيس داحس وفرس حمل الغرباء. وفي القصة اضطرابات كثيرة اضربنا عنها. والهباء بفتح الهاء ثم باء موحدة وبعد الألف همزة مقلوبة عن واو ثم هاء التأنيث وهي أرض لغطفان فيها ماء. وفي الفرسين يقول عنترة بن معاوية بن شداد العبسي يرثي مالك بن زهير:
لله عين من رأى مثل مالك ... عقير قوم إنَّ جرى فرسان
فليتهما لم يجريا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان
وليتها ماتا جميعا ببلدة ... وأخطاهما قيس فلا يريان
وكان لهى الهيجاء يحمى ذماره ... ويضرب عند الكرب كل بنان
لقد جلبا حينا وحربا عظيمة ... تبيد سراة الحي من غطفان
وقال الربيع بن زياد أيضاً عم مالك المذكور يرثيه:
إني أرقت فلم اغمض حار ... من سيء النبل الجليل الساري
стр. 308
من مثله يمشي النساء حواسرا ... وتقوم معولة مع الأسحار
أبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجوا النساء عواقب الأطهار؟
ما أن أرى في قتله لذوي النهى ... إلاّ المطي تشد والاكوار
ومجنبات ما يذقن عذوقة ... يقذفن بالمهرات والامهار
ومسارعا صدأ الحديد عليهم ... فكأنما طلب الموجوه يقار
من كل سرور بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسر يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار
قد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدون للنظار
يضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار
قوله: حار أراد يا حارث قوله: ترجوا النساء عواقب الأطهار يريد إنَّ النساء لا يأتين بمثله وفي عروض هذا البيت عيب القطع وهو لا يجوز إلاّ مع التصريع. والمنجبات: خيل يركبون الإبل فيقودونها هي لا يركبونها إلى موضع الغارة لتجم. ويقال ما ذقت عذوفا بالذال المعجمة وتهمل في لغة ربيعة وبالفاء أي شيء. ويقال عذوقا وعذوقة فإنَ كانت الرواية بغير هاء التأنيث ففي هذا العروض أيضاً عيب السابق. والمساعر جمع مسعر وهو الذي يسعر الحرب. قوله: قد قمن قبل تبلج الأسحار هكذا في الرواية. والجملة حال أي بجد النساء عند وصوله يندبنه وقد كن قمن إلى ذلك من الليل قبل تبلج الأسحار واستمررن على البكاء إلى وقت مجيئه. ويروى: يندبنه بالصبح قبل تبلج الأسحار. وقالوا يعني بالصبح هنا الحق والأمر الجلي وليس بظرف. ولا بد فيه مع ذلك من التقدير الذي في الرواية الأولى. ويصح إنَّ يكون الصبح أطلق على آخر الليل لقربه منه مجازا أو يكون على بابه. وقوله قبل تبلج الأسحار معمول لفعل مقدر كما في الرواية الأولى أو معمول ليندبه. ويكون بالصبح معمولا لحواسر على الألف والنشر مع تكلف. وأفاد بالبيتين انهم أدركوا ثأرهم لأن القتيل عند العرب لا يبكى حتى يؤخذ بثأره. وقال قيس بن زهير يرثي حمل بن بدر وهو أوّل من رثى مقتوله:
стр. 309
تعلم إنَّ خير الناس ميت ... على جفر الهباء لا يريم
ولولا ظلمه مازلت أبكي ... عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغنى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني: ... فمعوج علي ومستقيم
وفي ذلك قال أيضاً:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
قتلت باخوتي سادات قومي ... وهم كانوا لنا حلي الزمان
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم اقطع بهم إلاّ بناني
فائدة: حمل بن بدر المذكور بفتح الحاء المهملة وفتح الميم على لفظ ولد الضان. وفيه قال الشاعر:
ليت شعري يلحق الهيجا حمل ... ما احسن الموت إذا حان الأجل
وتمثل بهذا الشعر فيما ذكر سعد بن معاذ ﵁ يوم الخندق. قال البكري: وفي همدان حمل بن زياد بن حسان بفتح الحاء وضم الميم وقي مدحج جمل كنانة بفتح الجيم والميم كلفظ واحد الجمال وفي كنانة خمل بن شق يعني بالخاء المعجمة مضمومة وتسكين الميم والله اعلم.
