Полный текст (902 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ومصداقه قوله ﷺ : إياكم وخضراء الدمن، وسيأتي.
وقال الآخر:
لا تيأسن وإن عز الوصال فقد ... تجفو أناسٌ وهم في الغيب أحبابُ
وقال الآخر:
لا يقبل الصدق من الكذب ... ولو أتى بمنطق عجابُ
وقال الآخر:
يا بصيراً إلاّ بإبصار كتبي ... وجواداً إلاّ بردِّ جوابِ
وقال الآخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال الآخر:
يذمون دنياهم وهم يطلبونها ... ولم ير كالدنيا تذمُ وتطلبُ
وهو مثل قول الآخر:
قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا
وهذا من توهيمات الخيال وأغاليط الشعراء وإلاّ فليس لهذا التعجب موقع ولا للألغاز محل، إذ العقول السليمة كلها ذامة للدنيا وليست بطالبة لها ومتى وقع منها طلب فمكلوبها غير مذموم كما أنَّ مذمومها غير المطلوب. فإنَ الدنيا من حيث إنّها مزرعة للآخرة وقنطرة يعبر منها إليها وزاد يبلغ إليها لا بد منها وهي محمودة غير مذمومة ومن حيث إنّها فتنة وعائقة عن الفوز ومبعدة عن النجاح وموجبة للعقاب أو العتاب، مذمومة عند كل بصير غير مطلوبة بل مهروب منها غاية الهرب ومنفور منها غاية النفور ولا يطلبها على هذا الوجه إلاّ أعمى البصيرة وهذا الله تعالى بذمها. وقد يذمها بلسانه وهو يحبها سراً، وهو غير ذام لها بالحقيقة. وعلى مثل هذا الذي خالف قوله فعله يحسن من جهة الظاهر إنشاد الشعر السابق، ولا يصح الاتفاق ولكن الأكثر والأغلب هذا نسأل الله السلامة من فتنة المحيا والممات.
стр. 247
وقال الآخر:
يرحم الله صديقا ... جاء يهدي لي عيوبي
وقال الآخر:
دع المزاح فقد يزري بصاحبه ... وربما آل في العقبى إلى الغضب
وقال الآخر:
رأيت تباعد الإخوان قربا ... إذا اشتملت على الود القلوبُ
وقال الآخر:
رأيت الود ليس يكاد يبقي ... إذا كثر التعصب والعتابُ
وقال الآخر:
رب لحظ يكون أبلغ من لفظٍ ... وأبى لمضمرات القلوب
وقال الآخر:
سأرعاك في البعد المفرق بيننا ... كما كنت أرعى والمزار قريبُ
وقال الآخر:
سأصفيك الهوى من كل وحهٍ ... وأمنحك الرضى من لك بابِ
وقال الآخر:
ستعلم هل ربحنا أم خسرنا ... إذا فكرت في أمر الحسابِ
وقال الآخر:
سقى الله أيام التواصل بيننا ... ورد إلى الأوطان كل غريبِ
وقال الآخر:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريبِ
وقال الآخر:
سمعت عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنزبي كي يطول عتابُ
وقال الآخر:
سيغني الله عن بقرات زيدٍ ... ويأتي الله باللبن الحليبِ
стр. 248
وقال الآخر:
شهدنا وجربنا أموراً كثيرة ... فلا تهملوا نصح الصديق المجرب
وقال أحد القدماء:
صاح أبصرت أو سمعت بارعٍ ... رد في ضرع ما قرأ في الحلاب؟
وقال الآخر:
صروف الليالي أحوجتنا إليهم ... كما أحتاج صياد إلى صحبة الكلب
وقال أبو العلاء المعري:
وسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه
والغضب لا يشفي أمرءاً من ثأره ... إلاّ يفقد نجاده وقرابه
والله يرعى سرح كل فضيلة ... حتى يروحه إلى أربابه
وقال أيضاً:
وهجيرة كالهجر عودي منبر ... للظهر إلاّ إنّه لم يخطب
فكأنه رام الكلام فيسمه ... عي فأسعده لسان الجندب
وقال الآخر:
وما رحم الأهلين إنَّ سالموا العدى ... بمجدية إلا مضاعفة الكرب
ولكن أخو المرء الذي إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب
وقال الآخر:
ما المرء أخوك أم لم تلفه وزرا ... عند الكريهة معوانا على النوب
وأعلم أنَّ لفظ الأخ فيه لغات كثيرة: يقال أخ، وهي اللغة المشهورة، وأخو بسكون الخاء على مثال فرو، وهو الواقع في البيت المذكور ويقال في الجمع اخوة وأخون، وهذا الثاني هو الواقع في البيت الثاني من البيتين قبل هذا، وحذفت نونه للإضافة إلى المرء، وليس مفردا بدليل الإخبار عنه بالذين.
стр. 249
وقال الآخر:
لعمرك ما حق امرئ لا يعدلي ... على نفسه حقا علي بجواب
وما أنا النائي علي بوده ... بودي وصافي خلتي بمقارب
ولكنه إنَّ مال يوما بجانبٍ ... من الصدق والهجران ملت بجانب
وتقدم نحو هذا. ويقال جرير، كان اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ففركته وحنت إلى بائعها:
تكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقق والصناب؟
وقالت: لا تضم كضم زيد، ... وما ضمني وليس معي شبابي؟
فقال الفرزدق:
وإنَّ تفركك عاجلة آل زيدٍ ... ويعوزك المرقق والصناب
فقدما كان عيش أبيك مرا ... يعيش بما يعيش به الكلاب
والصناب، بكسر الصاد. قال المبرد: هو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنابي إذا كان في ذلك اللون.
وقال الآخر:
ويأخذ عيب المر من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
قيل وهذا البيت مبني على كلام الأحنف، وقد قال له رجل: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: أطلبه عيابا، فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه! وقال الآخر:
لن المنابر من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لمّا جد في الهرب
وألحن كل الناس قطابة ... وكان يوله بالتشديق في الخطب
وهذا الشعر قاله بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسري، وكان من الخطباء البلغاء؛ فصعد المنبر ذات يوم فخرج عليه المغيرة بن سعد بالكوفة في عشرين رجلا، فعطعطوا به، فعيي خالد وقال: اطعموني الماء! وهو على المنبر، فعير
стр. 250
بذلك، وكتب هشام إليه رسالة وبخه فيها، وقيل فيه ما تقدم وقال فيه أيضاً يحيى بن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانية وعبدٍ ... لئيم الأصل في عدد يسير
هتفت بكل صوتك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير!
وسيأتي في الحكم إن شاء الله ذكر كثير ممن أرتج عليه الكلام.
