← Адаб

Адаб · id 7414

زهر الأكم في الأمثال والحكم

الحسن اليوسي

Полный текст (902 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله سيد القوم أتاه ... الحتف نارٌ وسط ظله جعلت نارٌ عليهم ... دراهم كالمضمحله ويروى أيضاً: ألا يا شعيب قد نطقت مقالةً ... سبقت بها عمراً وحي بني عمرِ ملوك بني حطي هوز منهم ... وسعفص أهل للمكارم والفخرِ وقيل هم ملوك الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم ﵇ فألقيت إلى العرب؛ وقيل أسماء ملوك الجبابرة. وقيل أوّل من وضع الخط العربي نفر من طيء من بولان وهم: مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن حدرة. فساروا إلى مكة فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة بن حرب بن عبد شمس وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهشام بن المغيرة المخزومي. ثم أتوا الأنبار فتعلمه نفر منهم. ثم أتوا الحيرة فتعلمه منهم جماعة منهم: سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم وولده يسموه بالكوفة بني الكاتب. ثم أتوا الشام فعلموه جماعة فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما الضحاك وإسحاق بن حماد واخترع منه خطا أخف فسماه الثلثين السابق. ثم جعل الناس يختصرون ويغيرون حتى انتهى إلى ما مر. وليس هذا محل تفصيل هذا. وأما ما قيل من الشعر في وصف الكتاب أو الأقلام أو المحابر أو تفضيل القلم على السيف أو العكس فأكثر من أن يحصى. وقد وضعت في ذلك موضوعات مستقلة. فمن مستحسن ذلك قول أبي الفتح البستي: إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمي هز عاملهُ وإن أقر على رقٍّ أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام لهُ وقال الآخر: يمسك الفرس رمحا بيدٍ ... وأنا أمسك فيه قصبه فكلانا فارسٌفي شأنه: ... إنَّ الأقلام رماحُ الكتبه

стр. 562

وقول الآخر: وما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأشجار يأرج بالغداةِ بأوضاع أو بأبسط من نسيمٍ ... توديه الأفاوه من دواةِ وقول الآخر في خلاف هذا: دعي في الكتابة لا رويٌ ... له فيما يعد ولا بديهُ كأن دواته من ريق فيه ... تلاق فريحها أبداً كريهُ! وقول بعضهم وقد نظر إلى فتى عليه أثر المداد وهو يستره: لا تجزعن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب! ويقال: أثر المداد دليل على الفضل حتى إنَّ عبيد الله بن سليمان رأى صفرة زعفران في ثوبه فطلاها بالحبر وقال: المداد أحسن بنا من الزعفران! وأنشد: إنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوات عطر الرجالِ وقول الآخر يهجو كاتبا: حمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ في زيادِ فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك في المدادِ! وقال بعضهم: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا فوقعت من القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمه فتعجبت فقال: لا تعجب! المال فرع والقلم أصل والأصل أحوج من الفرع إلى المراعات وبهذا السواد جاءت الثياب. ثم أطرق قليلا فأنشد: إذا ما الفكر ولد حسن لفظٍ ... وأسلمه الوجود إلى العيانِ ووشاه فنمنمه مشدٍ ... فصيحٌ في المقال بلا لسانِ ترى حلل البيان منشراتٍ ... تجلى بينها صور المعاني وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب واعتمد عليه فصر تحت يده فقال: إذا ما التقينا وانتضينا صوارماً ... يكاد يصم السامعين صريرها تساقط في القرطاس منها بدائعٌ ... كمثل اللآلي نظمها ونثرها تقود أبيات البيان بفطنةٍ ... يكشف عن وجه البلاغة نورها تظل المنايا والعطايا شوارعاً ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بنا عما تسر ستورها

стр. 563

وقول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات من قصيدة: لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ له الخلوات اللاء لولا نجيها ... لمّا اختلفت للملك تلك المحافلُ لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنا اشتارته أيدٍ عواسلُ له ريقٌ طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابلُ فصيحٌ إذا استنطقته وهو راكبٌ ... وأعجم إن خاطبته وهو راجلُ إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافلُ اطاعته أطراف القنى وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافلُ وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأناملُ رأيت جليلاً شأنه وهو مرهقٌ ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحلُ وقول أبي الفتح البستي: إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم الكتاب مجداً ورفعةً ... مدى الدهر أنَّ الله أقسم بالقلم وقول البحتري: تعنو له وزراء الملك قاطبةً ... وعادة السيف أن يستخدم القلما وقول الآخر: إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأممُ فالموت والموت لا شيء يقابله ... ما زال يتبلع ما يجري به القلمُ بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ وقول أبي الطيب مناقضا لهذا: حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلمِ اكتب بذا أبداً بعد الكتاب لها ... فإنما نحن للأسياف كالخدمِ وقول سليمان بن جرير النمري في نحوه: جهابذةٌ وكتابٌ وليسوا ... بفرسان الكريهة والطعانِ ستذكرني وتعرفني إذا ما ... تلاقى الحلقان من الباطنِ

стр. 564

وقول كشاجم: هنيئاً لأصحاب السيف بطالةً ... تقضى بها أيامهم في التنعمِ! وكم فيهم من دائم الأمن لم يرع ... بحربٍ ولم ينهد لقرن مصممِ وكل ذوي الأقلام في كل ساعةٍ ... سيوفهم ايست تجف من الدمِ وقول الآخر في مدح القلم وأهله: قومٌ إذا أدخلوا الأقلام من قصبٍ ... ثم استمدوا بها ماء المنياتِ نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال بحد المشرفياتِ وقول البحتري يمدح الحسن بن وهب ويصف أقلامه: وإذا تألق في الني كلامه ... المصقول خلت لسانه من عضبهِ وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبهِ فاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربهِ حكمٌ فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليلها من قلبهِ فكأنها والسمع معقودٌ بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبهِ وقوله أيضاً في أبن الزيات: لتصرفت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميدِ في نظام من البلاغة ما شك ... امرؤ أنه نظام فريدِ وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديدِ ما أعيرت منه بطون القراطيس ... وما حملت طهور البريدِ حزن مستعمل الكلام أخباراً ... وتجنبن ظلمة التعقيدِ كالعذارى غدون في الحلل الصفر ... إذا رحن في الخطوب السودِ ومن أمثال الأدباء قولهم: أخف من دينار يحيى . وهو يحيى بن علي أعطى بعض الأدباء دينار خفيفا فقال فيه عدة مقاطع منها: دينار يحيى زائد النقصان ... فيه علامة سكة الحرمانِ

стр. 565

قد راق منظره ورق خياله ... فكأنه روح بلا جثمان أهداه مكتتما إلي برقعةٍ ... فوجدته أخفى من الكتمان! ومن أمثال العامة قولهم: خالف تعرف ! ونحوه قول الشاعر: خلافا لرأي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم: خالف فتذكر! ويظهر من هذا البيت إنَّ المثل قديم، والبيت انشده الجاحظ. ولنلم الآن بشيء في هذا الباب. قال الشاعر: تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء نقاخا شراب النبيئين والمرسلين ... ومن لا يحاول منه اطباخا رأيت النبيذ يدل العزيز ... ويكسو التقي النقي اتساخا فهبني عذرت الفتى جاهلا ... فما العذر فيه إذا المرء شاخا؟ قوله ماء نقاخا، أي بارداً عذبا صافيا، وهو بضم النون وبالقاف على مثال غراب. وقال الآخر: نعوذ بالله من أناسٍ ... تشيخوا قبل إنَّ يشيخوا تقوسوا وانحنوا رياء ... فأحذرهم: انهم فخوخ! وأشار بهذا التمثل في الرياء إلى نحو ما حكي في الإسرائيليات إنَّ عصفورة على فخ فقالت له: مالي اراك منحنيا؟ قال:: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي، بدت عظامي! قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست الصوف. قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكؤ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إنَّ مر بي مسكين أناوله إياها. قالت: فإني مسكينة. قال: خذيها! فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها، فصاحت: قعى! قعى! وتفسيره: لا غرني مراءٍ بعدك أبداً! ومما جاء في الرياء، أعاذنا الله منه!، قوله ﷺ : " إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:

