← Адаб

Адаб · id 7414

زهر الأكم في الأمثال والحكم

الحسن اليوسي

Полный текст (902 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أي كعادتك. ويروي كدابك، بمعناه. وقال الآخر: تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني؟ ومعنى ذهبت هيف لأديانها: ذهبت لعدتها، لأنها تجفف كل شيء. فيضرب عند تفرق القوم ليس لشأنه، أو لمن يلزم عادته. وقال أبو عبيد: يضرب في نظر الرجل لنفسه وإقباله على شهوته وهواه. وقيل إنّه يضرب الشيء إذا انقضى. الذود إلى الذود ابل . الذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال مهملة، من الإبل ما بين الثلاث والعشر، مؤنث ولا واحد له، والجمع أذواد. قال النابغة: لعمرك ما خشيت على يزيدٍ ... من الفخر المضلل ما أتاني كأنَّ التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان وقال امرؤ القيس: أرى المرء ذا الأذواد محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض والإبل معروف، لا واحد له، وقد تسكن الباء. قال: ألبان إبل تعله بن مسافرٍ ... ما دام يملكها علي حرام والجمع آبال. والمعنى أنَّ الذود وهي القليلة العدد مجموعة إلى ذود أخرى تكون إبلا. أو إلى بمعنى مع، أي الذود مع الذود. يضرب عند اجتماع القليل إلى القليل، وإنّه يكون كثيرا. وتقدم مثله. ذلك الفحل لا يقدح انفه . ذلك: إشارة إلى البعيد، شخصا كان أو مكانا. وأصله ذوي، أو ذيي، وعلى الخلاف المعروف في علم النحو؛ والفحل من الإبل معروف، ويكون في غيرها، والجمع فحول وفحال وفحالة. قال: فحالة تطرد عن شوالها

стр. 667

والقدع بالدال المهملة: الكف والضرب. تقول: قدعت الفرس إذا كبحته؛ وقدعتالفحل إذا ضربت أنفه بالرمح حتى يرجع وذلك إذا كان غير كريم فيريد أن يطرق الناقة الكريمة فيضرب حتى يرجع. قال الشماخ: إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوعِ يصف حمارا يستاف أتنا أي يشمهن لأنَّ الاستياف والسوف هو الشم كما قال امرؤ القيس: على لاحبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا ومن ذلك سميت المسافة من الأرض لأنَّ الدليل يشم التراب ليعرف أين هو. وقوله: وكان الرمح أي المكان الذي يصيبه الرمح من أنف القدوع. والقدوع: المقدوع وهذا البناء يكون بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل أيضاً. فمن الأول قولهم: دابة ركوب وناقة حلوب وحوار رغوث وفحل قدوع أي مركوبة ومحلوبة ومرغث ومقدوع؛ ومن الثاني قولهم: قدوع وركوب للدوابو ناقة رغوث أي قادع وراكب ومرغث. وقال الحجاج في خطبة له: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماما فقادها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن معصية الله! فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه. وهذا المثل قاله ورقة بن نوفل بن خويلد لمّا قيل له إنَّ محمد بن عبد الله ﷺ خطب خديجة بنت خويلد فقال ورقة: ذلك الفحل لا يقدع أنفه أي كريم يروم كريمة فلا سبيل إلى التعرض له دونها وصده عنها وهو أشرف أكفائها. ويقال إنّه تمثل به فقط. ويقال: تمثل به أبو سفيان ن حرب لمّا خطب النبي ﷺ ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فقيل له إنَّ محمدا تزوج ابنتك وأبو سفيان يومئذ مشرك فقال ذلك؛ غير أنَّ اللفظ المروي من كلام أبي سفيان هو: الفحل لا يقدع أنفه والله أعلم.

стр. 668

ومن هذا الباب قولهم: ذهب دمه خضراً مضراً . بكسرها وسكون الضاد المعجمة أي هدراً. وقولهم: لأذهبن فإما هلك وإما ملكٌ . ومعناه قول امرئ القيس: بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا! وقولك: أذهل من صبٍّ . والذهول: الغفلة والنسيان والصب: العاشق ذو الصبابة وهو لمّا به يغلب عليه ذلك. ومما يجري على ألسنة القراء تمثلا قول الله تعالى إخبارا عن نبيه موسى ﵇: ذلك ما كنا نبغِ . وينبغي أن يكون المتمثل بشيء نحو هذا أن يلاحظ فيه ما يلاحظ عند الاقتباس ليكون أحفظ للأدب وأبعد عن الإسفاف والتبذل وترك كله أحوط وأسلم. وقوله ﷺ : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً . ويحكى أنه لمّا نصب معاوية ﵁ ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء. فجعل الناس يسلمون على معاوية ويميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل

стр. 669

ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمر المسلمين لأضعتها. وكان الأحنف بن قيس جالسا فقال له معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ وهي كنية الأحنف. فقال الأحنف: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرا! وأمر له بألوف. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم إنَّ شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال. فلسنا نطمع في استرجاعها إلاّ بما سمعت! فقال له الأحنف: يا هذا أمسك! فإنَّ المجهين خليق أن لا يكون عند الله وجسها. وقول عمر ﵁: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق ! وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة ﵁ لمّا شكاه أهل الكوفة فقال له عمر ﵁: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي ﷺ يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ: لكل جديد لذة غير إنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ! وقال الآخر: طلبت الجميع ففات الجميع ... فمن طول حرصك لا ذا وذا! غيره: ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه! وقال الصابئ: والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذا ومنه قول أبن النبيه: خذ من زمانك ما أعطاك مغتبطا ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره فالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره! ويقال إنّه لمّا سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:

стр. 670

من شبه العمر كأسا يقر ... قذاه ويرسب في أسفله فإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوله! ومن ذلك قول الفاضل: إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أربي ما يقتضي أربي فالعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه موضع الحبب أقول إذ فاض فيض فضته: ... يا وحشة لشباب ذاهب الذهبِ! وقول الخالدي: لقد فرحت بما عاينت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر وربما الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور ولست أبكي على شيء منيت به ... يبكي على الشيب من يأسى على العمر وما بكيت زماني وهو يصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدر؟ وقال الشيخ أبن فارض، ﵀: أهوى رشا هواه للروح غذا ... ما أحسن فعله ولو كان أذى لم أنس وقد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا مت أسى قال إذا وقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه! وقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم إذا فنيت لذات بغداد وكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادةٍ أو بيت نباذ؟ ومثله قول الآخر: ألم ترني وبشار حججنا ... وكان الحج من خير التجارة؟ خرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة فآب الناس قد حجوا وبروا ... وأبنا موقرين من الخسارة! ونحوه ما يحكى أنَّ موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة: احجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى

стр. 671

السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر. فطلبه موسى فلم يجده وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى سكران. فأمر به فأخذوه وقيد وطرح في محمل بين يديه. فلما سار غير بعيد اقبل على موسى وقال: يا أيها الناس قولوا أجمعون معا: ... صلى الإله على موسى بن داود كأنَّ ديباجتي خديه من ذهبٍ ... إذا بذلك في أثوابه السود إني أعوذ بداود وأعظمه ... من أنَّ أكلف حجا يا أبن داود خبرت أنَّ طريق الحج معطشة ... من الشراب وما بتصريد والله ما في من أجر فتطلبه ... ولا الثناء على ديني بمحمود! فقال موسى: ألقوه على المحمل، لعنه الله! فألقي به إلى قصفة بالسواد حتى أنفق المال. وقد قلت أنا قصيدة أكثرها يتعلق بالباب، فأثبت هنا، وهي: هام الفؤاد بسعدي بعدما نزحت ... وأصبح الصبر عنها وهو مجذوذ والعين منها سوابق الدموع على ... ميدان خد رديات مهابيذ وأصبحت في الحشى من بينها حرق ... يصلى بها لن جراحات مغاذيذ كأنما القلب إذ بانت ركائبها ... من الجوى صلب في النار محنوذ وكنت قدما بها في روضة أنف ... من الوداد ثراها الدهر مرذوذ أيام ورد المنى عذب مشاربه ... وغصن الود مهصور ومجبوذ وإذ غفت مقل الأحداث وابتسمت ... سن المنى ولنا في الدهر تلميد