وقال محمّد بن أبي عيينة يعاتب بعض الأشراف:
أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ لي ... كأن إخاءه الآل السراب
وليست بساقط في قدر قوم ... وإنَّ كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كان ناء ... بجانبه إذا عز الذهاب
وقال الآخر:
فلله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب
وقال الآخر:
ويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبها
وقال الآخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون أحيان علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
وقال الآخر:
مالي عقلي منتم إلى أحد ... فأنني منتم إلى أدبي
وهذا مثل قول عامر بن الطفيل:
وإني وإنَّ كنت أبن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله إنَّ أسموا بأم ولا أب
стр. 251
ولكني أحمي حماها واتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب
وقول بعض الأشراف الطالبيين:
لسنا وإنَّ أحسابنا كرمت ... يوما على الاحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقول الحسين ﵁، وقد أجزل صلة شاعر فليم على ذلك فقال: أتراني خفت أن يقول لست من فاطمة بنت النبي ﷺ ولا علي بن أبي طالب ﵁؟ ولكنني خفت أنَّ لست كمثلهما فيصدق ويحمل عنه، ويبقي مخلداً في الكتاب على ألسنة الرواة. فقال ذلك الشاعر حينئذ: وأنت والله يا أبن الرسول الله أعرف بالمدح والذم مني! ويحكى أنَّ رجلاً تكلم بين يدي عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب. فقال له وقد أعجبه: أبن من أنت يا غلام؟ قال: أبن نفسي، يا أمير المؤمنين: والتي نلت بها هذا المقام منكم. وأخذه بعض الشعراء فقال:
كن أبن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن الحسب
إنَّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وآخر في قوله:
كن أبن من شئت وكن مؤدبا ... فإنما المرء بفضل حسه
وليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه بنفسه
ويحكى عن يحيى بن أكثم قال: بينما أنا يوما جالس مع المأمون إذ دخل الدار. فتى أبرع الناس زياً وهيبة ووقاراً، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى، هذا لا يخلوا إنَّ يكون هاشميا أو نحوياُ. ثم بعث من يتعرف ذلك منه، فإذا هو نحوي. فقال المأمون: يا يحيى، أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلو الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم؟ يا يحيى، من قعد به نسبه، نهض به أدبه! ومثله يقول أبي العلاء المعري:
стр. 252
لو يعلم الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده
لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في لحده
ومجدة أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده
وقال أبي محمد الحريري ﵀:
لعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وقول أبي الطيب:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
والشعر في هذا المعنى كثير، وأصل هذا كله قوله تعالى وجلت كلمته:) إنما المؤمنونَ اخوةٌ (وقوله تعالى:) إنَّ أكرمكم عندَ اللهِ أتقاكم (وقوله ﷺ في حجة الوداع: أيّها الناس إنّما الناس اخوة وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى. أيّها الناس إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم. وهو قطع لمّا كانت فيه العرب من الافتخار بالآباء.
ولعلي كرم الله وجهه:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواءُ
وينسب إليه:
ما الفخر إلاّ لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدر كل امرئ ما كان يحسبه ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
وقال الآخر:
لئن فخرت بآباءٍ لهم كرمٌ ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال الكميت:
وما استنزلت في غيرها قدر جارنا ... ولا ثفئت إلاّ بنا حين تنصبُ
стр. 253
وقال أبو الطمحان:
وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما انفض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسودٌ ... تصير المنايا حيث صارت كتائبه
قوله: نظم الجزع ثاقبه، يريد أنهم لو استضاء بضيائهم في غياهب الظلام من يثقب الخرز الذي هو أشد شيء لأبصر ذلك فكيف بما هو أظهر؟ وهذه غاية المبالغة في تنزيل المعقول منزلة المحسوس.
وقال الآخر:
شربنا طيباً عند طيبٍ ... كذاك شراب الطيبين يطيبُ
شربنا وأهرقنا على الأرض فضلة ... فالأرض من كأس الكرم نصيبُ
وقال السلامي:
تبسطنا على الآثام لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذنوبِ
وهو كقول المأمون:
لو علم أرباب الجرائم تلذذنا ... بالعفو لتقربوا ألينا بالذنوبِ
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا
وقال ضابئ بن الحارث:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فأني وقيار بها لغريبُ
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهن يخيبُ
ورب أمور لا تضير ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
وقال الغنوي:
стр. 254
وهلك الفتى أنَّ لا يراح على الندى ... وأنَّ يرى شيئاً عجيبا فيعجبا
وقال جرير بن الخطفى:
فعض الطرف أنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا!
وبعده:
ولو وضعت شيوخ بني نمير ... على الميزان ما عدلتا ذبابا
وكانت بنو نمير من جمرات العرب، لم يخالفوا أحد لعزتهم وقوتهم. فكان الواحد منهم إذا سئل يقول: من بني نمير، ويفخم صوته إدلالاً بعزته، حتى هجا جرير عبيد بن حصين منهم بما قدم من قصيدة، فوقعت فيهم الموقع، ولم يرفعوا، ولم يرفعوا بعدها رأساً، حتى كانوا يفرون من الانتساب إلى نمير لمّا وسم به. فكان أحدهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من عامر بن صعصعة وهو الجد الأكبر.
ومما يحكى أن مولى لبعض بأهله كان يرد سوق البصرة، فسخر منه بنو نمير، فذكر ذلك لمواليه فقالوا له: إذا نبزك أحد منه فقل له:
فعض الطرف انك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فلما رجع، سخروا منه ونبزوه، فأراد أن يقول البيت فنسيه فقال: غمض وإلاّ جاءك ما تكره! فكفوا عنه عند ذلك وعلموا إنّه عرف قول جرير فيهم.
وروي أن امرأة مرت بقوم من بني نمير، فأخذوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فقالت: قبحكم الله يا بني نمير! ما امتثلتم واحدة من اثنين: لا قول الله تعالى حيث يقول:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (ولا قول جرير حيث يقول: فغض الطرف " البيت ". فأجمعوا بذلك وذهبوا.
وأحاب بعض بني نمير جريرا عن شعره فقال:
نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا
وإني إذ أسب بها كليبا ... فتحت عليهم للسخف بابا
ولولا أن يقال هجا نميرا ... ولو نسمع لشاعرهم جوابا
؟ رغبنا عن هجاء بني كليبٍ وكيف يشتم الناس الكلابا؟
стр. 255
فما ضر ذلك كليبا ولا جريرا ولا نفع نميرا. وقصيدة جرير مذكورة هي التي سماها الدامغة. ولاستمرار الضعة في بني نمير بهجاء جرير قال أبن مناذر يهجو ثقيفا:
وسوف يزيدكم ضعة هجاني ... كما وضع الهجاء بني نمير
وقال عنترة العبسي يخاطب امرأته:
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إنَّ الغبوق له وأنت مسودة ... فتأوي ما شئت ثم تحوبي
كذب العتيق وما شن بارد ... إنَّ كنت سائلتي غبوقا فاذهبي!
قوله العتيق، يجوز نصبه ورفعه، ومعناه على الجملة الإغراء، أي عليك بالعتيق، وهو التمر القديم، ولإعرابه تحقيق في علم النحو مشهور.
وقال الآخر:
خذ من أخيك العفو ذنوبه ... ولا تك في كل الأمور تعاتبه
فإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه؟
أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإنَّ غبت يوما لسعتك عقاربه
وقال رجل من بني ضبة لعبد الملك:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
فلقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فأصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشد إلى من نذهب
فقال له عبد الملك: إلي! إلي! وأكرمه وحباه.
وقال ضمرة بن ضمرة:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي!
ولقد علمت تظني غيره ... أنَّ سوف تخلجني سبيل صاحبي
أأصرنا وبني عمي ساغب؟ ... فكفاك من إبة علي وعاب
أنَّ رأيت إن صرخت منها هامتي ... وخرجت منها بالي الأثواب
стр. 256
هل تخمشن إبلي عليَّ وجوهها ... لم تعصبن رؤوسها بسلابِ؟
قوله بسل، أي حرام، كقول زهير:
بلاد بها نادمتهم وألفتهم ... فإنَ تقويا منهم فانهم بسلُ
وقوله تخلجني، أي تجذبني، والخلج الجذب، ومنه خليج الماء لا تجاذبه إلى ناحية؛ والساغب الجائع؛ والأبة: الحياء.
وقال الآخر:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إنَّ الرأي منك لعازبُ
وليس أخي من ودني رأي عينه ... وكان أخي من ودني وهو غائبُ
وقال الآخر:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أمٍ ولا أبُ
أي إذا غلبوا انتسبوا وتحببوا وتقربوا، وإن كانوا هم الغالبين تعثلموا وتبرؤوا وتبرموا وهذا فعل اللئيم.