وأما سبب الصلح بينهم على الحارث بن عوف فهو إنَّ الحارث قال يوما لخارجة بن سنان: أتراني اخطب إلى أحد من العرب فيردني؟ قال: ومن هو؟ أوس بن حارثة في بلاده. فلما رأى الحارث قال: مرحبا بك يا حار قال: ويك! قال: وما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قال: ليست هناك فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوس إلى امرأته مغصبا وكانت من عبس فقالت: من الرجل الذي وقف عليك؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال إنّه استمحق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني
стр. 310
خاطبا. قالت: أف تريد تزويج بناتك؟ قال: نعم! قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذاك. قالت: فتدرك ما كان منك! قال بماذا؟ قالت: بأن تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول انك لقيتني مغضبا بأمر. فانصرف ولك عندي ما تحب فانه سيفعل فركب حارة في أثره. قال خارجة: فو الله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته فأقبلت على الحارث وما يكلمني غنا. فقالت: هذا أوس بن حارثة قال: وما نصنع به؟ امض فلما رآنا لا نلتفت صاح: يا حار أربع علي فوقفنا له فكلمه بذاك الكلام فرجع مسرورا. ودخل أوس فقال لامرأته: ادعي لي فلانة كبرى بناته. فأتته فقال: يا بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب وقد جاء خاطبا. فأردت إنَّ أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة وفي خلقي بعض الحدة ولست بابنة عمه فيرعى رحمي وليس بجارك في البلد فيستحي منك ولا آمن إنَّ يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي وصمة. قال: قومي بارك الله فيك ثم دعى الوسطى فأجابته بنحو ذلك ثم دعى الصغرى فقال لها قالت: أنت وذلك. قال: إني عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. قالت: لكني الجميلة وجها الصناع يدا الحسيبة أبا. فإنَ طلقني فلا أخاف الله عليه. قال: بارك الله عليك ثم خرج إلينا قال: قد زوجتك بهنسة بنت أوس. قال: قد قبلت. أمر أمها إنَّ تهيئها وتصلح من شأنها. ثم أمر ببيت فضرب له وادخله إياه. فلما أدخلت إليه لبث هنيئة ثم خرج ألي فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله لمّا مددت يدي إليها قالت مه اعند أبي واخوتي؟ هذا لا يكون قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدم فتقدمت فعدل بها عن الطريق فما لبث إنَّ لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قالت لي: اكما يفعل بالأمة الجليبة والسبية الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر الجزور وتذبح الغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي. قال خارجة: فقلت: والله لأري هيئة عقل وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. ثم سرنا حتى دخلنا بلادنا. فأحضر الإبل والغنم ثم
стр. 311
دخل إليه وخرج. فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت: ولم ذلك؟ قال: دخلت عليها أريدها فقلت: قد أحضرنا من المال ما ترين. قالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك قلت: كيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا؟ تعني عبسا وذبيان قلت: فتقولين ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى اهلك فلن يفوتك قلت: والله إني لأرى عقل وهمة ولقد قالت قولا فاخرج بنا فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على إنَّ يحسبوا القتلى من الفريقين ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه. فحملنا عنهم الديات وكانت ثلاثة آلاف بعير. وفي هذا الصلح يقول زهير يمدحهما:
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
يموينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبس وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
وعاش الحارث حتى أدرك النبي ﷺ فأسلم رحمه الله تعالى.
تلك التجارة لا انتقاد الدرهم .
هذا في قول القائل:
وإذا شكا مهري الي حرارة ... عند اختلاف الطعن قلت له: اقدم
إنني بنفسي في الحروب لتاجر ... تلك التجارة لا انتقاد الدرهم
ومعناه ظاهر.
تمرة خير من جرادة .
التمر بالمثناة الفوقانية وسكون الميم معروف وهو ما يبس من حمل النخيل. الواحدة تمرة والجمع تمرات وتمور وتمران والتمار بائع التمر والتمري من يحبه. وأما الثمر بالمثلثة وفتح الميم فهو حمل الأشجار كلها. والجراد معروف الواحدة جرادة والمثل ظاهر مشهور.
стр. 312
التمر في البئر على ظهر الجمل .