стр. 672

فلم يدم والغواني عهد وصلتها ... آل: من أغتر منه فهو موقوذ لو إنّها أحكمت حبل الوصال مسا ... لم يأته الصبح إلاّ وهو مهذوذ وما يمنين من جدوى ومن صلةٍ ... خضراء في الحزن مرعاها معاويذ إنَّ الهوى لجة سهل مشارعها ... لكن يعز بها ناجٍ ومنقوذ وما الفتى غير خلو عن عمايته ... ذو همة ذيله للجد مشموذ عاط كؤوس رشاد لا كؤوس الهوى ... فالغي مطرح والرشاد مأخوذ سام إلى كل ما يعلى مزاوله ... كما سما عن حضيض الأرض خنذيذ فالعون مورده مر مذاقته ... وإنَّ حلا وأجاج العز ملذوذ وما المنى بالهوى يجرين بل بمنى ... ما أحد كل ما يرجوه مفلوذ والدهر مخلوجة أحداثه تركت ... فكر اللبيب لديها وهو مبذوذ دجى حوالك لا يجلو مغالقها ... إلاّ فطين ذكي القلب خنذيذ وللمفكر آيات تبصره ... لا يقطع السيف إلاّ وهو مشحوذ والناس في الحب أخياف وأكثرهم ... وإنَّ بدا منهم ود ملاويذ بور مناكيس لا يزكوا معاشرهم ... جريب يعادون عرا كلما حوذوا فلا منوح نوالا إنَّ هم سئلوا ... في الجهل عندهم التحقيق منبوذ سبحان إنَّ ليس يحز وفر الغنى حصير ... وباقل عندهم إنَّ جد خنذيذ

стр. 673

فلا تثق إنَّ هم ذموا وإنَّ مدحوا: ... فهم عن الرشد عمي أو مماليذ والصدق أشرف خيم أنت لابسه ... وخير ما يحتلي الصيد المشاويذ وخير ذخر الفتى دهر قناعته ... فذاك أوثق ما عض النواجيذ وعفة وندى يحمي مسارحه ... إنَّ تتحاماه ألسن ملاجيذ والمرء يمضي ويبقي بعده نبأ ... مدح يخلد أو نيل منافيذ والموت حتم لديه الكل مرتهن ... إذا أتى الحتم لم تجد التعاويذ وقلت أيضاً: تحل بسبط الخلق واحتمل الأذى ... من الناس إنَّ عاشرتهم ودع البذا وكن مغضيا عما يريبك باذلاً ... نداك ولا تغلل يديك فتنبذا فإنَّ بني الدنيا بنو الحاج ما أجتنوا ... من العود إلاّ مثمرا غصنه غذا وإني رأيت الحوض يغشى إذا صفا ... ويلقى إذا كان المشوب أو الوذا وللنحل فضلا دون كل ذبابةٍ ... وللمسك والكافور عم كل ذي شذا على أنَّ هذا الجيل آساد بيشة ... ملاذك منهم للحسام مشحذا متى تعتلق أظفارهم كاهل أمرئ ... أصاروه رهنا للبلايا وللأذا وإنَّ يعلقوا قلبا أعاروه حيرة ... وإنَّ يركبوا ظهرا تفتا أو ارتذا فمن يستطع عنهم نوى فليجافهم ... بعاد ومن ألفى معاذاً تعوذا فإنَّ البحار الخضر تحمى ظهورها ... زخورا وتعلوها مع الركدة الشذا وتعدوا على الشاء الذياب بلا حمى ... وأكبادها من مربض الليث تهتذا وما ذل إلاّ الفقع يوطأ بقرقر ... وإلاّ حمار الحي إنَّ رمته خذا

стр. 674

وذو الهمة العلياء من ليس جاعلا ... مقادته للجاهل النذل مأخذا ولا تارك الأقذار تعلوا ذيولته ... إليه ولا في عرضه الناس لجذا ولنكتف بهذا المقدار. من هذا المضمار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!

стр. 675

باب الراء أراك بشرا، ما أحار مشفر . الرؤية: الإبصار. تقول: رأيت الشيء أراه. وأصله أرءاه، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة. والعرب يلتزمون النقل في هذه الكلمة إلاّ تيم اللات. قال شاعرهم: أري عيني ما لم ترءياه: ... كلانا عالم بالترهات والبشر بفتحتين: الإنسان، وظاهر الجلد كالبشرة، وهو المراد. والحور. الرجوع، وأحارة: رده، وتقول: طحنت فمما أحارت شيئاً، أي فما ردت شيئاً من الدقيق. والمشفر بوزن منبر، ويفتح للبعير بمنزلة الشفة للإنسان. ومعنى المثل أنَّ رؤية الظاهر تغنيك عن رؤية الباطن. وأصله في البعير، وانك إذا رأيت بشرته وجسمه دلك ما به من سمن أو هزال، على ما احار مشفره، أي على كيفية أكله. أريها السهى وتريني القمر ! الرؤية مرث، والسهى بالضم والقصر نجم خفي في بنات نعش الصغرى. والقمر معروف وجمع بينه وبين السهى لمّا بين وصفيهما من المقابلة بالتضاد، لأنَّ القمر غاية الظهور، والسهى في غاية الخفاء. فضرب بهما المثل في الأمر الجلي والخفي. وهذا المثل يصح لك إنَّ تضربه من ترمز له وتشير وهو يفصح، أو في من تنحو به منحى اللطائف والدقائق وهو يتبع الظواهر، أو من تأتيه بالأمر المستغرب العزيز ويأتيك بالأمر المبتذل المطروق، ونحو ذلك، والله اعلم!

стр. 676

رأي الشيخ خير من مشهد الغلام . الرأي: الاعتقاد، والجمع آراء ورئى. والشيخ والغلام معروفان. وهذا الكلام يحكي عن علي، كرم الله وجهه، وهو تفضيل للسن، في ملاقاة الخطوب، على الشباب. وللعرب في هذا مذهبان: تارة يمتدحون بالسن والتجريب، وتارة بالشباب والقوة. فمن الأول كلام علي المذكور، وقول الشاعر وهو زهير بن مسعود: فلم أرقه إنَّ ينج منها، وإنَّ يمت ... فطعنة لاغس ولا بمغمر الغس: اللئيم والمغمر: الذي لا تجريب له ولا سن. وقول إلي الطيب: سأطلب حقي بالقنا ومشائخٍ ... كأنهم من طول ما التمثوا مرد ومن ذلك قول حارثة بن سراقة الكندي، حين منعوه الزكاة أيام الردة: يمنعها شيخ بخديه شيب، لا يحذر الريب. ومن الثاني قول عامر بن الطفيل يخاطب النبي ﷺ : والله لأمنعنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا! وذلك لحالتين مختلفتين: فأنهم إذا أرادوا الحزم وحسن الذي رأي والتدبير والتأني والثبات إذا اشتدت الخطوب، فالشيوخ أولى؛ وإذا أرادوا الجلادة والقوة، فالشباب أولى، مع أنَّ كلا من الأمرين قد يوجد في كل من الطرفين: فانه كما لا خير في رأي الشباب الغمر الجاهل، لا خير في رأي الشيخ الخرف. ومن ثم قيل في الحكمة: إياك ومشاورة شاب معجب برأيه، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه! وأما قول قطري بن الفجاءة: ولقد أراني للرمح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام فقد فسر بمعنين: أحدهما وهو الظاهر من العبارة إنّه يقول: انصرفت وقد أصبت من أعدائي ما أحب من القتل والفتك والكناية، ولم أصب أنا منهم، بل انصرفت سالما وأنا جذع البصيرة، أي قويها، كامل المريرة، لم يضعف عزمي ولا هنت بنيتي بما أصاب

стр. 677

جسمي من الجراحة، وأنا أيضاً قارح الأقداح أي كامله شديده لأنَّ القارح من الخيل الذي تناهت سنه وكملت قوته. والثاني هي الخفي أنه يقول: أصبت من الأعداء وانصرفت عنهم وأنا لم أصب أي لم أوجد جذع البصيرة قارح الأقدام بل وجدت قارح البصيرة جذع الأقدام؛ لأنَّ بصيرة القارح المجرب هي التي لا تضطرب ولا تستحيل وبصيرة الجذع أي الصغير لا تثبت ولا تدوم وإقدام الجذع قوي ماض لأنّه لا ينثني ولا يردعه شيء. واستظهار هذا التفسير الثاني الذي امتدح فيه بالسن على الأول الجلي إنّه يستحيل أن يقول: انصرفت ولم أصب من أعدائي بشيء. وكيف وهو يقول قبله: حتى خصبت بما تحذر من دمي: أحناء سرجي؟ فهذا اعتراف بأنه أصيب بالجرح. فكيف ينقض كلاوه؟ وأجيب من قبل أهل المذهب الأول بأنه أراد بقوله: لم اصب لم أقتل. يقال: فلان أصيب أي قتل كما قال النبي ﷺ في أمرئه: أميركم زيد: فإنَّ أصيب فجعفر فإنَّ أصيب فعبد الله بن رواحة. فقتلوا كلهم. وقال أصحاب الرأي الثاني: كيف يحسن منه أن يقول: أقتل وهو ينشدهم الشعر والمصيبة تطلق على أعم من القتل؟ قال تعالى:) الذين أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّ إليه راجعون (. قلت: وهذا الكلام ضعيف إذ لا مانع من أن يقول افتخارا: قتلتهم وأهلكتهم ولم يقتلوني. وأما عموم المصيبة فغير مانع من التخصيص بقرينة المقام وسياق الكلام مع أن استنكافه من يكون إقدامه قارح ورضاه بإقدام الجذع مخول فإنَّ العرب ما زالت تفضل القارح على الجذع كما قال زهير: يفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء ولذلك قيل في المثل: مذكية تقاس بالجذاع. وقيل أيضاً: جري المذكيات غلابٌ، ة قد تقدم في هذا الكتاب معاً. وقول زهير بن مسعود السابق: فلم أرقه إن ينج منها يريد الطعنة التي طعن.

