Полный текст (902 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأمور مخلوجة وليست بسلكى .
الأمور جمع أمر، وهو الشأن والحال والشيء الواقع: والخلج: الجذب والنزع؛ والمخلوجة: المجذوبة؛ والمخلوجة أيضاً: الطعنة المعوجة عن يكين وشمال؛ والسلكى، بضم الأول وألف مقصورة: الطعنة المستقيمة تلقاء الوجه. قال امرؤ القيس:
مطغنهم يلكى ومخلوجة ... كزك لأيمن على نابلِ
ثم إنهم جعلوها في الأمور، وجعلوا المخلوجة والسلكى مثلا في الأمور باعتبار اعوجاجها واستقامتها قالوا: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، أي هي معوجة وليست بمستقيمة، وأصله في الطعن. قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل الحارث بن عباد، وذلك أن جساس بن مرة لمّا قتل كليبا على ما سيأتي خبره، قام مهلهل بن ربيعة بثأر أخيه كليب، وكان ممن قتل بجير بن الحارث المذكور أو أخيه في قصة ستأتي.
وفيه يقول مهلهل:
وإني قد تركت بواردات ... بجيراً في دم مثل العبير
هتكت به بيوت بني عبادٍ ... وبعضُ الشرَّ أشفى للصدورِ
فلما بلغ الحارث بن عباد مقتل بجير قال: نعم القتيل قتيل أصلح الله به بين بني وائل وباء بكليب! فقيل له: إن مهلهلا لمّا قتله قال له: بُؤبِشِسعِ نعل كليب! فعند ذلك غضب الحارث وقال: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، وقال:
قربا مربط النعامةِ مني ... لقحت حربُ وائلٍ عن حيالِ
قربا مربط النعامة مني ... إنّ بيع الكرام بالشسعِ غالِ
стр. 72
لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بجمرها اليوم صالِ
وهي قصيدة. ونهض لحرب تغلب حتى أبارهم. وفر مهلهل حتى هلك غريب الدار كما سيأتي. وقلب أبو عبيد هذا المثل فأورده هكذا: الأمر سلكى وليست بمخلوجة، والصواب العكس، كما أورده غيره وهو الذي قدمنا، لأن الأمور في قضية الحارث ليست بسلكى، وهلم جرا. وقول امرئ القيس كرك لأمين على نابل، فيه كلام يبين بعد في تشبيهات امرئ القيس إن شاء الله تعالى.
تأمير الأراذل، تدمير الأفاضل .
التأمير: تولية الإمارة: وأراذل الناس: سفلهم، والتدمير، بالدال المهملة: الإهلاك. وأفاضل الناس. خيارهم.
ومعنى المثل ظاهر، وهو فيما أظن مصنوع موجود في بعض تآليف البلغاء المصنوعة.
الأمر أشد من ذلك .
قد يتمثل به، وهو من كلام النبي ﷺ حيث ذكر المحشر وأن الناس يحشرون حفاة عراة، فقيل له: وكيف ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ذلك. والحديث معروف مشهور.
آمن من حمام مكة .
الأمن ضد الخوف؛ والحمام ومكة تقدما. وأمن الحمام في مكة أنه لا يتعرض له ولا يصاد ولا يقتل. ولذلك قال النابغة:
والمؤمن العائذاتِ الطير يمسحها ... ركبان مكةَ بين الغيلِ والسعد
وقال عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي من قصيدة:
فسحت دموع العينِ تبكي لبلدةٍ ... بها حرمٌ أمنٌ وفيها المشاعرُ
وتبكي لبيتِ ليس يؤذى حمامهُ ... تطل به أمناً وفيه العصافرُ
وفيه وحوشٌ ليس ترامُ أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادرُ
стр. 73
وهذا الشعر قله عندما نفتهم خزاعة وأخرجتهم إلى اليمن من مك، فجعل يتذكر مكة ويحزن ويبكي لفراقها. وتقدم شيء من معنى هذا المثل.
أما الدَّينُ فلا دِن .
يتمثل به كثيرا، وهو كلام مسيلمة الحنفي الكذاب لعنه الله تعالى. وذلك أنه، لمّا غزاهم سيف الله خالد بن الوليد ﵁ في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا. فلما اشتد القتال آخرا على مسيلمة وأصحابه بني حنيفة وعظم عليهم الأمر وأيقنوا بالهلاك والدمار قال له بعض أصحابه: أين ما كنت تعدنا يا أبا ثمامة من نصر؟ فقال عبد ذلك: أما الدين فلا دين، ولكن قاتلوا على أحسابكم. فجعلوا يتندمون ويسبونه، وقتل في ذلك اليوم، لعنه الله. والقصة مشهورة ومعروفة في السير لا حاجة إلى سردها.
أنا بالقُوس، وأنت بالقرقوس، متى نجتمع ؟
القوس بضم القاف: صومعة الراهب. قال الشاعر يذكر امرأة: لا ستفتنتني وذا المسحين في القوس. والقرقوس، على مثال قربوس: القاع الصلب من الأرض، وبين المكانين بون بعيد. فيضرب عند التباعد في الأمكنة أو الخلال أو الشيم، كما قيل:
هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعودَ ولن تستطيع إليك النزولا
أنا أبن بجدتها.
يقال بجد بالمكان يبجد بجودا إذا أقام به. والبجيد بفتح الباء الموحدة وضمها مع سكون الجيم، وبضمهما معا: أصل الشيء ودخلة الأمر وباطنه، فيقال عند فلان بجدة هذا المر أي علمه، وهو أبن بجدتها أي العالم.
стр. 74
قال أبو العلاء المعري:
إذا أسكت المحتجُ كل مناظرٍ ... فعند أبن نصر بجدةٌ بحّوابِ
وقال صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
لا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يومَ الفخار ولا بر التقى قسمي
ويقال أيضاً للدليل الهادي. ويقال أيضاً: هو عالم ببجدة أمرك وبجد أمرك، أي بداخلته. وقيل إنّما قسل: أنا أبن بجدتها، وهو أبن بجدتها من البجود وهو الإقامة، لأن المقيم بالمكان عالم به. يقال: هو أبن بجدة هذا البلد أي العالم بأمره لإقامته به. وقيل اصله من قولهم: فلان من أهل البجد أي من أهل البادية وهم العلماء باللسان على ما وضع به.
أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق ؟
التئق: الممتلئ غضبا. واصله في الإناء يقال: تئق الإناء يتأق إذا امتلأ وأتأقته أنا ملأته. ويقال: التئق السريع إلى الشر. ويقال: هو الحديد قال الشاعر يصف كلبا:
أصمعُ الكعبينِ مهضومُ الحشا ... سرطمُ اللحيينِ معاجٌ تئقْ
وقال الآخر: يصف فرسا:
ضافي السبيبِ أسيل الخدِ مشترفٌ ... حابي الضلوعِ شديدٌ أسره تئقُ
وقال الأخر يصف فرساً:
ضافي السبيب أسيل الخد مشترف ... حابي الضلوع شديد أسره تئق
والمئق: الباكي يأخذ شبه الفواق عند البكاء والنشيج. يقال: مئق الرجل والصبي يأمق مأقا وماقة باتحريك وامتاق. قال رؤبة.
كأنما عولتها بعد التأق ... عولة ثكلي ولولت بعد المأق
стр. 75
وشأن التئق النزوع إلى الشر لغضبه، وشأن المئق ضيق الصدر عن الاحتمال، فلا يجتمعان. فيضرب للمتخالفين خلقا.
أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب .
لمّا قبض النبي ﷺ اجتمعت الأنصار إلى بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر وعمر من المهاجرين - رضي الله تعالى عليهم جميعاً - فتكلم أبو بكر، والقصة مشهورة. وتكلم رجل من الأنصار، وفي رواية وهو الحباب بن المنذر فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير. والجذيل تصغير جذل بكسر الجيم وتفتح، وبالذال المجمعة الساكنة. والجذل: ما عظم من أصول الشجر أو أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع. والجمع أجذال وجذولة. قال امروء القيس:
كأن على لباتها جمر مصطلي ... أصاب غضا جزلا وكف بالجذال
والجذال أيضاً: عود ينصب للجربى لتحكك به، وهو المقصود هنا. ويقال: هو عود ينصب في مبرك الإبل للتحكك به لتزيل ما عليها من قراد وكل ما لزق بها فتشتفي بذلك، ويكون كالتمرغ للدابة. وقال الراجز:
لاقت على الماء جذيلا واتد
ويضرب مثلا للرجل فيقال: هو جذل محاكة وجذل حكاك. وقال الأصمعي:
قلت لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم على مثلهم منجبة. قلت صفهم لي. قال: جهم وما جهم! ينصي الوهم، ويصد الدهم، ويفري الصفوف، ويعل السيوف. قلت ثم من؟ قال: غشمشم وما غشمشم! ماله مقسم، وقرنه مجرجم، جذل حكاك ومدرة لكاك. قلت: ثم من؟ قال: عشرب وما عشرب! ليث محرب، وسماهم مقشب؛ ذكره باهر، وخصمه عاثر؛ وفناؤه راحب، وداعيه مجاب. قلت: فصف لي نفسك. قال: ليث أبو ريابل، ركاب معاضل، عساف مجاهل؛ حمال أعباء، ناهض ببزلاء.
стр. 76
قوله: ينضي الوهم أي يهزل الوهم، وهو الجمل الضخم من قوته؛ ويصد الدهم أي يكف الدهم، وهو العدد الكثير من العدو. ويفري الصفوف أي يشقها في القتال مقدما. ويعمل السيف أي يوردها دماء الأقران مرة ثانية من العلل في الشرب.