التمر تقدم والبئر معروف وكذا الجمل. وأصل المثل إنَّ المنادي كان يقوم في الجاهلية على اطم من اطام المدينة فينادي بذلك الكلام حتى يدرك التمر أي: من سقى نخيله بمياه الآبار على ظهور الجمال بالسواني وجد التمر وحمد عاقبة الأمر وأدرك غاية السقي ونجاح الرأي. وهذا كما تقول: الزرع في تحريك الأرض وتزبيلها والعنب في زبر الكرم وسقياه. وهذا كله تحضيض على أحكام الأسباب والاعتناء بالسوائل وتنبيه على إنَّ المقاصد منوطة بها ومرتبط صلاحها بصلاحها. وقريب منه المثل الآخر: وهو قولهم: عند الصبح يحمد القوم السرى وقول القائل:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن الزرع
اتميميا مرة وقيسيا أخرى ؟
يضرب لمن يتلون ويختلف كلامهم يقف على حال أي: أتنتسب إلى تميم مرة وإلى قيس مرة أخرى؟ وتميم وقيس قبيلتان عظيمتان من قبائل العرب. أما تميم فهو تميم بم مر بم آد بن طابخة بالباء الموحدة والخاء المعجمة بن الياس بن مضر بن نزار وأما قيس فهو قيس بن عيلان بفتح العين المهملة واسمه الياس بن مضر بن نزار وقيس لقب له. وقد قيل إنَّ عيلان هو أبو قيس. ويدل لصحته قول الحماسي:
لحى الله قيسا عيلان إنّها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت
فشاول بقيس في الطعان ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت
إلاّ إنّما قيس بن عيلان بقة ... إذا شربت الماء العصير تغنت
فصرخ بأنه أبن عيلان. وبين القبيلتين أبداً منافرات ومكافحات ومقاتلات. ومن ثم اشتهر بينهما التقابل كما في هذا المثل وشاع عند البيانيين في باب القصر التمثيلي بقولهم: فلان تميمي مراعاة لهذا الأمر. وفي بعض الأخبار قال رسول الله ﷺ : يا أبا الدرداء إذا فاخرت ففاخر بقريش وإذا كاثر فكاثر بتميم وإذا حاربت فحارب بقيس إلاّ إنَّ مجوهها كنانة
стр. 313
ولسانها أسد وفرسانها قيس إلاّ إنَّ لله فرسانا في سمائه وهم الملائكة وفرسان في الأرض وهم قيس وإنَّ آخر من يقاتل عن الإسلام حين لا يبقى إلاّ ذكره ومن القرآن إلاّ اسمه لرجل من قيس. قلت: يا رسول الله من أي قيس؟ قال: من سليم.
وسار معاوية يوما فإذا هو براكب فقال لبعض أصحابه: علي به من غير ترويع فاتاه وقال: اجب أمير المؤمنين فقال: إياه أدرت. فلما دنا حسر اللثام وانشد:
معاوية لم أزل آتيك تهوي ... برحلي نحو ساحتك الركاب
تجوب الأرض نحوك ما تأبى ... إذا ما الاكم قنعها السراب
وكنت المرتجى وبك استغثت ... لتنعشها إذا بخل السحاب
فإذا ليلى الاخيلية فهش لها معاوية وأمر لخها بخمسين بعيرا. ثم سألها عن مضر فقالت: فاخر بقريش وحارب بقيس وكاثر بتمبم وناطق بأسد وتقدم إنَّ هذا في الحديث وسيأتي تمام حديث ليلى في الأعيان. ويسمى أولاد الياس خندفا وهي اسم أمها ومضر كلها راجعة إلى خندف وقيس.