стр. 678

وقبل البيت: عشية غادرت الجليس كأنما ... على النحر منه لون بردٍ محبرِ جمعت له كفي بلدنٍ يزينه ... سنان كمصباح الدجى المستعرِ فلم أرقه " البيت " وإنّما قال هذا لأنَّ العرب كانت تزعم أنَّ المطعون يبرأ إذا نفث عليه الطاعن ورقاه. قال عنترة: فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقدُ وقال عمرو بن ثعلب الشيباني: أتبعته طعنة مرةً ... يسيل على النحر منها صبيبُ فإن ينجُ منها فلم أرقه ... وإن قتلته فجرحٌ رعيبُ ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل ؟ الفتيان جمع فتى. ودخل الرجل بالفتح والكسر: نيته ومذهبه من جميع أمره. وكذا دخيله ودخلله ودخيلاؤه. ومعنى المثل أنك قد ترى الرجال حسان الظواهر والزي ولا تعرف حقيقة أمرهم وحال باطنهم. يضرب لمن له منظر حسن ولا خير عنده. قيل: وأوّل من نطق به غنمة أو عثمة بنت مطرود البجلية وكانت امرأة عاقلة ذات رأي مسموع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود ذات جمال وكمال. فقدم عليهم ذات مرة خمسة أخوة من غامد بطن من أزد يخطبون أختها خودا وهم في زي مونق لابسو الحلل اليمانية على النجائب المهرية والرحال العلافية مكسوة بالثياب العبقرية. فأنزلهم أبوها وأكرمهم. ثم غدوا عليه خاطبين معهم الشعثاء كاهنة لهم. فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري ولا تشطط في وهري: فإن تخط أحلامهم لا تخط أحسابهم. لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا! فخرج إليهم وقال لهم: اخبروني عن أفضلكم؟ فقالت له الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم! هم أخوة كلهم أسوة. أما الكبير فعمرو بحر غمر،

стр. 679

سيد صقر يقصر دونه الفخر؛ وأما الذي يليه فعاصم صلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم؛ وأما الذي يليه فوثاب ليث غاب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب؛ وأما الذي يليه فمدرك بذول لمّا يملك عزوف عما يترك يغني ويهلك؛ وأما الذي يليه فجندل مقل لمّا يحمل يعطي ويبذل لا يخيم ولا ينكل. فأبلغها أباها ذلك فشاورت أختها غنمة فيهم فقالت: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟ اسمعي كلمة ناصحة: إنَّ شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن فأنكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء! فلم تقبل منها وأرسلت إلى أبيها: أنكحني مدركا. فأنكحها منه على مائة بعير برعاتها. فحملها مدرك فلم يلبث معها إلاّ قليلا حتى أغار على غامد فوارس من بني كنانة فاقتتلوا ساعة ثم انكشف زوجها وقومه فسباها بنو مالك أبن كنانة فيمن سبوا وجعلت تبكي. فقيل لها: وما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله! قالوا: لقد كان جميلا. قالت: قبح الله جماله لا منعة معه! إنّما أبكي على عصياني أختي. وأخبرتهم خبرها. فقال رجل منهم يقال له أبو نواي وكان أسود أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ فقالت لأصحابه: أنَّ كذلك هو؟ قالوا: نعم! إنه مع ما ترين ليمنع الخليلة وينقب القبيلة. قالت: هذا أجمل جمالا وأكمل كمالا قد رضيت إياه. وقال الشاعر: ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخلُ؟ وكلٌ في الهوى ليثٌ ... وما في نلبه فسلُ وليس الشأن في الوصل ... ولكن أن يرى الفضلُ! وقالت الأخرى: وقالت قولةً أخني ... وحجوا لها عقلُ ترى الفتيان كالنخل ... وما يدرك ما الدخل؟ أرى القدر، سابق الحذر هذا المثل ظاهر المعنى وهو من كلام جذيمة الأبرش وسبق في شرح قصته مع الزباء.

стр. 680

أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى . يضرب عند التردد في الأمر. وأصله أنَّ الرجل مثلا إذا قام ليذهب إلى جهة ثم يبدو له ويتحير فتارة يريد الذهاب فيقدم وتارة لا يريد فيؤخر. وهذا ظاهر في المقصود لكن قولهم: يقدم رجلاً ويؤخر أخرى يحتمل باعتبار دلالة عبارته في أصلها أربعة أمور: إحداها أن يكون المعنى أنه يقف في مكانه ويحرك إحدى رجليه: فتارة يقدمها لأرادة الذهاب وتارة يؤخرها رجوعا عن الذهاب حتى توازي أختها مكا كانت أولا. وعلى هذا فلفظ الأخرى فيه تجوز بأن يجعل الشخص الواحد متعددا حالتيه ولفظ التأخير أيضاً لم يصح فيه إلاّ بالنسبة. الثاني أن يكون المعنى أنه يقدم رجلا لأرادة الذهاب ثم يبدو له أن لا يذهب فيبقى واقفا على تلك الحال إحدى رجليه متقدمة والأخرى متأخرة عنها. وعلى هذا ففي لفظ التأخير تجوز إذ معناه إبقاؤها متأخرة نحو: يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا على وجه. الثالث أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه إلى القدام ويؤخر الخرى إلى الوراء. وهذا ظاهر اللفظ ولكن لا وجه له ولا وجود من خارج. الرابع أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه وتبقى الأخرى متأخرة ثم يقدم هذه وتبقى الأخرى وهكذا. وهذا أيضاً ظاهر من اللفظ لكن لا يصح أيضاً هنا لأنّه حالة الماشي لا الوقوف المتردد. فقد علمت أنَّ في العبارة عند تفتيشها تجوزا وخفاء مع وضوح المراد. أراك الكواكب بالنهار . الكواكب: النجوم. وهي لا ترى عادة بالنهار لغلبة ضوء الشمس عليها فضرب المثل برؤيتها نهارا عند اشتداد الأمر وملاقاة ما لم يعتد ويضن أو غلبة الهم والحزن.

стр. 681

وأصل ذلك أنَّ الحرب إذا اشتدت ارتفع النقع وتراكم في الجو وسد الأفق واستحدث الظلام فربما ستر ضوء الشمس إذا كانت في أحد الجانبين فتظهر النجوم من الجانب البعيد عنها. وزعموا أنَّ النجوم ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلا. قال طرفة بن العبد: إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري في الظهر وقال الأعشى: رجعت بما رمت مستحسراً ... ترى للكواكب ظهراً وميضا وللفرزدق: لعمري لقد سار أبن شيبة سيرةً ... أرتك نجوم الليل واضحةً تجري فأصبحت قد صبحت على ظهر خالدٍ ... شآبيب لم يرسلن من سبل القطرِ وهذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: أراني فلان النجوم في السماء أو النجوم في النهار إذا أراه شدة ومكرا وأناله من المكروه ما لم يعهد به ذكراً. لأرينك لمحاً باصراً ! ويقال أيضاً: دون ذلك لمح باصر. يضرب في التهدد والايعاد. واللمح: النظر. فقيل: المعنى نظر مفزع وقيل هو النظر بتحديق شديد. وقيل: المعنى لأرينك نظراً صادقاً! وقال البكري: معنى المثل: لأرينك من أعادي لك أمرا واضحا جليا. وباصر في تأويل عيشة راضية أي مرضية وماء دافق أي مدفوق. وكذلك سر كاتم. انتهى. وهو ظاهر لكن إذا تؤول الباصر فلا بد أن يتناول اللمح أيضاً. وكأنه لذلك فسر بالأمر الجلي الواضح ولا إشكال أنه يبصر. الرأي مع الجماعة . هذا أيضاً من كلام جذيمة في قصته السابقة كما مر وهو ظاهر.