وقوله: قرنه مجرجم أي مبارزه مجرجم أي مصرع؛ وجذل حكاك أي يستشفي به في الأمور كالجذال المنصوب الذي يستشفي به الإبل الجربى والمدره: لسان القوم. واللكاك: الزحام. والليث المحرب: المغضب، وهو أشد ما يكون؛ والمقشب: المخلوط. والباهر: الغالب. واليابل جمع ريبال يهمز ولا يهمز، وهو الأسد. والمعاضل: الدواهي؛ والعساف: الركاب الطريق على غير هداية. والمجاهل: الفلوات؛ والأعباء: الأثقال؛ والبزلاء: الرأي الجيد، وهو مثل سيأتي. وأما العذيق فهو تصغير عذق، وهو بالفتح: النخلة بحملها، وبالكسر القنو منها. والمقصود هنا الأول. والمرجب: المعظم. يقال: رجبته ترجيبا: عظمته. ومنه رجب لتعظيمهم إياه. ويقال: إنّ فلان لمرجب أي عظيم. وحدث الأصمعي قال: مررت في بلاد بني عامر بحلة في غائط يطؤهم الطريق، فسمعت رجلا ينشد في ظل خيمته له ويقول:
أحقا عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقرى يوماً وأعلامها الغبرِ
كأنَّ فوأدي كلما مر راكبٌ ... جناحُ غرابٍ رام نهضاً إلى وكرِ
إذا رحلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاك الهوى واهتاج قلبكَ للذكرِ
فيا راكب الوجناء أبت مسلماً ... ولا زلتَ من ريبِ الحوادثِ في سترِ
إذا ما أتيتَ العرضَ فاهتف بجواهِ ... سقيتَ على شحطِ النوى سبلَ القطرِ
стр. 77
فانك من وادٍ إلى مرجبٍ ... وإن كنت لا تزدار إلا على عفرِ
قال فلما رآني مصغيا إليه أشار إلي فاستأنسني وأنزلني ووضع طعاما فقلت: أنا إلى غير هذا أحوج، قال: ماذا؟ قلت: تنشدني، قال: أفعل. فلما أصبت من الطعام قلت: الوعد، فأنشدني:
لقد طرقت أمُّ الخشيف وإنها ... إذا صرع القوم الكرى لطروقُ
فيا كبداً يحمى عليها وإنها ... مخافةَ هيضات النوى لخفوقُ
أقام فريقٌ من أناسٍ يودهم ... بذات الغضا قابي وبان فريقُ
لحاجة محزون يظل وقلبه ... رهين ببيضات الحجال صديقُ
تحمان أن هبت لهن عشيةً ... جنوبٌ وأن لاحت لهن بروقُ
كأن فضول الرقم حين جعلنها ... غدياً على أدمِ الجمال عذوقُ
وفيهن من بخت النساء ربحلةٌ ... تكادُ بها غرُ السحاب يرقُ
هيجانٌ فأما العصُ من أخرياتها ... فوعثٌ وأما خصرها فدقيقُ
فقوله: فإنك من وادٍ إلى مرجبٍ أي معظم. وقوله في القطعة الثانية:
كأن فضول الرقم حين جعلنها ... غديا على أدم الجمال عذوقُ
أي نخلات، جمع عذق وهو النخلة كما ذكرنا قبل، أو قنوانها، وهو تشبيه مشهور عند القدماء، يشبهون الحمول والبرود المرقومة فيها بالنخيل إذا أينع ثمرها فأحمر وأصفر. قال امرؤ القيس:
أو المكرعات من نخيل أبن يامنٍ ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا
سوامق جبارٍ أثيتٍ فروعهُ ... وعالين قنوانا من البسرِ أحمرا
وقال أيضاً:
علوانَ بأنطاكية فوق عقمةٍ ... كجرمة نخلٍ أو كجنة يثربِ
والترجيب في النخل أن يجعل للنخلة دكان تعتمد عليه اة يدعم بشيء إذا كثر حملها لئلا تنكسر. ويسمى ذلك الطكان الرجبة بضم الراء. وقيل أن يغرز الشوك حولها حتى لا يوصل إليها. وقيل أن تضم قنوانها إلى سعفاتها وتشد بالخوص حتى لا
стр. 78
ينفضها الريح فيقال: نخلة مرجبة، وعذاق مرجب. ويقال: نخلة رجيبة بتخفيف الجيم وتشديدها.
ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في سنة الجوائح
ولا يرجب من النخل إلاّ الكريمة. واعلم أن التصغير في كل من الجذيل والعذيق للتعظيم على ما اثبت الكوفيون من ورود التصغير للتعظيم كقول لبيد:
فويق جبيل شامخ لن تناله ... بهمته حتى تكل وتعملا
وقيل للتقريب كما في بني أخي. وقد تحصل في معنى الكلام بجملته إنه يقول: أنا الذي يرجع إليه في النائبات، ويستشفى بفضل رأيه في المعضلات المعوصات، كالجذيل الذي تستشفي بالاحتكاك به الإبل؛ وأنا لي أيضاً عشيرة يحفظوني ويؤووني، وعصبة ينصروني ويمنعوني، كالنخلة الممتنعة برجبتها، الكريمة على أهلها إذ لا يرجب من النخل إلاّ الكرام كما مر. وقد علم اشتمال الكلام على مثلين وليس مثلاً واحداً؛ إلاّ إنّهما يقرن بينهما كثير. وفي مقامات البديع قوله: حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجداك بينا ذيلة، قال أصبتم عذيقة، ووافيتم جذيلة الخ. وقيل معنى أنا جذيلها المحككك أنا صاحب رهان. والمحكك المعاود لها، كما قال الراجز: جذل رهان في ذراعيه حدب أي السير ويقال أيضاً. رجل محكك: أي مجرب للأمور بصير بخيرها وشرّها. وهو مدح في الرجال، ذم في النساء قال الحماسي:
لا تنكحن الدهر ما عشت أيما ... مجربة قد مل منها وملت
ويقال أيضاً: أنا جحيرها المأرب، وعذيقها المجرب. والجحير تصغير جحر وهو الغار؛ والمأرب المقور الململم، ومعناه واضح من الذي قبله.
стр. 79
أنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف ؟
الكلف بفتحتين العشق والولوع بالشيء. يقال: كلف الرجل بكذا يكلف به بالكسر في الماضي، فهو كلف ككتف. والصلف بفتحتين: عدم الحظوة. ويقال: صلفت المرأة بالكسر إذا لم تكن لها مكانة عند زوجها ولا قدروا بغضها، فهي صلفة وهن صلائف. قال القطامي يذكر امرأة:
لها روضة في القلب لم ترع مثلها ... فورك ولا المستعبرات الصلائف
ويقال للمرأة: اصلف الله رفغك أي بغضك إلى زوجك. والصلف أيضاً التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس عندك، ومجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا.
وهذا المثل يضرب أيضاً للمتباينين في الأخلاق كالذي تقدم.
أنا اتلوص قبل أن أرمى .
التلوص بالصاد المهملة: التلوي والتقلب، والاصة: إدارة. والرمي معروف. وأعلم إنّ العقلاء من حكماء الفلاسفة والعرب وضعوا حكما كثيرة وأمثالاً جمة على ألسنة الجمادات والحيوانات والعجومات باعتبار حالها تعليما للناس وإرشاداً لهم إلى مصالحتهم معاشاً ومعاداً، وذلك من قبيل التمثيل الذي ذكرناه من قبل. وسيأتي في هذا الكتاب إنّ شاء الله كثير من هذا النوع، فكان من ذلك أن قالوا: إنّ الغراب وصى ابنه فقال له: يا بني، إذا رميت فتلوص، أي انحرف لئلا تصاب فقال: يا أبت، أنا اتلوص قبل أن أرمى يضرب في التحرز من الشيء وأخذ الحذر منه قبل كينونته.
أنا من هذا الأمر فالج بن خلاوة .
فالج بالفاء والجيم، على صيغة فاعل: اسم رجل من أشجع، وهو فالج بن خلاوة بفتح الخاء المعجمية بن سبيع بن بكر بن أشجع. وكان فالج هذا قيل له يوم الرقم إذ قتل أنيس الأسرى: انتصر أنيساً؟ فقال: إني منه بريء. واليوم الرقم يوم من أيامهم، فقد فيه فرس عامر بن طفيل، فيقس لكل خلي من أمر متبرئ منه يقول: أنا منه فالج بن خلاوة أي أنا منه جلاء بريء بمنزلة ذلك الرجل.
стр. 80
أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة .
الحقن: الحبس. يقال: حقن اللبن في السقاء إذا جمعه وخلط حليبه برائبه كما مر، وحقن البول: امسكه، وحقن دمه: منعه من القتل. وكل شيء أمسكته وحبسته فقد حقنته. والإهالة: الودك، وهو اشحم أو ما أذيب منه، أو الزيت وما يؤتدم به، فيقال: أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة، أي عالم به خبير بحاله، لأنه لا يحقن الإهالة في السقاء إلاّ من يعلم إنّها بردت لئلا يحترق السقاء بها.
أنا النذير العريان .
الإنذار: الإبلاغ مع تخويف، والاسم النذر. قال تعالى:) فكيفَ كانَ عذابي ونذر (. والنذير فعيل بمعنى مفعل أي منذر. ويكون النذير أيضاً بمعنى الإنذار، والقصد هنا الأول. والعريان معروف. ويقال: عري الرجل بالكسر يعرى عراء فهو عريان بضم العين وعار؛ وجمع العريان عريانون، وجمع العاري عراة. وهذا المثل ورد بهذا اللفظ في الحديث من كلام النبي ﷺ ، وهو مثل قديم للعرب يقال عند الإنذار بقرب العدو مع المبالغة في الإنذار. اصله أن النذير الجاد المغوث يتعرى من ثوبه فيمسك بيده ويشير به ويلمع لتسبقه رؤية الثوب سماع صوته، وإنّما ذلك عند قرب العدو وهجومهم، فكان مثلا عند الجد والتشمير في الإنذار بكل أمر هائل، كما قال النبي ﷺ لقومه: " أرأيتم لو أخبرتكم أن بالوادي خيلاً تصبحكم أكنتم مصدقي؟ فقالوا: ما جربنا عليك من كذب. فقال: فأني نذير لكم بين يدي عذاب شديدً "، أو كما قال ﷺ .