ذكر أبو علي البغدادي عن أبي الكلبي عن أبيه قال: كان مرثد الخير بن ينكف قيلاً من أقيال اليمن وكان حدباً على عشيرته محباً لصالحها. وكان سبيع بن الحارث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شرٌ فيتفانيا. فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما: إنَّ التخفط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة. فتلاقيا أمركما قبل انتكاث العقد، وانحلال العهد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة! وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة. فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع. ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمرهم قبلا، فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاني واستفحال الداء وإعواز الدواء! فانه إذا سفكت الدماء،
стр. 257
استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقصبت عرى الإبقاء، وشمل البلاء. فقال سبيع: أيّها الملك إنَّ عداوة بني العلات، لا تبرئها الأساة، ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفأة والحسد الكامن هو الداء الباطن. وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا اجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا؛ وأنا وإياهم كما قال الأول:
إذا ما علوا قلوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أبُ
فقال ميثم: أيّها الملك إنَّ من نفس على أبن أبيه الزعامة وجدبه في المقامة، واستكثر له قليل الكرامة كان قرفاً بالملامة ومؤنباً على ترك الاستقامة. وإنَّا والله ما نعتد لهم بيد إلاّ وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلاّ وقد تطلع إليهم منا جزاؤها، ولا تفيا لهم علينا ظل نعمة إلاّ وقد قوبلوا بشرواها. ونحن بنو فحل مقرم لم تغد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم. فعلام مط الخدود وخزر العيون والجخيف والتصعر والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد؟ وإنا وإياهم لكما قال الأول:
لاه أبن عمك لا أفصلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة غفيرة. فقال الملك: لا تنشط عقل الشوادر ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تورثوا نيران الأحقاد! ففيها التلفة المستأصلة والجائحة والأليلة؛ وعفو بالحلم، أبلاد الكلم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج المقصد! فإنَ الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور. ثم قال الملك:
ألا هل أتى الأقوال بذلي نصيحة ... حبوت بها مني سبيع وميثما؟
وقلت اعلما أنَّ التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وابقيا ... على العزة القعساء أن تتهدما
ولا تجنيا حربا تجر عليكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما
стр. 258
فإنَ جنات الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الزعاف المقسما
حذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشم مكشما
فقالا: أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم.
قال أبو بكر بن دريد: التحفظ ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة. قال أبو علي: ولم أسمع هذه الكلمة من غيره. فأما التخمط بالميم فالتكبر. انتهى. وكذا من رأينا من اللغويين لم يذكروا تلك المادة أصلا. وركب الرجل هجاجة: لج ومحك. قاله أبن دريد. وفي الصحاح: ركب هجاج غير منصرف، وركب هجاج كقطام: ركب رأسه، وأنشد: وقد ركبوا عاى لومي هجاج واستحقاب اللجاج استفعال، إما من حقيبة الرجل، وهو ما يكون وراء الرجل يملأ حشيشا أو تبنا وإما من الحقاب وهو بريم تشد به المرأة وسطها. وعلى الأول يكون استحقاب اللجاج معناه جعله في الوعاء؛ وعلى الثاني يكون معناه الأضرار به على المجاز فيهما؛ والهوة: الحفرة. والبوار: الهلاك؛ والأصيلة: الأصل: والانتكاث: الانتقاض. ورافة: ناعمة. وواطدة: ثابتة. ومثرية: متصلة، من الثرى وهو التراب الندي. والمعرضة: الممكنة، من أعراض الصيد إذا أمكن من عرضه أي جنيه ليرمى. وصيور الأمر: ما يؤول إليه. واستفحال الداء: اشتداده. وتقصبت: تقطعت. والأساة: الأطباء. والزعامة: الرئاسة: وجدبه في المقامة، أي عابه، والمقامة: المجلس وقد يراد به الجلاي، ويحتملهما قول زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعلُ
وقرفاً بالملامة أي خليقا لها. وشرواها: مثلها. والخزر: النظر بمؤخرة العين، وهو معروف عند العامة اليوم. والجخيف: التكبر. والمداجات: المساترة والغفيرة: الغفران. ولا تنشطوا: لا تحملوا. ولا تلحقوا العون: لا تسرعوا الحرب، وأصله في الإبل؛ يقال: لقحت الناقة إذا حملت وألقحها الفحل. والعون جمع عوان وهي الثيب
стр. 259
وتستعار للحرب التي قوتل فيها مرة أخرى. وتورثوا: تذكوا. والاليلة: الثكل. والابلاد: الآثار، وأحدها بلد. والقعساء: الثابتة. وتفوقهم: تسقيهم الفواق أي ما بين الحلبتين. وتستنبثوها: تستخرجوا نبيثها والنبيثة في الأصل ما يخرج من البئر إذا حفرت. ومكشم: مقطوع.
وقال الآخر:
يرى الحاضر الشاهد المطوئن ... من الأمر ما لا يرى الغلئبُ
وقال الأحوص:
قالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ بوصالكم صبُ
صاحب إذا بعلي فقلت لها ... الغدر شيء ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو لوصلهما: ... عرس الخليل وجارة الجنبِ
أما الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصاني به ربي
عوجا كذا نذكر لغانيةٍ ... بعض الحديث مطيكم صحبي
ونقل لها فيهم الصدود ولم ... أذنب بل أنت بدأت بالذنبِ
إن تقبلي نقبل وننزلكم ... من بدار السهل والرحبِ
أو تدبري يكدر معيشنا ... وتصدي متلائم الشعبِ
ولمّا سمع أبو السائب هذا الشعر قال: هذا المحب عيناً لا الذي يقول:
وكنت إذا حبيبٌ رام صرمي ... وجدت وراي منفسحاً عريضا
اذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك! قلت: واتما قال ذلك لأنهم يرون أنَّ فضيلة المحب وكمال العاشق أن يتطبع بلواعج البلبال، ويستديم الصبابة على كل حال.
وحدث بعض الأدباء قال: قال عروة بن عبد الله: نزل أبن أذينة في دارنا بالعقيق فسمعته ينشد:
إنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
كيف الذي زعمت به وكلاهما ... أبدى بصاحبه الصبابة كلها؟
стр. 260
ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذا لأظلها!
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلطافة فأدقها وأجلها
لمّا عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!
فدنا وقال لعلها معذورةٌ ... في بعض رقبتها فقلت لعلها
قال وبلغ ذلك أبا السائب المخزومي فأتاني وقال: أنشدني ما سمعت من عروة أذينة، فأنشدته إياها فلما بلغت البيت الأخير طرب وقال: والله الدائم الصبابة الصادق لا الذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبةً ... عني فأهلي بي أضن وأرغبُ
ثم قلت: هلم الذي الطعام! فقال: والله ما كنت لأخلط بلذة هذه الأبيات طعاما إلى الليل! وأنصرف.
قلت: ووقع ما يشبه العيب الذكور في قول امرئ القيس:
أأسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا
ومن نمط المحمود في استدامة الحب والصبابة قول بعضهم:
إذا ما صديق أسا مرةً ... وقد كان فيما مضى مجملا
ذكرت المقدم من فعلهِ ... فلا ينقض الآخر الأولا
وقال الآخر، وينسب للمجنون أو إبراهيم بن العباس:
تطلع من نفسي إليك نوازعٌ ... عوارف أنَّ اليأس منك نصيبها
وأزالت زوال النفس عن مستقرها ... فمن مخبري في أي أرضٍ غروبه؟
حلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُ ... بهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبها
وقال الآخر:
ومن شغفي فيكم ووجدي أنني ... أهون ما ألقاه وهو هوانُ
ويحسن قبح الفعل إن جاء منكم ... كما طاب ريح العود وهو دخانُ
стр. 261
وقال الآخر:
إن أمت وجداً فلي قدمٌ ... بي إلى حتف الهوى سعتِ
أو ترق يلك اللحاظ دمي ... فهي في حلٍّ وفي سعةِ
وقال الآخر:
أبدا أزيدُ مع الوصال تلهفاً ... كالعقد في جيد المليحة يقلقُ
ويزيدني كلفا فأذكر فعلهُ ... كالمسك تسحقه الأكف فيعبقُ
وقال الآخر:
فرقت بيننا الحوادث لكن ... في نفسٌ إليكم أدنيها
وكأني في الود فأرة مسكٍ ... أفرغوها ونفحة الطيب فيها
وقال الآخر:
وإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنه بألف شفيعِ
وقال بعضهم فيه:
ما ذلتي في حبكم وخضوعي ... عارٌ ولا شغفي بكم ببديعِ
دين الهوى ذلٌ وجسمٌ ناحلٌ ... وسهاد أجفانٍ وفيض دموعِ
كم قد لحاني في هواكم لائمٌ ... وثنيت عطفي عنه غير سميعِ
ما يحدث التقبيح عندي سلوةً ... لكم ولو جئتم بكل فظيعِ
وإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جائت محاسنه بألف شفيعِ
وقال الحكيم:
مستقبل بالذي بهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذورٌ بما صنعا
في وجهه شافعٌ يمحو أساءته ... من القلب وجيهٌ حيثما شفعا
وقول أبي فراس الحمداني:
أساء فزادته الإساءة حظوةً ... حبيبع ما كان منه حبيبُ
تعدُ عليَّ الوشيات ذنوبه ... وأين من الوجه المليح ذنوبُ؟
وقال الآخر:
стр. 262
وكلما رمتُ أن أقابله ... على تماديه في تعديهِ
جاءت على غفلةٍ محاسنه ... تلزمني الصفح عن مساويهِ
وقال الآخر:
كلما أذنب أبدى وجهه ... حجةً فهو مليٌ بالحججِ
كيف لا يفرط في إجرامه ... من متى شاء من الذنب خرج
وقال الآخر:
عفت محاسنه عندي إساءته ... حتى لقد حسنت عني مساويهِ
وقال الآخر:
لي حبيبٌ كالظبي غرٍّو لكن ... بعذابي في الحب ما أغراهُ!