стр. 682

أرى الموت في الغرائر السود . الغرائر جمع غرارة بكسر الغين وهي الجوالق. والسود جمع سوداء. وهذا الكلام للزباء حين رأت إبل قصير وعمرو موقرة بالرجال في الجوالق. وتقدمت القصة مشروحة فلتراجع! وأطلقت الموت على سببه الفاعلي وهم الرجال القاتلون مجازاً. أرنيها نَمِرَة أُرِكها مَطِرَة . يقال: نمر السحاب بالكسر ينمر كفرح يفرح إذا صار أرقط على لون النمر وقولهم نمرة وصف للسحاب. وقياسه نمراء والمذكر أنمر كحمراء وأحمر كما قالوا للفرس أنمر إذا صار على لون النمر. وبكنهم جاءوا به على فعل نحو قوله تعالى:) فأخرجنا منه خضراً (أي أخضر. والمطر: ماء السحاب؛ ومطرتهم السحاب: أصابتهم بمطر؛ ويوم ممطر ومطر بوزن كتف: ذو مطر. ومعنى المثل: تكفل لي بوجود السحاب الأرقط وأنا أتكفل لك بالمطر حينئذ. يضرب لمّا يتيقن وقوعه إذا ظهرت مخائله ولاحت إمارته. رُبَّ أخٍ لم تلدهُ أمك ! رب حرفٌ جار يدل على الكثرة والقلة معا أو على إحداهما فقط أو أكثر أو لا يدل على شيء منهما إلاّ بالقرائن خلاف شهير في النحو لا نطيل بذكره ولا بشواهده، والأخ معروف وفيه لغات معروفة. وأصل المثل أنَّ لقمان بن عاد رأى مع امرأة رجلا يلاعبها وتلاعبهٍ خاليين ومعهما صبي صغير يبكي وهما مقبلان على شأنهما لا يكترثان به. فقال لها: من الرجل؟ قالت: أخي فقال حينئذ: رُبَّ أخٍ لم تلده أمك! تكذيبا لها في دعواها. يقال: إنه أخوك في الصداقة والمودة لا بالقرابة والنسب. وقريب من هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم أنه دخل عليه رجل نصراني ومعه

стр. 683

فتى وسيم من أهل ملته فقال له: من هذا الفتى؟ فقال: بعض إخواني. فأنشد حينئذ: دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبانِ دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوانِ وقال أيضاً في معنى هذا المثل: رُبَّ بعيدٍ أقرب من قريبِ. وقالوا: القريب من قرب نفعه. وقالوا: القريب من تقرب لا من تنسب. وقال حبيب: ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسبابِ فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأنسابِ وقال أبن هرمة في نحو هذا: هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدامِ فإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحامِ غيره: ذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وإخواني أسوة عندي لخلاني أحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني أرواحنا في مكان واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعراقٍ أو خراسانِ وقال حبيب أيضاً: أو نفترق نسباً يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ وتقدم هذا وما يشبه وسيأتي أيضاً منه إن شاء الله تعالى رُبَّ أكلةٍ منعت أكلاتٍ الأكل معروف؛ والأكلة بالفتح: المرة منه وبالضم: شيء يؤكل وما يجعله الأكل في فيه. والمعنى أنَّ الإنسان ربما أكل شيئاً فأداه إلى ترك الأكل مدة بهيضة وتخمة أو مرض مثلا. قال أبي هرمة:

стр. 684

وربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعةٍ أكلات دهرِ وكم من طالبٍ يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري! ويضرب في كل من اقتحم شيئا يفوت عليه بسببه ما هو أكثر منه أو أشرف كمن رضي من عرض الدنيا الفاني بما فوت عليه من الآخرة ونعيمها المقيم عياذاً بالله! رُبَّ رميةٍ من غير رامٍ . الرمية فعلة من الرمي. يقال: رمى يرمي رميا ورمية ورمى السهم عن القوي وعلى القوس أيضاً رميا ورمية بالكسر ولا تقل: رميت بالقوس. ورماه مراماة ورماء؛ وارتمى القوم وتراموا. ومعنى المثل أنَّ الغرض قد يصيبه من ليس من أهل الرماية. فيضرب عندما يتفق الشيء لمن ليس من شأنه أن يصدر منه. وقد يحذف رُبَّ فيقال: رمية من غير رامٍ. ويذكر أنَّ المثل لحكيم بن عبد يغوث المنقري وكان من أرمى الناس. فحلف يوما ليعقرن الصيد حتما. فخرج بقوسه فرمى فلم يعقر شيئاً فبات ليله بأسوأ حال وفعل في اليوم الثاني كذلك فلم يعقر شيئاً فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر مهاة! فقال له ابنه: يا أبت احملني معك أرفدك! فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطئها. ثم تعرضت له أخرى فقال له ابنه: يا أبت ناولني القوس! فغضب حكيم وهم أن يعلوه بها. فقال له ابنه: أحمد بحمدك فإنَّ سهمي سهمك! فناوله القوس فرماها الابن فلم يخطئ. فقال عند ذلك حكيم: رُبَّ رمية من غير رامٍ! وإلى هذه القصة أشار بعضهم بقوله: رماها مطعمٌ من غير علمٍ ... بمس القوس لم يخطئ صلاها وكان أبوه قد آلي عليها ... فلم يبرر أليته مهاها ومطعم هو أبن حكيم المذكور. وقال أبن ظفر: هذا مثل عامي وأصله قولهم: مع الخواطئ سهمٌ صائبٌ.

стр. 685

رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ . الساعي: الكاسب سعى يسعى سعياً والقاعد ضده مجازاً من القعود الذي لزوم الأرض. ومعنى المثل أنَّ المرء ربما سعى في جمع المال أو إدراك الحاجة حتى إذا تهيأ ذلك رزقه بعض من لم يسعى فيه دون الساعي. فيضرب في اكتساب المرء ما لغيره من المال ونحوه. وأوّل من قاله النابغة الذبياني وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب ومنهم رجل من عبس يقال له شقيق فمات عنده. فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق مثل ما حبا به الوفود فقال النابغة: رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ. وقال في يخاطب النعمان: أبقيت للعبسي فضلا ونعمة ... ومحمدة من باقيات المحامدِ أنى أهله منه حباءٌ ونعمةٌ ... ورُبَّ امرئ يسعى لآخر قاعدِ وقيل: أوّل من قاله معاوية وذلك أنه قال يوماص لابنه يزيد بن معاوية: هل بقى في نفسك. من الدنيا؟ قال: نعم أم خالد! وهي امرأة عبد الله بن عامر بن كريز عامل معاوية على البصرة. فأمر عمرو بن العاصي أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج بنته هند بنت معاوية. فخف لذلك أبن عامر حتى وصل إليه فأزلفه معاوية وقربه ثم غفل عنه. فساء ذلك عبد الله واشتكى إلى عمرو بن العاصي فقال عمرو إنّه كره أن يدخل بنته على ضرة فطلق أم خالد وأقام أياماً. فقال معاوية: إنَّ أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطراباً في البلد! وأمره بالعود إلى عمله ووعده بإنفاذ ما ابتدأه فانصرف أبن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلى وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد فسألوه فأخبرهم فقال له الحسن: اذكرني لها! فذهب حتى استأذن على أم خالد وخبرها بما بعث له وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهما تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إلي؟

стр. 686

قالت: نعم! قال: فأرى إلاّ تؤثري أحدا على من رأيت رسول الله ﷺ يفتح فاه ويلثم ثناياه يعني الحسن ﵁ وبلغ الخبر معاوية فقال: رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ واعلمي أم خالد. وكأنه شعر من مجزر الخفيف. ونحوه قول الشاعر: وما الناس إلاّ جامع لمضيعٍ ... وذو تعبٍ يسعى لآخر نائمِ! رُبَّ سامعٍ خبري لم يسمع عذري يضرب في العذر يكون لك ولا يمكنك أن تبديه. وهو ظاهر مادة وصورة. ومثل ذلك في المعنى قول منصور النمري: لعل له عذراً وأنت تلوم: ... وكم من ملومٍ وهو غير مليمِ يقال ألام يليم فهو مليم إذا أتى بما يلام عليه وليم فهو ملوم إذا عتب وعذل. رُبَّ سامعٍ عذري لم يسمع قفوتي . العذر بالكسر العذر كما مر في الهمزة. والقفوة: القذف. يقال: قفاه يقفوه قفواً إذا رماه بفجور. وفي الحديث: لا حدّثني إلاّ في القفو البين قاله في الصحاح. وقفاه أيضاً: رماه بقبيح. والاسم من ذلك كله قفوة بالكسر كما في المثل. يضرب عند اعتذار المرء من شيء لم يعلم منه بعد فيكون ذلك الاعتذار تسميعا بنفسه. ويمكن أن يرد أحد المثلين إلى الآخر فيكون واحداً.