وقال صاحب الروض في قوله تعالى:) يا أيّها المدثرُ (إنّ وجه ارتباطه مع قوله تعالى:) قم فأنذر (أن الإنذار من أوصافه ﷺ التي وصف بها نفسه بقوله: " أنا النذير العريان ". ومعلوم أن الإنذار على هذا الشعار مخالف للتدثر بالثياب، فكان فيه من التطابق والالتئام مالا يخفى. وهو حسن ظاهر. ويقال أصل المثل في رجل من خثعم أخذه العدو وسلبوه ثيابه وقطعوا يده. فجاء قومه منذراً على تلك
стр. 81
الحال. ويقال إنّه في يوم ذي الخلصة حمل عليه عوف بن عامر فقطع يده ويد امرأته والله اعلم.
أنت شَولة الناصحة
شَولة بفتح الشين المعجمة فسكون: أمة كانت لعدوان، وكانت رعناء حمقاء، فكانت تنصح لمواليها فتعود نصيحتها شراً عليهم ووبالاً لحمقها. فضرب بها المثل لكل ناصح أحمق يقال له:
أنت شولة الناصحة، أي بمنزلة تلك الأمة.
أنت صاحبة النعامة .
النعامة واحدة النعام المعروف. وصاحبة النعامة امرأة من العرب وجدت ذات يوم نعامة عصت بصعرور، وهو صمغة، فأخذتاها وربطتها بخمارها إلى شجرة، وقد منعتها الغصة أن تهرب. فذهبت المرأة إلى الحي فهتفت بهم وجعلت تقول: من كان يحفنا ويرفنا فليترك، أي من كان يحسن إلينا ويلطف بنا فليقطع ذلك عنا. ثم قوضت خيمتها لتحمل على النعامة. فجائت إليها فوجدتها قد ساغت وفرت فبقيت المرأة لا هي بالنعامة ظفرت، ولا بنصيبها من الناس تمسكت، فيضرب بها المثل ويقال: أنت صاحبة النعامة: أو كصاحبة النعامة عند التشنيع على من وثق بغير ثقة وأغتر بغير طائل. وفي معنى هذه القصة ما تحكي العامة اليوم في الخرافات أن رجلاً وجد أرنباً في فلاة قد نامت فجاء يشتد حتى انتهى إلى الحي فصاح بهم: إلاّ أنا قد قطعنا التذويق فيما بيننا، وهو الله تعالى يتهاداه الجيران فيما بينهم من نحو الفاكهة واللحم واللبن، وجعل يقول: قد قطعنا، حتى اسمع الناس ذلك واسمعوه مثله، فرجع فوجد الأرنب قد هبت من نومها وذهبت.
أنتِ غيري نغرةٌ
يقال: غار الرجل على امرأته يغار غيراً وغيرة بالفتح وغاراً، فهو غيورهم غير، وهو غيران وهم غيارى وغيارى، ورجل مغيار؛ وغارت المرأة تغار، فهي غيور وغيرى، وهن غيارى: والنغرة: التي تلغي من الغيرة كما تنغر القدر أي تغلي. ويقال: نغر الرجل بالكسرة إذا أعتاظ وغلي جوفه من
стр. 82
الغيظ، فهو نغر وهي نغرة. فيقال هذا عند اشتداد الغيرة. ويحكى أن امرأة جاءت علياً كرم الله وجهه فذكرت أن زوجها يطأ جاريتها، فقال: إنّ كنت صادقة رجمناه، وإنّ كنت كاذبة جلدناك، فقالت: ردوني إلى أهلي غيري نغرة!
قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن امامة، وهو الذي قتله مراد في قضيب، وذلك إنّ أباه المنذر بن امرئ القيس كان تزوج هند بنت الحارث أبن آكل المرار الكندي، فولدت له عمراً، وهو الذي يقال له عمرو بن هند، والمنذر بن المنذر، وملك بن المنذر، وقابوس بن المنذر، وكان ملك أصغرهم. فلما كبرت هند عند أبيهم المنذر أعجبته بنت أخيها امامة بنت سلمة بن الحارث، فطلق هنداً وتزوج امامة فولدت له امامة عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن امامة. ثم إنّ المنذر جعل الأمر من بعده لابنه عمرو بن هند، ثم لقابوس، ثم للمنذر، ولم يجعل لعمرو بن امامة شيئاً. فكان ذلك سبب وقوع الشر بينه وبين اخوته لأبيه. فتملك عمرو بن هند الخورنق والسدير، وجعل لأخيه قابوس البدو، فغضب عمرو بن امامة وذهب نحو اليمن يطلب النصرة على اخوته، وقال في ذلك يخاطب عمرو بن هند:
إلاّ بن أمك ما بدا ... ولك الخورنق والسدير
فلامنعن منابت الضمر ... إنّ إذ منع القصور
بكتائب تردي كما تر ... دي إلى الجيف النسور
أنا بني العلات تقضي ... دون شاهدنا الأمور
والضمران بفتح الضاد: نبت من نبات البادية؛ والرديان: الجري يقال: ردت الخيل تردي إذا جرت؛ وأبناء العلات: أبناء أمهات شتى؛ وأبناء الأعيان: أبناء أمثال واحدة. ثم ن عمرو بن امامة لحق باليمن وتبعه ناس من قيس عيلان وغيرهم، فأتى ملكها يطلب منه جنداً ليقاتل أخاه على نصيبه من الملك. فقال له الملك: من أحببت، فأختار مراداً، فسيرهم الملك معه، فلما انتهوا معه إلى وادٍ يقال له قضيب تلاومت مرادٌ فيا بينها وقالوا: كيف تتركون أموالكم وعشائركم وبلادكم وتتبعون هذا الأنكر؟ فقام
стр. 83
هبيرة بن عبد يغوث، وهو سيد مراد إذ ذاك، فتمارض وشرب ماء الرفة وهي شجرة هناك، فأصفر لونه. فبلغ عمرا أن هبير مريض، فبعث إليه طبيبا. فجاءه الطبيب وقد شرب المغرة وجعل يمجها لمّا دخل عليه الطبيب مكاويه وجعلها على بطنه، فقال له: أصبت موضع الداء! وجعل يكويه حتى كشح بطنه بالنار، وهو يريه أنه لا يجد مسها، وبذلك سمي صبيرة المكشوح، فرجع الطبيب إلى عمر وقال: وجدته مريضا ورأيته لا يحس بالنار. فلما اطمئن عمرو بن أمامة صار إليه المكشوح في قومه من تلك الليلة وثار به. فلم يشعر حتى أحاطوا به، وكان عمرو تلك الليلة مع بعض حظاياه. فلما سمعت أم ولده الغسانية جلبة الخيل قالت: أبي عمرو، أتيت! وقالت: سال قضيب حديدا، أو جاءتك مراد وفودا، فذهبت مثلا. فقال لها عمرو: أنتي غيري نغرة، أي أنك إنّما قلت ذلك غيرة منك علي، فذهبت مثلا. ومر به قطيع من القطا فقالت: يا عمرو أتيت! لو ترك القطا لنام، فذهبت مثلا. فلما انتهوا إليه وثاروا إليه، ثار إلى سيفه فخرج عليهم وهو يقول:
لقد عرفت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقهِ
كل امرئٍ مقاتل عن طوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ
فزعموا إنّه لقيه غلام من مراد يقال له الجعيد أو تميم بن الجعيد، وقد كان عمرو قال فيه: نعم وصيف الملك هذا! فقال الغلام:
أيَّ وصيف ملك تراني؟ ... أما تراني رابط الجنانِ؟
أفليه بالسيف إذا استفلاني ... أجيبه لبيك إذ دعاني
رويت منه علقاً سناني
ثم ضربه فقتله، فتفرق عنه الناس، ورجعت مراد إلى اليمن فاقبل الغلام الذي قتله بالغسانية وبابنيه وهما غلامان، فبلغ إلى عمرو بن هند، فقال له: أيّها الملك إني سترت عورتك، وقتلت عدوك. فقال له عمرو: إن لك لخباء أنت له أهل. اضرموا له نارا واقذفوه فيها! فقال الغلام: أيّها الملك إني كريم، فليطرحني فيها كريم فإنَ أي حسبا
стр. 84
فأمر عمرو بن هند ابنه وأبن أخيه أن يتوليا ذلك، فانطلقا به. فلما دنوا من النار مسح شراك نعله فقالا: ما دعاك إلى مسح نعلك وأنت مطروح في النار؟ فقال: أحببت أن لا أدخل النار إلا وأنا نظيف. ثم قال:
الخير لا يأتي به حبهُ ... والشر لا ينفع منه الجزعُ
ثم قذف بنفسه وبهما معا، فاحترقوا جميعا. وفي ذلك يقول طرفة ينعى عمرو بن إمامة إلى أخيه:
أعمرو بن هند ما ترى رأي معشرٍ ... أفاتوا أبا حسان جاراً مجاورا
فإن مراداً قد أصابوا جريمةً ... جهاراً وأضحى جمعهم لك واترا
دعا دعوة إذ شكت النبل صدره ... أمامة واستعدى هناك معاشرا
فلو أنه نادى من الحصن عصبةً ... لألقوا عليه بالصعيدِ الشراشرا
ولو خطرت أبناء قرآن حوله ... لأضحى على ما كان يطلب قادرا
ولو شهدته تغلب بنت وائل ... لكانوا له عزاً عزيزاً وناصرا
ولكن دعا من قيس عيلان عصبةً ... يسوفون في أعلى الحجاز البرائرا
إلاّ إنّ خير الناس حياً وميتاً ... ببطن قضيبٍ عارفاً ومناكرا
يقسم فيهم ماله وقطينه ... فياما عليه بالمالي حواسرا
стр. 85
أنفت له على عداوةٍ بيننا ... وقلت ما قتيل بحائرا
قوله: أفاتوا أبا حسان، أي أهلكوه، وهو عمرو بن أمامة. وقوله: استعدي أي استنصر؛ والحصن: ثعلبة بن غكابة: والشراشر: المحبة يقال: ألقى عليه شراشره إذا أحبه؛ وأبناء قرآن من بني حنيفة أي أهل قرآن، وهي قرية باليمامة والبرائر جمع بريرة، وهي ثمر الأراك؛ ويسوفون: يشمون، ومنه المسافة، لأن الدليل ربما تحير فشم التراب ليعلم أعلى قصد هو أم على جور. يقول إنهم قوم ضعاف ليس لهم طعام ألا الأراك. ويروي: يسوفون، أي يبتلعون؛ والمآلي جمع مئلات، وهي خرقة تكون مع النائحة؛ وبحائر: اسم لمراد.