وإذا كرر الذنوب فيكفيه ... اعتذاراً مما جنى أن أراهُ
وقال الآخر:
ومستنصٍ في العذر مستعجل القلى ... بعيدٍ من العتبى قريبٍ من الهجرِ
له شافعٌ في القلب مع كلِّ زلةٍ ... فليس بمحتاج الذنوب إلى العذرِ
وقال أبي الطيب:
فأن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائى سررن ألوفُ
وقال حاتم أو عمرو بن الأهتم:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحل جديبُ
وما الخصب للأضيافِ أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيبُ
وسنذكر ما في هذا النزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى. وقال رجل من عبس:
إذا راح ركبٌ مسرعون فقلبه ... مع الرائحين المسرعين جنيبُ
وإن هبَّ علويُّ الرياح رأيتني ... كأني لعلو يأتهن نسيبُ
فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولم يطرب إليك حبيبُ
وقال الآخر:
من كان يزعم أن سيكتم حبه ... حتى يشكك فيه فهو كذوبُ
стр. 263
الحب أغلبُ للفؤاد بقهره ... من أن يرى للستر فيه نصيبُ
وإذا بدا سر اللبيب فإنه ... لم يبد إلاّ أنه مغلوبُ
إني لأبغض عاشقاً متستراً ... لم تتهمه أعينٌ وقلوبُ
وقال ذو الرمة:
إذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميٍّ هاج لبي هبوبها
هوى تذوف العينان منه وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها
وقال المجنون:
يقولون لي يوماً وقد جئت حيهم ... وفي كبدي نارٌ يشب لهيبها
أما تخشى من أسدنا؟ فأجبتهم ... هوى كلً نفسٍ حيث حل حبيبها
وقال بعض الأعراب:
شكوت فقالت كل هذا تبرماً ... بحبي أراح الله قلبك من حبي!
فلما كتمت الحب قالت لشدما ... صبرت وما هذا يفعل شجي القلبِ
وأدنو فتقصيني وأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري سيوؤها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلةٍ تعرفونها؟ ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي!
وتقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقريب منه وإن عاكسه في الترديد قول امرئ القيس:
وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك يدربِ
وقال الإمام العارف بالله تعالى أبو بكر الشبلي ﵁ وقد دخل على شيخه الإمام أبي القاسم الجنيد ﵁ فوقف بين يديه وصفق بيده وقال:
عودوني الوصال والوصل عذبُ ... ورموني بالصد والصدُ صعبُ
زعموا حين أزمعوا أنَّ ذنبي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنبُ
لا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلاّ يُحَبُ
فأجابه الشيخ فقال:
стр. 264
وتمنيت أن أراك ... فلما رأيتكا
غلبت دهشة السرور ... فلم أملك البكا
وقال أبو علي الفارسي النحوي:
خضبت الشيب لمّا كان عيباً ... وخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خلٍ ... ولا عيبا خشيت ولا عتابا
ولكن المشيب بدا دميما ... فصيرت الخضاب له عقابا
وسيأتي ذكر ما في الشيب والخضاب مستوفي إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن سعيد الموصلي الشافعي:
قالوا سلا، صدقوا عن ... السلوان ليس عن الحبيبِ
قالوا: فلم ترك الزيارة؟ ... قلت: من خوف الرقيبِ
قالوا: فكيف يعيش مع ... هذا؟ فقلت: من العجيبِ
وقال انو العرب الصقلي:
لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىً ... وأعجب لأسود عيني كيف لم يشب
البحر للروم لا تجري السفين به ... إلاّ على خطرٍ والبر للعرب
وسبب قوله ذلك إنَّ المعتمد بن عباد بعث إليه بخمسمائة دينار وأمره أن يتجهز بها ويقدم عليه، فكتب إليه الحصري:
أمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك الخير فاخصصه بذي الداء
ما أنت نوحٌ فتنجيني سفينته ... ولا أنا أمشي على الماءِ
وقال أبو الوفاء:
ومن كان في المسعى أبوه دليله ... تدانى له الشأو الذي هو طالبه
وقال يحيى بن خالد بن برمك:
أنصب نهاراً في طلاب العلى ... وأصير على فقد الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه وجوه الغيوبُ
стр. 265
فكابد الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناكساً ... يستقبل الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب
وسبب هذا الشعر أن ابنه الفضل بن يحيى كان الرشيد قد ولاه عمل خراسان فأقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد إلى الرشيد، ويحيى بين يديه جالس، مضمنه أن الفضل أشتغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية. فلما قرأ الرشيد الكتاب رمى به إلى يحيى وقال له: يا أبي! اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه ما يرده عن هذا. فكتب إليه يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك! قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه شاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية فأنكره، فعاود ما هو زين بك، فانه من عاد إلى ما يريبه ويشينه لم يعرفه أهل دهره إلاّ به، والسلام. وكتب في أسفله الأبيات المذكورة، والرشيد ينظر إلى ما يكتب. فلما فرغ قال: أبلغت يا أبي! فلما ورد الكتاب على الفضل، لم يفارق المسجد نهاراً إلى إنَّ انصرف عن عمله.
وقال الإمام الشافعي ﵁: تزوجت امرأة بمكة من قريش، وكنت أمازحها فأقول:
ومن البليلة أنَّ تحب ... فلا يحبك من تحبه
فتقول هي:
ويصد عنك بوجهه ... وتلج أنت فلا تغبه
وقال الشريف الرضي:
ولقد وقفت على طلولهم ... وربوعهم بيد البلى نهب
ومن أعجب الاتفاق أن بعض الأدباء مر بدار الشريف هذا التي ببغداد، وقد خربت وذهبت بهجتها، ولم يبق منها إلاّ آثار تشهد لها بالحسن والنظارة. وفوقف وتمثل بالبيت المذكور وهو لا يعرف لمن الدار. فمر به شخص وسمعه ينشد البيت فقال له: أتعرف هذه الدار؟ قال: لا. قال: هي دار الشريف صاحب البيت. وهذه تشبه حكاية
стр. 266
عبيد الجرهمي، وكان دخل على معاوية فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فاغرورقت عيناي بالدموع، وتمثل بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعنك اليوم تذكير؟
فاستدر الله خيرا من وراضين به ... فبينما العسر إذ جاءت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور
فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ فقلت: لا. فقال: إنَّ قائله هو الذي دفناه الساعون وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الخارج من قبره أمس الناس رحما وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! وقال صر در:
إنَّ الهلال يرتجي طلوعه ... بعد السرار ليله احتجابه
والشمس لا يويس من طلوعها ... وإنَّ طولها الليل في جنابه
وقال:
كم عودة دلت على دوامها ... والخلد للإنسان في مآبه!
