← Адаб

Адаб · id 7414

زهر الأكم في الأمثال والحكم

الحسن اليوسي

Полный текст (902 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

على بابها أي: ارضَ من هذا المركوب بان تعلق أمتعتك عليك أو بان تتعلق به في عقبتك ونوبتك. فيضرب عند الأمر بالقناعة بادراك اليسر من الحاجة والرضى بصغير الأمر دون عظيمه. مرعى ولا أكولة . المرعى: مفعل من الرعي يقال رعت الماشية بالفتح رعيا ومرعى ويطلق المرعى أيضاً على المكان وعلى النبات المرعي؛ وهو الرعي أيضاً بكسر الراء. قال زهير: تربع بالقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاءُ أي دعاه إليه ما فيه من الرعي أبي الكلأ والخلوة. والأكل معروف وهو أكول وهي أكولة فإنَّ علم الموصوف من الكلام كان القياس حذف الهاء كغيره من نظائره. والمعنى أنَّ هذا مرعى أي نبات كثير ولم توجد ماشية ترعاه أو مكان ذو رعي ولا راعية له. يضرب في المال الكثير يجده الرجل ولم يجد من ينفقه عليه. وقال الشاعر في معنى المثل الأصلي: أرعت الأرض لو أنَّ مالاً ... لو أنَّ نوقاً لك أو جمالا أو ثلة من غنمٍ إمالا أي: إن كنت لا تجد غيرها. ومن اللطائف في هذا ما أنشده أبو علي البغدادي من قول الشاعر: فجنبت الجيوش أبا زينبٍ ... وجاد على مسارحك السحابُ فإنَّ البيت يحتمل أن يريد فيه الدعاء للمذكور على ما يبدو في بادئ الرأي بان يرزق العافية والأمن والخصب والدعة؛ ويحتمل أن يريد به الدعاء عليه بأن يفقر ويسلب المال حتى لا يكون له شيء تقصده الجيوش عليه وتتوجه بسببه الغارات إليه ويخصب مع ذلك حواليه حتى يكثر أسفه وحزنه إذ لا راعية له. وهذا الوجه هو الأصح وهو من أحسن معاريض البلغاء.

стр. 702

مرعى ولا كالسعدان . المرعى تقدم: والسعدان بوزن سكران: نبت شديد الشوك. وفي الحديث في وصف جهنم أعاذنا الله منها: إنَّ فيها كلاليب مثل شوك السعدان. وقيل لرجل من أهل البادية خرج عنها: أترجع إلى البادية؟ فقال: أما ما دام شوك السعدان مستلقيا فلا! يعني: لا ارجع إليها أبدا لأنَّ شوك السعدان لا يفارقها. ويحكى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وذكره أبو العباس المبرد إنّه قال: دخلت على أبي بكر ﵁ في علته التي مات منها فقلت: إني أراك بارئا يا خليفة رسول الله ﷺ فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير وأتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان! والذي نفسي بيده لأنَّ يقوم أحدكم فتضرب عنقه في غير حق خير له من أن يخوض في غمرات الدنيا! يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البحر! فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله فإنَّ هذا يهيضك إلى ما بك. فو الله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاّ خيرا! قوله: نضائد الديباج هو الوسائد جمع نضيدة أي المنضودة المجموع بعضها إلى بعض. قال الراجز: وقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا سبحتُ ربي قائماً وقاعدا والصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان؛ وقوله: إنّما هو الفجر أو البحر يريد: إن تربصت حتى يضيء لك الفجر الطريق عرفت قصدك وإن خبطت الظلماء وركبت متن عشواء ضللت. وضرب ذلك مثلا للدنيا وتحييرها أربابها.

стр. 703

ويذكر في بعض الأخبار إنّه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان. وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل يسمنها ويغذيها غذاء حسنا. قال النابغة: الوهاب المائة الأبكار زينها ... سعدان يوضح في أوبارها اللبد ولذلك ضربت به العرب المثل. وقال أبو علي البصير يمدح عبيد الله بن خاقان وله: يا وزراء السلطان ... أنتم وآل خافان كبعض ما روينا ... في سالفات الأزمان ماء ولا كصدى ... مرعى ولا كالسعدان وهذان مثلان: ومثلهما: فتى ولا كمالكٍ . وهي كلها تضرب في الشيء يكون الفضل وغيره أفضل منه. وسيأتي بقيتها إن شاء الله تعالى. قيل: وأوّل من قال: مرعى ولا كالسعدان امرأة من طيء تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان القيس مفركا. فقال لها يوما: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان! وكانت هذه المرأة تزوجها قبل ذلك رجل آخر ففضلته على امرئ القيس. قيل: وهذا الرجل هو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد وهو الذي يقال له ذو الجدين لأنّه كان له جد عند الملوك وجد في الحروب. وقيل لأنّه أسر أسرين شريفين كان لهما فداء كثير ولم يؤسر أحد في زمانه أشرف منها ولا أكثر فداء فسمي ذا الجدين. وإياه يعني الحماسي بقوله: أيا بنت عبد الله وابنة مالكِ ... ويا أبنت ذي الجدين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلاً فإني لست أكله وحدي! رعى فأقصبَ . الرعي تقدم؛ والقصب: القطع ومنه قيل للجزار قصاب لأنّه يقطع

стр. 704

اللحم. وتقول: قصبت البعير وغيره إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروي؛ وقصب البعير أيضاً شربه إذا امتنع منه قبل أن يروي فهو بعير قاصب. قال الراجز: وهن مثل القاصبات القمحِ وأقصب الرجل إذا فعلت إبله ذلك فيقال: رعى فأقصب مثلا للراعي المسيء الرعي وذلك أنه إذا أساء رعيها فخلت أجوافها من الكلأ امتنعت من الشرب إذ لا تشرب على جوع فكان امتناعها من الماء كناية عن تجويعه إياها. الرغبُ شؤمٌ والرفقُ يمنٌ . تقدم معنى هذا المثل عند الكلام على ضده وهو قولهم: الخرق شؤمٌ . وتقدم ذلك في الحديث. ارقَ على ظلعك ! يقال: ارقِ بفتح القاف وكسرها وبالهمزة. أما على الأول فمن الرقي وهو الصعود. والمعنى: تكلف ما تطيق لأنَّ الرقي في السلم إذا كان يظلع يرفق بنسه. ويقال عند أمر الإنسان أن يبصر ما فيه من العيب والنقص ولا يتجاوز الحد في وعيده ويتخطى المقدار في تهديده. وأما على الثاني فهو من الرقية وكأنك تقول له: لا ظلع بي أنا أداويه ولكن ارق أنت ما فيك من الظلع! وأما على الثالث فمن القوء. يقال: رقأ الدمع يرقأ إذا سكن ورقأ بين القوم: أصلح. فيحتمل أن يكون من الأول أي: ارفق بنفسك واعمل على فيك من ضعف! أو الثاني أي: اصلح ما فيك من العيب أولاً!