إن جرجر العود فزده وقراً
الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته، وذلك عند تشكيه من الحمل وضجره وتضرره. قال الراجز: جرجر لمّا عضه الكلوب.
وقال الآخر: جرجر في حنجرة كالجب.
والعود: المسن من الإبل. قال أمرؤ القيس:
وإني زعيمٌ إن رجعت مملكاً ... بسيرٍ ترى منه الفرانق أزورا
على لا حبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
يقول إنّ هذا الطريق إذا أشمه العود من الإبل ضج من، فكيف بغيره. والزيادة معروفة. والوقر بالكسر: الحمل. ويروي: إنّ جرجر فزده ثقلا، والثقل معروف. والمعنى: إنّ ضج بعيرك وتشكى من ثقل حمله، فزده ثقلا آخر ولا تلتفت إلى ضجره.
يضرب عند الأمر بالإلحاح في سؤال البخيل، وهو ظاهر.
أن ذهب عَير فعير في الرهط .
الذهاب معروف. والعير بفتح العين المهملة: الحمار؛ وعير القوم: سيدهم، وهو المقصود هنا. والمعنى ظاهر.
الإيناس قبل الابساس
الإنس ضد الوحشة؛ وأنست الرجل تأنيسا، وأنسته إناسا.
стр. 86
والأبساس عند الحلب أن يقال للناقة: بس، بس، وهو صويت للراعي يقول لها ذلك لتدر للحالب، فيقال: أبس بالناقة يبس أبساسا فهو مبس. قال الشاعر:
فلحى الله طالب الصلح منى ... ما أصاب المبس بالدهماءِ
وناقة بسوس: لا تدر إلاّ على الإبساس والمعنى إنّ الناقة لا ينبغي أن يبس بها حتى تؤنس قبل ذلك ويتلطف لها، فيضرب في أن الإنسان ينبغي أن لا يكلف أمرا أو يسأل حاجة حتى يتقدم إليه بتأنيس مالي أو فعلي أو قولي. قال الشاعر:
ولقد رفقت فما حظيت بطائل ... لا ينفع الإبساس بالإيناس!
ودخل العتابي على الرشيد فقال: تكلم يا عتابي! فقال: الإيناس قبل الإبساس! لا يمدح المرئ بأول صوابه، ولا يذم بأول خطئه لأنه بين كلام زوره، وعي حصره. أنتهى.
إن أعيى فزوده نوطاً .
الإعياء: الكلال في المشي. يقال: أعيى الماشي إعياء إذا كل، وعيى الرجل بأمره على مثال رضي، ويدغم: إذا لم يهتد بوجهه أو عجز عنه ولم يطق إحكامه. وعيي أيضاً في منطقه إذا حصر. والنوط بفتح النون وسكون الواو: جلة صغيرة يجعل فيها التمر وتعلق على البعير. قال النابغة الذبياني يصف قطاة:
حذاء مدبرة سكاء مقبلة ... للماء في النحر منها نوطة عجب
وأصل النوطة من النوط، وهو التعليق. يقال: نطت الشيء بالشيء، أي علقته به. والمعنى إنّ بعيرك إذا أعيى، فزد عليه تعليقا آخر. وهذا المثل هو كالذي تقدم: إن جرجر فزده ثقلا معنى ومضربا.
стр. 87
أنفك منك وإن كان أجدع .
الأنف معروف؛ والجدع بالدال المهملة: القطع في الأنف. تقول: جدعت الرجل فهو أجدع، وهو ذو جدع بفتحتين.
والمعنى أن أنفك، فلا يمكنك مفارقته ومباعدته وإنّ كان به عيب وشين. فيضرب في استعطافم صاحبك على ذوي قرابتك، وحثك إياه على وصلهم وتحمل ما بهم وأن يلمهم على شعثهم، ولا يصارمهم كما لا يصارم أنفه المتصل به.
قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل قنفذ بن جعونة المازني، وذلك أن الربيع بن كعب المازني دفع إلى أخيه كميش فرسا من عتاق الخيل ليأتي به أهله. وكان كميش أحمق وأنوك. وكان عندهم رجل من بني مالك يقال له قراد بن جرم قدم عليهم ليصيب منهم غرة، وكان داهية فمكث فيهم لا يعرفون نسبه. فلما رأى كميشا ركب الفرس، ركب هو ناقته ثم عارضه فقال له: يا كميش، هلك في عانة لم تر مثلها ومعها عير من ذهب، أما الأتان فتروح بها على أهلك، فتفرح بها صدورهم، وتمتلئ قدورهم، وتشبع خصورهم، وأما العير فلا افتقار بعده. فقال كميش: فكيف لنا به؟ فقال له قراد: أنا لك به، ليس يدرك إلاّ فرسك. قال: فدونك! قال: نعم! وأمسك أنت على راحلتي وانتظرني في هذا المكان. وركب قراد الفرس. فلما توارى عنه أنشأ يقول:
ضيعت في العير ضلالا مهرك ... فسوف تأتي بالهوان أهلك
وقبل هذا ما خدعت الانوكا
وبقي كميش هناك ينتظره حتى أمسى، فانصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت له تحول ناقة فلما قدم على أخيه قال له: أين الفرس؟ فقال: تحول ناقة. فعلم أخوه أنه قد خدع وجعل يضربه. فقال عند ذلك قنفذين جعونة له: اله عما فاتك، فإن أنفك منك وأن كان أجدع! وأتى قراد أهله بالفرس وقال في ذلك:
رأيت كميشا نوكه لي نافع ... ولم أر نوكا قبل ذلك ينفعُ
وقلت له أمسك قلوص ولا ترم ... خدعا له مني وذو الكيد يخدعُ
стр. 88
فأصبح يرمي الخافقين بطرفهِ ... واصبح تحتي ذو أفانين جرشعُ
ومثل هذا المثل قولهم: منك ربضك وإن كان سمارا، وسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى.
إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً .
الريح معروفة جمعه رياح وأرواح. قال:
إذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميّ هاج قلبي هبوبها
ويقال أيضاً أرياح. والإعصار بكسر الهمزة: ريح تثير غبارا يرتفع إلى السماء عمودا، أو ريح تهب بشدة في ما بين السماء والأرض. قال تعالى:) فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت (وجمعه أعاصير. قال الشاعر:
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصيرُ
وقال حارثة بن بدر يرثي زيادا، وقد مات في الكوفة ودفن في الثوية:
صلى الإله على قبرٍ وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المورُ
زفت إليه قريش نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبورُ
أبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإنّ من غرت الدنيا لمغرورُ
قد كان عندك بالمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكيرُ
وكنت نغشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجورُ
стр. 89
الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصيرُ
والمعنى أن كنت مثل الريح في الشدة والقوة، فقد لاقيت من هو مثل الإعصار الذي هو أشد الريح وأقواها.
يضرب للرجل يكون صلبا جلدا فيصادف من هو أقوى منه وأشد، وهو ظاهر.
أن كنت ذا طب فطب لعينيك
الطب مثلثة الطاء: علاج الجسم. والطب أيضاً: الرفق والسحر. ولفظ طب في المثل كذلك مثلث الطاء في الموضعين، والمنى ظاهر. وفي نحوه قيل:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ
أن يكن هذا من الله يمضه .
يتمثل به كثيرا، وهو من كلام المصطفىصلى الله عليه وسلم قال لعائشة: أريتك أو رأيتك في المنام في سرفة من حرير فقيل لي هذه زوجك، فقلت أن يكن هذا من عند الله يمضه، أو كما قال ﷺ .
إن لا حظية فلا ألية
الحظوة: المكانة كما مر يقال: حظيت المرأة عند زوجها بالكسر تحظى حظوة وحظة فهي حظية وهن حظايا ضد صلفت. والألو: التقصير يقال: إلاّ في هذا الأمر يألو ألوا وألوا وأليا، وائتلى إذا قصر فيه وابطئ فهو آل ومئتل. قال أمرؤ القيس:
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا ألِ
يضرب هذا المثل في مداراة الناس والتودد إليهم. والمعنى انك إن أخطاتك
стр. 90
الحظوة فيما تريد، فلا تأل جهدا ولا تزل مجتهدا متوددا للناس حتى تستدرك ما فاتك مما تطلب. وأصله في المرأة إنها إن لم تحظ عند زوجها فلا ينبغي لها أن تقصر في طلب الحظوة حتى تنالها.