стр. 566

" الرياء ". يقول يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا، فانظروا كيف تجدون عندهم الجزاء. وقوله ﷺ : " من راأى، راأى الله به، ومن سمع، سمع الله به ". وقوله ﷺ : " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، خيرا فخير وإنَّ شرا فشر. والآيات والأحاديث والآثار في ذم الرياء والتنفير عنه لا تحصى وهي مشهورة. وفي معنى ذلك قول الشاعر: وإذا أظهرت شيئاً حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر فمسر الخير موسم به ... ومسر الشر موسوم بشر وقول الآخر في المتشابهين: أهل الرياء لبستهم ناموسكم ... كالذئب يدلج في الظلام العاتم فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقستم الأموال بابن القاسم وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم وقول الآخر: قل للأمام سنا الأئمة مالكٍ ... نور العيون ونزهة الأسماع: لله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي! فمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا قنصا لشر سباع أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍ ... طاوي الحشا متكفت الأضلاع تشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع وقال محمود الوراق لابن أخته: تصوف كي يقال له أمين ... وما معنى التصوف والأمانة؟ ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة وقول الآخر: صلى وصام لأمر كان يطلبه ... ومذ حواه فما صلى ولا صاما! وقول الآخر: شمر ثيابك واستعد لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم

стр. 567

وعليك بالغنوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيمِ! وقول الآخر: لا شيء أخسر صفقة من عالمٍ ... لعبت به الدنيا مع الجهالِ فغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويديه حرصاً بجمع المالِ لا خير في كسب الحرام وقلما ... يرجى الخلاص لكاسب الحلالِ فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلةٍ ... فالفضل تسأل عنه أي سؤالِ! وقول بعضهم وقد رأى ثم افتضح نعوذ بالله!: بينا أنا في توبتي مفبلاً ... قد شبهوني بابن روادِ وقد حملت العلم مستظهراً ... وحدوثوا عني بإسنادِ الله تعالى خطر الشيطان بي جطوة ... نكست منها في أبي جادِ وقال آخر يخاطب معزولا: ولوك إذ علموا بجهلك منصباً ... علموا بأنك عن قليل تبرحُ طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا ... وكذا القلوب على المناصب تطبخُ وقال الآخر في حمام: حمامكم قيمته أسود ... هربت منه وأنا صارخُ قد سلخت جسمي أظافره ... يا قوم هذا الأسود السالخُ وفي هذين الشعرين التورية وهي إن يذكر الشاعر لفظاله مهنيان: قريب وبعيد. ويريد البعيد نحو قوله تعالى: الرحمن على العرشِ استوى فإنَّ المراد أحد معنيي الاستواء وهو الاستيلاء قهرا وغلبة وهو المعنى الأبعد لأنّه مجاز وتسمى التورية إيهاما. فإن كان المعنيان مستويين سمي ذلك توجيها. وقد تقدم في ذلك جملة من الشعر في الأبواب السابقة ونحن نريد هنا من مستحسن ذلك قول بعضهم يهنيءبعيد النحو: تهن بعيد النحو وابق ممتعاً ... بأمثاله سامي العلى نافذ الأمرِ! تقلدنا فيه قلائد أنعمٍ ... واحسن ما تبدو القلائد في النحرِ وقول الآخر: بروحي أفدي خاله فوق خده ... وما أنا في الدنيا فأفديه بالمالِ

стр. 568

تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخالِ وقول الآخر: مهفهف القد إذا ما انثنى ... قال ولا يخشى من الود ما أنت كفلي يا كثيب اللوى ... ولست يا غصن النقا قدي! لو نلت من خده تقبيلةً ... تزين الريحان بالوردِ وقول الآخر: قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك قال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى يا غصن أن تستميلك! وقول الآخر: تهاون شمس الين بي وهو صاحبٌ ... وأظهر لي أضعاف ما يظهر العدا نزلت به أبغي النا وهو طالعٌ ... وعند طلوع الشمس يرتفع الندا! وقول الآخر في حق النبي ﷺ : يا عين إن بعد الحبيب وداده ... ونأت مرابعه وشط مزارهُ فلقد ظفرت من الزمان بطائلٍ ... إن لم تريه فهذه آثارهُ وقول الآخر: عاينته ودموعي غير جاريةٍ ... لأن دمعي من طول البكا نشفا فقال: لم أدر وكف الدمع قلت له: ... حسيبك الله يا بدر الجا وكفا! وقول الصفدي مع حسن التضمين: ملكت كتابا أخلق الدهر جلده ... وما أحدٌ في دهره بمخلدُ إذا عاينت كتبي الصحيحة حاله ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد! وقول أبي بكر بن حجة: عزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض وكان العذر يقبل في سلوي ... ولكن ما سلمت من العوارض وقول البدر الدماميني: وبي وجنةٌ حمراء زاد صفاؤها ... فأبدت صفات أبع الحسن كونها فدع لائمي فيها عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها

стр. 569

وقول أبن جعفر العسقلاني: قد جئت في علم الأصول لنا وفي ... علم الفروع بخالص الابريز برزت في هذا وفي هذا على ... الرازي بالإحسان والتبريزي وقوله: خليلي ولى العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا فحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنا؟ وقول المعمار: إنَّ قام يتلو سورة الشمس المنيرة في ضحاها يا حسنه فكأنه القمر المنير إذا تلاها وقوله: تملك قلبي صارم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد أقول لصاحبي حين يرنو بلحظه: ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي وقول الآخر: يا من تولى قاضيا ... هذا قضاء أم قدر؟ عذرك في نسياننا ... أنَّ القضا يعمي البصر! وقول أبن العفيف: ليس خليليا ولكنه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل يا ردفه جرت على خصره ... وفقا به ما أنت إلاّ ثقيل! وقوله مما يكتب على كأس: أدور لتقبيل الندامى ولم أزل ... أجود للندامى وأنفاسي وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهب ... فمن أجل هذا لقبوني بالكأس وقوله في مليح خيالي: خيالي أخاف الهجر منه ... وليس أراه يرغب في وصالي وكنت عهدتني قدما شجاعا ... فمالي صرت أفزع من خيالي؟ وما قيل في التورية والتوجيه أكثر من إنَّ يحصى. ولولا خوف الإطالة لأوردنا من مستحسن ذلك ما يكون جزءا مستقلا، وليس ذلك من غرضنا. وأنا أذكر هنا بعض ما اتفق لي نظمه

стр. 570

في باب التورية أو التوجيه من غير تعبئة لنزول هذا الميدان، ومطاردة هؤلاء الفرسان. فمن ذلك قولي: بنفسي من أضحى فؤادي طائرا ... على غصن من قده اللدن ميال على روضة من خده الخال عارض ... وأبهج روض ما علا عارض الخال وفيه التورية بالطائر من حيث إنّه اسم فاعل أو اسم ذي الجناح على التشبيه وحرف الجر بعده للتعليل على الأول والاستعلاء على الثاني، والتوريه بالخال من حيث إنّه النقطة أو الغيم المخيل بالمطر مع الجناس بين على وعلا والعكس. وقولي: مررت على بالٍ من الربع دارس ... بكل ربابٍ عارض اسحم خال ففاضت شؤون الجفن من ذكر حيرتي ... وثار هواهم إذ مررت على البال وفيه التورية بالخال من حيث إنّه وصف للدارس من الخلو أو وصف للرباب بمعنى المخيل كما مر. والتورية بالبال آخراً من حيث إنّه راجع إلى الربع من البلى أو إنّه الفكر والخاطر ومعمول مررت عليهن محذوف عي عليه. وقولي: وعاذل عن الهوى عادل ... يدعو لأمر في الهوى إمر قال أسلهم واصبر فكم ذائق ... أمر في الهجر من الصبر وزع عنان القلب عما جرى ... عليه من بلواء أو يجري فأي عذر في اتباع الصبا؟ ... قلت له إنَّ الهوى عذري وفيه التورية بالصبر من حيث إنّه معناه أو إنّه المر المعروف. وأصله صبر ثم خفف بالتسكين والتورية يجري من حيث إنّه من الجريان بقرينة العنان أو إنّه من الوقوع. والمعنى عليهما واضح. والتورية بالعذر من حيث إنّه الاعتذار أضيف إلى ياء المتكلم أونسوب إلى بني عذرة، وهو الهوى الشديد، والمعيان ظاهران وقولي: قال العذول إذ بدا ... بعارض معذر: الوجه الاعتزال عن ... هذا الوجيه الأشعر فقلت: ذلك الوجه ... يبقى فيه فضل نظر