стр. 705

ارقَ على ظلعك أن يهاضَ ! هذا كالذي قبله؛ والهيض أن يكون العظم قد جبر من كسر ثم يكسر ثانيا. قال امرؤ القيس: ويهدأ تاراتٍ سناه وتارةً ... ينوء كعتاب الكسير المهيضِ وقال الآخر: ومولى كمولى الزبر قان دملته ... كما دملت ساقٌ تهاض بها وقرُ يرقم الماء . الرقم: الكتب. فيضرب في الاستقامة والحذق. ويقال: فلان يرقم يرقم الماء أي إذا بلغ من حذقه إنّه يرقم حيث لا يثبت الرقم. قال أوس بن حجر: سأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقمُ وقد يقال: يرقم على الماء لإرادة أنه لا يثبت من عمله على شيء. رقةٌ ينتجها ذنب خيرٌ من حسنةٍ يتبعها عجب . هذا فيما أظن مثل مصنوع وهو نحو قول الشيخ تاج الدين أبن عطاء الله في حكمه: معصية أورثتك ذلا وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثتك عزا واستكبارا. وليس هذا محل تقرير هذا المعنى. ركب جناحي النعامة . الركوب معروف ركب بالكسر ركوبا الجناح للطائر معروف. والنعامة تقدم ما فيها. وهذا المثل يقال لمن جد في أمر كانهزام أو غيره. قال الشماخ: فمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قد قدمت بالأمس يسبق

стр. 706

وهذا الشعر مرثي به عمر بن الخطاب ﵁ في أبيات معروفة. ركب ذنب البعير . ذنب كأنَّ شيء بفتحتين: مؤخره والجمع أذناب والبعير معروف وتقدم ذكر مرتبته في أسنان الإبل. ويقال هذا المثل للإنسان يرضى بالهوان ويقنع بالنقص كالذي لم يجد مستقرا على ظهر البعير وإنّما ارتدف على الذنب. وقول النابغة: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرامُ ونأخذ بعده بذناب عيشٍ ... أجب الظهر الله تعالى له سنامُ يحتمل أي يريد أنه تعلق بعيش صفته ما ذكر ويحتمل أن يريد مع ذلك أنه ما تمسك منه إلاّ بالذنب فيكون من هذا النمط. ركب ذنب الريح . يقال للذي يسبق فلا يدرك. ركب متن عشواء . العشواء: الضعيفة البصر وهي مؤنث الأعشى. ومن ركب متنها خبط وخلط. وتقدم هذا في قولهم: خبط خبطَ عشواء. رمتني بدائها وانسلت . كان سعد بن زيد مناة بن تميم تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة. وكانت من أجمل النساء فولدت له مالك بن سعد. وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء! فشكت ذلك إلى أمها فقالت: ابدئيهن بعفلك إذا سببت فأرسلتها مثلا. ثم إنها سابتها واحدة من ضرائرها

стр. 707

يوما بعد ذلك فقالت لها رهم: يا عفلاء! كما وصتها أمها. فقالت الضرة حينئذ: رمتني بدائها وانسلت! فذهب مثلا يضرب في تعييرك صاحبك بعيب هو فيك. ونحو هذا قول العامة اليوم: قولي لها قبل أن تقول لك! وكان أصله فيما زعموا أنَّ امرأة عوراء سابت امرأة فقامت بنية للعوراء فقالت لأمها: يا أم قولي لها: يا عوراء قبل أن تقوله لك! وكان يقال لبني مالك بن سعد بنو العفلاء وبهم عرض النقري في قوله: ما في الدوائر من رجلي من عتل ... عند الرهان ولا اكوى من العفلِ! رماه الله بداء الذيب . داء الذيب هو الجوع والذيب أصبر السباع على الجوع. رماه الله بأفعى حاريةٍ ! الأفعى معروفة. والحارية: الناقصة. تقول: حرى الشيء يحري حريا: نقص وأحواه الزمان والحاوية: الأفعى التي نقص جسمها من الكبر فلم يبق إلاّ رأسها ونفسها وسمها وذلك أخبث ما تكون فدعي بها. رعاه بأقحاف رأسه . الأقحاف جمع قحف بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وهو العظم فوق الدماغ. ويقال هو ما انفلق من الجمجمة فبان ولا يقال لجميع الجمجمة قحف إلاّ أن يتكسر فيقال للمتكسر قحف إذا بان. والجمع أقحاف وقحوف. والمعنى: رماه بالدواهي المهلكة. يقال للرجل تسكته بداهية توردها عليه. وقيل المعنى: رماه بنفسه ونطحه عما يحاوله. فعلى الأول يكون المعنى إنّه لمّا رماه بالداهي فكأنه رماه بأفلاق رأسه إذ رماه بما

стр. 708

يؤول إلى ذلك. ويكون الضمير المضاف إليه للرمي. فتقول مثلا: رميت زيدا بأفلاق رأسه. وعلى الثاني يكون المعنى إنّه باشر دفاعه بنفسه فشبه نفسه بالكبش الناطح برأسه والتعبير بالأقحاف حينئذ للمبالغة بأن كل جزء باشر النطح. والضمير يكون على هذا للرامي فتقول: رميت زيدا بأقحاف رأسي والله أعلم. ومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي. قال خفاف بن ندبة: وإنَّ قصيدة شنعاء مني ... إذا حضرت كثالثة الأثافي أرمى من أبن تقن . أبن تقن بكسر التاء المثناة وسكون القاف بعدها نون رجل كان جيد الرمي يضرب به المثل. قال الراجز: يرمي بها أرمى من أبن تقنِ وأبن تقن هذا هو عمرو بن تقن الذي قيل فيه: لا فتى إلاّ عمرو! وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه مشروحاً. ووقع في الصحاح والقاموس أنَّ التقن هو رجل كان راميا جيد الرمي وكأنه مسامحة. ثم رأيت للشنتمري في شرح قول الحماسي: أهلك عاداً وقبله ... أهلك طسماً وذا جدونِ وأهل جاش ومأربٍ ... وحتى لقمان والتقونِ قال: التقون جمع تقن وهو رجل من عاد وفيه قيل: أرمى من أبن تقن. الأرواح جنود مجندةٌ . هذا يروى حديثا عن النبي ﷺ أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

стр. 709

وهذا إخبار بأنَّ بين الأرواح تارة تناسبا باطنيا يوجب الالتئام والتوافق وتارة تباينا يوجب الوحشة والاختلاف بإذن الله تعالى وهو مشاهد مجرب. ومن ثم قال أبو الطيب: أصدق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم وقال الآخر: وقائل لي: لم تفارقتما؟ ... فقلت قولاً فيه إنصافُ لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكالٌ وآلافُ وقال طرفة في أبيات: وأنت امرؤ منا ولست بخيرنا ... جوادٌ على الأقصى وأنت بخيلُ وأنت على الأدنى شمالٌ عريةٌ ... شآميةٌ تزوي الوجوه بليل وأنت على الأقصى صبا غير قرةٍ ... تذاءب منها ومرزغٌ ومسيلُ وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليلُ وأنَّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليلُ وأنَّ امرءاً لم يعف يوما فكاهةً ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهولُ تعارف أرواح الرجال إذا التقت: فمنهم عدوٌ يتقى وخليلُ وقال المجنون: تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعدها كنا نطافاً وفي المهدِ وقال أبن الرومي: ذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وأخوتي أسوةٌ عندي لخلانُ أحبةٌ جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعاقٍ أو خراسانِ والشعر في هذا المعنى لا يحصى. ومثله المثل الآتي: وافق شنٌ طبقة. استراح من لا عقل له . الاستراحة ضد التعب. تقول: أرحت الرجل فاستراح؛ وإنّما استراح الذي