قيل: وأصله أن رجلا كانت لا تحظى عنده امرأة فتزوج امرأة فلم تأل جهدا في أن تحظى عنده، فلم يقنعه ذلك وطلقها، فقالت ذلك أي: إن لم أحظ عنده فأني لم أقصر، فصار مثلا في كل من اجتهد في أمر ليناله وتعذر وهو لم يقصر في طلبه والسعي فيه.
واعلم إنّه يقال في المثل بالنصب والرفع بحسب تقدير المحذوف، فمن نصب فمعناه باعتبار الأصل إن لا أكن عندك أيّها البعل حظية فلا أكون ألية في الحظوة بتحسين خلقي وخلقي حتى أدركها. ومن رفع فله وجهان: أحدهما أن تكون الحظية مصدرا لا وصفا. والمعنى إن أخطأتني الحظوة عندك فلا أكون ألية في طلبها أو فلا يقع مني ألو وتقصير. الثاني أن تكون الحظية وصفا على بابها إلاّ إنّها راجعة إلى غير القائلة والمعنى: إن لا تكن لك في الناس حظية تحظى عندك فأنا لا أكون ألية في طلبها حتى أنالها منك، أو نحو هذا من التقادير آتى يصح بها المعنى، كما يجري في نحو: إن خيرا فخير، وإن سيفا فسيف. وقد قرر في النحو ما فيه من التقادير وما هو الأرجح منها وهو معروف.
إن لا أكن صنعاً فإني أعتثم .
الصنع: الحاذق الماهر. يقال: رجل صنيع وصنع بكسر فسكون، وصنع بفتحتين، ويروى بهما قول أبي ذؤيب:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبعُ
وقال حسان ﵁ في الأخير:
اهدي لهم مدحتي قلبٌ يوازرهُ ... فيما أحب لسانُ حائك صنعُ
ويقول: امرأة صناع، على مثال رزان، ضد الخرقاء. قال امرؤ القيس:
وعينٌ كمرأة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقبِ
стр. 91
والعثم: الانجبار الفاسد. يقال: عثم العظم المكسور، بالتاء المثلثة المفتوحة، أي انجبر على غير أستواء؛ وعثمته إذا لازم ومتعدِ؛ وعثمت المرأة المزادة: خرزتها خرزا غير محكم؛ وأعثمتها أيضاً. فمعنى المثل: إن لم أكن حاذقا ماهرا في هذا الأمر فإني أعمل بقدر طاقتي ومعرفتي.
لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم
يتمثل به وهو من كلام النبي ﷺ .
إنّ البغاث بأرضنا يستنسر
البغاث، مثلث الباء الموحدة في أوله بعدها غين معجمة فثاء مثلثة: طير أغبر؛ ويطلق على شرار الطير كلها، وما لا يصيد منها. قال الشاعر:
إذا كر فيهم كرة افرجوا له ... فرار بغاث الطير صادفن اجدلا
وقال دريد أبن الصمة:
وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ
وقال الحماسي:
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزورُ
وسيأتي تمام هذا الشعر في محله. واستنسر: صار نسرا، والنسر: الطائر المعروف. وسمي نسرا لأنه ينسر اللحم.
ومعنى المثل إنّ الضعيف من الناس إذا حل بأرضنا ووقع في جوارنا عز بنا وتقوى، كما إنّ البغاث الذي هو ضعاف الطير إذا عاد نسرا فقد تقوى. وقيل معناه، إنّ الضعيف يستضعفنا وتظهر قوته علينا، وعلى هذا إذا أريد الافتخار قيل: إنّ البغاث في أرضنا لا يستنسر.
ولشعر دريد المذكور قصة عجيبة رأيت أن اذكرها، وهي إنّ دريدا خرج في فوارس من قومه بني جشم بن بكر حتى إذا كانوا بواد لبني كنانة رفع لهم رجل في ناحية الوادي معه ظعينة. فلما رآه دريد قال لفارس من أصحابه: دونك فصح به: خل الظعينة وانج بنفسك! فلحقه الفارس فصاح به وألح عليه، فلما أبى أن ينكف عنه
стр. 92
ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:
سيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكنِ
إنّ أنثنائي دون قرني شائني ... أبلى بلائي واخبري وعايني
ثم حمل على الفارس فطعنه طعنة جعلته كأمس الدابر وأخذ فرسه وأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما فعل صاحبه، فلما انتهى إليه فرآه صريعا صاح على الرجل فتصامم عنه فظن أن لم يسمع فغشيه. فالقى الرجل زمام الراحلة إلى الظعينة ورجع إليه وهو يقول:
خل سبيل الحرة المنيعة ... انك لاقٍ دونها ربيعه
في كفه خطية مطيعة ... أولا فخذها طعنة سريعه
والطعن مني في الوغى شريعة
ثم حمل عليه فصرعه. فلما أبطأ الأمر على دريد بعث فارسا ثالثا لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه فقال له: خل سبيل الظعينة! فقال الرجل للظعينة: اقصدي قصد البيوت! ثم اقبل على الفارس فقال:
ماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثم حمل عليه فصرعه وأنكسر رمحه. ثم إنّ دريدا ارتاب وظن إنّ الفوارس قتلوا الرجل وذهبوا بالظعينة، فجاء حتى لحق بالرجل وقد دنا من الحي، ووجد أصحابه صرعى فقال له: أيهما الرجل، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا، والخيل ثائرة بأصحابها. فخذ رمحي هذا، فأني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك. فرجع دريد إلى أصحابه وقال لهم: إنّ صاحب الظعينة قد حماها وقد قتل أصحابكم وأنتزع رمحي ولا مطمع لكم فيه، فانصرفوا، فقال دريد بن الصمة:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظعينة فارسا لم يقتلِ
أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمر كأنه لم يفعلِ
متهلهلا تبدو أسره وجهه ... مثل الحسام جاءته كف الصيقلِ
стр. 93
يزجي ظعينة ويسحب ذيله ... متوهجاً يمناه نحو المنزلِ
وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ
يا ليت شعري من أبوه وأمه ... يا صاح من يكُ مثله لا يجهلِ
وقال صاحب الظعينة في ذلك، وهو ربيعة بن مكدم، أحد بني فراس بن كنانة:
إن كان ينفعك اليقين فسائلي ... عني الظعينة يوم وادي الأخرمِ
إذ هي لأوّل من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدمِ
إذ قال لي أنى الفوارس ميتة ... خل الظعينة طائعا لا تندمِ
فصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلمِ
وهتكت بالرمح الطويل أهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفمِ
ومنحت آخر بعده جياشة ... نجلاء فارغة كشدق الأضجمِ
ولقد شفعتهما بآخر ثالثا ... وأبى الفرار لي الغداة تكرمي
ثم لم تلبث كنانة أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه. فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءته نسوة يتهادين نحوه، فصاحت إحداهن وقالت: هلكتم وأهلتم. ماذا جر عليها قومها؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! فألقت عليه رداءها وقالت: يا آل فراس! أنا له جارة. فسألوه من هو فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته سليم، قال: فما فعلت الظعينة؟ قالت المرأة أنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم ووامروا أنفسهم. فقال بعضهم: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلاّ برضى المخارق الذي أسره. فلما أمست المرأة، وهي ريطة بنت جذل الطعان، رفعت عقيرتها وقالت:
سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة ... وكل امرئ يجزى بما كان قدما
فإنَ كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإنّ كان شرا كان شرا مذمما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرمح الطويل المقومى
فقد أدركت كفاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما
فلا تكفروه حق نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
стр. 94
فلو كان حيا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما
ففكوا دريدا من إسار مخارقٍ ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما
فلما أصبحوا وأطلقوه، فكسته وجهزته ولحق بقومه. ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك. قلت: وفي بني فراس هؤلاء يقول علي كرم الله وجهه مخاطبا لأهل العراق إذ تخاذلوا عنه: يا ليت لي من بني فراس واحدا بعشرة منكم صرف الدينار بالدرهم!.
ولربيعة المذكور قصة أخرى في حماية الظعن تأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
إنّ البكري ليحسن السعدي
البكري منسوب إلى بكر، وفي العرب بكر بن وائل، وبنو بكر بن عبد مناة، والنسب إليهم بكري، وكذال النسبة إلى أبي بكر. وفي العرب أيضاً بنو أبي بكر بن كلاب، والنسبة إليهم بكراوي. والسعدي منسوب إلى سعد، وفي العرب سعود كثيرة: سعد تميم وسعد هذيم وسعد قيس وسعد بكر، كما قال طرفة:
رأيت سعودا من شعوب كثيرةٍ ... فلم ترعيني مثل سعد بن مالك
أبر وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيرا إذا ساوى الذرى بالحوارك
يريد سعد بن مالك بن ضبيعة. والحس: الرقة؛ تقول: حسست لفلان، بفتح السين وكسرها، حسا وحسا، إذا رققت له. قال القطامي:
أخزك الذي لا تملك الحس نفسه ... ترفض عند المحفظات الكتائف
والكتائف: الأحقاد. قال كميت:
هل من بكى الدار راج إنّ تحس له ... أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل؟
وفي الصحاح: قال أبو الجراح العقيلي: ما رأيت عقيليا إلاّ حسست له، أي رققت.
إنّ تحت طريقته لعنداوة .
الطريقة، بالتشديد على مثال سكين: الرخاوة واللين؛ ورجل مطروق: فيه رخاوة.