стр. 571

وفيه التورية في الاشعر مع الاعتزال من حيث إنّه وصف كأحمر أي ذو شعر أو بياء النسبة، والتورية في النظر والوجه من حيث إنّه نظر البصر أو نظر البصيرة، والوجه وجه الحبيب أو وجه الدليل. وقولي من قصيدة زمن الصبا أخاطب شيخنا الإمام الهمام أمتعني الله به: وفينا معان بينت قدم الهوى ... فليس لعمري بالبديع إلى الصدر وقد أعربت جزما بنصب أدلة ... فيرفع ما بينى على الظن من هجر فإنَّ لم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر وهذه التوريات واضحة كلها، وقد وقع لي مثل هذا النوع كثيرا ولم أذكره. وقولي من قصيدة أخرى موريا بالعباب و " الجوهري " من كتب اللغة: وعبرت من لجج العلوم عبابها ... حتى أنثنيت بمنفسات الجوهر وهذه القصيدة خاطبت بها بعض فضلاء العصر. فلما وقف عليها استحسنها هو وجماعة من الفضلاء الواقفين عليها غاية. وكان من أغبياء الطلبة بعضهم من لم يرتق فهمه إلى ألفاظها، فضلاً عن معاينتها، فتعلل لنفسه القاصرة بأنها مشتملة على الوحشي من اللغة. فلما بلغني ذلك قلت: تسامى لأذيالي مذال ولم أكن ... لكل ذليل بالذلول ولا السهل ورام مرامات امرئ طالما علا ... على الحزن من فيح البلاغة والسهل وأرسلتها غراء ليس يذيمها ... سوى العمي عن شمس الظهيرة والجهل فأنكر جهلا ما حوته رسالتي ... ولا غرو فالتكذيب شان أبي جهل! وفيه التورية بابي جهل مع الجناسات الكثيرة. والجهل بضم فسكون جمع جاهل. وتخلف بعض أصحابي عن مجلس الدرس في اليوم المسمى بالعجوز، وآخر ينير، حبسه البرد، فكتبت إليه على سبيل المطايبة: أعجزت عنا العجوز ولم يكن ... رجل لتمنعه عجوز عائده؟ وعدلت عن أبكار فكري بكرة ... اتباع بكر بالعجوز الباردة؟ وفيه التورية بالعائدة من حيث إنّه وصف للعجوز أي صارفة وعائقة وإنّه معمول المنع بمعنى العطية والصلة، وفي العجوز أيضاً بين اليوم والمرأة بقرينة ذكر الرجل. وينشد أيضاً عجوز جالدة أو فائدة، وفي كليهما التورية: فالجالدة إما بمعنى ذات الجليد، من

стр. 572

قولك جلدت الأرض بالكسر، تجلد فهمي جلدة والجالدة، اعتباراً للعجوز بمعنى اليوم على قصد الليلة أو الصبيحة أو البكرة؛ وإما بمعنى المدافعة والمقاتلة، من قولك جلدته بالعصا: ضربته، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة؛ والفائدة إما بمعنى الإفادة وهو معمول المنع، أو بمعنى الهالكة، من قولك: فاد يفيد، فيدا، إذا هلك ومات، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة وإنّها هرمة فانية، فكيف تغلب الرجل؟ والتورية في العجوز الباردة واضحة؟ وأعلم أنَّ التورية والتوجيه أعلى فنون البديع وأجلها وأدقها، وهو أحد معاريض البلغاء الذي يرفلون به في الحلل الرقائق، وينجون بفسحتها من المضائق. فمن أظرف ما وقع من ذلك ما روي عن خالد بن الوليد، ﵁، إنّه لمّا نزل على الحيرة أتاه عبد المسيح الغساني، وهو أبن ثلاثمائة وخمسين سنة. فلما مثل بين يديه قال له: انعم صباحا أيها الأمير! فقال له خالد: قد أغنى الله عن تحيتكم بسلام عليكم. ثم قال له خالد: من أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت؟ قال من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض. قال: فيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: أي والله، وأقيد. قال: أبن كم أنت؟ قال: أبن رجل وامرأة. قال: كم سنك؟ قال: اثنان وثلاثون بيض ضرس وغضيض. قال: كم لك من السنين؟ قال: السنون كلها لله. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: كم عمرك؟ قال: لا يعلمه إلا الله. فقال خالد: ما رأيت كاليوم إنسانا أسأله عن شيء وهو ينحوا في غيره. فقال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. وما روي عن النبي ﷺ حيث قال له الأعرابي: من أنتم؟ فقال ﷺ : نحن من ماء، والقصة مشهورة. وما روي من أنَّ رجلا وقف بباب المأمون ليشكو فلم يجد من يدخله فصاح: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث! فأخذ وأدخل على المأمون وقيل له إنّه تنبأ عن أمره فذكر شكواه فقال له: ما هذا الذي حكي عنك؟ قال: ما هو؟ قال: انهم قالوا إنك تنبأت. قال: معاذ الله! إنّما قلت: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث، وأنت يا أمير المؤمنين تحمده، وكذلك هؤلاء. فاستظرفه المأمون وأمر بأنصافه. وما روي عن بشار بن برد من أنه خاط له رجل أعور يعرف بعمرو بردا فلم يعجبه فقال له:

стр. 573

ما هذه الخياطة؟ قال له: خطته لك كذلك لتلبسه إنَّ شئت على وجهه، وإنَّ شئت من باطنه. فقال له بشار: وأنا قد قلت فيك شعرا، إنَّ شئت جعلته مدحا وإنَّ شئت جعلته هجوا، ثم انشد: خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء فأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء! ويروى: خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء فسل الناس جميعا ... أمديح أم هجاء! وهو على نصب الجزأين بليت. وما روي إنّه نشأ ببغداد غلامان أحدهما أبن حجام والآخر أبن مراق، فبرعا في الأدب. فخرجا ليلة وهما ثملان من نبيذ. فأخذهما العسس فأتوا بهما إلى صاحبهما. فلما مثلا بين يديه قال لهما: ما أخرجكما جوف الليل؟ فقالا: القدر والقضاء. فقال من أنتما؟ فقال أبن المراق: أنا أبن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإنَّ نزلت يوما فسوف تعود ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود وقال أبن الحجام: أنا أبن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها تأتيه طوعا إليه خاضعة ... يأخذ من مالها ومن دمها فقال في نفسه: الأول من أبناء الكرام، والثاني من أبناء الملوك. فقال لأعوانه: خلوا عنهما، فإنه بلغنا عن رسول الله ﷺ إنّه قال: اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. فلما انصرفا أخبر بأمرهما، فاسترجعهما بالغد وقال لهما: ويحكما! خدعتماني. فقالا: ما خدعناك إلاّ بما هو صفة والدينا. فلما تأمل كلامهما وجده صدقا وقال: انطلقا! من لم ين منكما شريف فلقد كان ظريفا. وما روي عن أبي الفرج الجوزي، ﵁، إنّه كان في مجلسه في السنية والشيعة، فسأله سائل، أي الناس كان احب إلى رسول الله ﷺ ، أبو بكر أم علي؟ فتغافل، فقيل ما عندك! فقال: أحبهما إليه من كانت ابنته تحته.

стр. 574

ويروى: أفضلهما من كانت ابنته تحته على إنَّ السؤال كان على الأفضلية. ففهم السنية أبا بكر وفهم الشيعة عليا ورضي الفريقان. ومحاسن هذا النوع أكثر من أن تحصى. وقد خرجنا عن الغرض فلنعد إلى المقصود. وقال أبو محمّد الحريري: يقولون إنَّ جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ وما أن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ فأما الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ وأي جمال له أن يقال ... أديب يعلم أو ناسخ الكامخ: شيء يؤتدم به أو طعام يتخذ من الحنطة واللبن على أنواع والعرب كانت لا تعرفه. وقدم لأعرابي فقال: ما هذا؟ فقيل له: كامخ. فقال: مم صنع؟ فقيل: من الحنطة واللبن. فقال: أبوان كريمان وما أنجبا وقلت: إذا المرء إن أرضيته كان لي أخا ... وإن أس عادني فما هولي بأخ فلا خير في ود امرئ ليس صافيا ... تراه بأدران المساوي قد اتسخ ولا خير في ود يكون تكلفا ... ولا في ودود حيث لنت له شمخ وما الود إلاّ ما تكنفه الحشا ... متى تهزز الأحداث أغصانه رسخ وقلت أيضاً في هذا المعنى: ولا تبت من فتى على ثقة ... ولا يغرن حجاك من آخى حتى تراه لدى النوائب إن ... قاضيه في الحاجات هل ساخى وعند سعي الوشى هل ثبتت ... رجلا حشاة في الود أم ساخا سخى الأول فاعل من السخاء وهو الكرم وساخ الثاني من ساخ يسوخ ويسيخ إذا هوى في الطين ونحوه وفيهما يكون الجناس التام. ولنكتف بهذا القدر من هذا الباب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 575