ولو قرب الدر على جالبه ... ما لجج الغائض في طلابه
ولو أقام لازما أصدافه ... لم تكن التيجان في حاسبه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلاّ وراء الهول من عبابه
وقال الآخر:
جروح الليالي ما لهن طبيب ... وعيش الفتى بالفقر ليس يطيب
وحسبك أنَّ المرء في حال فقره ... تحمقه الأقوام وهو مصيب
ومن تعتوره الحادثات بصرفها ... يمت وهو مغلوب الفؤاد سليب
وما ضرني أنَّ قال أخطأت جاهل ... إذا قال كل الناس أنت مصيب
وقال علي بن الجهم:
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... ودنى فؤادا من فؤاد معذب
стр. 267
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب
وهذا معنى بليغ في العناق، أخذه من قول بشار:
فبتنا معا لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
وأبلغ منه في هذا المعنى قول عبد الله من المعتز:
ما اقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد
ويفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لمّا أوليت بالحاجد
كأني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبنا من جسد واحد
وهو مأخوذ من قول الآخر:
خلوت فناداها ساعة ... على مثلها يحسد الحاسد
كإنا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد
وابلغ من هذا عندي قول أبن الرومي:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان؟
وألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان
فإن الامتزاج أخص مطلق الوحدة وأصرح في قطع العدة، وذلك في الأرواح أبلغ وأبدع منه في الأجسام، غير إنّه في الشعرين السابقين إخبار عن أمر هو واقع أو كالواقع، بخلاف هذا.
ولابن عبدوس الفارسي في العناق أيضاً:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... يفيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوما فما أنفك لا خد ولا عضد!
وهو نحو ما للأولين وابلغ من حيث الجزم
стр. 268
واصلح بن موسى:
لي سيدٌ ما مثله سيدٌ ... تصدت الحمى له فاشتكا
عانقته عند موافاتها ... والأفق بالليل قد أحلو لكا
فجاءت الحمى لعادتها ... فلم تجد ما بيننا مسلكا
وهو نحو ما لابن الجهم وأبلغ منه لأن عدم نفوذ المعنى أغرب من عدم نفوذ الجسم.
ولابن رشيق أيضاً:
ومهفهفٍ يحميه عن نظر الورى ... غيران سكنى الموت تحت قبابه
فلثمت خداً منه ضرم لوعتي ... وجعلت أطفئ حرها برضابه
وضممته للصدر حتى استوهبت ... مني ثيابي بعض طيب ثيابه
فكأن قلبي من وراء ضلوعه ... طرباً يخبر قلبه عما به
ولابن معتز:
يا رب إخوان صحبتهم ... لا يرفعون لسلوة قلبا
لو تستطيع قلوبهم خرقت ... أجسامهم فتعانقت حبا
وهذا أبلغ ما سمعنا في الباب وتركنا ما قيل في مطلق العناق. وهو كثير خشية الإطناب.
وقال أبو قتبان المصري في باب المدح:
رغبت لنفسي أن أكون مصاحباً ... أناساً قيدوا إلى الذل أصحبوا
فجاورت ملكا تستهل يمينه ... ندى حين يرضى أو ردى حين يغضبُ
تدور كؤوس الحمد طوراً فينتشي ... وطوراً تعني المرهبات فيطربُ
عرفت فكان الانتساب زيادة ... وغيرك يخفيه الخمول فينسبُ
وفي بعض ذا المجد الذي ظفرت به ... يدرك غنى عما بنى الجد والأبُ
قضى الله أن يزداد بينك رفعة ... على أنه فوق النجوم مطنبُ
وقال أبو العلاء:
ردت لطافتة وحدة ذهنه ... وحش اللغات أو إنساً يخاطبه
стр. 269
كالنحل يجني المر من نور الربى ... فيعود شهداً في طريف رضابه
وقال أبو المظفر:
يا من يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلاله منصبي؟
وسيأتي تمام هذا الشعر بعد، إن شاء الله تعالى.
وقال مالك بن المرحل:
وبيداء كانت لي ضلوعاً تكنني ... كأني فيها لوعةٌ ووجيبُ
وتحت قميص الليل مني مجمر ... وفوق رداء الصبح مني طيبُ
وفي مقلة الظلماء مني موردٌ ... له بين أهداب السحاب دبيبُ
وفي مبسم الإصباح مسواك إسحلٍ ... ولكنه مهما عجمت صليبُ
فيقضي علي والليل أدعجٌ ... ويفصم عني الصبح وهو شنيبُ
وقال الآخر يرثي صديقا له نصرانياً:
أخي بوداد لا أخي بديانتي ... ورب أخٍ في الود مثل نسيبِ
وقالوا أتبكي اليوم من لست صاحباً ... غداً؟ إنَّ هذا فعل غير لبيبِ
ومن أين لا أبكي حبيبا فقدته ... إذا خاب منه في المعاد نصيبي؟
وقال بعض الأعراب:
أحجاج بيت الله في أي هودجٍ ... وفي أي بيت من بيتوكم حبي؟
يقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي
وقال الآخر:
ليس ليوم البين عندي سوى ... مدامعٍ يجمعها سكبُ
كأنما فض بأجفانها ... رمانةٌ فانتثر الحبُ
وقال الآخر:
والغصن قد مال نحو النهر فالتقيا ... على هوى حين غنى الطائر الطربُ
فقبل النهر غصناً ثغره زهر ... وقبل الغصن نهراً ثغره حببُ
وقال الآخر:
قم أدرها فالليل رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجابُ
стр. 270
وكأن الصباح في الأفق بازٌ ... والدجى بين مخلبيه غرابُ
وكأن السماء لجة بحر ... وكأن النجوم فيه عبابُ
وسيأتي ما قيل في هذا المعنى من مختار الشعر.
وقال محمد بن حسام الدين:
ألا إنَّ أرض الغرب أفضل موطنٍ ... تساق إليه الواخذات النجائبُ
ولو لم تكن في الغرب كل فضيلة ... لمّا حركت شوقا إليه الكواكبُ
وقال الآخر:
قوض خيامك عن أرض يهان بها ... وجانب الذل إنَّ الذل مجتنبُ
وارحل إذا كانت الأوطان مضيعة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطبُ
وتقدم هذا المعنى مستوفي. وفي معناه أيضاً قول سهل بن مالك:
منغص العيش لا يأمي إلى دعةٍ ... من كان ذا ولدٍ أو كان ذا بلدِ
والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسن إلى أحدِ
وقال لبن الخطيب:
وإذا تنغصك الزمان ببلدةٍ ... فاطو المراحل كي تحوز كمالا
لمّا توغل في السرى بدر الدجى ... أبصرته بدراً وكان هلالا
وقال الآخر:
مللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدرِ
وسولت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدرِ
وقول القاضي عبد الوهاب لن نصر:
بغداد دار لأهل المال والسعة ... وللصعاليك دار الضنك والضيقِ
أصبحت أمشي مضاعاً في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديقِ
وقال الآخر في ضده:
لا يعدم المرء ركنا يستكن به ... وشعبه بين أهليه وأصحابهِ
ومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابِ
стр. 271
ومثله قول الآخر:
إنَّ الهزير إذا نأى عن غيضه ... ضربت له الأيدي على ترقيصه
وكذا الغريب إذا نأى عن داره ... أدته غربته إلى تنقيصه
ومثله قول الآخر:
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعٌ ... فقلت ولكن مسلك الرزق ضيقُ
إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم أك ذا مالٍ فمن أين أنفقُ؟
وقال أبن المهدي:
واحن أيام الهوى يومك الذي ... يروع بالهجران فيه وبالعتبُ
إذا لم يكن في الحب بسخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب؟
وقال الآخر:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهابِ
لم تبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحبابِ
وسيأتي ما في هذا المنزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى.