стр. 710

لا عقل له لأنَّ النفس إذا خليت أخلدت إلى الشهوات الحاضرة ولا تبالي بعزمة وتستنكف عن منقصة كالبهيمة والعقل ينزع بها إلى طلب الكمال والتحلي بالحمد والتخلي عما يذم. وفي ذلك أتعابهاً لجسمها عن مألوفها المستذل واقتحام الأخطاء بها لاكتساب الثناء والفضل وإطالة الهموم والأفكار عليها نظراً في عواقب الأمور واحترازا عما يشين ويضير. وليس قال الحماسي: يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا! وقال الآخر: وقائلةٍ: لم عركت الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم؟ فقلت: ذريني على حالتي ... فإنَّ الهموم بقدر الهمم! وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت! فقال: استرحت من حيث تعب الكرام! ومما ورد في العقل وفضله أنَّ أدم لمّا أهبط إلى الأرض خير في ثلاث: الحياء والدين والعقل. فاختار العقل: الحياء والدين أمران أن لا تفارق العقل. وورد عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقل يداري به الناس وحلم يداري به السفيه وورع يحجزه عن المحارم. وفي حكمة داود ﵇: على العقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه مقبلا على شأنه. وقال علي ﵁: لا مال أعود من العقل ولا فقر أشد من الجهل ولا وحدة أوحش من الجهل ولا مظاهر أحسن من المشاورة ولا حسب كحسب الخلق. وقال مطرف بن الشخير: عقول الناس على قدر أزمانهم. ويقول: ثلاثة تدل على عقول أهلها: الكتاب والرسول والهدية. وذكر المغيرة يوما عمر فقال: كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.

стр. 711

وفي كتاب كلية ودمنة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع. وقال الحجاج يوما: العاقل من يعرف عيبه. فقال له عبد الملك بن مروان: فما عيبك يا حجاج؟ قال: حسود حقود. فقال عبد الملك: ما في إبليس شر من هاتين! ويقال: لا دين لمن لا عقل له. وقال علي ﵁: لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر. أما الأحمق فدخوله عليك وخروجه من عندك شين، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنَّ تكون مثله. وقال أيوب بن القرية إنَّ نطق أصاب، وإنَّ سئل أجاب؛ والأحمق إنَّ تكلم عجل، وإنَّ سئل ذهل. والفاجر إنَّ ائتمنته خانك، وإنَّ صحبته شانك. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يعدم الأحمق خصلتين: كثرة الالتفات وسرعة الجواب. وقال الحسن: هجر الأحمق قربة. وقال: لا يتم دين امرئ حتى يتم عقله. وفي الحكمة: ينبغي للعاقل أنَّ يتمسك بست خصال: أن يحوط دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحفظ جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه. ويقال: الفقر بالعقل، والرزق بالجهل. ويحكى إنّه قيل لعيسى ﵇: يا روح الله، تبرئ ألاكمه والأبرص وتحيي الموتى، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعياني! وكان كسرى إذا غضب على عاقل سجنه مع جاهل. وقال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين، وإنَّ كانوا عقلاء: الغضبان، والغرثان والسكران. وفي الخبر: العاقل إنَّ تكلم غنم، وإنَّ سكت سلم. ومما ينسب لعلي ﵁: يقاس المرء بالمرء ... إذا المرء ما شانه فلا تصحب أخا الجاهل ... وإياك وإياه فكم من جاهلٍ أردى ... حليما حين أخاه وللشيء على الشيء ... نظائر وأشباه وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه

стр. 712

وصالح بن عبد القدوس: ولأنَّ يعادي عاقلا خير له ... من إنَّ يكون صديق أحمق فآربا بنفسك أنَّ تصادق أحمق ... إنَّ الصديق على الصديق مصدق ولغيره: عدوك ذو العقل أبقى عليك ... وأجدى من الصاحب الأحمق ولغيره: قد عرفناك باختيارك إذ كان ... دليلا على اللبيب اختياره ولآخر: تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إنَّ كنت ذا عقل! ولآخر: إنَّ جئت أرضاً أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحده! وقال هشام بن عبد الملك: يعرف الأحمق بأربع: طول اللحية، وشناعة الكنية، ونقش الخاتم، وإفراط الشهوة. ودخل عليه يوما رجل طويل اللحية فقال: انظروا فيه غيرها! فسئل عن كنيته فقال: أبو الياقوت. فقيل: وما نقش خاتمك؟ قال: وجاءوا على قميصه بدم كذبٍ. ويحكى مثل هذه القصة عن معاوية وإنّها وقعت له مع رجل إلاّ إنّه قال في الكنية: أبو الكوكب الدري، ونقش الخاتم: وتفقد الطير. وتقدم شبه هذا للمأمون العباسي مع آخر، في حرف التاء. وقيل: ألا إنَّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإنَّ لم يكن عقل فلن يبصر القلب آخر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم! وسيأتي في أجوبه الحمقى ومضحكاتهم شيء كثير. أراد بيض الأنوق ! يضرب عند إرادة الممتنع. وتقدم في الباء وما فيه.

стр. 713

أردت عمراً وأراد الله خارجة ! كثيراً ما يتمثل به عندما تقصد إيقاع شيء ثم لم يتفق لك وأوقعت شيئاً آخر مكانه. وهو من كلام أحد الخوارج الذي أرسلوه إلى مصر ليقتل عمرو بن العاصي، حيث اتفقوا على قتله وقتل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ومعاوية ﵁. فذهب إلى كل واحد من الثلاثة من يقتله. فأما على كرم الله وجهه فقتل وفاز؛ وما معاوية فأصيب ونجا وقال في ذلك: نجوت وقد بل المرادي سيفه ... من أبن أبي شيخ الأبطاح طالب وأما عمرو فاستخلف خارجة المذكور، فنجا وقتل خارجة. فقال القاتل: أردت عمراً وأراد الله خارجة، أي أردت قتل عمر فلم يتفق إذ لم يرده الله تعالى، وأراد الله إنَّ أقتل خارجة، فوقع ما أراد الله تعالى: فما شئت كان وإنَّ لم أشأ ... وما شئت أم لم تشأ لم يكن والقصة مشهورة فلا نطيل بها. وما احسن قول أبن عبودن في قصيدته: وليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت عليا بما شاءت من البشر! رويد الغزو ينمرق ! رويدا: مهلاً، وهو مصغر رود. يقال: أورد الرجل إرواد ومورداً ورويداً إذا رفق. ويكون لفظ رويداً على أوجه: اسم فعل أمر بمعنى أمهل، وتدخل عليه الكاف، نحو: رويدا زيداً، ورويد كني؛ وصفة، نحو سار سيراُ رويدا؛ وحالا، نحو: سار القوم رويدا، وهو محتمل لمّا قبله؛ ومصدرا، نحو: رويد زيد، بالإضافة. والغزو معروف. وهو أما منصوب إنَّ جعل رويد اسم فعل مجرور إنَّ جعل مصدرا. والمروق: الخروج. يقال: مرق السهم وغيره، أي خرج. وفي الحديث: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