باب الدال المهملة دردب لمّا عضه الثقاف . الدردبة عدو على الخوف وهو أن يجري ويلتفت وراءه من الخوف. وعضضت الشيء بالكسر كعلمت وبالفتح كمعت: أمسكته بأسناني أو بلساني ثم يستعمل العض فيما يشبه هذا من إلمام الحوادث ووقع الخطوب: والثقاف بالكسر الخصام والمجادلة. ويقال: ثقفة كعلمه إذا صادفه أو أخذه أو أدركه وظفر به. قال الشاعر: من يثقفن منهم فليس بآئب ... أبداً وقتل بني قتيبة شاف وقال ذو الكلب الهذلي: فإما تثقفوني فاقتلوني ... فإنَّ أثقف فسوف ترون بالي والثقاف أيضاً بالكسر الخشبة تسوى بها الرماح وهو المقصود في هذا المثل. فمعنى دردب لمّا عضه الثقاف: خضع وذل. ومضربه واضح. وقال عمرو بن كلثوم: إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا وثقف الرمح بالثقاف تثقيفا: سويته وقومته فهو مثقف ومقوم. دفعت إليه الشيء برمته . الدفع هنا الإعطاء. والرمة بالضم القطعة من الحبل البالية. ودفع رجل لآخر بعيرا في رقبته حبل فقيل: دفعه إليه برمته وذهب مثلا لكل من أعطى الشيء أو أخذه بأجمعه. قال الأعشى يخاطب خمارا:

стр. 576

فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقدادها دع بنيات الطريق . دع: معناه اترك أصله الودع وهو الترك لكن لم يستعمل هذا المصدر إلاّ قليلا كقوله ﷺ : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة الحديث. ولم يستعمل منه أيضاً الماضي إلاّ قليلا كقوله ﷺ : دعوا الحبشة ما ودعوكم. وقرئ: ما ودعك ربك وما قلى، بالتخفيف من هذا وإنّما المستعمل منه كثيراً المضارع والأمر وهما بفتح عين الكلمة لمكان حرف الحلق نحو قع ويقع. وقد علمت من هذا إنَّ حق هذا الحرف أن يذكر في باب الواو ولكن كتبناه في هذا الباب تقريبا لمّا أن الواو مستهلكة لا تظهر كما مر نظيره في حرف التاء. وبنيات الطريق الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الكبيرة وكأنها بنات لها من حيث إنها تنشأت عنها وخرجت منها. ثم أطلقوا بنيات الطريق على الأباطيل فضرب المثل عند أمر الرجل أن يقصد معظم الشأن ويدع سفساف الأمور. قال أبن منادر في قاضي البصرة: أي قاض أنت للنقض ... وتعطيل الحقوق؟ يدع الحق ويهوي ... في بنيات الطريق دعوا دما ضيعه أهله ! الدم معروف وفيه لغات: يقال دم وهي الفصحاء وأصله دمو ودمي فحذفت اللام. ويقال دم بالتضعيف كقوله: أهان دمك فرغا بعد عزته ... يا عمرو بغيك إصرار على الحسد؟ قد شقيت شقاء لا انقضاء له ... وسعد مرديك موفور على الابد ويقال دمى بالقصر مثل فتى وعصى كقوله: كأطوم فقدت برزغها ... أعقبتها الغبس منها عدما

стр. 577

غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هي بعظام ودما الأطوام بوزن صبور البقرة والبرزغ ولدها والتضييع معروف. وهذا المثل من كلام جذيمة الأبرش المتقدم ذكره. وكانت الزباء لمّا احتالت على قتلته كما مر قيل لها: احتفظي بدمه فإنه إن يضع وتقع منه قطرة بالأرض طلبت بثأره. فلما قبضت على جذيمة وأجلس على النطع وجعل الخدم يقطعن رواشيه قالت الزباء: لا تضيعن دم الملك! فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله! والمعنى: اتركوا دما أراقه أهله! أي مستحقوه وهم الزباء أي فلا يهولنكم ضياعه ولا يهمكم حفظه ولا تتخوفوا إذا ضاع أن تطالبوا به لأنكم لم تريقوه ظلما. وهذا كما في الرواية الآخرى: لا يحزنك دم أرقه أهله! يخاطب الزباء. وتقدمت القصة مستوفاة. وجذيمة يحتمل أن يكون في هذه الرواية عبر بتضييع الدم عن إراقته مجازا ليشاكل لفظ الزباء؛ ويحتمل أن يريد معناه لصحته في المعنى؛ وقد يكون جذيمة أراد أهله هو وأنهم ضيعوا دمه فيقول: إنَّ دما جمعه وواليه ز خانه ناصره وحاميه جدير أن يحتفظ عليه وأن يضيع ولا يلتفت إليه. دعوا دعوةً كوكبيةً . الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى دعا له وعليه يدعو دعاء والمرة منه دعوة. والكوكبية: قرية كان أهلها ظلمهم عامل فدعوا عليه دعوة فمات عقبها فضرب المثل بذلك. ومما يشبه هذا ما حكاه صاحب المدخل أنَّ قرية من أعمال السودان كان أهلها إذا ولى عليهم سلطان عاملا فانبسط عليهم دعوا فهلك. فلما أعيا السلطان أمرهم وتحير قام إليه بعض الحاضرين فقال: أنا ألي عليهم! فولاه السلطان بعد أن عرفه بكنه الأمر. فذهب ذلك الوالي فغصب ملحا واستصحبه معه ولم يكن في بلد السودان الملح. فلما بلغ موضع عمله قعد في المسجد ولم يصعد إلى موضع الأمير. فقالوا له: ألا تصعد إلى موضعك؟ فقال: إنما جئت على أن أكون واحدا منكم وأباشركم ولا أصدر إلاّ عن

стр. 578

رأيكم أو كما قال. وبقى على ذلك حتى أعجبهم وحسنوا به الظن. فتمارض حينئذ فسألوه عن موجب مرضه فقال لهم: موجب المرض فقد الملح. فقالوا: نأتيك بالملح. فقال: لا أعرف أصله وإنَّ عندي ملحا بالبلد أعرف جهته وأصله فلعله يكون فيه الشفاء. فإن أردتم أن أرسل من يأتي به وإلاّ فلا. فأذنوا له فأرسل إليه حتى بلغه ففرقه عليهم على وجه التبرك. فلما علم أنهم قد أكلوه قام إليهم ومد اليد إليهم وطلع إلى موضع الولاية حينئذ. وكان قبل يخشى من دعائهم لاقتياتهم الحلال الصرف. فلما دخل أجوافهم ذلك الملح علم أنَّ دعاءهم لا يسمع عليه وكان في القوم رجلان تفطنا لذلك فلم يأكلا ملحهما. فلما ظهر أمره أتياه بما عندهما لم يفسد شيئا منه. فلما علم أنهما قد بقيا هرب خوفا منهما. ومثل هذا حكي عن الحجاج لمّا دخل العراق واليا وكانوا لا يلي عليهم أحد ويظلمهم إلاّ دعوا فهلك. فلما خاف الحجاج من دعائهم طلب منهم أن يأتوه كلهم ببيضة بيضة لحاجة ذكرها وقعد على الصحن. فكل من أتى ببيضة أمره أن يطرحها في الصحن. فاستخفوا البيض منه وفعلوا ما أمرهم. فلما اجتمع البيض واختلط أمرهم أن يأخذ كل واحد بيضة وأراهم أنه قد بدا له في ذلك ورجع عما أراد. فأخذ كل واحد بيضة من البيض ولا يدري عين بيضته. فلما علم الحجاج أنهم تصرفوا في ذلك مد يده إليهم فدعوا عليه فمنعوا الإجابة. قال رحمه الله تعالى: ولأجل هذا كثرت المظالم وكثر الدعاء على فاعلها وقلت الإجابة أو عدمت. دفن البنات من المكرمات . الدفن معروف؛ والبنات جمع بنت؛ والمكرمة فعل الكرم. وهذا المثل مشهور ومثله المثل الآخر: نعم الصهر القبر! وقال الشاعر مضمنا المثل: القبر أخفى سترةٍ للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات أما رأيت الله عز اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات! وقول الآخر: أحب بنيتي وأود أني ... دفنت بنيتي في قعر لحدِ