وقال مالك بن المرحل:
مذهبي تقبيل خد مذهب ... سيدي ماذا ترى في مذهبي؟
لا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل الغربِ
وسيأتي ما قيل في التوجيه بعد إن شاء الله تعالى وقال عبد الجليل المرسي:
ما للعذار وكان وجهك قبله ... قد خط فيه من الدجى محرابا؟
وأرى الشباب وكان ليس بخاشعٍ ... قد خر فيه راكعا وأنابا
ولقد علمت بكون ثغرك بارقاً ... أن سوف يرمي للعذار سحابا
وقال نجم الدين بن بطريق:
أعاذك الله من همٍّ ومن نصب ... ولا لقيت الذي ألقى من الحربِ
هذا زماني أبو جقلٍ وذا حربي ... أبو معيط وذا قلبي أبو لهبِ
стр. 272
وقال الآخر:
قال حمار الطبيب قومي ... لو أنصفوني لكنت أركبُ
لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي مركب
وقال أبو الفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فالحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان ساقطة لمّا غدا وهو بيت اللهو والطرب؟
قال أبو الحسن الوارد:
يقولون: لاح الشيب فاله عن الصبا ... وعن قهوة تصبو لها وتنيب!
فقلت: دعوني نصطبحها سلافة ... على صبح شيبي فالصبوح عجيب
ومثله قول الآخر:
وقالوا: أنَّ تلهو والشباب قد انقضى ... وعمرك قد ولى يبق طائل؟
وقال الآخر:
وقائله: خل الهوى لرجاله ... فإن الهوى بعد المشيب جنون
فقلت لها: إنَّ الهوى فيه راحة ... ألذ الكرى عند الصباح يكون
وقال الآخر:
ولائمة لي إذ رأتني مشمراً ... أهرول في سبل الصبا خالع العذر
تقول: انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد دب صبح الشيب في غسق الشعر
فقلت لها: كفي عن اللوم واعلمي ... بأن ألذ النوم إغفاء الفجر!
وقول أبن الساعاتي في ضده:
لا تعجبين لطالب نال العلى ... كاهلا واخفق في الزمان المقبل!
فالخمر تحكم في العقول مسنة ... وتدلس أوّل عصرها بالأرجل
وقال كاشح في نتف الشيب:
إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب
стр. 273
كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب
ومثله قول أبن النبيه:
اقتطف البيضاء من لمتي ... دأبا مع السوداء إذ تشرف
فتخلف البيض بأمثالها ... وتعضب السودا فما تخلف
حمامة السودان معروفة ... يعرفها من كان لا يعرف
وقال أبن الخطيب:
إني لمثلي من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب؟
لبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالي الواعظ فعل خطيب
وقال أيضاً:
وقد كنت يهوى الروض طيب شمائلي ... ويمرح غص البان بين قبابي
فمذ كتب الوخط الملم بعارضي ... حروفا أتى فيها بمحض عتابي
نسخت بما قد خطه سنة الهوى ... وكم سنة منسوخة بكتاب!
وقال أيضاً:
وما كان إلاّ إنَّ جنى الطرف نظرة ... غدا لقلب رهنا في عقوبة ذنبه
وما العدل أنَّ يأتي امروء بجريرة ... فيؤخذ في أوزارها جار جنبه
وقال الآخر:
قد قلت إذا سار السفين بهم ... والبين ينهب مهجتي نهبا:
لو أن لي ملكا أصول به ... لأخذت كل سفينة غضبا
وقال الآخر:
رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه طبيب
كأنك من كل النفوس مركب ... فأتت إلى كل النفوس حبيب
وقال أبن أبي العافية:
ودعتها ووداعها متضمن ... لوداع لذات الحياة وطيبها
واصفر منها وجهها ففهمت ما ... معنى اصفرار الشمس عند غروبها
стр. 274
وسيأتي ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
عجبت لطيف زار في الليل مضجعي ... وآب ولم يشف الفؤاد المعذبا
فأوهمني أمراً وقلت لعله ... رأى حالة لم يرضها فتجنبا
وما ذاك من أمر يريب وإنّما ... رآني قتيلا في الدجى فتهيبا
وسيأتي هذا أيضاً بعد إن شاء الله تعالى.
وقال أبو محمّد المصري:
سلام على الشيب الذي لا أريده ... ولا قلت أهلاً حين جلى ومرحبا
ولكنه ضيف كرهت قدومه ... وأكرمته إذ لم أجد عنه مذهبا
وقال الميكالي:
عيرتني ترك المدام وقالت: ... هل جفاها من الكرام أديب؟
هي تحت الظلام نور وفي الأكباد ... برد وفي الخدود لهيب
قلت: يا هذه عدلت عن النصح ... وما للرشاد منك نصيب
إنها للستور هتك وللألباب ... قتل وفي المعاد ذنوب
وقال الآخر:
دعتني إلى لهو التصابي وما درت ... بأن زمان اللهو عني ذاهب
فقلت لها: مالي وللهو بعد ما ... تولى الصبا وازور للغيد جانب
وقد وخطت بيض من الشعر لمتي ... تخبر إنَّ البيض عني رواغب
أألهو وفجر الشيب قد لاح نوره ... بفودي، فقالت: أوّل الفجر كاذب
وقال الآخر:
أن استحسنت مقلتي غيركم ... أمرت السهاد بتعذيبها
وعاقبتها بالبكا دائما ... لمّا استحسنت غير محبوبها
فلما تنظر العين إلاّ إليك ... لأنك غاية مطلوبها
وقال أبو محمّد بن عبد البر ﵀:
стр. 275
قل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري فكان السجن منه ثوابي
لم تعد في أمري الصواب موفقا ... هذا جزاء الشاعر الكاذب!
وقال بعض الأدباء في طريق التورية:
ومعطر الأنفاس يبسم دائما ... عن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهر ... لم يدر ما التنقيح والتهديب
ومثله أيضاً في هذا المعنى:
قلت والشعر يشي في خده ... لام حسن سهلت لومي علي
بحياة الحب كوني للرضى ... لام جر لا تكوني لام كي!
وقال الآخر على هذا الطريق:
هبت مع لفجر لميعادها ... فافتضح الشارق والغارب
فجران ذلك الوجه أسناهما ... هل يستوي الصادق والكاذب؟
وقال آخر على قريب من هذا:
دهر يمر وآمال مخيمة ... ولا أحتقاب يسوي وزر على الحقب
تمضى الفروع على حكم الأصول ولا ... استذكار قلب ولا تمهيد منقلب
خط المشيب على فوديك تذكرة ... بأن تنيب وحتى لأن لم تنب
وقد نضى سيفه فأحذر صرامته ... فالسيف أصدق أنباء من الكتب!
سلت عليك الليالي منه ذا شطبٍ ... في حده الحد بين الجد واللعب
وكتب المستعصم بالله إلى أبن عمار على وجه العتب فيما بلغه عنه:
وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم تراني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلاّ ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائب
فأجابه أبن عمار بقطعة منها:
فديتك لا تزهد وثم بقية ... سيرغب فيها عن وقوع النوائب!
وابق على الخلصان إنَّ لديهم ... على البدء كراتٍ بحسن العواقب
стр. 276
وقال بعضهم، وقد زاره إخوان له:
أهلاً وسهلاً بسادات لنا نجب ... كالذبل السمر أو كالأنجم الشهب!
أجملتم وتفضلتم بزورتكم ... وليس ينكر فضل من ذوي حسب
أضاء منزلنا من نور أوجهكم ... وطاب من عيشا ما كان لم يطب
وقال أبن الرومي:
أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب؟
هناك يحق الصبر والصبر واجب ... وما كان منه كالضرورة أوجب
هو المهرب المنجى لمن أحدقت له ... مكاره دهر ليس عنهن مهرب
وقال القاضي الفاضل في معناه:
لا تلن للخطوب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب
إنَّ ضرب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب
وتقدم ما في هذا المنزع وهو كثير.