стр. 95
قال أبن احمر:
ولا تحلي بالمطروق إذا ما ... سرى سرى في القوم أصبح مستكينا
والعنداوة: الصعوبة، من العنود، وهو رد الحق والحيدودة عن الطريق، وبعير عاند يحيد عن الطريق.
والمعنى أن سكونه ورخاوته قد يكون معه احياناً عسرة وشراسة.
إنّ الجواد عينه فرارة .
الجواد: العتيق من الخيل الكثير الجري، سمي به لأنّه يجود بنفسه. والعين تطلق على الباصرة، وعلى الشخص الشيء وهو المراد هنا؛ والفرارة: أن تفتح فإذا الدابة لتعلم سنها. يقال: فرها فرا وفرارا، مثلث الفاء، إذا فتح فاها لذلك. ومن قول الحجاج: ولقد فررت عن الذكاء، وفتشت عن تجربة، أي فررت فوجدت تام السن. فإن الذكاء يطل على السن، وهو أحد ما يفسر به قول زهير:
يفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء
ومنه المثل الآتي: جري المذكيات غلاب. وإلى هذا المعنى أشار أبو بكر بن دريد ﵀ بقوله:
وفر عن تجربة نابي فقل ... في بازل راض الخطوب فامتطي
وكتب الحسن بن سهل إلى القاضي محمد بن سماعة: أما بعد فأني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال الخير، ذي عفة ونزاهة طعمة، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب، ليس بظنيت برأيه ولا بمطعون في حسبه؛ إن أؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ فيه؛ له سن مع أدب ولسان، تعقده الرزانة ويسكنه الحلم، قد فرعن ذكاء وفطنة، وعض على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة؛ قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام بأمورهم فحمد فيها؛ له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه. دلائل الفضل عليه لاحئة، وأمارة العلم له شاهدة؛ مضطلعا بها أستنهض، مستقلا بما حمل.
стр. 96
وقد أثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتيك. فكتب إليه القاضي: إني عازم أن أرغب إلى الله حولا كاملا في ارتياد مثل هذه الصفة وأفراس الرسل الثقات في الآفاق لالتماسه. وأرجو أن يمن الله بالإجابة فأفوز لديك بقضاء حاجتك، والسلام. ويصح أن يراد بالذكاء أيضا في كل ما مر معناه الذي هو الفطنة وحدة الفوائد. وعلى كل حال فذلك مثل للكشف والاختبار، وأصله في الدواب.
ومعنى المثل المذكور أن الجواد إذا نظر إليه العارف المعرب عرفه من غير احتياج إلى فره واختباره، وكان نظره إلى عينه، أي شخصه، فرارا له، أي قائما مقام الفرار، فيقال: فلان عينه فرار لهذا المعنى.
ويضرب لكل من يدل ظاهره على باطنه لكل معانيه. قال الشاعر:
تعرف من عينيه نجابته ... كأنه بالذكاء مكتحل
وقال الراجز في صفة الذئب:
أطلس يخفي شخصه غباره ... في فمه شفرته وناره
هو الخبيث عينه فراره
إنّ الحذر لا يغني من القدر .
الحذر: التحرز من الشيء وهو ظاهر. والقدر: ما كتبه الله تعالى وقدره من الكائنات. ومعلوم أن ما قضى الله بوقعه فلا دافع له، وهذا من الأمثال الحكيمة. قال هانئ بن قبيصة الشيباني لقومه يحضهم يوم ذي قار وهو يوم مشهور أيامهم: يا معشر بكر! هالك معذور خير من ناج فرور. إنّ الحذر لا يغني من القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر. المنية ولا الدنية. استقبال الموت خير من أستدباره. الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور. يا آل بكر! قاتلوا، فما للمنايا من بد! ويحكى أنّ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه كان إذا حمي وطيس الحرب انشد:
أي يومي من الموت افر ... يوم لا يقدر أمثال يوم قدر
يوم لا يقدره لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجي الحذر
стр. 97
ثم يحمل ويغشى لظاها.
إنّ دون الظلمة خرط قتاد هو بر
إنّ الرثيئة تفثاً الغضب
الرثيئة: لبن مخلوط. يقال: ارتثأ اللبن بالثاء المثلثة والهمز إذا خثر؛ ورثات اللبن إذا حلبته على حامض فخثر؛ والاسم: الرثيئة والفثئ: التسكين؛ يقال: فثأت القدر بالثاء المثلثة إذا أسكنت غليانها. قال:
تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حمؤها غلا
وقال الحماسي:
فنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى يبوخ وحمينا لم يبردِ
وتقول: فثأت الرجل إذا كسرته عنك بقل أو غيره وسكنت غضبه. وفثأت الخبز، ويقال أيضاً بالتاء المثناة، وهي فعل تام في هذا المعنى غير مخصص بالنفي، كما أثبته أبن مالك وغيره. والغضب معروف، وهو حركة النفس، مبدأها إرادة الانتقام. غضب: بالكسر، يغضب، فهو غضبان. والمعنى أن شرب الرثيئة كاسر للغضب مسكن له نافع.
يضرب في اصطناع المعروف مطلقا وفعل اليسير من البر فانه نافع.
وأصله أن رجلا كان غضب على قوم، وكان مع غضبة جائعا، فسقوه رثيئة، فسكن غضبه وكان عنهم. وفي الرثيئة يحكى أن عمرو بن معد يكرب قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، أافرام بنو مخزوم؟ قال وما ذاك؟ قال: تضيفت خالد بن الوليد فأتى بقوس وكعب وثور. قال: إنّ في ذلك لشبعة. قال: لي أو لك؟ قال: لي ولك. فقال عمرو: حلا يا أمير المؤمنين فيما تقول. إني لأكل الجذع من الإبل أنتقيه عظما عظما، واشرب التبن من اللبن رثيئة وصريفا. أراد بالقوس البقية من التمر تبقى،
стр. 98
وبالكعب القطعة من السمن، وبالثور القطعة من الأقط، وبالتبن القدح العظيم، وبالرثيئة ما صب كما مر، وبالصريف ما انصرف به عن الضرع حارا. وقوله حلا هي كلمة تقولها العرب في الأمر تكرهه بمعنى: كلا. ومنه قول الأحن بن قيس حين دخل على المصعب بن الزبير يكلمه في رجل وجد عليه، فقال مصعب: بلغني عنه الثقة، فقال الأحنف: حلا أيها الأمير، إنّ الثقة لا يبلغ! ويروى هذا المثل: إنّ الرثيئة مما يفتأ الغضب، على إنّه موزون كشطر بيت من البسيط. وقد جعل الشنتمري في شرح الحماسة هذا المثل حديثا، وهو غريب والله اعلم.
إنَّ الرقين تغطي أفن الأفين
الرقون: جمع رقية، وهي الفضة؛ يقال: ورق، مسكن الراء، مثلث الواو؛ وورق، بفتح فكسر، وبفتحتين، وجمع الكل أوراق. ويقال: رقة، بحذف الفاء، كعدة. ومنه الحديث: في الرقة ربع العشرة. وجمع الرقة: رقون، وهو شاذ، لأن هذا الجمع إنّما يشيع وراء بابه في المحذوف اللام، كنين وعضين وعزين. أما المحذوف الفاء كعدة وجدة ودية فلا، غير إنّه ورد فيه ألفاظ على وجه الندرة، كرقين في جمع الرقة، ما مر؛ وازين، في جمع الازة، وهي حفرة تحفر ويستوقد فيها؛ ولدين، في جمع اللدة، وهو مساويك في السن؛ وحشين في جمع الحشة، وهي الأرض المعشبة. والتغطية: الستر. والأفن: ضعف الرأي؛ يقال: أفن الرجل، بالكسر، أفنا محركا ومسكنا. قال قيس بن عاصم المنقوي رحمه الله تعالى:
إني امرؤ لا يعتري حسبي ... دنس يفنده ولا أفنُ
من منقر في بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوله الغصنُ
وقد أفنه الله يأفنه، فهو مأفون وأفين. وقال الشاعر:
стр. 99
وقد تزدري العين الفتى وهو عاقلُ ... ويؤفن بعض القوم وهو جريمُ
ومعنى المثل أنَّ وجدان المال يحلي المرء بحلية الكمال، ويستر ما فيه من ذميم الخصال، ويحببه إلى قلوب الرجال، حتى يروه بعين التوقير والاجلال، وإن كان من أحمق الحمقى وأجهل الجهال، كما قال حسان بن ثابت ﵁ وأحسن:
ربَّ حلم أضاعه عدم المال ... وجهلٍ غطى عليه النعمُ
وقال آخر:
والناس أعينهم إلى سلف الفتى ... لا يسألون عن الحجى والأولقِِ
وقال أعرابي مر بأهله:
سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثانِِ
فللموت خيرٌ من حياة يرى بها ... على المرء ذي العلياء مس هوانِ
متى يتكلم يبلغ حكم مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيانِ
كأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطقٌ بلسانِ
وقال أبو الطيب:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا في الدنيا لمن قل مجدهُ
ويقال: المرء بنشبه وسيأتي في أثناء الكتاب جملة نافعة من هذا المعنى ومن ثناء الشعر على الثروة والغنى.
إنَّ السقط يحرق الحرجة .