стр. 579

وشبه هذا قول الأمير أبن أبي حفصة: وفي الدار خافي صبيةٌ قد تركتهم ... يطلبون إطلال الفراخ من الوكرِ جنيت على روحي بروحي جنايةً ... فأثقلت ظهري بالذي خف من ظهرِ والشعر في هذا المعنى كثير. دقك بالمنحاز حبَّ القلقلِ . الدق معروف. والمحاز بالحاء المهملة وبالزاي الهاون وهو المهراس. ونحزت الشيء: دققته. والقلقل بقافين مكسورين على مثل زبرج: نبن له حب اسود اصلب ما يكون من الحبوب حسن الشم. قال أبو النجم: وآضتِ البهمى كنبل الصقيل ... وطارت الريح يبيس القلقلِ وقد يقال في هذا المثل بفائين مضمومتين وهو الفلفل المعروف من الأبزار وجعله الأصمعي تصحيفا من العامة. ومن الناس من ادعى أنَّ هذا هو الصواب وأنَّ الأول هو التصحيف لأن حب القلقل بالقاف لا يدق. وهذا المثل يضرب في الإلحاح على الشحيح والحمل عليه وكأنه شطر بيت من الرجز. دقوا بينهم عطر منشمٍ. الدق مر؛ والعطر بالكسر معروف؛ ومنشم على مثال مجلس وعلى مثال مقعد قيل ويروى أيضاً مشئم بالهمز؛ ومن شم مفصولة. واختلف في معناه: فقيل منشم اسم الشر؛ وقيل المنشم يكون في سنبل العطر يسمى قرون السنان وهو سم ساعة. وقيل منشم اسم امرأة. واختلف في اشتقاقه أيضاً: فقيل منشم وضِع وضع الأعلام؛ وقيل مشتق من قولهم: نشم في الشيء إذا بدأ وأخذ فيه ويستعمل في الشر. وقيل هو مركب من اسم وفعل والأصل من شم على أنَّ شم فعل ماض من شم الرائحة وهو صلة من. ثم وصل وحذف الميم الثانية من الفعل وجعل الأعراب على الأولى. وعلى رواية مشأم فهو من الشؤم. واختلف أيضاً

стр. 580

في سبب المثل ومعناه: فقيل إنَّ منشم اسم امرأة وهي بنت الوجيه وكانت عطارة بمكة. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا الحرب تطيبوا من طيبها فكثرت القتلى فجعلوا يقولون: أشئم من عطر منشم. وقيل كانوا إذا أرادوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا أن يستميتوا في الحرب ولا يولوا. فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: دقوا بينهم عطر منشم . فلما كثر منهم هذا القول صار مثلا للشر العظيم. قال زهير: تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ وقيل إنَّ منشم امرأة كانت تبيع الحنوط فسموا حنوطها عطرا في قولهم عطر منشم لأنهم أرادوا عطر الموتى. وأما من ذهب إلى أنه مركب فزعم أنَّ امرأة من العرب كانت تبيع العطر فورد عليها بعض أحياء العرب فأخذوا عطرها وفضحوها. فلحقها قومها ووضعوا السيف فيهم وجعلوا يقولون: اقتلوا من شم منطيبها! فبقي من شم اسما مركبا من هذا. وقيل إنَّ سبب المثل قتال يوم حليمة الذي قيل فيه: ما يوم حليمة بس. وكانت فيه الحرب بين الحارث بن أبي شمر ملك الشام وبين المنذر بن المنذر بن امرئ القيس ملك العراق. وأخرجت حليمة إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب الداخلين في الحرب فقاتلوا من أجل ذلك حتى تفانوا. وسيأتي شرح هذه القصة. دمث لنفسك قبل النوم مضطجعاً ! التدميث: التسهيل. يقال: مكان دمث كفرح أي لين سهل. ودمث الشيء بالكسر يدمث دماثة فهو دمث. ودمثته أنا تدميثا: سهلته ولينته؛ والمضطجع بالفتح مكان الاضطجاع. والمعنى أنك إذا أردت أن تنام فسو المكان ولينه وأزل ما فيه من الخشونة قبل اضطجاعك! يضرب في الاستعداد للنوائب قبل نزولها. ومثله قول تأبط شرا: ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الأمر إلاّ وهو للقصد مبصرُ وقول الآخر: ولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزلُ

стр. 581

وقول أم المؤمنين عائشة ﵂ في عمر ﵁: كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها. ويروى إنَّ من رأى عمر أبن الخطاب علم أنه خلق غناءً للاسلام. كان والله أحوذياً. . الخ الدم لا ينام . هذا المثل من كلام قصير بن سعد لجذامة حيث شاورهم على الخروج إلى الزباء فقال له قصير: إنَّ الزباء قتلت أباها والدم لا ينام وتقدم ذلك مشروحا. والمراد أنَّ من كان له قبلك ثأرٌ وثبت له عندك دم لا يغفل عنك وعن أخذ ثأره منك ليلا ولا نهارا ولا يكن منه سلم صحيح ولا مصافحة خالصة أبدا. دهدرين، سعد القين . دهدرين بضم الدالين وفتح الراء المشددة، وقد اختلف فيه: فقيل هو اسم مبنى بصيغة المثنى؛ وقيل هو تثنية دهدر وهو الباطل. ويقال أيضاً دهدن بالنون على وزنه. قال الراجز: لأجعلن لابنه عمرو فنا ... حتى يعود مهرها دهدنا وهو في هذا المثل منصوب بفعل مضمر وسعد منادى وهو قين كان ادعى أنَّ اسمه سعد زمانا ثم تبين كذبه والقين وصف له فقيل له ذلك أي جمعت كذبا إلى كذب يا سعد الحداد! وقيل إنَّ دهدرين اسم فعل مبني بمعنى بطل كما بني شتان وهيهان وسعد فاعله والقين وصف له. والمعنى: بطل سعد القين. والمراد بطلان استعماله لتشاغل الناس عنه بالقحط. وحذف تنوين سعد في هذا الوجه تخفيفا لكثرة الاستعمال نحو: ولا ذاكر الله إلاّ قليلا. وقيل إنَّ دهدرين موضعه رفع على الابتداء كأنه قيل: كلامك باطل أو فعلك باطل. وكذلك سعد أي أنت سعد القين أي مثله. وقيل إنّه مركب وأصله ده أمر من الدهاء وكان الأصل دهى ثم قلب فقيل داه بجعل اللام موضع العين كما قيل: لاع ولائع ودرين من قولك: در الشيء إذا تتابع. والمعنى: بالغ في الكذب يا سعد! وقد قيل إنه حداد عجمي يدور في اليمن. وكان إذا كسد في مخلاف قال بالفارسية: ده بدرود أي بالوداع

стр. 582

يخبرهم إنّه يخرج غدا ليستعملوه، فعرفوا به المثل في الكذب والباطل. وقالوا: إذا سمعت بسرى القين فانه مصبح، وقد تقدم ورواه بعضهم: دهدرين وسعد اليقين بالواو ونصب سعد. وروى آخرون: دهدرى مقصود بغير نون التثنية، وقالوا موضعه في ضرب المثل إذا رد على مخبر خبره، أو على فعله، أو حمق أحمق. وروى آخرون: دهدرين ساعد اليقين. والمقصود من ذلك كله واحد وهو الباطل باللغو. فيضرب عند التكذيب للحديث وادعاء بطلان الأمر. وقال أبو زيد: يقال للرجل يهزأ به: طرطبين ودهدرين ودهدرا وسعد القين. وللنا في هذا اللفظ أقاويل هذا حاصلها، والله اعلم. الدهر حبلى لا يدرى ما تلد . الدهر بفتح فسكون، وتحرك الهاء الزمان الطويل، والزمان الممدود، أو ألف سنة: هذا قول اللغويين. وللفلاسفة فيه كلام بيناه في علم الكلام؛ والحبلى: الحامل. قال امرؤ القيس: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... وألهيتها عن ذي تمائم محول حبلت المرأة بالكسر، حبلاً، فهي حابلة، والجمع حبلة؛ وحبلى، والجمع حبليات وحبلى، والولادة معروفة. والمعنى أنَّ الدهر، لا نبهام الأقدار الجارية فيه، وخفاء التصاريف الواقعة بذويه، شيبه الحلبى المنبهم أمر ذي بطنها، لا تعرف له ذكروة ولا أنوثة، ولا كمال ولا نقص، ولا حسن ولا قبح، حتى تلد فيتبين ذلك. وكذا الدهر لا يعرف فيما يأتي به من الأقدار والحوادث، أخير أم شر، وزيادة أم نقص، وسعة أم ضيق، حتى يقع ذلك فيظهر. أدهى من ثعلبٍ . الدهاء والدهي: المكر وجودة الرأي. ورجل داهٍ ودهٍ وداهية، والجمع دهاة ودهون. وقد دهي الرجل بالكسر، دهيا ودهاء ودهاءة، وتدهى: فَعَلَ