وقال بعض الأعراب:
لا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تلتقي الأركاب ... ويقعد الأير لعاب
الأركاب جمع ركب بفتحتين، وهو ظاهر الفرج أو العانة أو منبتها؛ ويقعد معناها هنا يصير، أي يصير الأير وهو الذكر ذا لعاب.
وقال الآخر:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنياه سواه فهو من ذين أخيب
وقال الحماسي:
وإنَّ أتوك فقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي ذهبا
وينشد هذا الشعر على ضر آخر وهو:
لا تنكحن عجوزا أو مطلقة ... ولا يسوقنها في حبلك القدر
وإنَّ أتوك وقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي غبرا
وفيه عيب القافية. والنصف من النساء بفتحتين: المتوسطة. وقوله أخلع
стр. 277
ثيابك يحتمل أنَّ يريد به: انزع محبتك منها وتسل عنها ولا تلتفت إليها والثياب تطلق على لقلوب، فتطلق على المحبة باعتبار إنّها فيها. ومن الأول قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
أي شققت قلبه. ويصحان معا وفي قول امرئ القيس:
وإنَّ كنت قد ساءتك مني خليفة ... فسلي ثيابك من ثيابك تنسل
أي سلي قلبي من قلبك، أو محبتي من قلبك. وقيل في قوله تعالى:) وثيابك فطهر (، أي قلبك، ويكنى بالثياب عن الأعمال أيضاً. ورد إنَّ الميت يبعث في أثوابه أي أعماله.
فائدة: ذكر أبو العباس أحمد بن عطاء الله أنَّ الشيخ أبا الحسن الشاذلي ﵄ بات ليلة، وضنها ليلة سبع وعشرين، بالمسجد الجامع وافتتح الصلاة، فجعل الأولياء يتساقطون عليه من كل ناحية، فلما اصبح قال: ما كانت البارحة إلاّ ليلة مباركة! سمعت النبي ﷺ يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس في كل نفس! فقلت يا رسول الله، ما ثيابي؟ قال: كذا، وفسرها له بأخلاق قلبه ومقاماته؛ ونسيت اللفظ لطول العهد به. قال أبو الحسن: فعرفت حينئذ معنى قوله تعالى) وثيابك فطهر (.
وقال الآخر:
فإنَ تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
وهذا البيت من قصيدة، أضطرب في القائها، رثي بها رجل يقال له أبو المغوار، ورأيت أن أثبتها هنا مع طولها، لحسنها واشتمالها على الأمثال وهي:
تقول سليمى: ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب؟
فقلت، ولم يعي الجواب لقولها ... للدهر في صمم الإسلام نصيب:
تتابع أحداث تخر من اخوتي ... وشيبن رأسي والخطوب تشيب
لعمري لئن كانت أصابت منية ... أخي والمنايا للرجال شعوب
لقد عمجت منا الحوادث ماجداً ... عروفا لريب الدهر حين يريب
стр. 278
وقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فعيزب
فتى الحرب إنَّ حاربت كأنَّ سهامها ... وفي السلم مفضال الدين وهوب
هوت أمه ماذا تضمن قبره ... من الجود والمعروف حين يؤوب؟
جموع خلا الخير من كل جانب ... إذا جاء جياء بهن ذهوب
مفيد مفيت الفائدات معود ... لفعل الندى والمكرمات كسيب
فتى لا يبالي إنَّ يكون بجسمه ... إذا نال خلات الكرام شحوب
غنينا بخير حقبة ثم جلحت ... علينا التي كل الأنام تصيب
فأبقت قليلاً ذاهبا وتجهزت ... لأخر والراجي الخلود كذوب
واعلم أنَّ الباقي الحي منهما ... إلى أجل أقصى مداه قريب
فلو كان حي يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعيني أو يمنى يدي وإنني ... ببذل فداه جاهدا لمصيب
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
أخي كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب
عظيم رماد النار رحب فناؤه ... إلى سند لم يحتجنه غبوب
قريب ثراه ما ينال عدوه ... له نبطا أبي الهوان قطوب
لقد افسد الموت الحياة أتى ... على يومه علق إلي حبيب
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
إذا ما تراه أه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
على خير ما كان الرجال نباته ... وما الحظ إلاّ طعمة ونصيب
ويروى:
على خير ما كان الرجال خلاله ... وما الخير إلاّ قسمة ونصيب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... ويدعوه الندى فيجيب
هو العسل الماذي لينا وشيمة ... وليث إذا يلقى العدو غضوب
стр. 279
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يرد الليل حين يؤوب؟
كعالية الرمح الرديني لم يكن ... إذا ابتدر الخير الرجال يخيب
أخو شتوات يعلم الحي إنّه ... سيكثر ما في قدره ويطيب
ليبكك عار لم يجد من يعينه ... وطاوي الحشى نائي المزار غريب
تروح تزهاه صبى مستطيفة ... بكل ذرى والمستزاد جذيب
كأن أبا المغمور لم يوف مرقبا ... إذا ربا القوم الغزاة رقيب
ولم يدع الفتيان كرامة لميسر ... إذا هب من ريح الشتاء هبوب
إذا حل لم تقصر مقامة بيته ... ولكنه الأدنى بحيث يجيب
حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيى شب وهو أديب
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
كأن بيوت الحي ما لم يكن بها ... بسابس لا يفنى بهن غريب
إذا شهيد الايسار أو غاب بعضهم ... كفى ذاك وضاح الجبين نجيب
ويروى:
وإن شهدوا أو غاب بعض حماتهم ... كفى ذاك وضاح الجبين أريب
وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى؟ ... فلم يستجيه عند ذاك مجيب
فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب!
ويروى:
يجبك كما قد كان يفعل إنّه ... نجيب لابواب العلاء طلوب
فاني لباكيه وإني لصادق ... عليه وبعض القائلين كذوب
فتى اريحي كان يهتز للندى ... كما اهتز ماضي الشفرتين قضيب
وخبرتماني إنّما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا روضة وكثيب؟
وقال جميل بن معمر بن عبد الله العذاري:
وقالوا: يا جميل أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب
стр. 280
احبك إنَّ نزلت جبال حسمى ... وإنَّ ناسبت بثنة من قريب
وكانت حفصة بنت عمران مات عنها زوجها فخاطبها عبد الله بن الحسين بن حسن بن علي وإبراهيم بن هشام. فكان أخوها محمد بن عمران إذا دخل على إبراهيم أنشدت إبراهيم متمثلا: وقالوا: يا جميل أتى أخوها البيت وقال أبو محمد الحريري ﵀:
وقع الشوائب شيب ... والدهر بالناس قلب
إنَّ دان يوما لشخص ... ففي غد يتقلب
فلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلب
وإذا هو أضرى ... بك الخطوب وألب
فما على التبر عار ... في النار حين يقلب
وقال أيضاً:
لجوب البلاد مع المتربة ... احب ألي من المرتبة
لأن الولاة لهم نبوة ... ومعتبة يا لها معتبة
وما فيهم من يرب الصنيع ... ولا من يشيد ما رببه
فلا يخدعنك لموع السراب ... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبه
فكم حالم سره حلمه ... وأدركه الروع لمّا انتبه
وقال أيضاً:
فاليوم من يعلق الرجاء به ... اكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم آل ولا نسب
كأنهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنا ويجتنب
وهذا منزع سيأتي ذكر ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أيضاً:
سل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه
واستل من جفني كراه ... مراغما وأساله غربه
وأجالني في الأفق اطوي ... شرقه وأجوب غربه
стр. 281
فبكل جو طلعه ... في كل يوم لي وغربه
وكذا المغرب شخصه ... متغرب ومواه غربه
الغرب الأول حدّثني السيف والغرب الثاني مجرى الدمع والثالث ضد الشرق والرابع فعلة من الغروب يقال: غرب غربة وطلع طلعة والخامس البعد يقال: نوى غربة أي بعيده.
قال طرفة:
أخبرك إنَّ الحي فرق بينهم ... نوى غربة ضرابة لي كذلك
وفسرت هنا أيضاً بالحدة وهي من معانيها وغربة النوى بعدها.