السقط ما يسقط بين الزندين قبل استحكام الورى، وتثلث سيبه والإحراق والتحريق معروف. والحرجة بفتحتين: الشجر الكثير الملتف، جمعه حرج وأحراج وحراج. قال العجاج:
стр. 100
عاين حيا كالحراج نعمه ... يكن أقصى شله محرنجمه
وهذا المثل وقع في حكاية للأصمعي قال: بينما أنا بحمى ضربة إذ وقف عليَّ غلام من بني أسد في أطمار ما ظننته يجمع بين كلمتين. فقلت: ما اسمك؟ قال: حريقيص. فقلت: أما كفى أهلك إن يسمونك حرقوصا حتى ضغروا اسمك؟ فقال: إنَّ السقط يحرق الحرج. فعجبت من جوابه فقلت: أتنشدنا شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم، أنشدك لمرازنا قلت: افعل. قال:
سكنوا شبيثا والاحص وأصبحوا ... نزلت منازلهم بنو ذيبانِ
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعانِ
وإذا فلان مات عن أررومةٍ ... رفعوا معاوز فقده بفلانِ
قال. فكادت الأرض تسوخ بي لحسن إنشاده الشعر. فأنشدت الرشيد هذه الأبيات فقال: يا أصمعي، وددت لو رأيت هذا الغلام فكنت أبلغه أعلى المراتب! ومعنى المثل أنَّ الأمر الصغير قد يصير إلى أعظم، والرجل المستحقر قد يغني غناء المستعظم، بل الواحد قد يقوم مقام الجم. ومن هذا قول القائل:
لا تحقرن صغيراً في تقلبه ... إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسدِ
وللشرارة نارٌ حين تضرمها ... وربما أضرمت ناراً على بلدِ
وقال الآخر:
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ... ويوشك أنَّ يكون لها ضرامُ
стр. 101
فإنَ النار بالزندين تورى ... وإنَّ الحربَ أولها الكلامُ
وقول المسكين: ولقد رأيت الشر بين الحي يبدؤه صغاره.
وقول أبي العلاء:
وقد ينمى من صغيرٍ ... وينبت من نوى القسب اللبان
وقد بين هذا المعنى من قديم عدي بن زيد حيث يقول:
شط وصل الذي تريدين مني ... وصغير الأمور ينجي الكبيرا
وبعد هذا البيت:
إنَّ للدهر غرة فاحذرنها ... لا تبيتين قد أمنت الدهورا
قد ينام الفتى صحيحا فيردى ... ولقد بات آمناً مسرورا
أيّها المبتغي سبيل غناه ... الزم البر في الفؤاد ضميرا
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
ووقع في شعر مرارٍ السابق شبيث والاحص وهما موضعان، والمعاوز وهي الخلفان، ويريد انهم كلما مات منهم كريم خلفه كريم يسد مسده. ومثله قول الحماسي السمؤل بن عاديا:
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لمّا قال الكرام فعول
وقول الحماسي الآخر:
وليس يهلك منا سيد أبدا ... إلاّ اجتلينا غلاما سيدا فينا
وقول أبي الطمحان: إذا مات منا سيد قام صاحبه ونحوه كثير في أشعارهم. والمقصود من ذلك كله أنَّ السؤدد في القوم شائع، والكرم كثير ذائع، فكلما فقد من السادات مفقود، فغيره موجود.
إنَّ الشفيق بسوء الظن مولع
الشفيق بفتحتين: الخوف وحرص الناصح على صلاح المنصوح. ويقال: أشفقت عليه شفقاً وإشفاقاً، فأنا شفيق ومشفق. قال خلف بن خليفة:
стр. 102
تهوي حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت اكرم نزال على الحرام
ولا يقال: أشفقت عليه. وجوزه بعض اللغويين. والظن الراجح من طرفي التردد في الشيء. وقد يطلق على الاعتقاد مطلقا. والمولع بالشيء: المغرى به؛ يقال: ولع به بالكسر، ولعاً بفتحتين، وولوعاً مفتوح الأول؛ وأولعته أنا وأولع به، فهو مولع. ومعنى المثل إنَّ كان من تشفق عليه فأنت تتخوف عليه الأحداث، حتى إنَّ كل شيء ذكر أو سمع أو رئي تخشى أنَّ يكون قد وقع به، كما قال الحماسي دريد بن الصمة:
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي
وعبد الله هو بن الصمة أخو دريد. فكان دريد لمّا سمع قول الفوارس قد صرع فارس ظنه دريد أخاه فشفق عليه. وقيل إنّه ظنه أخاه لمّا علم من إقدامه وجرأته. وسوء الظن عند الشفق أمر معروف مشاهد في الناس، ولا سيما الضعفاء من كالنساء، حتى إنّه متى ذكر هلاك في الجيش غائب أو مسافرين، كان كل من هناك من يشفق عليه يتصور ذلك الهلاك فيه شفقة، وهو أوّل ما يسبق إلى وهمه.
ومما يشبه هذا ما وقع لإياس بن معاوية ﵀: نظر إلى نسوة ثلاث، وقد فزعن من شيء، فقال: هذه بكر، وهذه ظئر وهذا ظئر، وهذه حبلى. فسئلن عن ذلك فوجد الأمر كما قال. فقيل له: بم عرفت ذلك؟ قال: إنهن لمّا فزعن وضعت كل واحدة يدها على أهم المواضع عندها، فوضعت البكر على فرجها، والظئر على ثديها، والحبلى على بطنها. فانظر في هذه القصة كيف جعلت كل واحدة تظن الشر نازلاً بالمحل الذي لها مزيد إشفاق عليه!
إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها
الشقراء: فرس جمحت بصاحبها فأتت على وادٍ وهمت أنَّ تثبه، فقصرت ووقعت، فاندقت عنقها وسلم صاحبها. فسئل عنها فقال: إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها، أي لم يتجاوزها إلى غيرها. ويقال فرس رمحت ابنها فقتلته. والمعنى إنَّ الشر لم يتجاوز ما كان برجلها، فيضرب في النحو هذا من الشيء النازل
стр. 103
ولم يتعد. وكان عتبة بن جعفر بن كلاب أجار رجلا من بني أسد فقتله رجل من بني كلاب، فقال بشر بن أبي حازم الأسدي يهجو عتبة:
فأصبحت كالشقراء لم يعد شرها ... سنابك رجليها وعرضك أوفرُ
وفي الشقراء كلام آخر يأتي إن شاء الله تعالى.
إنَّ الشقي وافد البراجم .
الشقاء: العسر والشدة، يمد ويقصر. يقال: شقي الرجل بالكسر، يشقى، شقاوة بفتح الشين وكسرها، وشقا وشقاء وشقوة بالفتح والكسر أيضاً فهو شقي. والوافد: القادم؛ يقال وفد علي يفد أي قدم فهو وافد وهو وفد وأوفاد ووفود. ومن الأول قوله تعالى:) يومَ نحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفداً (. والمفسرون يقولون: وافدا أي راكبا لأن الوفود سراة الناس. والبراجم: قوم من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم.
المثل لعمرو بن هند وهو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي بن أخت جذيمة الأبرش ملك الحيرة. وكان سبب ذلك أنَّ أخاة اسعد بن المنذر كان في بني دارم مسترضعا في حجر زرارة بن عدس الدارمي ويقال في حجر حاجب بن زرارة. فلما شب خرج يوما يتصيد فعبث كما تعبث الملوك لمّا انصرف من صيده وبه نبيذ، فرماه رجل من بني دارم بسهم فقتله. وقيل مرت به ناقة كوماء فعبث بها ورمى ضرعها، فشد عليه ربها سويد، أحد بني عبد الله بن دارم فقتله، ثم هرب فلحف بمكة وحالف قريشا. وكان زرارة بن عدس من خواص عمرو بن هند. وكان عمرو قبل ذلك قد غزا قوما من العرب ومعه زرارة فأخفق. فلما انتهى عبد رجوعه إلى جبل طيء قال له زرارة: أيّها الملك! إنَّ رجوع مثلك إذا غزا بغير شيء لعظيم، وها هي طيء بجنبك. فمال عليها أبن هند فقيل وأسر. فاضطغنت طيء من ذلك على زرارة وجعلوا يتربصون به فرصة، فلما بلغهم إنَّ دارما قتلت اسعد وكتم عمرو بن هند ذلك في نفسه،
стр. 104
قال عمرو بن ملقط الطائي ينبه عمرا للنهوض إلى أثره ويغريه بقتل زرارة:
من مبلغ عمرا بأن ... المرء لم يخلق صباره؟
ها إنَّ عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أوراه
تسفي الرياح خلال ... كشحي هو قد سلبوا إزاره
فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زرارة!
فوافى هذا الشعر عمرا وزرارة عنده. فقال له عمرو: ما يقول هذا؟ فقال: كذب قد علمت عداوتهم أي فيك. قال: صدقت! فلما أمسى زرارة، هرب ولحق بقومه. فغزاهم عمرو بن هند وحلف ليحرقن منهم مائة بأخيه. فلما نزل بأوارة، وقد نذروا به، تفرقوا عنه هربا. فتتبعهم حتى قبض تسعة منهم وحرقهم بالنار. فأراد إنَّ يكمل العدة بعجوز منهم. فلما أمرها قالت: إلاّ فتى يفدي هذه العجوز بنفسه؟ ثم قالت: هيهات! صار الفتيان حمما. ومر وافد البراجم، فاشتم رائحة الشواء ولم يشعر بالأمر، فظن أنَّ الملك قد اتخذ طعاما. فأقبل نحوه تخب به راحلته لينال منه، حتى وقف على عمرو فقال له: من أنت؟ قال: أبيت اللعن! أنا وافد البراجم. فقال عمرو: إنَّ الشقي وافد البراجم. فذهبت مثلا. ثم أمر به فقذف في النار.