стр. 687

رُبَّ شدٍّ في الكرز ! الشد بالفتح: العدو وكذا الاشتداد. قال الراجز: هذا أوان الشد ... فاشتدي زيم! والكرز على مثل قفل: خرج الراعي ويسمى الكبش الذي يحمله الراعي علية الكراز. قال الراجز: يا ليت أني وسبيعاً في غنم ... والخروج منها فوق كراز أجم! ولا يكون الكراز فيما يزعمون إلاّ أجم لأنَّ الأقرن يشتغل بالنطاح عن حمله. وذكر ابن علي القالي في النوادر أنَّ الكرز الجوالق والأول هو المعروف. وأصل المثل أنَّ رجلا خرج يركض فرسا فألقت مهراً فأخذه وجعله في كرز بين يديه. فقال له رجل: لم تحمله؟ وما تصنع به؟ فقال: رُبَّ شد في الكرز! أي رُبَّ عدو وسبق واشتداد في هذا المهر الذي في الكرز كما قد كان ذلك في أمه! فذهبت مثلا يضرب في الرجل ونحوه يحتقر عندك وله مخبر تعلم به أنت. وإنّما جعل الشد في الكرز على طريق الكنانة لأنَّ ذا الشد فيه كما قال الأول: إنَّ السماحة والمروءة والندى ... في قبةٍ ضربت على أبن الحشرجِ والآخر: إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرؤ على الطريق الواضحِ رُبَّ صلفٍ تحت الراعدةِ . الصلف: قلة النزل في الطعام وقلة الماء. يقال: سحاب صلف على مثل كتف: كثير الرعد قليل الماء؛ والراعدة: السحاب ذات الرعد. والمعنى أنَّ السحاب ربما رعدت ولم يكن منها خير. يضرب للبخيل مع سعة ذات اليد. وقيل للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده. وقيل لمن يتوعد ثم لا يقوم به وهو صالح للكل. وقد اعترض على قائل الأول بان السحاب إذا كثر فيها الماء لم يقل لها صلف.

стр. 688

قلت: يعني فلا يشبه بها الرجل الكثير المال لبخله. ويجاب بأن قلة الماء المسمى بالصلف إنّما هو باعتبار النزول إلى الأرض. فصح تشبيه البخيل بذلك وإن مثر ماله باعتبار قلة ما يخرج من يده. وإن أريد بالصلف أن لا يكون ماء في السحابة نفسها أصلا فالمراد حينئذ التشبيه باعتبار ما فيها من أصوات الرعد والبرق فإنه مظنة السقي؛ كما أنَّ كثرة المال مظنة النفع. وضمن هذا المثل أبن الشبل البغدادي ذا يقول: صحة المرء للسقام طريقٌ ... وطريق الفنا هو البقاءُ بالذي نغتذي نموت ونحيى ... أقتل الداء للنفس الدواءُ ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاءُ صلفٌ تحت راعدٍ وسحابٌ ... كرعت منه مومسٌ خرقاءُ راجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساءُ ليت شعري حلمٌ تمر به الأيام ... أم ليس تعقل الأشياءُ من فساد يكون في عالم الكون ... فما للنفوس منها اتقاءُ وقليلاً ما تصحب المهجة الجسم ... ففيم الشقا وفيم العناءُ قبح اله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباءُ نحن لولا المجود لم نألم الفقد ... فإجادها علينا بلاءُ وضمنته أنا أيضاً في قصيدة يأتي في هذا الباب فقلت: ولربَّ ذي رعدٍ على صلفٍ ... ومهدرٍ في العنة الحجرِ رُبَّ طمع يهدي إلى طبع . الطمع: الحرص طمع فيه بالكسر طمعا وطماعا وطماعية، والطبع بفتحتين: الدنس والوسخ الشديد والشين والعيب. والمعنى أنَّ الطمع لا يزال بصاحبه حتى يتلطخ بكل ريب ويتلوث بكل عيب. قال: الشاعر:

стр. 689

لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وغفةٌ من قوام العيش تكفيني الغفة بضم الغين المعجمة بعدها فاء: البلغة من العيش. ويقال للفأر أيضاً لأنّه بلغة للسنور. وأما العفة بالعين المهملة المضمومة فهي بقية اللبن في الضرع ومعناه صحيح في البيت أيضاً. وسيأتي ما في ذم الطمع والحرص مستوفي إن شاء الله تعالى. رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريثاً . العجلة معروفة. يقال: عجل بالكسر يعجل عجلاً وعجلة فهو عجل بالكسر وعجلان؛ والهبة: العطية. وهب الشيء يهبه بالفتح فيهما هبة. والريث بالمثلثة: البطء. يقال: راث ريثاً. أي رُبَّ عجلة منك تعطيك ريثا وتهب لك بطئاً. والمعنى أنَّ الرجل ربما عجل في أمر ليفعله سريعا فأداه عجله إلى البطء وذلك بسبب تضييع ما ينبغي أن يحافظ عليه فيضطر إلى العودة إليه ثانيا. وعبر بلفظ الهبة مجازا لمّا كان ذلك سببا لذلك. ويقال في المثل: رُبَّ عجلة وهبت ريثا وتهب ريثا بلفظ الماضي والمضارع والمعنى واحد. ورأيت في نسخة عتيقة من نوادر أبي علي القالي: تهب ريثا مضموم الهاء مشدد الباء بضبط القلم على إنّه من الهبوب. وهو يفيد المعنى غير أنَّ الأول أوضح في المقصد وكأنَّ هذا تصحيف والله اعلم. وهذا المثل في ألسنة العوام اليوم موجود معناة يقولون: من عجل أبطأ. رُبَّ قول أشد من صول . القول معروف والصول: القهر والسطوة والاستطالة. صال عليه يصول صولا. والمعنى إنّه رُبَّ كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من الصولة. وهذا من كلام أكثم بن صيفي.

стр. 690

ويحكى في مثله عن النبي ﷺ إنّه لمّا هجاه المشركون قال لحسان ﵁: اهجهم، فهجاؤك اشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام! ومثله قول الشاعر: القول ينفذ من مالا تنفذ الإبر وقول الآخر: وقد يرجى لجرح السيف برء ... وجرح الدهر ما جرح اللسان وقالوا: اللسان، أجرح جوارح الإنسان. وقال الصاحب: حفظ اللسان، راحة الإنسان، فحفظه حفظ الشكر للإحسان، فآفة الإنسان في اللسان! وقال امرؤ القيس: إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان رب مملول لا يستطيع فراقه . الملل معروف. وهذا من كلام أبي الأسود، وكان دخل في ثوب خلق على بعض أصدقائه. فلما رآه قال له: يا أبا الأسود آن لهذا الثوب أنَّ يبدل؟ فقال أبو الأسود: رب مملولٍ. . الخ. ثم أرسل إليه بعد ذلك أثوابا. فقال أبو الأسود يمدحه: كساك ولم تستكسه فشكرته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر وإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر الرباح، مع السماح . الرباح والربح واحد. قال الشاعر: رأيت التقى والجود خير تجارةٍ ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا والسماح والسماحة: والجود والكرم.

стр. 691

والمعنى إنَّ السماح يربح. ويأتي إن شاء الله ما في هذا المعنى. أربع على ظلعك ! يقال: ربع يربع إذا وقف وتحبس. ويقال أربع على نفسك، أي ارفق. وفي الحديث: أربعوا على أنفسهم! والظلع بالظاء المشالة في البعير ونحوه: غمزة برجله في مشيته. يقال: ظلع البير بالفتح يظلع. قال أبو ذؤيب يذكر فرسا: يعدوا به نهش المشاش كأنه ... صدع سليم رجعه لا يظلع فهو ظالع والأنثى ظالعة. وقول النابغة الذبياني: أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ظالع يروى بالمشالة وفسر بالجائر المذنب، من الظالع في البعير، وهو غمز برجله لداءٍ يصيبه، وبالضاد المعجمة، وهو الجائر المائل عن الحق. ومعنى المثل انك ظالع، فأرفق بنفسك في مشيتك لأجل ما بك من الظلع! فيضرب للضعيف، وإنّه ينبغي له أنَّ ينتهي عما لا يطيق. وحكى أبو علي إنّه اجتمع طريف بن العاصي الدوسي والحارث بن ذبيان عند بعض مقاول حمير فتفاخر، فقال الملك للحارث: يا حار، ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم من قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيّها الملك: خرج هيجان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما، فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات. فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح، فأبى قومي، وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلاّ دية الصريح، وأبوا إلاّ دية الهجين.