ومن اظرف من يتفق في هذا النسب ويزيد بصيرة في هذا المقام. ما ذكر أبو علي البغدادي يرفع إلى أبي عبيدة أن يزيد بن شيبان بن علقمة خرج حاجا فرأى حين شارف البلد شيخ يحفه ركب على ابل عتاق برحال ميس ملبسة ادما. قال: فعدلت فسلمت عليهم وبدأت به فقلت: من الرجل ومن القوم؟ فإنَ القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة له فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف من قضاضة. فقلت: حياكم الله وانصرفت. فقال الشيخ: قف أيّها الرجل استنسبتنا فانتسبنا لك ثم انصرفت ولم تكلمنا ويروى: شاممتنا مشامة الذئب للغنم ثم انصرفت قال. قلت: ما أنكرت سوءا ولكنني ظننتكم من عشيرتي فانسبكم فانتسبتم نسبا لا اعرفه ولا أراه يعرفني. قال: فامال الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جذم من اجذام العرب لاعرفنك. قلت: فاني من اكرم اجذامها. قال: فإذا العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة فمن أيهم أنت؟ قلت: من مضر. قال: أمن
стр. 314
الأرجاء أمن الفرسان؟ فعلمت إنَّ الأرجاء خندف وإنَّ الفرسان قيس. قلت: من الأرجاء. قال: أنت إذا من خندف؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم الجمجمة؟ فعلمت إنَّ الأرنبة مدركة وإنَّ الجمجمة طابخة. فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذن من طابخة؟ قلت: اجل قال: افمن الصميم أم من الشويط؟ فعلمت إنَّ الصميم تميم وإنَّ الشويط الرباب فقلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من تميم؟ قلت: اجل قال: افمن الاكرمين أم من الاحلمين أم من الاقلين؟ علمت إنَّ الاكرمين زيد مناة وإنَّ الاحلمين عمرو بن تميم وإنَّ الاقلين الحارث بن تميم. قلت من الاكرمين. قال: فأنت إذا من زيد مناة؟ قلت: اجل قال: افمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت إنَّ الجدود مالك وإنَّ البحور سعد بن زيد مناة وإنَّ الثماد بنو امرئ القيس بن زيد بن مناة. قلت: من الجدود. قال: فأنت إذا من بني مالك؟ قلت: اجل قال: افمن الذرى أنت أم من الارداف؟ فعلمت إنَّ الذرى حنظلة وإنَّ الارداف ربيعة ومعاوية وهما الكرد وسان. قلت: من الذرى. قال: فأنت إذا من بني حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن البدور أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعمت إنَّ البدور مالك وإنَّ الفرسان يربوع وإنَّ الجراثيم البراجم. قلت: من البدور. قال: فأنت إذا من بني مالك بن حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم من اللحيين أم من القفا؟ فعلمت إنَّ الأرنبة دارم وإنَّ اللحيين طهي والعدرية وإنَّ القفا ربيعة بن حنظلة قلت من الأرنبة قال: فأنت إذا من دارم؟ قلت اجل قال: افمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟ علمت إنَّ اللباب عبد الله وإنَّ الهضاب مجاشع وإنَّ الشهاب نهشل. قلت: من اللباب. قال: فأنت إذا من عبد الله؟ قلت اجل قال: افمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت إنَّ البيت بنو زرارة وإنَّ الزوافر الاحلاف. قلت: من البيت. قال: فأنت إذا من بني زرارة؟ قلت: اجل قال: فإنَ زرارة ولد عشرة: حاجيا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيد وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة ومالك فمن أيهم أنت؟ قلت: من بني علقمة ولد شيبان لم يلد غيره فتزوج ثلاثة نسوة: مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له يزيد وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عدس فولدت له المأمور وتزوج عمرة بنت بشر بن عمرو بن عدس فولدت
стр. 315
له المقعد. فلأيهم أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يا أبن أخي ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلاّ كنت في أفضلها حتى زاحمك أخزك فانهما إنَّ تلدني أما هما احب ألي من إنَّ تلدني أمك. يا أبن أخي أتراني عرفتك؟ قلت: أي وأبيك أتم معرفة قال: الميس ضرب من الشجر تعمل منه الرحال وارم القوم: سكنوا والوشيط الخسيس من الرجال والصميم الخالص. وفي معنى هذا المثل الذي نحن فيه قول زفر ابن الحارث لعمران بن حطان: ازدينا مرة واوزعيا أخرى؟ ومن التلون قول عمران المذكور:
فاعذر أخاك أبن زنباع فإنَ له ... في النائبات خطوبا ذات ألوان
يوما يمان إذا لا قيت ذا يمن ... وإنَّ لقيت معديا فعداني
وقول الآخر:
أفي الولائم أولاد لواحدة ... وفي المفاخر أولاد لعلات؟
تيسي جعار .