стр. 583

فِعْلَ الدهاء؛ والثعلب: الحيوان المعروف، وتقدم فيه كلام. وهو موصوف بالمكر والاحتيال مشهور بذلك، ومن مكره إنّه إذا رأى الغلبة عليه تماوت حتى لا يشك في موته فإذا غفل عنه وثب هاربا. ومن مكره المحكي في الخرافات عند العرب انهم قالوا: إنَّ الضبع صادت ثعلبا فقالت: أخيرك يا ثعلب بين خصلتين، فاختر أيهما شئت. قال: ماهما؟ قالت: أما أنَّ أكلك، وأما أنَّ أنكحك. فقال الثعلب: أما تذكرين يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ وانفتح فوها. فأفلت الثعلب وهرب. فضربوا به المثل بذلك وقالوا: عرض عليك خصلتي الثعلب. وقالوا أيضاً: إنَّ الثعلب اطلع على بئر وهو عطشان، وعليها رشاء ودلوان، فقعد في الدلو العليا، فانحدرت به إلى البئر حتى شرب وبقي هناك، فإذا بضبع اطلعت على البئر، فرأت بياض القمر انتصف الماء، والذئب قاعد في ضوئه، فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجيفة وبقي نصفها وبقي نصفها، فانزلي تأكليها! قالت: وكيف انزل؟ قال: تقعدين في الدلو الآخرى. فلما التقيا في وسط البئر قالت له ما هذا؟ قال: كذا التجارب تختلف! فضربوا ذلك المختلفين في الأمور. ومثل هذه الحكايات كثير. دار الفسوق جدث، وحديثه حدث . هذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى؛ والجدث بالجيم القبر. قال الشاعر: جدث يكون مقامه ... أبداً بمختلف الرياح والجمع أجداث واجدث. قال الآخر: أنشده الجوهري: عرفت بأجدث فنعاف عرق ... علامات كتحبير النماط دون ذلك خرط القتاد دون نقيض فوق وبمعنى أمام. ويكون ظرفا للمكان عن الغاية فيما يضاف اليه، ثم يطلق على كل رتبة أدنى من أخرى في الأمكنة والأزمنة والمعاني؛ والخرط النزع، وتقول: خرطت الشجرة خرطا إذا انتزعت الورق منها اجتذابا؛ والقتاد على

стр. 584

مثال سحاب شجر صلب شوكه كالإبر شديد، يضرب به المثل كما قال أبو تمام: نثا خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد وقال أيضاً: غدت تستجير الدمع حوف نوى غد ... وعاد قتاد عندها كل مرقد وخرطه أشد شيء، فضرب المثل به. وتقدم مثله في حرف الهمزة. قال أبو المظفر: يا كم يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلالة منصبي لا تتعبن فدون ما حلولته ... خرط القتاد وامتطاء الكوكب! جدي معاوية الأغر سمت به ... جرثومة من طينها خلق النبي وروثته شرفا رفعت مناره ... فبنو أمية يفخرون به وبي وقال الآخر: مال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتمس الفرقد مال لزوم الجميع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد دون ذا وينفق الحمار ! دون تقدم معناه، والنفاق: الروجان، تقول، نفق البيع بالفتح ينفق، نفاقا على مثال سحاب إذا راج؛ ونفقت الدابة أو الرجل: مات؛ والحمار معروف. ودخل رحل السوق بحمار له يبيعه. فقام رجل يقال له أبو يار يمدح الحمار، وجعل يقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحبه: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! فذهب مثلا يضرب للمفرط في الثناء والمدح. ومعنى شاكه: شابه وقارب في المدح ولا تفرط من المشاكهة وهي المشابهة. وسيأتي المثل في الشبن. إن شاء الله. ومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم: دجاجة وتركل . يضرب لاستبعاد الصولة من الضعيف، والدجاجة معروفة مثلة الأول والجمع دجاج، والركل ضرب الأرض برجل واحدة، وركض الفرس بالرجل، والأرض المركلة

стр. 585

المكدود بحوافر الدواب. قال امرؤ القيس يصف فرسا: مسح إذا ما السحابات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل ويستعمل الركل، في لسان العرب، في الضرب بالرجل مطلقا، وهو المراد. ثم نذكر من الشعر في هذا الباب ما تيسر، والله المستعان. قال طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وإلى معنى هذا البيت أشار أبن شرف في لاميته بقوله: لا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تطفيلا! وقال دريد بن الصمة: وهل أنا إلاّ من غزية إنَّ غوت ... غويت وإنَّ ترشد غزية أرشد وغزية قبيلة، وهي فيما أظن بفتح المعجمة وكسر الزاي. وهكذا رأيته في نسخة من الصحاح مضبوطا بالقلم، ويؤيده ما في القاموس من انهم يسمون غازية وغزية كغنية ولم يثبت في أسمائهم غزية. بلفظ التصغير. وقال من هذه القصيدة أيضاً: أمرتهم أمري بمنزعج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد وتمثل بهذا البيت أمير المؤمنين على كرم الله وجهه على المنبر، في قصة التحكيم حين وقع ما وقع من الحكمين يعاتب أهل العراق ويوبخهم على سفاهة رأيهم في ذلك وتوجيههم أبا موسى الأشعر، والقصة مشهورة. وعلى هذا البيت نبه أبن شرف بقوله في لاميته: يرى البليد البلايا بعد ما نزلت ... وذو الذكاء يرى الأشياء تبخيلا وقال الأسود بن يعفر: جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد ونظمه أبن شرف في لاميته بقوله: بادوا كأنهم للفرقة اتعدوا ... فلم يكن ذلك الميعاد ممطولا وقال الآخر: أجل إذا طالبت في طلب ... فالجد يغني عنك لا الكد!

стр. 586

ونظمه أبن شرف بقوله: والجد يغني الفتى عم كد مهجته ... فليغتد تكثير حرص المرء تقيلا! وقال الشاعر: السيف يقطع وهو ذو صدإٍ ... والحد يفري الهام لا الغمد ونظمه أبن شرف بقوله: والنفس جوهرة ملبوسها صدف ... والسيف يقطع رذل الغمد مفلولا وقال: هل تنفعن السيف حليته ... يوم الجلاد إذا نبا الحد ونظمه أبن شرف بقوله: ورب سيف كهامٍ لا مضاء له ... وقد تراه محلى المد مصقولا وقال الآخر: وإنَّ أمرءاً يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلاّ ما جنى لسعيد ونظمه أبن شرف بقوله: ومن يعاقب بما تجني يداه بلا ... ظلم التجني فقد نال اليد الطولى وقال الآخر: وغيظ على الأيام كالنار في الحشى ... ولكنه غيظ الأسير على القد ونظمه أبن شرف بقوله: لنا على الدهر غيظ ليس ينفعنا ... غيظ الأسير أسير القد مغلولا وقال الآخر: ماذا لقيت من الدنيا وأجبه ... إني بما أنا باك منه محسودا! ونظمه أبن شرف بقوله: قل للحسود على أشياء تحزنني: ... خذها احتقاراً وتهويناً وترذيلا!

стр. 587

وقال بعض العرب: إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها وجعلت أوصابها تعتادها ... فهن زروع قد دنا حصادها وقال الآخر: لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي! وما أحسن قول عز الدين المقدسي في كتابه كلام الطيور والأزهار على لسان الغراب: أنوح على ذهاب العمر مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي وأندب كلما عاينت ربعا ... حدا بهم لوشك البين حادِ يعنفني الجهول إذا رآني ... وقد ألبست أثواب الحدادِ فقلت له: اتعظ بلسان حالي ... فإني قد نصحتك باجتهادِ! وها أنا كالخطيب وليس عيباً ... على الخطباء أثواب السوادِ ألم ترني إذا عاينت ركباً ... أنادي بالنوى في كل نادِ أنوح على الطول فلم يجبني ... بساحتها سوى خرس الجمادِ فأكثر في نواحيها نواحي ... من البين المفتت للفؤادِ فما من شاهدٍ في الكون إلاّ ... عليه من شهود الغيب نادِ فكم من رائحٍ فيها وغادٍ ... ينادي من دنوٍّ أو بعادِ لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي! وقال الحطيئة: وما قلت إلاّ بالذي علمت سعدُ وهذا مثل مشهور وصدر البيت: وتعذلني أبناء سعدٍ عليهم وهذا البيت من جملة أبيات له وهي من جيد شعره. يقول فيها: وإنَّ التي نكبتها عن معاشرٍ ... عليَّ غضابٍ أن صددت كما صدوا أتت آل شماش بن لأيٍ وإنّما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العدُ فإنَّ الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُ

стр. 588

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا! أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا وإن قال مولاهم على جل حادثٍ ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا فكيف ولم أعلمهم خذلوك ... على معظمٍ ولا أديمكم قدوا؟ مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آبائهم وبنى الجدُ فمن مبلغ أبناء سعدٍ فقد سعى ... إلى السورة العليا لهم حازمٌ جلدُ رأى مجد أقوامٍ أضيع فحثهم ... على مجدهم لمّا رأى أنه الجهدُ وتعذلني أبناء سعدٍ " البيت " وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي: ما لامرئٍ خاض في بحر الهوى عمر ... إلاّ وللبين فيه السهل والجدُ كما نما البين من إلحاحه أبداً ... على النفوس أخ للموت أو ولدُ وقال يخاطب محمد بن يوسف: واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إنَّ العلى حسنٌ في مثلها الحسدُ! وقال أيضاً في وداعه لعلي بن الجهم يمدحه: هي فرقةٌ من صاحب لك ماجدٍ ... فغداً إذابة كل دمعٍ جامدِ فافزع إلى ذخر الشؤون وغربه: فالدمع يذهب بعض جهد الجاهدِ فإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقدِ ومنها: إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ أو نفترق نسباً يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ وقال أيضاً من قصيدة أخرى: سقته ذعافاً غارة الدهر فيهم ... وسم الليلي فوق سم الأساودِ

стр. 589

ومنها: غدا قاصدا للحمد حتى أصابه ... وكم من مصيبٍ قصده غير قاصد! ومنها: يصد عن الدنيا إذا عنَّ سؤددٌ ... ولو برزت في زي عذراء ناهد إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد وقال أيضاً من أخرى: إذا انصرف المحزون قد فل صبره ... سؤال المغاني فالبكاء له ردُ ومنها: نوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يوماً إنَّ هزل الهوى جدُ فلا تحسبا هندا لها العذر وحدها ... سجية نفسٍ كل غانيةٍ هندُ ومنها: وقدٌ من الأيام وهي قديرةٌ ... وشر السجايا قدرةٌ حازها حقدُ إساءة دهرٍ أذكرت حسن فعاله ... إلي ولولا الشري لم يعرف الشهدُ وقال أيضاً: ومن يأذن إلى الساعين يسلق ... مسامعه بألسنةٍ حدادِ وقال أيضاً: ولكم عدوقال لي متمثلاً: ... كم من ودودٍ ليس بالمودودِ! ومنها: وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسودِ لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العودِ لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسودِ يعطي لها البشرى الكريم ويحتبي ... بردائها في المحفل المشهودِ بشرى الغنى أبي البنات تتابعت ... بشراه بالفارس المولودِ وقال أيضاً: وإني رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشعر والجلدِ

стр. 590

وقال أيضاً: ولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلاّ بشملٍ مبددِ ولم تعطني الأيام نوما مسكناً ... ألذ به إلاّ بنوم مشردِ وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجته فاغترب تتجددِ! فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ ومنها: وليس يجلي الكرب رأي مسددٌ ... إذا هو لم يؤنس برمح مسددِ ومنها: محاسن أصناف المغنين جمةٌ ... وما قصبات السيف إلاّ لمعبدِ وقال ابيضا: أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشبههم بهن خدودا حتى إذا ما الشعر سود وجهه ... كان المسود بينهن مسودا ومنه: ما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلاّ بحيث ترى المنايا سودا ومنها: أيقنت أنَّ من السماح شجاعةٌ ... تدمي وأنَّ من الشجاعة جودا؟ ومنها: إنَّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفته ... بالشعر صار قلائداً وعقودا في كل معتركٍ وكل مقامٍ ... يأخذن منه ذمةً وعقودا وقال أيضاً: شاب رأسي وما رأيت مشيب ... الرأس من فضل شيب الفؤادِ وكذاك الرؤوس في كل بؤسٍ ... ونعيمٍ طلائع الأجسادِ طال إنكاري البياض وإن عمر ... ت شيئا أنكرت لون السوادِ! ومنها: وضياء الأمور أفسح في الطرف ... وفي القلب من ضياء البلادِ

стр. 591

ومنها: غير أنَّ الربى إلى سبل الأنواء ... أدنى والحظ حظ الوهادِ! ومنها: كأنَّ شيء غثٌ إذا عاد والمعروف ... غث ما كان غير معادِ وقال أيضاً: وما شيء من الأشياء أمضى ... على المهجات من رأي سديدِ وقال أيضاً: لم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا؟ وقال أيضاً: والسيف أعمى غير أنَّ غراره ... يقظٌ إذا هادٍ نحاه لهادِ ومنها: ومن العجائب شاعرٌ قعدت به ... هماته أوضاع عند جوادِ وقال أيضاً: ما كل من شاء استمرت بالندى ... يده ولا استوطا فراش الجودِ وقال أيضاً: وكذا المنايا يطأن بمنسمٍ ... إلاّ على أعناق أهل الؤددِ وقال أيضاً: لو يعلم الناس علمي بالزمان وما ... عاثت يداه لمّا ربوا ولا ولدوا! وقال أبو الطيب أحمد بن الحسن المتنبي: فما ترجي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمودِ إنَّ نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي وفي ما قارع الخطوب وما ... آنسني بالمصائب السودِ وقال أيضاً من قصيدة: إذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍ ... فلم تتصباك الحسان الخرائدُ ومنها: أهم بشيءٍ والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطاردِ

стр. 592

وحيدٌ من الخلان في كل بلدةٍ ... إذا عظم المطلوب قل المساعدُ ومنها: ولكن إذا يحمل القلب كفه ... على حالةٍ لم يحمل الكف ساعدُ ومنها: أحقهم بالسيف من ضرب الطلا ... وبالأمن من هانت عليه الشدائدِ ومنها: بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ ونظمه أبن شرف بقوله: وموت قومٍ حياةٌ عند غيرهم ... وقد أبى الدهر بين الناس تعديلا ومنها: وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائدُ ومنها: فإنَّ قليل الحب بالعقل صالحٌ ... وإنَّ كثير الحب بالجهل فاسدُ وقال أيضاً من أخرى: لكل امرئ من دهره ما تعمدا ومنها: ومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيده الضرغام فيمن تصيدا ونظمه أبن شرف بقوله: ولا تضمن ليثاً كي تصيد به ... فتغتدي خاتلاً للصيد مختولا ومنها: وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟ إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع النى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندا ومنها:

стр. 593

ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني ... أنا الصئح المحكي والآخر الصدا ومنها: وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا وقال أيضاً: يا عاذل العاشقين دع فئةً ... أضلها الله كيف ترشدها ومنها: فعد بها لا عدمتها أبداً: ... خير صلات الكريم أعودها وقال أيضاً: عش عزيزا أو من وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنودِ! فرؤوس الرماح أذهب للغيظ ... وأشفى لغل صدر الحقودِ لا كما قد حييت غير حميدٍ ... وإذا مت، مت غير فقيدِ فاطلب العز في لظى ودر الذل ... ولو كان في جنان الخلدِ! يقتل العاجز الجبان وقد يعجز ... عن قطعٍ بخنق المولودِ ويوقى الفتى المخش وقد خوَّ ... ض في ماء لبه الصنديدِ لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودِ وقال أيضاً: يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفذُ؟ وقال أيضاً: وكم للهوى من فتى مندف ... وكم للنوى من قتيل شهيدِ! ومنها: فما لك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهودِ؟ وقال أيضاً: وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يمر بمستعادِ ومنها: فإنَّ الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فسادِ

стр. 594

وإنَّ الماء يخرج من جمادٍ ... وإنَّ النار تخرج من زنادِ وقال أيضاً: سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مردُ ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا ومنها: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صدلقته بدُ يروح ويغدو كارها بوصاله ... وتضطره الأيام والزمان النكدُ وزعموا أنه قد قيل له إذ تنبأ: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ فقال: هذا البيت. وقال أيضاً: من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الهر شيئاً يحمدُ وقال أيضاً: إذا غدرت حسناء أوفت بعدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصدُ وإن حقدت لم يبق في قلبها رضى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقدُ كذلك أخلاق النساء وربما ... يصل بها الهدي ويخفى بها الرشدُ ومنها: يرمون شأوي في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما سوى المنطق القردُ ومنها: وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ وقال أيضاً: أبى خلق الدنيا تدميه ... فما طلبي منها حبيبا تردهُ وأسرع مفعولٍ فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضدهُ ونظم الأول أبن شرف بقوله: قد يحتني الدهر من كفيك ما اجتنتا ... فكيف ما كان عن كفيك معزولا؟