стр. 692

وكان اسم هجيننا بن زبراء صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضاً. فتفاقم الأمرين الحيين، فقال رجل منا: حلومكم يا قوم لا تعزبنها ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر وأودى إلى الأقوام عقل أبن عمهم ... ولا ترهقونهم سبة في العشائر فإنَّ أبن زبراء الذي فاد لم يكن ... بدون حليف أو أسيد بن جابر فإنَّ لم تعطوا الحق فالسيف بيننا ... وبينكم والسيف أجور جائر فتضافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان. فوالله ما فت في أعضادنا نأينا عنهم، ولقد أثارنا بصاحبنا وهم رأغمون، فوثب طريف بن العاصي من مجلسه، فجلس بازاء الحارث ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من الصواب، ولا اقرب من خطل، ولا أجلب لقذع، من قول هذا. والله، أيها الملك، ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رموا ودجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفروا به خشلا. ولقد أخرجهم الحق عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى الإزعاج، ولجئوا إلى ضيق الولاج، قلا وذلا! فقال الحارث: أتسمع يا طريف؟ وإني والله ما أخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك! فقال طريف: مهلا يا حار، لا تعرض لطمحة استناني، وذرب سناني شبابي، وميسم سبابي، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء! فقال الحارث: إياي تخاطب بهذا القول؟ فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهطتك لآوهطك، ولو نفحتك لأفدتك! فقال طريف متمثلا: وإنَّ كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها! أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع على ظلع وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا! فقال الحارث: أما والله لورمت ذلك لمرغت بالحضيض، وأعصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقنى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس

стр. 693

فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفز إعجال، يمنع معه تطأ من الإمهال! فقال الملك: أيّها عنكما، فما رأيت كاليوم نقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا، ولم يلصوا ولم يقفوا! انتهى. قوله: مقاول، والمقاول: الملوك دون الملك الأعظم؛ وكذا الأقيال والأقوال. وقال امرؤ القيس: وماذا عليه إنَّ ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقوال؟ وتشاولا: تضاربا؛ وعاث السيف: افسد: ونزف: سال دمه حتى ضعف. والهجين من الناس: الذي أبوه عربي وأمه غير عربية؛ والمقرف عكسه؛ والصريح: الخالص الطرفين، والرباء: زيادة العقل: الدية وأرهقه: كلفته، وفاد: مات. قال لبيد: رعى خزرات المكل عشرين حجة ... وعشرين حتى فاد والشيب شامل وفت: أوهى وأضعف، وأثارنا: افتعلنا، من الثأر، والخطل: الخطأ، والقذع: الكلام القبيح، والبذج: الخروف، الفارسي معرب، وأنطوا: أعطوا. قال الأعشى: جياد في الصيف في نعمةٍ ... تصان الجلال وتنطى الشعيرا واجتفؤوا: صرعوا، يقال: جفاه إذا صرعه، والخشل مسكنا ومحركا شجر المقل الواحد خشلة، والقل: القلة والذل: الذلة، والنزوالن: الوثوب: والتترع: التسرع إلى الشر، يقال: تترع تترعا إذا كان سريعا إلى الشر، وطمحة السيل: دفعته، والذرب: الحدة، والأظل: اسفل خف البعير، والعجب: أصل الذئب، وهصته: كسرته؛ وأوهطته: صرعته؛ وتربع: تكف وترفق، كما مر، والظلع: الغمز؛ والضحل: الماء القليل، والضيض: القرار الأسفل، والروامس: الرياح، ترمس، أي تدفن. والحفر: الدفع. وقول الملك: يقصبا، أي يشتما، والقصب: القطع ويلصوا: يقذا، يقال: لصا إليه إذا أنضم إليه لريبة، ولصا المرأة يلصوها: قذفها، ويقفوا: يرميا بالقبيح، قفوته أقفوه: رميته بالقبيح أو قذفته. وذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الأحياء إنَّ عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها، فجعل يسألهم، وكلهم عامراص الشعبي، فجعل لا يسأله عن شيء إلاّ وجد عنده فيه علما. ثم أقبل على الحسن البصري، فسأله

стр. 694

ثم قال: هما هذان: هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن. فأمر الحاجب، فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي وقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا احب حفظهم وتعهد ما يصلحهم من النصيحة لهم. وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أخذ عليهم فأقبض طائفة فأضعه في بيت المال ومن نيتي إني رد عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضته على ذلك من النحو، فيكتب إلي أنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنّما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟ قال الشعبي: فقلت، أصلح الله الأمير، إنّما السلطان والدي يخطئ ويصيب. قال: فسر بقولي وأعجب له ورأيت البشر في وجهه، قال: فلله الحمد! ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قد سمعت قول الأمير يقول إنَّه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليه ورجل مأمور على الطاعة أبتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لمّا يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق أنَّ تحوطهم بالنصيحة. وإني سمعت عبد الرحمان ب سمرة القرشي صاحب رسول الله ﷺ يقول: من استرعي رعية فلم يحفظها بالنصيحة حرم عليه الجنة. وتقول إنّما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستبطالهم وإنَّ يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضتها على ذلك النحوا فيكتب إلي إنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أنَّ تطيع ولا طاعة في معصية الله. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله غز وجل، فإنَّ وجدته موافقا لكتاب الله فأنفذه! يا أبن هبيرة، واتق الله، فأنه يوشك إنَّ يأتيك رسول من رب العلمين يزيلك عن سريرك، ويخرجك عن سعة قصرك إلى مضيق فبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك! يا أبن هبيرة وإنَّ الله

стр. 695

يمنعك من يزيد، وإنَّ يزيد لا يمنعك من الله، وإنَّ أمر الله فوق كل أمر، وإنّه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين. فقال أبن هبيرة: أربع على ظلعك أيّها الشيخ عن ذكر أمير المؤمنين! فإنَّ أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحلم وصاحب الفضل؛ وإنّما ولاه الله ولاية هذه الأمة لعلمه به وما يعلم من فضله ونيته. قال الحسن، يا أبن هبيرة، الحساب من ورائك سوطا بسوط، وعصا بعصا، والله بالمرصاد. يا أبن هبيرة انك أنَّ تلقى من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر أخرتك خير من أنَّ تلفى رجلا يغرك ويمنيك! فقام أبن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه. قال الشعبي: فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته. قال: إليك عني يا عامر! قال: فخرجت إلى الحسن الطرف والتحف، وكانت له المنزلة، واستخف بنا وجفينا، فكان أهلا لمّا أدى إليه، وكنا أهلا أنَّ يفعل ذلك بنا. فما رأيت مثل الحسن فما رأيت من العلماء إلاّ مثال الفرس العربي بين المقاريف، وما شهدنا مشهدا إلاّ برز علينا، وقال لله وقلنا مقاربة. قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله أنَّ أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأجابه! يرتع وسطا ويربض حجرة . الترع معروف، وكذا الوسط. وتقدم ما فيه من الفرق: والرابض بفتحتين ما حول المدينة والجمع أرباض. قال: حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع والربض أيضاً مأوى الغنم. قال العجاج يصف ثورا وحشيا: واعتاد أرباضا لها آري والربض أيضاً كان ما يأوي إليه الإنسان من أهل ومسكن ونحوه. قال: جاء الشتاء ولمّا تخذ ربضاً ... يا ويح نفسي من حفر القراميص!