стр. 714

والمراد هنا خروج الولد. كانت امرأة تغزو، فحلبت فذكر لها الغزو فقالت: رويد الغزو ينمرق! أي أمهل الغزو حتى يخرج الولد! رويداً يعدوان الجدد ! العداء: المجاوزة. والجدد من الأرض خلاف الوعث. وتقدم هذا المثل من كلام قيس بن زهير في رهان بينه وبين بني بدر. والضمير في يعدوان للفرسين المجريين. روغي جعار . الروغان: الحيودة. يقال: راغ الرجل، وراغ الرجل، وراغ الثعلب بالعين المعجمة يروغ رواغا إذا مال وحاد عن الشيء، وجعار علم على الضبع، وتقدم ما فيه. وقد يقال روغي جعار وانظر أين المفر. ويضرب في فرار الجبان، أو للذي يهرب ولا يقدر إنَّ ينفلت. أروغ من ثعالة . ثعالة بالضم اسم لجنس الثعلب، معروفة، وروغان الثعلب في غاية الخفة والسرعة. فضرب به المثل. يقال: أروغ من ثعالة، اورغ من ثعلب، وراغ روغان الثعلب. قال الشاعر: فأحتلت حين صرفتني ... والمرء يعجز لا محاله والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله والمرء يكسب ماله ... والشح يورثه الكساله والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله وقال الآخر في الثعلب:

стр. 715

وكل خل لي خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروغ من ثعلبٍ ... ما أشبه الليلة بالبارحة! يحكى أن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال يوما وهو على المنبر: إنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب. ولمّا هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الأصغر وأجلى قطريا حتى أخرجه من كرمان نحو أرض خرسان، وأوفد على الحجاج كعب بن معدان الأشقري. فقال له الحجاج: كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطمحة راغ كما يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر، الدهر قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاق الوالد الحدب، وله مناطاعة الوالد البر. قال: فكيف أفلتكم قطري؟ قال: كدنا ببعضنا ما كدناه به، والأجل أحصن جنة وأنقذ عدة. قال: فكيف أتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أجب الينا من شجب العدو. فقال له الحجاج: أكنت أعددت هذا الجواب قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله! قوله: شجب العدو، أي هلاكه. يقال شجب الرجل يشجب شجبا. قال امرؤ القيس: وقالت: بنفسي شباب له ... ولمته قبل أنَّ يشجب الراوية أحد الهاجين . يقال: روي الشعر بالفتح يرويه، فهو راوٍ، ورواية بزيادة الهاء للمبالغة، كما في مدركة وعلامة، ورويته أنا تروية. والهجو والهجاء معروف. ويعنون بهذا الكلام إنَّ من روى الهجو في الناس فهو كمن قاله أوّلاً، فيمون أحد الهاجين، كما يقال في الغيبة إنَّ المستمع شريك القائل إذا لم ينكر ولا عذر، فكيف يمن يحكي ويأثره؟ كما قيل: لعمرك ما سب الأمير عدوه ... ولكنما سب الأمير المبالغ!

стр. 716

ولأجل ما وقع للنابغة الذبياني في بني سيار، وكان النابغة قد نهى قومه إنَّ يرتعبوا حمى نعمان بن الحارث الغساني، فعصوه، وترعبوه، فأغار عليهم. وقال النابغة في ذلك: لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربعهم في كل أصفار وقلت: يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري وهي قطعة مشهورة، منها: أما عصيت فأني غير منفلتٍ ... مني اللصاب فجنبا حرة النار أو أضع البيت في سوداء مظلمةٍ ... تقيد العير لا يسري بها الساري يريد إنّه يلج الشعاب الضيفة أو المهامه الفيح حتى لا يصل إليه الجيش، ثم إنّه لم يفعل ذلك حتى أصابه الغارة مع قومه وأسر بعض أهله فيمن أسر. فقال في ذلك بدر بن حزاز الفزاري يعير النابغة: أبلغ زياداً وحين المرء مردكه ... وإنَّ تكيس أو كان أبن احذار اضطرك الحرز من ليلى إلى بردس ... تختاره معقلا عن شج أعيار حتى لقيت أبن كهف اللؤم في لجيبٍ ... ينفي العصافير والغربان جرار فالآن فاسع بأقوام غررتهم ... بني ضباب ودع عنك أبن سيار قد كان وافد أقوام فجاء بهم ... وانتاش عانيه من أهل ذي قار! ثم إنَّ النابغة بلغه إنَّ زبان وخزيمة أبني سيار أعانا بدرا ورويا شعره، فقال في ذلك: إلاّ من مبلغ عني خزيما ... وزبان الذي لم يرع صهري؟ فأياكم وعورا داميات ... كأنَّ صلاءهن صلاء جمر! فإني قد أتاني ما صنعتم ... وما رشحتم من شعر بدر فلم يك نولكم إنَّ تشقذوني ... ودوني عازب بلاد حجر

стр. 717

فإن جوابها في كل يومٍ ... ألم بأنفس منكم ووفر ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر روت حزم، فإذا استوضحت فأعزم ! يقال: رويت في الأمر بالتضعيف: نظرت فيه وتفكرت، والحزم والحزامة: ضبط الأمر والأخذ فيه بالقوة والجد. يقال: حزام الرجل بالضم يحزم حزامة فهو حازم. واستيضاح الشيء: استكشافه أو جعله واضحا. والعزم معروف. ومعنى المثل أنَّ من حزم الإنسان إنَّ يتروى في الأمر ويتفكر في مجاريه وعواقبه إذا أراد أنَّ يأتيه، حتى إذا تبين له إنّه محمود فليقدم عليه بعزم ولا يتوان فيه حتى يدرك فتور فيتعطل. أروى من نملةٍ . يقال: روي من الماء بالكسر يروى ريا، فهو ريان، والنملة واحدة النمل، وهو معروف. وإنّما وصفت بالري لأنها تكون في الفلوت فلا ترد الفلوات، وهذا من المجاز. أروى من نعامةٍ . النعامة معروفة، وتقدم الكلام عليها. ووصفت بالري أيضاً لمّا يزعمون من إنّها لا تشرب الماء ولا تطلبه، وإنَّ رأته شربته عبثاً. رهبوتى خير من رحموتى . الرهب: الخوف. يقال: رهب بالكسر وهبة ورهبا بالضم والفتح ورهبا بفتحتين والاسم منه رهباء بالمد وبالقصر مضموما ومفتوحا. ويقال رهبوت بزيادة تاء للمبالغة كملكوت، ورهبوتى بألف مقصورة، والرحمة:

стр. 718

العطف والرقة رحمة بالكسر رحمة، ورحما بالضم وبضمتين ومرحمة؛ والرحموت من الرحمة استعمل للازدواج. والمعنى انك أنَّ ترهب خير لك من إنَّ ترحم، لأن المرهوب عزيز ممتنع، والمرحوم بمحل عدوان العادين. تربع وتدسع ومما يلتحق بهذا الباب قوله ﷺ في خطبته يروى عن ربه تعالى يقول لعبده: المثل أوتك مالا وأفضل عليك، فماذا قدمت؟ وفي رواية: ألم أوتك مالا وجعلتك تربع وتدسع؟ فقوله: تربع وتدسع تمثيل. وأصله في الرئيس من العرب كان يربع قومه، أي يأخذ المرباع وهو ربع المغنم إذا غزوا؛ ويدسع، أي يعطي الدسيعة وهي العطية. ومنه قولهم: فلان ضخم الدسيعة. وقولهم: رجع عوده على بدئه . أي رجع في طريق الذي جاء منه. ويقال أيضاً: رجع في عوده وبدئه، وفي عودته وبدئته، عودا وبدءاً. وقولهم: مرحبا وسهلاً . أي صادفت سعة. ويقال أيضا: مرحبك الله ومسهلك! ومرحبا بك الله ومسهلاً! وقولهم في الايعاد والتهديد: رعد فلان وابرق . وتقدم ما فيه.