تيسي بكسر التاء الفوقانية المثناة بعدها مثناة تحتانية ساكنة بعدها سين مهملة. وجعار على مثال حذام وهي الضبع ويقال لها جعار وأم جعار وأم جعور ويقال أيضاً: عيثي جعار. أما تيسي فهي من مادة التيس ولم يذكروا لها فعلا بل قالوا إنّها كلمة تقال في معنى إبطال الشيء وأما عيثي وهو الإفساد واصله عيثي يا جعار قال الشاعر:
فقلت لها عيثي جعار وجرري ... بلحم امرئ لم يحضر اليوم ناصره
وسيأتي تمامه في محله ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:
تحت طريقتك عنداوة .
والطريقة على مثال السكينة الرخاوة واللين والعنداوة: الخديعة والمكر أي تحت إطراق مكر. وهو مثل المثل الآتي: مخرنبق لينباع وسيأتي قولهم:
стр. 316
تركته باست الأرض .
أي تركته عديما فقيرا. وقولهم:
تركته على أنقى من الراحة .
ومما يتمثل به تارة قوله ﷺ : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع.
ومن أمثال العامة الحكيمة في هذا الباب قولهم: اترك الحب تحب أي لا تطمع فيما أيدي الناس يحبونك وإنَّ تكثر غشيانهم يملونك. قال زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوما من الدهر يسام
وفي الأثر المروي: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. ويشبه هذا المثل مسألة الطائر، إنَّ ترك الحبة المعلقة في الفخ نجا، وإنَّ وإنَّ اقتحمها هلك. ومن أمثالهم أيضاً قولهم:
اترك صاحب الغاسول يسكت!
زعموا إنَّ شخصين اصطحبا في طريق، لأحدهما حمل من حديد أو أشبه، وللأخر حمل من الغاسول، وهو طين يغتسل به الرؤوس، فأصابهما مطر في منزل، فجعل صاحب الحديد يتوجه ويتخوف على سلعته من البلل. فقال له صاحب الغاسول ما ذكر. ومعلوم أنَّ الحديد وشبهه لا يضره البلل، وأما الغاسول المذكور فأدنى شيء من البلل خلص إليه يحله ويفسده. فيضرب فيمن يتوجع ويتألم، أو يشتكي ويتظلم، أو يتأسف ويتندم، وثم من هو اجدر منه.
وقد حان أن نذكر من الشعر ما يتيسر. قال الشاعر:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... ويسكن العافون في ذمته!
قد كثر الحاجب أعداءه ... واحقد الناس على نعمته
وسبب هذا الشعر أنَّ أعرابياً دخل البصرة، فسأل عن دار عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عبد الله من فتيان قريش جوداً وسخاء، وكرماً وحياء، فدل على الدار، فأناخ راحلته بالباب. فاشتغل عنه الحاجب والعبيد وبات طاويا. فلما أصبح ركب راحلته ووقف على الحاجب فأنشأ يقول:
стр. 317
كأني ونضوي عند باب أبن عامرٍ ... من الجود ذئبا قفرة هلعان
وقفت وصنبور الشتاء يلفني ... وقد مس برد ساعدي وبناني
فلما أوقدوا ناراً ولا بذلوا قرى ... ولا اعتذروا عن عسرة بلسان
فقال بعض شعراء البصرة ما تقدم. فلما بلغ أبن عامر، عاقب الحاجب وأمر أنَّ لا يغلق بابه ليلا ولا نهاراً.
وقال الأخر:
لا تنظرن إلى عقلٍ ولا أدبٍ ... إنَّ الحدود قرنات الحماقات
واسترزق الله مما في خزائنه ... فكل ما هو آت مرة آت
ومثله قول الصابئ:
إذا جمعت بين أمراين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو احذق
فلا تتأمل منهما غير ما به ... جرت لهما الأرزاق حين تفرق:
فحيث يكون النوك فالرزق واسع ... وحيث يكون الحذق فالرزق ضيق
وقال صالح ب عبد القدوس:
وليس رزق الفتى من حين حيلته ... ولكن جدود بأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمى فيرزقه من ليس بالرامي
وقال الأخر:
متى ما يرى الناس الغني وجاره ... فقير يقولون: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود
وقولي، من قصيدة:
والحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري
بل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر
وإذا نظرت رأيت في قرن ... عمر الغني وجهالة الغمر
وترى اللبيب يبيت في ضعف ... بهمومه متقسم الفكر
ليكون فضل حجى الفتى عوضا ... عن فضل مل الأنوك الكثر
стр. 318
وتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلب وعن قسر
وسيأتي ذكر ما في هذا المعنى من الشعر عند ذكر الجد، إنَّ شاء الله تعالى.