стр. 696

وربضت الشاة بالفتح تربض ربضا وربضة وربوضا، وهو في الشاة كالبروك في الإبل؛ والحجرة بالفتح فسكون: الناحية والجمع حجر وحجرات. وأما الحجرة بالضم فحظيرة الإبل والغرفة. وهذا المثل يضرب في المرء يشاركك عند النعمة والرخاء والفرح، ويجنبك عند البلاء والكربة والاحتياج، تشبيها بالشاة تدخل الوسط عند الأكل، وعند الفراغ تعتزل إلى ناحية. رجع بخفي حنينٍ . الرجوع معروف. والخف بالضم: الذي يلبس، والجمع خفاف؛ والحنين كزبير إسكاف من أهل الحيرة، ساومه أعرابي خفين حتى أحرجه ولم يشترهما. فغضب الأسكاف ورجع بخفيه إلى طريق الأعرابي، فوضع أحد الخفين على الطريق، ثم مر ساعة فوضع الآخر، وكمن فجاء الأعرابي وقف على الخف الأول في الطريق فقال: ما أشبه هذا الخف بخفي حنين! لو كان معه الآخر لأخذتهما. ثم سار حتى وجد الآخر، فندم على أنَّ فرط في الأول، فأناخ راحلته وأخذ هذا وعقل راحلته ورجع إلى الأول ليأخذه، فخرج حنين إلى الراحلة فأخذها وما معها ومضى لوجهه. فجاء الأعرابي بالخفين إلى أهله، فإذا قيل له: بم جئت؟ قال: بخفي حنين، فضربوه مثلا لمن رجع بالخيبة وآب بالخسران. وقيل: حنين هو رجل أدعى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف، فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران، فقال: يا عم: أنا أبن أسد بن هاشم بن عبد مناف. فقال عبد المطلب: لا، وثياب هاشم! ما أعرف شمائل هاشم فيك، فارجع! فقالوا: رجع حنين بخفيه، فذهب مثلا. وقيل هو لص إنَّ أخذ فصلب. فجاءت أمه نحوه وعليه خفان، فنزعتهما ورجعت فقبل: رجعت بخفي حنين، أي رضيت منه بذلك. رجع بصحيفة الملتمس . الصحيفة بفتح الصاد المهملة: الكتاب والجمع صحائف وصحف، على

стр. 697

غير قياس؛ والملتمس: شاعر معروف، وهو جرير لن عبد المسيح. ولقب بالملتمس لقوله: وذلك أوان العرض طن ذبابه ... زنابيره والأزرق الملتمس وصحيفته: كتاب كتب له عمرو بن هند يذهب إلى عامله بالبحرين ليقتل، وأوهمه أنَّ المكتوب فيها الحباء يأخذه من العامل. فضرب المثل بهذه الصحيفة لمن يستحصب هلاكه وهو يضنه نفعا. وشرح هذه القصة أنَّ طرفة بن العبد الشاعر المشهور البكري الوائلي، هجا عمرو بن هند مضرط الحجارة لمتقدم ذكره قوله: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور من زمرات أسبل قادمها ... وضرتها مركنة درور يشاركنا لها رحلان فيها ... تعلوها الكباش فما تنور لعمرك إنَّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الدهر يقصد أو يجور لنا يوم وللكروان يوم ... تطر المائسات وما نطير فما يومنا فنظل ركبنا ... وقوفا ما نحل وما نسير وما يومهن فيوم سوءٍ ... يطاردهن بالحدب الصقور وتقدم بعض هذه الأبيات، وقوله قسمت الدهر، الخ. . إشارة إلى ما يحكى أنَّ عمرو بن هند كان دأبه أنه يصطاد يوما ويوما يقف الناس ببابه: فإنَّ اشتهى حديث رجل منهم أذن له. فلبث على ذلك دهره. وكان لطرفة أخت تزوجها عبد عمرو، وعبد عمرو هذا كان أقرب الناس إلى عمرو بن هند منزلة. فجاءت أخت طرفة يوما تشكو زوجها هذا، فهجاه طرفة بقوله: يا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما

стр. 698

ولا خير فيه غير أنَّ قيل واجد ... وإنَّ له كشحا إذا قام أهضما وإنَّ نساء الحي يركضن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما له شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخدا مورما ويشرب جزيرة يغمر المحض قلبه ... وإنَّ أعطه أترك لقلبي مجثما كأنَّ السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخا ورد لأسرة أصحما وكان عبد عمرو أجمل أهل زمانه جسما وكشحا، وذلك وصفه بالكشح الأهضم، أي الضامر العسيب: عسيب النخل. وملهم: موضع باليمن ذو نخل، وسرارته أكرم موضع فيه، وكذا سرارة كل واد. والسخد: الورم وقيل السلا. شبه جسده في نعمته ورجرجته بالورم أو السلا المنتفخ؛ والنفخ: انتفاخ البطن، وقوله: ورد الأسرة، أي أسرته مرودة بالطيب والزعفران حتى صار أصحم، وهو الأحمر المائل إلى السواد. وهذا كله من أوصاف النساء، لا الرجال، وهو هجو خبيث. ثم إنَّ عمرو بن هند خرج يوما إلى الصيد ومعه عبد عمرو، فرمى عمرو حماراً فقعره، فقال لعبد عمرو: أنزل فاذبحه! فنزل وعالجه فأعياه الحمار وضحك منه عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: ولا خير فيه. . " البيت ". فيروى إنّه لمّا قال له ذلك، قال عبد عمرو، أبيت اللعن! ما قال لك أشد مما قال لي. قال: وما قال؟ فأنشده الأبيات السابقة. فغضب عمرو وقال: قد بلغ من أمره أن يقول! فأرسل إليه ليكتب له إلى رجل من عبد القيس بالبحرين، وهو المعلى، وكان عامله عليها، ليقتله. فقال بعض جلسائه: إنّه حليف المتلمس، فإنَّ أوقعت بطرفة هجاك المتلمس. فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس، فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس معا، فأتياه، وهو بالبقة، قريبا من الحيرة، فكتب إلى عاملة بالبحرين ليقتلهما، وأخفي ذلك عنهما أنَّ ارتياح عمرو لي ولك لأمر مريب، وإنَّ انطلاقي بصحيفة لا أدري ما فيها لغرور فقال طرفة: أنك لمسيء الظن. وما تخشى من صحيفة إنَّ كان فيها الذي وعدناه، وإلاّ رجعنا إليه، فأبى المتلمس، وأبى طرفة أنَّ يجيبه، ففض المتلمس خاتم صحيفته

стр. 699

وقام إلى من أهل الحيرة يستقي فدفعها إليه، فقرأها الغلام فقال: أنت المتلمس؟ قال: نعم! قال: النجاء! النجاء! قد أمر بقتلك. فجاء بالصحيفة حتى قذفها في نهر الحيرة، ثم قال: ألقيتها بالثنى من جنب كافر ... كذلك أقنوا كل قط مضلل رضيت لمّا بالماء لمّا رأيتها ... يجور بها التيار في كل جدول وقيل انهما مرا في طريقهما ذلك على رجل يتغدى وهو يقضي حاجة الإنسان ويلفي ثوبه. فقال المتلمس: ما رأيت أحمق من هذا. فقال وما رأيت من حمقي؟ إنّما آكل غذائي وأخرج دائي وأقتل أعدائي. وهل الأحمق إلاّ من يحمل حتفه على كتفه؟ أو كلاما نحو هذا. فحينئذ إستراب المتلمس أمر الصحيفة فاستقرأها كما مر، ثم قال لطرفة: تعلم أن في كتابك مثل ما في كتابي؟ فقال طرفة: لئن اجترأ عليك، ما كان ليقدم علي. فلما أعياه طرفة وأبى أن يطيعه، وخرج الملتمس من فوره ذلك إلى الشام هاربا وقال: من مبلغ الشعراء عن إخوانهم ... نبأ فتصدقهم بذلك الأنفس أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حياته المتلمس ولقد نصحت له فرد نصيحتي ... وجرت له بعد السعادة أنحس وفي ذلك قيل: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها وخرج طرفة حتى أتى صاحب البحرين بكتابه، فدفعه إليه، فقال صاحب البحرين: إني رجل في حسن وبيني وبين أهلك إخاء قديم، فأهرب إذا خرجت من عندي، فقد أمرت بقتلك! فإن كتابك إنَّ قرئ لم أجد بدا من قتلك! فأبى وطن إنّه لا يجترئ على قتله. فحبسه حتى قتله. وفيه يقول طرفة، يخاطب العامل: أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي آيا منذر أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض! رجع فلان إلى قرواه . وروي: القروي بألف مقصورة. يقال: رجع فلان على قرواه، أي رجع إلى خلق

стр. 700

كان يعتاده. يضرب في عادة السوء يتركها صاحبها ثم يرجع إليها. والمعروف في اللغة: القرواء بالمد وهو العادة. ويروى هذا حديثا: لا ترجع هذه الأمة على قروائها أي على أمرها الأول والله أعلم. رزمةٌ ولا درة فيها . الرزمة بفتحتين صوت الناقة عندما ترأم ولدها تخرجه من حلقها ولا تفتح به فاها؛ والدرة فعلة من درت الناقة باللبن تدر. يضرب هذا المثل لمن يعد ولا يفي كالناقة تروم وتحن ولا تدر ولا خير في ذلك ورزمة خبر مبتدأ يقدر بحسب المقام. الرشف أنقع . الرشف: المص. يقال: رشف الماء يرشفه كنصر ينصر ورشف يرشف كسمع يسمع رشفا وارتشافه وترشه إذا مصه ونقع الرجل بالشراب ينقع بالفتح فيها: استقى به وأنقعه الماء: أرواه. والمعنى أنَّ امتصاص الماء وترشفه شيئا فشيئا هو أنقع للنفس وأقطع للعطش ولذلك أمر النبي ﷺ بالمص وقال إنّه أهنى وامرئ ونهى عن العب. فيضرب في ترك العجلة في الأمر. ارضَ من المركب بالتعليق ! الرضى ضد السخط رضي بالكسر يرضى. والمركب هنا إما أن يراد به الركوب ومن للبدل كقوله: لو أنَّ لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركباناً والمعنى: ارضَ بدل ركوبك بأن تعلق أمتعتك. وأما أن يراد به المركوب ومن