стр. 719

وقولهم: أرقع ما أوهيت ! أي أصلح ما أفسدت. وأصله في السقاء ونحوه إذا أوهاه أي خرقه رقعه. وقولهم: ركب فلان عرعره ، أي ساء خلقه، والعرعر ما بين المنخرين، وعرعرة الأنف: أعلاه. وكذا عرعرة الجبل وعرعرة السنام. كل ذلك بضم العين. وهذا مثل قولهم: ركب رأسه . وقولهم: رماه بالذربين أي بالشر والخلاف. وقولهم: رويد الشعر يغب ! يقال: غب الرجل وأغب إذا بات. ومن الأمثال الجارية على الألسن قولهم: رب حليةٍ، انفع من قبيلة . ولنذكر في هذا الباب من الأمثال الشعرية ما تيسر وما جرى على مثالها، وأنتسج على منوالها

стр. 720

قال البارقي: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافرُ وقبله: وحلت سليمى في هضاب وأيكةٍ ... فليس عليها يوم ذلك قادرُ قيل: كان يزيد بن عبد الملك يقول: ما يقر عيني بما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة وحبابة جاريتان لبعض أهل الحجاز حتى اشتريتا له. فلما اجتمعتا في ملكه قال: أنا اليوم كما قال الشاعر: فألقت عصاها. . " البيت ". ثم قال: ما يشاء بعد من أمور الدنيا فليفتني. ويقال لمّا بويع لأبي العباس السفاح قام خطيبا فسقط القضيب من يده فتطير من ذلك. فقام رجل وأخذ القضيب ومسحه إليه وأنشد: فألقت عصاها. . " البيت ". وقيل إنَّ قتيبة بن مسلم لمّا قدم واليا على خراسان رقي المنبر ليخطب فسقطت المخصرة من يده فتطير من ذلك. فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها وقال: أيّها الأمير ليس كما ظن العدو وساء الصديق ولكنه كما قال الشاعر: وألقت عصاها. . " البيت "! فسري عنه. وقيل هو القائل ذلك. ومثل هذا ما روي أنَّ خالد بن يزيد لمّا دخل الموصل واليا عليها اندق منه اللواء في بعض أبوابها فتطير من ذلك فبادره أبو الشمقمق وكان معه قائلا: ما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى ولا سوء يكون معجلا لكن هذا الرمح أضعف متنه ... خطر الولاية واستقل الموصلا فسرى عن خالد وكتب صاحب البريد بذلك الذي المأمون فزاده ديار ربيعة فأعطى أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. ومثل ذلك ما يحكى أنَّ طاهر بن الحسين لمّا خرج لقتال علي بن عيسى بن ماهان وفي كمه دراهم يفرقها على الضعفاء وغفل عنها فأسبل كمه فتبددت فتطير بذلك. فأنشده شاعر كان معه: هذا تفرق جمعهم لا عيره ... وذهابها منه ذهاب الهمِ شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إمساكه في كمِ

стр. 721

والعرب ضربت المثل بإلقاء العصى في الاستقرار والراحة من الأسفار ولذلك قال حبيب: كريمٌ إذا ألقى عصاه مخيماً ... بأرضٍ فقد ألقى بها رحله المجدُ وقال أبن عنين: ولمّا استقرت في ذراه بي النوى ... وألقت عصاها بين مزدحم الوفد تنصل دهري واستراح من الوجى ... قلوصي ونامت مقلتي وعلا جدي وقال عمارة اليمني: إنَّ الكفالة والوزارة لم تزل ... يومي إليك بفعلها وتشارُ كانت مسافرة إليك وتبعد ... الأخطار ما لم تركب الأخطارُ حتى إذا نزلت عليك وشاهدت ... ملكاً يزين الملك منه سوارُ ألقت عصاها في ذراه وعريت ... عنها السروج محطة الأكوارُ وقال صردر: على رسلكم في الهجر إنَّ عصابةً ... إذا ظفرت بالحب ضل ضميرها سواءٌ على المشتاق والهجر حظها ... أألقت عصاها أم أجد بكورها وقال أيضاً: أنعمت في نعماء مطمئنة ... تحكم الفؤاد في أطرافهِ ألقت عصاها وارتمت ركابها ... في سرر الوادي وفي شعافه قال الحسين بن إبراهيم: ألا ليت شعري هل أقولن مرة ... وقد سكنت مما أجن الضمائرُ ومالي إلى باب المحجب حاجةٌ ... وما بي عما يخفض العرض زاجرُ فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافرُ وقال الآخر: إذا لم ير الإنسان عند قدومه ... محياك مثل البدر والبدر سافرُ فأقسم ما ألقت عصاها يد النوى ... ولا قر عيناً بالإياب المسافرُ وقال كليب بن ربيعة أو طرفة:

стр. 722

يا لك من قبرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري! وتقدم ذكر هذا وما فيه. وقال المجنون: أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وتقدم ما يشبه في حرف الباء. ومثله أيضاً قول الآخر: فإن تدعي نجداً أدعه ومن به ... وإن نسكني نجداً فيا حبذا نجدُ! وقبل هذا البيت: سقى دمنتين ليس لي بها عهد ... بحيث التقي الدارات والجرع الكبدُ فيا ربوة الربعين حييت ربوةً ... على النأى منا واستهل بك الرعدُ قضيت الغواني غير أنَّ مودةً ... لذلفاء ما قضيت آخرها بعدُ إذا ورد المسواك ضمآن بالضحى ... عوارض منها ظل يخصره البدُ وألين من مس الرخامات يلتقي ... بمارنه الجادي والعنبر الوردُ جرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما جرت البردُ فإن تدعي نجداً. . " البيت " وبعده: وإن كان يوم الوعد أدنى لقائنا ... فلا تعذلني أن أقول متى الوعدُ وقال تأبط شراً: وأبت إلى بهمٍ وما كدت آئباً ... وكم مثلها غادرتها وهي تصفرُ! والشطر الثاني مثل سائر في عدم الاكتراث بالشيء. ومن لطائف شرف الدين الحلاوي أنه أنشد بين يديه لغز في الشبابة وهو: وناطقةٍ خرساء بادٍ شحوبها ... تكنفها عشرٌ وعنهن تخبرُ يلذ إلى الأسماع رجع حديثها ... إذا سد منها منخر جاش منخرُ