وقال أيضاً:
لا تيأسن عند النوب ... من فرجة تجلو الكرب
فلكم سموم هب ثم ... جرى نسيما وانقلب
وسحاب مكروه تنشى ... فاضمحل وما سكب
ودخان خطب خيف منه ... فما استبان له لهب
ولطالما طلع الأسى ... وعلى تفيئته غرب
فاصبر إذا ما ناب رو ... على فالزمان أبو العجب
وترج من زوح الإله ... لطائف لا تحتسب
وقال أيضاً:
لعمرك ما تغني المغاني ولا الغنا ... إذا سكن المرء الثرى وثوى به
فجد في مراضيه الله بالمال راضيا ... بما تقتني من اجره وثوابه
وبادر به صرف الزمان فانه ... بمخلبه الاشقى يصول ونابه
ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخفى عليه ونابه
وعاص هوى النفس الذي ما أطاعه ... أخو ضلة إلاّ هوى من عاقبه
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي الوبل حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومعظم صابه
стр. 282
وإنَّ قصارى مسكن الحي حفرة ... سينزلها مستنزلا عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعله ... وأبدى التلافي قبل إغلاق بابه
وقال أيضاً:
اصرف بصرف الراح عنك الأسى ... وروح القلب ولاتكتئب
وقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهم: قدك اتئب!
وهذا مما يتمثل به أهل المجون لكنه بصدد أن يستعمل في الجد وخمر المحبة والعرفتن والأنس الرحماني، يعرف ذلك ذوو البصائر. وقال أيضاً:
فإنَ فطنتم للحن القول بان لكم ... صديقي ودلكم طلعي على رطبي
وإن شهدتم فإنَ العار فيه على ... من لا يميز بين العود والخشب
وقال الآخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ
ومن يتتبع حاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يبقى له الدهر صاحبُ
وتقدم هذا المعنى وما فيه.
ويحكى أنَّ يزيد بن عبد الملك بلغه أيام خلافته أنَّ أخاه هشاماً ينتقصه. فكتب إليه معاتبا له: مثلي ومثلك كما قال الأول:
تمنى رجالٌ أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ
لعل الذي يبغي ردائي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الردي
فكتب إليه هشام إنّما مثلي ومثلك كما قال الأول:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون لك ما كان منك، حفظا لوصية أبينا فينا، وحضه إيانا على إصلاح ذات البين، وأنا أعلم كما قال معن بن أوس:
لعمرك ما أدري لأوجل ... على أينا تعدو المنية أولُ
وإني على أشياء منك تريبني ... قديما لذو صفحٍ على ذاك مجماُ
стр. 283
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تبدلُ!
إذا سؤتني يوما رجعت إلى غدٍ ... ليعقب يوماً منك آخر مقبلُ
ويركب حدّثني السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحلُ
وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحولُ
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجهٍ آخر الدهر تقبلُ
فلما جاء الكتاب هشاما رحل إليه فلم يزل في جواره حتى مات خوفا من شر الوشاة.
وقال المولى أبو حمو موسى بن يوسف الملك الزياني:
الحب اضعف جسمي فوق ما وجبا ... والشوق رد خيالي بالسقام هبا
والبين أشعل نار الوجد في كبدي ... والدمع يضرمها في القلب واعجبا!
وماءٌ ونارٌ وأكبادي لها حطبٌ ... لكن عذابي به للحب قد عذبا
ما كنت أدريهما حتى صحبتهما ... كرهاً وقد يكره الإنسان من صحبا
وقال الآخر:
كل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌ ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحبابُ؟
وتقدم هذا الشعر إلاّ أنَّ له حكاية تذكر.
قال الجاحظ: بعث إلي المتوكل لتأديب ولده. فلما رآني استبشع منظري وأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. فلما خرجت من عنده لقيت محمد بن إبراهيم يريد الانحدار في سفينة إلى مدينة السلام، فركبت معه. فأمر يوما بنصب أستاره وأمر عوادة عنده أن تغني، فأخذت العود وغنت: كل يوم قطيعة وعتاب البيتين ثم سكتت. فأمر طنبورية كانت عنده أن تغني فأخذت الطنبور وغنت:
وارحمة للعاشقين ... ما أرى لهم معينا!
كم يظلمون ويهجرو ... ن ويقطعون فيصبرون!
فقالت العوادة: وماذا يصنعون؟ فقالت: يصنعون هكذا! فهتكت الستارة ورمت بنفسها في الماء. وكان على رأس محمد غلام مثلها في الجمال، بيده مدية. فلما رأى ما
стр. 284
صنعت ألقى المدية وجاء إلى الموضع الذي رمت بنفسها منه فقال:
أنت الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمين
لا خير بعدك في البقا ... والموت زين العاشقين
ثم رمى بنفسه في أثرها وعانقها في الماء، فكان آخر العهد بهما. فعظم الأمر على محمد والتفت إلي وقال: يا عمرو، حدثني بحديث تسليني به عن هذين، وإلاّ لحقت بهما! فقالت: جلس سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم فعرضت عليه بطاقة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج ألي جاريته فلانه حتى تغني لي ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ وأمر بإحضاره. فلما حضر قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك. فسري عنه وأمره بالجلوس وأمر الناس بالانصراف. ثم أمر بإخراج الجارية فجاءت بعودها وجلست. فقال لها الفتى: غني لي:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهدِ
وزاد كما زدنا وأصبح ناميا ... وليس وإن متنا بمنتقض العهدِ
ولكنه باقٍ على حاله كذا ... وزائد ما في ظلمة القبر واللحدِ
فلما غنته طرب طربا شديدا وقال: فداؤك أبي وأمي! قال: غني لي:
إذا قلت: مابي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابتٌ ويزيدُ
وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها ويعودُ
فلما غنت طرب طربا أعظم من الأول وقال: فدتك نفسي! ثم قال: غني لي:
مني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهرُ
والله لا أنساكم أبداً ... ما لاح نجم أو بدا بدرُ
فما أتمتها حتى زج بنفسه في الهواء ثم انعكس على دماغه وسقط بالأرض فإذا هو ميت. فقال سليمان: عجل على نفسه. والله ما أخرتها إلاّ على ملكه! يا غلام خذ بيدها وانطلق بها فإن كان له أهل وإلاّ بيعت وتصدق بثمنها عليه. فانطلق بها، فلما توسطت الدار رأت حفرة أعدت لماء المطر فقالت:
стр. 285
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت!
ثم جذبت بيدها من يد الغلام، وألقت بنفسها في الحفرة على دماغها فماتت. قال: فسيري عن محمّد ووصلني وكساني. قال ثم حدثت بهذا الحديث محمّد بن جعفر الأخباري فقال: كان محمّد بن حميد الطوسي يوما مع ندمائه، فغنت جارية له:
يا قمر القصر متى تطلع؟ ... أشقى وغيري بك يستمتع
إنَّ كان ربي قد قضى ما أرى ... منك على رأسي فما أصنع؟
وكان على رأس محمّد بن حميد غلام بيده قدح يسقيه به. فرما بالقدح من يده وقال: تصنعين هكذا! ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة. فلما رأت ذلك الجارية قامت ورمت بنفسها على أثره، فكان آخر العهد بهما. وقال آخر من الطفيليين:
كل يوم أدور في عرصة الدار ... أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أرهب ... شتما ولكزة البواب
مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب
ذاك أهنا من التكلف والعز ... م وشتم البقال والقصاب
وكان هذا الطفيلي أتى وليمة فأقتحم الدار وأخذ مجلسه من الناس فأنكره صاحب المنزل وقال له: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنّما واطراحها صلة. وجاء في الأثر: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك! ثم إني أجمع فيها خلالا: أدخل مجالسا، وآكل موانسا، وأبسط رب دار وإنَّ كان عابسا وانشد ما تقدم.
وقال الآخر:
كنا نعاتبكم ليالي ... عودكم حلو المذاق وفيكم مستعتب
следующие страницы →