يضرب هذا المثل في الإنسان يجلب الحين على نفسه وهو من باب قولهم: بحث عن حتفه بظلفه، وسيأتي. وبهذه الواقعة سمي عمرو بن هند محرقا لتحريقه بني تميم. وقيل سمي محرقا لعتوه وفساده في الأرض فكأنه حرقها. وقيل لتحريقه نخل مللهم، وهو موضع بالبحرين ويسمى أيضاً مضطرب الحجارة لشدة وكأته. وكان جده امرء القيس أيضاً فيما يزعمون يسمى محرقا، وأباه يعني الأسود بن يعفر بقوله:
ماذا أؤمل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إيادِ
أرض الخورنق والسدير ويارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سندادِ
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعادِ
وفي هذه القصة يقول الأعشى:
ويكون في الشوفِ الموازي ... منقراً وبني زراره
стр. 105
أبناءُ قومٍ قتلوا ... يوم القصيبة والأواره
فجروا على ما عاودوا ... ولكلٍّ عاداتٍ أماره
والعود يعصرُ ماؤه ... ولكلٍّ عيدانٍ عصاره
وقال جرير يعير الفرزدق:
أين الذين بنار عمرو حرقوا؟ ... أم أين اسعد فيكم المسترضع؟
وقال أيضاً:
وأخزاكم ربي كما قد خزيتم ... وأدرك عماراً شقي البراجم
وبها أبلغ ليك بني تميمٍ ... بآية ما يحبون الطعاما
وقال آخر:
إذا ما مات ميتٌ من تميمٍ ... فسرك أن يعيش فجئ بزادِ
بخبزٍ أو بلحمٍ أو بتمرٍ ... أو الشيء الملفف في بجادِ
تراه ينقب البطحاء طرا ... ليأكل رأس لقمان بن عادِ
ودخل بعض أذكياء بني تميم، ويقال هو الأحنف، على بعض ملوك قريش، ويقال هو معاوية ﵁، فقال له الملك: ما الشيء الملفف في البجاد؟ قال السخينة، يا أمير المؤمنين. أراد الملك أنَّ يعيره بالطعام وأشار إلى الشعر السابق وأراد التميمي تعييره بالسخينة، وهي طعام، وكانت قريش تعير بها. ويشبه هذه القصة في تميم أيضاً ما يحكى أنَّ أعرابيا وقف على الفرزدق فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ فقال: من فقعس. قال: كيف تركت القنان؟ قال: تركته يساير لصاف.
أراد الفرزدق قول الشاعر:
ضمن القنان لفقعس سوءاتها ... إنَّ القنان بفقعس لمعمرُ
وأراد الفقعسي بقوله يساير لصاف قول آخر:
стр. 106
وإذا تسرك من تميم خصلةٌ ... فلما يسوءك من تميم أكثرُ
وقد كنت أحسبهم أسود خفية ... فإذا لصاف تبيض فيها الحمر
أكلت أسيد والهجيم ودارم ... أير الحمار وخصيته العنبر
ذهبت فشيشة بالأباعر حولنا ... سرقا فصب على فشيشة أبجر
والقنان، بفتح القاف، جبل لبني أسد، وهو الواقع في قول زهير:
جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم
ولصاف، بكسر اللام وبفتحها، معربا ومبنياً على الكسر، جبل لتميم، وهو الواقع في قول النابغة:
بمصطبحات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالاً يسرهن التدافع
ونحوه ما حكى الجاحظ قال: دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات بقرب غدير فيه ضفادع. فقال عبد الله: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربي: اصلح الله الأمير! إنّها أضلت برقع لها، فهي بغائه. أراد الهلالي قول الأخطل:
تنق بلا شيء شيوخ محاربٍ ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في الظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولأبن هلال برقع وقميص
ومما شبه هذا في الذكاء والفطنة ما حكي عن بعض الناس إنّه قال: قعدت على جسر بغداد، فمرت امرأة بارعة الجمال، فائقة الكمال، من الرصافة إلى الجانب الغربي. فاستقبلها شاب ذهب نحو الرصافة، فقال الشاب: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري: ولم يقف واحد منهما، بل مر كلٌ لحاجته،
стр. 107
مشرقاً ومغرباً قال: فتبعت المرأة، فقلت لها: إنَّ لم تقولي ما قلتما. فضحكت فقالت: أراد الشاب قول علي بن الجهم:
عيون المهى بين الرصافة والجسر ... جلب الهوى من حيث ادري ولا ادري
وأردت أنا قول أبي العلاء المعري:
فيا دارها بالحزن إنَّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
فانصرفت وتركتها. وبعضهم ينكر في قصة عمرو بن هند التحريق، ويقول إنّه قتل تسعة وتسعين وإكمال العدة بوافد البراجم، وينشد قول الجرير: أين الذين بنار عمرو قتلوا؟ وفي القصة اختلاف وطرق، وسنعيدها في الباء إنَّ شاء الله تعالى على وجه آخر للحاجة إليها هناك.
إنَّ العصا قرعت لذي الحلم .
العصا معروفة. والقرع: الضرب. والحلم: العقل. ومعنى المثل إنَّ الحليم إذا نبه انتبه. واختلف في أوّل من قرعت له العصا: فقيل عامر بن حممة، وقيل عمرو بن مالك، وقيل قيس بن خالد، وقيل عامر بن الظرب العدواني وهو الأشهر، وكان حكماً من حكام العرب. فلما كبر، قيل وأتى عليه ثلاثمائة سنة أنكر من عقلة شيئاً، وكانت له بنت حكيمة، فكان إذا قعد للناس وصاها إنَّ تقرع له المجن بالعصا إذا زل في كلامة ليرجع. قال الملتمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلاّ ليعلما
وأراد بذي الحلم عامراً، وهو كنينه فيما يزعمون. وقال الحماسي الحرث بن وعلة
стр. 108
الجرمي:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
لا تأمنن قوماً ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم
إنَّ يأبروا نخلاً لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمي
وزعمتم أنَّ لأحلوم لنا ... إنَّ العصا قرعت لذي الحلم
ووطئتنا وطئا على حنقٍ ... وطء المقيد نابت الهرم
وتركنا لحما على وضمٍ ... لو كنت تسبقني من اللحم
قيل: وعامر هذا أوّل من جلس على المنبر وتكلم. وفيه يقول الأسود بن يعفر:
ولقد علمت لو إنَّ علمي نافعٌ ... أنَّ السبيل سبيل ذي الأعداد
وإليه اشار ذو الإصبع العدواني بقوله:
عذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض
بغي بعضهم ظلما فلم ... يرع على بعض
ومنهم كانت السادات ... والموفون بالقرض
ومنهم من يجيز الناس ... بالسنة والفرض
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي
يعني عامر بن الظرب، وسيأتي له مزيد من الخبر.
стр. 109
إنَّ فلاناً باقعة .
الباقعة: الرجل الداهية؛ وأصله البقع في الأرض وهو الذهاب فيها وحوله بقاعها. يقال: ما أدري أين بقع أي ذهب. فالباقعة هو الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها فاستعمل في الداهية الذكي الذي لا يفوته شيء. ويقال الباقعة هو الطائر يرد البقاع وهي الأمكنة فيها ماء ويحيد عن المشارع والمياه المحصورة خوف أنَّ يحتال عليه فيصاد. فضرب مثلا للرجل الحذر المحتال.
إنّه لحبل من أحبالها
الحبل بكسر الحاء وتفتح الداهية من الدواهي جمعه حبول. قال كثير:
فلا تعجلي يا عز أنَّ تتبيني ... بنصحي أتى الواشون أم بحبولِ
ويقال للرجل هو حبل من أحبالها إذا كان داهية كالمثل الذي قبله أو كان قائما على المال رفيقا بسياسته.
إنّه لذو بزلاء .
البزلاء: الرأي الجيد؛ وهو إما مأخوذ من البزول يقال بزل ناب البعير إذا انشق وطلع؛ وبزلت الشيء: شققته فتبزل. فالبزلاء: الرأي الذي ينشق عن الصواب. ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيها بالبازل من الإبل. وقال الراعي:
من أمر ذي بدوات لا يزال له ... بزلاء يعي بها الجثامة اللبدُ
وأما من البزلاء وهي الداهية العظيمة. ومنه قولهم: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقا للشدائد.
إنّه ليسر حسوا في لرتغاء .
السرار ضد الإعلان؛ والحسو: الشرب؛ يقال: حسا اللبن والماء والمرق وغير ذلك إذا شربه؛ واسم ما يحسى: الحسو، مقصورا وممدودا، والحسو على
стр. 110
مثال عدو، والحسية. ورغوة اللبن، مثلثة الراء، ورغاوته، ورغايته، بضم الراءين، ويكسران: زبدة الطافي فوقه. قال نضلة السلمي في يوم غول، وكان حقيرا دميما، وكان ذا بأس ونجدة:
ألم تسل الفوارس يوم غول ... بنضلة وهو موتور مشيح؟
رأوه فازدروه وهو حر ... وينفع أهله الرجل القبيحُ
فشد عليهم بالسيف صلتا ... كما عض الشبا الفرس الجموحُ
فاطلقت غل صاحبه وأردى ... قتيلا منهم ونجا جريحُ
ولم يخشوا مصاليه عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريحُ
والصريح: الخالص ويسمى المحض كما قال طرفة:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطيته أترك لقلبي مجثما
وكما قال الآخر: فقل جعل يستق في لبن محض. ويقال: ارتغى الرغوة إذا أخذها بفيه واحتساها.
ومعنى المثل إنّه يحسو اللبن وهو يظهر إنّه يزيل الرغوة بفيه ليصلحه لك.
وضرب لمن يريك إنّه يعينك وهو يجر النفع لنفسه. وكذا من يريد أمرا وهو يظهر غيره. وقيل للشعبي: إنَّ رجلا قبَّل أمَّ امرأته. فقال: يسر حسواً في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته.
إنّه لساكن الريح .
مثل لرجل الوادع، وهو في الأصل إما مشبه بزمن قد سكنت ريحه
следующие страницы →