стр. 723

وهذا الشطر الأخير لتأبط شرا أيضاً ضمنه فأجاب في الحال: نهاني النهى والشيب عن وصل مثلها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ! ضمن تضمينا حسنا ونقل المعنى إلى الشبابة فوقعت لفظة تصفر أحسن موقع. وقال الآخر: كم ترك الأول للآخر ! وهو مثل مشهور ضمنه أبو تمام في قوله: يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر! أو هو المخترع. وضده قول الآخر: لم يدع من مضى ... للذي قد غبر فضل علم سوى ... أخذه بالأثر وقال الآخر: سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرسٌ تحتك أم حمارُ غيره: فيا عطشى والماء الزلال أخوضه ... ويا وحشتي والمؤنسون كثيرُ! وقال بعض الأعراب: دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من وافى ومن صبرا لا تحسب المج تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا! وقال الأخطل: قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء وإن باتت بأطهارِ حكى أبو العباس المبرد في الكامل أنَّ صاحب اليمن بعث إلى عبد الملك بن مروان بجارية وكتب معها: إني وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم ولم ير مثلها. وكان ذلك وقت محاربتهم لابن الأشعث. فلما دخل بالجارية على عبد الملك رأى وجها جميلا وخلقا نبيلا. فألقى إليها قضيبا كان في يده فنكست لتأخذه فرأى من جسمها

стр. 724

ما بهره. فلما هم بها أعلمه الآذن أنَّ رسول الحجاج بالباب. فأذن له ونحى الجارية فأعطاه كتابا من عبد الرحمن بن الأشعث فيه سطور أربعة: سائل مجاور هل جنيت لهم ... حربا تزيل بين الجيرة الخلط؟ وهل سموت بجرار له لجبٌ ... جم الصواهل بين الحم والفرط؟ وهل تركت نساء الحي ضاحيةً ... في ساحة الدار يستوفدن بالقنطِ وتحته: قتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوامِ فكتب إليه عبد الملك كتابا وجعل في طيه جوابا لابن الأشعث: ما بال من أسعى لأجبر كسره ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري؟ أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركبٍ وعرِ وإني وإياهم كمن نبة القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري أناة وحلما وانتظارا بهم غداً ... وما أنا بالواني ولا الضارع الغمرِ قال: ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك! فتقول: ما بالك يا أمير المؤمنين وما يمنعك؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب: قومٌ إذا حاربوا. . " البيت " فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن بن الأشعث. فلم يقربها حتى قُتل عبد الرحمن. وقال الآخر: الله يشكر ما مننت به ... إذ كان يقصر دونه شكري غيره: إلهي زد في عمره من حياتنا ... وأعمرنا حتى يطول له العمرُ! غيره: أبى الله تدبير أبن آدم نفسه ... وأن يكون المرء إلاّ مدبرا

стр. 725

غيره: أخاف عليك من سيف ورمح ... طميل العمر بينهما قصرُ غيره: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر غيره: إذا صح عون الله للمرء لم يكن عسيرٌ من الآمال إلاّ تيسرا غيره: إذا لم تكن في منزل المرء حرةٌ ... تدبره ضاعت مصالح داره غيره: تبقى المنابر بعد القوم باقية ... ويذهب المال والأيام والعمرُ غيره: تشتاقكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطارُ غيره: تعب المنجم حيث أفنى عمره ... في علم ما لا يدرك الأفكارُ غيره: تميز البعض في الألفاظ إن نطقوا ... وتعرف الحذق في الألفاظ إن نظروا غيره: تنسى مرارة كل نازلة ... بحلاوة في النهي والأمرِ غيره: ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى غيره: ثلاثةٌ موصوفةٌ تجلو البصر: ... الماء والوجه المليح والخضر غيره:

стр. 726

جار الزمان علينا في تقلبه ... وأي دهر على الأحرار لم يجرِ؟ غيره: جاء البشير مبشراً بقدومكم ... فملئت من قول البشير سرورا غيره: جاور إذا جاورت بحراً يا فتى ... فالجار يشرف قدرة بالجارِ! غيره: حبي لكم طبعٌ بغير تكلفٍ ... والطبع في الإنسان لا يتغيرُ غيره: خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ! غيره: خذ ما صفا لك فالحياة غرور ... والدهر يعدل تارة ويجورُ غيره: خير ما ساعد الرجال نساءٌ ... صالحات يكن خلف الستورِ غيره: دخولك من باب الهمى إن أردته ... يسير ولكن الخروج عسيرُ غيره: دع النوم للنوام إنك إن تنم ... فإنك نصف العمر تغبن خاسرا غيره: ذروني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقيرُ غيره: رأيت بلاد الله وهي عريضةٌ ... على الخائف المذعور أضيق من القبر غيره: رأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي لبه حين يكسرُ غيره: رُبَّ فقير غني نفسٍ ... وذي غنى بائس فقيرُ

стр. 727

غيره: ردك الله إلينا سالماً ... بعد غنمٍ ونجاحٍ وظفر غيره: زرتني قبل أن أزورك شوقاً ... فلك الفضل زائراً ومزورا! غيره: زعمتم بأن الصبر أكرم صاحبٍ ... صدقتم ولكن قد تقضى به العمرُ غيره: سأكتم حاجتي عن الناس كلهم ... ولكنها للناس تبدو وتظهرُ غيره: سرور شهرٍ وغم دهرٍ ... ووزن وهرٍ ودق ظهرِ غيره: سيصرف الله ما تخشى وتحذره ... فاصبر قليلاً فعقبى صبرك الظفرُ غيره: شباب المرء ثوبٌ مستعارٌ ... وأيام الصبا أبداً قصارُ غيره: صفقةٌ غير خاسرة ... بيع دنيا بآخره غيره: ضيعت وقت في المحال ... فلا تضيع وقت غيرك! غيره: عبارتنا شتى وحسنك واحدٌ ... وكلٌ إلى ذاك الجمال يسيرُ غيره: عتبت على عمرو فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على عمرو غيره: على المرء أن يسعى لمّا فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهرُ! غيره:

стр. 728

قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبرِ غيره: قد كنت أبكي وداري منك دانيةٌ ... فكيف صبري وقد شطت بي الدار؟ غيره: قد كنت أسمع ما أرى فيروعني ... واليوم ليس بروعي ما أنظر! غيره: قد كنت أحذر من دهري وأحذره ... حتى قدمت فزال الروع والحذرُ غيره: قضى الله في بعض المكارم للفتى ... بخيرٍ وفي بعض الهوى ما يحذرُ غيره: قف أنا في الطريق إن لم تزرنا ... وقفةٌ في الطريق نصف الزيارة! غيره: قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار غيره: كأن العام ليس بعام حجٍّ ... تغيرت المواسم والدهورُ غيره: كفا حسودي جهلاً أنه رجلٌ ... معاندٌ لقضاء الله والقدرُ غيره: كل امرئٌ حسن في عين والده ... والخنفساء تسمي بنتها القمرُ غيره: كل عيبٍ تراه في الغير بالظن ... له فيك باليقين نظيرُ غيره: كنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار غيره: لا تستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلاّ لصابرِ

стр. 729

غيره: لقد طال هذا القيل والقال بيننا ... وما طال قول الشرح إلاّ ليقصرا غيره: لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء باقٍ معمرُ غيره: لكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره! غيره: لي النقاب على القباح فريضةٌ ... وعلى الملاح خطيئة لا تغفرُ غيره: ليس ارتحالك في كسب العلا سفراً ... بل المقام على ذل هو السفرُ غيره: ليس التفضل منك أمراً نادراً ... لكن مثلك في التفضل نادرُ غيره: ليس السعيد الذي دنياه مسعدة ... إنَّ السعيد الذي ينجو من النار غيره: ليس ما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ غيره: ما العمر ما طالت به الدهور ... العمر ما تم به السرورُ غيره: ما بال دارك حين تدخل جنة ... وبباب دارك منكرٌ ونكيرُ؟ غيره: ما حك جسمك غير ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك! غيره: ما ذاق طعم الغنى فلا قناع له ... ولا ترى قانعاً في الناس مفتقرا