стр. 595

ومنها: وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده ومثله قول الإمام الشافعي ﵁: وأحق خلق الله بالهم امرؤٌ ... ذو همة يبلى بعيشٍ ضيقِ وبعده: فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل نجدٌ كان بالمل عقدهُ ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زندهُ فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجدهُ ونظم هذا أبن شرف بقوله: لا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مالٌاذا لم يكن بالمجد مشمولا هكذا وجدته وكأنه تحريف وإنّما قال هكذا: لا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مجدٌ إذا لم يكن بالمال مشمولا أو هكذا: لا مجد إلاّ بمالٍ فالتمسه ولا ... مالٌ إذا لم يكن بالمج مشمولا ومنها: إذا كنت في شك من السيف فابله: ... فإنما تنفيه وإما تعدهُ وما الصارم الهني إلاّ كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمدهُ وقال أيضاً: حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسادِ ومنها: وكلام الوشاة ليس على الأحباب ... سلطانه على الأضدادِ إنما تنجح المقالة في المرء ... إذا وافقت هوى في القادِ ومنها: قد يصيب الفتى المشير ولم يجهد ... ويشوي الصاب بعد اجتهادِ ومنها: وإذا الحلم لم يكن في طباعٍ ... لم يحلم تقادم الميلادِ

стр. 596

ومنها: إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولادِ ومنها: هذه دولة المكارم والرأ ... فة والمجد والندى والأيادي ومنها: كيف لا يطرق الطريق لسيلٍ ... ضيقٍ عن أتيه كل وادِ وقال أيضاً: إذا أردت كميت اللون صافيةً ... وجتها وحبيب النفس مفقودُ ماذا لقيت من الدنيا وأجبه؟ ... أني بما أنا باكٍ منه محسودُ ومنها: العبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحر مولودُ لا تشتري العبد إلاّ والعصا معه ... إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ! ما كنت أحسبني أحيى إلى زمنٍ ... يسيء بي فيه كلبٌ وهو محمودُ ومنها: إنَّ امرءاً أمه حبلى تدبره ... لمستضامٌ سخين العين مفؤودُ وعندها لذلك طعم الموت شاربه ... إنَّ المنية عند الذل قنديدُ وقال أيضاً: إنَّ في الموج للغريق لعذراً ... واضحا أن يفوقه تعداده وقال أيضاً: وغيظٌ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القدِّ ومنها: وليس حياء الوجه في الذئب شيمةً ... ولكنه من شيمة الأسد الوردِ وقال أيضاً: رأوك لمّا بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرائدُ

стр. 597

وخل زياً لمن يحققه: ... ما كل دامٍ جبينه عابدُ ومنها: فالأمر لله رب مجتهدٍ ... ما خاب إلاّ لأنه جاهدُ وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري: غير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوح باكٍ ولا ترنم شادِ وشبيهٌ صوت النعي إذا قيس ... بصوت البسير في كل نادِ ومنها: تعبٌ كلها الحياة فما أعجب ... إلاّ من راغبٍ في ازديادِ! إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا ... فقط سرور في ساعة الميلادِ خلق الناس للبقاء فضلت ... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ إنّما ينقلون من دار أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ ضجعة الموت رقدةٌ يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهادِ ومنها: زحلٌ أشرف الكواكب داراً ... من لقاء الردى على ميعادِ والنار المريخ من حدثان ... الدهر مطفٍ وإن علت في اتقادِ ومنها: وإذا البحر غاض عني ولم أرو ... فلا ري بادخار الثمادِ كل بيتٍ للهدم ما تبنتني الور ... قاء والسيد الرفيع العمادِ والفتى ظاعنٌ ويكفيه ظل ... السدر ضرب الأطناب والأوتادِ بان أمر الإله واختاف النا ... سُ فداعٍ إلى الضلال وهادِ والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدثٌ من جمادِ واللبيب اللبيب من ليس يغتر ... بكونٍ مصيره للفساديِ وقال أيضاً: أحسن بالأحد من وجده ... صبرٌ يعين النار في زنده ومن أبى في الرزء إلاّ الأسى ... كان أساه منتهى جهدهِ

стр. 598

ومنها: والشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ لولا عضى نجدٍ وقلامه ... لم يثن بالطيب على رندهِ ليس الذي يبكي على وصله ... مثل الذي يبكي على فقدهِ والطرف يرتاح إلى غمضه ... وليس يرتاح إلى سهدهِ ومنها: إن لم يكن رشد الفتى نافعاً ... فغيه أنفع من رشدهِ ومنها: لو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبدهِ أمس الذي مر على قربه ... يعجز أهل الأرض عن ردهِ ومنها: سلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عندهِ لا يعدم الأسمر في غابه ... حتفاً ولا الأبيض في غمدهِ وقال أيضاً: أفوق البدر يوضع لي مهاد ... أم الجوزاء تحت يدي وسادُ؟ قنعت فخلت أنَّ النجم دوني ... وسيان التقنع والجهادِ وأطربني الشباب غداة ولى ... فليت سنيه صوتٌ يستعادُ! وليس صباً يعاد وراء شيبٍ ... بأعوز من أخي ثقةٍ يفادُ ومنها: سفاهٌ ذاد عنك الناس حلمٌ ... وغيٌ فيه منفعةٌ ورشادُ وقال أيضاً: ثلاثة أيامٍ هي الدهر كله ... وما هو غير الأمس واليوم والغدِ ومنها: وقد يجتدى نيل الغمام وإنّما ... من البحر فيما يزعم الناس يجتدي ويهدي الدليل القوم والليل مظلمٌ ... ولكنه بالنجوم يهدي ويهتدي

стр. 599

ومنها: وليس قضيب الهند إلاّ كنابتٍ ... من القصب في كف الهدان المعردِ الهدان على مثال كتاب: الجبان ويقال هو الأحمق الثقيل. ومنها: أرى المجد سيفاً والقريض نجاده ... ولولا نجاد السيف لم يتقلدِ وخير حمالات السيوف حمالٌ ... تحلت بأبكار الثناء المخلدِ وقال أيضاً: كذاك الليالي ما يجدن بمطلبٍ ... لخلقٍ ولا يبقين شيئاً على عهدِ وقال أيضاً: أرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا! وما نهنهت في طلبٍ ولكن ... هي الأيام لا تعطي قيادا فلا تلم السوابق والمطايا ... إذا غرضٌ من الأغراض حادا ومنها: إذا ما النار لم تطعم ضراما ... فأوشك أن تمر بها رمادا فظن بسائر الأخوانشراً ... ولا تأمن على سرٍّ فؤادا فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا تجنبت الأنام فما أواخي ... وزدت عن العدو فما أعادى ولمّا أن تجهمني زماني ... جريت مع الزمان كما أرادا وقال أيضاً يخاطب خاله وقد سافر إلى المغرب: ظعنت لتستفيد أخاً وفياً ... وضيعت القديم المستفادا وقال طرفة بن العبد: وظلم ذوي القربى أشد وضاضةً ... على الحر من وقع الحسام المهندِ وقال عدي بن زيد: إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه: ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي إذا ما رأيت الشر يبعث أهله ... وقام جنلت الشر للشر فاقعدِ

стр. 600

وقال الأعشى: إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذي كان أرصدا وقال المهلبي: وكيف جحود القلب والعين تشهدُ؟ وقال أيضاً: ولا خير فيمن لا يدم له عهدُ وقال الخريمي: وحسبك مني أن أود فأجهدا وقال الخوارزمي: لا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسدُ! عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ ... والجمر يوضع في الرماد فيخمدُ وقال عمر بن أبي ربيعة: حسنٌ في كل عينٍ من تود وقال أيضاً: وكل ريحٍ لها هبوبٌ ... يوما فلا بد من ركودِ وقال الآخر: إذا أكل الأحباب لحمي بغيبةٍ ... فأهون منه ما ستأكله الدودُ! وقال الآخر: إذا قل عقل المرء قلت همومه ... ومن لم يكن ذا مقلةٍ كيف يرمدُ؟ وقال الآخر: إذا كان غير الله للمرء عدةً ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد وقال الآخر: تخونون عهدي في الهوى وأحبكم ... كذا الورد محبوبٌ وليس له عهد
следующие страницы →