وقال الحماسي عمرو بن معدي كرب:
وجاشت إلي نفسي أوّل مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت
ومنه قول الآخر:
صبرت على اللذات حي تولت ... وألزمت نفسي هجرها فاستقلت
وكانت مدى الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت
والسادات الصوفية، رضوان الله عليهم، يتمثلون به كثيراً في نجح الرياضة.
وقول الحماسي أيضاً سيار بن قصير الطائي:
عشية أرمي جمعهم بلبانها ... ونفسي قد وطنتها فاطمأنت
وقول كثير:
فقلت لها: غز كل مصيبة ... إذا وطئت يوماً لها النفس ذلت
قال المبرد: وكان عبد الملك يقول: لو كان هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس.
وقوله أيضاً:
فيا عجب للقب كيف اعتزامه ... والنفس لمّا وطئت كيف ذلت!
وقول ضابئ بن الحارث:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب!
وقال الأخر:
تمتع إذا ما أمكن الدهر واغتنم ... زمانك واعلم إنّه سيفوت!
وقال الأخر:
داء قديم وأمر غير مبتدع: ... جور الزمان على أهل المروآت
وقال الأخر:
سكت عن السفيه فظن إني ... عييت عن الجواب، وما عييت
وقال الأخر:
سروران ما لهما ثالث: حياة البنين وموت البنات
стр. 319
وهذا من قول الأعراب: موت البنات، من المكرمات. وقال الأخر:
كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبت!
وقال الأخر:
كلام الناس أشتات ... ومعنى كله: هاتوا!
وقال الأخر:
كم عائد رجلا وليس بعائد ... إلاّ ليعلم هل يراه يموت!
وقال الأخر:
كم مات قوم وما ماتت مكارمهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات!
وقال الأخر:
وأنطقت الدراهم بعد عي ... أناس بعد ما كانوا سكوتا!
وقال الأخر:
وما تنفع الآداب والحلم والحجى ... وصاحبها عند الكمال يموت!
وقال الأخر:
ويحسن إظهار التجلد للعدى ... ويقبح غير العجز عند الأحبة
وقال الأخر:
لا تتهم من شف فاك فانه ... أعطى الحياة وقدر الأقواتا
وقال أبو الطيب:
إنَّ الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
وقال: أبو العلاء المعري:
فالأرض تعلم أنني من فوقها ... متصرف وكأنني من تحتها
غدرت بني الدنيا وكل مصاحب ... صاحبته غدر الشمال بأختها
شغفت بوامقها الحريص وأظفرت ... مقتي لمّا أظهرته من مقتها
لابد للحسناء من ذامٍ ولا ... ذام لنفسي سيئ بختها
وقال الأخر:
стр. 320
إنَّ الصروف كما علمت صوامت ... عنها وكل عبارة في صمتها
متفقه للدهر إنَّ تستفتيه ... نفس عن جرمه لم يفتها
وتكون كالورق الذنوب على الفتى ... ومصابه ريح تهب لحتها
وقال أيضاً:
رويدا عليها إنّها مهجات ... وفي الدهر محيى لامرئ وممات
أرى غمرات ينجلن عن الفتى ... ولكن توافي بعدها غمرات
ولابد للإنسان من سكر ساعة ... تهون عله بعدها السكرات
إلاّ إنّما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلب من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات
وقال أيضاً:
والموت احسن بالنفس التي الفت ... عز القناعة من إنَّ تسال القوتا
بت الزمان حبالي من حبالكم ... اعزز علي بكون الوصل مبتوتا
وقال:
أحسنت ما شئت في إيناس مغترب ... ولو بلغت المنى أحسنت ما شيتا
وقال القاضي التنوخي:
القرآن العدو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات
فأحزم الناس من يلقي أعاديه ... في جسم حقد وأثواب المودات
وقال الآخر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
وهو مثل قول الآخر:
أو كلما ظن الذباب طردته ... إنَّ الذباب إذا علي كريم
يحكى إنَّ رجلا اسمع أبن هبيرة وهو معرض عنه فقال له الرجل: إياك اعني فقال: وعنك أنا اعرض! وقال الآخر وينسب لعثمان بن عفان ﵁:
следующие страницы →