стр. 730

غيره: ما كان ذاك العيش إلا سكرة ... لذاتها ذهبت وحل خمارها غيره: ما كل من زار الحمى سمع الندا ... من أهله: أهلاً بهذا الزائر! غيره: ما يضر البحر أمسى زاجراً ... إن رمى فيه سفينةٌ بحجر! غيره: متى تقضي حاجات من ليس واصلاً ... إلى حاجة حتى تكون له أخرى غيره: محن الفتى يخبرن على فضل الفتى ... والنار مخبرةٌ بفضل العنبر غيره: مفتاح باب الفج الصبر ... وكل عسر بعده يسرُ غيره: من أبرم الأمر بلا تدبير ... صيره الدهر إلى تدميرِ غيره: من كان يهوى منظراً بلا خبر ... فما له أوفق من عشق القمر غيره: نزلوا والخدود بيضٌ فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا غيره: وأحمق خلق الله من جرب أمراً ... وعاد إلى تجربته مرة أخرى غيره: وإذا أتتك مصيبةٌ فاصبر فقد ... عظمت مصيبة مبتلى لا يصبرُ غيره: وإذا بغى باغٍ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر! غيره:

стр. 731

وإذا ظلمت ولي بكم متعلقٌ ... فعلى علاكم لا علي العارُ غيره: وإذا عتبت على الصديق شكوته ... سراً إليه وفي المحافل أشكرُ غيره: وإذا لم يكن من الذل بدٌ ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا! غيره: وأفرح كلما يزداد مالٌ ... ولا أبكي على نقصان عمرِ! غيره: والمعروف من يأته يحمد عواقبه: ما ضل عرفٌ وإن أوليته حجرا! غيره: والعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره غيره: والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للعين لا للنجم في الصغر غيره: ورُبَّ جوادٍ امسك الله دوده ... كما يمسك الله السحاب من القطر غيره: وقى الله مولانا جميع المكاره ... ولا دار صرف الدهر يوماً بداره غيره: وقد زعمت ليلى بأني فاجرٌ ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها! غيره: وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بأمن الله من حيث يحذرُ غيره: وكل من أعيتك أخلاقه ... دواؤه الصبر أو الهجرُ

стр. 732

غيره: وكل أذى فمصبورٌ عليه ... وليس على قرين السوء صبرُ! غيره: وكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر! غيره: وكم من طالبٍ يسعى لرزقٍ ... وفيه هلاكه لو كان يدري غيره: وكنت أمشي على ثنتين معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر غيره: وكيف يذهب عن سمعي وعن بصري ... من كان مثل سواد القلب والبصر؟ غيره: ولازم الصمت إن سئلت وقل: ... لا علم عندي بالجهل مستترا غيره: ولست أخاف الفقر ما عشت في غدٍ ... لكل غدٍ رزق من الله باكر غيره: ولم أر بعد الدين خيراً من الغنى ... ولم ار بعد الكفر شراً من الفقر غيره: وما الزين في لبس الثياب وإنما ... يزين الفتى مخبره حين يخبر غيره: وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بباقية إلاّ سيعقبها يسرُ غيره: وما كنت أرضى أن أعيش ببلدة ... وتنأى ولكن لا يغالب مقدار غيره: وما من نعمة شملت كريماً ... كنعمة عورةٍ سترت بقيرِ غيره: ومن كان ذا عذرٍ قبلت أعذاره ... وإن لم يكن عذرٌ فعندي له عذرُ

стр. 733

غيره: ومن يكن الغراب له دليلا ... فما غير الغراب له مصير غيره: ونعلم أنَّ المال غادٍ ورائح ... وخير من المال الأحاديث والذكر غيره: وهون عندي ما ألاقي من الأذى ... بأنك أنت المبتلى والمقدر! غيره: ويخبرني عن غائب الأمر هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبر! غيره: ويعرف فضل عقول الرجال ... بتدريبها وبآثارها غيره: هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إنَّ تقويم الضلوع انكسارها غيره: هي المقادير فلمني أو فزد ... إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر غيره: لا تعاشر إلاّ الأكابر واعلم ... أنَّ في عشرة الصغار صغارا غيره: يا ليل طل يا شوق دم: ... إني على الحالين صابر! غيره: يفر من المنية كل حينٍ ... وما يغنى عن الموت الفرار! غيره: يلقى الحسود تجلدي فيسوءه ... إني على ريب الحوادث أصبر غيره:

стр. 734

يمينك منها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى منهما بشرى! غيره: ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأيام ما لم يحاذر غيره: ينسى صنائعه وعده ... ويبيت في إنجازه يتفكر وقال أبو الأسود: وإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر وتقدم تمام هذا الشعر وسببه. ومثله قول الآخر: وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالِ أعطاك قبل سؤاله ... كفاك مكروه السؤال وقول أبي تمام: وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي! وقول أبي نواس: إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار: ... فقد ضاق الزمان على الصغار! يضربه الواعظ السادة الصوفية عندما يدبر الشباب ويقبل المشيب، ويكاد يذوي الغصن الرطيب، في الإكثار من القربات، والجد في العمل، وتلافي الخير قبل فوات الأجل، وكذا ما يشبه من كل ما يطلب اغتنام الفرصة فيه قبل فواته. وقال أيضاً: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى: ... فلا خير في اللذات من دونها ستر! وإنّما قال: وقل لي هي الخمر، لأنه إذا سمعها عندما نظر إليها التذ مسمعه باسمها، ومنظره بشخصها، وأشرابت نفسه إليها، فتلقتها بأعظم لذة.

стр. 735

وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدة: لا شيء ضائر عاشق، فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيء ضائره ومنها: أبكر فقد بكرت عليك بمدحه ... غرر القصائد: خير أمرٍ باكره ومنها: وإذا الفتى المامول انجح عقله ... في نفسه ونداه أنجح شاعره وقال أيضاً: عفت آياتهن وأي ربعٍ ... يكون له على الزمن الخيار ومنها: كذاك لكل سائلةٍ قرار وبعده: مضى الأملاك وانقرضوا وأضحت ... سراة ملوكنا وهم تجار وقوف في الظلام الذم تحمى ... دراهمهم ولا يحمي الذمار فلو ذهبت سنات الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار لعدل قسمة الأيام فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار! ومنها: وأي النار ليس له شرار؟ ومنها: وكان المطل في بدءٍ وعودٍ ... دخلنا للصنيعة وهي نار نسيب البخل مذ كان وإلاّ ... يكن نسب فبينهما جوار لذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى مجدٍ وبعض الجود عار وقال أيضاً: شر الأوائل والأواخر ذمة ... لم تصطنع وصنيعة لم تشكر وقال أيضاً:

стр. 736

إنَّ الكرام كثير في البلاد وإنَّ ... قلوا كما غيرهم قلو وإنَّ كثروا لا يدهمنك من دهمائهم عدد ... فإنَّ جلهم أو كلهم بقر وكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيال لم تحمد الأوضاح والغرر ومنها: بالشعر طول إذا أصطكت مصادره ... في معشر وبه قصر وقال أيضاً: والبخل حلو ولكن غبه مضر ... فاكظم فلا إلاّ وزنبرو! وقال أيضاً يرثي بن حميد: فاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها: من تحتك أخمص الحشر غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلاّ وأكفانه الأجر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلاّ وهي من سندس خضر! وقال أيضاً من أخرى: سيأكلنا الدهر الذي غال من مضى ... ولا تنقضي الأشياء أو يوكل الدهر وأكثر حالات أبن آدم خلفة ... يضل إذا فكرت في كنهها الفكر فيفرح بالشيء المعار بقاؤه ... ويحزن لمّا صار وهو له ذخر عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس ... فإنَّ ابنك المحمود بعد ابنك الصبر وما أوحش الرحمان ساحة عبده ... إذا عاشر الجلى ومؤنسه الأجر! وقال أيضاً: إنّما البشر روضة فإذا كان ... ببذل فروضة وغدير فاقسم اللحظ بيننا إنَّ في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير! وقال أيضاً: فلا تمكن المطل من ذمة الندى ... فبئس أخو الأيدي الغزار وجارها فإنَّ الأيادي الصالحات كبارها ... إذا وقعت تحت المطال صغارها وما نفع من قد مات بالأمس صاديا ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها

стр. 737

وما العرف بالتسويف إلاّ كنخلة ... تسليت عنها حين شط قرارها وخير عادات الحر مختصراتها ... كما إنَّ خيرات الليالي قصارها وقال أيضاً: وما القفر بالبيد الخواء بل التي ... نأت بي وفيها ساكنوها هي القفر ومن قامر الأيام على ثمراتها ... فأحجم بها أن تنجلي ولها القمر فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر ومنها: هل المجد إلاّ الجود والبأس والشعر وقال أبو الطيب: وما في سطوة الأرباب عيبٌ ... ولا في ذلة العبدان عار وقال أيضاً: إني لأعلم واللبيب خبير ... أنَّ الحياة وإن حرصت غرورُ ورأيت كلاً ما يعلل نفسه ... بتعلة وإلى الفناء يصير ومنها: إنَّ المحب على البعاد يزور وبعده: وقنعت باللقيا وأوّل نظرةٍ ... إنَّ القليل من الحبيب كثيرُ وقال أيضاً: فلو كنت امرءاً تهجى هجونا ... ولكن ضاق فترٌ عن مسيرِ الفتر بالكسر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة إذا فتحتها. وضربه مثلا. وقال أيضاً: ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... مفترق جاران دارهما عمرُ

стр. 738

ولا تحسبن المجد زقاً وقينةً ... فما المجد إلاّ السيف والفتكة البكرُ وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجرُ وتركك في الدنيا دوياً كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشرُ إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... بلاهبةٍ فالفضل فيمن له الشكرُ ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقرُ ومنها: وإني مثل قول الحكيم: أعظم ما على الإنسان إعظام ذوي الدناءة. ونحو البيت الأول قول الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه. ونحو السادس قول الحكيم: من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد اسلم نفسه إلى العدم. ونظم أبن شرف معنى البيت الأخير فقال: ومنفق العمر في الأموال يجمعها ... مستعجل فقره لوما وتسفيلا غيره: ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى وقال فيه أبن شرف: وكل من ليس يدري كنه قيمته ... فالناس فيه يحقون الأقاويلا غيره: طوى الدهر ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لمّا تطوي المنية ناشر وقال أبن شرف: قد يوصل الشيء مقطوعا وما قطعت ... يد المنون فلن تلقاه موصولا غيره: من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقاته: السمع والبصر

стр. 739

وقال أبن شرف: ومثال يطل عمره يفقد أحبته ... حتى الجوارح والصبر الذي عيلا غيره: عليَّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر! وينشد: عليَّ نحت القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ لهم أن تفهم البقرُ! وقال أبن شرف: وناطقٍ بصوابٍ ما عليه سوى ... ما قال إن أخطئوا ظناً وتأويلا لطيفة: ذكر العلامة محمد بن مرزوق في صدر شرح الجمل أنَّ العلامة أبا القاسم الشيرازي شارح لبن الحاجب الأصلي والعلامة الكاتبي شارح المحصل أرادا ذات مرة أن يحضرا مجلس أبي عبد الله الخنوجي بحيث يخفي مكانهما. فغيرا حالتهما وحضرا عنده وأرادا أبحاثا. فكان من ملح ما صار بينهما أنهما لم ينصفاه في بعض أبحاثه وادعيا عدم بيان قوله وجعلا يستعيدان كلامه بزعمهما. فأنشد لهما: عليَّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ! بفتح تاء " تفهم " مبنيا للفاعل. فقلا له: ضم التاء! يعني ليبني للمفعول. فقال: حينئذ يكون أحدكما شيرازيا والآخر كاتبيا! فقلا: نعم! فتناصفا. وقال أبو العلاء المعري في قصيدة: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر وهذا المعنى وقع لعلي بن جبلة قال: زرت أبا دلف في الجبل. فلما حللت الكرخ أظهر من بري وإكرامي أمرا مفرطا حتى تأخرت عنه تأخرا كثيرا. فوصل معقل بن عيسى فقال: يقول لك الأمير: انقطعت عني وأحسبك استقللت بري فلا يغضبنك ذلك فسأزيد فيه حتى ترضى! فقلت: والله ما قطعي عنه إلاّ إفراطه! وكتبت له:

стр. 740

هجرتك لو أهجرك من كفر نعمةٍ ... وهل يرجى نيلي الزيادة في الكفرِ! ولكنني لمّا أتيتك زائراً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكرِ فما لآن لا أتيك إلاّ مسلما ... أزورك في الشهرين يوما أو الشهرِ فإن زدتني برا تزيدني جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشرِ فلما وصلت إليه قال: قاتله الله ما أشعره وأدق معانيه! فأجابني لوقته وكان حسن البديهة: ألا رُبَّ ضيفٍ طارقٍ بسطته ... وأنسته قبل الضيافة بالبشرِ أتاني يرجيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نيله ستري وجدت له فضلاً عليَّ بقصده ... إليَّ وبراً زاد فيه على برِ فزودته مالاً يقل بقاؤه ... وزودني مدحاً يدوم مدى الدهرِ وبعث إليَّ بها وبألف دينار مع وصيفة فقلت حينئذ: إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره ملكٌ تندى أنامله ... كانبلاج النوء عن مطره مستهل عن مواهبه ... كابتسام الروض عن زهره جبلٌ عزت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره كل من في الأرض من عربٍ ... بين باديه ومحتضره مستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسبها مفتخره ويقال إنَّ البيت الثاني هو الذي أحفظ المأمون على أبن جبلة حتى سل لسانه من قفاه وقوله: وجدت له فضلا عليَّ. . " البيت ". أوّل من رأينا استعمل هذا المعنى في الشعر الحارث أبن عوف المري صاحب الحملات بين عبس وذبيان حيث يقول: كم من يدٍ لا أودي حق نعمتها ... عندي لمختبطٍ طار ومن منن
следующие страницы →