стр. 701

على بابها أي: ارضَ من هذا المركوب بان تعلق أمتعتك عليك أو بان تتعلق به في عقبتك ونوبتك. فيضرب عند الأمر بالقناعة بادراك اليسر من الحاجة والرضى بصغير الأمر دون عظيمه. مرعى ولا أكولة . المرعى: مفعل من الرعي يقال رعت الماشية بالفتح رعيا ومرعى ويطلق المرعى أيضاً على المكان وعلى النبات المرعي؛ وهو الرعي أيضاً بكسر الراء. قال زهير: تربع بالقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاءُ أي دعاه إليه ما فيه من الرعي أبي الكلأ والخلوة. والأكل معروف وهو أكول وهي أكولة فإنَّ علم الموصوف من الكلام كان القياس حذف الهاء كغيره من نظائره. والمعنى أنَّ هذا مرعى أي نبات كثير ولم توجد ماشية ترعاه أو مكان ذو رعي ولا راعية له. يضرب في المال الكثير يجده الرجل ولم يجد من ينفقه عليه. وقال الشاعر في معنى المثل الأصلي: أرعت الأرض لو أنَّ مالاً ... لو أنَّ نوقاً لك أو جمالا أو ثلة من غنمٍ إمالا أي: إن كنت لا تجد غيرها. ومن اللطائف في هذا ما أنشده أبو علي البغدادي من قول الشاعر: فجنبت الجيوش أبا زينبٍ ... وجاد على مسارحك السحابُ فإنَّ البيت يحتمل أن يريد فيه الدعاء للمذكور على ما يبدو في بادئ الرأي بان يرزق العافية والأمن والخصب والدعة؛ ويحتمل أن يريد به الدعاء عليه بأن يفقر ويسلب المال حتى لا يكون له شيء تقصده الجيوش عليه وتتوجه بسببه الغارات إليه ويخصب مع ذلك حواليه حتى يكثر أسفه وحزنه إذ لا راعية له. وهذا الوجه هو الأصح وهو من أحسن معاريض البلغاء.

стр. 702

مرعى ولا كالسعدان . المرعى تقدم: والسعدان بوزن سكران: نبت شديد الشوك. وفي الحديث في وصف جهنم أعاذنا الله منها: إنَّ فيها كلاليب مثل شوك السعدان. وقيل لرجل من أهل البادية خرج عنها: أترجع إلى البادية؟ فقال: أما ما دام شوك السعدان مستلقيا فلا! يعني: لا ارجع إليها أبدا لأنَّ شوك السعدان لا يفارقها. ويحكى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وذكره أبو العباس المبرد إنّه قال: دخلت على أبي بكر ﵁ في علته التي مات منها فقلت: إني أراك بارئا يا خليفة رسول الله ﷺ فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير وأتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان! والذي نفسي بيده لأنَّ يقوم أحدكم فتضرب عنقه في غير حق خير له من أن يخوض في غمرات الدنيا! يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البحر! فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله فإنَّ هذا يهيضك إلى ما بك. فو الله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاّ خيرا! قوله: نضائد الديباج هو الوسائد جمع نضيدة أي المنضودة المجموع بعضها إلى بعض. قال الراجز: وقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا سبحتُ ربي قائماً وقاعدا والصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان؛ وقوله: إنّما هو الفجر أو البحر يريد: إن تربصت حتى يضيء لك الفجر الطريق عرفت قصدك وإن خبطت الظلماء وركبت متن عشواء ضللت. وضرب ذلك مثلا للدنيا وتحييرها أربابها.

стр. 703

ويذكر في بعض الأخبار إنّه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان. وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل يسمنها ويغذيها غذاء حسنا. قال النابغة: الوهاب المائة الأبكار زينها ... سعدان يوضح في أوبارها اللبد ولذلك ضربت به العرب المثل. وقال أبو علي البصير يمدح عبيد الله بن خاقان وله: يا وزراء السلطان ... أنتم وآل خافان كبعض ما روينا ... في سالفات الأزمان ماء ولا كصدى ... مرعى ولا كالسعدان وهذان مثلان: ومثلهما: فتى ولا كمالكٍ . وهي كلها تضرب في الشيء يكون الفضل وغيره أفضل منه. وسيأتي بقيتها إن شاء الله تعالى. قيل: وأوّل من قال: مرعى ولا كالسعدان امرأة من طيء تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان القيس مفركا. فقال لها يوما: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان! وكانت هذه المرأة تزوجها قبل ذلك رجل آخر ففضلته على امرئ القيس. قيل: وهذا الرجل هو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد وهو الذي يقال له ذو الجدين لأنّه كان له جد عند الملوك وجد في الحروب. وقيل لأنّه أسر أسرين شريفين كان لهما فداء كثير ولم يؤسر أحد في زمانه أشرف منها ولا أكثر فداء فسمي ذا الجدين. وإياه يعني الحماسي بقوله: أيا بنت عبد الله وابنة مالكِ ... ويا أبنت ذي الجدين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلاً فإني لست أكله وحدي! رعى فأقصبَ . الرعي تقدم؛ والقصب: القطع ومنه قيل للجزار قصاب لأنّه يقطع

стр. 704

اللحم. وتقول: قصبت البعير وغيره إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروي؛ وقصب البعير أيضاً شربه إذا امتنع منه قبل أن يروي فهو بعير قاصب. قال الراجز: وهن مثل القاصبات القمحِ وأقصب الرجل إذا فعلت إبله ذلك فيقال: رعى فأقصب مثلا للراعي المسيء الرعي وذلك أنه إذا أساء رعيها فخلت أجوافها من الكلأ امتنعت من الشرب إذ لا تشرب على جوع فكان امتناعها من الماء كناية عن تجويعه إياها. الرغبُ شؤمٌ والرفقُ يمنٌ . تقدم معنى هذا المثل عند الكلام على ضده وهو قولهم: الخرق شؤمٌ . وتقدم ذلك في الحديث. ارقَ على ظلعك ! يقال: ارقِ بفتح القاف وكسرها وبالهمزة. أما على الأول فمن الرقي وهو الصعود. والمعنى: تكلف ما تطيق لأنَّ الرقي في السلم إذا كان يظلع يرفق بنسه. ويقال عند أمر الإنسان أن يبصر ما فيه من العيب والنقص ولا يتجاوز الحد في وعيده ويتخطى المقدار في تهديده. وأما على الثاني فهو من الرقية وكأنك تقول له: لا ظلع بي أنا أداويه ولكن ارق أنت ما فيك من الظلع! وأما على الثالث فمن القوء. يقال: رقأ الدمع يرقأ إذا سكن ورقأ بين القوم: أصلح. فيحتمل أن يكون من الأول أي: ارفق بنفسك واعمل على فيك من ضعف! أو الثاني أي: اصلح ما فيك من العيب أولاً!

стр. 705

ارقَ على ظلعك أن يهاضَ ! هذا كالذي قبله؛ والهيض أن يكون العظم قد جبر من كسر ثم يكسر ثانيا. قال امرؤ القيس: ويهدأ تاراتٍ سناه وتارةً ... ينوء كعتاب الكسير المهيضِ وقال الآخر: ومولى كمولى الزبر قان دملته ... كما دملت ساقٌ تهاض بها وقرُ يرقم الماء . الرقم: الكتب. فيضرب في الاستقامة والحذق. ويقال: فلان يرقم يرقم الماء أي إذا بلغ من حذقه إنّه يرقم حيث لا يثبت الرقم. قال أوس بن حجر: سأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقمُ وقد يقال: يرقم على الماء لإرادة أنه لا يثبت من عمله على شيء. رقةٌ ينتجها ذنب خيرٌ من حسنةٍ يتبعها عجب . هذا فيما أظن مثل مصنوع وهو نحو قول الشيخ تاج الدين أبن عطاء الله في حكمه: معصية أورثتك ذلا وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثتك عزا واستكبارا. وليس هذا محل تقرير هذا المعنى. ركب جناحي النعامة . الركوب معروف ركب بالكسر ركوبا الجناح للطائر معروف. والنعامة تقدم ما فيها. وهذا المثل يقال لمن جد في أمر كانهزام أو غيره. قال الشماخ: فمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قد قدمت بالأمس يسبق
следующие страницы →